العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة التوبة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 10:38 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي تفسير سورة التوبة [ من الآية (1) إلى الآية (5) ]

تفسير سورة التوبة
[ من الآية (1) إلى الآية (5) ]



{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) }



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 10:48 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في سورة النساء: {إلا الّذين يصلون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء اللّه لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السّلم فما جعل اللّه لكم عليهم سبيلاً}؛
وقال: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلّ ما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السّلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}؛
وقال في سورة الممتحنة: {لا ينهاكم اللّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المقسطين}؛
ثم قال فيها: {إنّما ينهاكم اللّه عن الّذين قاتلوكم في الدّين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون}؛
فنسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين}؛
فجعل لهم أجلا أربعة أشهر يسيحون فيها وأبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصدٍ}؛
ثم نسخ واستثنى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ}؛
وقال: {وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه). [الجامع في علوم القرآن: 3/70-72] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى براءة من الله ورسوله قال لما قفل النبي زمان حنين اعتمر من الجعرانة وأمر أبا بكر على تلك الحجة). [تفسير عبد الرزاق: 1/265]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري أن أبا هريرة كان يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في ناس معه قال أبو هريرة ثم تبعنا النبي عليا وأمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال على هيئته). [تفسير عبد الرزاق: 1/265]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال أمرت بأربع أمرت ألا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف رجل بالبيت عريانا ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن أتم إلى كل ذي عهد عهده
قال معمر قال قتادة مثله أيضا). [تفسير عبد الرزاق: 1/265]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 1] ). [صحيح البخاري: 6/64]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين) ). [فتح الباري: 8/316]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {براءةٌ من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين} (التّوبة: 3)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {براءة من الله} الآية. قال الإمام أبو اللّيث السّمرقندي رحمه الله أي: تبرؤ من الله ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد، ويقال: هذه الآية براءة، ويقال: هذه السّورة براءة، وقال ابن عبّاس: البراءة نقض العهد إلى الّذين عاهدتم من المشركين لأنهم نقضوا عهودهم قبل الأجل فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، بأن من كان عهده إلى أربعة أشهر أن يقره إلى أن تنقضي أربعة أشهر وقال الثّعلبيّ: ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، وقال الزّهريّ: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجّة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوّال، وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، خزاعة وبني مدلج وبني جزيمة كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهدهم بالحديبية لسنتين فجعل الله أجلهم أربعة أشهر ولم يعاهد النّبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحدا من النّاس. وقال النّحاس: قول من قال: لم يعاهد النّبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، غير صحيح، والصّحيح أنه قد عاهد بعد هذه الآية جماعة منهم أهل نجران، قال الواقديّ: عاهدهم وكتب لهم سنة عشر قبل وفاته بيسير). [عمدة القاري: 18/258]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين}
[التوبة: 1] أذنٌ: إعلامٌ. وقال ابن عبّاسٍ: أذنٌ يصدّق، تطهّرهم وتزكّيهم بها ونحوها كثيرٌ، والزّكاة: الطّاعة والإخلاص. لا يؤتون الزّكاة: لا يشهدون أن لا إله إلاّ اللّه. يضاهون: يشبّهون
(باب قوله) عز وجل: ({براءة من الله ورسوله}) أي هذه براءة مبتدأ صدورها من الله تعالى وغاية انتهائها ({إلى الذين عاهدتم من المشركين}) [التوبة: 1] فبراءة خبر مبتدأ محذوف وقيل مبتدأ خبره إلى الذين وجاز الابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بالجار بعدها، والمعنى أن الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا ولم يف به إلا بنو ضمرة وبنو كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى من نقضه وأمروا أن يسيحوا الأربعة الأشهر المحرم صيانة لها من القتال). [إرشاد الساري: 7/140]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {براءةٌ من اللّه ورسوله} هذه براءةٌ من اللّه ورسوله.
فـ براءةٌ مرفوعةٌ بمحذوفٍ، وهو هذه، كما في قوله: {سورةٌ أنزلناها} مرفوعةٌ بمحذوفٍ هو هذه، ولو قال قائلٌ: براءةٌ مرفوعةٌ بالعائد من ذكرها في قوله: {إلى الّذين عاهدتم} وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها؛ إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: {من اللّه ورسوله} كالمعرفة، وصار معنى الكلام: براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين، كان مذهبًا غير مدفوعةٍ صحّته، وإن كان القول الأوّل أعجب إليّ؛ لأنّ من شأن العرب أن يضمروا لكلّ معاينٍ نكرةً كان أو معرفةً ذلك المعاين، هذا وهذه، فيقولون عند معاينتهم الشّيء الحسن: حسنٌ واللّه، والقبيح: قبيحٌ واللّه، يريدون: هذا حسنٌ واللّه، وهذا قبيحٌ واللّه، فلذلك اخترت القول الأوّل.
وقال: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم} والمعنى: إلى الّذين عاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المشركين؛ لأنّ العهود بين المسلمين والمشركين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يتولّى عقدها إلاّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو من يعقدها بأمره، ولكنّه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأنّ عقود النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على أمّته كانت عقودهم؛ لأنّهم كانوا لكلّ أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلّمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال: {إلى الّذين عاهدتم من المشركين} لما كان من عقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعهده.
وقد اختلف أهل التّأويل فيمن برئ اللّه ورسوله إليه من العهد الّذي كان بينه وبين رسول اللّه من المشركين فأذن له في السّياحة في الأرض أربعة أشهرٍ.
فقال بعضهم: صنفان من المشركين:
أحدهما: كانت مدّة العهد بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقلّ من أربعة أشهرٍ، وأمهل بالسّياحة أربعة أشهرٍ.
والآخر منهما: كانت مدّة عهده بغير أجلٍ محدودٍ فقصر به على أربعة أشهرٍ ليرتاد لنفسه، ثمّ هو حربٌ بعد ذلك للّه ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيثما أدرك ويؤسر إلاّ أن يتوب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ الصّدّيق رضي اللّه عنه أميرًا على الحاجّ من سنة تسعٍ ليقيم للنّاس حجّهم، والنّاس من أهل الشّرك على منازلهم من حجّهم. فخرج أبو بكرٍ ومن معه من المسلمين، ونزلت سورة براءةٌ في نقض ما بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين من العهد الّذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصدّ عن البيت أحدٌ جاءه، وأن لا يخاف أحدٌ في الشّهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين النّاس من أهل الشّرك، وكانت بين ذلك عهودٌ بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين قبائل من العرب خصائص إلى أجلٍ مسمًّى، فنزلت فيه وفيمن تخلّف عنه من المنافقين في تبوك وفي قول من قال منهم، فكشف اللّه فيها سرائر أقوامٍ كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سمّي لنا، ومنهم من لم يسمّ لنا، فقال: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين} أي لأهل العهد العامّ من أهل الشّرك من العرب {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} إلى قوله: {أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله} أي بعد هذه الحجّة.
وقال آخرون: بل كان إمهال اللّه عزّ وجلّ بسياحة أربعة أشهرٍ من كان من المشركين بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ، فأمّا من لم يكن له من رسول اللّه عهدٌ فإنّما كان أجله خمسين ليلةً، وذلك عشرون من ذي الحجّة والمحرّم كلّه. قالوا: وإنّما كان ذلك كذلك؛ لأنّ أجل الّذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال اللّه: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} الآية، قالوا: والنّداء ببراءةٌ كان يوم الحجّ الأكبر، وذلك يوم النّحر في قول قومٍ، وفي قول آخرين: يوم عرفة، وذلك خمسون يومًا.
قالوا: وأمّا تأجيل الأشهر الأربعة، فإنّما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من يوم نزلت براءةٌ. قالوا: ونزلت في أوّل شوّالٍ، فكان انقضاء مدّة أجلهم انسلاخ الأشهر الحرم. وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التّأجيل كان للفريقين واحدًا، أعني الّذي له العهد والّذي لا عهد له، غير أنّ أجل الّذي كان له عهدٌ كان أربعة أشهرٍ، والّذي لا عهد له: انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} قال: حدّ اللّه للّذين عاهدوا رسوله أربعة أشهرٍ يسيحون فيها حيثما شاءوا، وحدّ أجل من ليس له عهدٌ انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النّحر إلى انسلاخ المحرّم، فذلك خمسون ليلةً، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السّيف فيمن عاهد.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا نزلت {براءةٌ من اللّه} إلى: {وأنّ اللّه مخزي الكافرين} يقول: براءةٌ من المشركين الّذين كان لهم عهدٌ، يوم نزلت براءة. فجعل مدّة من كان له عهدٌ قبل أن تنزل براءة أربعة أشهرٍ، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ، وجعل مدّة المشركين الّذين لم يكن لهم عهدٌ قبل أن تنزل براءة انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذّن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم وهي خمسون ليلةً: عشرون من ذي الحجّة، وثلاثون من المحرّم. {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} إلى قوله: {واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} يقول: لم يبق لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذمّةٌ منذ نزلت براءة، وانسلخ الأشهر الحرم، ومدّة من كان له عهدٌ من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهرٍ من يوم أذّن ببراءة إلى عشرٍ من أوّل ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهرٍ.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين} قبل أن تنزل براءة عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكّة وغيرهم، فنزلت براءة من اللّه إلى كلّ أحدٍ ممّن كان عاهدك من المشركين فإنّي أنقض العهد الّذي بينك وبينهم، فأؤجّلهم أربعة أشهرٍ يسيحون حيث شاءوا من الأرض آمنين، وأجل من لم يكن بينه وبين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ انسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذّن ببراءة وأذن بها يوم النّحر، فكان عشرين من ذي الحجّة، والمحرّم ثلاثين، فذلك خمسون ليلةً. فأمر اللّه نبيّه إذا انسلخ المحرّم أن يضع السّيف فيمن لم يكن بينه وبين نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ يقتلهم حتّى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهدٌ إذا انسلخ أربعةٌ من يوم النّحر أن يضع فيهم السّيف أيضًا يقتلهم حتّى يدخلوا في الإسلام. فكانت مدّة من لا عهد بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمسين ليلةً من يوم النّحر، ومدّة من كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ أربعة أشهرٍ من يوم النّحر إلى عشرٍ يخلون من شهر ربيعٍ الآخر.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله} إلى قوله: {وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ} قال: ذكر لنا أنّ عليًّا نادى بالأذان، وأمّر على الحاجّ أبو بكرٍ رضي اللّه عنهما، وكان العام الّذي حجّ فيه المسلمون والمشركون، ولم يحجّ المشركون بعد ذلك العام.
قوله: {الّذين عاهدتم من المشركين} إلى قوله: {إلى مدّتهم} قال: هم مشركو قريشٍ الّذين عاهدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهرٍ بعد يوم النّحر وأمر اللّه نبيّه أن يوفّي بعهدهم إلى مدّتهم ومن لا عهد له انسلاخ المحرّم، ونبذ إلى كلّ ذي عهدٍ عهده، وأمر بقتالهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه، ولا يقبل منهم إلاّ ذلك). [جامع البيان: 11/303-308]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1)
قوله تعالى: براءةٌ من اللّه ورسوله
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ ثنا عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ عن الزّهريّ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة في قوله: براءةٌ من اللّه ورسوله قال: لمّا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زمان حنينٍ اعتمر من الجعرانة، ثمّ أمّر أبا عليٍّ تلك الحجّة. قال معمرٌ: قال الزّهريّ: وكان أبو هريرة يحدّث: أنّ أبا بكرٍ أمر أبا هريرة أن يؤذّن ببراءة في حجّة أبي بكرٍ بمكّة، قال أبو هريرة: ثمّ أتبعنا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا، وأمره أن يؤذّن ببراءة، وأبو بكرٍ على الموسم كما هو، أو قال: على هيئته.
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ ثنا سعيد بن سليمان الواسطيّ ثنا عبّاد بن عوّامٍ عن سفيان بن الحسين عن الحكم عن مقسمٍ عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكرٍ رضي اللّه عنه، وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثمّ أتبعه عليًّا فبينا أبو بكرٍ في بعض الطّريق إذ سمع رغاء ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القصوى، فخرج أبو بكرٍ فزعًا ظنّ أنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا عليّ فدفع إليه كتاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمّره على الموسم وأمر عليًّا ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا فحجّا فقام عليٌّ أيّام التّشريق فنادى: ذمّة اللّه ورسوله بريئةٌ من كلّ مشركٍ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ ولا يحجّنّ بعد هذا العام مشركٌ ولا يطوفنّ بالبيت عريانٌ ولا يدخل الجنّة إلا مؤمنٌ، فكان عليٌّ رضي اللّه عنه ينادي بها فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى بها.
- أخبرنا أحمد بن عثمان، فيما كتب إليّ- ثنا أحمد بن المفضّل ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين قال: لمّا نزلت هذه الآية برئ من عهد كلّ مشركٍ ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد وأجرى لكل قومٍ مدّتهم.
قوله تعالى: إلى الّذين عاهدتم من المشركين
- حدّثنا حجّاج بن حمزة حدّثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله: براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين إلى أهل العهد خزاعة ومدلجٍ ومن كان له عهد وغير هم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحجّ، ثمّ قال: إنّه يحضر البيت مشركون يطوفون عراةً فلا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكرٍ وعليًّا فطافا في النّاس بذي المجاز وبأمكنتهم الّتي كانوا يبيعون بها وبالموسم كلّه، فأذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهرٍ). [تفسير القرآن العظيم: 6/1745-1746]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (حدثنا إبراهيم بن الحسن بن علي الكسائي قال ثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين يعني خزاعة ومدلج ومن كان له عهد من غيرهم وذلك أنه أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج ثم قال إنه يحضر البيت مشركون يطوفون بالبيت عراة فلا أحب أن أحج حتى أحج وليس معي مشرك فأرسل أبا بكر ابن أبي قحافة وعلي بن أبي طالب فطافا بالناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها كلها وبالموسم كله فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر أن لا عهد لهم فآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا). [تفسير مجاهد: 271-272]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 1 - 2.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج ثم قال إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك فأرسل أبا بكر رضي الله عنه وعليا رضي الله عنه فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كله فآذانوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الأول ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا.
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو الشيخ، وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال لما نزلت عشر آيات من براءة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل في شيء قال: لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله عنه ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا عليا فأعطاه إياه.
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة ثم بعث عليا رضي الله عنه على أثره فأخذها منه فكأن أبا بكر رضي الله عنه وجد في نفسه فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بأربع لا يطوفن بالبيت عريان ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده وإن الله ورسوله بريء من المشركين.
وأخرج أحمد والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بأربع، لا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده وأن الله ورسوله بريء من المشركين.
وأخرج أحمد والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر فقال أبو هريرة: ثم اتبعنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر رضي الله عنه على الموسم كما هو أو قال: على هيئته
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج ثم أرسل عليا رضي الله عنه ببراءة على أثره ثم حج النّبيّ صلى الله عليه وسلم المقبل ثم خرج فتوفي فولي أبو بكر رضي الله عنه فاستعمل عمر رضي الله عنه على الحج ثم حج أبو بكر رضي الله عنه من قابل ثم مات ثم ولي عمر رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ثم كان يحج بعد ذلك هو حتى مات ثم ولي عثمان رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ثم كان يحج حتى قتل.
وأخرج ابن حبان، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة فلما أرسله بعث إلى علي رضي الله عنه فقال: يا علي إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت فحمله على ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة فأتى أبو بكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال: ما لي يا رسول الله قال خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني
وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم فأتى جبريل عليه السلام فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك فبعث عليا رضي الله عنه على أثره حتى لحقه بين مكة والمدينة فأخذها فقرأها على الناس في الموسم.
وأخرج البخاري ومسلم، وابن المنذر، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ثم أردف النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي رضي الله عنه في أهل منى يوم النحر ببراءة: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
وأخرج الترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه عليا رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها فانطلقا فحجا فقام علي رضي الله عنه في أيام التشريق فنادى ? {إن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} ? ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، فكان علي رضي الله عنه ينادي بها.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر والنحاس والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن زيد بن تبيع رضي الله عنه قال: سألنا عليا رضي الله عنه بأي شيء بعثت مع أبي بكر رضي الله عنه في الحج قال: بعثت بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامه هذا ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.
وأخرج إسحاق بن راهويه والدارمي والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن جابر رضي الله عنه أن النّبيّ بعث أبا بكر على الحج ثم أرسل عليا رضي الله عنه ببراءة، فقرأها على الناس في موقف الحج حتى ختمها
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الناس سنة تسع وكتب له سنن الحج وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بآيات من براءة فأمره أن يؤذن بمكة وبمنى وعرفة والمشاعر كلها: بأنه برئت ذمة رسول من كل مشرك حج هذا العام أو طاف بالبيت عريان وأجل من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر وسار علي رضي الله عنه على راحلته في الناس كلهم يقرأ عليهم القرآن {براءة من الله ورسوله} وقرأ عليهم (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (الأعراف الآية 31) الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ببراءة فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن وأسأل عن القضاء ولا أدري ما أجيب قال: ما بد من أن تذهب بها أو أذهب بها، قلت: إن كان لا بد فأنا أذهب، قال: انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك ثم قال: انطلق فاقرأها على الناس.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {براءة من الله ورسوله} الآية، قال: حد الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤوا وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر إلى إنسلاخ الحرم خمسين ليلة فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق وإن ذهب الشرط الأول (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) (التوبة الآية 4) يعني أهل مكة.
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقوم عهود فأمر الله النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم أربعة أشهر يسيحون فيها ولا عهد لهم بعدها وأبطل ما بعدها وكان قوم لا عهود لهم فأجلهم خمسين يوما عشرين من ذي الحجة والمحرم كله فذلك قوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (التوبة الآية 5) قال: ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحدا.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {براءة من الله ورسوله} قال: برئ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهودهم كما ذكر الله عز وجل). [الدر المنثور: 7/228-235]

تفسير قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في سورة النساء: {إلا الّذين يصلون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء اللّه لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السّلم فما جعل اللّه لكم عليهم سبيلاً}؛
وقال: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلّ ما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السّلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}؛
وقال في سورة الممتحنة: {لا ينهاكم اللّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المقسطين}؛
ثم قال فيها: {إنّما ينهاكم اللّه عن الّذين قاتلوكم في الدّين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون}؛
فنسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين}؛
فجعل لهم أجلا أربعة أشهر يسيحون فيها وأبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصدٍ}؛
ثم نسخ واستثنى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ}؛
وقال: {وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه). [الجامع في علوم القرآن: 3/70-72] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري في قوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر قال نزلت في شوال فهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم). [تفسير عبد الرزاق: 1/265]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال قتادة والكلبي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر وكان ذلك العهد الذي كان بينهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/265-266]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الكلبي أنها كانت هذه الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين النبي عهد دون الأربعة فجعل له عهد أكثر من الأربعة الأشهر فهو الذي أمر أن يتم له عهده فقال أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/266]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [الآية (2) : قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن زيد بن يثيع، قال: سألنا عليًّا، رضي اللّه عنه: بأيّ شيءٍ بعثت؟ قال: بأربعٍ: إنّه لا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلمٌ ومشركٌ بعد عامهم هذا في الحجّ، ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر). [سنن سعيد بن منصور: 5/233]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين} [التوبة: 2] "
سيحوا: سيروا "
- حدّثنا سعيد بن عفيرٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، وأخبرني حميد بن عبد الرّحمن، أنّ أبا هريرة رضي اللّه عنه، قال: بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى، أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ، قال حميد بن عبد الرّحمن: ثمّ «أردف رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعليّ بن أبي طالبٍ، وأمره أن يؤذّن ببراءة» ، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ يوم النّحر في أهل منًى ببراءة، «وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ»). [صحيح البخاري: 6/64]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ)
ساق إلى الكافرين فسيحوا سيروا هو كلام أبي عبيدة بزيادةٍ قال في قوله تعالى فسيحوا في الأرض قال سيروا وأقبلوا وأدبروا

[4655] قوله حدّثني اللّيث عن عقيلٍ في الرّواية الّتي بعدها حدّثني اللّيث حدّثني عقيلٌ وللّيث فيه شيخٌ آخر تقدّم في كتاب الحجّ عن يحيى بن بكيرٍ عن اللّيث عن يونس قوله عن بن شهابٍ وأخبرني حميدٌ قال الكرمانيّ بواو العطف إشعارا بأنّه أخبره أيضا بغير ذلك قيل فهو عطفٌ على مقدّرٍ قلت لم أر في طرق حديث أبي هريرة عن أبي بكرٍ الصّدّيق زيادةً إلّا ما وقع في رواية شعيبٍ عن الزّهريّ فإنّ فيه كان المشركون يوافون بالتّجارة فينتفع بها المسلمون فلمّا حرّم اللّه على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم ممّا قطع عنهم من التّجارة فنزلت وإن خفتم عيلةً الآية ثمّ أحلّ في الآية الأخرى الجزية الحديث أخرجه الطّبرانيّ وبن مردويه مطوّلًا من طريق شعيبٍ وهو عند المصنّف في كتاب الجزية من هذا الوجه قوله أنّ أبا هريرة رضي اللّه عنه قال بعثني في رواية صالح بن كيسان عن بن شهابٍ في الباب الّذي يليه أنّ أبا هريرة أخبره). [فتح الباري: 8/317]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {فسيحوا في الأرضي أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي الله وأنّ الله مخزى الكافرين} (التّوبة: 2)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {فسيحوا في الأرض} الآية وقد مر الكلام في {أربعة أشهر} عن قريب. قوله: (غير معجزي الله) ، أي: غير سابقي الله بأعمالكم. قوله: (وأن الله) ، أي: واعلموا أن الله مخزي (الكافرين) أي مذلهم، ويقال: معذب الكافرين في الدّنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنّار.
سيحوا سيروا
أي: معنى قوله: سيحوا سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا بحرب ولا سلب ولا قتل. ولا أسر، يقال: ساح فلان في الأرض يسيح سيحا وسياحة وسيوحا.
- حدّثنا سعيد بن عفيرٍ قال حدّثني اللّيث قال حدّثني عقيلٌ عن ابن شهابٍ وأخبرني حميد بن عبد الرّحمان أنّ أبا هريرة رضي الله عنه قال بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ قال حميد ابن عبد الرّحمان ثمّ أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالبٍ وأمره أن يؤذّن ببراءة قال أبو هريرة فأذّن معنا عليٌّ يوم النّحر في أهل منى ببراءة وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ.
مطابقته للتّرجمة من حيث أن هذه التّرجمة من تتمّة الآية الّتي هي أول السّورة أعني قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} وفيه أيضا لفظ براءة.
وسعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وهو سعيد بن كثير بن عفير المصريّ، وروى له مسلم أيضا. وعقيل: بضم العين المهلمة وفتح القاف ابن خالد الأيلي يروي عن محمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ.
والحديث مضى في الصّلاة في: باب ما يستر من العورة، فإنّه أخرجه هناك عن إسحاق بن إبراهيم عن يعقوب إلى آخره، ومضى في كتاب الحج أيضا في: باب لا يطوف بالبيت عريان، فإنّه أخرجه هناك عن يحيى بن بكير عن اللّيث عن يونس قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرّحمن أن أبا هريرة أخبره إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: (وأخبرني حميد) ، وفي كتاب الحج: وحدثني حميد بن عبد الرّحمن، وإنّما قال بواو العطف أشعارا بأنّه أخبره أيضا بغير ذلك فهو عطف على مقدّر، قال الكرماني: ولم يعين المقدر. قلت: الظّاهر أن المقدر هكذا عن ابن شهاب حدثني وأخبرني حميد، وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدثنا وبين أخبرنا. قوله: (أن أبا هريرة قال بعثني) وفي كتاب الحج: أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر بعثه. قوله: (في تلك الحجّة) ، وهي الحجّة الّتي كان فيها أبو بكر أميرا على الحاج، وهي في السّنة التّاسعة. قوله: (في مؤذنين) جمع مؤذن من الإيذان وهو الإعلام بالشّيء قال ابن الأثير: يقال آذن يؤذن إيذانًا وأذن يؤذن تأذينا والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصّلاة. قوله: (قال حميد) متّصل بالإسناد الأول قوله: (ثمّ أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب) أي: أرسله بعد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد حدثنا عفّان حدثنا حمّاد عن سماك عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث ببراءة مع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، فلمّا بلغ ذا الحليفة قال: لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي، فبعث بها مع عليّ، رضي الله تعالى عنه، ورواه التّرمذيّ أيضا في التّفسير، وقال: حسن غريب، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عليّ، رضي الله تعالى عنه، لما نزلت عشر آيات من براءة على النّبي صلى الله عليه وسلم، أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة. ثمّ دعاني فقال: أدرك أبا بكر فحيث ما لقيته فخدّ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنزل في شيء؟ فقالا: لا ولكن جبريل، عليه الصّلاة والسّلام، جاءني وقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك، قال ابن كثير: هذا إسناد فيه ضعف، وليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، وإنّما رجع بعد قضائه المناسك الّتي أمّره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء مبينًا في الرّواية الأخرى، وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن الزّهريّ عن ابن المسيب عن أبي هريرة في قوله: {براءة من الله ورسوله} قال: لما كان النّبي صلى الله عليه وسلم زمن حنين اعتمر من الجعرّانة ثمّ أمّر أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، على تلك الحجّة، قال معمر: قال الزّهريّ: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجّة أبي بكر بمكّة. قال أبو هريرة: ثمّ اتّبعنا النّبي صلى الله عليه وسلم عليا وأمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر، رضي الله تعالى عنه، كما هو على الموسم. أو قال: على هيئته، قال ابن كثير وهذا السّياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرّانة إنّما كان عتاب بن أسيد، وأما أبو بكر فإنّما كان أميرا سنة تسع. قوله: (قال أبو هريرة فأذن معنا عليّ) ، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني وحده. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأذن معنا، قيل: هذا غلط فاحش مخالف لرواية الجميع، وإنّما هو كلام أبي هريرة قطعا فهو الّذي كان يؤذن بذلك وقال عياض: أن أكثر رواة الفربري وافقوا الكشميهني قال: وهو غلط). [عمدة القاري: 18/259-261]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين} سيحوا: سيروا
(باب قوله) تعالى: ({فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}) أوّلها شوّال وآخرها سلخ المحرم قاله الزهري أو من يوم النحر إلى عشرين من ربيع الآخر.
واستشكل ابن كثير الأوّل بأنهم كيف يحاسبون بمدّة لم يبلغهم حكمها وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر كما يأتي إن شاء الله تعالى. واستشكل غيره القولين بأنه لم يكن ذلك كله الأشهر الحرم
المشار إليها في قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم. وأجيب: باحتمال أن يكون من قبيل التغليب وهذا أمر من الله لناقضي العهد كما مرّ.
روى سعيد بن منصور والنسائي عن زيد بن يثيع بتحتية مضمومة وقد تبدل همزة بعدها مثلثة مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة الهمداني الكوفي المخضرم قال: سألت عليًّا بأي شيء بعثت؟ قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر، واستدلّ بهذا الأخير كما قاله ابن حجر وغيره على أن قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} مختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو من لم يكن له عهد أصلاً، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته وروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان. صنف كان له عهد دون أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر وصنف كانت مدة عهده بغير أجل فقصرت على أربعة أشهر وعن ابن عباس أن الأربعة الأشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها أو يزيد عليها وأن من ليس له عهد فانقضاؤه إلى سلخ المحرم لقوله: {فإذا انسلخ الأشهر المحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] وعن الزهري قال: كان أول أربعة الأشهر عند نزول براءة في شوال، وكان آخرها آخر المحرم وبذلك يجمع بين الأربعة الأشهر وبين قوله: {فإذا انسلخ الأشهر المحرم}.
({واعلموا أنكم غير معجزي الله}) أي لا تفوتونه وإن أمهلكم ({وإن الله مخزي الكافرين}) (التوبة: 2] مذلهم بالقتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة.
(سيحوا) قال أبو عبيدة: أي (سيروا) وقال غيره: اتسعوا في السير وابعدوا عن العمارات وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
- حدّثنا سعيد بن عفيرٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ: وأخبرني حميد بن عبد الرّحمن، أنّ أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجّة في مؤذّنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ قال: حميد بن عبد الرّحمن ثمّ أردف رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعليّ بن أبي طالبٍ وأمره أن يؤذّن ببراءة قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ يوم النّحر في أهل منًى ببراءة، وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام المصري (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين المهملة وفتح القاف ابن خالد الأيلي ولأبي ذر عن عقيل (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (وأخبرني) بالإفراد وواو العطف. قال في الكواكب: إشعارًا بأنه أخبره أيضًا بغير ذلك فهو عطف على مقدر قال في الفتح: ولم أر في طرق
حديث أبي هريرة عن أبي بكر زيادة إلا ما وقع في رواية شعيب عن الزهري فإن فيها: كان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع بها المسلمون فلما حرم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة فنزلت {وإن خفتم عيلة} [التوبة: 28] الآية ثم أحل في الآية الأخرى الجزية الحديث. وأخرجه الطبراني وابن مردويه مطولاً. وقال في العمدة: ولم يعين الكرماني المقدر، والظاهر أن المقدر هكذا عن ابن شهاب حدثني وأخبرني (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني قال: وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدّثنا وأخبرنا كذا قال فليتأمل. (أن أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: بعثني أبو بكر) الصديق -رضي الله عنه- (في تلك الحجة) زاد في الحج من طريق يحيى بن بكير التي أمره عليها رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- قبل حجة الوداع (في مؤذنين) جمع مؤذن من الإيذان وهو الإعلام (بعثهم يوم النحر) سنة تسع من الهجرة (يؤذنون) أي يعلمون الناس (بمنى أن لا يحج) بفتح الهمزة وتشديد اللام ونصب يحج بأن ولا نافية (بعد العام) المذكور (مشرك) هو منتزع من قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] والمراد المحرم كله (ولا يطوف بالبيت عريان) بنصب يطوف عطفًا على يحج واحتج به الأئمة الثلاثة على وجوب ستر العورة في الطواف خلافًا لأبي حنيفة حيث جوّز طواف العريان ولأبي ذر لا يحج بالرفع ولا نافية مخففة ويطوف رفع عطفًا على يحج.
(قال حميد بن عبد الرحمن) بالسند السابق (ثم أردف رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أبا بكر (بعلي بن أبي طالب). وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك وقال الترمذي حسن غريب أنه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: "لا يبلّغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي" فبعث بها مع علي -رضي الله عنه- (وأمره) ولأبي ذر: فأمره (أن يؤذن ببراءة) أي ببعضها وقد نبه في الفتح على أن هذا المقدار من الحديث مرسل لأن حميد لم يدرك ذلك ولا صرح بسماعه له من أبي هريرة.
(قال أبو هريرة) -رضي الله عنه- بالإسناد المذكور قال في الفتح: وكأن حميدًا حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق أبا بكر عن غير أبي هريرة وحمل بقية القصة كلها عن أبي هريرة (فأذن معنا علي) رضي الله عنه (يوم النحر في أهل منى ببراءة) ولأبي ذر عن الكشميهني. قال أبو بكر بدل قال أبو هريرة. قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط فاحش مخالف لرواية الجميع، وإنما هو كلام أبي هريرة قطعًا فهو الذي كان يؤذن بذلك (وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) وزاد أحمد من رواية محرز بن أبي هريرة عن أبيه: ولا يدخل الجنة إلا مؤمن.
فإن قلت: فما فائدة قوله ولا يدخل الجنة إلا مؤمن؟ أجيب: الإعلام بأن المشرك بعدها لا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان لقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر المحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5].
وقد سبق حديث الباب في الصلاة والحج). [إرشاد الساري: 7/141-142]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ}

- أخبرنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثني محمّدٌ، وعثمان بن عمر، قالا: حدّثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشّعبيّ، عن المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع عليّ بن أبي طالبٍ حين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل مكّة ببراءةٍ، قال: ما كنتم تنادون؟ قال: " كنّا ننادي أنّه: «لا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهدٌ فأجله وأمده إلى أربعة أشهرٍ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإنّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله، ولا يحجّ بعد العام مشركٌ، وكنت أنادي حتّى صحل صوتي»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/112]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (قوله: {الّذين عاهدتم من المشركين} إلى قوله: {إلى مدّتهم} قال: هم مشركو قريشٍ الّذين عاهدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهرٍ بعد يوم النّحر وأمر اللّه نبيّه أن يوفّي بعهدهم إلى مدّتهم ومن لا عهد له انسلاخ المحرّم، ونبذ إلى كلّ ذي عهدٍ عهده، وأمر بقتالهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه، ولا يقبل منهم إلاّ ذلك.
وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهرٍ، وانقضاء ذلك لجميعهم وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحجّ الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشرٍ من ربيع الآخر.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين} قال: لمّا نزلت هذه الآية، برئ من عهد كلّ مشركٍ، ولم يعاهد بعدها إلاّ من كان عاهد، وأجرى لكلٍّ مدّتهم. {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} لمن دخل عهده فيها من عشر ذي الحجّة والمحرّم، وصفرٍ وشهر ربيعٍ الأوّل، وعشرٍ من ربيعٍ الآخر.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو معشرٍ، قال: حدّثنا محمّد بن كعبٍ القرظيّ، وغيره، قالوا: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ أميرًا على الموسم سنة تسعٍ، وبعث عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه بثلاثين أو أربعين آيةً من براءة، فقرأها على النّاس يؤجّل المشركين أربعة أشهرٍ يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة أجّل المشركين عشرين من ذي الحجّة، والمحرّم، وصفر، وشهر ربيعٍ الأوّل، وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجّنّ بعد عامنا هذا مشركٌ ولا يطوفنّ بالبيت عريانٌ.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} عشرون من ذي الحجّة، والمحرّم، وصفر، وربيعٌ الأوّل، وعشرٌ من ربيعٍ الآخر، كان ذلك عهدهم الّذي بينهم.
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {براءةٌ من اللّه ورسوله} إلى أهل العهد: خزاعة، ومدلج، ومن كان له عهدٌ من غيرهم. أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحجّ، ثمّ قال: إنّه يحضر المشركون فيطوفون عراةً، فلا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رضي اللّه عنهما، فطافا بالنّاس بذي المجاز وبأمكنتهم الّتي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلّها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهرٍ، فهي الأشهر المتواليات عشرون من آخر ذي الحجّة إلى عشرٍ يخلون من شهر ربيعٍ الآخر، ثمّ لا عهد لهم. وآذن النّاس كلّها بالقتال إلاّ أن يؤمنوا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين} قال: أهل العهد مدلج، والعرب الّذين عاهدهم، ومن كان له عهدٌ. قال: أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك حين فرغ منها وأراد الحجّ، ثمّ قال: إنّه يحضر البيت مشركون يطوفون عراةً فلا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك فأرسل أبا بكرٍ وعليًّا رضي اللّه عنهما، فطافا بالنّاس بذي المجاز، وبأمكنتهم الّتي كانوا يتبايعون بها وبالموسم كلّه، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهرٍ، في الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجّة إلى عشرٍ يخلون من شهر ربيعٍ الآخر، ثمّ لا عهد لهم. وآذن النّاس كلّهم بالقتال إلاّ أن يؤمنوا، فآمن النّاس أجمعون حينئذٍ ولم يسح أحدٌ. وقال: حين رجع من الطّائف مضى من فوره ذلك، فغزا تبوك بعد إذ جاء إلى المدينة.
وقال آخرون ممّن قال: ابتداء الأجل لجميع المشركين وانقضاؤه كان واحدًا. كان ابتداؤه يوم نزلت براءة، وانقضاؤه انقضاء الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} قال: نزلت في شوّالٍ، فهذه الأربعة الأشهر: شوّالٌ، وذو القعدة، وذو الحجّة والمحرّم.
وقال آخرون: إنّما كان تأجيل اللّه الأشهر الأربعة المشركين في السّياحة لمن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ مدّته أقلّ من أربعة أشهرٍ، أمّا من كان له عهدٌ مدّته أكثر من أربعة أشهرٍ فإنّه أمر صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتمّ له عهده إلى مدّته.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الكلبيّ: إنّما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ دون الأربعة الأشهر، فأتمّ له الأربعة. ومن كان له عهدٌ أكثر من أربعة أشهرٍ فهو الّذي أمر أن يتمّ له عهده، وقال: {أتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم}.
قال أبو جعفرٍ رحمه اللّه: وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال: الأجل الّذي جعله اللّه لأهل العهد من المشركين وأذن لهم بالسّياحة فيه بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} إنّما هو لأهل العهد الّذين ظاهروا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدّته، فأمّا الّذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإنّ اللّه جلّ ثناؤه أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدّته بقوله: {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين}.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ قول اللّه تعالى ذكره: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} يدلّ على خلاف ما قلنا في ذلك؛ إذ كان ذلك ينبئ عن أنّ الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كلّ مشركٍ، فإنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أنّ الآية الّتي تتلو ذلك تنبئ عن صحّة ما قلنا وفساد ما ظنّه من ظنّ أنّ انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كلّ مشركٍ كان له عهدٌ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لم يكن له منه عهدٌ، وذلك قوله: {كيف يكون للمشركين عهدٌ عند اللّه وعند رسوله إلاّ الّذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين} فهؤلاء مشركون، وقد أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم وترك مظاهرة عدوّهم عليهم.
وبعد: ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه حين بعث عليًّا رضي اللّه عنه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ، فعهده إلى مدّته أوضح الدّليل على صحّة ما قلنا؛ وذلك أنّ اللّه لم يأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنقض عهد قومٍ كان عاهدهم إلى أجلٍ، فاستقاموا على عهده بترك نقضه، وأنّه إنّما أجّل أربعة أشهرٍ من كان قد نقض عهده قبل التّأجيل أو من كان له عهدٌ إلى أجلٍ غير محدودٍ، فأمّا من كان أجل عهده محدودًا ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلاً، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورًا، بذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا قيسٌ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، قال: حدّثني محرّر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه قال: كنت مع عليٍّ رضي اللّه عنه حين بعثه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ينادي، فكان إذا صحل صوته ناديت، قلت: بأيّ شيءٍ كنتم تنادون؟ قال: بأربعٍ: لا يطف بالكعبة عريانٌ، ومن كان له عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فعهده إلى مدّته، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يحجّ بعد عامنا هذا مشركٌ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا عفّان، قال: حدّثنا قيس بن الرّبيع، قال: حدّثنا الشّيبانيّ، عن الشّعبيّ، قال: أخبرنا المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع عليٍّ رضي اللّه عنه، فذكر نحوه، إلاّ أنّه قال: ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فعهده إلى أجله.
وقد حدّث بهذا الحديث شعبة، فخالف قيسًا في الأجل.
- فحدّثني يعقوب بن إبراهيم ومحمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: حدّثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشّعبيّ، عن المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع عليٍّ حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببراءة إلى أهل مكّة، فكنت أنادي حتّى صحل صوتي، فقلت: بأيّ شيءٍ كنت تنادي؟ قال: أمرنا أن ننادي أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ مؤمنٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فأجله إلى أربعة أشهرٍ، فإذا حلّ الأجل فإنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله، ولا يطف بالبيت عريانٌ، ولا يحجّ بعد العام مشركٌ.
قال أبو جعفرٍ رحمه اللّه: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل؛ لأنّ الأخبار متظاهرةٌ في الأجل بخلافه مع خلاف قيسٍ شعبة في نفس هذا الحديث على ما بيّنته.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه، قال: أمرت بأربعٍ: أمرت أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشركٌ، ولا يطوف رجلٌ بالبيت عريانًا، ولا يدخل الجنّة إلاّ كلّ نفسٍ مسلمةٍ، وأن يتمّ إلى كلّ ذي عهدٍ عهده.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيعٍ، قال: نزلت براءة، فبعث بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ، ثمّ أرسل عليًّا فأخذها منه. فلمّا رجع أبو بكرٍ، قال: هل نزل فيّ شيءٌ؟ قال: لا، ولكنّي أمرت أن أبلّغها أنا أو رجلٌ من أهل بيتي فانطلق إلى مكّة، فقام فيهم بأربعٍ: أن لا يدخل مكّة مشركٌ بعد عامه هذا، ولا يطوف بالكعبة عريانٌ، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه عهدٌ فعهده إلى مدّته.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيعٍ، عن عليٍّ، قال: بعثني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزلت براءة بأربعٍ: أن لا يطوف بالبيت عريانٌ، ولا يقرب المسجد الحرام مشركٌ بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فهو إلى مدّته، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عبد الأعلى، عن معمرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ رضي اللّه عنه، قال: بعثت إلى أهل مكّة بأربعٍ، ثمّ ذكر الحديث.
- حدّثنا إبراهيم بن سعيدٍ الجوهريّ، قال: حدّثنا حسين بن محمّدٍ، قال: حدّثنا سليمان بن قرمٍ، عن الأعمش،. عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكرٍ ببراءة، ثمّ أتبعه عليًّا، فأخذها منه، فقال أبو بكرٍ رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه حدث فيّ شيءٌ؟ قال: لا، أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض، ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليٌّ وكان الّذي بعث به عليًّا أربعًا: لا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، ولا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فهو إلى مدّته.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن ابن أبي خالدٍ، عن عامرٍ، قال: بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا رضي اللّه عنه، فنادى: ألا لا يحجّنّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فأجله إلى مدّته، واللّه بريءٌ من المشركين ورسوله.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عبّاد بن حنيفٍ، عن أبي جعفرٍ محمّد بن عليّ بن حسين بن عليٍّ، قال: لمّا نزلت براءة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كان بعث أبا بكرٍ الصّدّيق رضي اللّه عنه ليقيم الحجّ للنّاس، قيل له: يا رسول اللّه لو بعثت إلى أبي بكرٍ فقال: لا يؤدّي عنّي إلاّ رجلٌ من أهل بيتي ثمّ دعا عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه فقال: اخرج بهذه القصّة من صدر براءة، وأذّن في النّاس يوم النّحر إذا اجتمعوا بمنًى: أنّه لا يدخل الجنّة كافرٌ، ولا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان له عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فهو إلى مدّته فخرج عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه على ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العضباء، حتّى أدرك أبا بكرٍ الصّدّيق بالطّريق، فلمّا رآه أبو بكرٍ، قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ قال: مأمورٌ. ثمّ مضيا رضي اللّه عنهما، فأقام أبو بكرٍ للنّاس الحجّ والعرب إذ ذاك في تلك السّنة على منازلهم من الحجّ الّتي كانوا عليها في الجاهليّة، حتّى إذا كان يوم النّحر، قام عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه، فأذّن في النّاس بالّذي أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا أيّها النّاس لا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، ولا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان له عهدٌ عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو له إلى مدّته، فلم يحجّ بعد ذلك العام مشركٌ، ولم يطف بالبيت عريانٌ. ثمّ قدما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشّرك من أهل العهد العامّ وأهل المدّة إلى الأجل المسمّى.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آيةً، بعث بهنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي بكرٍ وأمّره على الحجّ، فلمّا سار فبلغ الشّجرة من ذي الحليفة أتبعه بعليٍّ فأخذها منه، فرجع أبو بكرٍ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللّه بأبي أنت وأمّي أنزل في شأني شيءٌ؟ قال: لا، ولكن لا يبلّغ عنّي غيري أو رجلٌ منّي أما ترضى يا أبا بكر أنّك كنت معي في الغار، وأنّك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يا رسول اللّه فسار أبو بكرٍ على الحاجّ، وعليٌّ يؤذّن ببراءة، فقام يوم الأضحى، فقال: لا يقربنّ المسجد الحرام مشركٌ بعد عامه هذا، ولا يطوفنّ بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فله عهده إلى مدّته، وإنّ هذه أيّام أكلٍ وشربٍ، وإنّ اللّه لا يدخل الجنّة إلاّ من كان مسلمًا. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمّك إلاّ من الطّعن والضّرب، فرجع المشركون فلام بعضهم بعضًا، وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريشٌ؟ فأسلموا.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيعٍ، عن عليٍّ، قال: أمرت بأربعٍ: أن لا يقرب البيت بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، وأن يتمّ إلى كلّ ذي عهدٍ عهده قال معمرٌ: وقاله قتادة.
قال أبو جعفرٍ رحمه اللّه: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحّة ما قلنا، وأنّ أجل الأشهر الأربعة إنّما كان لمن وصفنا، فأمّا من كان عهده إلى مدّةٍ معلومةٍ فلم يجعل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلاً، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد وفّى له عهده إلى مدّته عن أمر اللّه إيّاه بذلك، وعلى ذلك دلّ ظاهر التّنزيل وتظاهرت به الأخبار عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
وأمّا الأشهر الأربعة فإنّها كانت أجل من ذكرنا، وكان ابتداؤها يوم الحجّ الأكبر وانقضاؤها انقضاء عشرٍ من ربيعٍ الآخر، فذلك أربعة أشهرٍ متتابعةٌ، جعل لأهل العهد الّذين وصفنا أمرهم فيها السّياحة في الأرض، يذهبون حيث شاءوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحربٍ ولا قتلٍ ولا سلبٍ.
فإن قال قائلٌ: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقد علمت أنّ انسلاخها انسلاخ المحرّم، وقد زعمت أنّ تأجيل القوم من اللّه ومن رسوله كان أربعة أشهرٍ، وإنّما بين الحجّ الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يومًا أكثره، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟
قيل: إنّ انسلاخ الأشهر الحرم إنّما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إمّا إلى أجلٍ غير محدودٍ وإمّا إلى أجلٍ محدودٍ قد نقضه، فصار بنقضه إيّاه بمعنى من خيف خيانته، فاستحقّ النّبذ إليه على سواءٍ، غير أنّه جعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر، ألا ترى اللّه يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنّهم أهل عهدٍ {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه} ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرام أجلاً بأنّهم أهل شركٍ لا أهل عهدٍ، فقال: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله} الآية {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين} الآية، ثمّ قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} فأمر بقتل المشركين الّذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الّذين لهم عهدٌ إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين وإدخال النّقص فيه عليهم.
فإن قال قائلٌ: وما الدّليل على أنّ ابتداء التّأجيل كان يوم الحجّ الأكبر دون أن يكون كان من شوّالٍ على ما قاله قائلو ذلك؟
قيل له: إنّ قائلي ذلك زعموا أنّ التّأجيل كان من وقت نزول براءة، وذلك غير جائزٍ أن يكون صحيحًا؛ لأنّ المجعول له أجل السّياحة إلى وقتٍ محدودٍ إذا لم يعلم ما جعل له، ولا سيّما مع عهدٍ له قد تقدّم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك؛ لأنّه إذا لم يعلم ما له في الأجل الّذي جعل له وما عليه بعد انقضائه فهو كهيئته قبل الّذي جعل له من الأجل، ومعلومٌ أنّ القوم لم يعلموا بما جعل لهم من ذلك إلاّ حين نودي فيهم بالموسم، وإذا كان ذلك كذلك صحّ أنّ ابتداءه ما قلنا وانقضاءه كان ما وصفنا.
وأمّا قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} فإنّه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه، يقال منه: ساح فلانٌ في الأرض يسيح سياحةً وسيوحًا وسيحانًا.
وأمّا قوله: {واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه} فإنّه يقول لأهل العهد من الّذين كان بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ قبل نزول هذه الآية: اعلموا أيّها المشركون أنّكم إن سحتم في الأرض واخترتم ذلك مع كفركم باللّه على الإقرار بتوحيدٍ وتصديق رسوله {غير معجزي اللّه} يقول: غير مفيتيه بأنفسكم؛ لأنّكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزيرٌ ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذابٍ معقلٌ ولا موئلٌ إلاّ الإيمان به وبرسوله والتّوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبةٍ، ودعوا السّياحة الّتي لا تنفعكم.
وأمّا قوله: {وأنّ اللّه مخزي الكافرين} يقول: واعلموا أنّ اللّه مذلّ الكافرين، ومورّثهم العار في الدّنيا والنّار في الآخرة). [جامع البيان: 11/308-320]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين (2)
قوله تعالى: فسيحوا في الأرض
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ قال: حدّ اللّه للّذين عاهدوا رسوله أربعة أشهرٍ يسيحون في الأرض حيث شاءوا.
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن محمّد بن الوليد بن بردٍ ثنا محمّد بن جعفر بن محمّدٍ عن جعفر بن محمّدٍ عن أبيه أمّا قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ للمشركين، ولن يطوف حول البيت عريانٌ.
قوله تعالى: أربعة أشهرٍ
[الوجه الأول]
- حدّثنا حجّاج بن حمزة ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله: فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجّة إلى عشرةٍ تخلو من شهر ربيعٍ الآخر ثمّ لا عهد لهم. وروي عن السدي والضحاك نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى حدّثنا محمّد بن ثورٍ عن معمرٍ عن الزّهريّ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر قال: نزلت في شوال، هي الأربعة أشهرٍ: شوّالٌ وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم.
قوله تعالى: واعلموا أنّكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين
- قرأت على محمّد بن الفضل حدّثنا محمّد بن عليٍّ حدّثنا محمّد بن مزاحمٍ حدّثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قال: بلغنا- واللّه أعلم- في قوله واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه يقول: أنّكم غير سابقي اللّه في الأرض، وإنّ اللّه مخزي الكافرين). [تفسير القرآن العظيم: 6/1746-1747]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم والنحاس عن الزهري رضي الله عنه {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قال: نزلت في شوال فهي الأربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم). [الدر المنثور: 7/235]

تفسير قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) )

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني شبيب بن سعيد، عن شعبة، عن الحكم أن عليا خرج يوم النحر على بلغه يريد الجبانة، فجاءه رجلٌ، فأخذ بلجام دابته فسأله عن الحج الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خل سبيلها). [الجامع في علوم القرآن: 1/75]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني أشهل، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزّار قال: كان عليٌّ يوم النّحر على بغلةٍ بيضاء، فأخذ إنسانٌ بلجامها فسأله عن الحجّ الأكبر، أيّ يومٍ هو، قال: هو يومك هذا، فخلّ سبيلها). [الجامع في علوم القرآن: 1/147]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني مالك بن أنس قال: كان عبد الله ابن عمر يقول: يوم النّحر: يوم الحجّ الأكبر). [الجامع في علوم القرآن: 2/137-138]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الحسن في قوله تعالى إلى الناس يوم الحج الأكبر قال إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر الحجة التي حجها فاجتمع فيها المسلمون والمشركون ووافق أيضا عيد اليهود والنصارى فلذلك سمي الحج الأكبر). [تفسير عبد الرزاق: 1/266]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال عطاء يوم عرفة يوم الحج الأكبر). [تفسير عبد الرزاق: 1/266]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال نا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث بن علي قال الحج الأكبر يوم النحر
معمر وقال الزهري يوم النحر الحج الأكبر). [تفسير عبد الرزاق: 1/266]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الزهري أن أهل الجاهلية كانوا يسمون الحج الأصغر العمرة). [تفسير عبد الرزاق: 1/266]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن جريج عن عطاء قال الحج الأكبر يوم عرفة). [تفسير عبد الرزاق: 1/267]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال أدبار النجوم ركعتان قبل الفجر وأدبار السجود ركعتان من بعد المغرب والحج الأكبر يوم النحر). [تفسير عبد الرزاق: 1/267]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن أبي إسحاق قال سألت عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر والحج الأصغر فقال الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة). [تفسير عبد الرزاق: 1/267]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن أبي إسحاق قال سألت أبا حجيفة عن الحج الأكبر قال فقال يوم عرفة فقلنا أمن عندك هذا أم من أصحاب محمد قال كل ذلك قال فسألت عبد الله بن شداد فقال الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة). [تفسير عبد الرزاق: 1/267]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال أفضل أيام الحج يوم عرفة). [تفسير عبد الرزاق: 1/267]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير قال سمعت عبد الله ابن أبي أوفى يقول الحج الأكبر يوم يوضع فيه الشعر ويهراق فيه الدماء ويحل فيه الحرام). [تفسير عبد الرزاق: 1/267]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قوله: {إلى الناس يوم الحج الأكبر} قال: يوم النّحر أربعة أشهرٍ قال: عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفرا، وشهر ربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر [الآية: 2، 3]). [تفسير الثوري: 123]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [الآية : قوله تعالى: {وأذانٌ من الله ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن شدّاد، قال: الحجّ الأكبر: يوم النّحر، والحج الأصغر: العمرة.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عميرٍ، قال: انطلقت أنا وأبو سلمة بن عبد الرّحمن حتّى دخلنا على عبد اللّه بن أبي أوفى، فسأله أبو سلمة عن الحجّ الأكبر، قال: هو الّذي ينحر فيه، ويحلّ فيه الحرام، ويوضع فيه الشّعر.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سألنا عليًّا رضي اللّه عنه عن الحجّ الأكبر، قال: هو يوم النحر.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا (....) الأعمش، عن عبد اللّه بن سنان الأسديّ، قال: خطبنا المغيرة بن شعبة على جملٍ يوم الأضحى فقال: اليوم النّحر، واليوم الحجّ الأكبر). [سنن سعيد بن منصور: 5/236-241]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({أذانٌ} [التوبة: 3] : «إعلامٌ»). [صحيح البخاري: 6/64]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (أذانٌ إعلامٌ قال أبو عبيدة في قوله تعالى وأذان من الله ورسوله قال علمٌ من اللّه وهو مصدرٌ من قولك أذنتهم أي أعلمتهم). [فتح الباري: 8/316]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله: ({أذان}) أي (إعلام) يقال آذنته إيذانًا وأذانًا وهو اسم قام مقام المصدر، وسقط هذا لغير أبي ذر). [إرشاد الساري: 7/140]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله، فإن تبتم فهو خيرٌ لكم، وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ} [التوبة: 3] "
آذنهم: أعلمهم "
- حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، حدّثنا اللّيث، حدّثني عقيلٌ، قال ابن شهابٍ: فأخبرني حميد بن عبد الرّحمن، أنّ أبا هريرة، قال: بعثني أبو بكرٍ رضي اللّه عنه في تلك الحجّة في المؤذّنين، بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى، أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ، قال حميدٌ: ثمّ «أردف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعليّ بن أبي طالبٍ فأمره أن يؤذّن ببراءة» ، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النّحر ببراءة، «وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ»). [صحيح البخاري: 6/64-65]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب وأذان من الله ورسوله إلى قوله المشركين)
أورد فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله من وجهين
[4656] قوله بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجّة في رواية صالح بن كيسان الّتي بعد هذه الحجّة الّتي أمّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليها قبل حجّة الوداع وروى الطّبريّ من طريق بن عبّاسٍ قال بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ أميرًا على الحجّ وأمره أن يقيم للنّاس حجّهم فخرج أبو بكر قوله يؤذنون بمنى أن لايحج بعد العام مشرك في رواية بن أخي الزّهريّ عن عمّه في أوائل الصّلاة في مؤذّنين أي في جماعة مؤذّنين والمراد بالتّأذين الإعلام وهو اقتباسٌ من قوله تعالى واذان من الله ورسوله أي إعلامٌ وقد وقفت ممّن سمّي ممّن كان مع أبي بكرٍ في تلك الحجّة على أسماء جماعةٍ منهم سعد بن أبي وقّاصٍ فيما أخرجه الطّبريّ من طريق الحكم عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه قال بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ فلمّا انتهينا إلى ضجنان أتبعه عليًّا ومنهم جابرٌ روى الطّبريّ من طريق عبد اللّه بن خثيمٍ عن أبي الزّبير عن جابرٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكرٍ على الحجّ فأقبلنا معه قوله أن لا يحجّ بفتح الهمزة وإدغام النّون في اللّام قال الطّحاويّ في مشكل الآثار هذا مشكلٌ لأنّ الأخبار في هذه القصّة تدلّ على أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان بعث أبا بكرٍ بذلك ثمّ أتبعه عليًّا فأمره أن يؤذّن فكيف يبعث أبو بكرٍ أبا هريرة ومن معه بالتّأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى على ثمّ أجاب بما حاصله أنّ أبا بكرٍ كان الأمير على النّاس في تلك الحجّة بلا خلافٍ وكان عليٌّ هو المأمور بالتّأذين بذلك وكأنّ عليًّا لم يطق التّأذين بذلك وحده واحتاج إلى من يعينه على ذلك فأرسل معه أبو بكرٍ أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك ثمّ ساق من طريق المحرّر بن أبي هريرة عن أبيه قال كنت مع عليٍّ حين بعثه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ببراءةٍ إلى أهل مكّة فكنت أنادي معه بذلك حتّى يصحل صوتي وكان هو ينادي قبلي حتّى يعي وأخرجه أحمد أيضًا وغيره من طريق محرّر بن أبي هريرة فالحاصل أنّ مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكرٍ وكان ينادي بما يلقيه إليه عليٌّ ممّا أمر بتبليغه قوله بعد العام أي بعد الزّمان الّذي وقع فيه الإعلام بذلك قوله ولا يطوف بفتح الفاء عطفًا على الحجّ قوله قال حميد هو بن عبد الرّحمن بن عوفٍ ثمّ أردف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعليٍّ وأمره أن يؤذّن ببراءةٍ هذا القدر من الحديث مرسلٌ لأنّ حميدًا لم يدرك ذلك ولا صرّح بسماعه له من أبي هريرة لكن قد ثبت إرسال عليٍّ من عدّة طرقٍ فروى الطّبريّ من طريق أبي صالحٍ عن عليٍّ قال بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ ببراءةٍ إلى أهل مكّة وبعثه على الموسم ثمّ بعثني في أثره فأدركته فأخذتها منه فقال أبو بكرٍ ما لي قال خيرٌ أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض غير أنّه لا يبلّغ عنّي غيري أو رجلٌ منّي ومن طريق عمرو بن عطيّة عن أبيه عن أبي سعيدٍ مثله ومن طريق العمريّ عن نافع عن بن عمر كذلك وروى التّرمذيّ من حديث مقسمٍ عن بن عبّاسٍ مثله مطوّلًا وعند الطّبرانيّ من حديث أبي رافعٍ نحوه لكن قال فأتاه جبريل فقال إنّه لن يؤدّيها عنك إلّا أنت أو رجلٌ منك وروى التّرمذيّ وحسّنه وأحمد من حديث أنسٍ قال بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم براءةً مع أبي بكرٍ ثمّ دعا عليًّا فأعطاها إيّاه وقال لا ينبغي لأحدٍ أن يبلّغ هذا إلّا رجلٌ من أهلي وهذا يوضّح قوله في الحديث الآخر لا يبلّغ عنّي ويعرف منه أنّ المراد خصوص القصّة المذكورة لا مطلق التّبليغ وروى سعيد بن منصورٍ والتّرمذيّ والنّسائيّ والطّبريّ من طريق أبي إسحاق عن زيد بن يثيعٍ قال سألت عليًّا بأيّ شيءٍ بعثت قال بأنّه لا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مؤمنةٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ ولا يجتمع مسلمٌ مع مشركٍ في الحجّ بعد عامهم هذا ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مدّته ومن لم يكن له عهدٌ فأربعة أشهرٍ واستدلّ بهذا الكلام الأخير على أنّ قوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر يختصّ بمن لم يكن له عهدٌ مؤقّتٌ أو لم يكن له عهدٌ أصلًا وأمّا من له عهدٌ مؤقّتٌ فهو إلى مدّته فروى الطّبريّ من طريق بن إسحاق قال هم صنفان صنفٌ كان له عهدٌ دون أربعة أشهرٍ فأمهل إلى تمام أربعة أشهر وصنف كانت له مدّة عهده بغير أجلٍ فقصرت على أربعة أشهرٍ وروي أيضًا من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ أنّ الأربعة الأشهر أجل من كان له عهد مؤقّت بقدرها أو يزيد عليها وأمّا من ليس له عهدٌ فانقضاؤه إلى سلخ المحرّم لقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ومن طريق عبيدة بن سلمان سمعت الضّحّاك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكّة وغيرهم فنزلت براءةٌ فنبذ إلى كلّ أحدٍ عهده وأجّلهم أربعة أشهرٍ ومن لا عهد له فأجله انقضاء الأشهر الحرم ومن طريق السّدّيّ نحوه ومن طريق معمرٍ عن الزّهريّ قال كان أوّل الأربعة أشهرٍ عند نزول براءةٍ في شوّالٍ فكان آخرها آخر المحرّم فبذلك يجمع بين ذكر الأربعة أشهرٍ وبين قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين واستبعد الطّبريّ ذلك من حيث إنّ بلوغهم الخبر إنّما كان عندما وقع النّداء به في ذي الحجّة فكيف يقال لهم سيحوا أربعة أشهرٍ ولم يبق منها إلّا دون الشّهرين ثمّ أسند عن السّدّيّ وغير واحدٍ التّصريح بأنّ تمام الأربعة الأشهر في ربيعٍ الآخر قوله أن يؤذّن ببراءةٍ يجوز فيه التّنوين بالرّفع على الحكاية وبالجرّ ويجوز أن يكون علامة الجرّ فتحةً وهو الثّابت في الرّوايات قوله قال أبو هريرة فأذّن معنا عليٌّ كذا للأكثر وفي رواية الكشميهنيّ وحده قال أبو بكرٍ فأذّن معنا وهو غلطٌ فاحشٌ مخالفٌ لرواية الجميع وإنّما هو كلام أبي هريرة قطعًا فهو الّذي كان يؤذّن بذلك وذكر عياضٌ أنّ أكثر رواة الفربريّ وافقوا الكشميهنيّ قال وهو غلطٌ قوله قال أبو هريرة فأذّن معنا عليٌّ هو موصولٌ بالإسناد المذكور وكأنّ حميد بن عبد الرّحمن حمل قصّة توجّه عليٍّ من المدينة إلى أن لحق أبا بكرٍ عن غير أبي هريرة وحمل بقيّة القصّة كلّها عن أبي هريرة وقوله فأذّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النّحر إلخ قال الكرمانيّ فيه إشكالٌ لأنّ عليًّا كان مأمورًا بأن يؤذّن ببراءةٍ فكيف يؤذّن بأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ثمّ أجاب بأنّه أذّن ببراءةٍ ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ من قوله تعالى فيها إنّما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذّن ببراءةٍ وبما أمر أبو بكرٍ أن يؤذّن به أيضًا قلت وفي قوله يؤذّن ببراءةٍ تجوّزٌ لأنّه أمر أن يؤذّن ببضعٍ وثلاثين آيةً منتهاها عند قوله تعالى ولو كره المشركون فروى الطّبريّ من طريق أبي معشرٍ عن محمّد بن كعبٍ وغيره قال بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ أميرًا على الحجّ سنة تسعٍ وبعث عليًّا بثلاثين أو أربعين آيةً من براءةٍ وروى الطّبريّ من طريق أبي الصّهباء قال سألت عليًّا عن يوم الحجّ الأكبر فقال إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكرٍ يقيم للنّاس الحجّ وبعثني بعده بأربعين آيةً من براءةٍ حتّى أتى عرفة فخطب ثمّ التفت إليّ فقال يا عليّ قم فأدّ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقمت فقرأت أربعين آيةً من أوّل براءةٍ ثمّ صدرنا حتّى رميت الجمرة فطفقت أتتبّع بها الفساطيط أقرؤها عليهم لأنّ الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكرٍ يوم عرفة قوله وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ هو منتزعٌ من قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا والآية صريحةٌ في منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحجّ ولكن لمّا كان الحجّ هو المقصود الأعظم صرّح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كلّه وأمّا ما وقع في حديث جابرٍ فيما أخرجه الطّبريّ وإسحاق في مسنده والنّسائيّ والدارمي كلاهما عنه وصححه بن خزيمة وبن حبان من طريق بن جريجٍ حدّثني عبد اللّه بن عثمان بن خثيمٍ عن أبي الزّبير عن جابرٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين رجع من عمرة الجعرّانة بعث أبا بكرٍ على الحجّ فأقبلنا معه حتّى إذا كنّا بالعرج ثوّب بالصّبح فسمع رغوة ناقة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا عليٌّ عليها فقال له أميرٌ أو رسولٌ فقال بل أرسلني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببراءةٍ أقرؤها على النّاس فقدمنا مكّة فلمّا كان قبل يوم التّروّية بيومٍ قام أبو بكرٍ فخطب النّاس بمناسكهم حتّى إذا فرغ قام عليٌّ فقرأ على النّاس براءةً حتّى ختمها ثمّ كان يوم النّحر كذلك ثمّ يوم النّفر كذلك فيجمع بأنّ عليًّا قرأها كلّها في المواطن الثّلاثة وأمّا في سائر الأوقات فكان يؤذّن بالأمور المذكورة أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ إلخ وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك وقد وقع في حديث مقسم عن بن عبّاسٍ عند التّرمذيّ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكرٍ الحديث وفيه فقام عليٌّ أيّام التّشريق فنادى ذمّة اللّه وذمّة رسوله بريئةٌ من كلّ مشركٍ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجّنّ بعد العام مشركٌ ولا يطوفنّ بالبيت عريانٌ ولا يدخل الجنّة إلّا مؤمنٌ فكان عليٌّ ينادي بها فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى بها وأخرج أحمد بسندٍ حسنٍ عن أنسٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث ببراءةٍ مع أبي بكرٍ فلمّا بلغ ذا الحليفة قال لا يبلّغها إلّا أنا أو رجلٌ من أهل بيتي فبعث بها مع عليٍّ قال التّرمذيّ حسنٌ غريبٌ ووقع في حديث يعلى عند أحمد لمّا نزلت عشر آياتٍ من براءةٍ بعث بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي بكرٍ ليقرأها على أهل مكّة ثمّ دعاني فقال أدرك أبا بكرٍ فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب فرجع أبو بكرٍ فقال يا رسول اللّه نزل فيّ شيءٌ فقال لا إلّا أنّه لن يؤدّي أو لكنّ جبريل قال لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجلٌ منك قال العماد بن كثيرٍ ليس المراد أنّ أبا بكرٍ رجع من فوره بل المراد رجع من حجّته قلت ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة وأمّا قوله عشر آياتٍ فالمراد أوّلها إنّما المشركون نجس). [فتح الباري: 8/318-320]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (أذانٌ إعلامٌ
أشار به إلى قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} وفسره بقوله: إعلام، وهذا ظاهر). [عمدة القاري: 18/258]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {وأذانٌ من الله ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي الله وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ الله يحبّ المتّقين} (التّوبة: 3، 4)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {وأذان من الله} إلى آخره. قوله: (وأذان من الله) أي: إعلام من الله ورسوله وإنذار إلى النّاس وارتفاع: أذان، عطفا على براة. وقال الزّمخشريّ: وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين. قوله: (إلى النّاس) أي: لجميعهم. قوله: (يوم الحج الأكبر) ، وهو اليوم الّذي هو أفضل أيّام المناسك، وأظهرها وأكثرها جمعا، وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن أبي إسحاق: سألت أبام جحيفة عن يوم الحج الأكبر، قال: يوم عرفة، وروى عبد الرّزّاق أيضا عن ابن جريج عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وهكذا روي عن ابن عبّاس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاووس أنهم قالوا: يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في ذلك حديث مرسل رواه ابن جريج: أخبرت عن محمّد بن قيس بن مخرمة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر) . وقال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشّعبيّ عن عليّ رضي الله عنه، قال: يوم الحج الأكبر يوم النّحر، وروي عن عليّ من وجوه أخر كذلك، وقال عبد الرّزّاق: حدثنا سفيان وشعبة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النّحر، وكذا روي عن المغيرة ابن شعبة أنه خطب يوم الأضحى على بعير، فقال: هذا يوم الأضحى وهذا يوم النّحر وهذا يوم الحج الأكبر، وروى عكرمة عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أنه قال: الحج الأكبر يوم النّحر، وكذا روي عن ابن أبي جحيفة وسعيد بن جبير وإبراهيم النّخعيّ ومجاهد وأبي جعفر الباقر والزهريّ وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر يوم النّحر، وروى ابن جرير بإسناده عن نافع عن ابن عمر، قال: (وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النّحر عند الجمرات في حجّة الوداع، وقال: هذا يوم الحج الأكبر) ، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي جابر واسمه محمّد بن عبد الملك به، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثّاني من يوم النّحر. رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد أيضا: يوم الحج الأكبر أيّام الحج كلها، وكذا قال أبو عبيد. وقال سهل السراج: سئل الحسن البصريّ عن يوم الحج الأكبر، فقال: ما لكم وللحج الأكبر ذاك عام حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، الّذي استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحج بالنّاس، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبو أسامة عن ابن عوف. سألت محمّدًا يعني: ابن سيرين عن يوم الحج الأكبر، قال: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحج أهل الوبر. قوله: (أن الله بريء من المشركين) أي: ليعلم النّاس بعضهم بعضًا (أن الله) وقرىء (إن الله) بالكسر لأن الإيذان في معنى القول. قوله: (ورسوله) فيه قراءتان الرّفع وهي القراءة المشهورة ومعناه: ورسوله أيضا برىء من المشركين، والنّصب ومعناه: وأن رسول الله بريء من المشركين، وهي قراءة شاذّة، وقال الزّمخشريّ: ورسوله، عطف على المنوي في: بريء أي: بريء، هو أو على محل: إن المكسورة واسمها، وقرىء بالنّصب عطفا على إسم إن، أو لأن الواو بمعنى: مع أي: برىء معه منهم، وبالجر على الجوار، وقيل: على القسم كقولك: لعمرك. قوله: (فإن تبتم) أي: من الغدر والكفر {فهو خير لكم وإن توليتم} عن التّوبة أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء، فاعلموا أنكم غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه. قوله: (إلّا الّذين) ، استثناء من: برئ، وقيل: منقطع أي: أن الله بريء منهم ولكن الّذين عاهدتم فثبتوا على العهد فكفوا عنهم بقيّة المدّة. قوله: (ثمّ لم ينقصوكم شيئا) ، أي: من شروط العهد، وقرىء بالضاد المعجمة. قوله: (ولم يظاهروا) أي: ولم يعاونوا عليكم أحدا. قوله: (إلى مدتهم) ، أي إلى انقضاء مدتهم. قوله: {إن الله يحب المتّقين} أي: الموفين بعهدهم.
آذنهم أعلمهم
أي: معنى آذنهم أعلمهم، والمراد به مطلق الإعلام لأنّه من الإيذان، وقد ذكرناه.
- حدّثنا عبد الله بن يوسف حدّثنا اللّيث حدّثني عقيلٌ قال ابن شهابٍ فأخبرني حميد ابن عبد الرّحمان أنّ أبا هريرة قال بعثني أبو بكرٍ رضي الله عنه في تلك الحجّة في المؤذّنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ قال حميدٌ ثمّ أردف النبيّ صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالبٍ فأمره أن يؤذّن ببراءة قال أبو هريرة فأذّن معنا عليٌّ في أهل منى يوم النّحر ببراءة وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريان. .
هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور قبل هذا الباب. قوله: (أن لا يحجّ) ويروى: ألاّ بفتح الهمزة وإدغام النّون في اللّام. قوله: (بعد العام) أي: بعد الزّمان الّذي وقع فيه الإعلام بذلك. قوله: (ولا يطوف) بالنّصب عطفا على أن لا يحجّ. قوله: (قال حميد) هو ابن عبد الرّحمن بن عوف المذكور فيه، واستشكل الطّحاويّ في قوله: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه، وذلك أن النّبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ثمّ أردفه عليا رضي الله عنه، فأمره أن يؤذن فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة؟ ثمّ أجاب بقوله: إن أبا هريرة قال: كنت مع عليّ حين بعثه النّبي صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى أهل مكّة، فكنت أنادي معه بذلك حتّى يصهل صوتي، وكان ينادي بأمر أبي بكر، بما يلقنه عليّ بما أمر بتبليغه. قوله: (أن يؤذن ببراءة) يجوز فيه الرّفع بالتّنوين على سبيل الحكاية. والجر بالباء، ويجوز أن يكون علامة الجرّ فتحة. قوله: (قال أبا هريرة) موصول بالإسناد المذكور. قوله: (ببراءة) . ليس المراد منها السّورة كلها، وعن محمّد بن كعب القرظيّ وغيره، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين من براءة الحديث. قوله: (وأن لا يحجّ) إلى آخره، استشكل فيه الكرماني بأن عليا رضي الله عنه، كان مأمورا بأن يؤذن ببراءة، فكيف يؤذن بأن لا يحجّ بعد العام مشرك؟ ثمّ أجاب بأنّه أذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه أن لا يحجّ بعد العام مشرك من قوله تعالى فيها: {إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} (التّوبة: 28) ويحتمل أن يكون أمر أن يؤذن ببراءة وبما أمر أبو بكر أن يؤذن به أيضا، انتهى. قلت: فإنّه الجواب عن زيادة قوله: (ولا يطوف بالبيت عريان) وعن شيء آخر رواه الشّعبيّ: حدثني محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع عليّ رضي الله عنه، حين بعثه النّبي صلى الله عليه وسلم ينادي، فكان إذا صهل ناديت. قلت: بأيّ شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع لا يطوف بالكعبة عريان، ومن كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدّته، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يحجّ بعد عامنا مشرك. ورواه ابن جرير عن الشّعبيّ به من غير وجه). [عمدة القاري: 18/261-262]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ} آذنهم: أعلمهم
(باب قوله) عز وجل ({وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج أكبر}) يوم عرفة كذا روي عن علي وعمر فيما رواه ابن جرير وعن ابن عباس ومجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم، وروي مرسلاً عن مخرمة أن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر، وقيل إنه يوم النحر وإليه ذهب حميد بن عبد الرحمن ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في باب {إلا الذين عاهدتم من المشركين} [التوية: 4].
وروي عن ابن عمر وقف رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: "هذا يوم الحج الأكبر" وبه قال كثيرون لأن أعمال المناسك تتم فيه والجمهور أن الحج الأصغر العمرة وقيل الأصغر يوم عرفة والأكبر يوم النحر، وقيل حجة الوداع هي الأكبر لما وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر ({أن الله بريء من المشركين ورسوله}) رفع مبتدأ والخبر محذوف أي ورسوله بريء منهم أو معطوف على الضمير المستكن في بريء وجاز ذلك للفصل المسوّغ للعطف فرفعه على هذا بالفاعلية ({فإن تبتم فهو خير لكم}) أي فالتوب عن الشرك أو المتاب عن المعصية خير من البقاء عليها وأفعل التفضيل لمطلق الخيرية ({وإن توليتم}) أعرضتم ({فاعلموا أنكم غير معجزى الله}) بل هو قادر عليكم وأنتم تحت قهره ({وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}) [التوبة: 3] في الدنيا بالخزى والنكال وفي الآخرة بالمقامع والأغلال والبشارة تهكم، وسقط لأبي ذر فإن تبتم الخ وقال بعد قوله ورسوله إلى المتقين وساق في نسخة الآية كلها إلى آخر المتقين (آذنهم) بمدّ الهمزة أي (أعلمهم) وسقط ذلك لأبي ذر.
- حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، حدّثنا اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ قال ابن شهابٍ: فأخبرني حميد بن عبد الرّحمن أنّ أبا هريرة قال: بعثني أبو بكرٍ -رضي الله عنه- في تلك الحجّة في المؤذّنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ قال حميدٌ: ثمّ أردف النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعلىّ بن أبي طالبٍ فأمره أن يؤذّن ببراءة قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النّحر ببراءة وأن لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين المهملة ابن خالد (قال ابن شهاب) الزهري (فأخبرني) بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف حميد بالحاء المهملة وفي آل ملك عبيد وهي في اليونينية مصلحة حميد بالحاء المهملة (أن أبا هريرة) -رضي الله عنه- (قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة) التي كان أبو بكر فيها أميرًا على الحاج (في المؤذنين) الذين (بعثهم يوم النحر) سمى الحافظ ابن حجر ممن كان مع الصديق في تلك الحجة سعد بن أبي وقاص وجابرًا فيما أخرجه الطبري (يؤذنون بمنى أن لا يحج) بتشديد اللام (بعد العام) الذي وقع فيه الإعلام (مشرك ولا يطوف بالبيت عريان). بنصب يطوف وإنما كانت مباشرة أبي هريرة لذلك بأمر الصديق، لأن الصدّيق كان هو الأمير على الناس في تلك الحجة، وكان عليًّا لم يطق التأذين وحده فاحتاج لمعين على ذلك، فكان أبو هريرة ينادي بما يلقيه إليه عليّ مما أمر بتبليغه، ويدل لذلك حديث محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ببراءة إلى أهل مكة فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي وكان ينادي قبلي حتى يعني.
(قال حميد): هو ابن عبد الرحمن المذكور بالسند المذكور (ثم أردف النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) الصديق (بعليّ بن أبي طالب) وسقط ابن أبي طالب لأبي ذر، وفي نسخة: ثم أردف النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- علي بن أبي طالب بإسقاط حرف الجر (فأمره أن يؤذن ببراءة) أي ببضع وثلاثين آية منها منتهاها عند قوله: ولو كره المشركون ففيه تجوز.
(قال أبو هريرة) بالإسناد السابق: (فأذن معنا عليّ في أهل منى يوم النحر ببراءة) من أولها إلى (ولو كره المشركون) (و) ببعض ما اشتملت عليه (أن لا يحج بعد العام مشرك) وهو قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] وبهذا يندفع استشكال أن عليًّا كان مأمورًا بأن يؤذن ببراءة فكيف أذن بأن لا يحج بعد العام مشرك كما قاله الكرماني: (ولا يطوف بالبيت عريان) وبراءة مجرور وعلامة الجر فتحة وهو الثابت في الروايات ويجوز رفعه منوّنًا على الحكاية). [إرشاد الساري: 7/142-143]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برىءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشّر الذين كفروا بعذابٍ أليمٍ}
قوله: (في تلك الحجة) أي: التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل حجة الوداع اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/52]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا الحسن بن عليٍّ الخلاّل، قال: حدّثنا حسين بن عليٍّ الجعفيّ، عن زائدة، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: حدّثنا أبي، أنّه شهد حجّة الوداع مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فحمد اللّه وأثنى عليه وذكّر ووعظ ثمّ قال: أيّ يومٍ أحرم، أيّ يومٍ أحرم، أيّ يومٍ أحرم؟ قال: فقال النّاس: يوم الحجّ الأكبر يا رسول الله، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جانٍ إلاّ على نفسه، ولا يجني والدٌ على ولده، ولا ولدٌ على والده، ألا إنّ المسلم أخو المسلم، فليس يحلّ لمسلمٍ من أخيه شيءٌ إلاّ ما أحلّ من نفسه، ألا وإنّ كلّ ربًا في الجاهليّة موضوعٌ، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوعٌ كلّه، ألا وإنّ كلّ دمٍ كان في الجاهليّة موضوعٌ، وأوّل دمٍ وضع من دم الجاهليّة دم الحارث بن عبد المطّلب، كان مسترضعًا في بني ليثٍ فقتلته هذيلٌ، ألا واستوصوا بالنّساء خيرًا، فإنّما هنّ عوانٍ عندكم ليس تملكون منهنّ شيئًا غير ذلك إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ فإن فعلن فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربًا غير مبرّحٍ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً، ألا وإنّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأمّا حقّكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإنّ حقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ وطعامهنّ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رواه أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة.
- حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: سألت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عن يوم الحجّ الأكبر فقال: يوم النّحر.
- حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر قال: هذا الحديث أصحّ من حديث محمّد بن إسحاق، لأنّه روي من غير وجهٍ هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه إلاّ ما روي عن محمّد بن إسحاق. وقد روى شعبة، هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مرّة، عن الحارث، عن عليٍّ، موقوفًا). [سنن الترمذي: 5/124-125]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يوم الحجّ الأكبر}
- أخبرنا هنّاد بن السّريّ، عن أبي الأحوص، عن ابن غرقدة، عن سليمان بن عمرٍو، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع يقول: «يا أيّها النّاس - ثلاث مرّاتٍ - أيّ يومٍ هذا؟» قالوا: يوم النّحر، يوم الحجّ الأكبر، قال: «فإنّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، ألا لا يجني جانٍ على ولده، ولا مولودٌ على والده، ألا وإنّ الشّيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن سيكون له طاعةٌ في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإنّ كلّ ربا الجاهليّة موضوعٌ، لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإنّ كلّ دمٍ من دماء الجاهليّة موضوعٌ، وأوّل ما أضع منها دم الحارث بن عبد المطّلب» كان مسترضعًا في بني ليثٍ فقتلته هذيلٌ «ألا يا أمّتاه هل بلّغت؟» ثلاث مرّاتٍ، قالوا: نعم، قال: «اللهمّ اشهد»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/111]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله}.
يقول تعالى ذكره: وإعلامٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر.
وقد بيّنّا معنى الأذان فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده.
وكان سليمان بن موسى يقول في ذلك ما:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: زعم سليمان بن موسى الشّاميّ أنّ قوله: {وأذانٌ من اللّه ورسوله} قال: الأذان القصص، فاتحة براءة حتّى تختم: {وإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم اللّه من فضله} فذلك ثمانٌ وعشرون آيةً.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وأذانٌ من اللّه ورسوله} قال: إعلامٌ من اللّه ورسوله.
ورفع قوله: {وأذانٌ من اللّه} عطفًا على قوله: {براءةٌ من اللّه} كأنّه قال: هذه براءةٌ من اللّه ورسوله، وأذانٌ من اللّه.
وأمّا قوله: {يوم الحجّ الأكبر} فإنّ فيه اختلافًا بين أهل العلم، فقال بعضهم: هو يوم عرفة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: أخبرنا أبو زرعة وهب اللّه بن راشدٍ، قالا: أخبرنا حيوة بن شريحٍ، قال: أخبرنا أبو صخرٍ، أنّه سمع أبا معاوية البجليّ، من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصّهباء البكريّ، وهو يقول: سألت عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه عن يوم الحجّ الأكبر فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكر بن أبي قحافة رضي اللّه عنه يقيم للنّاس الحجّ، وبعثني معه بأربعين آيةً من براءة، حتّى أتى عرفة، فخطب النّاس يوم عرفة، فلمّا قضى خطبته التفت إليّ، فقال قم يا عليّ وأدّ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقمت فقرأت عليهم أربعين آيةً من براءة ثمّ صدرنا حتّى أتينا منًى، فرميت الجمرة، ونحرت البدنة، ثمّ حلقت رأسي، وعلمت أنّ أهل الجمع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكرٍ يوم عرفة، فطفقت أتتبّع بها الفساطيط أقرؤها عليهم، فمن ثمّ إخال حسبتم أنّه يوم النّحر، ألا وهو يوم عرفة.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أبي إسحاق، قال: سألت أبا جحيفة عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: يوم عرفة، فقلت: أمن عندك أو من أصحاب محمّدٍ؟ قال: كلّ ذلك.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجّ الأكبر: يوم عرفة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن عمر بن الوليد الشّنّيّ، عن شهاب بن عبّادٍ العصريّ، عن أبيه، قال: قال عمر رضي اللّه عنه: يوم الحجّ الأكبر: يوم عرفة. فذكرته لسعيد بن المسيّب، فقال: أخبرك عن ابن عمر أنّ عمر قال: الحجّ الأكبر عرفة.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا عمر بن الوليد الشّنّيّ، قال: حدّثنا شهاب بن عبّادٍ العصريّ، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطّاب، رحمة اللّه عليه يقول: هذا يوم عرفة يوم الحجّ الأكبر فلا يصومنّه أحدٌ، قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيّب. فأتيته فقلت: إنّي سألت عن أفضل أهل المدينة، فقالوا: سعيد بن المسيّب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمّن هو أفضل منّي أضعافًا: عمر أو ابن عمر، كان ينهى عن صومه، ويقول: هو يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا عبد الصّمد بن حبيبٍ، عن معقل بن داود، قال: سمعت ابن الزّبير، يقول: يوم عرفة هذا يوم الحجّ الأكبر فلا يصمه أحدٌ.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا غالب بن عبيد اللّه، قال: سألت عطاءً عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: يوم عرفة، فأفض منها قبل طلوع الفجر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني محمّد بن قيس بن مخرمة، قال: خطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عشيّة عرفة، ثمّ قال: أما بعد وكان لا يخطب إلاّ قال: أما بعد فإنّ هذا يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، عن مجاهدٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم عرفة.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان، عن سلمة بن محبٍّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم عرفة.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن طاووسٍ، عن أبيه، قال: قلنا: ما الحجّ الأكبر؟ قال: يوم عرفة.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن محمّد بن قيس بن مخرمة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر.
وقال آخرون: هو يوم النّحر.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا مصعب بن سلاّمٍ، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا حكّامٌ، قال: حدّثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سألت عليًّا عن الحجّ الأكبر، فقال: هو يوم النّحر.
- حدّثنا ابن أبي الشّوارب، قال: حدّثنا عبد الواحد، قال: حدّثنا سليمان الشّيبانيّ، قال: سألت عبد اللّه بن أبي أوفى عن الحجّ الأكبر قال: فقال: يوم النّحر.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن عيّاشٍ العامريّ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- قال: حدّثنا سفيان، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن عبد الملك، قال: دخلت أنا وأبو سلمة على عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: فسألته عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: يوم النّحر، يومٌ يهراق فيه الدّم.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: أخبرنا إسحاق، عن سفيان، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن عبد اللّه، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا أبو كريبٍ وأبو السّائب، قالا: حدّثنا ابن إدريس، عن الشّيبانيّ، قال: سألت ابن أبي أوفى عن يوم الحجّ الأكبر؟ قال: يوم النّحر.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا الشّيبانيّ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن عميرٍ، قال: سمعت عبد اللّه بن أبي أوفى، وسئل عن قوله: {يوم الحجّ الأكبر} قال: هو اليوم الّذي يراق فيه الدّم ويحلق فيه الشّعر.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت يحيى بن الجزّار، يحدّث عن عليٍّ: أنّه خرج يوم النّحر على بغلةٍ بيضاء يريد الجبّانة، فجاءه رجلٌ فأخذ بلجام بغلته، فسأله عن الحجّ الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خلّ سبيلها.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: حدّثنا إسحاق، عن مالك بن مغولٍ وشتيرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: سئل عن يوم الحجّ الأكبر، قال: هو يوم النّحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزّار، عن عليٍّ، أنّه لقيه رجلٌ يوم النّحر، فأخذ بلجامه، فسأله عن يوم الحجّ الأكبر، قال: هو هذا اليوم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، عن قيسٍ، عن عبد الملك بن عميرٍ وعيّاشٍ العامريّ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: هو اليوم الّذي يهراق فيه الدّماء.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن ابن أبي أوفى، قال: الحجّ الأكبر، يومٌ تهراق فيه الدّماء، ويحلق فيه الشّعر، ويحلّ فيه الحرام.
- حدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرّمليّ، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن يسارٍ، قال: حدّثنا المغيرة بن شعبة، يوم الأضحى على بعيرٍ، فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النّحر، وهذا يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن يسارٍ، قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعيرٍ، وقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النّحر، وهذا يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن يسارٍ، قال: خطبنا المغيرة بن شعبة، فذكر نحوه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن حمّاد بن سلمة، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن أبي الشّوارب، قال: حدّثنا عبد الواحد، قال: حدّثنا سليمان الشّيبانيّ، قال: سمعت سعيد بن جبيرٍ، يقول: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، قال: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، قال: اختصم عليّ بن عبد اللّه بن عبّاسٍ ورجلٌ من آل شيبة في يوم الحجّ الأكبر، قال عليٌّ: هو يوم النّحر، وقال الّذي من آل شيبة: هو يوم عرفة. فأرسل إلى سعيد بن جبيرٍ فسألوه، فقال: هو يوم النّحر، ألا ترى أنّ من فاته يوم عرفة لم يفته الحجّ، فإذا فاته يوم النّحر فقد فاته الحجّ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونس، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّه قال: الحجّ الأكبر: يوم النّحر. قال: فقلت له: إنّ عبد اللّه بن شيبة ومحمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاسٍ اختلفا في ذلك، فقال محمّد بن عليٍّ: هو يوم النّحر، وقال عبد اللّه: هو يوم عرفة. فقال سعيد بن جبيرٍ: أرأيت لو أنّ رجلاً فاته يوم عرفة أكان يفوته الحجّ؟ وإذا فاته يوم النّحر فاته الحجّ.
- حدّثنا أبو كريبٍ وأبو السّائب، قالا: حدّثنا ابن إدريس، عن الشّيبانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا: المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدّثني رجلٌ، عن أبيه، عن قيس بن عبادة، قال: ذو الحجّة العاشر النّحر، وهو يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن شدّادٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر: يوم النّحر، والحجّ الأصغر: العمرة.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريكٍ، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد، قال: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا المحاربيّ، عن مسلمٍ الحجبيّ، قال: سألت نافع بن جبير بن مطعمٍ عن يوم الحجّ الأكبر، قال: يوم النّحر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: كان يقال: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر يومٌ يهراق فيه الدّم، ويحلّ فيه الحرام.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنّه قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر الّذي يحلّ فيه كلّ حرامٍ.
- قال: حدّثنا هشيمٌ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشّعبيّ، عن عليٍّ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن ابن عونٍ، قال: سألت محمّدًا عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: كان يومًا وافق فيه حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحجّ أهل الوبر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: حدّثنا عمر بن ذرٍّ، قال: سألت مجاهدًا عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: هو يوم النّحر.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهدٍ، يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا إسرائيل، عن ثورٍ، عن مجاهدٍ يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
وقال عكرمة: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر، يومٌ يهراق فيه الدّماء، ويحلّ فيه الحرام.
قال: وقال مجاهدٌ: يومٌ يجمع فيه الحجّ كلّه، وهو يوم الحجّ الأكبر.
- قال: حدّثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمّد بن عليٍّ: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- قال: حدّثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ مثله.
- قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ مثله.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاق، قال: قال عليٌّ: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
قال: وقال الزّهريّ: يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا أحمد بن عبد الرّحمن بن وهبٍ، قال: حدّثنا عمّي عبد اللّه بن وهبٍ، قال: أخبرني يونس، وعمرٌو، عن الزّهريّ، عن حميد بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة، قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي بكرٍ في الحجّة الّتي أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليها قبل حجّة الوداع في رهطٍ يؤذّنون في النّاس يوم النّحر: ألا لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، قال الزّهريّ: فكان حميدٌ يقول: يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الشّعبيّ، عن أبي إسحاق، قال: سألت عبد اللّه بن شدّادٍ عن الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، فقال: الحجّ الأكبر: يوم النّحر، والحجّ الأصغر: العمرة.
- قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أبي إسحاق، قال: سألت عبد اللّه بن شدّادٍ، فذكر نحوه.
- قال: أخبرنا عبد الرّزّاق: قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن عميرٍ، قال: سمعت عبد اللّه بن أبي أوفى يقول: يوم الحجّ الأكبر: يومٌ يوضع فيه الشّعر، ويهراق فيه الدّم، ويحلّ فيه الحرام.
- قال: حدّثنا الثّوريّ، عن أبي إسحاق، عن عليٍّ، قال: الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا قيسٌ، عن عيّاشٍ العامريّ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، أنّه سئل عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: سبحان اللّه، هو يومٌ يهراق فيه الدّماء، ويحلّ فيه الحرام، ويوضع فيه الشّعر، وهو يوم النّحر.
- قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي حصينٍ، عن عبد اللّه بن يسارٍ، قال: خطبنا المغيرة بن شعبة على ناقةٍ له، فقال: هذا يوم النّحر، وهذا يوم الحجّ الأكبر.
- قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا حسن بن صالحٍ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، عن إبراهيم بن طهمان، عن مغيرة، عن إبراهيم: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر، ويحلّ فيه الحرام.
- حدّثني أحمد بن المقدام، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا ابن عونٍ، عن محمّد بن سيرين، عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: لمّا كان يوم ذلك، قعد على بعيرٍ له النّبيّ، وأخذ إنسانٌ بخطامه أو زمامه، فقال: أيّ يومٍ هذا؟ قال: فسكتنا حتّى ظننّا أنّه سيسمّيه غير اسمه، فقال: أليس يوم الحجّ؟.
- حدّثنا سهل بن محمّدٍ الحسّانيّ، قال: حدّثنا أبو جابرٍ الحرثيّ، قال: حدّثنا هشام بن الغازي الجرشيّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم النّحر عند الجمرات في حجّة الوداع، فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن مرّة الهمدانيّ، عن رجلٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ناقةٍ حمراء مخضرمةٍ، فقال: أتدرون أيّ يومٍ يومكم؟ قالوا: يوم النّحر، قال: صدقتم يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرّة، قال: حدّثنا مرّة، قال: حدّثنا رجلٌ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر نحوه.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبيه، قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا بأربع كلماتٍ حين حجّ أبو بكرٍ بالنّاس، فنادى ببراءة: إنّه يوم الحجّ الأكبر، ألا إنّه لا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، ألا ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ألا ولا يحجّ بعد العام مشركٌ، ألا ومن كان بينه وبين محمّدٍ عهدٌ فأجله إلى مدّته، واللّه بريءٌ من المشركين ورسوله.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثني هشيمٌ، عن حجّاج بن أرطأة، عن عطاءٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يوم الحجّ الأكبر} قال: يوم النّحر: يومٌ يحلّ فيه المحرم، وينحر فيه البدن وكان ابن عمر يقول: هو يوم النّحر، وكان أبي يقوله. وكان ابن عبّاسٍ يقول: هو يوم عرفة. ولم أسمع أحدًا يقول إنّه يوم عرفة إلاّ ابن عبّاسٍ. قال ابن زيدٍ: والحجّ يفوت بفوت يوم النّحر ولا يفوت بفوت يوم عرفة، إن فاته اليوم لم يفته اللّيل، يقف ما بينه وبين طلوع الفجر.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: يوم الأضحى: يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: حدّثني رجلٌ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غرفتي هذه، حسبته قال: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم النّحر على ناقةٍ حمراء مخضرمةٍ، فقال: أتدرون: أيّ يومٍ هذا؟ هذا يوم النّحر وهذا يوم الحجّ الأكبر.
وقال آخرون: معنى قوله: {يوم الحجّ الأكبر} حين الحجّ الأكبر ووقته. قال: وذلك أيّام الحجّ كلّها لا يومٌ بعينه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يوم الحجّ الأكبر} حين الحجّ، أيّامه كلّه.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحجّ الأكبر: أيّام منًى كلّها، ومجامع المشركين حين كانوا بذي المجاز وعكاظٍ ومجنّةٍ، حين نودي فيهم: أن لا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا وأن لا يطوف بالبيت عريانٌ ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فعهده إلى مدّته.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا أبو عبيدٍ، قال: كان سفيان يقول: يوم الحجّ، ويوم الجمل، ويوم صفّين: أي أيّامه كلّها.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {يوم الحجّ الأكبر} قال حين الحجّ، أي أيّامه كلّها.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصّحّة عندنا: قول من قال: {يوم الحجّ الأكبر} يوم النّحر؛ لتظاهر الأخبار عن جماعةٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ عليًّا نادى بما أرسله به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الرّسالة إلى المشركين، وتلا عليهم براءة يوم النّحر. هذا مع الأخبار الّتي ذكرناها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال يوم النّحر: أتدرون أيّ يومٍ هذا؟ هذا يوم الحجّ الأكبر.
وبعد: فإنّ اليوم إنّما يضاف إلى معنى الّذي يكون فيه، كقول النّاس: يوم عرفة، وذلك يوم وقوف النّاس بعرفة، ويوم الأضحى، وذلك يومٌ يضحّون فيه، ويوم الفطر، وذلك يومٌ يفطرون فيه، وكذلك يوم الحجّ، يومٌ يحجّون فيه. وإنّما يحجّ النّاس ويقضون مناسكهم يوم النّحر؛ لأنّ في ليلة نهار يوم النّحر الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحجّ، فأمّا يوم عرفة فإنّه وإن كان الوقوف بعرفة فغير فائتٍ الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النّحر، والحجّ كلّه يوم النّحر.
وأمّا ما قال مجاهدٌ من أنّ يوم الحجّ إنّما هو أيّامه كلّها، فإنّ ذلك وإن كان جائزًا في كلام العرب، فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معانيه، بل غلب على معنى اليوم عندهم أنّه من غروب الشّمس إلى مثله من الغد، وإنّما محمل تأويل كتاب اللّه على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتاب بلسانه.
واختلف أهل التّأويل في السّبب الّذي من أجله قيل لهذا اليوم: يوم الحجّ الأكبر، فقال بعضهم: سمّي بذلك لأنّ ذلك كان في سنةٍ اجتمع فيها حجّ المسلمين والمشركين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن، قال: إنّما سمّي الحجّ الأكبر من أجل أنّه حجّ أبو بكرٍ الحجّة الّتي حجّها، واجتمع فيها المسلمون والمشركون، فلذلك سمّي الحجّ الأكبر، ووافق أيضًا عيد اليهود والنّصارى.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفلٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر كانت حجّة الوداع اجتمع فيه حجّ المسلمين والنّصارى واليهود ولم يجتمع قبله ولا بعده.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن الحسن، قال قوله: {يوم الحجّ الأكبر} قال: إنّما سمّي الحجّ الأكبر لأنّه يومٌ حجّ فيه أبو بكرٍ، ونبذت فيه العهود.
وقال آخرون: الحجّ الأكبر: القران، والحجّ الأصغر: الإفراد.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا أبو بكرٍ النّهشليّ، عن حمّادٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقول: الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، فالحجّ الأكبر: القران، والحجّ الأصغر: إفراد الحجّ.
وقال آخرون: الحجّ الأكبر: الحجّ، والحجّ الأصغر: العمرة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجّ الأكبر: الحجّ، والحجّ الأصغر: العمرة.
- قال: حدّثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامرٍ، قال: قلت له: هذا الحجّ الأكبر، فما الحجّ الأصغر؟ قال: العمرة.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن قال: حدّثنا سفيان، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ، قال: كان يقال: الحجّ الأصغر: العمرة في رمضان.
- قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقال: الحجّ الأصغر: العمرة.
- قال: حدّثنا عبد الرّحمن، عن سفيان، عن أبي أسماء، عن عبد اللّه بن شدّادٍ، قال: يوم الحجّ الأكبر: يوم النّحر، والحجّ الأصغر العمرة.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ: أنّ أهل الجاهليّة، كانوا يسمّون الحجّ الأصغر: العمرة.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بالصّواب في ذلك عندي قول من قال: الحجّ الأكبر الحجّ؛ لأنّه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها، فقيل له الأكبر لذلك. وأمّا الأصغر فالعمرة؛ لأنّ عملها أقلّ من عمل الحجّ، فلذلك قيل لها الأصغر لنقصان عملها عن عمله.
وأمّا قوله: {أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله} فإنّ معناه: إنّ اللّه بريءٌ من عهد المشركين ورسوله بعد هذه الحجّة.
ومعنى الكلام: وإعلامٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس في يوم الحجّ الأكبر، أنّ اللّه ورسوله من عهد المشركين بريئان.
- كما حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله} أي بعد الحجّة.
القول في تأويل قوله تعالى: {فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ}.
يقول تعالى: فإن تبتم من كفركم أيّها المشركون، ورجعتم إلى توحيد اللّه وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، فالرّجوع إلى ذلك خيرٌ لكم من الإقامة على الشّرك في الدّنيا والآخرة {وإن تولّيتم} يقول: وإن أدبرتم عن الإيمان باللّه وأبيتم إلاّ الإقامة على شرككم. {فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه} يقول: فأيقنوا أنّكم لا تفيتون اللّه بأنفسكم من أن يحلّ بكم عذابه الأليم وعقابه الشّديد على إقامتكم على الكفر، كما فعل بذويكم من أهل الشّرك، من إنزال نقمه به وإحلاله العذاب عاجلاً بساحته. {وبشّر الّذين كفروا} يقول: وأعلم يا محمّد الّذين جحدوا نبوّتك وخالفوا أمر ربّهم بعذابٍ موجعٍ يحلّ بهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {فإن تبتم} قال آمنتم). [جامع البيان: 11/320-340]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ (3)
قوله تعالى: وأذانٌ من الله ورسوله
[الوجه الأول]
- ذكر عن عبّاد بن يعقوب ثنا عليّ بن هاشم عن أبي الجارود عن حكيم بن حميدٍ قال: قال لي عليّ بن الحسين، أنّ لعليٍّ في كتاب اللّه اسمًا ولكن لا تعرفونه قلت: ما هو؟ قال: ألم تسمع قول اللّه وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر؟ هو- واللّه- الأذان.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسين بن الحسن ثنا إبراهيم بن عبد اللّه أنبأ حجّاجٌ قال: قال ابن جريجٍ: زعم سليمان الشّاميّ أنّ الأذان: القصص، قال: فتحة براءةٍ حتّى تختم.
قوله تعالى: وأذانٌ من اللّه ورسوله
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ- فيما كتب إليّ- ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول في قول اللّه: وأذانٌ من اللّه ورسوله قال: هو إعلامٌ من اللّه ورسوله.
قوله تعالى: يوم الحج الأكبر
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي ثنا أبو معمرٍ حدّثنا عبد الوارث ثنا محمّد بن إسحاق عن أبي إسحاق الهمدانيّ عن الحارث عن عليٍّ رضي اللّه عنه قال: وسألته يعني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: هو يوم النّحر.
- حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن أبي مسرّة المكّيّ ثنا أبو جابرٍ محمّد بن عبد الملك حدّثنا هشام بن الغاز عن نافعٍ عن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقف يوم النّحر في حجّة الوداع، فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا ابن أبي عمر العدنيّ ثنا سفيان عن ابن جريجٍ عن محمّد بن قيس بن مخرمة أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال يوم عرفةٍ وخطبهم هذا يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا أبي ثنا الفضل بن دكينٍ ثنا عمر بن الوليد الشّنّيّ ثنا شهاب بن عبّادٍ أنّ أباه حدّثنا أنّ عمر بن الخطّاب وقف عليهم بعرفاتٍ فقال: لمن هذه الأخبية فقالوا:
لعبد القيس، فدعا لهم واستغفر لهم، ثمّ قال: هذا يوم الحجّ الأكبر.
- حدّثنا محمّد بن بشر بن سليما الجرجرائيّ ثنا إسحاق بن سليمان عن سلمة بن بختٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قال: إن يوم عرفةٍ يوم الحجّ الأكبر يوم المباهاة، يباهي اللّه ملائكته في السّماء بأهل الأرض يقول تبارك وتعالى: جاءوني شعثًا غبرًا، آمنوا بي ولم يروني وعزّتي لأغفرنّ لهم، وهو يوم الحجّ الأكبر.
وروي عن عبد اللّه بن الزّبير وسعيد بن المسيّب في إحدى الرّوايات وعطاء بن أبي رباحٍ وطاوس أنّه يوم عرفةٍ.
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان ثنا عثمان بن عمر ثنا سهل السّرّاج قال: سئل الحسن عن يوم الحجّ الأكبر فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عامٌ فيه أبو بكرٍ الّذي استخلفه رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وسلّم- فحجّ بالنّاس.
الوجه الثّالث:
من فسّره على أنّه اليوم الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا عمران بن أبي جميلٍ ثنا عبد العزيز بن محمّدٍ عن يحيى بن يعلى قال: قال سعيد بن المسيّب: الحجّ الأكبر اليوم الثّاني من يوم النّحر، ألم تر أنّ الإمام يخطب فيه؟
قوله تعالى: أنّ اللّه بريءٌ من المشركين
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد اللّه بن يونس ثنا عليّ بن عابسٍ عن مسلم الملائيّ عن خيثمة عن سعد بن أبي وقّاصٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث عليًّا بأربعٍ: لا يطوفنّ بالبيت عريانٌ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فهو إلى عهده، وأن الله ورسوله بريء من المشركين.
قوله تعالى: ورسوله
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا شيبان ثنا هارون الأعور عن أبي حبرة أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله قال: برئ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: فإن تبتم فهو خيرٌ لكم
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا موسى بن هارون الدّولابيّ ثنا مروان عن جويبرٍ عن الضّحّاك في قوله: فإن تبتم يقول: إن عملتم بالّذي أمرتكم به.
قوله تعالى: وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ
- حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح العسقلانيّ ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ عن الرّبيع بن أنسٍ عن أبي العالية في قوله: بعذاب أليمٌ قال: الأليم: الموجع في القرآن كلّه.
وكذلك فسّره سعيد بن جبيرٍ والضّحّاك بن مزاحمٍ وقتادة وأبو مالكٍ وأبو عمران الجونيّ ومقاتل بن حيّان.
- ذكر لي عبد اللّه بن أحمد الدّشتكيّ ثنا أبي ثنا عطّاف بن غزوان ثنا محمّد بن مسعرٍ قال: سئل سفيان بن عيينة عن البشارة: أتكون في المكروه؟ قال: ألم تسمع قوله: وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ). [تفسير القرآن العظيم: 6/1747-1749]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (حدثنا إبراهيم حدثنا آدم ثنا ورقاء عن سليمان الشيباني عن سعيد بن جبير قال هو يوم النحر). [تفسير مجاهد: 272]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (حدثنا إبراهيم ثنا هشيم وورقاء عن سليمان الشيباني عن ابن أبي أوفى قال يوم النحر يعني يوم الحج الأكبر). [تفسير مجاهد: 272]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (حدثنا إبراهيم ثنا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال يوم الحج الأكبر حين الحج أيامه كلها). [تفسير مجاهد: 272-273]

قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثني أبو النّضر محمّد بن محمّدٍ الفقيه بالطّابران، ثنا عثمان بن سعيدٍ الدّارميّ، ثنا سليمان بن عبد الرّحمن الدّمشقيّ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، ثنا هشام بن الغاز، أخبرني نافعٌ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وقف يوم النّحر بين الجمرات في الحجّة الّتي حجّ، فقال للنّاس: «أيّ يومٍ هذا؟» قالوا: هذا يوم النّحر قال: «فأيّ بلدٍ هذا؟» قالوا: هذا البلد الحرام قال: «فأيّ شهرٍ هذا؟» قالوا: الشّهر الحرام. قال: «هذا يوم الحجّ الأكبر، فدماؤكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة هذا البلد في هذا اليوم» ثمّ قال: «ألا هل بلّغت؟» قالوا: نعم. فطفق رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: «اللّهمّ اشهد» ثمّ ودّع النّاس، فقالوا: هذه حجّة الوداع «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السّياقة» وأكثر هذا المتن مخرّجٌ في الصّحيحين إلّا قوله: «إنّ يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر سنّةٌ» ، فإنّ الأقاويل فيه عن الصّحابة والتّابعين رضي اللّه عنهم على خلافٍ بينهم فيه فمنهم من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النّحر "). [المستدرك: 2/361]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م د س) أبو هريرة - رضي الله عنه -: أنّ أبا بكرٍ بعثه في الحجّة التي أمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل حجّة الوداع، في رهطٍ يؤذّنون في النّاس يوم النّحر: أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ.
وفي رواية: ثم أردف النبيّ صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالب، فأمره أن يؤذّن بـ «براءة»، فقال أبو هريرة: فأذّن معنا في أهل منى ببراءة: أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ.
وفي رواية: ويوم الحجّ الأكبر: يوم النّحر، والحجّ الأكبر: الحجّ، وإنما قيل: الحجّ الأكبر، من أجل قول النّاس: العمرة: الحجّ الأصغر، قال: فنبذ أبو بكرٍ إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجّ في العام القابل الذي حجّ فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع مشركٌ.
وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين {يا أيّها الّذين آمنوا إنّما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله... } الآية [التوبة: 28] وكان المشركون يوافون بالتجارة، فينتفع بها المسلمون، فلما حرّم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال الله تعالى: {وإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} ثم أحلّ في الآية التي تتبعها الجزية، ولم [تكن] تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضاً ممّا منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال عز وجل: {قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة: 29] فلما أحلّ الله عز وجل ذلك للمسلمين: عرفوا أنّه قد عاضهم أفضل مما خافوا ووجدوا عليه، مما كان المشركون يوافون به من التجارة. هذه رواية البخاري ومسلم.
وفي رواية أبي داود، قال: بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذّن يوم النّحر بمنى: أن لا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ويوم الحجّ الأكبر: يوم النحر، والحجّ الأكبر: الحجّ.
وفي رواية النسائي مثل رواية أبي داود، إلى قوله: «عريانٌ».
وله في رواية أخرى، قال أبو هريرة: جئت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، قيل: ما كنتم تنادون؟ قال: كنّا ننادي: إنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوفنّ بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فأجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإنّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله، ولا يحجّ بعد العام مشركٌ، فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
[شرح الغريب]
(رهط) الرهط: الجماعة من الرجال: ما بين الثلاثة إلى التسع، ولا تكون فيهم امرأة.
(يؤذن) الإيذان: الإعلام.
(نبذ) الشيء إذا ألقاه، ونبذت إليه العهد، أي: تحّللت من عهده.
(عيلة) العيلة: الفقر والفاقة.
(الجزية) : هي المقدار من المال الذي تعقد للكتابي عليه الذمة.
(وجد المسلمون) وجد الرجل يجد: إذا حزن.
(عاضهم) عضت فلاناً كذا: إذا أعطيته بدل ما ذهب منه.
(صحل) الصحل في الصوت: البحة). [جامع الأصول: 2/152-155]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحجّ الأكبر؟ فقال: «يوم النّحر»، وروي موقوفاً عليه. أخرجه الترمذي). [جامع الأصول: 2/155-156]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: وقد سئل: بأيّ شيءٍ بعثت في الحجّة؟ قال: بعثت بأربعٍ: لا يطوفنّ بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له عهدٌ، فأجله أربعة أشهرٍ، ولا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يجتمع المشركون والمؤمنون بعد عامهم هذا. أخرجه الترمذي). [جامع الأصول: 2/156]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (د) ابن عمر - رضي الله عنه -: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النّحر بين الجمرات في الحجّة التي حجّ فيها، فقال: «أيّ يومٍ هذا؟» فقالوا: يوم النّحر، فقال: «هذا يوم الحج الأكبر».
أخرجه أبو داود.
[شرح الغريب]
(الجمرات) : هي المواضع التي ترمى بالحصا في منى). [جامع الأصول: 2/156-157]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (د) ابن أبي أوفي - رضي الله عنه -: كان يقول: يوم النحر: يوم الحجّ الأكبر، يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشّعر، ويقضى فيه التّفث، وتحلّ فيه الحرم. أخرجه). [جامع الأصول: 2/157]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر} [التوبة: 3].
- عن سمرة «عن النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال: " يوم الحجّ الأكبر يوم حجّ أبو بكرٍ بالنّاس».
رواه الطّبرانيّ، ورجاله رجال الصّحيح، إلّا أنّ معاذ بن هشامٍ قال: وجدت في كتاب أبي.
- وعن سمرة بن جندبٍ «أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال زمن الفتح: " إنّ هذا عام الحجّ الأكبر ". قال: " اجتمع حجّ المسلمين وحجّ المشركين في ثلاثة أيّامٍ متتابعاتٍ، واجتمع النّصارى واليهود في ثلاثة أيّامٍ متتابعاتٍ، فاجتمع حجّ المسلمين والمشركين والنّصارى واليهود العام في ستّة أيّامٍ متتابعاتٍ، ولم يجتمع منذ خلقت السّماوات والأرض كذلك قبل العام ولا يجتمع بعد العام حتّى تقوم السّاعة».
رواه الطّبرانيّ، ورجاله موثّقون، ولكنّ متنه منكرٌ.
- وعن عبد اللّه بن عمر قال: «كان العرب يحلّون عامًا شهرًا وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحجّ إلّا في كلّ ستّةٍ وعشرين سنةً مرّةً، وهو النّسيء الّذي ذكر اللّه - عزّ وجلّ - في كتابه، فلمّا كان عام حجّ أبي بكرٍ بالنّاس، وافق ذلك العام الحجّ، فسمّاه اللّه الحجّ الأكبر، ثمّ حجّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من العام المقبل، فاستقبل النّاس الأهلّة، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّماوات والأرض».
رواه الطّبرانيّ في الأوسط، ورجاله ثقاتٌ.
- وعن عليٍّ قال: «لمّا نزلت عشر آياتٍ من (براءةٌ) على النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - دعا النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - أبا بكرٍ [فبعثه بها] ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: " أدرك أبا بكرٍ، فحيث ما لقيته فخذ الكتاب منه فاقرأه على أهل مكّة ". فلحقته، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكرٍ إلى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: يا رسول اللّه، نزل فيّ شيءٌ؟ قال: " لا، ولكنّ جبريل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجلٌ منك».
رواه عبد اللّه بن أحمد، وفيه محمّد بن جابرٍ السّحيميّ، وهو ضعيفٌ، وقد وثّق). [مجمع الزوائد: 7/28-29]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 3.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وأذان من الله ورسوله} قال: هو إعلام من الله ورسوله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد رضي الله عنه قال: قال لي علي بن الحسين: إن لعلي في كتاب الله اسما ولكن لا يعرفونه، قلت: ما هو قال: ألم تسمع قول الله {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} هو والله الأذان.
وأخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال يوم النحر.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن علي رضي الله عنه قال أربع حفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الصلاة الوسطى العصر وإن الحج الأكبر يوم النحر وإن أدبار السجود الركعتان بعد المغرب وإن أدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر
وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ قال أي يوم أحرم أي يوم حرم أي يوم حرم فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله.
وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأيام عند الله أيام النحر يوم القر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن قال يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر.
وأخرج البخاري تعليقا وأبو داود، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجها فقال: أي يوم هذا قالوا: يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر فنبذ أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك وأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) (التوبة الآية 28) الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن ابن عباس قال: الحج الأكبر يوم النحر.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير عن المغيرة بن شعبة، أنه خطب يوم الأضحى فقال: اليوم النحر واليوم الحج الأكبر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: الحج الأكبر: يوم النحر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الحجر الأكبر: يوم النحر.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: الحج الأكبر: يوم النحر يوضع فيه الشعر ويراق فيه الدم وتحل فيه الحرم.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس.
وأخرج ابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه في قوله {يوم الحج الأكبر} قال: كان عام حج فيه المسلمون والمشركون في ثلاثة أيام واليهود والنصارى في ثلاثة أيام فاتفق حج المسلمين والمشركين واليهود والنصارى في ستة أيام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عون رضي الله عنه قال: سألت محمد عن يوم الحج الأكبر قال: كان يوم وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج أهل الملل.
وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح: إنه عام الحج الأكبر، قال: اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات فاجتمع حج المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض كذلك قبل العام ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه، أنه سئل عن الحج الأكبر فقال: ما لكم وللحج الأكبر ذاك عام حج فيه أبو بكر رضي الله عنه استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس فاجتمع فيه المسلمون والمشركون فلذلك سمي الحج الأكبر ووافق عيد اليهود والنصارى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر ألم تر أن الإمام يخطب فيه.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة: هذا يوم الحج الأكبر.
وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: الحج الأكبر يوم عرفة.
وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء البكري قال: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم عرفة.
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر يوم المباهاة يباهي الله ملائكته في السماء بأهل الأرض يقول جاؤوني شعثا غبرا آمنوا بي ولم يروني وعزتي لأغفرن لهم.
وأخرج ابن جرير عن معقل بن داود قال سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي، أنه سئل هذا الحج الأكبر فما الحج الأصغر قال: عمرة في رمضان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق رضي الله عنه قال: سألت عبد الله بن شداد رضي الله عنه عن الحج الأكبر فقال: الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان يقال: العمرة هي الحجة الصغرى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبو خيوة رضي الله عنه في قوله {أن الله بريء من المشركين ورسوله} قال: برى ء رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتاب الوقف والابتداء وابن عساكر في تاريخه عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: قدم أعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال: من يقرئني ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم فاقرأه رجل فقال {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بالجر فقال الأعرابي: أقد برئ الله من رسوله إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة
ولا علم لي بالقرآن فسألت من يقرئني فأقرأني هذا سورة براءة، فقال {أن الله بريء من المشركين ورسوله} فقلت: إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين فقال {أن الله بريء من المشركين ورسوله} فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما ما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرئ الناس إلا عالم باللغة وأمر أبا الأسود رضي الله عنه فوضع النحو.
وأخرج ابن الأنباري عن عباد المهلبي قال: سمع أبو الأسود الدؤلي رجلا يقرأ {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بالجر فقال: لا أظنني يسعني إلا أن أن أضع شيئا يصلح به لحن هذا أو كلاما هذا معناه، أما قوله تعالى: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن مسهر قال: سئل سفيان بن عينية عن البشارة أتكون في المكروه قال: ألم تسمع قوله تعالى {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}). [الدر المنثور: 7/236-243]

تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) )

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم قال هو يوم الحديبية قال يستقيموا نقضوا عهدهم أعانوا بني بكر حلفاء قريش على خزاعة حلفاء النبي). [تفسير عبد الرزاق: 1/267-268]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إلّا الّذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 4]
- حدّثنا إسحاق، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، أنّ حميد بن عبد الرّحمن أخبره، أنّ أبا هريرة أخبره: أنّ أبا بكرٍ رضي اللّه عنه، بعثه في الحجّة الّتي أمّره رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عليها قبل حجّة الوداع، في رهطٍ يؤذّنون في النّاس: «أن لا يحجّنّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ» فكان حميدٌ يقول: يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة). [صحيح البخاري: 6/65]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله
[4657] حدثني إسحاق هو بن منصورٍ كما جزم به المزّيّ ويعقوب بن إبراهيم أي بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف وصالح هو بن كيسان وقد تقدّم في أوائل الصّلاة من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ عن بن أخي بن شهابٍ عن عمّه فله فيه طريقان وسياقه عن بن أخي بن شهابٍ موافقٌ لسياق عقيلٍ وأمّا رواية صالحٍ فوقع في آخرها فكان حميدٌ يقول يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر من أجل حديث أبي هريرة وهذه الزّيادة قد أدرجها شعيبٌ عن الزّهريّ كما تقدّم في الجزية ولفظه عن أبي هريرة بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذّن يوم النّحر بمنًى لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ ويوم الحجّ الأكبر يوم النّحر وإنّما قيل الأكبر من أجل قول النّاس الحجّ الأصغر فنبذ أبو بكرٍ إلى النّاس في ذلك العام فلم يحجّ عام حجّة الوداع الّتي حجّ فيها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مشركٌ انتهى وقوله ويوم الحجّ الأكبر يوم النّحر هو قول حميد بن عبد الرّحمن استنبطه من قوله تعالى وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحج الأكبر ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكرٍ يوم النّحر فدلّ على أنّ المراد بيوم الحجّ الأكبر يوم النّحر وسياق رواية شعيبٍ يوهم أنّ ذلك ممّا نادى به أبو بكرٍ وليس كذلك فقد تضافرت الرّوايات عن أبي هريرة بأنّ الّذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكرٍ شيئان منع حجّ المشركين ومنع طواف العريان وأنّ عليًّا أيضًا كان ينادي بهما وكان يزيد من كان له عهدٌ فعهده إلى مدّته وأن لا يدخل الجنّة إلّا مسلمٌ وكأنّ هذه الأخيرة كالتّوطئة لأن لا يحجّ البيت مشركٌ وأمّا الّتي قبلها فهي الّتي اختصّ عليٌّ بتبليغها ولهذا قال العلماء إنّ الحكمة في إرسال عليٍّ بعد أبي بكرٍ أنّ عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلّا من عقده أو من هو منه بسبيلٍ من أهل بيته فأجراهم في ذلك على عادتهم ولهذا قال لا يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجلٌ من أهل بيتي وروى أحمد والنّسائيّ من طريق محرّر بن أبي هريرة عن أبيه قال كنت مع عليٍّ حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكّة ببراءةٍ فكنّا ننادي أن لا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مسلمةٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فأجله أربعة أشهرٍ فإذا مضت فإنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله ولا يحجّ بعد العام مشركٌ فكنت أنادي حتّى صحل صوتي وقوله وإنّما قيل الأكبر الخ في حديث بن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصّحيح رفعه أي يوم هذا قالوا هذا يوم النّحر قال هذا يوم الحجّ الأكبر واختلف في المراد بالحجّ الأصغر فالجمهور على أنّه العمرة وصل ذلك عبد الرّزّاق من طريق عبد اللّه بن شدّادٍ أحد كبار التّابعين ووصله الطّبريّ عن جماعةٍ منهم عطاءٌ والشّعبيّ وعن مجاهدٍ الحجّ الأكبر القران والأصغر الإفراد وقيل يوم الحجّ الأصغر يوم عرفة ويوم الحجّ الأكبر يوم النّحر لأنّ فيه تتكمّل بقيّة المناسك وعن الثّوريّ أيّام الحجّ تسمّى يوم الحجّ الأكبر كما يقال يوم الفتح وأيّده السّهيليّ بأنّ عليًّا أمر بذلك في الأيّام كلّها وقيل لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يقفون بعرفة وكانت قريشٌ تقف بالمزدلفة فإذا كان صبيحة النّحر وقف الجميع بالمزدلفة فقيل له الأكبر لاجتماع الكلّ فيه وعن الحسن سمّي بذلك لاتّفاق حجّ جميع الملل فيه وروى الطّبريّ من طريق أبي جحيفة وغيره أنّ يوم الحجّ الأكبر يوم عرفة ومن طريق سعيد بن جبيرٍ أنّه النّحر واحتجّ بأنّ يوم التّاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحجّ بخلاف العاشر فإنّ اللّيل إذا انسلخ قبل الوقوف فات وفي رواية التّرمذيّ من حديث عليٍّ مرفوعًا وموقوفًا يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر ورجّح الموقوف وقوله فنبذ أبو بكر الخ هو أيضًا مرسلٌ من قول حميد بن عبد الرّحمن والمراد أنّ أبا بكرٍ أفصح لهم بذلك وقيل إنّما لم يقتصر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على تبليغ أبي بكرٍ عنه ببراءةٍ لأنّها تضمّنت مدح أبي بكرٍ فأراد أن يسمعوها من غير أبي بكرٍ وهذه غفلةٌ من قائله حمله عليها ظنّه أنّ المراد تبليغ براءةٍ كلّها وليس الأمر كذلك لما قدّمناه وإنّما أمر بتبليغه منها أوائلها فقط وقد قدّمت حديث جابرٍ وفيه أنّ عليًّا قرأها حتّى ختمها وطريق الجمع فيه واستدلّ به على أنّ حجّة أبي بكرٍ كانت في ذي الحجّة على خلاف المنقول عن مجاهدٍ وعكرمة بن خالدٍ وقد قدّمت النّقل عنهما بذلك في المغازي ووجه الدّلالة أنّ أبا هريرة قال بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجّة يوم النّحر وهذا لا حجّة فيه لأنّ قول مجاهدٍ إن ثبت فالمراد بيوم النّحر الّذي هو صبيحة يوم الوقوف سواءً كان الوقوف وقع في ذي القعدة أو في ذي الحجّة نعم روى بن مردويه من طريق عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه قال كانوا يجعلون عامًا شهرًا وعامًا شهرين يعني يحجّون في شهرٍ واحدٍ مرّتين في سنتين ثمّ يحجّون في الثّالث في شهرٍ آخر غيره قال فلا يقع الحجّ في أيّام الحجّ إلّا في كل خمس وعشرين سنةً فلمّا كان حجّ أبي بكرٍ وافق ذلك العام شهر الحجّ فسمّاه اللّه الحجّ الأكبر تنبيهٌ اتّفقت الرّوايات على أنّ حجّة أبي بكرٍ كانت سنة تسعٍ ووقع في حديثٍ لعبد الرّزّاق عن معمرٍ عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة في قوله براءةٌ من اللّه ورسوله قال لمّا كان زمن خيبر اعتمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الجعرّانة ثمّ أمّر أبا بكرٍ الصّدّيق على تلك الحجّة قال الزّهريّ وكان أبو هريرة يحدّث أنّ أبا بكرٍ أمره أن يؤذّن ببراءةٍ ثمّ أتبع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا الحديث قال الشّيخ عماد الدّين بن كثيرٍ هذا فيه غرابةٌ من جهة أنّ الأمير في سنة عمرة الجعرّانة كان عتّاب بن أسيدٍ وأمّا حجّة أبي بكرٍ فكانت سنة تسعٍ قلت يمكن رفع الإشكال بأنّ المراد بقوله ثمّ أمّر أبا بكرٍ يعني بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذكر من ولي الحجّ سنة ثمانٍ فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا رجع من العمرة إلى الجعرّانة فأصبح بها توجّه هو ومن معه إلى المدينة إلى أن جاء أوان الحجّ فأمّر أبا بكرٍ وذلك سنة تسعٍ وليس المراد أنّه أمّر أبا بكرٍ أن يحجّ في السّنة الّتي كانت فيها عمرة الجعرّانة وقوله على تلك الحجّة يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة). [فتح الباري: 8/320-322]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب: {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين} (التّوبة: 4)
قد مر تفسيره عن قريب، وليس في بعض النّسخ ذكر هذه.
- حدّثنا إسحاق حدّثنا يعقوب بن إبراهيم حدّثنا أبي عن صالحٍ عن ابن شهابٍ أنّ حميد بن عبد الرّحمان أخبره أنّ أبا هريرة أخبره أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه بعثه في الحجّة الّتي أمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجّة الوداع في رهطٍ يؤذّن في النّاس أن لا يحجنّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ فكان حميدٌ يقول يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر من أجل حديث أبي هريرة. .
هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور أخرجه عن إسحاق بن منصور، كذا جزم به الحافظ المزي عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف عن صالح بن كيسان التّابعيّ عن محمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ عن حميد بن عبد الرّحمن. وفيه ثلاثة من التّابعين على نسق واحد. قوله: (فكان حميد يقول) إلى آخره، قد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: (من أجل حديث أبي هريرة) لأنّه نادى بإذن أبي بكر رضي الله عنه، يوم النّحر). [عمدة القاري: 18/262-263]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين}
({إلا الذين عاهدتم من المشركين}) [التوبة: 1] استثناء من المشركين والتقدير براءة من الله إلى المشركين إلا من الذين لم ينقضوا وسقط هذا لأبي ذر.
- حدّثنا إسحاق حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ أنّ حميد بن عبد الرّحمن أخبره أنّ أبا هريرة، أخبره أنّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- بعثه في الحجّة الّتي أمّره رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- عليها قبل حجّة الوداع في رهطٍ يؤذّن في النّاس أن لا يحجّنّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، فكان حميدٌ يقول يوم النّحر يوم الحجّ الأكبر من أجل حديث أبي هريرة.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحاق) هو ابن منصور أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (أن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (أخبره أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر -رضي الله عنه- بعثه) أي بعث أبا هريرة (في الحجة التي أمره) بتشديد الميم أي جعله (رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أميرًا (قبل حجة الوداع في رهط) هو ما دون العشرة من الرجال (يؤذن) ولأبي ذر عن الكشميهني: يؤذنون (في الناس) بمنى (أن لا يحجن) بنون التوكيد الثقيلة (بعد العام مشرك ولا يطوف) بالنصب (بالبيت عريان فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة) وهذه الزيادة أدرجها شعيب عن أبي هريرة كما في الجزية، ولفظه عن أبي هريرة: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج أكبر يوم النحر، وإنما قيل أكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- مشرك، وقول حميد هذا استنبطه من قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدلّ على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو هريرة وليس كذلك فقد تظافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به أبو هريرة هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان منع حج المشركين ومنع طواف العريان، وأن عليًّا أيضًا كان ينادي بهما وكان يزيد من كان له عهد فعهده إلى مدته وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم وكأن هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج بعد العام مشرك، وأما التي قبلها فهي التي اختص في بتبليغها قاله في الفتح). [إرشاد الساري: 7/143-144]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين}.
يقول تعالى ذكره: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله} {إلاّ} من عهدٍ {الّذين عاهدتم من المشركين} أيّها المؤمنون {ثمّ لم ينقصوكم شيئًا} من عهدكم الّذي عاهدتموهم {ولم يظاهروا عليكم أحدًا} من عدوّكم، فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم، ولا بسلاحٍ ولا خيلٍ ولا رجالٍ. {فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم} يقول: ففوا لهم بعهدهم الّذي عاهدتموهم عليه، ولا تنصبوا لهم حربًا إلى انقضاء أجل عهدهم الّذي بينكم وبينهم. {إنّ اللّه يحبّ المتّقين} يقول: إنّ اللّه يحبّ من اتّقاه بطاعته بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم} يقول: إلى أجلهم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين} أي العهد الخاصّ إلى الأجل المسمّى. {ثمّ لم ينقصوكم شيئًا} الآية.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا} الآية، قال: هم مشركو قريشٍ الّذين عاهدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زمن الحديبية. وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهرٍ بعد يوم النّحر، فأمر اللّه نبيّه أن يوفّي لهم بعهدهم إلى مدّتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرّم، وينبذ إلى كلّ ذي عهدٍ عهده، وأمره بقتالهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه، وأن لا يقبل منهم إلاّ ذلك.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: مدّة من كان له عهد المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهرٍ من يوم أذّن ببراءة إلى عشرٍ من شهر ربيعٍ الآخر، وذلك أربعة أشهرٍ، فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوًّا فلا عهد لهم، وإن وفّوا بعدهم الّذي بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يظاهروا عليه عدوًّا، فقد أمر أن يؤدّي إليهم عهدهم ويفي به). [جامع البيان: 11/340-342]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين (4)
قوله تعالى: إلا الّذين عاهدتم من المشركين
- حدّثنا أبي ثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام بن يوسف عن ابن جريجٍ أخبرني سليمان عن محمّد بن عبّاد بن جعفرٍ عن ابن عبّاسٍ إلا الّذين عاهدتم من المشركين قال: هم قريشٌ.
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد ثنا يزيد عن سعيدٍ عن قتادة قوله: إلا الّذين عاهدتم من المشركين قال: هم مشركو قريشٍ الّذين عاهدهم نبيّ اللّه زمن الحديبية وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهرٍ بعد يوم النّحر.
- ذكر الحسن بن محمّد بن الصّبّاح ثنا حجّاجٌ عن ابن جريجٍ أخبرني محمّد بن عبّاد بن جعفرٍ إلا الّذين عاهدتم من المشركين جذيمة بكرٍ، كنانة.
قوله تعالى: ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدا
- أخبرنا محمّد بن سعيدٍ فيما كتب إليّ- ثنا أبي ثنا عمّي ثنا أبي عن أبيه عن ابن عبّاسٍ قوله: ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فإن نقص المشركون عهدهم وظاهروا عدوّهم، فلا عهد لهم وإن وفوا بعهدهم الّذي بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يظاهروا عليه عدوًّا، فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به.
قوله تعالى: فأتمّوا إليهم عهدهم
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن أبي عمر العدنيّ ثنا سفيان عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ قال: قال اللّه تعالى: فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم قال: كان بقي لبني مذحجٍ وخزاعة عهدٌ، فهو الّذي قال اللّه: فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد ثنا يزيد عن سعيدٍ عن قتادة فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم قال: فأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدّتهم.
قوله تعالى: إلى مدّتهم
- أخبرنا أحمد بن عثمان- فيما كتب إليّ- ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم يقول: إلى أجلهم.
قوله تعالى: إنّ اللّه يحب المتقين
[الوجه الأول]
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم ثنا أبو عقيلٍ عن عبد اللّه بن يزيد عن ربيعة وعطيّة بن قيسٍ عن عطيّة السّعديّ وكان من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا عبد اللّه بن عمران ثنا إسحاق بن سليمان عن المغيرة بن مسلمٍ عن ميمونٍ أبي حمزة هو القصّاب قال: كنت جالسًا عند أبي وائلٍ، فدخل علينا رجلٌ يقال له أبو عفيفٍ من أصحاب معاذٍ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في بقيعٍ واحدٍ فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنفٍ من الرّحمن لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر، قلت: من المتّقون؟ قال: قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة، فيمرّون إلى الجنّة.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثنا محمّد بن أبي محمّدٌ مولى زيد بن ثابتٍ عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ يقول اللّه سبحانه وبحمده: للمتّقين أي الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء منه.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ المتّقين قال: هم المؤمنون.
الوجه الخامس:
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ- فيما كتب إليّ- ثنا أبي ثنا عمّي الحسين عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاسٍ قوله: إنّ اللّه يحبّ المتّقين يعني: أهل العهد من المشركين). [تفسير القرآن العظيم: 6/1749-1751]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 4.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إلا الذين عاهدتم من المشركين} قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية وكان بقي من مدتهم أربعة اشهر بعد يوم النحر فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدتهم.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن عباد بن جعفر في قوله {إلا الذين عاهدتم من المشركين} قال: هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {ثم لم ينقصوكم شيئا} الآية، قال: فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوا فلا عهد لهم وإن أوفوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يظاهروا عليه فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} قال: كان لبني مدلج وخزاعة عهد فهو الذي قال الله {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}.
وأخرج أبو الشيخ عن اسدي رضي الله عنه في قوله {إلا الذين عاهدتم من المشركين} قال: هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة كانوا حلفاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة من بني تبيع {ثم لم ينقصوكم شيئا} ثم لم ينقضوا عهدكم بغدر {ولم يظاهروا} عدوكم عليكم {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} يقول: أجلهم الذي شرطتم لهم {إن الله يحب المتقين} يقول: الذين يتقون الله تعالى فيما حرم عليهم فيفون بالعهد: قال: فلم يعاهد النّبيّ بعد هؤلاء الآيات أحد). [الدر المنثور: 7/243-244]

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) )

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في سورة النساء: {إلا الّذين يصلون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء اللّه لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السّلم فما جعل اللّه لكم عليهم سبيلاً}؛
وقال: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلّ ما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السّلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً}؛
وقال في سورة الممتحنة: {لا ينهاكم اللّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ اللّه يحبّ المقسطين}؛
ثم قال فيها: {إنّما ينهاكم اللّه عن الّذين قاتلوكم في الدّين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون}؛
فنسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين}؛
فجعل لهم أجلا أربعة أشهر يسيحون فيها وأبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصدٍ}؛
ثم نسخ واستثنى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ}؛
وقال: {وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه). [الجامع في علوم القرآن: 3/70-72] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى {وإن جنحوا للسلم} قال للصلح ونسختها قوله تعالى (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)). [تفسير عبد الرزاق: 1/261] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن قال نسختها اقتلوا المشركين ولا مجادلة أشد من السيف). [تفسير عبد الرزاق: 2/98-99]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ}.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} فإذا انقضى ومضى وخرج.
يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلخه سلخًا وسلوخًا، بمعنى: خرجنا منه، ومنه قولهم: شاةٌ مسلوخةٌ، بمعنى: المنزوعة من جلدها المخرجة منه.
ويعني بالأشهر الحرم: ذا القعدة، وذا الحجّة، والمحرّم.
وإنّما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرّم وحده؛ لأنّ الأذان كان ببراءة يوم الحجّ الأكبر، فمعلومٌ أنّهم لم يكونوا أجّلّوا الأشهر الحرم كلّها، وقد دللنا على صحّة ذلك فيما مضى. ولكنّه لمّا كان متّصلاً بالشّهرين الآخرين قبله الحرامين وكان هو لهما ثالثًا وهي كلّها متّصلٌ بعضها ببعضٍ، قيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم.
ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثّلاثة عن الّذين لا عهد لهم، أو عن الّذين كان لهم عهدٌ، فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداء على رسول اللّه وعلى أصحابه، أو كان عهدهم إلى أجلٍ غيره معلومٍ.
{فاقتلوا المشركين} يقول: فاقتلوهم {حيث وجدتموهم} يقول: حيث لقيتموهم من الأرض في الحرم وغير الحرم في الأشهر الحرم وغير الأشهر الحرم. {وخذوهم} يقول: وأسروهم {واحصروهم} يقول: وامنعوهم من التّصرّف في بلاد الإسلام ودخول مكّة. {واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} يقول: واقعدوا لهم بالطّلب لقتلهم أو أسرهم كلّ مرصدٍ. يعني: كلّ طريقٍ ومرقبٍ، وهو مفعلٍ من قول القائل رصدت فلانًا أرصده رصدًا، بمعنى: رقبته.
{فإن تابوا} يقول: فإن رجعوا عمّا نهاهم عليه من الشّرك باللّه وجحود نبوّة نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى توحيد اللّه وإخلاص العبادة له، دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم. {وأقاموا الصّلاة} يقول: وأدّوا ما فرض اللّه عليهم من الصّلاة بحدودها وأعطوا الزّكاة الّتي أوجبها اللّه عليهم في أموالهم أهلها. {فخلّوا سبيلهم} يقول: فدعوهم يتصرّفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام. {إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ} لمن تاب من عباده، فأناب إلى طاعته بعد الّذي كان عليه من معصيته، ساترٌ على ذنبه، رحيمٌ به أن يعاقبه على ذنوبه السّالفة قبل توبته بعد التّوبة.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الّذين أجّلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا عبد الأعلى بن واصلٍ الأسديّ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أنسٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من فارق الدّنيا على الإخلاص للّه وحده وعبادته لا يشرك به شيئًا، فارقها واللّه عنه راضٍ قال: وقال أنسٌ: هو دين اللّه الّذي جاءت به الرّسل، وبلّغوه عن ربّهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب اللّه في آخر ما أنزل اللّه، قال اللّه: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربّهم، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة. ثمّ قال في آيةٍ أخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فإخوانكم في الدّين}.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} حتّى ختم آخر الآية وكان قتادة يقول: خلّوا سبيل من أمركم اللّه أن تخلّوا سبيله، فإنّما النّاس ثلاثة رهطٍ: مسلمٌ عليه الزّكاة، ومشركٌ عليه الجزية، وصاحب حربٍ يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عشور ماله.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} وهي الأربعة الّتي عددت لك، يعني عشرين من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وربيعًا الأوّل وعشرًا من شهر ربيعٍ الآخر.
وقال قائلو هذه المقالة: قيل لهذه الأشهر: الحرم؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ حرّم على المؤمنين فيها دماء المشركين والعرض لهم إلاّ بسبيل خيرٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن إبراهيم بن أبي بكرٍ، أنّه أخبره، عن مجاهدٍ، وعمرو بن شعيبٍ، في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أنّها الأربعة الّتي قال اللّه: {فسيحوا في الأرض} قال: هي الحرم من أجل أنّهم أومنوا فيها حتّى يسيحوها.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} قال: ضرب لهم أجلٌ أربعة أشهرٍ، وتبرّأ من كلّ مشركٍ، ثمّ أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} لا تتركوهم يضربون في البلاد، ولا يخرجون للتّجارة، ضيّقوا عليهم، بعدها أمر بالعفو: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} يعني الأربعة الّتي ضرب اللّه لهم أجلاً لأهل العهد العامّ من المشركين. {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} الآية). [جامع البيان: 11/342-346]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ (5)
قوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ يعني قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النّحر إلى انسلاخ المحرم، خمسين ليلةً.
الوجه الثّاني:
- أخبرنا أحمد بن عثمان- فيما كتب إليّ- ثنا أحمد بن مفضّلٍ عن أسباطٍ عن السّدّيّ قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم وهي أربعة الّتي عددت لك، وهي: عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيعٍ الأوّل وعشرٍ من شهر ربيعٍ الآخر.
وروي عن قتادة: نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ أنبأ بشرٌ بن عمارة عن أبي روقٍ عن الضّحّاك في قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم قال: عشرٌ من ذي القعدة وذو الحجّة والمحرّم سبعون ليلةً.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن الوليد بن بردٍ الأنطاكيّ ثنا محمّد بن جعفر بن محمّدٍ عن جعفر بن محمّدٍ عن أبيه في قول اللّه فإذا انسلخ الأشهر الحرم فهي ذو القعدة، وذو الحجّة والمحرّم ورجب.
قوله تعالى: فاقتلوا المشركين
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي ثنا إسحاق بن موسى الأنصاريّ قال: قال سفيان بن عيينة: قال عليّ بن أبي طالبٍ: بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأربعة أسيافٍ: سيفٌ في المشركين من العرب، قال الله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ يعني قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أمره أن يضع السّيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ونقض ما سمّي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الميثاق، وأذهب الشّرط الأوّل.
- حدّثنا أبي ثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة ثنا محمّد بن المعلّى الياميّ ثنا جويبرٌ عن الضّحّاك قال: كلّ آيةٍ في كتاب اللّه فيها ميثاقٌ من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبين أحدٍ من المشركين وكلّ عهدٍ ومدّةٍ نسختها سورة براءة وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا المسيّب بن واضحٍ ثنا أبو إسحاق الفزاريّ عن سفيان عن السّدّيّ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم نسختها فإمّا منًّا بعد وإمّا فداءً
قوله تعالى: وخذوهم واحصروهم
- قرأت على محمّد بن الفضل بن موسى ثنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن شقيقٍ ثنا محمّد بن مزاحمٍ ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ
أمره اللّه أن يضع السّيف فيهم وأن يقتلهم ويقعد لهم بكلّ مرصدٍ فيأخذهم ويحصرهم.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ- فيما كتب إليّ- ثنا أصبغ قال: سمعت ابن زيدٍ يقول في قول اللّه عزّ وجلّ واحصروهم قال: ضيّقوا عليهم.
قوله تعالى: واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ
- وبه قال: سمعت ابن زيدٍ في قوله: واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ لا تتركوهم يضربوا في البلاد ولا يخرجوا للتّجارة.
- حدّثنا أبي ثنا رجلٌ سمّاه عن أبي عمران الحونيّ أنّه قال: الرّباط في كتاب اللّه عزّ وجلّ قوله: واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ
قوله تعالى: فإن تابوا
- حدّثنا أبي ثنا عبيد اللّه بن موسى أنبأ أبو جعفرٍ الرّازيّ عن الرّبيع عن أنس بن مالكٍ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة يقول: توبتهم خلع الأوثان وعبادتها.
- قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ ثنا محمّد بن مزاحمٍ ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: فإن تابوا من الشّرك وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة لم تقتلهم، وكفّ عنهم.
وروي عن الضّحّاك فإن تابوا من الشّرك.
- حدّثنا أبي ثنا المسيّب بن واضحٍ ثنا أبو إسحاق عن الأوزاعيّ في قوله: فإن تابوا قال: شهادة أنّ لا إله إلا اللّه.
قوله تعالى: وأقاموا الصّلاة
- حدّثنا أبي ثنا عبد الرّحمن بن إبراهيم ثنا الوليد ثنا عبد الرّحمن بن نمرٍ قال: سألت الزّهريّ عن قول اللّه أقاموا الصّلاة قال: إقامتها: أن تصلّي الصّلوات الخمس لوقتها.
قوله تعالى: الصّلاة
- حدّثنا عصام بن روّادٍ ثنا آدم ثنا مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: أقاموا الصّلاة قال: فريضةٌ واجبةٌ لا تنفع الأعمال إلا بها، وبالزّكاة. وروي عن قتادة مثل ذلك.
- قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله لأهل الكتاب: أقاموا الصّلاة أمرهم أن يصلّوا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: وآتوا الزّكاة
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ وآتوا الزّكاة يعني بالزّكاة: طاعة اللّه، والإخلاص.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا أبو بكرٍ وعثمان أنبأ أبي شيبة قالا: ثنا وكيعٌ عن أبي جنابٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ في قوله: وآتوا الزّكاة قال: ما يوجب الزّكاة؟ قال: مائتان فصاعدًا.
- حدّثنا محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ أبو عبد اللّه ثنا حفص بن عمر العدنيّ حدّثنا الحكم بن أبان عن عكرمة وآتوا الزّكاة قال: زكاة المال من كلّ مائتي درهمٍ قفلةٌ خمسة دراهم.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جريرٌ عن أبي حيّان التّيميّ عن الحارث العكليّ في قوله: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة قال: صدقة الفطر.
والوجه الرّابع:
- قرأت على محمّدٍ ثنا محمّدٌ ثنا بكيرٌ عن مقاتلٍ قوله لأهل الكتاب وآتوا الزّكاة أمرهم أن يؤتوا الزّكاة يدفعونها إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى فخلّوا سبيلهم
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد ثنا يزيد عن سعيدٍ عن قتادة فخلّوا سبيلهم كان قتادة يقول: خلّوا سبيل من أمركم اللّه أن تخلّوا سبيله فإنّما النّاس ثلاثة رهطٍ: مسلمٌ عليه الزّكاة، ومشركٌ عليه الجزية، وصاحب حربٍ يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عشور ماله.
- حدّثنا أبي ثنا عبيد بن آدم ثنا آدم ثنا أبو شيبة عن عطاءٍ الخراسانيّ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم قال: ثمّ خلطهم بالمؤمنين
قوله تعالى: أنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا العبّاس بن الوليد ثنا يزيد عن سعيدٍ عن قتادة قوله: إنّ اللّه غفورٌ قال: غفورٌ للذّنوب الكثيرة أو الكبيرة شكّ يزيد رحيم قال: بعباده رحيمٌ). [تفسير القرآن العظيم: 6/1751-1755]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الزّاهد، ثنا أحمد بن مهران، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ أبو جعفرٍ الرّازيّ، وأخبرني عبد الرّحمن بن حمدان الجلّاب، بهمدان، ثنا إسحاق بن أحمد الخزّاز، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أنس بن مالكٍ، عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: " من فارق الدّنيا على الإخلاص للّه وحده لا شريك له، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، فارقها واللّه عنه راضٍ، وهو دين اللّه الّذي جاءت به الرّسل، وبلّغوه عن ربّهم قبل مرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب اللّه {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، فخلّوا سبيلهم} [التوبة: 5] وقوله عزّ وجلّ {فإن تابوا} [التوبة: 5] يقول: خلعوا الأوثان وعبادتها {وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فإخوانكم في الدّين} [التوبة: 11] «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/362]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله مرصدٍ طريقٍ كذا في بعض النّسخ وسقط للأكثر وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى واقعدوا لهم كل مرصد أي كلّ طريقٍ والمراصد الطّرق). [فتح الباري: 8/314]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (مرصدٌ طريقٌ
أشار به إلى قوله تعالى: {واقعدوا لهم كل مرصد} (التّوبة: 5) أي: على كل طريق ويجمع على مراصد، وهي الطّرق. قوله لهم: أي للكفّار المشركين ولم تقع هذه اللّفظة إلاّ في بعض النّسخ). [عمدة القاري: 18/254]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 5.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم}
قال: هي الأربعة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرون من شهر ربيع الآخر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: عشر من ذي القعدة وذي الحجة والمحرم سبعون ليلة.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: هي الأربعة التي قال (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) (براءة الآية 2).
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} الآية، قال: كان عهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش أربعة أشهر بعد يوم النحر كانت تلك بقية مدتهم ومن لا عهد له إلى إنسلاخ المحرم فأمر الله نبيه
صلى الله عليه وسلم إذا مضى هذه الأجل أن يقاتلهم في الحل والحرم وعند البيت حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: كل آية في كتاب الله تعالى فيها ميثاق بين النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عهد ومدة نسخها سورة براءة {وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {واحصروهم} قال: ضيقوا عليهم {واقعدوا لهم كل مرصد} قال: لا تتركوهم يضربون في البلاد ولا يخرجون التجارة
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: الرباط في كتاب الله تعالى {واقعدوا لهم كل مرصد}.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ثم نسخ واستثنى فقال {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (التوبة الآية 6)، أما قوله تعالى: {فإن تابوا} الآية.
أخرج ابن ماجة ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والبزار وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فارقها والله عنه راض قال أنس رضي الله عنه: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم من قبل هوج الأحاديث واختلاف الأهواء، قال أنس: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى في آخر ما أنزل {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال: حرمت هذه دماء أهل القبلة.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} قال: فإنما الناس ثلاثة نفر، مسلم عليه الزكاة ومشرك عليه الجزية وصاحب حرب يأتمن بتجارته إذا أعطى عشر ماله.
وأخرج الحاكم وصححه عن مصعب بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ثم ارتحل غدوة وروحة ثم نزل ثم هجر ثم قال أيها الناس إني لكم فرط وإني أوصيكم بعترتي خيرا موعدكم الحوض والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: هذا
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن الربيع الظفري رضي الله عنه - وكانت له صحبة - قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أشجع تؤخذ صدقته فجاءه الرسول فرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه). [الدر المنثور: 7/244-248]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 10:53 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (قوله: {براءةٌ مّن اللّه ورسوله...}
مرفوعة، يضمر لها {هذه}ومثله قوله: {سورةٌ أنزلناها}. وهكذا كل ما عاينته من اسم معرفة أو نكرة جاز إضمار {هذا}و{هذه} فتقول إذا نظرت إلى رجل: جميلٌ والله، تريد: هذا جميل.
والمعنى في قوله {براءة}أن العرب كانوا قد أخذوا ينقضون عهودا كانت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه آيات من أوّل براءة، أمر فيها بنبذ عهودهم إليهم، وأن يجعل الأجل بينه وبينهم أربعة أشهر. فمن كانت مدّته أكثر من أربعة أشهر حطّه إلى أربعة. ومن كانت مدّته أقلّ من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة. وبعث في ذلك أبا بكر وعليا رحمهما الله، فقرأها عليّ على الناس). [معاني القرآن: 1/420]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {براءةٌ من اللّه ورسوله} أي تبرؤ من اللّه ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين). [تفسير غريب القرآن: 182]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : قوله جلّ وعزّ: {براءة من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين}
سئل أبيّ بنّ كعب: ما بال براءة لم تفتتح بـ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
فقال: لأنها نزلت في آخر ما نزل من القرآن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر في أول كل سورة بـ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: ولم يأمر في سورة براءة بذلك فضمّت إلى سورة الأنفال لشبهها بها.
يعني أن أمر العهود مذكور في سورة الأنفال وهذه نزلت بنقض العهود فكانت ملتبسة بالأنفال في الشبه.
قال أبو إسحاق: أخبرنا بعض أصحابنا عن صاحبنا أبي العباس محمد ابن يزيد المبرد أنّه قال: لم تفتتح ب " بسم اللّه الرّحمن الرّحيم "، لأن " بسم اللّه " افتتاح للخير. وأول { براءة } وعيد ونقض عهود، فلذلك لم تفتتح بـ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
و{براءة} نزلت في سنة تسع من الهجرة، وافتتحت مكة في سنة ثمان.
وولّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد للوقوف بالناس في الموسم فاجتمع في
تلك السنة في الموقف ومعالم الحج وأسبابه المسلمون والمشركون، فلما كان في سنة تسع ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق الوقوف بالناس وأمر بتلاوة براءة، وولى تلاوتها عليا وقال في ذلك: لن يبلّغ عني إلا رجل مني، وذلك لأن العرب جرت عادتها في عقد عقودها ونقضها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، فكان جائزا أن يقول العرب إذا تلي عليها نقض. العهد من الرسول: هذا خلاف ما نعرف فينا في نقض العهود، فأزاح رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - هذه العلّة، فتليت براءة في الموقف:
{براءة من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين)}
أي قد برئ من إعطائهم العهود والوفاء لهم، ذلك أن نكثوا.
{براءة}مرتفعة على وجهين أحدهما على خبر الابتداء، على معنى هذه الآيات براءة من الله ورسوله، وعلى الابتداء، يكون الخبر {إلى الذين عاهدتم} لأن براءة موصولة بـ من، وصار كقولك: القصد إلى زيد، والتبرؤ إليك، وكلاهما جائز حسن، يقال برئت في الرجل والدين براءة،. وبرئت من المرض وبرأت أيضا برءا، وقد رووا برأت ابرؤ بروءا، ولم نجد فيما لامه همزة فعلت أفعل، نحو قرأت أقرا، وهنأت البعير أهنؤه.
وقد استقصى العلماء باللغة هذا فلم يجدوه إلا في هذا الحرف ويقال بريت القلم - وكل شيء نحته - أبريه بريا، غير مهموز، وكذلك براة السير غير مهموز، والبرة حلقة من حديد في أنف الناقة، فإذا كانت من شعر فهي خزامة.
والذي في أنف البعير من خشب يقال له الخشاش، يقال أبريت الناقة أبريها براء إذا جعلت لها برة.
ولا يقال إلا بالألف أبريت، ومن الخزامة خزمت - بغير ألف – وكذلك من الخشاش خششت، والبرة الخلخال من هذا، وتجمع البرة برين والبري). [معاني القرآن: 2/427-429]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (قال أبو جعفر ومعنى {براءة} تبرؤ {من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}
أي فيقال لهم سيحوا في الأرض أي اذهبوا وجيئوا آمنين أربعة أشهر ثم لا أمان لكم بعدها
قال مجاهد وقتادة الأربعة الأشهر عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر
وقال الزهري هن شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم). [معاني القرآن: 3/180-181]

تفسير قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ...}
يقول: تفرقوا آمنين أربعة أشهر مدّتكم). [معاني القرآن: 1/420]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {براءةٌ من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم} ثم خاطب شاهداً فقال: {فسيحوا في الأرض} مجازه: سيروا وأقبلوا وأدبروا، والعرب تفعل هذا، قال عنترة:
شطّت مزار العاشقين فأصبحت.=.. عسراً علىّ طلابك ابنة مخرم).
[مجاز القرآن: 1/252]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} أي اذهبوا آمنين أربعة أشهر أو أقل [من كانت مدة عهده إلى أكثر من أربعة أشهر أو أقل] فإن أجله أربعة أشهر). [تفسير غريب القرآن: 182]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : وقوله: ( {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين}أي اذهبوا؛ وأقبلوا وأدبروا أربعة أشهر.
{واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه}
أي وإن أجّلتم هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا اللّه (وأنّ اللّه مخزي الكافرين).
الأجود فتح {أنّ } على معنى اعلموا أن الله مخزي الكافرين، ويجوز
كسرها على معنى الاستئناف، وهذا ضمان من الله عزّ وجلّ بنصره المؤمنين على الكافرين). [معاني القرآن: 2/429]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال عز وجل: {واعلموا أنكم غير معجزي الله} [آية: 2] أي وإن أجلتم هذا الأجل سينصر المسلمون عليكم). [معاني القرآن: 3/181]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} أي فاذهبوا آمنين هذه المدة، من كان عهده أكثر أو أقل. والأربعة أشهر هن أربعة أشهر من بعد يوم النحر، ويقال: أشهر السماحة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 95]

تفسير قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وأذانٌ مّن اللّه ورسوله...}
تابع لقوله {براءة}. وجعل لمن لم يكن له عهد خمسين يوما أجلا. وكل ذلك من يوم النحر). [معاني القرآن: 1/420]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {وأذانٌ من الله} مجازه: وعلم من الله وهو مصدر واسم من قولهم: آذنتهم أي أعلمتهم، يقال أيضاً: {أذينٌ وإذنٌ} ). [مجاز القرآن: 1/252]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {وأذان مّن اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ مّن المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لّكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ}
قال: {وأذان مّن اللّه ورسوله} {أنّ اللّه بريءٌ مّن المشركين} أي: بأنّ الله بريء وكذلك {وأنّ اللّه مخزي الكافرين} أي: بأن الله). [معاني القرآن: 2/30]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {وأذان من الله ورسوله}: أذنهم أعلمهم). [غريب القرآن وتفسيره: 161]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {وأذانٌ من اللّه ورسوله} أي إعلام. ومنه أذان الصلاة إنما هو إعلام بها. يقال: آذنتهم إذانا فأذنوا إذنا. والأذن اسم بمني منه.
{الحجّ الأكبر} يوم النّحر. وقال بعضهم: يوم عرفة. وكانوا يسمون العمرة: الحجّ الأصغر). [تفسير غريب القرآن: 182]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {وأذان من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذاب أليم}
عطف على {براءة} ومعناه: وإعلان من الله ورسوله، يقال آذنته بالشيء إذا أعلمته به.
{إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريء من المشركين}.
قيل يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة، والحج الأكبر الوقوف بعرفة.
وقيل الحج الأصغر العمرة.
والإجماع أنّه من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج.
وقال بعضهم إنما سمي يوم الحج الأكبر لأنه اتفقت فيه أعياد أهل الملّة، كان اتفق في ذلك اليوم عيد النصارى واليهود والمجوس وهذا لا يسمى به يوم الحج الأكبر، لأنه أعياد غير المسلمين، إنما فيها تعظم كفر باللّه، فليست من الحج الأكبر في شيء.
إجماع المسلمين على أن الوقوف بعرفة أكبر الحجّ). [معاني القرآن: 2/429-430]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر}
الأذان الإعلام
روى شعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار قال خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى العيد راكبا على دابة فلقيه رجل فقال له وأخذ بلجامه ما {يوم الحج الأكبر} فقال
هو يومك الذي أنت فيه خل عنها
وكذلك روي الحديث عن علي
وروى شعبة عن سليمان بن عبد الله بن سنان قال سمعت المغيرة بن شعبة يخطب على المنبر وهو يقول يوم الحج الأكبر يوم النحر
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن شداد قال الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة
وقال عبد الملك بن عمير سألت عبد الله بن أبي أوفى عن يوم الحج الأكبر فقال يوم تهرق فيه الدماء ويحلق فيه الشعر
وروى حماد بن يزيد عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال يوم الحج الأكبر يوم النحر وكذلك قال ابن عمر
وروى غير سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال هو يوم عرفة
وروى ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه قال هو يوم عرفة
وكذا قال مجاهد
وقال ابن سيرين الحج الأكبر العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفق فيه حج الملل
قال أبو جعفر وأولاها القول الأول لجلة من قاله
ويدلل على صحته حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن
أذن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد هذا العام مشرك
وأيضا فإن عرفات قد يأتيها الناس ليلا وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أي يوم أحرم قالوا يوم الحج الأكبر قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا
فدل على أنه يوم النحر لأن منى من الحرم وليست عرفات منه، وقول يجوز ابن سيرين غلط لأن المسلمين والمشركين حجوا قبل ذلك بعام ونودي فيهم أن لا يحج بعد ذلك مشرك
وقد يجوز أن يكون النداء كان بمنى وعرفات فيصح القولان). [معاني القرآن: 3/181-184]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ} أي إعلام
{الْحَجِّ الأَكْبَرِ} يوم النحر عند مالك وأصحابه، وقيل: يوم عرفة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 95]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({وَأَذَانٌ}: إعلام). [العمدة في غريب القرآن: 146]

تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) )
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} وكذلك: واقعد له على كل مرصد، والمراصد: الطرق، قال عامر بن الطّفيل:
ولقد علمت وما إخال سواءه... أن المنيّة للفتى بالمرصد). [مجاز القرآن: 1/253]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ولم يظاهروا عليكم أحداً} أي لم يعينوه، والظهير: العون.
{فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم} يريد: وإن كانت أكثر من أربعة أشهر. هؤلاء بنو ضمرة خاصة). [تفسير غريب القرآن: 182]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (الأمان: عهد، قال الله تعالى: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [تأويل مشكل القرآن: 447]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين}
{الذين} في موضع نصب، أي وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود.
{إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم}.
أي ليسوا داخلين في البراءة ما لم ينقضوا العهود). [معاني القرآن: 2/430]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا}
وقرأ عطاء بن سنان ثم لم ينقضوكم شيئا
يقال إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة ثم قال فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر
وقوله جل وعز: {وخذوهم} أي أسروهم ويقال للأسير أخيذ {واحصروهم} أي احبسوهم). [معاني القرآن: 3/185]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} أي وإن كانت أكثر من
أربعة أشهر، وهذا في بني ضمرة خاصة). [تفسير المشكل من غريب القرآن:95 -96]

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم...}
عن الذين أجلهم خمسون ليلة. {فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم} ومعنى الأشهر الحرم: المحرّم وحده. وجاز أن يقول: الأشهر الحرم للمحرم وحده لأنه متّصل بذي الحجة وذي القعدة وهما حرام؛ كأنه قال: فإذا انسلخت الثلاثة). [معاني القرآن: 1/421]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم...}
في الأشهر الحرم وغيرها في الحلّ والحرم.
وقوله: {واحصروهم} وحصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام.
وقوله: {واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} يقول: على طرقهم إلى البيت؛ فقام رجل من الناس حين قرئت {براءة} فقال: يا ابن أبي طالب، فمن أراد منا أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأمر بعد انقضاء الأربعة فليس له عهد؟ قال عليّ: بلى، لأن الله تبارك وتعالى قد أنزل:
{وإن أحدٌ مّن المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه}). [معاني القرآن: 1/421]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رّحيمٌ}
وقال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} فجمع على أدنى العدد لأن معناها "الأربعة" وذلك أن "الأشهر" إنما تكون إذا ذكرت معها "الثلاثة" إلى "العشرة" فإذا لم تذكر "الثلاثة" إلى "العشرة" فهي "الشّهور".
وقال: {واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} وألقى "على". وقال الشاعر:
نغالى اللّحم للأضياف نيئاً = ونبذله إذا نضج القدور
أراد: نغالى باللحم). [معاني القرآن: 2/30]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({مرصد}: طريق، والمراصد الطرق). [غريب القرآن وتفسيره: 161]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} وآخرها المحرّم.
{فاقتلوا المشركين} يعني من لم يكن له عهد.
{وخذوهم} أي أسروهم. والأسير: أخيذ.
{واحصروهم} احبسوهم. والحصر: الحبس {كلّ مرصدٍ} أي كل طريق يرصدونكم به). [تفسير غريب القرآن: 183]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ويكون بمعنى: الحبس والأسر، قال الله تعالى: {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} [يوسف: 78] أي: احبسه.
وقال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} أي: ائسروهم {وَاحْصُرُوهُمْ} أي: احبسوهم.
ويقال للأسير: أخيذ). [تأويل مشكل القرآن: 502] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفور رحيم}
أي اقتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، ونقض عهدهم وأحلوا هذه المدة.
ويقال إن الأربعة الأشهر كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيعا الأول، وعشرا من ربيع الآخر، لأن البراءة وقعت في يوم عرفة، فكان هذا الوقت ابتداء الأجل.
{واقعدوا لهم كلّ مرصد}.
قال أبو عبيدة: المعنى كل طريق.
قال أبو الحسن الأخفش " على " محذوفة.
المعنى اقعدوا لهم على كل مرصد وأنشد:
نغالي اللّحم للأضياف نيئا... ونرخصه إذا نضج القدير
المعنى نغالي باللحم، فحذف الباء ههنا، وكذلك حذف (على).
قال أبو إسحاق: كل مرصد ظرف، كقولك ذهبت مذهبا.
وذهبت طريقا، وذهبت كل طريق. فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا ما تقوله في الظروف مثل خلف وأمام وقدام.
وقوله: {فإخوانكم في الدّين}.
أي إن تابوا وآمنوا فهم مثلكم، قد درأ عنهم إيمانهم وتوبتهم إثم كفرهم ونكثهم العهود). [معاني القرآن: 2/431]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {مَرْصَدٍ} أي طريق). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 96]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {مَرْصَدٍ}: طريق). [العمدة في غريب القرآن: 146]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:10 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) }


تفسير قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) }
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (باب قول الله عز وجل: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} هي أيام العشر.
قول الله عز وجل: {واذكروا الله في أيام معدودات} المعدودات: أيام التشريق.
قال أبو جعفر: حدثنا هناد، عن وكيع، عن سفيان
عن مغيرة، عن إبراهيم في قول الله عز وجل: {الحج أشهر معلومات} قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
حدثنا هناد قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يقول: الأيام المعدودات: أيام التشريق. والمعلومات: أيام العشر.
حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة، عن الملك، عن
عطاء {واذكروا الله في أيام} قال: أيام منى. و{أيام معدودات}، قال: أيام العشر.
وقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر حُرُم} يقال: شهر وأشهر، للقليل ما دون العشرة، فإذا أجزت العشرة فهي الشهور. قال الله عز وجل: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا}.
فقال: «الشهور» لما جاوزت العشرة، وقال: {الحج أشهر معلومات} لما كانت ثلاثة. وقال: (منها) للكثير، و(منهن) للقليل. وذلك قوله: {منها أربعة حرم} أي من الاثني عشر، ثم قال: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} يعني في الأربعة الأشهر الحرم، فعادت «النون» على القلة، و«الهاء» على الكثرة.
وقوله تبارك وتعالى: {شهر رمضان} يقرأ بالرفع والنصب، والإدغام {شهر رمضان} تدغم الراء عند الراء. فمن نصب شهر «رمضان» فعلى قوله عز وجل: {وأن تصوموا} –شهر رمضان- {خير لكم}.
ومن رفع بالعائد، وهو قوله عز وجل: {فيه القرآن}. وإن شئت قلت أرفعه «بهدى» كأنك قلت: شهر رمضان هدى للناس وبينات. وإن شئت رفعت «الشهر» بـ«الذي» وكان «هدى» في موضع نصب، فينبغي حينئذ أن تنصب «بينات». والقراءة بالرفع في قراءة بعضهم). [الأيام والليالي: 89-92]

تفسير قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (ولا بدّ من هو لأنّ حرف الاستفهام لا يستغنى بما قبله إنما يستغنى بما بعده فإنّما جئت بالفعل قبل مبتدأ قد وضع الاستفهام في موضع المبنى عليه الذي يرفعه فأدخلته عليه كما أدخلته على قولك قد عرفت لزيدٌ خيرٌ منك.
وإنّما جاز هذا فيه مع الاستفهام لأنّه في المعنى مستفهم عنه كما جاز لك أن تقول إنّ زيداً فيها وعمرٌ و. ومثله: {أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله}. فابتدأ لأنّ معنى الحديث حين قال إنّ زيداً منطلقٌ زيدٌ منطقٌ ولكنّه أكّد بإنّ كما أكّد فأظهر زيداً وأضمره. والرفع قول يونس). [الكتاب: 1/238]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وتقول: إن زيداً منطلق وعمراً، وإن شئت: وعمرو.
فأما الرفع فمن وجهين، والنصب من وجه واحد، وهو أن تعطفه على الاسم المنصوب؛ كما قال:


إن الربيع الجود والخريفا = يدا أبي العباس والصيوفا
وهذا على وجه الكلام، ومجراه؛ لأنك إذا عطفت شيئاً على شيء كان مثله. وأحد وجهي الرفع وهو الأجود منهما: أن تحمله على موضع إن؛ لأن موضعها الابتداء. فإذا قلت: إن زيداً منطلق، فمعناه: زيد منطلق.
ومثل إن في هذا الباب لكن الثقيلة. ونظير ذلك قولك: ليس زيد بقائم ولا قاعداً، على الموضع. ومثله: خشنت بصدره وصدر زيد.
وعلى هذا قراءة من قرأ {فأصدق وأكن من الصالحين} حمله على موضع الفاء، ولم يحمله على ما عملت فيه.
وقرئت هذه الآية على وجهين: (إن الله بريء من المشركين ورسوله) بالنصب، والرفع في الرسول). [المقتضب: 4/111-112] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فمما جاء نعتاً على الموضع وهو ها هنا أحسن قول الله عز وجل: {ما لكم من إله غيره}. إن شئت كان غيره استثناء، وإن شئت كان نعتاً على الموضع، وإنما كان هو الوجه؛ لأن من زائدة لم تحدث في المعنى شيئاً ولا ليست كذلك؛ لأنها أزالت ما كان موجباً، فصار بها منفياً. فمن ذلك قوله:

ورد جازرهم حرفاً مصرمة = ولا كريم من الولدان مصبوح
والعطف يجري هذا المجرى. فمن جعل المعطوف على الموضع قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. حمل الثاني على الموضع.
ونظير هذا قوله:
فلسنا بالجبال، ولا الحديدا
حمل الثاني على الموضع، كأنه قال: فلسنا الجبال ولسنا الحديدا.
ومثله قول الله عز وجل: {فأصدق وأكن} لولا الفاء كان أصدق مجزوماً؛ كما أنه لولا الباء لكانت الجبال منصوبة لأنه خبر ليس.
ومثله قولك: إن زيداً منطلق وعمرو، وقول الله عز وجل: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} ). [المقتضب: 4/369-371] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:
فإني وقيارًا بها لغريب
أراد: فإني لغريب بها وقيارًا، ولو رفع لكان جيداٌ، تقول: إن زيداٌ منطلقٌ وعمراٌ وعمرو، فمن قال: "عمراٌ" فإنما رده على زيد، ومن قال: "عمرو" فله وجهان من الإعراب: أحدهما جيد، والآخر جائز، فأما الجيد فأن تحمل عمراٌ على الموضع، لأنك إذا قلت: إن زيداٌ منطلق فمعناه زيد منطلق فرددته على الموضع، ومثل هذا لست بقائم ولا قاعدًا، والباء زائدةٌ، لأن المعنى لست قائماٌ ولا قاعداٌ، ويقرأ على وجهين: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (وَرَسُولَهُ) والوجه الآخر لأن يكون معطوفًا على المضمر في الخبر، فإن قلت إن زيداٌ منطلق هو وعمرو حسن العطف لأن المضمر المرفوع إنما يحسن العطف عليه إذا أكدته، كما قال الله تعالى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} و{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} إنما قبح العطف عليه بغير تأكيد لأنه لا يخلو من أن يكون مستكنا في الفعل بغير علامة، أو في الاسم الذي يجري مجرى الفعل، نحو إن زيدًا ذهب وإن زيداٌ ذاهب فلا علامة له، أو تكون له علامة يتغير لها الفعل عما كان نحو ضربت، سكنت الباء التي هي لام الفعل من أجل الضمير لأن الفعل والفاعل لا ينفك أحدهما عن صاحبه فهما كالشيء الواحد، ولكن المنصوب يجوز العطف عليه، ويحسن بلا تأكيد، لأنه لا يغير الفعل إذ كان الفعل قد يقع ولا مفعول فيه، نحو ضربتك وزيدًا، فأما قول الله عز وجل: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} فإنما يحسن بغير توكيد لأن" لا" صارت عوضًا، والشاعر إذا احتاج أجراه بلا توكيد لاحتمال الشعر ما لا يحسن في الكلام. وقال عمر بن أبي ربيعة:
قلت إذا أقبلت وزهرٌ تهادى = كنعاج الملا تعفسن رملا
وقال جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه = ما لم يكن وأبٌ له لينالا
فهذا كثير. فأما النعت إذا قلت إن زيدًا يقوم العاقل فأنت مخير إن شئت قلت العاقل فجعلته نعتًا لزيد، أو نصبته على المدح وهو بإضمار أعني، وإن شئت رفعت على أن تبدله من المضمر في الفعل، وإن شئت كان على قطع وابتداءٍ، كأنك قلت إن زيدًا قام، فقيل من هو فقلت: العاقل، كما قال الله عز وجل: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ}، أي هو النار والآية تقرأ على وجهين على ما فسرنا: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} و{عَلَّامَ الْغُيُوبِ} ). [الكامل: 1/416-418]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) }

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخلت عليه عجوز فسأل بها
فأحفى، وقال:
((إنها كانت تأتينا في زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان)).
هو من حديث ابن المبارك قال: بلغني ذلك عنه عن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن زيد بن مهاجر يرفعه.
والعهد في أشياء مختلفة.
فمنها الحفاظ ورعاية الحرمة والحق، وهو هذا الذي في الحديث ومنه الوصية، وهو أن يوصي الرجل إلى غيره كقول سعيد حين خاصم عبد بن زمعة في ابن أمته فقال: ابن أخي عهد فيه إلي أخي، أي أوصى إلي فيه.
وقال الله تبارك وتعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} يعني الوصية والأمر.
ومن العهد أيضا الأمان، قال الله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} وقال: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}.
ومن العهد أيضا: اليمين يحلف بها الرجل، يقول: علي عهد الله.
ومن العهد أيضا: أن تعهد الرجل على حال أو في مكان، فتقول: عهدي به في مكان كذا وكذا وبحال كذا وكذا، وعهدي به يفعل كذا وكذا.
وأما قول الناس: أخذت عليه عهد الله وميثاقه، فإن العهد ههنا اليمين، وقد ذكرناه). [غريب الحديث: 2/580-583] (م)

تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }



رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:39 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:40 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21 شعبان 1435هـ/19-06-2014م, 08:18 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,913
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21 شعبان 1435هـ/19-06-2014م, 08:18 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,913
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين (2) وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ (3)
براءةٌ رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة، ويصح أن ترتفع بالابتداء والخبر في قوله: إلى الّذين وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما، وجاز الإخبار عنها، وقرأ عيسى بن عمر «براءة» بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء، وبراءةٌ معناها تخلص وتبرؤ من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض، تقول برئت إليك من كذا، فبرئ الله تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ونقضها الكفار، وقرأ أهل نجران «من الله» بكسر النون من «من»، وهذه الآية حكم من الله عز وجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض، ولما كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لازما لأمته حسن أن يقول عاهدتم قال ابن إسحاق وغيره من العلماء: كانت العرب قد وافقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا عاما على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من الموادعات، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر، فمن كان له مع النبي صلى الله عليه وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة الأشهر بلغ به تمامها، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له عهده، إلا إن كان ممن تحسس منه نقض فإنه قصر على أربعة أشهر، ومن لم يكن له عهد خاص فرضت له الأربعة الأشهر «يسيح فيها» في الأرض أي يذهب مسرحا آمنا كالسيح من الماء وهو الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد: [السريع]
لو خفت هذا منك ما نلتني = حتى نرى خيلا أمامي تسيح
وهذا ينبئ عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشعر من الكفار نقضا وتربصا به إلا من الطائفة المستثناة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوما فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر، وقال السدي وغيره: بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه الله وألزمه فيها، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد له، وقال الضحاك وغيره من العلماء: كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا، فقوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه، وأول هذا الأجل يوم الأذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر، وقوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين، هو حكم مباين للأول حكم به في المشركين الذين لا عهد لهم البتة، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوما أولها يوم الأذان وآخرها انقضاء المحرم، وقوله إلى الّذين عاهدتم، يريد به الذين لهم عهد ولم ينقضوا ولا تحسس منهم نقض، وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة عاهد لهم المخش بن خويلد وكان تبقى من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر: وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما أجل الله أربعة أشهر من كان عهده ينصرم عند انقضائها أو قبله، والمعنى فقل لهم يا محمد سيحوا، وأما من كان له عهد يتمادى بعد الأربعة الأشهر فهم الذين أمر الله لهم بالوفاء، وقوله واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه، معناه واعلموا أنكم لا تغلبون الله ولا تعجزونه هربا من عقابه، ثم أعلمهم بحكمه بخزي الكافرين، وذلك حتم إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقوله تعالى: وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس الآية، وأذانٌ معناه إعلام وإشهار، والنّاس هاهنا عام في جميع الخلق، ويوم منصوب على الظرف والعامل فيه أذانٌ وإن كان قد وصف فإن رائحة الفعل باقية، وهي عاملة في الظروف، وقيل لا يجوز ذلك إذ قد وصف المصدر فزالت عنه قوة الفعل، ويصح أن يعمل فيه فعل مضمر تقتضيه الألفاظ، وقيل العامل فيه صفة الأذان وقيل العامل فيه مخزي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا بعيد، ويوم الحجّ الأكبر قال عمر وابن عمر وابن المسيب وغيرهم: هو يوم عرفة، وقال به علي، وروي عنه أيضا أنه يوم النحر، وروي ذلك عن أبي هريرة وجماعة غيرهم، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال منذر بن سعيد وغيره: كان الناس يوم عرفة مفترقين إذ كانت الحمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى، فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر أي من الأصغر الذي هم فيه مفترقون.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا زال في حجة أبي بكر لأنه لم يقف أحد بالمزدلفة، وقد ذكر المهدوي أن الحمس ومن اتبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر، والذي تظاهرت به الأحاديث في هذا المعنى أن عليا رضي الله عنه أذن بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر، ثم رأى أنه لم يعلم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه بالأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا بها أيضا أسواق العرب كذي المجاز وغيره، فمن هنا يترجح قول سفيان إن يوم في هذه الآية بمعنى أيام، بسبب ذلك قالت طائفة يوم الحجّ الأكبر عرفة حيث وقع أول الأذان وقالت طائفة أخرى: هو يوم النحر حيث وقع إكمال الأذان، واحتجوا أيضا بأنه من فاته الوقوف يوم عرفة فإنه يجزيه الوقوف ليلة النحر، فليس يوم عرفة على هذا يوم الحج الأكبر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولا حجة في هذا، وقال سفيان بن عيينة: المراد أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل يريد جميع أيامه، وقال مجاهد يوم الحجّ الأكبر أيام منى كلها، ومجامع المشركين حيث كانوا بذي المجاز وعكاظ حين نودي فيهم ألا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كما قال عثمان لعمر حين عرض عليه زواج حفصة: إني قد رأيت ألا أتزوج يومي هذا، وكما ذكر سيبويه: تقول لرجل: ما شغلك اليوم؟ وأنت تريد في أيامك هذه، واختلف لم وصف بالأكبر؟ فقال الحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون وصادف أيضا عيد اليهود والنصارى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف أن يصفه الله في كتابه بالكبر لهذا، وقال الحسن أيضا: إنما سمي أكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا هو القول الذي يشبه نظر الحسن، وبيانه أن ذلك اليوم كان المفتتح بالحق وإمارة الإسلام بتقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذت فيه العهود وعز فيه الدين وذل الشرك، ولم يكن ذلك في عام ثمان حين ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عتاب بن أسيد بل كان أمر العرب على أوله، فكل حج بعد حج أبي بكر فمتركب عليه فحقه لهذا أن يسمى أكبر،
وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الحج أكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهي العمرة،
وقال الشعبي: بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنها الحج الأصغر،
وقال مجاهد: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وهذا ليس من هذه الآية في شيء، وقد تقدم ما ذكره منذر بن سعيد، ويتجه أن يوصف بالأكبر على جهة المدح لا بإضافة إلى أصغر معين، بل يكون المعنى الأكبر من سائر الأيام فتأمله، واختصار ما تحتاج إليه هذه الآية على ما ذكر مجاهد وغيره من صورة تلك الحال، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة سنة ثمان، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد وقضى أمر حنين والطائف وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خرج إلى تبوك، ثم انصرف من تبوك في رمضان سنة تسع فأراد الحج ثم نظر في أن المشركين يحجون في تلك السنة ويطوفون عراة فقال لا أريد أن أرى ذلك، فأمر أبا بكر على الحج بالناس وأنفذه، ثم أتبعه علي بن أبي طالب على ناقته العضباء، وأمره أن يؤذن في الناس بأربعة أشياء، وهي: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وفي بعض الروايات ولا يدخل الجنة كافر، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، وفي بعض الروايات، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها، فإذا انقضت ف أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وأقول: إنهم كانوا ينادون بهذا كله، فهذا للذين لهم عهد وتحسس منهم نقضه، والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر منه نقض، وذكر الطبري أن العرب قالت يومئذ: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، فلام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟
فأسلموا كلهم ولم يسح أحد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر عليا أن يقرأ على الناس الأربعين آية صدر سورة براءة وقيل ثلاثين، وقيل عشرين، وفي بعض الروايات عشر آيات، وفي بعضها تسع آيات، ذكرها النقاش، وقال سليمان بن موسى الشامي ثمان وعشرون آية، فلحق علي أبا بكر في الطريق فقال له أبو بكر أمير أو مأمور، فقال بل مأمور فنهضا حتى بلغا الموسم، فلما خطب أبو بكر بعرفة: قال: قم يا علي، فأدّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي ففعل، قال ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر، وقرأ جمهور الناس «أن الله بريء» بفتح الألف على تقدير بأن الله، وقرأ الحسن والأعرج: «إن الله» بكسر الألف على القطع، إذ الأذان في معنى القول، وقرأ جمهور الناس «ورسوله» بالرفع على الابتداء وحذف الخبر «ورسوله بريء منهم»، هذا هو عند شيخنا الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن الباذش رحمه الله معنى العطف على الموضع، أي تؤنس بالجملة الأولى التي هي من ابتداء وخبر فعطفت عليها هذه الجملة، وقيل هو معطوف على موضع المكتوبة قبل دخول «أن» التي لا تغير معنى الابتداء بل تؤكده وإذ قد قرئت بالكسر لأنه لا يعطف على موضع «أن» بالفتح، وانظره فإنه مختلف في جوازه، لأن حكم «أن» رفع حكم الابتداء إلا في هذا الموضع وما أشبهه، وهذا قول أبي العباس وأبي علي رحمهما الله، ومذهب الأستاذ على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه «أن» إذ هو معرب قد ظهر فيه عمل العامل ولأنه لا فرق بين «أن» وبين ليت ولعل، والإجماع أن لا موضع لما دخلت عليه هذه وقيل عطف على الضمير المرفوع الذي في «بريء»، وحسن ذلك أن المجرور قام مقام التوكيد، كما قامت «لا» في قوله تعالى: ما أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام: 148] وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر «رسوله» بالنصب عطفا على لفظ المكتوبة، وبهذه الآية امتحن معاوية أبا الأسود حتى وضع النحو إذ جعل قارئا يقرأ بخفض «ورسوله»، والمعنى في هذه الآية بريء من عهودهم وأديانهم براءة عامة تقتضي المحارجة وإعمال السيف، وقوله فإن تبتم أي عن الكفر ووعدهم مع شرط التوبة وتوعدهم مع شرط التولي، وجاز أن تدخل البشارة في المكروه لما جاء مصرحا به مرفوع الاشكال). [المحرر الوجيز: 4/ 252-259]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: إلاّ الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين (4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ (5)
هذا هو الاستثناء الذي تقدم ذكره في المشركين الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر وكانوا قد وفوا بالعهد على ما يجب، وقال قتادة: هم قريش الذين عوهدوا زمن الحديبية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود بإسلام قريش في الفتح قبل الأذان بهذا كله، وقال ابن عباس: قوله إلى مدّتهم إلى الأربعة الأشهر التي في الآية،
وقرأ الجمهور «ينقصوكم» بالصاد غير منقوطة، وقرأ عطاء بن يسار وعكرمة وابن السميفع «ينقضوكم» بالضاد من النقض وهي متمكنة مع العهد ولكنها قلقة في تعديها إلى الضمير، ويحسن ذلك أن النقض نقض وفاء وحق للمعاهد، وكذلك تعدى «أتموا» ب «إلى» لما كان العهد في معنى ما يؤدى ويبرأ به وكأنهم يقتضون العهد، ويظاهروا معناه يعاونوا، والضمير المعين، وأصله من الظهر كان هذا يسند ظهره إلى الآخر والآخر كذلك وقوله إنّ اللّه يحبّ المتّقين تنبيه على أن الوفاء بالعهد من التقوى). [المحرر الوجيز: 4/ 259-260]

تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية، الانسلاخ خروج الشيء عن الشيء المتلبس به كانسلاخ الشاة عن الجلد والرجل عن الثياب، ومنه قوله تعالى: نسلخ منه النّهار [يس: 37] فشبه انصرام الأشهر أسمائها وأحكامها من الزمن بذلك، وقد تقدم القول فيمن جعل له انقضاء الأشهر الحرم أجلا وما المعنى ب الأشهر الحرم بما أغنى عن إعادته، وقوله فاقتلوا المشركين، أمر بقتال المشركين فخرج الأمر بذلك بلفظ اقتلوا على جهة التشجيع وتقوية النفس، أي هكذا يكون أمركم معهم، وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو مهادنة وما جرى مجرى ذلك وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية، وقال الضحاك والسدي وعطاء: هذه الآية منسوخة بقوله فإمّا منًّا بعد وإمّا فداءً [محمد: 47] وقالوا لا يجوز قتل أسير البتة صبرا إما أن يمن عليه وإما أن يفادى، وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: قوله فإمّا منًّا بعد وإمّا فداءً [محمد: 47] منسوخ بهذه الآية، وقالوا لا يجوز المن على أسير ولا مفاداته، ولا شيء إلا القتل، وقال ابن زيد: هما محكمتان.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولم يفسر أكثر من هذا، وقوله هو الصواب، والآيتان لا يشبه معنى واحدة، معنى الأخرى، وذلك أن هذه الآية قوله فاقتلوا المشركين وخذوهم واحصروهم أفعال إنما تمتثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإذا أخذ الكافر خرج عن درجات هذه الآية وانتقل إلى حكم الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو الصواب، وقوله خذوهم معناه الأسر، وقوله كلّ مرصدٍ معناه في مواضع الغرة حيث يرصدون، وقال النابغة: [الطويل]
أعاذل إن الجهل من لذة الفتى = وإن المنايا للنفوس بمرصد
ونصب كلّ على الظرف، وهو اختيار الزجّاج، أو بإسقاط الخافض التقدير في كل مرصد، أو على كل مرصد، وحكى سيبوية ضرب الظهر والبطن،
وقوله تعالى: فإن تابوا يريد من الكفر فهي متضمنة الإيمان، ثم قرن بها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيها على مكان الصلاة والزكاة من الشرع، وقوله فخلّوا سبيلهم تأمين، وقال أنس بن مالك: هذا هو دين الله الذي جاءت به الرسل وهو من آخر ما نزل قبل اختلاف الأهواء، وفيه قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «من فارق الدنيا مخلصا لله تعالى مطيعا له لقي الله وهو عنه راض»، ثم وعد بالمغفرة في صيغة الخبر عن أوصافه تعالى). [المحرر الوجيز: 4/ 260-262]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 21 شعبان 1435هـ/19-06-2014م, 08:19 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,913
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 21 شعبان 1435هـ/19-06-2014م, 08:19 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,913
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ واعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وأنّ اللّه مخزي الكافرين (2) }
هذه السّورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما قال البخاريّ.
حدّثنا [أبو] الوليد، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: آخر آيةٍ نزلت: {يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة} [النّساء: 176] وآخر سورةٍ نزلت براءة.
وإنّما لا يبسمل في أوّلها لأنّ الصّحابة لم يكتبوا البسملة في أوّلها في المصحف الإمام، والاقتداء في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفّان، رضي اللّه عنه وأرضاه، كما قال التّرمذيّ:
حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا يحيى بن سعدٍ، ومحمّد بن جعفرٍ وابن أبي عديّ، وسهل بن يوسف قالوا: حدّثنا عوف بن أبي جميلة أخبرني يزيد الفارسيّ، أخبرني ابن عبّاسٍ قال: قلت لعثمان بن عفّان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءةٌ وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر {بسم اللّه الرّحمن الرّحيم} ووضعتموها في السّبع الطّول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ممّا يأتي عليه الزّمان وهو ينزل عليه السّور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآيات في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا نزلت عليه الآية فيقول: "ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا وكذا"، وكانت الأنفال من أوّل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصّتها شبيهةً بقصّتها وحسبت أنّها منها، وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر {بسم اللّه الرّحمن الرّحيم} فوضعتها في السبع الطول.
وكذا رواه أحمد، وأبو داود، والنّسائيّ، وابن حبّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرقٍ أخر، عن عوفٍ الأعرابيّ، به وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.
وأوّل هذه السّورة الكريمة نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لمّا رجع من غزوة تبوك وهمّ بالحجّ، ثمّ ذكر أنّ المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وأنّهم يطوفون بالبيت عراةً فكره مخالطتهم، فبعث أبا بكرٍ الصّدّيق، رضي اللّه عنه، أميرًا على الحجّ هذه السّنة، ليقيم للنّاس مناسكهم، ويعلم المشركين ألّا يحجّوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في النّاس ببراءة، فلمّا قفل أتبعه بعليّ بن أبي طالبٍ ليكون مبلّغًا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لكونه عصبة له، كما سيأتي بيانه.
فقوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله} أي: هذه براءةٌ، أي: تبرّؤٌ من اللّه ورسوله {إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ}
اختلف المفسرون ها هنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقّتة، أو من له عهدٌ دون أربعة أشهرٍ، فيكمل له أربعة أشهرٍ، فأمّا من كان له عهدٌ مؤقّت فأجله إلى مدّته، مهما كان؛ لقوله تعالى: {فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين} [التّوبة:4] ولما سيأتي في الحديث: "ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فعهده إلى مدّته". وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جريرٍ، رحمه اللّه، وروي عن الكلبيّ ومحمّد بن كعبٍ القرظيّ، وغير واحدٍ.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} قال: حدّ اللّه للّذين عاهدوا رسوله أربعة أشهرٍ، يسيحون في الأرض حيثما شاءوا، وأجّل أجل من ليس له عهدٌ، انسلاخ الأشهر الحرم، [من يوم النّحر إلى انسلاخ المحرّم، فذلك خمسون ليلةً، فإذا انسلخ الأشهر الحرم] أمره بأن يضع السّيف فيمن لا عهد له.
وكذا رواه العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ.
وقال [الضّحّاك] بعد قوله: فذلك خمسون ليلةً: فأمر اللّه نبيّه إذا انسلخ المحرّم أن يضع السّيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهدٌ، يقتلهم حتّى يدخلوا في الإسلام. وأمر ممّن كان له عهدٌ إذا انسلخ أربعة أشهرٍ من يوم النّحر إلى عشرٍ خلون من ربيعٍ الآخر، أن يضع فيهم السّيف حتّى يدخلوا في الإسلام.
وقال أبو معشرٍ المدنيّ: حدّثنا محمّد بن كعبٍ القرظيّ وغيره قالوا: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ أميرًا على الموسم سنة تسعٍ، وبعث عليّ بن أبي طالبٍ بثلاثين آيةً أو أربعين آيةً من "براءة" فقرأها على النّاس، يؤجّل المشركين أربعة أشهرٍ يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة، أجّل المشركين عشرين من ذي الحجّة، والمحرّم، وصفرٍ، وشهر ربيعٍ الأوّل، وعشرًا من ربيعٍ الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجّنّ بعد عامنا هذا مشركٌ، ولا يطوفنّ بالبيت عريان.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {براءةٌ من اللّه ورسوله} إلى أهل العهد: خزاعة، ومدلج، ومن كان له عهدٌ أو غيرهم. أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحجّ، ثمّ قال: "إنّما يحضر المشركون فيطوفون عراة، فلا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك". فأرسل أبا بكرٍ وعليًّا، رضي اللّه عنهما، فطافا بالنّاس في ذي المجاز وبأمكنتهم الّتي كانوا يتبايعون بها بالمواسم كلّها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهرٍ، فهي الأشهر المتواليات: عشرون من ذي الحجّة إلى عشرٍ يخلون من ربيعٍ الآخر، ثمّ لا عهد لهم، وآذن النّاس كلّهم بالقتال إلّا أن يؤمّنوا.
وهكذا روي عن السّدّيّ: وقتادة.
وقال الزّهريّ: كان ابتداء التّأجيل من شوّالٍ وآخره سلخ المحرّم.
وهذا القول غريبٌ، وكيف يحاسبون بمدّةٍ لم يبلغهم حكمها، وإنّما ظهر لهم أمرها يوم النّحر، حين نادى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، ولهذا قال تعالى: {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ (3) }). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 101-103]

تفسير قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وأذانٌ من اللّه ورسوله إلى النّاس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ (3) }
يقول تعالى: وإعلامٌ {من اللّه ورسوله} وتقدّم وإنذارٌ إلى النّاس، {يوم الحجّ الأكبر} وهو يوم النّحر الّذي هو أفضل أيّام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعًا {أنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله} أي: بريءٌ منهم أيضًا.
ثمّ دعاهم إلى التّوبة إليه فقال: {فإن تبتم} أي: ممّا أنتم فيه من الشّرك والضّلال {فهو خيرٌ لكم وإن تولّيتم} أي: استمررتم على ما أنتم عليه {فاعلموا أنّكم غير معجزي اللّه} بل هو قادرٌ، وأنتم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته، {وبشّر الّذين كفروا بعذابٍ أليمٍ} أي: في الدّنيا بالخزي والنّكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال.
قال البخاريّ، رحمه اللّه: حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، حدّثنا اللّيث، حدّثني عقيل، عن ابن شهابٍ قال: أخبرني حميد بن عبد الرّحمن أنّ أبا هريرة قال: بعثني أبو بكرٍ، رضي اللّه عنه، في تلك الحجّة في المؤذّنين، بعثهم يوم النّحر، يؤذّنون بمنى: ألّا يحجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ. قال حميدٌ: ثمّ أردف النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعليّ بن أبي طالبٍ، فأمره أن يؤذّن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النّحر ببراءة وألّا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان
ورواه البخاريّ أيضًا: حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، أخبرني حميد بن عبد الرّحمن أنّ أبا هريرة قال: بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذّن يوم النّحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحجّ الأكبر يوم النّحر، وإنّما قيل: "الأكبر"، من أجل قول النّاس: "الحجّ الأصغر"، فنبذ أبو بكرٍ إلى النّاس في ذلك العام، فلم يحجّ عام حجّة الوداع الّذي حجّ فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مشركٌ.
وهذا لفظ البخاريّ في كتاب "الجهاد"
وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن الزّهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، في قوله: {براءةٌ من اللّه ورسوله} قال: لمّا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زمن حنينٍ، اعتمر من الجعرّانة، ثمّ أمر أبا بكرٍ على تلك الحجّة -قال معمرٌ: قال الزّهريّ: وكان أبو هريرة يحدّث أنّ أبا بكرٍ أمر أبا هريرة أن يؤذّن ببراءة في حجّة أبي بكرٍ قال أبو هريرة: ثمّ أتبعنا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا، وأمره أن يؤذّن ببراءة، وأبو بكرٍ على الموسم كما هو، أو قال: على هيئته
وهذا السّياق فيه غرابةٌ، من جهة أنّ أمير الحجّ كان سنة عمرة الجعرّانة إنّما هو عتّاب بن أسيدٍ، فأمّا أبو بكرٍ إنّما كان أميرًا سنة تسعٍ.
وقال أحمد: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، عن محرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع عليّ بن أبي طالبٍ، حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهل مكّة "ببراءة"، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنّا ننادي: ألّا يدخل الجنّة إلّا مؤمنٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فإنّ أجله -أو أمده -إلى أربعة أشهرٍ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإنّ اللّه بريءٌ من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشركٌ. قال: فكنت أنادي حتّى صحل صوتي
وقال الشّعبيّ: حدّثني محرر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع ابن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه، حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينادي، فكان إذا صحل ناديت. قلت: بأيّ شيءٍ كنتم تنادون؟ قال: بأربعٍ: لا يطوف بالكعبة عريانٌ، ومن كان له عهدٌ مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعهده إلى مدّته، ولا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يحجّ بعد عامنا مشركٌ.
رواه ابن جريرٍ من غير ما وجهٍ، عن الشّعبيّ. ورواه شعبة، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، به إلّا أنّه قال: ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ، فعهده إلى أربعة أشهرٍ. وذكر تمام الحديث
قال ابن جريرٍ: وأخشى أن يكون وهمًا من بعض نقلته؛ لأنّ الأخبار متظاهرةٌ في الأجل بخلافه
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّاد، عن سماك، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث ب"براءة" مع أبي بكرٍ، فلمّا بلغ ذا الحليفة قال: "لا يبلّغها إلّا أنا أو رجلٌ من أهل بيتي". فبعث بها مع عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه
ورواه التّرمذيّ في التّفسير، عن بندارٍ، عن عفّان وعبد الصّمد، كلاهما عن حمّاد بن سلمة به ثمّ قال: حسنٌ غريبٌ من حديث أنسٍ، رضي اللّه عنه.
وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ: حدّثنا محمّد بن سليمان -لوين -حدّثنا محمّد بن جابرٍ، عن سماكٍ، عن حنش، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه، قال: لمّا نزلت عشر آياتٍ من "براءة" على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعاني فقال أدرك أبا بكرٍ، فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم". فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكرٍ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللّه، نزل فيّ شيءٌ؟ فقال: "لا ولكنّ جبريل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجلٌ منك"
هذا إسنادٌ فيه ضعفٌ.
وليس المراد أنّ أبا بكرٍ، رضي اللّه عنه، رجع من فوره، بل بعد قضائه للمناسك الّتي أمّره عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما جاء مبيّنًا في الرّواية الأخرى.
وقال عبد اللّه أيضًا: حدّثني أبو بكرٍ، حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن حنشٍ، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم حين بعثه ب"براءة" قال: يا نبيّ اللّه، إنّي لست باللّسن ولا بالخطيب، قال: "ما بدّ لي أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت". قال: فإن كان ولا بدّ فسأذهب أنا. قال: "انطلق فإنّ اللّه يثبّت لسانك ويهدي قلبك". قال: ثمّ وضع يده على فيه
وقال الإمام أحمد: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع -رجلٌ من همدان -: سألنا عليًّا: بأيّ شيءٍ بعثت؟ يعني: يوم بعثه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع أبي بكرٍ في الحجّة، قال: بعثت بأربعٍ: لا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فعهده إلى مدّته، ولا يحجّ المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا.
ورواه التّرمذيّ عن قلابة، عن سفيان بن عيينة، به وقال: حسنٌ صحيحٌ.
كذا قال، ورواه شعبة، عن أبي إسحاق فقال: عن زيد بن يثيع وهم فيه. ورواه الثّوريّ، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن وكيعٍ، حدّثنا أبو أسامة، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن عليٍّ قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزلت "براءة" بأربعٍ: ألّا يطوف بالبيت عريانٌ، ولا يقرب المسجد الحرام مشركٌ بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فهو إلى مدّته، ولا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مؤمنةٌ
ثمّ رواه ابن جريرٍ، عن محمّد بن عبد الأعلى، عن ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ قال: أمرت بأربعٍ. فذكره
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: نزلت براءة فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ، ثمّ أرسل عليًّا، فأخذها منه، فلمّا رجع أبو بكرٍ قال: نزل فيّ شيءٌ؟ قال: " لا ولكن أمرت أن أبلّغها أنا أو رجلٌ من أهل بيتي". فانطلق إلى أهل مكّة، فقام فيهم بأربعٍ: لا يدخل مكّة مشركٌ بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، ولا يدخل الجنّة إلّا نفسٌ مسلمةٌ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ، فعهده إلى مدته
وقال محمّد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عبّاد بن حنيف، عن أبي جعفرٍ محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليٍّ قال: لمّا نزلت "براءة" على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كان بعث أبا بكرٍ ليقيم الحجّ للنّاس، فقيل: يا رسول اللّه، لو بعثت إلى أبي بكرٍ. فقال: "لا يؤدّي عنّي إلّا رجلٌ من أهل بيتي". ثمّ دعا عليًّا فقال: "اخرج بهذه القصّة من صدر براءة، وأذّن في النّاس يوم النّحر إذا اجتمعوا بمنًى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطف بالبيت عريانٌ، ومن كان له عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهدٌ فعهده إلى مدّته".
فخرج عليٌّ رضي اللّه عنه، على ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العضباء، حتّى أدرك أبا بكرٍ في الطّريق فلمّا رآه أبو بكرٍ قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ قال بل مأمورٌ، ثمّ مضيا فأقام أبو بكرٍ للنّاس الحجّ، [والعرب] إذ ذاك في تلك السّنة على منازلهم من الحجّ الّتي كانوا عليها في الجاهليّة حتّى إذا كان يوم النّحر، قام عليّ بن أبي طالبٍ فأذّن في النّاس بالّذي أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا أيّها النّاس، إنّه لا يدخل الجنّة كافرٌ، ولا يحجّ بعد العام، ولا يطف بالبيت عريانٌ، ومن كان له عهدٌ عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو إلى مدّته. فلم يحجّ بعد ذلك العام مشركٌ، ولم يطف بالبيت عريانٌ، ثمّ قدما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فكان هذا من "براءة" فيمن كان من أهل الشّرك من أهل العهد العامّ، وأهل المدّة إلى الأجل المسمّى.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب اللّه بن راشدٍ، أخبرنا حيوة بن شريح: أخبرنا أبو صخرٍ: أنّه سمع أبا معاوية البجليّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصّهباء البكريّ وهو يقول: سألت عليّ بن أبي طالبٍ عن "يوم الحجّ الأكبر" فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للنّاس الحجّ، وبعثني معه بأربعين آيةً من " براءة"، حتّى أتى عرفة فخطب النّاس يوم عرفة، فلمّا قضى خطبته التفت إليّ فقال: قم، يا عليّ، فأدّ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقمت فقرأت عليهم أربعين آيةً من "براءة"، ثمّ صدرنا فأتينا منًى، فرميت الجمرة ونحرت البدنة، ثمّ حلقت رأسي، وعلمت أنّ أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلّهم خطبة أبي بكرٍ يوم عرفة، فطفت أتتبّع بها الفساطيط أقرؤها عليهم، فمن ثمّ إخال حسبتم أنّه يوم النّحر [ألا وهو يوم النّحر] ألا وهو يوم عرفة
وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن أبي إسحاق: سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر، قال: يوم عرفة. فقلت: أمن عندك أم من أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: كلٌّ في ذلك
وقال عبد الرّزّاق أيضًا، عن جريج، عن عطاءٍ قال: يوم الحجّ الأكبر، يوم عرفة.
وقال عمر بن الوليد الشّنّي: حدّثنا شهاب بن عبّادٍ العصريّ، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول: هذا يوم عرفة، هذا يوم الحجّ الأكبر، فلا يصومنّه أحدٌ. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيّب، فأتيته فقلت: إنّي سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيّب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة؟ فقال: أخبرك عمّن هو أفضل منّي مائة ضعفٍ عمر -أو: ابن عمر -كان ينهى عن صومه، ويقول هو يوم الحجّ الأكبر.
رواه ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ وهكذا روي عن ابن عبّاسٍ، وعبد اللّه بن الزّبير، ومجاهدٍ، وعكرمة، وطاوسٍ: أنّهم قالوا: يوم عرفة هو يوم الحجّ الأكبر.
وقد ورد فيه حديثٌ مرسلٌ رواه ابن جريج: أخبرت عن محمّد بن قيس بن مخرمة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب يوم عرفة، فقال: "هذا يوم الحجّ الأكبر"
وروي من وجهٍ آخر عن ابن جريجٍ، عن محمّد بن قيسٍ، عن المسور بن مخرمة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه خطبهم بعرفاتٍ فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: "أمّا بعد، فإنّ هذا يوم الحجّ الأكبر".
والقول الثّاني: أنّه يوم النّحر.
قال هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشّعبيّ، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه، قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر.
وقال أبو إسحاق السّبيعي، عن الحارث الأعور، سألت عليًّا، رضي اللّه عنه، عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: [هو] يوم النّحر.
وقال شعبة، عن الحكم: سمعت يحيى بن الجزّار يحدّث عن عليٍّ، رضي اللّه عنه، أنّه خرج يوم النّحر على بغلةٍ بيضاء يريد الجبّانة، فجاء رجلٌ فأخذ بلجام دابّته، فسأله عن الحجّ الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خل سبيلها.
وقال عبد الرازق، عن سفيان عن شعبة عن عبد الملك بن عميرٍ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى أنّه قال: يوم الحجّ الأكبر يوم النحر.
وروى شعبة وغيره، عن عبد الملك بن عميرٍ، به نحوه. وهكذا رواه هشيمٌ وغيره، عن الشّيبانيّ عن عبد اللّه بن أبي أوفى.
وقال الأعمش، عن عبد اللّه بن سنانٍ قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعيرٍ فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النّحر، وهذا يوم الحجّ الأكبر.
وقال حمّاد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: الحجّ الأكبر، يوم النّحر.
وكذا روي عن أبي جحيفة، وسعيد بن جبير، وعبد اللّه بن شدّاد بن الهاد، ونافع بن جبير بن مطعمٍ، والشّعبيّ، وإبراهيم النّخعي، ومجاهدٍ، وعكرمة، وأبي جعفرٍ الباقر، والزّهريّ، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم أنّهم قالوا: يوم الحجّ الأكبر هو يوم النّحر. واختاره ابن جريرٍ. وقد تقدّم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاريّ: أنّ أبا بكرٍ بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنًى، وقد ورد في ذلك أحاديث أخر، كما قال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ: حدّثني سهل بن محمّدٍ السّجستانيّ، حدّثنا أبو جابرٍ الحرميّ، حدّثنا هشام بن الغاز الجرشيّ-عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم النّحر عند الجمرات في حجّة الوداع، فقال: "هذا يوم الحجّ الأكبر"
وهكذا رواه ابن أبي حاتمٍ، وابن مردويه من حديث أبي جابرٍ -واسمه محمّد بن عبد الملك، به، ورواه ابن مردويه أيضًا من حديث الوليد بن مسلمٍ، عن هشام بن الغاز، به. ثمّ رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن نافعٍ، به.
وقال شعبة، عن عمرو بن مرّة عن مرّة الهمداني، عن رجلٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ناقةٍ حمراء مخضرمةٍ، فقال: "أتدرون أيّ يومٍ يومكم هذا؟ " قالوا: يوم النّحر. قال: "صدقتم، يوم الحجّ الأكبر"
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا أحمد بن المقدام، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا ابن عونٍ، عن محمّد بن سيرين، عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: لمّا كان ذلك اليوم، قعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بعيرٍ له، وأخذ النّاس بخطامه -أو: زمامه -فقال: "أيّ يومٍ هذا؟ " قال: فسكتنا حتّى ظننّا أنّه سيسمّيه سوى اسمه، فقال: "أليس هذا يوم الحجّ الأكبر"
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وأصله مخرّجٌ في الصّحيح.
وقال أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرٍو بن الأحوص، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع، فقال: "أيّ يومٍ هذا؟ " فقالوا: اليوم الحجّ الأكبر
وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال: يوم الحجّ الأكبر اليوم الثّاني من يوم النّحر. رواه ابن أبي حاتمٍ. وقال مجاهدٌ أيضًا: يوم الحجّ الأكبر أيّام الحجّ كلّها.
وكذا قال أبو عبيدٍ، قال سفيان: "يوم الحجّ"، و"يوم الجمل"، و"يوم صفّين" أي: أيّامه كلّها.
وقال سهلٌ السّرّاج: سئل الحسن البصريّ عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: ما لكم وللحجّ الأكبر، ذاك عامٌ حجّ فيه أبو بكرٍ، الّذي استخلفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحجّ بالنّاس. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن وكيع، حدّثنا أبو أسامة، عن ابن عونٍ: سألت محمّدًا -يعني ابن سيرين -عن يوم الحجّ الأكبر فقال: كان يومًا وافق فيه حجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حجّ أهل الوبر). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 103-110]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ اللّه يحبّ المتّقين (4) }
هذا استثناءٌ من ضرب مدّة التّأجيل بأربعة أشهرٍ، لمن له عهدٌ مطلقٌ ليس بمؤقّتٍ، فأجله، أربعة أشهرٍ، يسيح في الأرض، يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلّا من له عهدٌ مؤقّتٌ، فأجله إلى مدّته المضروبة الّتي عوهد عليها، وقد تقدّمت الأحاديث: "ومن كان له عهدٌ مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعهده إلى مدّته" وذلك بشرط ألّا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدًا، أي: يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الّذي يوفّى له بذمّته وعهده إلى مدّته؛ ولهذا حرّض اللّه تعالى على الوفاء بذلك فقال: {إنّ اللّه يحبّ المتّقين} أي: الموفين بعهدهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 110]

تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ (5) }
اختلف المفسّرون في المراد بالأشهر الحرم هاهنا، ما هي؟ فذهب ابن جريرٍ إلى أنّها [الأربعة] المذكورة في قوله تعالى: {منها أربعةٌ حرمٌ ذلك الدّين القيّم فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم} الآية [التّوبة:36]، قاله أبو جعفرٍ الباقر، لكن قال ابن جريرٍ: آخر الأشهر الحرم في حقّهم المحرّم وهذا الّذي ذهب إليه حكاه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ، وإليه ذهب الضّحّاك أيضًا، وفيه نظر،
والّذي يظهر من حيث السّياق ما ذهب إليه ابن عبّاسٍ في رواية العوفيّ عنه، وبه قال مجاهدٌ، وعمرو بن شعيبٍ، ومحمّد بن إسحاق، وقتادة، والسّدّيّ، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: أنّ المراد بها أشهر التّسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهرٍ} [التّوبة: 2] ثمّ قال {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة الّتي حرّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجّلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأنّ عود العهد على مذكورٍ أولى من مقدّرٍ؛ ثمّ إنّ الأشهر الأربعة المحرّمة سيأتي بيان حكمها في آيةٍ أخرى بعد في هذه السّورة الكريمة.
وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} أي: من الأرض. وهذا عامٌّ، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191]
وقوله: {وخذوهم} أي: وأسروهم، إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا.
وقوله: {واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصدٍ} أي: لا تكتفوا بمجرّد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرّصد في طرقهم ومسالكهم حتّى تضيّقوا عليهم الواسع، وتضطرّوهم إلى القتل أو الإسلام؛ ولهذا قال: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ}
ولهذا اعتمد الصّدّيق، رضي اللّه عنه، في قتال مانعي الزّكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرّمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدّخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته. ونبّه بأعلاها على أدناها، فإنّ أشرف الأركان بعد الشّهادة الصّلاة، الّتي هي حقّ اللّه، عزّ وجلّ، وبعدها أداء الزّكاة الّتي هي نفعٌ متعدٍّ إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلّقة بالمخلوقين؛ ولهذا كثيرًا ما يقرن اللّه بين الصّلاة والزّكاة، وقد جاء في الصّحيحين عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة" الحديث.
وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، رضي اللّه عنه، قال: أمرتم بإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، ومن لم يزكّ فلا صلاة له.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: أبى اللّه أن يقبل الصّلاة إلّا بالزّكاة، وقال: يرحم اللّه أبا بكرٍ، ما كان أفقهه.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عليّ بن إسحاق، أنبأنا عبد اللّه بن المبارك، أنبأنا حميدٌ الطّويل، عن أنسٍ؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه، فإذا شهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلّوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلّا بحقّها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم".
ورواه البخاريّ في صحيحه وأهل السّنن إلّا ابن ماجه، من حديث عبد اللّه بن المبارك، به
وقال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ: حدّثنا عبد الأعلى بن واصلٍ الأسديّ، حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، أخبرنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ [عن أنسٍ] قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم: "من فارق الدّنيا على الإخلاص للّه وحده، وعبادته لا يشرك به شيئًا، فارقها واللّه عنه راضٍ" -قال: وقال أنسٌ: هو دين اللّه الّذي جاءت به الرّسل وبلّغوه عن ربّهم، قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب اللّه في آخر ما أنزل، قال اللّه تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم} -قال: توبتهم خلع الأوثان، وعبادة ربّهم، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، ثمّ قال في آيةٍ أخرى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فإخوانكم في الدّين} [التّوبة: 11]
ورواه ابن مردويه.
ورواه محمّد بن نصرٍ المروزيّ في كتاب "الصّلاة" له: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا حكّام بن سلم حدّثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، به سواءً
وهذه الآية الكريمة هي آية السّيف الّتي قال فيها الضّحّاك بن مزاحمٍ: إنّها نسخت كلّ عهدٍ بين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبين أحدٍ من المشركين، وكلّ عهدٍ، وكلّ مدّةٍ.
وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية: لم يبق لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذمّةٌ، منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم، ومدّة من كان له عهدٌ من المشركين قبل أن تنزل أربعة أشهرٍ، من يوم أذّن ببراءة إلى عشرٍ من أوّل شهر ربيعٍ الآخر.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية، قال: أمره اللّه تعالى أن يضع السّيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمّى لهم من العقد والميثاق، وأذهب الشّرط الأوّل.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان قال عليّ بن أبي طالبٍ: بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأربعة أسيافٍ: سيفٍ في المشركين من العرب قال اللّه: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [وخذوهم]}
هكذا رواه مختصرًا، وأظنّ أنّ السّيف الثّاني هو قتال أهل الكتاب في قوله: {قاتلوا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التّوبة:29] والسّيف الثّالث: قتال المنافقين في قوله: {يا أيّها النّبيّ جاهد الكفّار والمنافقين [واغلظ عليهم]} [التّوبة: 73، والتّحريم:9] والرّابع: قتال الباغين في قوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه} [الحجرات:9]
ثمّ اختلف المفسّرون في آية السّيف هذه، فقال الضّحّاك والسّدّيّ: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: {فإمّا منًّا بعد وإمّا فداءً} [محمّدٍ:4] وقال قتادة بالعكس). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 110-113]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:42 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة