العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة المائدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 10:09 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي تفسير سورة المائدة [ من الآية (41) إلى الآية (43) ]

تفسير سورة المائدة
[ من الآية (41) إلى الآية (43) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:33 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه} ] - حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنّه كان يقرأ: {يحرّفون الكلام عن مواضعه}، قال: كان ينزل عليهم: يا بني أحباري، يا بني رسلي، فيقولون: يا بني أبكاري). [سنن سعيد بن منصور: 4/1465]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر}
- أخبرنا محمّد بن العلاء، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ، قال: مرّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيهوديٍّ محمّمٍ مجلودٍ، فدعاهم فقال: «هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟» قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: «أنشدك بالله الّذي أنزل التّوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟» فقال: لا، ولولا ما نشدتني لم أخبرك، نجد حدّ الزّاني في كتابنا الرّجم، ولكنّه ظهر في أشرافنا فكنّا إذا أخذنا الرّجل الشّريف تركناه، وإذا أخذنا الرّجل الضّعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيءٍ نقيمه على الشّريف والوضيع، فاجتمعنا على التّحمّم والجلد، وتركنا الرّجم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى {وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41] يقول: ائتوا محمّدًا، فإن أفتاكم بالتّحمّم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا، إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] في اليهود، وإلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} [المائدة: 45] في اليهود إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] قال: في الكفّار كلّها - يعني الآية). [السنن الكبرى للنسائي: 10/82]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئًا أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزي ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ }
اختلف أهل التّأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّما هو الذّبح، فلا تنزلوا على حكم سعدٍ.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} قال: نزلت في رجلٍ من الأنصار زعموا أنّه أبو لبابة أشارت إليه بنو قريظة يوم الحصار ما الأمر؟ وعلام ننزل؟ فأشار إليهم: إنّه الذّبح.
وقال آخرون: بل نزلت في رجلٍ من اليهود سأل رجلاً من المسلمين يسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن حكمه في قتيلٍ قتله.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بشرٍ، عن زكريّا، عن عامرٍ: {لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} قال: كان رجلٌ من اليهود قتله رجلٌ من أهل دينه، فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين: سلوا لي محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن كان يقضي بالدّية اختصمنا إليه، وإن كان يأمرنا بالقتل لم نأته.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن زكريّا، عن عامرٍ نحوه.
وقال آخرون: بل نزلت في عبد اللّه بن صوريا، وذلك أنّه ارتدّ بعد إسلامه.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّادٌ، وأبو كريبٍ، قالا: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني الزّهريّ، قال: سمعت رجلاً، من مزينة يحدّث عن سعيد بن المسيّب، أنّ أبا هريرة، حدّثهم، أنّ أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة، وقد زنى رجلٌ منهم بعد إحصانه بامرأةٍ من يهود قد أحصنت. فقالوا: انطلقوا بهذا الرّجل وبهذه المرأة إلى محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فاسألوه كيف الحكم فيهما فولّوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التّجبيه، وهو الجلد بحبلٍ من ليفٍ مطليٍّ بقارٍ، ثمّ يسوّد وجوههما، ثمّ يحملان على حمارين وتحوّل وجوههما من قبل دبر الحمار، فاتّبعوه، فإنّما هو ملكٌ. وإن هو حكم فيهما بالرّجم فإنّه نبيّ فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. فأتوه فقالوا: يا محمّد هذا الرّجل قد زنى بعد إحصانه بامرأةٍ قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد ولّيناك الحكم فيهما، فمشى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى أتى أحبارهم في بيت المدراس، فقال: يا معشر اليهود، أخرجوا إليّ أعلمكم فأخرجوا إليه عبد اللّه بن صوريا الأعور. وقد روى بعض بني قريظة أنّهم أخرجوا إليه يومئذٍ مع ابن صوريا أبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهودا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا. فسألهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى حصّل أمرهم، إلى أن قالوا لابن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتّوراة. فخلا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان غلامًا شابًّا من أحدثهم سنًّا، فألظّ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسألة، يقول: يا ابن صوريا، أنشدك اللّه وأذكّرك أياديه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنّ اللّه حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرّجم في التّوراة؟ فقال: اللّهمّ نعم، أما واللّه يا أبا القاسم إنّهم ليعلمون أنّك نبيّ مرسلٌ، ولكنّهم يحسدونك. فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النّجّار. ثمّ كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل اللّه: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي ح، وحدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، ح وحدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبيدة بن حميدٍ، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ، قال: مرّ على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيهوديٍّ محمّمٍ مجلودٍ فدعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رجلاً من علمائهم، فقال: أهكذا تجدون حدّ الزّاني فيكم؟ قال: نعم. قال: فأنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزّاني فيكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أحدّثك، ولكن الرّجم، ولكن كثر الزّنا في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه وإذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا تعالوا نجتمع فنضع شيئًا مكان الرّجم فيكون على الشّريف والوضيع، فوضعنا التّحميم والجلد مكان الرّجم. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّهمّ إنّي أنا أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم، فأنزل اللّه: {لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} الآية.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيّب، وعند سعيدٍ رجلٌ يوقّره، فإذا هو رجلٌ من مزينة كان أبوه شهد الحديبية وكان من أصحاب أبي هريرة، قال: قال أبو هريرة: كنت جالسًا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ح،
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني رجلٌ من مزينة ممّن يتبع العلم ويعيه، حدّث عن سعيد بن المسيّب، أنّ أبا هريرة قال: بينا نحن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، إذ جاءه رجلٌ من اليهود، وكانوا قد أشاروا في صاحبٍ لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعضٍ: إنّ هذا النّبيّ قد بعث، وقد علمتم أن قد فرض عليكم الرّجم في التّوراة فكتمتموه واصلحتم بينكم على عقوبةٍ دونه، فانطلقوا فنسأل هذا النّبيّ، فإن أفتانا بما فرض علينا في التّوراة من الرّجم تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك في التّوراة فهي أحقّ أن تطاع وتصدّق. فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: يا أبا القاسم إنّه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟ قال أبو هريرة: فلم يرجع إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى قام وقمنا معه، فانطلق يؤمّ مدراس اليهود حتّى أتاهم، فوجدهم يتدارسون التّوراة في بيت المدراس، فقال لهم: يا معشر اليهود، أنشدكم باللّه الّذي أنزل التّوراة على موسى ماذا تجدون في التّوراة من العقوبة على من زنى وقد أحصن؟ قالوا: إنّا نجده يحمّم ويجلد. وسكت حبرهم في جانب البيت. فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صمته ألظّ ينّشدة، فقال حبرهم: اللّهمّ إذ نشدنا فإنّا نجد عليهم الرّجم. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فماذا كان أوّل ما ترخّصتم به أمر اللّه؟ قال: زنى ابن عمّ ملكٍ فلم يرجمه، ثمّ زنى رجلٌ آخر في أسرةٍ من النّاس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: واللّه لا ترجمه حتّى ترجم فلانًا ابن عمّ الملك. فاصلحوا بينهم عقوبةً دون الرّجم، وتركوا الرّجم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فإنّي أقضي بما في التّوراة. فأنزل اللّه في ذلك: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}.
وقال آخرون: بل عني بذلك المنافقون.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبد اللّه بن كثيرٍ، في قوله: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} قال: هم المنافقون.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {آمنّا بأفواههم} قال: يقول المنافقون {سمّاعون لقومٍ آخرين} قال هم سماعون لليهود.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصّواب أن يقال: عني بذلك: {لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} قومٌ من المنافقين. وجائزٌ أن يكون كان ممّن دخل في هذه الآية ابن صوريا، وجائزٌ أن يكون أبو لبابة، وجائزٌ أن يكون غيرهما. غير أنّ أثبت شيءٍ روي في ذلك ما ذكرناه من الرّواية قبل عن أبي هريرة والبراء بن عازبٍ، لأنّ ذلك عن رجلين من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصّحيح من القول فيه أن يقال: عني به عبد اللّه بن صوريا.
وإذا صحّ ذلك كان تأويل الآية: يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في جحود نبوّتك والتّكذيب بأنّك لي نبيّ من الّذين قالوا: صدّقنا بك يا محمّد أنّك للّه رسولٌ مبعوثٌ، وعلمنا بذلك يقينًا بوجودنا صفتك في كتابنا وذلك أنّ في حديث، أبي هريرة الّذي رواه ابن إسحاق، عن الزّهريّ، أنّ ابن صوريا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أما واللّه يا أبا القاسم إنّهم ليعلمون أنّك نبيٌّ مرسلٌ، ولكنّهم يحسدونك فذلك كان على هذا الخبر كان من ابن صوريا إيمانًا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بفيه، ولم يكن مصدّقًا لذلك بقلبه، فقال اللّه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم مطلعه على ضمير ابن صوريّا وأنّه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدّق قلبه بأنّك للّه رسولٌ مرسلٌ). [جامع البيان: 8/413-419]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك}
يقول جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا أيّها الرّسول، لا يحزنك تسرّع من تسرّع من هؤلاء المنافقين الّذين يظهرون بألسنتهم تصديقك، وهم معتقدون تكذيبك إلى الكفر بك، ولا تسرّع اليهود إلى جحود نبوّتك. ثمّ وصف جلّ ذكره صفتهم ونعتهم له بنعوتهم الذّميمة وأفعالهم الرّديئة، وأخبره معزّيًا له على ما يناله من الحزن بتكذيبهم إيّاه مع علمهم بصدقه أنّهم أهل استحلال الحرام والمآكل الرّديئة والمطاعم الدّنيئة من الرّشا والسّحت، وأنّهم أهل إفكٍ وكذبٍ على اللّه وتحريف كتابه. ثمّ أعلمه أنّه محلٍّ بهم خزيه في عاجل الدّنيا، وعقابه في آجل الآخرة، فقال: هم سمّاعون للكذب يعني هؤلاء المنافقين من اليهود، يقول: هم يسمعون الكذب، وسمعهم الكذب: سمعهم قول أحبارهم أنّ حكم الزّاني المحصن في التّوراة: التّحميم والجلد سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يقول: يسمعون لأهل الزّاني الّذين أرادوا الاحتكام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم القوم الآخرون الّذين لم يكونوا أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا مصرّين على أن يأتوه، كما قال مجاهدٌ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: {سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك} مع من أتوك.
واختلف أهل التّأويل في السّمّاعين للكذب السّمّاعين لقومٍ آخرين، فقال بعضهم: سمّاعون لقول آخرين يهود فدكٍ، والقوم الآخرون الّذين لم يأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يهود المدينة.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن الزّبير، عن ابن عيينة، قال: حدّثنا زكريّا، ومجالدٌ، عن الشّعبيّ، عن جابرٍ، في قوله: {ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين} قال: يهود المدينة {لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه} قال: يهود فدكٍ يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا فخذوه.
وقال آخرون: المعنيّ بذلك قومٌ من اليهود كان أهل المرأة الّتي بغت بعثوا بهم يسألون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحكم فيها، والباعثون بهم هم القوم الآخرون، وهم أهل المرأة الفاجرة، لم يكونوا أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون} فان بنى إسرائيل أنزل اللّه عليهم: إذا زنى منكم أحدٌ فارجموه. فلم يزالوا بذلك حتّى زنى رجلٌ من خيارهم؛ فلمّا اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه، قام الخيار والأشراف فمنعوه. ثمّ زنى رجلٌ من الضّعفاء، فاجتمعوا ليرجموه، فاجتمعت الضّعفاء فقالوا: لا ترجموه حتّى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعًا. فقالت بنو إسرائيل: إنّ هذا الأمر قد اشتدّ علينا، فتعالوا فلنصلحه. فتركوا الرّجم، وجعلوا مكانه أربعين جلدةً بحبلٍ مقيّرٍ ويحمّمونه ويحملونه على حمارٍ ووجهه إلى ذنبه، ويسوّدون وجهه، ويطوفون به. فكانوا يفعلون ذلك حتّى بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقدم المدينة، فزنت امرأةٌ من أشراف اليهود، يقال لها بسرة، فبعث أبوها ناسًا من أصحابه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: سلوه عن الزّنا وما نزّل إليه فيه؛ فإنّا نخاف أن يفضحنا ويخبرنا بما صنعنا، فإن أعطاكم الجلد فخذوه وإن أمركم بالرّجم فاحذروه. فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألوه، فقال: الرّجم فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه} حين حرّفوا الرّجم فجعلوه جلدًا.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصّواب، قول من قال: إنّ السّمّاعين للكذب، هم السمّاعون لقومٍ آخرين. وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة والمسموع لهم من يهود فدكٍ، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم. غير أنّه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قومٍ من يهود سمعوا الكذب على اللّه في حكم المرأة الّتي كانت بغت فيهم وهي محصنةٌ، وأنّ حكمها في التّوراة التّحميم والجلد، وسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحكم اللاّزم لها، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قبل أن يأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محتكمين إليه فيها. وإنّما سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك لهم ليعلّموا أهل المرأة الفاجرة ما يكون من جوابه لهم، فإن لم يكن من حكمه الرّجم رضوا به حكمًا فيهم، وإن كان من حكمه الرّجم حذروه وتركوا الرّضا به وبحكمه.
وبنحو الّذي قلنا كان ابن زيدٍ يقول.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين} قال: لقومٍ آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سمّاعون لأولئك القوم الآخرين الّذين لم يأتوه، يقولون لهم الكذب: محمّدٌ كاذبٌ، وليس هذا في التّوراة، فلا تؤمنوا به). [جامع البيان: 8/419-422]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا}
يقول تعالى ذكره: يحرّف هؤلاء السمّاعون للكذب، السمّاعون لقومٍ آخرين منهم لم يأتوك بعد من اليهود الكلم. وكان تحريفهم ذلك: تغييرهم حكم اللّه تعالى ذكره الّذي أنزله في التّوراة في المحصنات والمحصنين من الزّناة بالرّجم إلى الجلد والتّحميم، فقال تعالى ذكره: يحرّفون الكلم يعني: هؤلاء اليهود، والمعنى: حكم الكلم، فاكتفى بذكر الخبر من تحريف الكلم عن ذكر الحكم لمعرفة السّامعين لمعناه. وكذلك قوله: من بعد مواضعه والمعنى: من بعد وضع اللّه ذلك مواضعه، فاكتفى بالخبر من ذكر مواضعه عن ذكر وضع ذلك، كما قال تعالى ذكره: ولكنّ البرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والمعنى: ولكنّ البرّ برّ من آمن باللّه واليوم الآخر
وقد يحتمل أن يكون معناه: يحرّفون الكلم عن مواضعه، فتكون بعد وضعت موضع عن، كما يقال: جئتك عن فراغي من الشّغل، يريد: بعد فراغي من الشّغل
ويعني بقوله إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا يقول: هؤلاء الباغون السمّاعون للكذب، إن أفتاكم محمّدٌ بالجلد والتّحميم في صاحبنا فخذوه، يقول: فاقبلوه منه، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرّجم، فاحذروا.
وبنحو الّذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني الزّهريّ، قال: سمعت رجلاً، من مزينة يحدّث سعيد بن المسيّب، أنّ أبا هريرة، حدّثهم في، قصّةٍ ذكرها: {ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك} قال: بعثوا وتخلّفوا، وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الكلم عن مواضعه، فقال: يحرّفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه للتّحيه، {وإن لم تؤتوه فاحذروا}: أيّ الرّجم.
- حدثنا محمد بن عمرو حدّثنا أبو عاصم قال حدّثنا عيسى عن بن أبى نجيح عن مجاهد في قوله {إن أوتيتم هذا } إن وافقكم هذا {فخذوه} يهود تقوله للمنافقين.
بعده زياد
حدّثنا إسحاق الدّبريّ، أنا عبد الرّزّاق، أنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة قال: كان ابن عبّاسٍ يحدّث أنّ أبا بكرٍ كشف وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو مسجًّى عليه بثوبٍ، فنظر إلى وجه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ أكبّ عليه فقبّله.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إن أوتيتم هذا فخذوه} إن وافقكم هذا فخذوه، وإن لم يوافقكم فاحذروه، يهود تقوله للمنافقين.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يحرّفون الكلم من بعد مواضعه} حين حرّفوا الرّجم فجعلوه جلدًا، يقولون: {إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن الزّبير، عن ابن عيينة، قال: حدّثنا زكريّا، ومجالدٌ، عن الشّعبيّ، عن جابرٍ: {يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} يهود فدكٍ يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرّجم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} هم اليهود، زنت منهم امرأةٌ، وكان اللّه قد حكم في التّوراة في الزّنا بالرّجم، فنفسوا أن يرجموها، وقالوا: انطلقوا إلى محمّدٍ فعسى أن يكون عنده رخصةٌ، فإن كانت عنده رخصةٌ فاقبلوها. فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم إنّ امرأةً منّا زنت، فما تقول فيها؟ فقال لهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: كيف حكم اللّه في التّوراة في الزّاني؟ فقالوا: دعنا من التّوراة، ولكن ما عندك في ذلك؟ فقال: ائتوني بأعلمكم بالتّوراة الّتي أنزلت على موسى فقال لهم: بالّذي نجّاكم من آل فرعون وبالّذي فلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون إلاّ أخبرتموني ما حكم اللّه في التّوراة في الزّاني؟ قالوا: حكمه الرّجم. فأمر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرجمت.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} ذكر لنا أنّ هذا كان في قتيلٍ من بني قريظة قتلته النّضير، فكانت النّضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم، إنّما يعطونهم الدّية لفضلهم عليهم، وكانت قريظة إذا قتلت من النّضير قتيلاً لم يرضوا إلاّ بالقود لفضلهم عليهم في أنفسهم تعزّزًا. فقدم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة على تفئة فعلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال لهم رجلٌ من المنافقين: إنّ قتيلكم هذا قتيل عمدٍ، متى ما ترفعوه إلى محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أخشى عليكم القود، فإن قبل منكم الدّية فخذوه، وإلاّ فكونوا منه على حذرٍ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {يحرّفون الكلم من بعد مواضعه} يقول يحرّف هؤلاء الّذين لم يأتوك الكلم عن مواضعه، لا يضعونه على ما أنزله اللّه. قال: وهؤلاء كلّهم يهود، بعضهم من بعض.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، وعبيدة بن حميدٍ، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} يقولون: ائتوا محمّدًا، فإن أفتاكم بالتّحميم والجلد فخذوه، وإنّ أفتاكم بالرّجم فاحذروا). [جامع البيان: 8/423-427]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئًا}
وهذا تسليةٌ من اللّه تعالى ذكره نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم من حزنه على مسارعة الّذين قصّ قصّتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية، يقول له تعالى ذكره: لا يحزنك تسرّعهم إلى جحود نبوّتك، فإنّي قد حتّمت عليهم أنّهم لا يتوبون من ضلالتهم، ولا يرجعون عن كفرهم للسّابق من غضبي عليهم، وغير نافعهم حزنك على ما ترى من تسرّعهم إلى ما جعلته سبيًا لهلاكهم واستحقاقهم وعيدي.
ومعنى الفتنة في هذا الموضع: الضّلالة عن قصد السّبيل. يقول تعالى ذكره: ومن يرد اللّه يا محمّد مرجعه بضلالته عن سبيل الهدى، فلن تملك له من اللّه استنقاذًا ممّا أراد اللّه به من الحيرة والضّلالة، فلا تشعر نفسك بالحزن على ما فاتك من اهتدائه للحقّ. كما:.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئًا}). [جامع البيان: 8/427]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزي ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ}
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر، من اليهود الّذين وصفت لك صفتهم، وإنّ مسارعتهم إلى أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزي ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ. يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر، من اليهود الّذين وصفت لك صفتهم، وإنّ مسارعتهم إلى ذلك أنّ اللّه قد أراد فتنتهم وطبع على قلوبهم، ولا يهتدون أبدًا أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم يقول: هؤلاء الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر من دنس الكفر ووسخ الشّرك قلوبهم بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان فيتوبوا، بل أراد بهم الخزي في الدّنيا وذلك الذّل والهوان، وفي الآخرة عذاب جهنّم خالدين فيها أبدًا.
وبنحو الّذي قلنا في معنى الخزي روي القول عن عكرمة.
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا سفيان، عن عليّ بن الأقمر وغيره، عن عكرمة: {أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزي} قال: مدينةٌ في الرّوم تفتح فيسبون). [جامع البيان: 8/428]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئًا أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ (41)
قوله تعالى: يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر هم اليهود.
قوله تعالى: من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم
- وبه عن ابن عبّاسٍ قوله: من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قال: هم المنافقون. وروي عن مجاهدٍ نحو ذلك.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قال: نزلت في رجلٍ من الأنصار زعم أنّه أبو لبابة، أشارت إليه بنو قريظة يوم الحصار ما لأمر على ما تنزل... إليهم إنّه الذّبح.
قوله تعالى: ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ ثنا عبد اللّه بن الزّبير، ثنا سفيان، ثنا زكريّا عن الشّعبيّ عن جابر بن عبد اللّه في قوله: سماعون للكذب يهود المدينة.
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: سماعون للكذب فهم يهود أهل قريظة والنّضير فيهم لبابة بن سعفة وكعب بن الأشرف، وسعيد بن عمرٍو.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: سمّاعون للكذب هم أبو بسرة وأصحابه
قوله تعالى: سمّاعون لقومٍ آخرين
[الوجه الأول]
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ، ثنا عبد اللّه بن الزّبير الحميديّ، ثنا سفيان عن زكريّا عن الشّعبيّ عن جابر بن عبد اللّه في قوله: سمّاعون لقومٍ آخرين أهل فدك.
وروي عن مجاهدٍ أنّهم هم اليهود.
الوجه الثّاني:
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: سمّاعون لقومٍ آخرين يهود خيبر، وذلك حين زنت المرأة.
قوله تعالى: لم يأتوك
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال:
سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله: سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين قال: لقومٍ آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب هؤلاء سمّاعون لأولئك القوم الآخرين الّذين لم يأتوا، يقولون لهم الكذب محمّدٌ كاذبٌ وليس من التّوراة، فلا تؤمنوا به وليس يحرّفون هؤلاء الّذين لم يأتوك.
قوله: يحرّفون
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ، ثنا عبد اللّه بن الزّبير الحميديّ، ثنا سفيان، ثنا زكريّا عن الشّعبيّ عن جابرٍ يحرّفون الكلم عن مواضعه
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّدٌ، ثنا محمّدٌ عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: يحرّفون الكلم يزيدون فيه وينقصونه
قوله تعالى: الكلم
- حدّثنا أبي، ثنا صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: يحرّفون الكلم يعني: يحرّفون حدود اللّه في التّوراة.
قوله تعالى: من بعد مواضعه
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: يحرّفون الكلم من بعد مواضعه حرفوا الرجم فجعلوه جلدا.
- أخبرنا أبو زيدٍ القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال:
سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قول اللّه يحرّفون الكلم من بعد مواضعه لا يضعونه على ما أنزله اللّه. قال: وهؤلاء كلّهم يهود بعضهم من بعضٍ
قوله تعالى: يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا معاوية عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرّة عن البراء قال: مرّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيهود محمّمٍ مجلودٍ فدعاهم فقال هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم قالوا: لا. فدعا رجلا من علمائهم قالوا: لولا أنشدتنا بهذا لم نخبرك. حدّ الزّاني في كتابنا الرّجم، ولكن كثر في أشرافنا فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه، وإذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ. فقلنا: تعالوا نجتمع على شيءٍ نقيمه على الشّريف والوضيع، قال: فجعلنا التّحمّم والجلد مكان الرّجم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللهم إنا أول من أحيى أمرًا أماتوه فأمر به فرجم فأنزل اللّه تعالى يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر إلى قوله: إن أوتيتم هذا فخذوه يقول: ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرّجم فإحذروا.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: إن أوتيتم هذا فخذوه إن وافقكم فخذوه يهود يقوله للمنافقين
قوله تعالى: وإن لم تؤتوه فاحذروا
- حدّثنا أبي ثنا الحميديّ ثنا سفيان، ثنا زكريّا عن الشّعبيّ، عن جابرٍ يقولون إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرجم.
- حدثنا أبي ثنا صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ وإن لم تؤتوه فاحذروا يقول: إن أمركم محمّدٌ ما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروه.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: وإن لم تؤتوه فاحذروا إن لم يوافقكم فاحذروا يهود يقوله للمنافقين.
قوله تعالى: ومن يرد اللّه فتنته
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قوله: ومن يرد اللّه فتنته يقول: من يرد اللّه ضلالته.
وروي عن السّدّيّ مثل ذلك.
قوله تعالى: فلن تملك له من اللّه شيئًا
- وبه عن ابن عبّاسٍ يقول: لن تغيّر عنه شيئًا.
قوله تعالى: أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أسباط بن محمّدٍ عن الأعمش عن مسلمٍ البطين عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ قال: إنّما سمّي القلب لتقلّبه.
قوله تعالى: لهم في الدنيا خزي
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله:
لهم في الدّنيا خزيٌ قال: أمّا خزيهم في الدّنيا إذا قام المهديّ فتح القسطنطينيّة فقتلهم وذلك الخزي.
وروي عن قتادة قال: مدينةٌ تفتح بالرّوم.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، ثنا عبد الرّزّاق ثنا معمرٌ عن قتادة لهم في الدّنيا خزيٌ يعني: ما أنزل اللّه بأهل قريظة من السّبي والقتل، وبأهل النّضير من الجلاء.
قوله تعالى: ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ
- وبه عن مقاتل بن حيّان قوله: عذابٌ عظيمٌ يعني: عذابًا وافرًا). [تفسير القرآن العظيم: 4/1130-1133]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم قال هم المنافقون). [تفسير مجاهد: 195]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله سماعون لقوم آخرين قال المنافقون يقول هم سماعون لليهود). [تفسير مجاهد: 195-196]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله يحرفون الكلم من بعد مواضعه يعني الرجم وكان في التوراة الرجم فكان إذا زنى منهم حقير رجموه وإذا زنى منهم شريف حمموه وطافوا به فاستفتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأفتاهم بالرجم وسألهم عما يجدونه في كتابهم فكتموه إلا رجل منهم أعور فإنه قال كذبوك يا رسول الله إنه في التوراة الرجم). [تفسير مجاهد: 196]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (م د) البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: مرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي، محمّماً مجلوداً، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: «هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم» ؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيءٍ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللّهم إنّي أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم»، فأنزل الله عز وجل: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] يقول: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتّحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} في الكفّار كلها. هذه رواية مسلم.
وفي رواية أبي داود مثله، وقال في آخرها: فأنزل الله: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} - إلى قوله - {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} إلى قوله جل ثناؤه {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} في اليهود إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} في اليهود، إلى قوله - {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} قال: هي في الكفار كلها، يعني: هذه الآي.
[شرح الغريب]
(تحمم) التحميم: تسويد الوجه، من الحميم، جمع: حممة، وهي: الفحمة.
(أنشدك بالله) أحلف عليك وأقسم، وقد تقدم تفسيره في هذا الباب). [جامع الأصول: 2/115-117]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41]
- عن ابن عبّاسٍ «في قوله - عزّ وجلّ: {إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41] هم اليهود، وزنت منهم امرأةٌ، وقد كان اللّه - عزّ وجلّ - حكم في التّوراة في الزّنا الرّجم، فنفسوا أن يرجموها [وقالوا: انطلقوا إلى محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فعسى أن يكون عنده رخصةٌ، فاقبلوها، فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم، إنّ امرأةً منّا زنت فما تقول فيها، فقال النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " كيف حكم اللّه في الزّاني في التّوراة؟ ". فقالوا: دعنا من التّوراة، فما عندك في ذلك؟ فقال: " ائتوني بأعلمكم بالتّوراة الّتي أنزلت على موسى - صلّى اللّه عليه وسلّم - ". فقال لهم: " بالّذي نجّاكم من آل فرعون وبالّذي فلق البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون إلّا أخبرتموني ما حكم اللّه في التّوراة في الزّاني؟ "، فقالوا: حكم اللّه الرّجم».
رواه الطّبرانيّ، وعليّ بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عبّاسٍ). [مجمع الزوائد: 7/15]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال الحميديّ: ثنا سفيان، ثنا زكريّا، عن الشّعبيّ، عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما- "في قوله تعالى: (سمّاعون للكذب) يهود المدينة (سماعون لقوم آخرين) أهل فدك (لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه) أهل فدك (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/204]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الحميديّ: حدثنا سفيان، ثنا زكريّا، عن الشّعبيّ، عن جابرٍ رضي الله عنه، في قوله (تبارك و) تعالى: {سمّاعون للكذب} قال: يهود المدينة، سمّاعون لقومٍ آخرين، قال: أهل فدك لم يأتوك إلى آخر الآية). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/609]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال أبو يعلى: حدثنا إسحاق ابن (أبي) إسرائيل، عن سفيان فذكره، وأوّله: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه (فاحذروا)، قال: نزلت في ابن صوريا حين أتاهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكر الحديث.
و (إن) لم يذكر أوّله، وزاد فيه: والقبلة زنيةٌ، وآخره كما يدخل الميل في المكحلة فالرّجم، ولم يذكر ما بعده.
وهو عند (أبي) داود وغيره، باختصارٍ (فيه) أيضًا). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/628]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}
أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} قال: هم اليهود {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} قال: هم المنافقون.
وأخرج أحمد وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال إن الله أنزل {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}
المائدة الآية 44 الظالمون الفاسقون أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت احداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته الغريزة من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من الغريزة فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فنزلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم فقامت الذليلة فقالت: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد ودية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم فأما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلانعطيكم ذلك فكادت الحرب تهيج بينهم ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ففكرت الغريزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا الاضيما وقهرا لهم فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبر الله رسوله بأمرهم كله وماذا أرادوا فانزل الله {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إلى قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} ثم قال: فيهم - والله - أنزلت.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عامر الشعبي في قوله {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} قال: رجل من اليهود قتل رجلا من أهل دينه فقالوا لحلفائهم من المسلمين: سلوا محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه وإن كان يقضي بالقتل لم نأته
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن أبي هريرة أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد زنى رجل بعد احصانه بامرأة من اليهود وقد أحصنت فقالوا: ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما فإن حكم بعملكم من التجبية والجلد بحبل من ليف مطلي بقار ثم يسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمار فاتبعوه فانما هو ملك سيد القوم وإن حكم فيهما بالنفي فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم، فأتوه فقالوا: يا محمد، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال: يا معشر يهود أخرجوا إلي علمائكم فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وياسر بن أخطب ووهب بن يهودا فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة فخلا رسول الله صلى الله عليه وسلم به وشدد المسألة وقال: يا ابن صوريا أنشدك الله واذكرك أيامه عند بني إسرائيل هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة فقال: اللهم نعم أما والله يا أبا القاسم أنهم ليعرفون انك مرسل ولكنهم يحسدونك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فامر بهما فرجما عند باب المسجد ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} الآية.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد، وعبد بن حميد وأبو داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود زنى رجل منهم وامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النّبيّ فإنه نبي بعث بتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمه كلمة حتى أتى مدراسهم فقام على الباب فقال: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن قالوا يحمم ويجبه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل أقفيتهما ويطاف بهما وسكت شاب فلما رآه النّبيّ صلى الله عليه وسلم سكت ألظ النشدة فقال: اللهم نشدتنا فانا نجد في التوراة الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس فاراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا: والله ما نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا بهذه العقوبة بينهم، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: فاني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجمها، قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} المائدة الآية 44 فكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم منهم.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: مر على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى: أهكذا تجدون حد الواني في كنابكم قال: اللهم لا ولولا انك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: اللهم اني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه وأمر به فرجم فأنزل الله {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إلى قوله {إن أوتيتم هذا فخذوه} وإن أفتاكم بالرجم {فاحذروا} إلى قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} المائدة الآية 45 قال: في النصارى إلى قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} المائدة الآية 47 قال: في الكفار كلها.
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له رجلا منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة قالوا: نفصحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم أن فيها آية الرجم فاتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقال ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم، قالوا: صدق فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.
وأخرج ابن جرير والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} قال هم اليهود زنت منهم امرأة وقد كان حكم الله في التوراة في الزنا الرجم فنفسوا أن يرجموها وقالوا: انطلقوا إلى محمد فعسى أن تكون عنده رخصة فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم أن امرأة منا زنت فما تقول فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف حكم الله في التوراة في الزاني قالوا: دعنا مما في التوراة ولكن ما عندك في ذلك فقال: ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى، فقال لهم: بالذي نجاكم من آل فرعون وبالذي فلق لكم البحر فانجاكم وأغرق آل فرعون إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني قالوا: حكمه الرجم فامر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر وأبو الشيخ، عن جابر بن عبد الله في قوله {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} قال: يهود المدينة {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} قال: يهود فدك {يحرفون الكلم} قال: يهود فدك {يقولون} ليهود المدينة {إن أوتيتم هذا} الجلد {فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} الرجم
وأخرج الحميدي في مسنده وأبو داود، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: زنى رجل من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة اسألوا محمدا عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه فسالوه عن ذلك فقال: أرسلوا إلي أعلم رجلين منكم فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهما أليس عندكما التوراة فيها حكم الله قالا: بلى، قال: فانشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام ونجاكم من آل فرعون وأنزل التوراة على موسى وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقال احدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط: قالا: نجد ترداد النظر زنية والاعتناق زنية والقبل زنية فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: فهو كذلك فأمر به فرجم فنزلت {فإن جاؤوك فاحكم بينهم} إلى قوله {يحب المقسطين} المائدة الآية 42.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} قال: نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لباتة أشارت إليه بنو قريظة يوم الحصار ما الأمر على ما ننزل فأشار اليهم أنه الذبح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} قال: هم أبو يسرة وأصحابه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {سماعون لقوم آخرين} قال: يهود خيبر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله {سماعون لقوم آخرين} قال: هم أيضا سماعون ليهود.
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} (المائدة الآية 13) قال: كان يقول بني إسرائيل: يا بني أحباري فحرفوا ذلك فجعلوه يا بني أبكاري فذلك قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} وكان إبراهيم يقرأها (يحرفون الكلم من مواضعه)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} الآية، قال: ذكر لنا أن هذا كان في قتيل بني قريظة والنضير إذ قتل رجل من قريظة قتله النضير وكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم في أنفسهم تعوذا فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسالهم فارادوا أن يرفعوا ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم فقال لهم رجل من المنافقين: أن قتيلكم هذا قتيل عمد وإنكم متى ترفعون أمره إلى محمد أخشى عليكم القود فإن قبل منكم الدية فخذوه والا فكونوا منهم على حذر.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} قال: أن وافقكم وإن لم يوافقكم {فاحذروه} يهود تقول: للمنافقين.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {يحرفون الكلم} يعني حدود الله في التوراة، وفي قوله {يقولون إن أوتيتم هذا} قال: يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه، وفي قوله {ومن يرد الله فتنته} قال: ضلالته {فلن تملك له من الله شيئا} يقول: لن تغني عنه شيئا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لهم في الدنيا خزي} قال: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام الهدى فتح القسطنطينية فقتلهم فذلك الخزي.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {لهم في الدنيا خزي} مدينة تفتح بالروم فيسبون.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله {لهم في الدنيا خزي} قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون). [الدر المنثور: 5/297-308]

تفسير قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب أن الآية التي في سورة المائدة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم}، كانت في شأن الرجم، وأن الآية التي في طسم: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين}، كان فيهم أسلم من أهل الكتاب). [الجامع في علوم القرآن: 1/15]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني أشهل عن قرة بن خالد، عن الحسن في هذه الآية: {أكالون للسحت}، أكالون الرشى). [الجامع في علوم القرآن: 1/137]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وحدثني ابن زيد عن أبيه قال: السحت الحرام كله، والرشوة من السحت). [الجامع في علوم القرآن: 2/161]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال الله في المائدة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}؛
فنسخت، فقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتونك عن بعض ما أنزل الله إليك}). [الجامع في علوم القرآن: 3/68]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أنزلت في ضبيعة بين شرحبيل، فنسختها: {واقتلوهم حيث وجدتموهم}، {فاعف عنهم واصفح}؛
فنسختها: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}، {أو أعرض عنهم}؛ نسختها: {فاحكم بينهم بما أنزل الله}). [الجامع في علوم القرآن: 3/85-86] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن السدي عن عكرمة قال نسخت هذه الآية فاحكم بينهم أو أعرض عنهم بقوله فاحكم بينهم بما أنزل الله). [تفسير عبد الرزاق: 1/190]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خلف بن خليفة، قال: نا منصور بن زاذان، عن الحكم، عن أبي وائل، عن مسروقٍ، قال: إذا قبل القاضي الهديّة أكل السّحت، وإذا قبل الرّشوة بلغت به الكفر.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن يحيى الأبحّ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: الرّشوة في الحكم كفرٌ، وهي بين الناس سحت.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن (عمّار) الدّهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعودٍ عن السّحت، أهو الرّشوة في الحكم؟ قال: لا ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون، والظّالمون، والفاسقون، ولكنّ السّحت: أن يستعينك رجلٌ على مظلمةٍ، فيهدي لك، فتقبله، فذلك السّحت.
- حدّثنا سعيدٌ؛ قال: نا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن موسى بن طريف، عن أبيه، أنّ عليًّا رضي اللّه عنه قسم شيئًا، فدعا رجلًا يحسب، فقيل له: لو أعطيته شيئًا، قال: إن شاء، وهو سحتٌ.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن زيدٍ، عن يحيى بن عتيق قال: كان محمّد بن سيرين يكره أجور القسّام، ويقول: كانوا يقولون: الرّشوة على الحكم سحت، ما أرى حكمًا يؤخذ عليه رشوة.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن زيدٍ، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: كان يكره الشّرط، ولا يرى بأسًا أن يقسم الرّجل للرّجل فيعطيه الشّيء من غير شرطٍ.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا إسماعيل بن عيّاش، عن حبيب بن صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: الرّشوة في الحكم سحت، ومهر البغيّ، وثمن الكلب، وثمن القرد، وثمن الخنزير، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وثمن الدّم، وعسب الفحل، وأجر النّائحة والمغنّية، وأجر الكاهن، (وأجر الساحر)، وأجر القائف، وثمن جلود السّباع، وثمن جلود الميتة، فإذا دبغت فلا بأس بها، وأجر صور التّماثيل، وهديّة الشّفاعة، (وجعيلة الغرق) ). [سنن سعيد بن منصور: 4/1465-1477]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، (عن مغيرة)، عن الشّعبي، وإبراهيم، قالا: إذا ارتفع أهل الكتاب إلى حكّام المسلمين، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، (فإن حكم) حكم بما أنزل اللّه عزّ وجلّ). [سنن سعيد بن منصور: 4/1479]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا العوّام، عن إبراهيم التّيمي - في قوله عزّ وجلّ: {فاحكم بينهم بالقسط} -، قال: بالرّجم). [سنن سعيد بن منصور: 4/1480]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين }
يقول تعالى ذكره: هؤلاء اليهود الّذين وصفت لك يا محمّد صفتهم، سمّاعون لقيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعضٍ: محمّدٌ كاذبٌ، ليس بنبيٍّ، وقيل بعضهم: إنّ حكم الزّاني المحصن في التّوراة الجلد والتّحميم، وغير ذلك من الأباطيل والإفك، ويقبلون الرّشا، فيأكلونها على كذبهم على اللّه وفريتهم عليه. كما:.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو عقيلٍ، قال: سمعت الحسن، يقول في قوله: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} قال: تلك الحكّام سمعوا كذبةً، وأكلوا رشوةً.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} قال: كان هذا في حكّام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرّشا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {أكّالون للسّحت} قال: الرّشوة في الحكم وهم يهود.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي وإسحاق الأزرق، وحدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، عن سفيان، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبد اللّه: {أكّالون للسّحت} قال: السّحت: الرّشوة.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، وواصل بن عبد الأعلى، قالا: حدّثنا ابن فضيلٍ، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيلٍ، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل لعبد اللّه: ما السّحت؟ قال: الرّشوة. قالوا: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.
- حدثنا سفيان قال حدّثنا غندر ووهب بن جرير عن شعبة عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن مسروق عن عبد الله قال السحت والرشوة.
البعده زياد
حدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهانيّ، حدّثنا إسماعيل بن عمرٍو البجليّ، حدّثنا نوح بن درّاجٍ، عن الأجلح بن عبد اللّه، عن زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا بلغ أصحاب عليٍّ حين ساروا إلى البصرة أنّ أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزّبير شقّ عليهم ووقع في قلوبهم، فقال عليٌّ: والّذي لا إله غيره ليظهرنّ على أهل البصرة، وليقتلنّ طلحة والزّبير، وليخرجنّ إليكم من الكوفة ستّة آلافٍ وخمسمائةٍ وخمسون رجلاً، أو خمسة آلافٍ وخمسمائةٍ وخمسون رجلاً، شكّ الأجلح. قال ابن عبّاسٍ: فوقع ذلك في نفسي، فلمّا أتى أهل الكوفة خرجت فقلت: لأنظرنّ، فإن كان كما تقول فهو أمرٌ سمعه، وإلاّ فهي خديعة الحرب، فلقيت رجلاً من الجيش فسألته، فواللّه ما عتّم أن قال ما قال عليٌّ. قال ابن عبّاسٍ: وهو ممّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخبره.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن حريثٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلنا لعبد اللّه: ما كنّا نرى السّحت إلاّ الرّشوة في الحكم. قال عبد اللّه: ذاك الكفر.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن منصورٍ، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروقٍ، عن عبد اللّه، قال: السّحت: الرّشا؟ قال: نعم.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن عمّارٍ الدّهنيّ، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروقٍ، قال: سألت عبد اللّه عن السّحت، فقال: الرّجل يطلب الحاجة فيقضيها، فيهدى إليه فيقبلها.
- حدّثنا سوّارٌ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا شعبة، عن منصورٍ وسليمان الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروقٍ، عن عبد اللّه أنّه قال: السّحت: الرّشا.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا المحاربيّ، عن سفيان، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبد اللّه: السّحت، قال: الرّشوة في الدّين.
- حدّثني أبو السّائب، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عمر: بابان من السّحت: الرّشا، ومهر الزّانية.
- حدّثني سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: الرّشوة.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قوله: {أكّالون للسّحت} قال: الرّشا.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، عن طلحة، عن أبي هريرة، قال: مهر البغيّ سحتٌ، وعسب الفحل سحتٌ، وكسب الحجّام سحتٌ، وثمن الكلب سحتٌ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: السّحت: الرّشوة في الحكم.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو غسّان، قال: حدّثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروقٍ، قال: سألت ابن مسعودٍ عن السّحت، قال: الرّشا، فقلت: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {أكّالون للسّحت} يقول: للرّشا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن مسروقٍ، وعلقمة: أنّهما سألا ابن مسعودٍ عن الرّشوة، فقال: هي السّحت، قالا في الحكم؟ قال: ذاك الكفر، تمّ تلا هذه الآية: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن المسعوديّ، عن بكير بن أبي بكيرٍ، عن مسلم بن صبيحٍ، قال: شفع مسروقٌ لرجلٍ في حاجةٍ، فأهدى له جاريةً، فغضب غضبًا شديدًا وقال: لو علمت أنّك تفعل هذا ما كلّمت في حاجتك ولا أكلّم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعودٍ يقول: من شفع شفاعةً ليردّ بها حقًّا أو يرفع بها ظلمًا، فأهدي له فقبل، فهو سحتٌ، فقيل له: يا أبا عبد الرّحمن ما كنّا نرى ذلك إلاّ الأخذ على الحكم. قال: الأخذ على الحكم كفرٌ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} وذلك أنّهم أخذوا الرّشوة في الحكم وقضوا بالكذب.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبيدة، عن عمّارٍ، عن مسلم بن صبيحٍ، عن مسروقٍ، قال: سألت ابن مسعودٍ عن السّحت، أهو الرّشا في الحكم؟ فقال: لا، من لم يحكم بما أنزل اللّه فهو كافرٌ، ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فهو ظالمٌ، ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فهو فاسقٌ، ولكنّ السّحت يستعينك الرّجل على المظلمة فتعينه عليها، فيهدي لك الهديّة فتقبلها.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن فضيلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبد اللّه بن هبيرة السّبئيّ، قال: من السّحت ثلاثةٌ: مهر البغيّ، والرّشوة في الحكم، وما كان يعطى الكهّان في الجاهليّة.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا ابن مطيعٍ، عن حمّاد بن سلمة، عن عطاءٍ الخراسانيّ، عن ضمرة، عن عليّ بن أبي طالبٍ، أنّه قال في كسب الحجّام، ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستجعال في القضيّة، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، والرّشوة في الحكم، وثمن الخمر، وثمن الميتة: من السّحت.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {أكّالون للسّحت} قال: الرّشوة في الحكم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبد الرّحمن بن أبي الموالي، عن عمر بن حمزة بن عبد اللّه بن عمر، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: كلّ لحمٍ أنبته السّحت فالنّار أولى به قيل: يا رسول اللّه، وما السّحت؟ قال: الرّشوة في الحكم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبد الجبّار بن عمر، عن الحكم بن عبد اللّه، قال: قال لي أنس بن مالكٍ، إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إيّاك والرّشوة فإنّها سحتٌ. وكان أبوه على شرط المدينة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن مسروقٍ، عن عبد اللّه، قال: الرّشوة سحتٌ. قال مسروقٌ: فقلنا لعبد اللّه: أفي الحكم؟ قال: لا، ثمّ قرأ: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون}.
وأصل السّحت: كلب الجوع، يقال منه: فلانٌ مسحوت المعدة: إذا كان أكولاً لا يلفّى أبدًا إلاّ جائعًا. وإنّما قيل للرّشوة السّحت، تشبيهًا بذلك؛ كأنّ بالمسترشي من الشّره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك مثل الّذي بالمسحوت المعدة من الشّره إلى الطّعام، يقال منه: سحته وأسحته، لغتان محكيّتان عن العرب، ومنه قول الفرزدق بن غالبٍ:.
وعضّ زمانٍ يا ابن مروان لم يدع = من المال إلاّ مسحتًا أو مجلّف
يعني بالمسحت: الّذي قد استأصله هلاكًا بأكله إيّاه وإفساده، ومنه قوله تعالى: {فيسحتكم بعذابٍ} وتقول العرب للحالق: اسحت الشّعر: أي استأصله). [جامع البيان: 8/428-435]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين}
يعني تعالى ذكره بقوله: فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الّذين لم يأتوك بعد، وهم قوم المرأة البغيّة، محتكمين إليك، فاحكم بينهم إن شئت بالحقّ الّذي جعله اللّه حكمًا له، فيمن فعل فعل المرأة البغيّة منهم، أو أعرض عنهم، فدع الحكم بينهم إن شئت والخيار إليك في ذلك.
وبمثل الّذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {أو أعرض عنهم} يهود، زنى رجلٌ منهم له نسبٌ حقيرٌ فرجموه، ثمّ زنى منهم شريفٌ فحمّموه، ثمّ طافوا به، ثمّ استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليوافقهم. قال: فأفتاهم فيه بالرّجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم باللّه أيجدونه في التّوراة، فكتموه إلاّ رجلاً من أصغرهم أعور، فقال: كذبوك يا رسول اللّه، إنّه لفي التّوراة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، عن ابن شهابٍ: أنّ الآية الّتي، في سورة المائدة: {فإن جاءوك فاحكم بينهم} كانت في شأن الرّجم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: إنّهم أتوه، يعني اليهود، في امرأةٍ منهم زنت يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كيف تجدونه عندكم مكتوبًا في التّوراة؟ فقالوا نؤمر برجم الزّانية. فأمر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فرجمت، وقد قال اللّه تبارك وتعالى: {وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبد اللّه بن كثيرٍ، قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: كانوا يحدّون في الزّنا، إلى أن زنى شابٌّ منهم ذو شرفٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: لا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثّلوا به. فجلدوه وحملوه على إكاف حمارٍ، وجعلوا وجهه مستقبل ذنب الحمار، إلى أن زنى آخر وضيعٌ ليس له شرفٌ فقالوا: ارجموه. ثمّ قالوا: فكيف لم ترجموا الّذي قبله؟ ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا. فلمّا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قالوا: سلوه، لعلّكم تجدون عنده رخصةً. فنزلت: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} إلى قوله: {إنّ اللّه يحبّ المقسطين}.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قتيلٍ قتل في يهود منهم قتله بعضهم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، وأبو كريبٍ، قالا: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: أنّ الآيات، في المائدة، قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} إلى قوله: {المقسطين} إنّما نزلت في الدّية في بني النّضير وبني قريظة، وذلك أنّ قتلى بني النّضير وكان لهم شرفٌ تؤدّي الدّية كاملةً، وإنّ قريظة كانوا يؤدّون نصف الدّية. فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه ذلك فيهم، فحملهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الحقّ في ذلك، فجعل الدّية في ذاك سواءً. واللّه أعلم أيّ ذلك كان.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن عليّ بن صالحٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانت قريظة والنّضير، وكان النّضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجلٌ من قريظة رجلاً من النّضير قتل به، وإذا قتل رجلٌ من النّضير رجلاً من قريظة ودّى مائة وسقٍ تمرٍ. فلمّا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قتل رجلٌ من النّضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا. فقالوا: بيننا وبينكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فنزلت: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في حكم حييّ بن أخطب للنّضريّ ديتان، والقرظيّ ديةٌ، لأنّه كان من النّضير؛ قال: وأخبر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما في التّوراة، قال: {وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس} إلى آخر الآية. قال: فلمّا رأت ذلك قريظة، لم يرضوا بحكم ابن أخطب، فقالوا: نتحاكم إلى محمّدٍ فقال اللّه تبارك وتعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} فخيّره {وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه} الآية كلّها. وكان الشّريف إذا زنى بالدّنيئة رجموها هي وحمّموا وجه الشّريف، وحملوه على البعير، وجعلوا وجهه من قبل ذنب البعير. وإذا زنى الدّنيء بالشّريفة رجموه، وفعلوا بها ذلك. فتحاكموا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فرجمها. قال: وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم: من أعلمكم بالتّوراة؟ قالوا: فلانٌ الأعور. فأرسل إليه، فأتاه، فقال: أنت أعلمهم بالتّوراة؟
قال: كذاك تزعم يهود، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنشدك باللّه وبالتّوراة الّتي أنزلها على موسى يوم طور سيناء ما تجد في التّوراة في الزّانيين؟ فقال: يا أبا القاسم، يرجمون الدّنيئة، ويحملون الشّريف على بعيرٍ، ويحمّمون وجهه، ويجعلون وجهه من قبل ذنب البعير، ويرجمون الدّنيء إذا زنى بالشّريفة، ويفعلون بها هي ذلك. فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنشدك باللّه وبالتّوراة الّتي أنزلها على موسى يوم طور سيناء ما تجد في التّوراة؟ فجعل يروغ والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ينشده باللّه وبالتّوراة الّتي أنزلها على موسى يوم طور سيناء، حتّى قال: يا أبا القاسم الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فهو ذاك، اذهبوا بهما فارجموهما قال عبد اللّه: فكنت فيمن رجمهما، فما زال يجنئ عليها ويقيها الحجارة بنفسه حتّى مات.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في حكم هذه الآية هل هو ثابتٌ اليوم وهل للحكّام من الخيار في الحكم والنّظر بين أهل الذّمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثل الّذي جعل لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية، أم ذلك منسوخٌ؟ فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم لم ينسخه شيءٌ، وللحكّام من الخيار في كلّ دهرٍ بهذه الآية مثل ما جعله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن مغيرة، عن إبراهيم، والشّعبيّ: إن رفع إليك أحدٌ من المشركين في قضاءٍ، فإن شئت فاحكم بينهم بما أنزل اللّه، وإن شئت أعرضت عنهم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ وإبراهيم، قالا: إذا أتاك المشركون فحكّموك فاحكم بينهم، أو أعرض عنهم، وإن حكمت فاحكم بحكم المسلمين ولا تعده إلى غيره.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، وحدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشّعبيّ: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قالا: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن محمّد بن سالمٍ، عن الشّعبيّ، قال:. إذا أتاك أهل الكتاب بينهم أمرٌ، فاحكم بينهم بحكم المسلمين، أو خلّ عنهم وأهل دينهم يحكمون فيهم إلاّ في سرقةٍ أو قتلٍ.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: نحن مخيّرون، إن شئنا حكمنا بين أهل الكتاب، وإن شئنا أعرضنا فلم نحكم بينهم، وإن حكمنا بينهم حكمنا بيننا أو نتركهم وحكمهم بينهم. قال ابن جريجٍ: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيبٍ، وذلك قوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}.
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم والشّعبيّ في قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قالا: إذا جاءوا إلى حاكم المسلمين، فإن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، وإن حكم بينهم حكم بينهم بما في كتاب اللّه.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم} يقول: إن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل اللّه، أو أعرض عنهم. فجعل اللّه له في ذلك رخصةً، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم والشّعبيّ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكّموك فيما بينهم، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ولا تعده إلى غيره، أو أعرض عنهم وخلّهم وأهل دينهم.
وقال آخرون: بل التّخيير منسوخٌ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذّمّة أن يحكم بينهم بالحقّ، وليس له ترك النّظر بينهم.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا الحسين بن واقدٍ، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، والحسن البصريّ: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} نسخت بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان عن السّدّيّ، قال: سمعت عكرمة، يقول: نسختها {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، ومحمّد بن بشّارٍ، قالا: حدّثنا ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن السّدّيّ، قال: سمعت عكرمة، يقول: نسختها: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
- حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا مسروق بن المرزبان الكنديّ، حدّثنا المسيّب بن شريكٍ العامريّ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، عن ابن عبّاسٍ، وعن القاسم بن محمّدٍ، عن عائشة، قالا: دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسجد، فإذا أصواتٌ كدويّ النّحل قراءة القرآن، فقال: إنّ الإسلام يشيع، ثمّ تكون له فترةٌ، فمن كانت فترته إلى غلوٍّ وبدعةٍ فأولئك أهل النّار.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، قال: نسختها: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاج بن منهالٍ، قال: حدّثنا همّامٌ، عن قتادة، قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} يعني اليهود. فأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم بينهم، ورخّص له أن يعرض عنهم إن شاء، ثمّ أنزل اللّه تعالى الآية الّتي بعدها: {وأنزلنا إليك الكتاب} إلى قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم} فأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم بينهم بما أنزل اللّه بعد ما رخّص له إن شاء أن يعرض عنهم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبد الكريم الجزريّ: أنّ عمر بن عبد العزيز، كتب إلى عديّ بن عديٍّ: إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن السّدّيّ، عن عكرمة قال: نسخت بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: مضت السّنّة أن يردّوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلاّ أن يأتوا راغبين في حدٍّ يحكم بينهم فيه بكتاب اللّه.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا نزلت: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. ثمّ نسخها فقال: {فاحكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم} وكان مجبورًا على أن يحكم بينهم.
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ، قال: حدّثنا سعيد بن سليمان، قال: حدّثنا عبّاد بن العوّام، عن سفيان بن حسينٍ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، قال: آيتان نسختا من هذه السّورة، يعني المائدة، آية القلائد، وقوله: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} فكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مخيّرًا، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى أن يحكم بينهم بما في كتابنا.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصّواب قول من قال: إنّ حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وإنّ للحكّام من الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا وترك الحكم بينهم والنّظر مثل الّذي جعله اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك في هذه الآية.
وإنّما قلنا: ذلك أولاهما بالصّواب، لأنّ القائلين أنّ حكم هذه الآية منسوخٌ زعموا أنّه نسخ بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} وقد دلّلنا في كتابنا: كتاب البيان عن أصول الأحكام، أنّ النّسخ لا يكون نسخًا إلاّ ما كان نفيًا لحكم غيره بكلّ معانيه، حتّى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صحّته بوجهٍ من الوجوه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيلٍ في الكلام أن يقال: وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه، ومعناه: وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه إذ حكمت بينهم باختيارك الحكم بينهم إذا اخترت ذلك ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدّم إعلام المقول له ذلك من قائله أنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم؛ كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} أنّه ناسخٌ قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} لما وصفنا من احتمال ذلك ما بيّنّا، بل هو دليلٌ على مثل الّذي دلّ عليه قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} وإذا لم يكن في ظاهر التّنزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى. ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر، ولم يكن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبرٌ يصحّ بأنّ أحدهما ناسخٌ صاحبه، ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ؛ صحّ ما قلنا من أنّ كلا الأمرين يؤيّد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ في أحدهما للآخر،
وأمّا قوله: {وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا} فإنّ معناه: وإن تعرض يا محمّد عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب فتدع النّظر بينهم فيما احتكموا فيه إليك، فلا تحكم فيه بينهم، فلن يضرّوك شيئًا، يقول: فلن يقدروا لك على ضرٍّ في دينٍ ولا دنيا، فدع النّظر بينهم إذا اخترت ترك النّظر بينهم.
وأمّا قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} فإنّ معناه: وإن اخترت الحكم والنّظر يا محمّد بين أهل العهد إذا أتوك، فاحكم بينهم بالقسط، وهو العدل، وذلك هو الحكم بما جعله اللّه حكمًا في مثله على جميع خلقه من أمّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، والشّعبيّ: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} قالا: إن حكم بينهم حكم بما في كتاب اللّه.
- حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشبٍ، عن إبراهيم: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} قال: أمر أن يحكم فيهم بالرّجم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن العوّام، عن إبراهيم التّيميّ في قوله: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} قال: بالرّجم.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {بالقسط} بالعدل.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن العوّام بن حوشبٍ، عن إبراهيم التّيميّ، في قوله: {فاحكم بينهم بالقسط} قال: أمر أن يحكم بينهم بالرّجم.
وأمّا قوله: {إنّ اللّه يحبّ المقسطين} فمعناه: إنّ اللّه يحبّ العادلين في حكمه بين النّاس، القاضين بينهم بحكم اللّه الّذي أنزله في كتابه وأمر أنبياءه صلوات اللّه عليهم.
يقال منه: أقسط الحاكم في حكمه إذا عدل وقضى بالحقّ يقسط إقساطًا به. وأمّا قسط فمعناه: الجور، ومنه قول اللّه تعالى: {وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطبًا} يعني بذلك: الجائرين على الحقّ). [جامع البيان: 8/435-447]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين (42)
قوله تعالى: سمّاعون للكذب
- وبه عن مقاتل قوله: سماعون للكذب هو كعب الأشراف.
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا محمّد بن المثنّى حدّثني عثمان بن عمر ثنا أبو عقيلٍ الرّوميّ عن الحسن في قوله: سمّاعون للكذب قال: تلك الملوك تسمع كذبه وتأخذ رشوته.
قوله تعالى: أكالون للسحت
[الوجه الأول]
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، ثنا سفيان بن عيينة عن هارون بن زياب عن كنانة بن نعيمٍ عن قبيصة بن مخارقٍ أنّه تحمّل بحمالةٍ فأتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: نؤدّيها عنك ونخرجها من نعم الصّدقة أو إبل الصّدقة، فقال :
يا قبيصة، إنّ المسألة قد حرّمت إلا في ثلاثٍ: رجلٌ تحمّل بحمالةٍ فحلّت له المسألة حتّى يؤدّيها ثمّ يمسك، ورجلٌ أصابته حاجة فاجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتّى يصب قوامًا من عيشٍ أو سدادًا من عيشٍ ثمّ يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحتٌ.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا عبد اللّه بن أحمد الدّشتكيّ، ثنا أبي عن أبيه عن إبراهيم الصّائغ عن يزيد النّحويّ قال: قال عكرمة: إنّ ابن عباس قال: أن الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: رشوة الحكّام حرامٌ، وهي السّحت الّذي ذكر اللّه في كتابه.
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن بشّارٍ، ثنا يحيى بن سعيدٍ، ثنا معاذٌ قال: سألت طاوسًا عن هدايا السّلطان، فقال: سحتٌ. قال أي- أبو معاذٍ- لا يسمّى روى عنه شعبة وهو قديمٌ.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو نعيمٍ عن سفيان عن عاصم عن ذر عن عبد اللّه قال: السّحت: الرّشوة في الدّين.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا عبد اللّه بن جعفرٍ الرّقّيّ، ثنا عبيد اللّه بن عمرٍو عن زيد بن أبي أنيسة عن بكير بن مرزوق عن عبيد ابن أبي الجعد عن مسروقٍ عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: من شفع لرجلٍ ليدفع عنه مظلمةً أو يردّ عليه حقًّا فأهدا له هديّةً فقبلها فذلك السّحت. فقلنا يا أبا عبد الرّحمن، إنّا كنّا نعدّ السّحت الرّشوة في الحكم. فقال عبد اللّه: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون
- حدّثنا الحسن بن عرفة ثنا خلف بن خليفة عن منصور بن زادان عن الحكم عن أبي وائلٍ عن مسروقٍ قال: القاضي إذا أكل الهديّة فقد أكل السّحت، وإذا قبل الرّشوة بلغت به الكفر.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ المروزيّ، ثنا النّضر بن شهيل، ثنا حمّاد بن سلمة عن قيس بن سعدٍ عن عطاءٍ عن أبي هريرة: أن ّرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: إنّ مهر البغيّ وثمن الكلب والسّنّور وكسب الحجّام من السّحت.
الوجه الخامس:
- حدّثنا أبي ثنا الحكم بن موسى ثنا الهيثم بن حميدٍ، ثنا أبو حنين بن عطاءٍ قال: سمعت عطاء بن أبي رباحٍ يقول: للسّحت خصالٌ ستٌّ: الرّشوة في الحكم، وثمن الكلب، وثمن الميتة وثمن الخمر، وكسب البغيّ، وعسب الفحل.
الوجه السّادس:
- حدّثنا أبي ثنا الحجّاج بن المنهال، ثنا حمّادٌ عن سعيدٍ الجريريّ عن عبد اللّه بن شقيقٍ قال: هذه الرّغف الّذي يأخذها المعلّمون من السّحت. يعني إذا احتسب بتعليمه فجائزٌ أن يأخذ كرى مثله سمعت أبي يقول: إذا لم يحتسب بالتعليم فله أيأخذ الكرى وإذا احتسب بالتّعليم فذاك السّحت.
الوجه السّابع:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: أكّالون للسّحت الرّشوة في الحكم فهم يهود.
وروي عن سعيد بن جبيرٍ والحسن وإبراهيم وعكرمة: أنّهم قالوا الرّشوة في الحكم.
قوله تعالى: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم
[الوجه الأوّل]
- حدّثنا محمّد بن عمّار بن الحارث، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا عبّاد بن العوّام عن سفيان بن حسينٍ عن الحكم عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ قال: آيتان نسختا من هذه الآية السّورة- يعني المائدة- آية القلائد. وقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم
وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مخيّرٌ إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى أحكامهم فنزلت وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم فأمر رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بينهم بما في كتابنا
- وروي عن عكرمة، والحسن والسّدّيّ وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني قال: هي منسوخة نسختها فاحكم بينهم بما أنزل اللّه
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم يهود إن زنا منهم ثيّبٌ حقيرٌ رجموه، وإن زنا منهم شريفٌ حمّموه ثمّ طافوا به ثمّ استفتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم ليفتيهم فأفتاهم فيه بالرّجم فأنكروا فأمرهم أن يدعوا أحبارهم رهبانهم، فناشدهم باللّه تجدونه في التّوراة- الرّجم- فكتموه إلا رجلا من أصاغرهم أعذر فقال: كذبوك يا رسول اللّه، إنّه في التّوراة.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ عن سفيان عن ضميرة عن إبراهيم والشّعبيّ قوله: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال: إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، وإن حكم حكم بما في كتاب اللّه.
قوله تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط
[الوجه الأول]
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ، ثنا عبيد اللّه بن موسى ثنا عليّ بن صالحٍ عن سماك بن حربٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قال: كان قريظة والنّضير وكانت النّضير أشرف من قريظة قال: كان إذا قتل رجلٌ من قريظة رجلا من النّضير قتل به وإن قتل رجلٌ من النّضير رجلا من قريظة فدي بمائة وسقٍ من تمرٍ، فلمّا بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قتل رجلٌ من النّضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله. فقالوا: بيننا وبينكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأتوه فنزلت وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط القسط النّفس بالنّفس ثمّ نزلت أفحكم الجاهليّة يبغون
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن مهران، ثنا داود بن راشدٍ عن سفيان بن حسينٍ عن مجاهدٍ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط قال: الرّجم.
- حدّثنا أبو زرعة ثنا أبو بكر بن أبي موسى الكوفيّ، ثنا هارون بن حاتمٍ ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ عن أسباطٍ عن السّدّيّ عن أبي مالكٍ قوله: إن اللّه يحبّ المقسطين يعني: المعدلين في القول والفعل). [تفسير القرآن العظيم: 4/1133-1137]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أكالون للسحت يعني به الرشوة في الحكم وهم اليهود). [تفسير مجاهد: 196]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (د) ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان قريظة والنضير: - وكان النضير أشرف من قريظة - فكان إذا قتل رجلٌ من قريظة رجلاً من النضير: قتل به، وإذا قتل رجلٌ من النضير رجلاً من قريظة، فودي بمائة وسقٍ من تمرٍ، فلما بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم: قتل رجلٌ من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوه، فنزلت: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] والقسط: النفس بالنّفس، ثم نزلت {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50]. هذه رواية أبي داود والنسائي.
ولأبي داود قال: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] فنسخت قال: {فاحكم بينهم بما أنزل الله}.
وفي أخرى لهما قال: لما نزلت هذه الآية {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحب المقسطين} قال: كان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة: أدّوا نصف الدّية وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير: أدّوا إليهم الدية كاملة، فسوّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.
[شرح الغريب]
(فودي بمائة) الفدية: ما يعطاه أهل القتيل عوض الدم.
(وسق) الوسق: ستون صاعاً، والصاع قد تقدم ذكره.
(يبغون) يطلبون، والبغاء الطلب). [جامع الأصول: 2/117-118]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنّى حدّثنا أبو خيثمة حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا عليّ بن صالحٍ عن سماكٍ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قال كانت قريظة والنّضير وكانت النّضير أشرف من قريظة قال وكان إذا قتل رجلٌ من قريظة رجلا من النّضير قتل به وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة ودى بمائة وسقٍ من تمرٍ فلمّا بعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قتل رجلٌ من النّضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه إلينا لنقتله فقالوا بيننا وبينكم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأتوه فنزلت: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} والقسط النّفس بالنّفس ثمّ نزلت: {أفحكم الجاهليّة يبغون}). [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/430]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الحميديّ: حدثنا سفيان، ثنا مجالدٌ، عن الشّعبيّ عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه، قال: زنا رجلٌ من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناسٍ من اليهود بالمدينة، أن سلوا (محمّدًا) عن ذلك فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرّجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه (عن ذلك)، (فقال): أرسلوا إلىّ أعلم رجلين منكم، فجاؤوا برجلٍ أعور، يقال له ابن صوريا، وآخر، فقال لهما النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنتما أعلم من قبلكما، فقالا: قد نحا قومنا لذلك، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم (لهما): أليس عندكما التّوراة فيها حكم اللّه تعالى؟ قالا: بلى، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: فأنشدكما، بالّذي فلق البحر (لموسى) وظلّل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المنّ والسّلوى على بني إسرائيل ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟
فقال أحدهما للآخر: (ما) نشدت بمثله قطّ؟ ثمّ قال: نجد ترداد النّظر زنيةً، والإعناق زنيةً فإذا شهد أربعةٌ أنّهم رأوه يبدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرّجم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: هو ذاك، فأمر به فرجم، ونزلت: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} الآيات). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/624-627]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين}.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {سماعون للكذب أكالون للسحت} وذلك انهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {سماعون للكذب أكالون للسحت} قال: تلك أحكام اليهود يسمع كذبه ويأخذ رشوته.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن مسعود قال: السحت الرشوة في الدين، قال سفيان: يعني في الحكم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمته أويرد عليه حقا فاهدى له هدية فقبلها فذلك السحت، فقيل: يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم فقال عبد الله: ذلك الكفر {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة الآية 44.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، قيل: في الحكم قال: ذلك الكفر ثم قرأ {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة الآية 44
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود أنه سئل عن السحت أهو الرشوة في الحكم قال: لا، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} المائدة الآية 45 الفاسقون ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله فذلك السحت.
وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي قال: لا ولكن كفرا إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون إلى السلطان حاجة فلايقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رشوة الحكام حرام وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل: يا رسول الله وما السحت قال: الرشوة في الحكم
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت، انه سئل عن السحت فقال: الرشوة.
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب، انه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له: في الحكم قال: ذاك الكفر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عمر قال: بابان من السحت يأكلهما الناس، الرشا في الحكم ومهر الزانية.
وأخرج أبو الشيخ، عن علي، قال: أبواب السحت ثمانية: رأس السحت رشوة الحاكم وكسب البغي وعسب الفحل وثمن الميتة وثمن الخمر وثمن الكلب وكسب الحجام وأجر الكاهن.
وأخرج عبد الرزاق عن طريف قال: مر علي برجل يحسب بين قوم بأجر وفي لفظ: يقسم بين ناس قسما فقال له علي: إنما تأكل سحتا.
وأخرج الفريابي، وابن جرير عن أبي هريرة قال: من السحت مهر الزانية وثمن الكلب إلا كلب الصيد وما أخذ من شيء في الحكم.
وأخرج عبد الرزاق، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا الأمراء سحت
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ست خصال من السحت: رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن.
وأخرج عبد بن حميد، عن طاووس قال: هدايا العمال سحت.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال لما بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبرأهدوا له فروة فقال: سحت.
وأخرج عبد الرزاق والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي.
وأخرج أحمد والبيهقي عن ثوبان قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به مغلولة يده فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه وإن حكم بغير ما أنزل الله ارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي في جهنم فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ والبخس بالصدقة والسحت بالهدية والقتل بالموعظة يقتلون البريء لتوطى العامة لهم فيزدادوا إثما.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال من السحت: كسب الحجام وثمن الكلب وثمن القرد وثمن الخنزير وثمن الخمر وثمن الميتة وثمن الدم وعسب الفحل وأجر النائحة وأجر المغنية وأجر الكاهن وأجر الساحر وأجر القائف وثمن جلود السباع وثمن جلود الميتة فإذا دبغت فلا بأس بها وأجر صور التماثيل وهدية الشفاعة وجعلة الغزو.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله قال: هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت.
قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من هذه السورة - يعني من المائدة - آية القلائد وقوله {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى
أحكامهم فنزلت {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} المائدة الآية 49 قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: نسختها هذه الآية {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} المائدة 49.
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة، مثله.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن شهاب، أن الآية التي في سورة المائدة {فإن جاؤوك فاحكم بينهم} كانت في شأن الرجم.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} إلى قوله {المقسطين} إنما نزلت في الدية من بني النضير وقريظة وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يريدون الدية كاملة وأن بني قريظة كانوا يريدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق فجعل الدية سواء
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر وإذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} والقسط، النفس بالنفس ثم نزلت {أفحكم الجاهلية يبغون} المائدة الآية 50.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: يوم نزلت هذه الآية كان في سعة من أمره أن شاء حكم وإن شاء لم يحكم ثم قال {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} قال: نسختها {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} المائدة الآية 49
وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن الشعبي في قوله {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: أن شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم والشعبي قالا: إذا جاؤوا إلى حاكم من حكام المسلمين أن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء في الآية قال: هو مخير.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في أهل الذمة يرتفعون إلى حكام المسلمين قال: يحكم بينهم بما أنزل الله.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى المسلمين حكم عليهم بحكم المسلمين.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن إبراهيم التيمي {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} قال: بالرجم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك في قوله {إن الله يحب المقسطين} قال: المعدلين في القول والفعل.
وأخرج عبد الرزاق عن الزهري في الآية قال: مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه فيحكم بينهم بكتاب الله وقد قال لرسوله {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}). [الدر المنثور: 5/308-318]

تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم الله ثمّ يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا أبو إسحاق الشّيباني، قال: قلت لعبد اللّه بن أبي أوفى: أرجم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، رجم يهوديًّا ويهوديّةً قال: قلت: أقبل سورة النّور، أم بعدها؟ قال: لا أدري). [سنن سعيد بن منصور: 4/1481-1484]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه ثمّ يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين}
يعني تعالى ذكره: وكيف يحكّمك هؤلاء اليهود يا محمّد بينهم، فيرضون بك حكمًا بينهم، وعندهم التّوراة الّتي أنزلتها على موسى، الّتي يقرّون بها أنّها حقٌّ وأنّها كتابي الّذي أنزلته على نبيّي، وأنّ ما فيه من حكمٍ فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه، ولا يتدافعونه، ويعلمون أنّ حكمي فيها على الزّاني المحصن الرّجم، وهم مع علمهم بذلك {يتولّون} يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءةٌ عليّ وعصيانًا لي.
وهذا وإن كان من اللّه تعالى ذكره خطابًا لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنّه تقريعٌ منه لليهود الّذين نزلت فيهم هذه الآية، يقول لهم تعالى: كيف تقرّون أيّها اليهود بحكم نبيّي محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم مع جحود نبوّته وتكذيبكم إيّاه، وأنتم تتركون حكمي الّذي تقرّون به أنّه حقٌّ عليكم واجبٌ جاءكم به موسى من عند اللّه؟ يقول: فإذا كنتم تتركون حكمي الّذي جاءكم به موسى، الّذي تقرّون بنبوّته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الّذي يخبركم به نبيّي محمّدٌ أنّه حكمي أحرى، مع جحودكم نبوّته {وما أولئك بالمؤمنين}
ثمّ قال تعالى ذكره مخبرًا عن حال هؤلاء اليهود الّذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده، وحال نظرائهم من الجائرين عن حكمه الزّائلين عن محجّة الحقّ: {وما أولئك بالمؤمنين} يقول: ليس من فعل هذا الفعل: أي من تولّى عن حكم اللّه الّذي حكم به في كتابه الّذي أنزله على نبيّه في خلقه بالّذي صدّق اللّه ورسوله فأقرّ بتوحيده ونبوّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ لأنّ ذلك ليس من فعل أهل الإيمان.
وأصل التّولّي عن الشّيء: الانصراف عنه؛ كما:.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبد اللّه بن كثيرٍ: {ثمّ يتولّون من بعد ذلك} قال: تولّيهم ما تركوا من كتاب اللّه.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه} يعني: حدود اللّه، فأخبر اللّه بحكمه في التّوراة.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه} أي بيان اللّه ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم {ثمّ يتولّون من بعد ذلك} الآية.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: قال، يعني الرّبّ تعالى ذكره، يعيّرهم: {وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه} يقول: الرّجم). [جامع البيان: 8/447-449]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه ثمّ يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43)
قوله تعالى: وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن أبي صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه يعني:
أنّه أخبره اللّه عز وجل بحكمه في التّوراة.
- قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان. قوله: وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه يقول: فيها الرّجم للمحصن والمحصنة، والإيمان بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم والتّصديق له.
قوله تعالى: ثمّ يتولّون
- وبه عن مقاتلٍ قوله: ثمّ يتولّون من بعد ذلك يعني: يتولّون عن الحقّ.
قوله تعالى: من بعد ذلك
- وبه عن مقاتل بن حيّان قوله: ثمّ يتولّون من بعد ذلك يعني: بعد البيان.
قوله تعالى: وما أولئك بالمؤمنين
- وبه عن مقاتلٍ قوله: وما أولئك بالمؤمنين يعني: اليهود). [تفسير القرآن العظيم: 4/1137]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين}.
أخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم قد جلد فسألهم ما شأن هذا قالوا: زنى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود: ما تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا نجد حده التحميم والجلد، فسألهم أيكم أعلم فوركوا ذلك إلى رجل منهم قالوا: فلان، فأرسل إليه فسأله قال: نجد التحميم والجلد فناشده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون حد الزاني في كتابكم قال: نجد الرجم ولكنه
كثر في عظمائنا فامنتعوا منهم بقومهم ووقع الرجم على ضعفائنا فقلنا نضع شيئا يصلح بينهم حتى يستووا فيه فجعلنا التحميم والجلد فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم، قال: ووقع اليهود بذلك الرجل الذي أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وشتموه وقالوا: لو كنا نعلم أنك تقول هذا ما قلنا انك أعلمنا، قال: ثم جعلوا بعد ذلك يسألون النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ما تجد فيما أنزل إليك حد الزاني فأنزل الله {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله}
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) . يعني حدود الله فأخبره الله بحكمه في التوراة قال {وكتبنا عليهم فيها} إلى قوله {والجروح قصاص} المائدة الآية 45.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} يقول: عندهم بيان ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان في قوله {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} يقول: فيها الرجم للمحصن والمحصنة والإيمان بمحمد والتصديق له {ثم يتولون} يعني عن الحق {من بعد ذلك} يعني بعد البيان {وما أولئك بالمؤمنين} يعني اليهود). [الدر المنثور: 5/318-319]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 11:34 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) )

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب...}
إن شئت رفعت قوله "سمّاعون للكذب" بمن ولم تجعل (من) في المعنى متصلة بما قبلها، كما قال الله: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} وإن شئت كان المعنى: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من هؤلاء ولا {ومن الّذين هادوا} فترفع حينئذ (سمّاعون) على الاستئناف، فيكون مثل قوله: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} ثم قال تبارك وتعالى: {طوّافون عليكم} ولو قيل: سماعين، وطوّافين لكان صوابا؛ كما قال: {ملعونين أينما ثقفوا} وكما قال: {إن المتّقين في جنّاتٍ وعيونٍ} ثم قال: {آخذين – وفاكهين - ومتكئين} والنصب أكثر. وقد قال أيضا في الرفع: {كلاّ إنها لظى نزّاعة للشوى} فرفع (نزّاعة) على الاستئناف، وهي نكرة من صفة معرفة. وكذلك قوله: {لا تبقي ولا تذر لوّاحة} وفي قراءة أبيّ "إنها لإحدا الكبر نذير للبشر" بغير ألف. فما أتاك من مثل هذا في الكلام نصبته ورفعته. ونصبه على القطع وعلى الحال. وإذا حسن فيه المدح أو الذمّ فهو وجه ثالث. ويصلح إذا نصبته على الشتم أو المدح أن تنصب معرفته كما نصبت نكرته. وكذلك قوله: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} على ما ذكرت لك). [معاني القرآن: 1/308-309]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (لا يحزنك) (41) يقال: حزنته وأحزنته، لغتان، وهو محزون، وحزنت أنا لغة واحدة.
(ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب) (41) وهو ها هنا من الذين تهوّدوا، فصاروا يهوداً. (ومن يرد الله فتنته) (41): أي كفره). [مجاز القرآن: 1/166]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لّم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئاً أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ}
وقال: {لا يحزنك} خفيفة مفتوحة الياء وأهل المدينة يقولون {يحزنك} يجعلونها من"أحزن" والعرب تقول: "أحزنته" و"حزنته".
وقال: {الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم} أي: "من هؤلاء ومن هؤلاء" ثم قال مستأنفاً {سمّاعون لقومٍ آخرين} أي: هم سماعون. وإن شئت جعلته على {ومن الّذين هادوا} {سمّاعون لقومٍ آخرين} ثم تقطعه من الكلام الأول. ثم قال: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} على ذلك الرفع للأول وأما قوله: {لم يأتوك} فههنا انقطع الكلام والمعنى "ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب يسمعون كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليكذبوا عليه سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك بعد" يقول: "يسمعون لهم فيخبرونهم وهم لم يأتوك"). [معاني القرآن: 1/224]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (الأخذ: أصله باليد، ثم يستعار في مواضع:
فيكون بمعنى: القبول، قال الله تعالى: {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} أي: قبلتم عهدي.
وقال تعالى: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} أي فاقبلوه). [تأويل مشكل القرآن: 502] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله جلّ وعز: (يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41)
(يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر)
إن شئت قلت يحزنك ويحزنك بالفتح والضم.
أي لا يحزنك مسارعتهم في الكفر إذ كنت موعودا بالنصر عليهم.
والله أعلم.
وقوله: (من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم).
أي لا تحزنك المسارعة في الكفر من المنافقين ومن الذين هادوا.
ثم قال: (سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك).
هذا تمام الكلام، ورفع (سمّاعون) من جهتين:
إحداهما هم (سمّاعون) للكذب أي منافقون، واليهود سماعون للكذب.
و(سمّاعون)، فيه وجهان - واللّه أعلم -:
أحدهما أنّهم مستمعون للكذب، أي قابلون للكذب، لأن الإنسان يسمع الحق والباطل، ولكن يقال: لا تسمع من فلان قوله أي لا تقبل قوله، ومنه " سمع اللّه لمن حمده "، أي تقبّل الله حمده، فتأويله أنهم يقبلون الكذب.
والوجه الآخر في (سمّاعون) أن معناه أنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك.
وذلك أنهم إذا جالسوه تهيأ أن يقولوا سمعنا منه كذا، وكذا.
(سمّاعون لقوم آخرين).
أي هم مستمعون منك لقوم آخرين " لم يأتوك " أي هم عيون لأولئك الغيّب ويجوز أن يكون رفع " سماعون " على معنى ومن الذين هادوا سماعون فيكون الإخبار أن السّماعين منهم، ويرتفع منهم كما تقول: في قومك عقلاء.
هذا مذهب الأخفش، وزعم سيبويه أن هذا يرتفع بالابتداء.
وقوله: (يحرّفون الكلم من بعد مواضعه)
أي من بعد أن وضعه اللّه موضعه أي فرض فروضه، وأحلّ حلاله وحرم حرامه.
وقوله: (إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا).
(إن أوتيتم) هذا الحكم المحرّف فخذوه.
(وإن لم تؤتوه فاحذروا) أي احذروا إن أفتاكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير ما حدّدنا لكم، فاحذروا أن تعملوا به.
وكان السبب في هذا فيما روي أن الزنا كثر في أشراف اليهود وخيبر.
وكان في التوراة أن على المحصنين الرجم فزنى رجل وامرأة، فطمعت اليهود أن يكون نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الجلد في المحصنين، وكانوا قد حرّفوا وصاروا يجلدون المحصنين ويسودون وجوههما، فأوحى الله جل ثناؤه أنّهم يستفتونه في أمر هاتين المرأتين، وأعلمه أن اللّه يأمرهم عن أعلمهم بالتوراة، فأعلموه إنّه ليس بحاضر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علمت، وكان جبريل قد أعلمه مكانه فأمرهم أن يحضروه، فأحضروه، وأوحى اللّه إلى نبيه أن يستحلفهم ليصدقنّه، فلما حضر عالمهم قال له النبي: أسالك بالذي أنزل التوراة على موسى، ورفع فوقكم الطور، وفلق لكم البحر، هل في التوراة أن يرجم المحصنان إذا زنيا؟ قال: نعم. فوثب عليه سفلة اليهود، فقال خفت إن كذبته أن ينزل بنا عذاب.
ويقال إن الذي سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن صوريا اليهودي، وكان حديث السّن، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - أنت أعلم قومك بالتوراة؟ قال: كذا يقولون.
وكان هو المخبر له بأن الرجم فيها، وأنّه ساءل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فلما أنبأه النبي - صلى الله عليه وسلم - بها قال أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول الله الأمي العربي الذي بشّر به المرسلون.
وهذا الذي ذكرناه من أمر الزانيين مشهور في رواية المفسرين وهو يبين قوله: (إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا).
والقائل: يقول ما تفسير هذا، فلذلك شرحناه، وبالله الحول والقوة.
وقوله: (ومن يرد اللّه فتنته).
قيل: فضيحته.
وقيل: أيضا كفره، ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به أمره، يقال: فتنت الحديد إذا أحميته، وفتنت الرجل إذا أزلته عما كان عليه، ومنه قوله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الّذي أوحينا إليك) أي وإن كادوا ليزيلونك.
وقوله: (أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم).
أي أن يهينهم.
(لهم في الدّنيا خزي).
قيل: لهم في الدنيا فضيحة بما أظهر الله من كذبهم.
وقيل: لهم في الدنيا خزي بأخذ الجزية منهم، وضرب الذلة والمسكنة عليهم). [معاني القرآن: 2/174-177]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي لا يحزنك مسارعتهم إلى الكفر لأن الله جل وعز قد وعدك النصر). [معاني القرآن: 2/305]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} قال مجاهد يعني المنافقين). [معاني القرآن: 2/306]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} قال مجاهد يعني اليهود فأما معنى سماعون للكذب والإنسان يسمع الخير والشر ففيه قولان:
أحدهما أن المعنى قابلون للكذب، وهذا معروف في اللغة أن يقال: لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه، ومنه سمع الله لمن حمده معناه: قبل؛ لأن الله جل وعز سامع لكل شيء
والقول الآخر أنهم سماعون من أجل الكذب كما تقول أنا أكرم فلانا لك أي من أجلك). [معاني القرآن: 2/306-307]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي هم عيون لقوم آخرين لم يأتوك). [معاني القرآن: 2/307]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} أي من بعد أن وضعه الله مواضعه فأحل حلاله وحرم حرامه). [معاني القرآن: 2/307]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} أي تقول اليهود إن أوتيتم هذا الحكم المحرف فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا أن تعملوا به ومعنى هذا أن رجلا منهم زنى وهو محصن وقد كتب الرجم على من زنى وهو محصن في التوراة فقال بعضهم ائتوا محمدا لعله يفتيكم بخلاف الرجم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالرجم بعد أن أحضرت التوراة ووجد فيها فرض الرجم وكانوا قد أنكروا ذلك). [معاني القرآن: 2/307-308]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} قيل معنى الفتنة ههنا الاختبار وقيل معناها العذاب). [معاني القرآن: 2/308]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي} أي فضيحة وذل حين أحضرت التوراة فتبين كذبهم وقيل خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل). [معاني القرآن: 2/308]

تفسير قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) )
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (للسّحت) (42) السحت: كسب مالا يحلّ.
(فاحكم بينهم بالقسط) (42) أي بالعدل.
(إنّ الله يحبّ المقسطين) (42) أي العادلين.
يقال: أقسط يقسط، إذا عدل، وقوله عز وجل: (وأمّا القاسطون) (72/15) الجائرون الكفّار، كقولهم هجد: نام، وتهجّد: سهر). [مجاز القرآن: 1/166-167]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({السحت}: كسب ما لا يحل). [غريب القرآن وتفسيره: 130]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {أكّالون للسّحت} أي للرّشي: وهو من أسحته اللّه وسحته: إذا أبطله وأهلكه.
{فاحكم بينهم بالقسط} أي بالعدل). [تفسير غريب القرآن: 143]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( (ثم عاد عزّ وجل في وصفهم فقال: سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين (42)
(سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت)
ويقرأ (للسّحت) جميعا، تأويله أن الرشا التي يأكلونها يعاقبهم الله بها أن يسحتهم بعذاب، كما قال جل وعز: (لا تفتروا على اللّه كذبا فيسحتكم بعذاب).
ومثل هذا قوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا). أي يأكلون ما عاقبته النار، يقال سحته وأسحته إذا استأصله، وقال بعضهم سحته: أذهبه قليلا قليلا إلى أن استأصله ومثل أسحته قول الفرزدق.
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع... من المال إلاّ مسحتا أو مجلّف
ويجوز أن يكون سحته وأسحته إذا استأصله، كان ذلك شيئا بعد شيء.
أو كان دفعة واحدة.
وقوله (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم).
أجمعت العلماء على أن هذه الآية تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مخيّر بها في الحكم بين أهل الذمّة.
وقيل في بعض الأقاويل: إن التخيير نسخ بقوله: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله).
وقوله: (فاحكم بينهم بالقسط). أي العدل). [معاني القرآن: 2/177]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {سماعون للكذب أكالون للسحت} روى زر عن عبد الله بن مسعود أنه قال السحت الرشوة وقال مسروق سألت عبد الله عن الجور في الحكم قال ذلك الكفر قلت فما السحت قال أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها والسحت في كلام العرب على ضروب يجمعها أنه ما يسحت دين الإنسان يقال سحته وأسحته إذا استأصله ومنه:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف). [معاني القرآن: 2/309]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} في هذا قولان: أحدهما روي عن ابن عباس أنه قال هي منسوخة نسخها {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} وكذا قال مجاهد وعكرمة قال الشعبي إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم وكذلك قال إبراهيم وقال الحسن ليس في المائدة شيء منسوخ والاختيار عند أهل النظر القول الأول لأنه قول ابن عباس ولا يخلو قوله عز وجل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} من أن يكون ناسخا لهذه الآية أو يكون معناه وأن احكم بينهم بما أنزل الله إن حكمت فقد صار مصيبا أن حكم بينهم بإجماع وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقويه
روي عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب أن يهوديا مر به على النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمم وجهه فسأل عن شأنه فقيل زنى وهو محصن وذكر الحديث وقال في آخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أول من أحيا ما أماتوا من أمر الله فأمر به فرجم ويبين لك أن القول هذا قوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط}). [معاني القرآن: 2/310-311]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {فاحكم بينهم بالقسط} أي بالعدل). [معاني القرآن: 2/311]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : (و(للسحت): الحرام). [ياقوتة الصراط: 209]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ((والسحت) الرُشا في الأحكام). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 69]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ((السُّحْتِ): الحرام). [العمدة في غريب القرآن: 121]

تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) )


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 04:06 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) }

تفسير قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) }
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (قدم بعض عمال السلطان من عمل فدعا قومًا فأطعمهم وجعل يحدّثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال اللّه عز وجل: {سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت} قال بعض الشعراء:

ما ظنّكم بأناس خير كسبهم = مصرّح السحت سمّوه الإصابات
). [عيون الأخبار: 1/58]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (والقسوط: العصيان. يقال: قسط يقسط إذا جار وخالف. قال الله عز وجل: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}. ويقال: أقسط يقسط إذا عدل، {إن الله يحب المقسطين} ). [التعازي والمراثي: 75] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: قسطوا أي جاروا، يقال قسط فهو قاسط، إذا جار، قال الله جل ثناؤه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}. ويقال: أقسط يقسط فهو مقسط، إذا عدل، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ). [الكامل: 3/1330] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( وَقَسَطَ حرف من الأضداد. يقال: قسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، والجور أغلب على (قسط)؛ قال الله جل وعز: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}، أراد الجائرون. وقال القطامي:
أليسوا بالألى قسطوا جميعا = على النعمان وابتدروا السطاعا
وقال الآخر:
قسطوا على النعمان وابن محرق = وابن قطام بعزة وتناول
ويقال: أقسط الرجل، بالألف إذا عدل، لا غير، قال الله عز وجل: {إن الله يحب المقسطين}. وقال الحارث بن حلزة:
ملك مقسط وأكمل من يمـ = ـشي ومن دون ما لديه الثناء).
[كتاب الأضداد: 58] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 01:42 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 01:42 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 01:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 01:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: يا أيّها الرّسول الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل، والمعنى قد وعدناك النصر والظهور عليهم ف لا يحزنك ما يقع منهم خلال بقائهم، وقرأ بعض القراء «يحزنك» بفتح الياء وضم الزاي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي وحزنته بفتحها وقرأ بعض القراء «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي لأن من العرب من يقول أحزنت الرجل بمعنى حزنته وجعلته ذا حزن، وقرأ الناس يسارعون. وقرأ الحر النحوي «يسرعون» دون ألف ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره وإقامة حججه والسعي في إطفاء الإسلام به واختلف المفسرون في ترتيب معنى الآية وفيمن المراد بقوله بأفواههم وفي سبب نزول الآية فأما سببها فروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن عباس وجماعة أنهم قالوا: نزلت هذه الآية بسبب الرجم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وذلك أن يهوديا زنى بيهودية وكان في التوراة رجم الزناة، وكان بنو إسرائيل قد غيروا ذلك وردوه جلدا وتحميم وجوه، لأنهم لم يقيموا الرجم على أشرافهم وأقاموه على صغارهم في القدر فاستقبحوا ذلك وأحدثوا حكما سووا فيه بين الشريف والمشروف، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زنى رجل من اليهود بامرأة فروي أن ذلك كان بالمدينة. وروي أنه كان في غير المدينة في يهود الحجاز. وبعثوا إلى يهود المدينة وإلى حلفائهم من المنافقين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النازلة وطمعوا بذلك أن يوافقهم على الجلد والتحميم فيشتد أمرهم بذلك. فلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهض في جملة من أصحابه إلى بيت المدارس فجمع الأحبار هنالك وسألهم عما في التوراة فقالوا إنا لا نجد فيها الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيها الرجم فانشروها فنشرت ووضع أحدهم يده على آية الرجم. فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالرجم وأنفذه.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا الحديث اختلاف ألفاظ وروايات كثيرة، منها أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه يهودي ويهودية زنيا وقد جلدا وحمما. فقال هكذا شرعكم يا معشر يهود؟ فقالوا نعم، فقال لا، ثم مشى إلى بيت المدارس وفضحهم وحكم في ذينك بالرجم، وقال:
لأكونن أول من أحيا حكم التوراة حين أماتوه. وروي أن الزانيين لم يكونا بالمدينة، وأن يهود فدك هم الذين قالوا ليهود المدينة استفتوا محمدا فإن أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبية فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا الرجم، قاله الشعبي وغيره، وقال قتادة بن دعامة وغيره سبب الآية وذكر اليهود أن بني النضير كانوا غزوا بني قريظة فكان النضري إذا قتله قرظي قتل به وإذا قتل نضري قرظيا أعطي الدية، وقيل كانت دية القرظي على نصف دية النضري، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طلبت قريظة الاستواء إذ هم أبناء عم يرجعان إلى جد، وطلبت الحكومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت النضير بعضها لبعض إن حكم بما كنا عليه فخذوه وإلا فاحذروا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين، والروايات في هذا كثيرة ومختلفة، وقد وقع في بعض الطرق في حديث أبي هريرة أنه قال في قصة الرجم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدراسهم وقمنا معه وهذا يقتضي أن الأمر كان في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم لأن أبا هريرة أسلم عام خيبر في آخر سنة ست من الهجرة، وقد كانت النضير أجليت وقريظة وقريش قتلت، واليهود بالمدينة لا شيء، فكيف كان لهم بيت مدارس في ذلك الوقت أو إن كان لهم بيت على حال ذلة فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج مع ظهور دينه إلى محاجتهم تلك المحاجة؟ وظاهر حديث بيت المدارس أنه كان في صدر الهجرة اللهم إلا أن يكون ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم مع عزة كلمته من حيث أراد أن يخرج حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها صلى الله عليه وسلم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها صلى الله عليه وسلم، وأما اختلاف الناس فيمن المراد بقوله: الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم فقال السدي: نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة بن عبد المنذر أشارت إليه قريظة يوم حصرهم ما الأمر؟ وعلى من نزل من الحكم؟ فأشار إلى حلقه أنه بمعنى الذبح.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان أشار بتلك الإشارة فإنه قال فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله عليها إشفاق ما على قوم كانت بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة رضي الله عنه وعن جميع الصحابة، وقال الشعبي وغيره: نزلت الآية في قوم من اليهود أرادوا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر رجل منهم قتل آخر فكلفوا السؤال رجلا من المسلمين وقالوا: إن أفتى بالدية قبلنا قوله وإن أفتى بالقتل لم نقبل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا نحو ما تقدم عن قتادة في أمر قتل النضير وقريظة، وقال عبد الله بن كثير ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم يراد به المنافقون.
وقوله بعد ذلك سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين يراد به اليهود، وأما ترتيب معنى الآية بحسب هذه الأقوال. فيحتمل أن يكون المعنى يا أيها الرسول لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله: سمّاعون خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحزنك المسارعون في الكفر
من اليهود ووصفهم بأنهم قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم إلزاما منه ذلك لهم من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما كفر بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا، وما أولئك بالمؤمنين [المائدة: 42]، ويجيء على هذا التأويل قوله: ومن الّذين هادوا كأنه قال ومنهم لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها. وقرأ جمهور الناس «سماعون»، وقرأ الضحاك «سماعين»، ووجهها عندي نصب على الذم على ترتيب من يقول لا يحزنك المسارعون من هؤلاء «سماعين»، وأما المعنى في قوله: سمّاعون للكذب فيحتمل أن يكون صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأن جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة، وإذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع، وقوله تعالى: للكذب يحتمل أن يريد سمّاعون للكذب ويحتمل أن يريد «سماعون منك أقوالك» من أجل أن يكونوا عليك وينقلوا حديثك ويزيدوا مع الكلمة أضعافها كذبا، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر «للكذب» بكسر الكاف وسكون الذل، وقوله تعالى: سمّاعون لقومٍ آخرين يحتمل أن يريد يسمعون منهم، وذكر الطبري عن جابر أن المراد بالقوم الآخرين يهود فدك، وقيل يهود خيبر، وقيل أهل الزانيين، وقيل أهل الخصام في القتل والدية، وهؤلاء القوم الآخرون هم الموصوفون بأنهم لم يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون معنى سمّاعون لقومٍ بمعنى جواسيس مسترقين للكلام لينقلوه لقوم آخرين، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ويهود المدينة، وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب الله عز وجل، فقالوا نعم، وتلا هذه الآية: سمّاعون لقومٍ آخرين.
قوله عز وجل: ... يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئاً أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ (41)
قرأ جمهور الناس «الكلم» بفتح الكاف وكسر اللام، وقرأ بعض الناس «الكلم» بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة ضعيفة في كلمة، وقوله تعالى: يحرّفون الكلم صفة لليهود فيما حرفوا من التوراة إذ ذاك أخطر أمر حرفوا فيه. ويحتمل أن يكون صفة لهم وللمنافقين فيما يحرفون من الأقوال عند كذبهم، لأن مبادئ كذبهم لا بد أن تكون من أشياء قيلت أو فعلت، وهذا هو الكذب المزين الذي يقرب قبوله، وأما الكذب الذي لا يرفد بمبدأ فقليل الأثر في النفس، وقوله: من بعد مواضعه أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة، والإشارة بهذا قيل هي إلى التحميم والجلد في الزنا، وقيل: هي إلى قبول الدية في أمر القتل، وقيل إلى إبقاء عزة النضير على قريظة، وهذا بحسب الخلاف المتقدم في الآية، ثم قال تعالى لنبيه على جهة قطع الرجاء فيهم ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئاً أي لا تتبع نفسك أمرهم، والفتنة هنا المحنة بالكفر والتعذيب في الآخرة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سبق لهم في علم الله ألا «يطهر قلوبكم» وأن يكونوا مدنسين بالكفر، ثم قرر تعالى لهم «الخزي في الدنيا». والمعنى بالذلة والمسكنة التي انضربت عليهم في أقطار الأرض وفي كل أمة، وقرر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم). [المحرر الوجيز: 3/165-170]
تفسير قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ....
وقوله: سمّاعون للكذب إن كان الأول في بني إسرائيل فهذا تكرار تأكيد ومبالغة، وإن كان الأول في المنافقين فهذا خبر أيضا عن بني إسرائيل وقوله تعالى: أكّالون للسّحت فعالون مبالغة بناء أي يتكرر أكلهم له ويكثر. و «السحت» كل ما لا يحل كسبه من المال. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة «السحت» ساكنة الحاء خفيفة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «السحت» مضمومة الحاء مثقلة. وروي عن خارجة بن مصعب عن نافع «السّحت» بكسر السين وسكون الحاء واللفظة مأخوذة من قولهم سحت وأسحت إذا استأصل وأذهب فمن الثلاثي قوله تعالى: فيسحتكم بعذابٍ [طه: 61] ومن الرباعي قول الفرزدق:
... ... ... ... = ... إلا مسحتا أو مجلف
والسّحت والسّحت بضم السين وتخفيف الحاء وتثقيلها لغتان في اسم الشيء المسحوت، والسحت بفتح السين وسكون الحاء المصدر، سمي به المسحوت كما سمي المصيد صيدا في قوله عز وجل لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ [المائدة: 95] وكما سمي المرهون رهنا، وهذا كثير.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فسمي المال الحرام سحتا لأنه يذهب وتستأصله النوب، كما قال عليه السلام «من جمع مالا من تهاوش أذهبه الله في نهابير»، وقال مكي سمي المال الحرام سحتا لأنه يذهب من حيث يسحت الطاعات أي يذهب بها قليل قليلا، وقال المهدوي من حيث يسحت أديانهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود لأن السيئات لا تحبط الحسنات اللهم إلا أن يقدر أنه يشغل عن الطاعات فهو سحتها من حيث لا تعمل، وأما طاعة حاصلة فلا يقال هذا فيها، وقال المهدوي سمي أجر الحجام سحتا لأنه يسحت مروءة آخذه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا أشبه، أصل السحت كلب الجوع، يقال فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يلفى أبدا إلا جائعا يذهب ما في معدته، فكان الذي يرتشي به من الشره ما بالجائع أبدا لا يشبع.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وذلك بأن الرشوة تنسحت، فالمعنى هو كما قدمناه، وفي عبارة الطبري بعض اضطراب لأن مسحوت المعدة هو مأخوذ من الاستئصال والذهاب، وليس كلب الغرث أصلا للسحت، والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا، وقال أبو هريرة وعلي بن أبي طالب: مهر البغي سحت وعسب الفحل سحت وكسب الحجام سحت وثمن الكلب والخمر سحت، وقال ابن مسعود السحت أن يهدي لك من قد أعنته في حاجته أو حقه فتقبل، قيل لعبد الله ما كنا نعد السحت إلا الرشوة في الحكم قال: ذلك الكفر،
وقد روي عن ابن مسعود وجماعة كثيرة أن السحت هو الرشوة في الحكم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل، وقوله تعالى: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم، وقال عكرمة والحسن: هذا التخيير منسوخ بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل [المائدة: 49] وقال ابن عباس ومجاهد: نسخ من المائدة آيتان، قوله تعالى: ولا القلائد [المائدة: 2] نسختها آية السيف وقوله: أو أعرض عنهم نسختها وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه [المائدة: 49].
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ويتسلط عليهم في تغييره وينفر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر وإنما هي دعاوى محتملة وطلب ما يحل ولا يحل وطلب المخرج من الإثم في الآخرة فهي التي هو الحاكم فيها مخير، وإذا رضي به الخصمان فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار، قاله ابن القاسم في العتبية، قال وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكير فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار رد ذلك الحكم وهل تستوي النوازل في هذا كالرجم في زانيين والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر؟
وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضته؟
ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراض عنهم وتركهم إلى دينهم وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: فإن جاؤك يعني أهل نازلة الزانيين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل.
قوله عز وجل: ... وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين (42)
أمن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من ضررهم إذ أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين لن يضرّوكم [آل عمران: 111] ثم قال تعالى: وإن حكمت أي اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما فاحكم بينهم بالقسط أي بالعدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله: أمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً
[الجن: 15] ومحبة الله للمقسطين ما يظهر عليهم من نعمه). [المحرر الوجيز: 3/170-174]
تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه ثمّ يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون (44)
ثم ذكر الله تعالى بعد تحكيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص منهم ويبين بالقياس الصحيح أنهم لا يحكمونه إلا رغبة في ميله في هواهم وانحطاطه في شهواتهم، وذلك أنه قال: وكيف يحكّمونك بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم الكتاب الذي يصدقون به وبنبوة الآتي به وتولوا عن حكم الله فيها؟ فأنت الذي لا يؤمنون بك ولا يصدقونك أحرى بأن يخالفوا حكمك، وقوله تعالى: من بعد ذلك أي من بعد حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر الله تعالى، وقوله تعالى: وما أولئك بالمؤمنين يعني بالتوراة وبموسى، وهذا إلزام لهم لأن من خالف حكم كتاب الله فدعواه الإيمان به قلقة. وهذه الآية تقوي أن قوله في صدر الآية من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم [المائدة: 41] أنه يراد به اليهود). [المحرر الوجيز: 3/174]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 01:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17 جمادى الآخرة 1435هـ/17-04-2014م, 01:44 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الّذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئًا أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ (41) سمّاعون للكذب أكّالون للسّحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين (42) وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه ثمّ يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا والرّبّانيّون والأحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا النّاس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون (44)}
نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة اللّه ورسوله، المقدّمين آراءهم وأهواءهم على شرائع اللّه، عزّ وجلّ {من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خرابٌ خاويةٌ منه، وهؤلاء هم المنافقون. {ومن الّذين هادوا} أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلّهم {سمّاعون للكذب} أي: يستجيبون له، منفعلون عنه {سمّاعون لقومٍ آخرين لم يأتوك} أي: يستجيبون لأقوامٍ آخرين لا يأتون مجلسك يا محمّد. وقيل: المراد أنّهم يتسمّعون الكلام، وينهونه إلى أقوامٍ آخرين ممّن لا يحضر عندك، من أعدائك {يحرّفون الكلم من بعد مواضعه} أي: يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدّلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا}
قيل: نزلت في أقوامٍ من اليهود، قتلوا قتيلًا وقالوا: تعالوا حتّى نتحاكم إلى محمّدٍ، فإن أفتانا بالدّية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.
والصّحيح أنّها نزلت في اليهوديّين اللّذين زنيا، وكانوا قد بدّلوا كتاب اللّه الّذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرّفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدةٍ، والتّحميم والإركاب على حمارٍ مقلوبين. فلمّا وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتّى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتّحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجّةً بينكم وبين اللّه، ويكون نبيٌّ من أنبياء اللّه قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرّجم فلا تتّبعوه في ذلك.
وقد وردت الأحاديث بذلك، فقال مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال: إنّ اليهود جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكروا له أنّ رجلًا منهم وامرأةً زنيا، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد اللّه بن سلامٍ: كذبتم، إنّ فيها الرّجم. فأتوا بالتّوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرّجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللّه بن سلامٍ: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها آية الرّجم، فقالوا صدق يا محمد، فيها آية الرّجم! فأمر بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرجما فرأيت الرّجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.
وأخرجاه وهذا لفظ البخاريّ. وفي لفظٍ له: "فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟ " قالوا: نسخّم وجوههما ونخزيهما. قال: {فأتوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران:93] فجاءوا، فقالوا لرجلٍ منهم ممّن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتّى انتهى إلى موضعٍ منها فوضع يده عليه، قال: ارفع يدك. فرفع، فإذا آية الرّجم تلوح، قال: يا محمّد، إنّ فيها آية الرّجم، ولكنّا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما فرجما.
وعند مسلمٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتى بيهوديٍّ ويهوديّةٍ قد زنيا، فانطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى جاء يهود، فقال: "ما تجدون في التّوراة على من زنى؟ " قالوا: نسوّد وجوههما ونحمّلهما، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: {فأتوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} قال: فجاءوا بها، فقرأوها، حتّى إذا مرّ بآية الرّجم وضع الفتى الّذي يقرأ يده على آية الرّجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبد اللّه بن سلام -وهو مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم-: مره فليرفع يده. فرفع يده، فإذا تحتها آية الرّجم. فأمر بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرجما. قال عبد اللّه بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه.
وقال أبو داود: حدّثنا أحمد بن سعيدٍ الهمداني، حدّثنا ابن وهب، حدّثنا هشام بن سعدٍ؛ أنّ زيد بن أسلم حدثه، عن ابن عمر قال: أتى نفرٌ من اليهود، فدعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى القفّ فأتاهم في بيت المدارس، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّ رجلًا منّا زنى بامرأةٍ، فاحكم قال: ووضعوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسادةً، فجلس عليها، ثمّ قال: "ائتوني بالتّوراة". فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته، ووضع التّوراة عليها، وقال: "آمنت بك وبمن أنزلك". ثمّ قال: "ائتوني بأعلمكم". فأتي بفتًى شابٍّ، ثمّ ذكر قصّة الرّجم نحو حديث مالكٍ عن نافعٍ.
وقال الزّهريّ: سمعت رجلًا منّ مزينة، ممّن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيّب، عن أبي هريرة قال: زنى رجلٌ من اليهود بامرأةٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: اذهبوا إلى هذا النّبيّ، فإنّه بعث بالتّخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرّجم قبلناها، واحتججنا بها عند اللّه، قلنا: فتيا نبيٍّ من أنبيائك، قال: فأتوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا؟ فلم يكلّمهم كلمةً حتّى أتى بيت مدارسهم، فقام على الباب فقال: "أنشدكم باللّه الذي أنزل التّوراة على موسى، ما تجدون في التّوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمّم، ويجبّه ويجلد. والتّجبية: أن يحمل الزّانيان على حمارٍ، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما. قال: وسكت شاب منهم، فلمّا رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سكت، ألظّ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّشدة، فقال: اللّهمّ إذ نشدتنا، فإنّا نجد في التّوراة الرّجم. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "فما أوّل ما ارتخصتم أمر اللّه؟ " قال: زنى ذو قرابةٍ من ملكٍ من ملوكنا، فأخّر عنه الرّجم، ثمّ زنى رجلٌ في أثره من النّاس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتّى تجيء بصاحبك فترجمه! فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "فإنّي أحكم بما في التّوراة" فأمر بهما فرجما. قال الزّهريّ: فبلغنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا} فكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم منهم.
رواه أحمد، وأبو داود -وهذا لفظه-وابن جريرٍ
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عبد اللّه بن مرّة، عن البراء بن عازبٍ قال: مرّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يهوديٌّ محمّم مجلودٌ، فدعاهم فقال: "أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ " فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: "أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ " فقال: لا واللّه، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حدّ الزّاني في كتابنا الرّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا حتّى نجعل شيئًا نقيمه على الشّريف والوضيع، فاجتمعنا على التّحميم والجلد. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "اللّهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه". قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {يا أيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر} إلى قوله: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} يقولون: ائتوا محمّدًا، فإن أفتاكم بالتّحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا، إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: في اليهود إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون} قال: في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: في الكفّار كلّها.
انفرد بإخراجه مسلمٌ دون البخاريّ، وأبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه، من غير وجهٍ، عن الأعمش، به.
وقال الإمام أبو بكرٍ عبد اللّه بن الزّبير الحميدي في مسنده: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد بن سعيدٍ الهمداني، عن الشّعبيّ، عن جابر بن عبد اللّه قال: زنى رجلٌ من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناسٍ من اليهود بالمدينة أن سلوا محمّدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرّجم فلا تأخذوه عنه، تسألوه عن ذلك، قال: "أرسلوا إليّ أعلم رجلين فيكم". فجاءوا برجلٍ أعور -يقال له: ابن صوريا-وآخر، فقال لهما النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "أنتما أعلم من قبلكما؟ ". فقالا قد دعانا قومنا لذلك، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لهما: "أليس عندكما التّوراة فيها حكم اللّه؟ " قالا بلى، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "فأنشدكم بالّذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلّل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المنّ والسّلوى على بني إسرائيل: ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ " فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قطّ. قالا نجد ترداد النّظر زنيةً والاعتناق زنيةً، والقبل زنيةً، فإذا شهد أربعةٌ أنّهم رأوه يبدئ ويعيد، كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرّجم. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "هو ذاك". فأمر به فرجم، فنزلت: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ اللّه يحبّ المقسطين}
ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث مجالد، به نحوه. ولفظ أبي داود عن جابرٍ قال: جاءت اليهود برجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا، فقال: "ائتوني بأعلم رجلين منكم". فأتوا بابني صوريا، فنشدهما: "كيف تجدان أمر هذين في التّوراة؟ " قالا نجد في التّوراة إذا شهد أربعةٌ أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما، قال: "فما يمنعكم أن ترجموهما؟ " قالا ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالشّهود، فجاءوا أربعةً، فشهدوا أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برجمهما.
ثمّ رواه أبو داود، عن الشّعبيّ وإبراهيم النّخعي، مرسلًا ولم يذكر فيه: "فدعا بالشّهود فشهدوا".
فهذه أحاديث دالّةٌ علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حكم بموافقة حكم التّوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحّته؛ لأنّهم مأمورون باتّباع الشّرع المحمّديّ لا محالة، ولكنّ هذا بوحيٍ خاصٍّ من اللّه، عزّ وجلّ إليه بذلك، وسؤاله إيّاهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم، ممّا تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدّهور الطّويلة فلمّا اعترفوا به مع عملهم على خلافه، بأنّ زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحّته من الكتاب الّذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما كان عن هوًى منهم وشهوةٍ لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحّة ما يحكم به لهذا قالوا {إن} أوتيتم هذا والتّحميم {فخذوه} أي: اقبلوه {وإن لم تؤتوه فاحذروا} أي: من قبوله واتّباعه.
قال اللّه تعالى: {ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئًا أولئك الّذين لم يرد اللّه أن يطهّر قلوبهم لهم في الدّنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/113-116]

تفسير قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({سمّاعون للكذب} أي: الباطل {أكّالون للسّحت} أي: الحرام، وهو الرّشوة كما قاله ابن مسعودٍ وغير واحدٍ أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهّر اللّه قلبه؟ وأنّى يستجيب له.
ثمّ قال لنبيّه: {فإن جاءوك} أي: يتحاكمون إليك {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضرّوك شيئًا} أي: فلا عليك ألّا تحكم بينهم؛ لأنّهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتّباع الحقّ، بل ما وافق هواهم.
قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسّدّي، وزيد بن أسلم، وعطاءٌ الخراسانيّ: هي منسوخةٌ بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} [المائدة:49]، {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: بالحقّ والعدل وإن كانوا ظلمةً خارجين عن طريق العدل {إنّ اللّه يحبّ المقسطين} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/116-117]

تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى -منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزّائغة، في تركهم ما يعتقدون صحّته من الكتّاب الّذي بأيديهم، الّذي يزعمون أنّهم مأمورون بالتّمسّك به أبدًا، ثمّ خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، ممّا يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم -فقال: {وكيف يحكّمونك وعندهم التّوراة فيها حكم اللّه ثمّ يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/117]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:18 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة