العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11 ربيع الثاني 1434هـ/21-02-2013م, 11:44 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,922
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (100) إلى الآية (101) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (100) إلى الآية (101) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا (101)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 07:30 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,922
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وحدثني ابن مهدي، عن الثوري في قول الله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا}، قال: متحولا، قال: {وسعة}، قال: سعةً من الرزق). [الجامع في علوم القرآن: 1/88]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة قال لما نزلت إن الذين توفهم الملائكة ظالمي أنفسهم قال رجل من المسلمين وهو مريض يومئذ والله مالي من عذر إني لدليل بالطريق وإني لموسر فاحملوني فحملوه فأدركه الموت في الطريق فنزل فيه ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله). [تفسير عبد الرزاق: 1/170] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا ابن عيينة عن عمرو قال سمعت عكرمة يقول كان الناس من أهل مكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله قال فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم فقتلوا فنزلت فيهم إن الذين توفهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا قال فكتب بها المسلمين الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة قال فخرج ناس من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم فمنهم من أعطى الفتنة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة فقال رجل من بني ضمرة وكان مريضا أخرجوني إلى الروح فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص مات فأنزل الله فيه ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله الآية وأنزل في أولئك الذين كانوا أعطوا الفتنة ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا إلى رحيم). [تفسير عبد الرزاق: 1/171] (م)

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان يقول في قوله: {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة} قال: متزحزحًا). [سنن سعيد بن منصور: 4/1361]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورًا رحيمًا} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّ رجلًا من خزاعة كان بمكّة، فمرض - وهو ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع -، فأمر أهله، ففرشوا له (على سريرٍ)، وحملوه، وانطلقوا به متوجّهًا إلى المدينة، فلمّا كان بالتّنعيم مات، فنزلت: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن (أبي) عيّاش الزّرقي، قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلّينا الظّهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة، لقد أصبنا غفلة، لو كنّا حملنا عليهم وهم في الصّلاة، فنزلت آية القصر فيما بين الظّهر والعصر، فلمّا حضرت العصر، قام رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصفّ خلف رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم صفٌّ، وبعد ذلك الصفّ صفٌّ آخر، فركع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، وركعوا جميعًا، ثمّ سجد وسجد الصّفّ الّذي يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلمّا صلّى هؤلاء السّجدتين وقاموا، سجد الآخرون الّذين كانوا خلفهم، ثمّ تأخّر الصّفّ الّذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدّم الأخير إلى مقام الأوّلين، ثمّ ركع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وركعوا (جميعًا)، ثمّ (سجد) وسجد الصّفّ الّذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلمّا جلس رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم والصّفّ الّذي يليه، سجد الآخرون، ثمّ جلسوا جميعًا، فسلّم عليهم جميعًا. قال:فصلّاها بعسفان، وصلّاها يوم بني سليم). [سنن سعيد بن منصور: 4/1361-1368]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (ويذكر عن ابن عبّاسٍ {حصرت} [النساء: 90]:ضاقت، {تلووا} [النساء: 135]:ألسنتكم بالشّهادة وقال غيره: " المراغم: المهاجر، راغمت: هاجرت قومي). [صحيح البخاري: 6/46-47]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال غيره المراغم المهاجر راغمت هاجرت قومي قال أبو عبيدة في قوله تعالى ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة والمراغم المهاجر واحدٌ تقول هاجرت قومي وراغمت قومي قال الجعديّ عزيز المراغم والمهرب وروى عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن الحسن في قوله مراغمًا قال متحولا وكذا أخرجه بن أبي حاتمٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ). [فتح الباري: 8/256]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال غيره المراغم المهاجر راغمت هاجرت قومي
أي: وقال غير ابن عبّاس لفظ المراغم في قوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة} وكأنّه أراد بالغير: أبا عبيدة، فإن هذا لفظه حيث قال: المراغم والمهاجر واحد. تقول: هاجرت قومي وراغمت قومي، وقال الزّمخشريّ: مراغما مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم الذل والهوان وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التّراب، يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك، وفي (تفسير ابن كثير) المراغم مصدر تقول العرب، راغم فلان قومه مراغما ومرغمة، وقال ابن عبّاس المراغم المتحول من أرض إلى أرض، وكذا روي عن الضّحّاك والربيع بن أنس والثّوري، وقال مجاهد: مراغما يعني متزحزحا عمّا يكره). [عمدة القاري: 18/179]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال غيره) أي غير ابن عباس في قوله تعالى: {مراغمًا كثيرًا} [النساء: 100] وسعة (المراغم) بفتح الغين المعجمة هو (المهاجر) بفتح الجيم. قال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد تقول: (راغمت) أي (هاجرت قومي) ). [إرشاد الساري: 7/88]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيمًا}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ومن يهاجر في سبيل اللّه} ومن يفارق أرض الشّرك وأهلها هربًا بدينه منها ومنهم إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين {في سبيل اللّه} يعني في منهاج دين اللّه وطريقه الّذي شرعه لخلقه، وذلك الدّين القيّم. {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا} يقول: يجد هذا المهاجر في سبيل اللّه مراغمًا كثيرًا، وهو المضطرب في البلاد والمذهب، يقال منه: راغم فلانٌ قومه مراغمًا ومراغمةً مصدران، ومنه قول نابغة بني جعدة:
كطودٍ يلاذ بأركانه = عزيز المراغم والمهرب
وقوله: {وسعةً} فإنّه يحتمل السّعة في الرزق ويحتمل السعه مما كان القوم فيه من تضيق المشركين عليهم في أمر دينهم بمكّة، وذلك منعهم إيّاهم من إظهار دينهم وعبادة ربّهم علانيةً ثمّ أخبر جلّ ثناؤه عمّا لمن خرج مهاجرًا من أرض الشّرك فارًّا بدينه إلى اللّه وإلى رسوله إن أدركته منيّته قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة، فقال: من كان كذلك فقد وقع أجره على اللّه، وذلك ثواب عمله وجزاء هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه. يقول جلّ ثناؤه: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى اللّه وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته وإن لم يبلغ دار هجرته باخترام المنيّة إيّاه قبل بلوغه إيّاها على ربّه.
{وكان اللّه غفورًا رحيمًا} يقول: ولم يزل اللّه تعالى ذكره غفورًا يعني: ساترًا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، رحيمًا بهم رفيقًا.
وذكر أنّ هذه الآية نزلت بسبب بعض من كان مقيمًا بمكّة وهو مسلمٌ، فخرج لمّا بلغه أنّ اللّه أنزل الآيتين قبلها، وذلك قوله: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله: {وكان اللّه عفوًّا غفورًا} فمات في طريقه قبل بلوغه المدينة.
ذكر الأخبار الواردة بذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله} قال: كان رجلٌ من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباعٍ قال: فلمّا أمروا بالهجرة كان مريضًا، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ففعلوا، فأتاه الموت وهو بالتّنعيم، فنزلت هذه الآية.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أنّه قال: نزلت هذه الآية: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} في ضمرة بن العيص بن الزّنباع، أو فلان بن ضمرة بن العيص بن الزّنباع، حين بلغ التّنعيم مات فنزلت فيه.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ قال: حدّثنا هشيمٌ، عن العوّام التّيميّ بنحو حديث يعقوب، عن هشيمٍ قال: وكان رجلاً من خزاعة.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً} الآية قال: لمّا أنزل اللّه هؤلاء الآيات ورجلٌ من المؤمنين يقال له ضمرة بمكّة قال: واللّه إنّ لي من المال ما يبلّغني المدينة وأبعد منها وإنّي لأهتدي، أخرجوني. وهو مريضٌ حينئذٍ. فلمّا جاوز الحرم قبضه اللّه فمات، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله} الآية.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قال: لمّا نزلت: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} قال رجلٌ من المسلمين يومئذٍ وهو مريضٌ: واللّه مالي من عذرٍ إنّي لدليلٌ بالطّريق، وإنّي لموسرٍ، فاحملوني. فحملوه فأدركه الموت بالطّريق، فنزلت فيه: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعت عكرمة، يقول: لمّا أنزل اللّه: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآيتين، قال رجلٌ من بني ضمرة وكان مريضًا: أخرجوني إلى الرّوح. فأخرجوه، حتّى إذا كان بالحصحاص مات، فنزل فيه: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله} الآية.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن المنذر بن ثعلبة، عن علباء بن أحمر اليشكريّ، قوله: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} قال: نزلت في رجلٍ من خزاعة.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عامرٍ، قال: حدّثنا قرّة، عن الضّحّاك، في قول اللّه جلّ وعزّ: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} قال: لمّا سمع رجلٌ من أهل مكّة أنّ بني كنانة قد ضربت وجوههم وأدبارهم الملائكة قال لأهله: أخرجوني. وقد أدنف للموت. قال:أحملنى فاحتمل حتّى انتهى إلى عقبةٍ قد سمّاها فتوفّي، فأنزل اللّه: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله} الآية.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا سمع بهذه، يعني بقوله: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله: {وكان اللّه عفوًّا غفورًا}، ضمرة بن جندبٍ الضّمريّ قال لأهله وكان وجعًا: أرحلوا راحلتي، فإنّ الأخشبين قد غمّاني، يعني: جبلي مكّة، لعلّي أن أخرج قبل التنعم فيصيبني روحٌ. فقعد على راحلته ثمّ توجّه نحو المدينة فمات بالطّريق، فأنزل اللّه: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} وأمّا حين توجّه إلى المدينة، فإنّه قال: اللّهمّ مهاجرٌ إليك وإلى رسولك.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قال: لمّا نزلت هذه الآية، يعني قوله: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة} قال جندب بن ضمرة الخذاعيّ: اللّهمّ أبلغت في المعذرة والحجّة، ولا معذرة لي ولا حجّة. قال: ثمّ خرج وهو شيخٌ كبيرٌ فمات ببعض الطّريق، فقال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولايةٍ أم لا؟ فنزلت: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه}.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: اخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك يقول: لمّا أنزل اللّه في الّذين قتلوا مع مشركي قريشٍ ببدرٍ: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية، سمع بما أنزل اللّه فيهم رجلٌ من بني ليثٍ كان على دين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مقيمًا بمكّة، وكان ممّن عذر اللّه كان شيخًا كبيرًا وصبًا، فقال لأهله: ما أنا ببائتٍ اللّيلة بمكّة. فخرج به مريضًا حتّى إذا بلغ التّنعيم من طريق المدينة أدركه الموت، فنزل فيه: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه} الآية.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً} قال:وهاجر رجلٌ من بني كنانة يريد النّبيّ، صلّى اللّه عليه وسلّم، فمات في الطّريق. فسخر به قومه واستهزءوا به، وقالوا: لا هو بلغ الّذي يريد، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن. قال: فنزل القرآن: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه}.
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا محمد بن شريكٌ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال:لما نزلت هذه الآية: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} وكان بمكّة رجلٌ يقال له ضمرة من بني بكرٍ وكان مريضًا، فقال لأهله: أخرجوني من مكّة، فإنّي أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة. فنزلت هذه الآية: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله} إلى آخر الآية.
- حدّثني الحارث بن أبي أسامة، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدّثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لمّا نزلت هذه الآية: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضّرر} قال: رخّص فيها قومٌ من المسلمين ممّن كان بمكّة من أهل الضّرر حتّى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، فقالوا: قد بيّن اللّه فضيلة المجاهدين على القاعدين ورخّص لأهل الضّرر. حتّى نزلت: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى قوله: {وساءت مصيرًا}
قالوا: هذه موجبةٌ. حتّى نزلت: {إلاّ المستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً} فقال ضمرة بن العيص الزّرقيّ أحد بني ليثٍ، وكان مصاب البصر: إنّي لذو حيلةٍ لي مالٌ ولي رقيقٌ، فاحملوني. فخرج وهو مريضٌ، فأدركه الموت عند التّنعيم، فدفن عند مسجد التّنعيم، فنزلت فيه هذه الآية: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت} الآية.
واختلف أهل التّأويل في تأويل المراغم، فقال بعضهم: هو التّحوّل من أرضٍ إلى أرضٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {مراغمًا كثيرًا} قال: المراغم: التّحوّل من الأرض إلى الأرض.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {مراغمًا كثيرًا} يقول: متحوّلا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا} قال: متحوّلا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن الحسن، أو قتادة: {مراغمًا كثيرًا} قال: متحوّلا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه عزّ وجلّ: {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا} قال: مندوحةً عمّا يكره.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: {مراغمًا كثيرًا} قال: مزحزحًا عمّا يكره.
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {مراغمًا كثيرًا} قال: متزحزحًا عمّا يكره.
وقال آخرون: مبتغى معيشةٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا} يقول: مبتغًى للمعيشة.
وقال آخرون: المراغمه: المهاجرة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {مراغمًا} المراغم: المهاجر
قال أبو جعفرٍ: وقد بيّنّا أولى الأقوال في ذلك بالصّواب فيما مضى قبل.
واختلفوا أيضًا في معنى السّعة الّتي ذكرها اللّه في هذا الموضع فقال: {وسعةً} فقال بعضهم: هي السّعة في الرّزق.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {مراغمًا كثيرًا وسعةً} قال: السّعة الرّزق.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {مراغمًا كثيرًا وسعةً} قال: السّعة في الرّزق.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {وسعةً} يقول: سعةً في الرّزق.
وقال آخرون في ذلك ما:
- حدّثني بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً} قال أي واللّه من الضّلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ اللّه أخبر أنّ من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطربًا ومتّسعًا؛ وقد يدخل في السّعة، السّعة في الرّزق، والغنى من الفقر؛ ويدخل فيه السّعة من ضيق الهمّ، والكرب الّذي كان فيه أهل الإيمان باللّه من المشركين بمكّة، وغير ذلك من معاني السّعة الّتي هي بمعنى الروح والفرج من مكروه ما كره اللّه للمؤمنين لمقامهم بين ظهراني المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع اللّه دلالةً على أنّه عنى بقوله: {وسعةً} بعض معاني السّعة الّتي وصفنا، فكلّ معاني السّعة هي الّتي بمعنى الروح والفرج ممّا كانوا فيه من ضيق العيش وغمّ جوار أهل الشّرك وضيق الصّدر بتعذّر إظهار الإيمان باللّه وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك.
وقد تأوّل قومٌ من أهل العلم هذه الآية، أعنّي قوله: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} أنّها حكم في الغازي يخرج للغزو فيدركه الموت بعد ما يخرج من منزله فاصلا فيموت، أنّ له سهمه من المغنم وإن لم يكن شهد الوقعة. كما:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا يوسف بن عديٍّ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، أنّ أهل المدينة، يقولون: من خرج فاصلاً وجب سهمه؛ وتأوّلوا قوله تبارك وتعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله}). [جامع البيان: 7/391-403]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيمًا (100)
قوله تعالى: ومن يهاجر في سبيل اللّه
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، أنبأ محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: ومن يهاجر في سبيل اللّه يعني: من هاجر إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة.
قوله تعالى: يجد في الأرض مراغماً كثيراً. [الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: مراغماً كثيراً قال: المراغم: التّحوّل من الأرض إلى الأرض.
وروي عن الضّحّاك، والرّبيع بن أنسٍ، والثّوريّ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ
قوله: يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعةً قال: متزحزحاً عمّا يكره.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، ثنا قتادة قال: يجد في الأرض مراغماً كثيراً قال: أي واللّه من الضّلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: يجد في الأرض مراغماً كثيراً يقول: مبتغا المعيشة.
والوجه الخامس:
- حدّثنا عليّ بن الحسن الهسنجانيّ، ثنا ابن أبي مريم، أنبأ مفضّل بن فضالة، حدّثني أبو صخرٍ: يجد في الأرض مراغماً كثيراً قال: منفسحاً كثيرةً وسعةً.
والوجه السّادس:
- حدّثنا محمّد بن يحيى الواسطيّ، حدّثني خبّاب بن نافعٍ قال سفيان يعني ابن عيينة: يجد في الأرض مراغما كثيرا قال: المراغم: البروح.
قوله تعالى: وسعة.
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قال: السّعة: الرّزق. وروي عن الضّحّاك، والرّبيع بن أنسٍ، ومقاتل بن حيّان مثل ذلك.
والوجه الثّاني:
- أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ البيروتيّ قراءةً، أنبأ محمّد بن شعيبٍ، أخبرني عثمان بن عطاءٍ، عن أبيه قوله: وسعةً قال: ورخاءً.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا عليّ بن الحسين قال: قريء على الحارث بن مسكينٍ وأنا أسمع أنا ابن القاسم قال: سئل مالكٌ عن قول اللّه تعالى وسعةً قال والسّعة: سعة البلاد.
قوله تعالى: ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله.
[الوجه الأول]
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ، ثنا أبو أحمد الزّبيريّ، ثنا محمّد بن شريكٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: كان بمكّة رجلٌ يقال له: ضمرة من بني بكرٍ، وكان مريضاً، فقال لأهله: اخرجوني من مكّة، فإنّي أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة يعني. فمات، فنزلت هذه الآية:
ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عبد الرّحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزاميّ، حدّثني عبد الرّحمن بن المغيرة بن عبد الرّحمن الحزاميّ، عن المنذر بن عبد اللّه، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّ الزّبير بن العوّام قال: هاجر خالد بن حزامٍ إلى أرض الحبشة، فنهشته حيّةٌ في الطّريق فمات، فنزلت فيه: ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيماً قال الزّبير:
وكنت أتوقّعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيءٌ حزني وفاته حين بلغني، لأنّه قلّ أحدٌ من هاجر من قريشٍ إلا معه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحدٌ من بني أسد بن عبد العزّى ولا أرجو غيره.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا سليمان بن داود مولى عبد اللّه بن جعفرٍ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عبد الرّحمن بن سليمان، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: خرج ضمرة ابن جندبٍ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمات في الطّريق قبل أن يصل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت: ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله الآية.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن رجاءٍ، أنبأ إسرائيل، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن أبي ضمرة بن العيص الزّرقيّ الّذي كان مصاب البصر وكان بمكّة، فلمّا نزلت: إلا المستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان لا يستطيعون حيلةً فقلت: إنّني لغنيّ وإنّي لذو حيلةٍ، قال: فتجهّز يريد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأدركه الموت بالتّنعيم، فنزلت هذه الآية: ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 3/1048-1051]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا المبارك بن فضالة عن الحسن قال خرج رجل من مكة يريد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فمات في الطريق فقال المشركون ما أدرك هذا شيئا فأنزل الله عز وجل ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله). [تفسير مجاهد: 170]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد يجد في الأرض مراغما كثيرا يعني متزحزحا عما يكره). [تفسير مجاهد: 171]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله} [النساء: 100]
- عن ابن عبّاسٍ - رضي اللّه عنهما - قال: «خرج ضمرة بن جندبٍ من بيته مهاجرًا فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فمات في الطّريق قبل أن يصل إلى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فنزل الوحي: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت} [الفاتحة: 100 - 32267] حتّى بلغ: {وكان اللّه غفورًا رحيمًا} [النساء: 100]».
رواه أبو يعلى، ورجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/10]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو يعلى الموصليّ: ثنا عبد اللّه بن عمر بن أبانٍ، ثنا عبد الرّحمن، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ- رضي اللّه عنهما- قال: "خرج ضمرة بن جندبٍ من بيته مهاجرًا فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فمات في الطّريق قبل أن يصل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل الوحي: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت) حتى بلغ (وكان الله غفوراً رحيماً) ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/198]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (حدثنا عبد اللّه بن عمر بن أبان، ثنا عبد الرّحمن، (عن) أشعث، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: خرج ضمرة بن جندبٍ رضي الله عنه، من بيته مهاجرًا، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزل الوحي: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه} الآية). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/595]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {مراغما كثيرا وسعة} قال: المراغم التحول من أرض إلى أرض، والسعة الرزق.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {مراغما} قال: متزحزحا عما يكره.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {مراغما} قال: منفسحا بلغة هذيل، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت قول الشاعر:
واترك أرض جهرة إن عندي = رجاء في المراغم والتعادي.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: المراغم المهاجر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي مراغما قال: مبتغى للمعيشة
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر مراغما قال منفسحا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة {يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة} قال: متحولا من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {وسعة} قال: ورخاء.
وأخرج عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن قول الله {وسعة} قال: سعة البلاء.
وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم والطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل الوحي {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله} الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال: كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر وكان مريضا فقال لأهله: أخرجوني من مكة فإني أجد الحر، فقالوا أين نخرجك فأشار بيده نحو طريق المدينة فخرجوا به فمات على ميلين من مكة فنزلت هذه الآية {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت}.
واخرج أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين عن عامر الشعبي قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى {ومن يخرج من بيته مهاجرا} الآية، قال: نزلت في أكثم بن صيفي قلت: فأين الليثي قال: هذا قبل الليثي بزمان وهي خاصة عامة.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير والبيهقي في "سننه" عن سعيد بن جبير أن رجلا من خزاعة كان بمكة فمرض وهو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع فلما أمروا بالهجرة كان مريضا فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ففرشوا له وحملوه وانطلقوا به متوجها إلى المدينة فلما كان بالتنعيم مات فنزل {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة فلما نزلت (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة) (النساء الآية 97) فقال: إني لغني وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأدركه الموت بالتنعيم فنزلت هذه الآية {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله}.
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) (النساء الآية 96) رخص فيها لقوم من المسلمين ممن بمكة من أهل الضرر حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين ورخص لأهل الضرر حتى نزلت (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) إلى قوله (وساءت مصيرا) (النساء الآية 96) قالوا: هذه موجبة حتى نزلت (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) (النساء الآية 98) فقال ضمرة بن العيص أحد بني ليث وكان مصاب البصر: إني لذو حيلة لي مال فاحملوني فخرج وهو مريض فأدركه الموت عند التنعيم فدفن عند مسجد التنعيم فنزلت فيه هذه الآية {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت} الآية.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمرة ولفظ عبد سبرة بمكة قال: والله إن لي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها وإني لاهتدي إلى المدينة فقال لأهله: أخرجوني - وهو مريض يومئذ - فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات فأنزل الله {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله} الآية.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير من وجه آخر عن قتادة قال: لما نزلت (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (النساء الآية 97) قال رجل من المسلمين يومئذ وهومريض: والله ما لي من عذر إني لدليل بالطريق وإني لموسر فاحملوني فحملوه فأدركه الموت بالطريق فنزل فيه {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله}.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أنزل الله (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (النساء الآية 97) الآيتين، قال رجل من بني ضمرة - وكان مريضا - أخرجوني إلى الروح فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص مات فنزل فيه {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} الآية.
وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر قوله {ومن يخرج من بيته} الآية، قال: نزلت في رجل من خزاعة
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما سمع - هذه يعني (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (النساء الآية 97) الآية - ضمرة بن جندب الضمري قال لأهله - وكان وجعا -: أرحلوا راحلتي فإن الأخشبين قد غماني - يعني جبلي مكة - لعلي أن أخرج فيصيبني روح فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة فمات في الطريق فأنزل الله {ومن يخرج من بيته مهاجرا} الآية.
وأمّا حين توجه إلى المدينة فإنه قال: اللهم إني مهاجر إليك وإلى رسولك.
وأخرج سنيد، وابن جرير عن عكرمة قال: لما نزلت (إن الذين توفاهم الملائكة) (النساء الآية 97) الآية، قال ضمرة بن جندب الجندعي: اللهم أبلغت المعذرة والحجة ولا معذرة لي ولا حجة، ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مات قبل أن يهاجر فلا ندري أعلى ولاية أم لا فنزلت {ومن يخرج من بيته} الآية.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الضحاك قال: لما أنزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (النساء الآية 97) الآية، سمع بما أنزل الله فيهم رجل من بني ليث كان على دين النّبيّ صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة وكان ممن عذر الله كان شيخا كبيرا فقال لأهله: ما أنا ببائت الليلة بمكة، فخرجوا به حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت فنزل فيه {ومن يخرج من بيته} الآية
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: نزلت في رجل من بني ليث أحد بني جندع.
وأخرج ابن سعد، وابن المنذر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة فمرض فقال لبنيه: أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها، فقالوا إلى أين فأومأ بيده نحو المدينة يريد الهجرة فخرجوا به فلما بلغوا اضاة بني غفار مات فأنزل الله فيه {ومن يخرج من بيته} الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: هاجر رجل من بني كنانة يريد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق فسخر به قوم واستهزؤوا به وقال: لا هو بلغ الذي يريد ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن، فنزل القرآن {ومن يخرج من بيته} الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: خرج رجل من مكة بعد ما أسلم وهو يريد النّبيّ وأصحابه فأدركه الموت في الطريق فمات فقالوا: ما أدرك هذا من شيء، فأنزل الله {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات فنزلت فيه {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما}، قال الزبير: وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة فما أحزنني شيء حزني لوفاته حين بلغني لأنه قل أن هاجر أحد من قريش إلا ومعه بعض أهله أو ذي رحمه ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره.
وأخرج ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه قال: خرج خالد بن حزام مهاجرا إلى أرض الحبشة في المرة الثانية فنهش في الطريق فمات قبل أن يدخل أرض الحبشة فنزلت فيه {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} الآية.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن أهل المدينة يقولون: من خرج فاصلا وجب سهمه وتاولوا قوله تعالى {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} يعني من مات ممن خرج إلى الغزو بعد انفصاله من منزله قبل أن يشهد الوقعة فله سهمه من المغنم.
وأخرج ابن سعد وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله - وأين المجاهدون في سبيل الله - فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني بحتف أنفه على فراشه والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن قتل قعصا فقد استوجب الجنة.
وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ومن خرج غازيا في سبيل الله كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة). [الدر المنثور: 4/641-650]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) )
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: سمعت عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي عمّارٍ، يحدّث عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن أميّة، قال: قلت لعمر بن الخطّاب: إنّما قال اللّه: {أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم} وقد أمن النّاس، فقال عمر: عجبت ممّا عجبت منه. فذكرت ذلك لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم. فقال: صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/93]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله عزّ وجلّ: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة}
- أخبرني شعيب بن يوسف، عن يحيى وهو ابن سعيدٍ القطّان، عن ابن جريجٍ، عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي عمّارٍ، عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن أميّة، قال: قلت لعمر: إقصار الصّلاة، قال الله عزّ وجلّ: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} [النساء: 101] وقد ذهب ذلك الآن، قال: عجبت ممّا عجبت منه، سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدقةٌ تصدّق الله عليكم، فاقبلوا صدقته»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/71]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مّبينًا}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وإذا ضربتم في الأرض} وإذا سرتم أيّها المؤمنون في الأرض، {فليس عليكم جناحٌ} يقول: فليس عليكم حرجٌ ولا إثمٌ {أن تقصروا من الصّلاة} يعني أن تقصروا من عددها، فتصلّوا ما كان عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعًا، اثنتين، في قول بعضهم.
وقيل: معناه: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصّلاة التي عددها في حال ضربكم في الأرض، اثنتان إلى واحدةٍ في قول آخرين.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا. يعني: إن خشيتم أن يفتنكم الّذين كفروا في صلاتكم وفتنتهم إيّاهم فيها حملهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتّى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة اللّه وإخلاص التّوحيد له. ثمّ أخبرهم جلّ ثناؤه عمّا عليه أهل الكفر فقال لهم: {إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مّبينًا} يعني: الجاحدون وحدانيّة اللّه {كانوا لكم عدوًّا مّبينًا}، يقول: عدوًّا قد أبانوا لكم عداوتهم، بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم باللّه وبرسوله وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضّلالة.
واختلف أهل التّأويل في معنى القصر الّذي وضع اللّه الجناح فيه عن فاعله، فقال بعضهم في القصر: في السّفر من الصّلاة الّتي كان واجبًا تمامها في الحضر أربع ركعاتٍ، وأذن في قصرها في السّفر إلى اثنتين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن إدريس، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي عمّارٍ، عن عبد اللّه بن بابيه، عن يعلى بن أميّة، قال: قلت لعمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: {فليس عليكم جناحٌ} أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم وقد أمن النّاس. فقال: عجبت ممّا عجبت منه حتّى سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، فقال: صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته.
- حدّثنا أبو كريبٍ قال: حدّثنا ابن إدريس، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي عمّارٍ، عن عبد اللّه بن بابيه عن يعلى بن أميّة، عن عمر، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، مثله.
- حدّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عديٍّ، عن ابن جريجٍ قال: سمعت عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن أبي عمّارٍ يحدّث عن عبد اللّه بن بابيه، يحدّث عن يعلى بن أميّة قال: قلت لعمر بن الخطّاب أعجب من قصر النّاس الصّلاة وقد أمنوا، وقد قال اللّه تبارك وتعالى: {أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} فقال عمر: عجبت ممّا عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي العالية، قال: سافرت إلى مكّة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قرّاءٌ من أهل هذه النّاحية، فقالوا: كيف تصلّي؟ قلت: ركعتين، قالوا: أسنّةٌ أم قرآنٌ؟ قلت: كلّ ذلك سنّةٌ وقرآنٌ، قلت: صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركعتين، قالوا: إنّه كان في حربٍ. قلت: قال اللّه: {لقد صدق اللّه رسوله الرّؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين محلّقين رءوسكم ومقصّرين لا تخافون} وقال: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} فقرأ حتّى بلغ: {فإذا اطمأننتم}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن هاشمٍ، قال: أخبرنا سيف عن أبي روقٍ، عن أبي أيّوب، عن عليٍّ، قال: سأل قومٌ من التّجّار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا نضرب في الأرض، فكيف نصلّي؟ فأنزل اللّه: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} ثمّ انقطع الوحي. فلمّا كان بعد ذلك بحولٍ، غزا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فصلّى الظّهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمّدٌ وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم. فقال قائلٌ منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في أثرها. فأنزل اللّه تبارك وتعالى بين الصّلاتين: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصّلاة فلتقم طائفةٌ منهم معك} إلى قوله: {إنّ اللّه أعدّ للكافرين عذابًا مهينًا} فنزلت صلاة الخوف.
قال أبو جعفرٍ: وهذا تأويلٌ الآية حسنٌ لو لم يكن في الكلام إذا، ولكن قوله وإذا تؤذن بانقطاع ما بعدها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام إذا كان معنى الكلام على هذا التّأويل الّذي رواه سيفٌ، عن أبي روقٍ: إن خفتم أيّها المؤمنون أن يفتنكم الّذين كفروا في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمّد، فأقمت لهم الصّلاة، فلتقم طائفةٌ منهم معك، الآية.
وبعد، فإنّ ذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ بن كعبٍ: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة أن يفتنكم الّذين كفروا.
- حدّثني بذلك الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا الثّوريّ، عن واصل بن حيّان، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعبٍ، أنّه كان يقرأ: فاقصروا، من الصّلاة أن يفتنكم الّذين كفروا، ولا يقرأ: {إن خفتم}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا بكر بن شرودٍ، عن الثّوريّ، عن واصلٍ الأحدب، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعبٍ، أنّه قرأ: أن تقصروا، من الصّلاة أن يفتنكم قال بكرٌ: وهي في مصحف الإمام عثمان رحمه اللّه: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا}.
وهذه القراءة تنبئ على أنّ قوله: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} مواصلٌ قوله: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} وأنّ معنى الكلام: وإذا ضربتم في الأرض فإن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة، وأنّ قوله: {وإذا كنت فيهم} قصّةٌ مبتدأةٌ غير قصّة هذه الآية. وذلك أنّ تأويل قراءة أبيٍّ هذه الّتي ذكرناها عنه: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة أن لا يفتنكم الّذين كفروا، فحذفت لا لدلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه: {يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا} بمعنى: أن لا تضلّوا ففيما وصفنا دلالةٌ بيّنةٌ على فساد التّأويل الّذي رواه سيفٌ، عن أبي روقٍ.
وقال آخرون: بل هو القصر في السّفر، غير أنّه إنّما أذن جلّ ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدوٍّ يخشى أن يفتنه في صلاته.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني أبو عاصمٍ، عمران بن محمّدٍ الأنصاريّ قال: حدّثنا عبد الكبير بن عبد المجيد قال:حدثنا محمد بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ الصّدّيق قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة، تقول في السّفر: أتمّوا صلاتكم. فقالوا: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلّي في السّفر ركعتين؟ فقالت: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في حربٍ وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟.
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدّثنا ابن أبي فديكٍ، قال: حدّثنا ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن أميّة بن عبد اللّه بن خالد بن أسيدٍ، أنّه قال لعبد اللّه بن عمر: إنّا نجد في كتاب اللّه قصر الصّلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد اللّه: إنّا وجدنا نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم يعمل عملاً عملنا به.
- حدّثنا عليّ بن سهلٍ الرّمليّ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنّ عائشة، كانت تصلّي في السّفر أربعا
- حدّثنا سعيد بن يحيى، قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: أيّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتمّ الصّلاة في السّفر؟ قال: عائشة وسعد بن أبي وقّاصٍ.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية: قصر صلاة الخوف في غير حال المسايفة، قالوا: وفيها نزلت.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، في قوله: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} قال: يوم كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتواقفوا، فصلّي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأصحابه صلاة الظّهر ركعتين أو أربعًا، شكّ أبو عاصمٍ، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل اللّه عليه: {فلتقم طائفةٌ منهم معك} فصلّى العصر، فصفّ أصحابه صفّين، ثمّ كبّر بهم جميعًا، ثمّ سجد الأوّلون سجدةً والآخرون قيامٌ، ثمّ سجد الآخرون حين قام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ كبّر بهم وركعوا جميعًا، فتقدّم الصّفّ الآخر، واستأخر الأوّل، فتعاقبوا السّجود كما فعلوا أوّل مرّةٍ وقصر العصر إلى ركعتين.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتواقفوا، فصلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأصحابه صلاة الظّهر ركعتين ركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعًا، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {فلتقم طائفةٌ منهم معك} فصلّى بهم صلاة العصر، فصفّ أصحابه صفّين، ثمّ كبّر بهم جميعًا، ثمّ سجد الأوّلون لسجوده والآخرون قيامٌ لم يسجدوا، حتّى قام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ كبّر بهم وركعوا جميعًا، فقدّم الصّفّ الآخر واستأخر الصّفّ المقدّم، فتعاقبوا السّجود كما دفعلوا أوّل مرّةٍ، وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيّاشٍ الزّرقيّ، قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. قال: فصلّينا الظّهر، فقال المشركون:لقد كانوا على حالٍ لو أردنا لأصبنا غرّةً، لأصبنا غفلةً. فأنزلت آية القصر بين الظّهر والعصر، فأخذ النّاس السّلاح، وصفّوا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مستقبلي القبلة والمشركون مستقبلهم، فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكبّروا جميعًا، ثمّ ركع وركعوا جميعًا، ثمّ رفع رأسه فرفعوا جميعًا، ثمّ سجد وسجد الصّفّ الّذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلمّا فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء. ثمّ نكص الصّفّ الّذي يليه وتقدّم الآخرون فقاموا في مقامهم، فركع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فركعوا جميعًا، ثمّ رفع رأسه فرفعوا جميعًا، ثمّ سجد وسجد الصّفّ الّذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلمّا فرغ هؤلاء من سجودهم، سجد هؤلاء الآخرون، ثمّ استووا معهم، فقعدوا جميعًا، ثمّ سلّم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليمٍ.
- حدّثنا أبو كريبٍ قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن شيبان النّحويّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيّاشٍ الزّرقيّ وعن إسرائيل، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيّاشٍ قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعسفان، ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا معاذ بن هشامٍ، قال: حدّثنا أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكريّ، أنّه سأل جابر بن عبد اللّه عن إقصار الصّلاة، أيّ يومٍ أنزل؟ أو أيّ يومٍ هو؟ فقال جابرٌ: انطلقنا نتلقّى عير قريشٍ آتيةً من الشّام، حتّى إذا كنّا بنخلٍ، جاء رجلٌ من القوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا محمّد. قال: نعم قال: هل تخافني؟ قال: لا قال: فمن يمنعك منّي؟ قال: اللّه يمنعني منك. قال: فسلّ السّيف ثمّ هدّده وأوعده. ثمّ نادى بالرّحيل وأخذ السّلاح، ثمّ نودي بالصّلاة، فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بطائفةٍ من القوم، وطائفةٌ أخرى يحرسونهم، فصلّى بالّذين يلونه ركعتين، ثمّ تأخّر الّذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصافّ أصحابهم، وجاء الآخرون فصلّى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثمّ سلّم، فكانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أربع ركعاتٍ، وللقوم ركعتين ركعتين فيومئذٍ أنزل اللّه في إقصار الصّلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السّلاح.
وقال آخرون: بل عنى بها قصر صلاة الخوف في حالٍ غير شدّة الخوف، إلاّ أنّه عنى به القصر في صلاة السّفر، لا من صلاة الإقامة. قالوا: وذلك أنّ صلاة السّفر في غير حال الخوف ركعتان تمامٌ غير قصرٍ، كما أنّ صلاة الإقامة أربع ركعاتٍ في حال الإقامة، قالوا: فقصرت في السّفر في حال الأمن غير الخوف عن صلاة المقيم، فجعلت على النّصف، وهي تمامٌ في السّفر، ثمّ قصرت في حال الخوف في السّفر عن صلاة الأمن فيه، فجعلت على النّصف ركعةً.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال، حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا} إلى قوله: {عدوًّا مبينًا} إنّ الصّلاة إذا صلّيت ركعتين في السّفر فهي تمامٌ، والتّقصير لا يحلّ إلاّ أن تخاف من الّذين كفروا أن يفتنوك عن الصّلاة والتّقصير ركعةٌ، يقوم الإمام، ويقوم جنده جندين، طائفةٌ خلفه، وطائفةٌ يوازون العدوّ، فيصلّي بمن معه ركعةً ويمشون إليهم على أدبارهم حتّى يقوموا في مقام أصحابهم، وتلك المشية القهقرى، ثمّ تأتي الطائفة الأخرى، فتصلّي مع الإمام ركعةً أخرى، ثمّ يجلس الإمام فيسلّم، فيقومون فيصلّون لأنفسهم ركعةً ثمّ يرجعون إلى صفّهم، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعتهم ركعةً، والنّاس يقولون: لا، بل هي ركعةٌ واحدةٌ، لا يصلّي أحدٌ منهم إلى ركعته شيئًا، تجزئه ركعة الإمام، فيكون للإمام ركعتان، ولهم ركعةٌ، فذلك قول اللّه: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصّلاة} إلى قوله: {وخذوا حذركم}.
- حدّثني أحمد بن الوليد القرشيّ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن سماكٍ الحنفيّ، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السّفر،؟ فقال: ركعتان تمامٌ غير قصرٍ إنّما القصر صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ قال: يصلّي الإمام بطائفةٍ ركعةً، ثمّ يجيء هؤلاء مكان هؤلاء ويجيء هؤلاء مكان هؤلاء، فيصلّي بهم ركعةً، فيكون للإمام ركعتان ولكلّ طائفةٍ ركعةً ركعةً.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كيف تكون قصرًا وهم يصلّون ركعتين؟ إنّما هي ركعةٌ.
- حدّثني سعيد بن عمرٍو السّكونيّ، قال: حدّثنا بقيّة، قال: حدّثنا المسعوديّ، قال: حدّثني يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللّه، قال: صلاة الخوف ركعةٌ.
- حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن، قال: حدّثني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ قال: أخبرني عمرو بن الحارث قال: حدّثني بكر بن سوادة أنّ زياد بن نافعٍ حدّثه، عن كعبٍ، وكان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قطعت يده يوم اليمامة: أنّ صلاة الخوف لكلّ طائفةٍ ركعةٌ وسجدتان.
واعتلّ قائلو هذه المقالة من الآثار بما:
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني أشعث بن أبي الشّعثاء، عن الأسود بن هلالٍ، عن ثعلبة بن زهدمٍ اليربوعيّ، قال: كنّا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيّكم يحفظ صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فأقامنا خلفه صفًّا وصفٌّا موازي العدوّ، فصلّى بالّذين يلونه ركعةً، وذهب هؤلاء إلى مصافّ أولئك، وجاء هؤلاء أولئك فصلّى بهم ركعةً.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى، وعبد الرّحمن قالا: حدّثنا سفيان، عن الرّكين بن الرّبيع، عن القاسم بن حسّان، قال: سألت زيد بن ثابتٍ عنه، فحدّثني بنحوه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن الأشعث، عن الأسود بن هلالٍ، عن ثعلبة بن زهدمٍ اليربوعيّ، عن حذيفة، بنحوه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثني يحيى قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي الجهم عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى بذي قردٍ فصفّ النّاس خلفه صفّين: صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدوّ؛ فصلّى بالّذين خلفه ركعةً، ثمّ انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعةً، ولم يقضوا.
- حدّثنا تميم بن المنتصر قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريكٍ، عن أبي بكر بن صخيرٍ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: فرض اللّه الصّلاة على لسان نبيّكم عليه الصّلاة والسّلام في الحضر أربعًا، وفي السّفر ركعتينٍ، وفي الخوف ركعةً.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا نصر بن عبد الرّحمن الأوديّ قال: حدّثنا المحاربيّ، عن أيّوب بن عائذٍ الطّائيّ عن بكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا يعقوب بن ماهان قال: حدّثنا القاسم بن مالكٍ، عن أيّوب بن عائذٍ الطّائيّ، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللّه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى بهم صلاة الخوف، فقام صفٌّ بين يديه وصفٌّ خلفه، فصلّى بالّذين خلفه ركعةً وسجدتين، ثمّ تقدّم هؤلاء حتّى قاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك حتّى قاموا مقام هؤلاء، فصلّى بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركعةً وسجدتين ثمّ سلّم، فكانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ركعتين ولهم ركعةً.
- حدّثنا أحمد بن عبد الرّحمن بن وهبٍ، قال: حدّثني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أنّ بكر بن سوادة حدّثه، عن زيادة بن نافعٍ، حدّثه عن أبي موسى أنّ جابر بن عبد اللّه، حدّثهم: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى بهم صلاة الخوف يوم محاربٍ وثعلبة، لكلّ طائفةٍ ركعةً وسجدتين.
- حدّثني أحمد بن محمّدٍ الطّوسيّ، قال: حدّثنا عبد الصّمد، قال: حدّثنا سعيد بن عبدٍ الهنائيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن شقيقٍ، قال: حدّثنا أبو هريرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلةً واحدةً. وإنّ جبريل أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأمره أن يقيم أصحابه شطرين، فيصلّي ببعضهم وتقوم طائفةٌ أخرى وراءهم فيأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثمّ تأتى الأخرى فيصلّوا معه ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم فتكون لهم ركعةً ركعةً مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركعتين.
وقال آخرون: بل عنى به القصر في السّفر، إلاّ أنّه عنى به القصر في شدّة الخوف وعند المسايفة، فأبيح عند التحام الحرب للمصلّي أن يركع ركعةً إيماءً برأسه حيث توجّه بوجهه. قالوا: فذلك معنى قوله: {ليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وإذا ضربتم في الأرض} الآية، قصر الصّلاة إن لقيت العدوّ وقد حانت الصّلاة أن تكبّر اللّه وتخفض رأسك إيماءً راكبًا كنت أو ماشيًا.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال الّتي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: عنى بالقصر فيها القصر من حدودها، وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها مستقبل القبلة فيها ومستدبرها وراكبًا وماشيًا، وذلك في حال السلة والمسايفة والتحام الحرب وتزاحف الصّفوف، وهي الحالة الّتي قال اللّه تبارك وتعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركبانًا} وأذن بالصّلاة المكتوبة فيها راكبًا إيماءً بالرّكوع والسّجود على نحو ما روي عن ابن عبّاسٍ من تأويله ذلك.
وإنّما قلنا ذلك أولى التّأويلات بقوله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} لدلالة قول اللّه تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصّلاة} على أنّ ذلك كذلك؛ لأنّ إقامتها إتمام حدودها من الرّكوع والسّجود وسائر فروضها دون الزّيادة في عددها الّتي لم تكن واجبةً في حال الخوف.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ ذلك أمرٌ من اللّه بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم غير مقيمٍ صلاته لنقص عدد صلاته من الأربع اللاّزمة كانت له في حال إقامته إلى الرّكعتين، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ مخالفٌ لما عليه الأمّة مجمعةً من أنّ المسافر لا يستحقّ أن يقال له: إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصّر عددها عن أربعٍ إلى اثنتين أنّه غير مقيمٍ صلاته.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان اللّه تعالى قد أمر الّذي أباح له أن يقصر صلاته خوفًا من عدوّه أن يفتنه، أن يقيم صلاته إذا اطمأنّ وزال الخوف، كان معلومًا أنّ الّذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطّمأنينة، عين الّذي كان أسقط عنه في حال الخوف، وإذ كان الّذي فرض عليه في حال الطّمأنينة إقامة صلاته، فالّذي أسقط عنه في غير حال الطّمأنينة ترك إقامتها. وقد دلّلنا على أنّ ترك إقامتها، إنّما هو ترك حدودها على ما بيّنّا). [جامع البيان: 7/404-423]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا (101)
قوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: فلا جناح يقول: فلا حرج.
قوله تعالى: أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ والحسن بن عرفة قالا: ثنا عبد اللّه بن إدريس، أنبأ ابن جريجٍ، عن ابن أبي عمّارٍ يعني عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي عمّارٍ، عن عبد اللّه بن بابية، عن يعلى بن أميّة قال: قلت لعمر بن الخطّاب: فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم وقد أمن النّاس، فقال: عجبت ما عجبت منه، فسألت عنه، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: صدقةٌ تصدّق اللّه عليكم فاقبلوا صدقته، والسياق للأشج.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك في قوله: فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة قال: ذاك عند القتال، يصلّي الرّجل الرّاكب (بتكبيرتين) حيث كان وجهه.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم الآية. إنّ الصّلاة إذا صلّيت ركعتين في السّفر فهي تمام التّقصير لا يحلّ، إلا أن تخاف من الّذين كفروا أن يفتنوك عن الصّلاة، فالتّقصير ركعةٌ.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة أنزلت يوم كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعسفان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا فصلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأصحابه صلاة الظّهر أربع ركعاتٍ ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جميعاً فهمّ به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم.
قوله تعالى: إنّ الكافرين كانوا لكم عدوّاً مبيناً. [5896]
حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا ورقاء، عن منصورٍ عن مجاهدٍ، عن أبي عياش الزرقي قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعسفان فحضرت الصّلاة، صلاة الظّهر، وعلى المشركين خالد بن الوليد، قال: فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأصحابه الظّهر، فقال المشركون: إنّ لهم صلاةً بعد هذه أحبّ إليهم من أبنائهم وأموالهم وأنفسهم، يعنون صلاة العصر قال: فنزل جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبره بين الظّهر والعصر، ونزلت هذه الآية: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصّلاة إلى آخرها). [تفسير القرآن العظيم: 3/1051-1052]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وذلك يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والعدو بضجنان فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر أربع ركعات ركوعهم وسجودهم وقيامهم وقعودهم جميعا فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم إذا قاموا للعصر فأنزل الله عز وجل وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوات فلتقم طائفة منهم معك إلى آخر فصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه خلفه صفين ثم كبر بهم وكبروا جميعا ثم سجد الأولون بسجود النبي والآخرون قيام ثم سجد الآخرون ثم كبر بهم وكبروا جميعا فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف الأول فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة وقصرت صلاة العصر ركعتين). [تفسير مجاهد: 171-172]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (م ت د س) يعلى بن أمية - رضي الله عنه - قال: قلت لعمر بن الخطاب {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] فقد أمن النّاس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». أخرجه الجماعة إلا البخاري والموطأ.
وأول حديث أبي داود قال: قلت: لعمر: إقصار النّاس الصلاة اليوم؟ وإنما قال الله... وذكر الحديث). [جامع الأصول: 2/104-105]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (س) [أمية بن] عبد الله بن خالد بن أسيد - رحمه الله - أنه قال لابن عمر: كيف تقصر الصلاة؟ وإنما قال الله -عز وجل-: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} فقال ابن عمر: يا ابن أخي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن ضلالٌ فعلّمنا، فكان فيما علمنا: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نصلّي ركعتين في السّفر. أخرجه النسائي). [جامع الأصول: 2/105]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن الجارود، وابن خزيمة والطحاوي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه، وابن حبان عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقد أمن الناس فقال لي عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان، فقلت: فأين قوله تعالى {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ونحن آمنون فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان والبيهقي في "سننه" عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر إنا لا نجدها في كتاب الله إنما نجد ذكر صلاة الخوف فقال ابن عمر: يا ابن أخي إن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا فإنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: صليت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ركعتين.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: سافرت إلى مكة فكنت أصلي ركعتين فلقيني قراء من أهل هذه الناحية فقالوا: كيف تصلي قلت ركعتين قالوا أسنة وقرآن قلت: كل سنة وقرآن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، قالوا إنه كان في حرب قلت: قال الله (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) (الفتح الآية 27) وقال {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}
فقرأ حتى بلغ (فإذا اطمأننتم) (النساء الآية 102).
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ركعتين.
وأخرج ابن جرير، عن علي، قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي فأنزل الله {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم فقال قائل منهم: إن لهم مثلها أخرى في أثرها فأنزل الله بين الصلاتين {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} إلى قوله {إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} فنزلت صلاة الخوف.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: قال رجل: يا رسول الله إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي ركعتين.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ {أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ولا يقرأ {إن خفتم} وهي في مصحف عثمان {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}.
وأخرج ابن جرير من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: في السفر أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب وكان يخاف هل تخافون أنتم
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر قال: عائشة وسعد بن أبي وقاص.
وأخرج ابن جرير عن أمية بن عبد الله أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} قال: أنزلت يوم كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعا ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جمعا فهم به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فأنزل الله (فلتقم طائفة منهم معك) (النساء الآية 102) فصلى العصر فصف أصحابه صفين ثم كبر بهم جميعا ثم سجد الأولون لسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثم كبر بهم وركعوا جميعا فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف المقدم فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة وقصر العصر إلى ركعتين.
وأخرج عبد الرزاق، عن طاووس في قوله {أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} قال: قصرها من الخوف والقتال الصلاة في كل وجه راكبا وماشيا قال: فأما صلاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الركعتان وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر هو وفاؤها.
وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار في قوله {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} قال: إنما ذلك إذا خافوا الذين كفروا وسن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ركعتين وليس بقصر ولكنها وفاء.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام والتقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة والتقصير ركعة يقوم الإمام ويقوم معه طائفتان طائفة خلفه وطائفة يوازون العدو فيصلي بمن معه ركعة ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم وتلك المشية القهقرى ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة ثم يجلس الإمام فيسلم فيقومون فيصلون لأنفسهم ركعة ثم يرجعون إلى صفهم ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعته شيئا تجزئه ركعة الإمام فيكون للإمام ركعتان ولهم ركعة فذلك قول الله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) إلى قوله (وخذوا حذركم) (النساء الآية 102).
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {أن يفتنكم الذين كفروا} قال: بالعذاب والجهل بلغة هوزان، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
كل امرئ من عباد الله مضطهد = ببطن مكة مقهور ومفتون.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر إنما القصر صلاة المخافة، قلت: وما صلاة المخافة قال: يصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء وهؤلاء إلى مكان هؤلاء فيصلي بهم ركعة فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة.
وأخرج مالك، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عائشة قالت: فرضت الصلاة على النّبيّ بمكة ركعتين ركعتين فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعا وأقرت صلاة السفر ركعتين.
وأخرج أحمد والبيهقي في "سننه" عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب فرضت ثلاثا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر والصبح لأنها تطول فيها القراءة.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان.
وأخرج الشافعي والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس أنه سئل أتقصر إلى عرفة فقال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير والنحاس عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وإذا ضربتم في الأرض} الآية، قال:
قصر الصلاة - إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة - أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكبا كنت أو ماشيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرة من حيث كان وجهه). [الدر المنثور: 4/650-658]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 09:32 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,922
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)}

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {يجد في الأرض مراغماً كثيراً...}
ومراغمة مصدران. فالمراغم: المضطرب والمذهب في الأرض). [معاني القرآن: 1/284]

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة): المراغم والمهاجر واحد، تقول: راغمت وهاجرت قومي، وهي المذاهب، قال النابغة الجعديّ:
كطودٍ يلاذ بأركانه... عزيز المراغم والمهرب
(فقد وقع أجره على الله): ثوابه وجب). [مجاز القرآن: 1/138]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({مراغما}: سعة ومذهبا). [غريب القرآن وتفسيره: 123]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ( (المراغم) و(المهاجر) واحد. تقول: راغمت وهاجرت [قومي]. وأصله: أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم. أي مغاضبا، ومهاجرا. أي مقاطعا من الهجران. فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: هجرة - لأنها كانت بهجرة الرجل قومه.
قال الجعدي:
عزيز المراغم والمذهب). [تفسير غريب القرآن:134-135]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله: (ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورا رحيما (100)
معنى مراغم معنى مهاجر، المعنى يجد في الأرض مهاجرا، لأن المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة، وإن اختلف اللفظان وقال الشاعر:
إلى بلد غير داني المحل... بعيد المراغم والمضطرب
وقيل المراغم ههنا المضطرب، وليس المراغم ههنا إلا المضطرب في حال هجرة، وإن كان مشتقا من الرغام، والرغام التراب وتأويل قولك راغمت فلانا أي هجرته وعاديته، ولم أبال رغم أنفه، أي وإن لصق أنفه بالتراب.
والرغام والرغائم ما يسيل من الأنف، والأنف يوصف بالرغم فيضرب مثلا لكل ذليل فيقال على رغم أنفه). [معاني القرآن: 2/96-97]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة} المراغم عند أهل اللغة والمهاجر واحد يقال راغمت فلانا إذا هجرته وعاديته كأنك لا تباليه وإن لصق أنفه بالرغام وهو التراب
وقيل إنما سمي مهاجرا ومراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم فسمي خروجه مراغما وسمي مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مراغما يقول متحولا من أرض إلى أرض قال وسعة يقول في الرزق وقال قتادة من الضلالة إلى الهدى أي سعة من تضييق ما كان فيه من أنه لا يقدر على إظهار دينه
واللفظة تحتمل المعنيين لأنه لا خصوص فيها). [معاني القرآن: 2/174-176]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} قال سعيد بن جبير نزلت في رجل يقال له ضمرة من خزاعة كان مصابا ببصره فقال أخرجوني فلما صاروا به إلى التنعيم مات فنزلت هذه الآية فيه). [معاني القرآن: 2/176]

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( (مراغما) أي: مضطربا، يقال: عبد مراغم من مواليه، أي: مضطرب).
[ياقوتة الصراط: 202]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ( (والمراغم) والمهاجر سواء). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 63]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({مُرَاغَماً}: منعة). [العمدة في غريب القرآن: 114]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (أن تقصروا من الصّلاة) أي تنقصوا منها). [مجاز القرآن: 1/138]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}
قال يعلى بن أمية سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقلت إنما كان هذا وقت الخوف وقد زال اليوم فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته ومعنى ضربتم في الأرض سافرتم كما قال {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} وفي معنى قوله جل وعز: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} قولان: أحدهما أنه إباحة لا حتم كما قال {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} والقول الآخر أن هذا فرض المسافر كما روت عائشة فرضت الصلاة ركعتين فأقرت في السفر وزيد في صلاة الحضر ويكون مثل قوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} والطواف حتم وروي عن أبي بن كعب أنه قرأ (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا) وليس فيه (إن خفتم) فالمعنى على قراءته كراهة أن يفتنكم الذين كفروا ثم حذف مثل {واسأل القرية} يقال قصر الصلاة وقصرها وأقصرها). [معاني القرآن: 2/176-178]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: {إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} عدو ههنا بمعنى أعداء).
[معاني القرآن: 2/179]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27 ربيع الثاني 1434هـ/9-03-2013م, 11:52 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,922
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) }
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وقال أبو العباس في قوله عز وجل: {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا}، أي مضطربًا ومذهبًا. وراغم الرجل أهله، إذا تباعد عنهم وفارقهم). [مجالس ثعلب: 190]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 07:17 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 07:17 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 07:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 07:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والمراغم: المتحول والمذهب، كذا قال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم، ومنه قول النابغة الجعدي: [المتقارب]
كطود يلاذ بأركانه = عزيز المراغم والمذهب
وقول الآخر: [المتقارب]
إلى بلد غير داني المحل = بعيد المراغم والمضطرب
وقال مجاهد: «المراغم» المتزحزح عما يكره. وقال ابن زيد: «المراغم» المهاجر، وقال السدي: «المراغم» المبتغى للمعيشة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص باللفظة، فإن «المراغم» موضع بالمراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة، من صعد فيه أمام طالب له وتوقل فقد أرغم أنف ذلك الطالب. وقرأ نبيح والجراح والحسن بن عمران «مرغما» بفتح الميم وسكون الراء دون ألف. قال أبو الفتح: هذا إنما هو على حذف الزوائد من راغم، والجماعة على «مراغم»، وقال ابن عباس والربيع والضحاك وغيرهم: السّعة هنا هي السعة في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وقال مالك: السعة سعة البلاد.
قال القاضي رحمه الله: والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة المعاقل، وبذلك تكون «السعة» في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر [حطان بن المعلّى].
لكان لي مضطرب واسع = في الأرض ذات الطّول والعرض
ومنه قول الآخر: [الوافر]
وكنت إذا خليل رام قطعي = وجدت وراي منفسحا عريضا
وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: ألم تكن أرض اللّه واسعةً وقال مالك بن أنس رضي الله عنه:
الآية تعطي أن كل مسلم ينبغي أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن ويعمل فيها بغير الحق، وقوله تعالى ومن يخرج من بيته الآية: حكم باق في الجهاد والمشي إلى الصلاة والحج ونحوه، أما أنه لا يقال: إن بنفس خروجه ونيته حصل في مرتبة الذي قضى ذلك الفرض أو العبادة في الجملة، ولكن يقال: وقع له بذلك أجر عظيم، وروي: أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من كنانة، وقيل: من خزاعة من بني ليث، وقيل: من جندع، لما سمع قول الله عز وجل الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا قال:
إني لذو مال وعبيد- وكان مريضا- فقال: أخرجوني إلى المدينة، فأخرج في سرير فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت الآية بسببه، واختلف في اسمه، فحكى الطبري عن ابن جبير: أنه ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، وحكي عن السدي: أنه ضمرة بن جندب، وحكي عن عكرمة: أنه جندب بن ضمرة الجندعي، وحكي عن ابن جبير أيضا: أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث، وحكى أبو عمر بن عبد البر: أنه ضمرة بن العيص، وحكى المهدوي: أنه ضمرة بن نعيم، وقيل: ضمرة بن خزاعة، وقرأت الجماعة «ثم يدركه الموت» بالجزم عطفا على يخرج وقرأ طلحة بن سليمان وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو «ثم يدركه» برفع الكاف- قال أبو الفتح: هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه الموت فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة، وعلى هذا حمل يونس بن حبيب قول الأعشى: [البسيط]
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا = أو تنزلون فإنّا معشر نزل
المراد وأنتم تنزلون وعليه قول الآخر [رويشد بن كثير الطائي]: [البسيط]
إن تذنبوا ثمّ تأتيني بقيتكم = فما عليّ بذنب عندكم فوت
المعنى: ثم أنتم تأتيني. وهذا أوجه من أن يحمله على قول الآخر: [الوافر]
ألم يأتيك والأنباء تنمى = ... ... ... ...
وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة ونبيح والجراح «ثم يدركه» بنصب الكاف وذلك على إضمار «أن» كقول الأعشى: [الطويل]
لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها = ويأوي إليها المستجير فيعصما
أراد: فأن يعصم- قال أبو الفتح: وهذا ليس بالسهل وإنما بابه الشعر لا القرآن، وأنشد ابن زيد: [الوافر]
سأترك منزلي لبني تميم = والحق بالحجاز فأستريحا
والآية أقوى من هذا لتقدم الشرط قبل المعطوف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ومن هذه الآية رأى بعض العلماء أن من مات من المسلمين وقد خرج غازيا فله سهمه من الغنيمة، قاسوا ذلك على «الأجر»، وقد تقدم معنى الهجرة فيما سلف ووقع عبارة عن الثبوت وقوة اللزوم وكذلك هي- وجب- لأن الوقوع والوجوب نزول في الأجرام بقوة. فشبه لازم المعاني بذلك.
وباقي الآية بيّن). [المحرر الوجيز: 2/643-646]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبيناً (101) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصّلاة فلتقم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم
ضربتم معناه: سافرتم. فأهل الظاهر يرون القصر في كل سفر يخرج عن الحاضرة، وهي من حيث تؤتى الجمعة، وهذا قول ضعيف، واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهويه: تقصر الصلاة في أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلا.
وحجتهم أحاديث رويت في ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال الحسن والزهري: تقصر الصلاة في مسيرة يومين ولم يذكرا أميالا، وروي هذا القول عن مالك، وروي عنه أيضا: تقصر الصلاة في يوم وليلة، وهذه الأقوال الثلاثة تتقارب في المعنى، وروي عن ابن عباس وابن عمر: أن الصلاة تقصر في مسيرة اليوم التام، وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلا، وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على مسيرة خمسة وأربعين ميلا، قال: يقصر، وعن ابن القاسم في العتبية: أن قصر في ستة وثلاثين فلا إعادة عليه، وقال يحيى بن عمر: يعيد أبدا، وقال ابن عبد الحكم: في الوقت، وقال ابن مسعود وسفيان والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: من سافر مسيرة ثلاث قصر، قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل ومشي الأقدام، وروي عن أنس بن مالك: أنه قصر في خمسة عشر ميلا، قال الأوزاعي: عامة العلماء في القصر في مسيرة اليوم التام، وبه نأخذ.
واختلف الناس في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس، واختلف الناس فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح، كالتجارة ونحوها، وروي عن ابن مسعود أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد، وقال عطاء لا تقصر الصلاة إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير، وقد روي عن عطاء أنها تقصر في كل المباح، والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما، وروي عن الأوزاعي وأبي حنيفة إباحة القصر في جميع ذلك. وجمهور العلماء على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدونة وابن حبيب وجماعة المذهب، قال ابن القاسم في المدونة: ولم يحد لنا مالك في القرب حدا، وروي عن مالك إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال وإلى ذلك في الرجوع، وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها، وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى، وروي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل، وهو شاذ، وقد ثبت أن النبي عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وليس بينهما ثلث يوم، ويظهر من قوله تعالى فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا أن القصر مباح أو مخير فيه، وقد روى ابن وهب عن مالك: أن المسافر مخير، وقاله الأبهري، وعليه حذاق المذهب، وقال مالك في المبسوط: القصر سنة. وهذا هو جمهور المذهب، وعليه جواب المدونة بالإعادة في الوقت لمن أتم في سفره، وقال محمد بن سحنون وإسماعيل القاضي: القصر فرض، وبه قال حماد بن أبي سليمان، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس أنه قال: من صلى في السفر أربعا فهو كمن صلى في الحضر ركعتين، وحكى ابن المنذر عن عمر بن الخطاب: أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى، ويؤيد هذا قول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: أن تقصروا فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنين من أربع، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنّا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة ثم انقطع الكلام، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي عليه السلام، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، فهلا شددتم عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى في أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا إلى آخر صلاة الخوف، وذكر الطبري في سرد هذه المقالة حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب، إن الله تعالى يقول إن خفتم وقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، قال الطبري: وهذا كله قول حسن، إلا أن قوله تعالى: وإذا كنت تؤذن بانقطاع ما بعدها مما قبلها، فليس يترتب من لفظ الآية، إلا أن القصر مشروط بالخوف، وفي قراءة أبيّ بن كعب «أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا» - بسقوط إن خفتم وثبتت في مصحف عثمان رضي الله عنه، وذهبت جماعة أخرى إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة القصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له، وروي عن عائشة أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، فقالت: إنه كان في حرب وكان يخاف، وهل أنتم تخافون؟ وقال عطاء: كان يتم الصلاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص، وأتم عثمان بن عفان، ولكن علل ذلك بعلل غير هذه، وكذلك علل إتمام عائشة رضي الله عنها أيضا بغير هذا وقال آخرون: القصر المباح في هذه الآية إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي تمام، وقصرها أن تصير ركعة، قال السدي: إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن يخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا، ويكون للإمام ركعتان، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: ركعتان في السفر تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء فيصلي بهم ركعة، فتكون للإمام ركعتان ولهم ركعة، ركعة، وقال نحو هذا سعيد بن جبير وجابر بن عبد الله وكعب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاصي ذلك، وروى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة بكل طائفة ولم يقضوا، وقال مجاهد عن ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، وروى جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم حارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، وقال آخرون: هذه الآية مبيحة القصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه إلى تكبيرتين إلى تكبيرة على ما تقدم من أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: فإن خفتم فرجالًا أو ركباناً [البقرة: 239] ورجح الطبري هذا القول، وقال: إنه يعادله قوله فإذا اطمأننتم فأقيموا الصّلاة أي بحدودها وهيئتها الكاملة، وقرأ الجمهور «تقصروا» بفتح التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه «تقصروا» بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري «تقصّروا» بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها. ويفتنكم معناه: يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو
هذا قول صاحب الحائط: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت، وعدو وصف يجري على الواحد والجماعة، و «مبين» مفعل من أبان، المعنى: قد جلحوا في عدواتكم وراموكم كل مرام). [المحرر الوجيز: 3/5-9]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 07:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 07:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,360
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً} هذا تحريض على الهجرة، وترغيبٌ في مفارقة المشركين، وأنّ المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحةً وملجأً يتحصّن فيه، و "المراغم" مصدرٌ، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمةً، قال نابغة بني جعدة.
كطودٍ يلاذ بأركانه = عزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عبّاسٍ: "المراغم": التّحوّل من أرضٍ إلى أرضٍ. وكذا روي عن الضّحّاك والرّبيع بن أنسٍ، الثّوريّ، وقال مجاهدٌ: {مراغمًا كثيرًا} يعني: متزحزحًا عمّا يكره. وقال سفيان بن عيينة: {مراغمًا كثيرًا} يعني: بروجًا.
والظّاهر -واللّه أعلم-أنّه التّمنّع الّذي يتحصّن به، ويراغم به الأعداء.
قوله: {وسعةً} يعني: الرّزق. قاله غير واحدٍ، منهم: قتادة، حيث قال في قوله: {يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً} إي، واللّه، من الضّلالة إلى الهدى، ومن القلّة إلى الغنى.
وقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} أي: ومن خرج من منزله بنيّة الهجرة، فمات في أثناء الطّريق، فقد حصل له من اللّه ثواب من هاجر، كما ثبت في الصّحيحين وغيرهما من الصّحاح والمسانيد والسّنن، من طريق يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ عن محمّد بن إبراهيم التّيميّ، عن علقمة بن وقّاص اللّيثيّ، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله، فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وهذا عامٌّ في الهجرة وفي كلّ الأعمال. ومنه الحديث الثّابت في الصّحيحين في الرّجل الّذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا. ثمّ أكمل بذلك العابد المائة، ثمّ سأل عالمًا: هل له من توبةٍ؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التّوبة؟ ثمّ أرشده إلى أن يتحوّل من بلده إلى بلدٍ آخر يعبد اللّه فيه، فلمّا ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخر، أدركه الموت في أثناء الطّريق، فاختصمت فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنّه جاء تائبًا. وقال هؤلاء: إنّه لم يصل بعد. فأمروا أنّ يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيّتهما كان أقرب كان منها، فأمر اللّه هذه أن يقرب من هذه، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض الّتي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرّحمة. وفي روايةٍ: أنّه لمّا جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض الّتي هاجر إليها.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن إبراهيم، عن محمّد بن عبد اللّه بن عتيك، عن أبيه عبد اللّه بن عتيك قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: " من خرج من بيته مهاجرًا في سبيل اللّه-ثمّ قال بأصابعه هؤلاء الثّلاث: الوسطى والسّبّابة والإبهام، فجمعهنّ وقال: وأين المجاهدون-؟ فخرّ عن دابّته فمات فقد وقع أجره على اللّه، أو لدغته دابّةٌ فمات، فقد وقع أجره على اللّه أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على اللّه -واللّه! إنّها لكلمةٌ ما سمعتها من أحدٍ من العرب قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم-ومن قتل قعصًا فقد استوجب المآب.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عبد الرّحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزاميّ حدّثني عبد الرّحمن بن المغيرة الحزاميّ عن المنذر بن عبد اللّه، عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ أنّ الزّبير بن العوّام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حيّةٌ في الطّريق فمات، فنزلت فيه: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيمًا} قال الزّبير: فكنت أتوقّعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيءٌ حزن وفاته حين بلغني؛ لأنّه قلّ أحدٌ ممّن هاجر من قريشٍ إلّا معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحدٌ من بني أسد بن عبد العزّى، ولا أرجو غيره.
وهذا الأثر غريبٌ جدًّا فإنّ هذه القصّة مكّيّةٌ، ونزول هذه الآية مدنيّةٌ، فلعلّه أراد أنّها أنزلت تعمّ حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النّزول، واللّه أعلم.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا سليمان بن داود مولى عبد اللّه بن جعفرٍ، حدّثنا سهل بن عثمان، حدّثنا عبد الرّحمن بن سليمان، عن الأشعث -هو ابن سوّار-عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطّريق قبل أن يصل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله [ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيمًا]}.
وحدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ عن أبي ضمرة بن العيص الزّرقي، الّذي كان مصاب البصر، وكان بمكّة فلمّا نزلت: {إلا المستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان لا يستطيعون حيلةً} فقلت: إنّي لغنيٌّ، وإنّي لذو حيلةٍ، [قال] فتجهّز يريد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأدركه الموت بالتّنعيم، فنزلت هذه الآية: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللّه ورسوله ثمّ يدركه الموت [فقد وقع أجره على اللّه وكان اللّه غفورًا رحيمًا]}
قال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا إبراهيم بن زيادٍ سبلان، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن حميد بن أبي حميدٍ، عن عطاء بن يزيد اللّيثيّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من خرج حاجًّا فمات، كتب له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل اللّه فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة".
وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه). [تفسير القرآن العظيم: 2/390-393]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا (101)}
يقول تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [وآخرون يقاتلون في سبيل الله]} الآية [المزّمّل: 20].
وقوله: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} أي: تخفّفوا فيها، إمّا من كمّيّتها بأن تجعل الرّباعيّة ثنائيّةً، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلّوا بها على قصر الصّلاة في السّفر، على اختلافهم في ذلك: فمن قائلٍ لا بدّ أن يكون سفر طاعةٍ، من جهادٍ، أو حجٍّ، أو عمرةٍ، أو طلب علمٍ، أو زيارةٍ، وغير ذلك، كما هو مرويٌّ عن ابن عمر وعطاءٍ، ويحكى عن مالكٍ في روايةٍ عنه نحوه، لظاهر قوله: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا}
ومن قائلٍ لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله: {فمن اضطرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ [فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ]} [المائدة: 3] أباح له تناول الميتة مع اضطراره إلّا بشرط ألّا يكون عاصيًا بسفره. وهذا قول الشّافعيّ وأحمد وغيرهما من الأئمّة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء رجلٌ فقال: يا رسول اللّه، إنّي رجلٌ تاجرٌ، أختلف إلى البحرين "فأمره أن يصلّي ركعتين" وهذا مرسلٌ.
ومن قائلٍ: يكفي مطلق السّفر، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، حتّى لو خرج لقطع الطّريق وإخافة السّبيل، ترخّص، لوجود مطلق السّفر. وهذا قول أبي حنيفة، رحمه الله، والثوري وداود، لعموم الآية وخالفهم الجمهور. وأمّا قوله: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} فقد يكون هذا خرّج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإنّ في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفةً، بل ما كانوا ينهضون إلّا إلى غزوٍ عامٍّ، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب الإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثةٍ فلا مفهوم له، كقوله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّنًا} [النّور: 33]، وكقوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} الآية [النّساء: 23].
وقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدريس، حدّثنا ابن جريج، عن ابن أبي عمّارٍ، عن عبد اللّه بن بابيه، عن يعلى بن أميّة قال: سألت عمر بن الخطّاب قلت: {ليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} وقد أمّن اللّه النّاس ؟ فقال لي عمر: عجبت ممّا عجبت منه، فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، فقال: "صدقةٌ تصدّق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته".
وهكذا رواه مسلمٌ وأهل السّنن، من حديث ابن جريجٍ، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن أبي عمّارٍ، به. وقال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال عليّ بن المدينيّ: هذا حديثٌ صحيحٌ من حديث عمر، ولا يحفظ إلّا من هذا الوجه، ورجاله معروفون وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا مالك بن مغول، عن أبي حنظلة الحذّاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السّفر فقال: ركعتان. فقلت: أين قوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا} ونحن آمنون؟ فقال: سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال ابن مردويه: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، حدّثنا عليّ بن محمّد بن سعيدٍ، حدّثنا منجاب، حدّثنا شريك، عن قيس بن وهبٍ، عن أبي الودّاك: سألت ابن عمر عن ركعتين في السّفر؟ فقال: هي رخصةٌ، نزلت من السّماء، فإن شئتم فردّوها.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عبّاسٍ قال: صلّينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين مكّة والمدينة، ونحن آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين.
وكذا رواه النّسائيّ، عن محمّد بن عبد الأعلى، عن خالدٍ الحذّاء عن عبد اللّه بن عونٍ، به قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب، وهشام، ويزيد بن إبراهيم التّستري، عن محمّد بن سيرين، عن ابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنهما، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، مثله.
قلت: وهكذا رواه التّرمذيّ والنّسائيّ جميعًا، عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن محمّد بن سيرين، عن ابن عبّاسٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من المدينة إلى مكّة، لا يخاف إلّا ربّ العالمين، فصلّى ركعتين، ثمّ قال التّرمذيّ: صحيحٌ.
وقال البخاريّ: حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة إلى مكّة، فكان يصلّي ركعتين ركعتين، حتّى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكّة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
وهكذا أخرجه بقيّة الجماعة من طرقٍ عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرميّ، به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهبٍ الخزاعي قال: صلّيت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الظّهر والعصر بمنًى -أكثر ما كان النّاس وآمنه -ركعتين.
ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرقٍ، عن أبي إسحاق السّبيعي، عنه، به ولفظ البخاريّ: حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهبٍ قال: صلّى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آمن ما كان بمنى ركعتين.
وقال البخاريّ: حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، حدّثنا عبيد اللّه، أخبرنا نافعٌ، عن عبد اللّه بن عمر قال: صلّيت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ركعتين، وأبي بكرٍ وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثمّ أتمّها.
وكذا رواه مسلمٌ من حديث يحيى بن سعيدٍ القطّان [الأنصاريّ] به.
وقال البخاريّ: حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد الواحد، عن الأعمش، حدّثنا إبراهيم، سمعت عبد الرّحمن بن يزيد يقول: صلّى بنا عثمان بن عفّان، رضي اللّه عنه، بمنًى أربع ركعاتٍ، فقيل في ذلك لعبد اللّه بن مسعودٍ فاسترجع، ثمّ قال: صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمنًى ركعتين، وصلّيت مع أبي بكرٍ بمنى ركعتين، وصلّيت مع عمر بن الخطّاب بمنًى ركعتين، فليت حظّي مع أربع ركعاتٍ ركعتان متقبّلتان.
ورواه البخاريّ أيضًا من حديث الثّوريّ، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلمٌ من طرقٍ، عنه. منها عن قتيبة كما تقدّم.
فهذه الأحاديث دالّةٌ صريحًا على أنّ القصر ليس من شرطه وجود الخوف؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إنّ المراد من القصر هاهنا إنّما هو قصر الكيفيّة لا الكمّيّة. وهو قول مجاهدٍ، والضّحّاك، والسّدّيّ كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضًا بما رواه الإمام مالكٌ، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة، رضي اللّه عنها، أنّها قالت: فرضت الصّلاة ركعتين ركعتين في السّفر والحضر، فأقرّت صلاة السّفر؛ وزيد في صلاة الحضر.
وقد روى هذا الحديث البخاريّ عن عبد اللّه بن يوسف التنّيسي، ومسلمٌ عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنّسائي عن قتيبة، أربعتهم عن مالكٍ، به.
قالوا: فإذا كان أصل الصّلاة في السّفر هي الثّنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمّيّة؛ لأنّ ما هو الأصل لا يقال فيه: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة}؟
وأصرح من ذلك دلالةً على هذا، ما رواه الإمام أحمد: حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان -وعبد الرّحمن حدّثنا سفيان -عن زبيد الياميّ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن عمر، رضي اللّه عنه، قال: صلاة السّفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غير قصرٍ، على لسان محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وهكذا رواه النّسائيّ وابن ماجه، وابن حبّان في صحيحه، من طرقٍ عن زبيد الياميّ به.
وهذا إسنادٌ على شرط مسلمٍ. وقد حكم مسلمٌ في مقدّمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى، عن عمر. وقد جاء مصرّحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصّواب إن شاء اللّه. وإن كان يحيى بن معين، وأبو حاتمٍ، والنّسائيّ قد قالوا: إنّه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضًا، فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي، من طريق الثّوريّ، عن زبيد، عن عبد الرّحمن [بن أبي ليلى] عن الثّقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن زبيدٍ، عن عبد الرّحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر، به.، فاللّه أعلم.
وقد روى مسلمٌ في صحيحه، وأبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه، من حديث أبي عوانة الوضّاح بن عبد اللّه اليشكري -زاد مسلمٌ والنّسائيّ: وأيّوب بن عائدٍ -كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ قال: فرض اللّه الصّلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعًا، وفي السّفر ركعتين وفي الخوف ركعةً، [هكذا رواه وكيعٌ وروح بن عبادة عن أسامة بن زيدٍ اللّيثيّ: حدّثني الحسن بن مسلم بن يساف عن طاوسٍ عن ابن عبّاسٍ قال: فرض اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الصّلاة في الحضر أربعًا وفي السّفر ركعتين] فكما يصلّى في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلّى في السّفر.
ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيدٍ، عن طاوسٍ نفسه.
فهذا ثابتٌ عن ابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنهما ولا ينافي ما تقدّم عن عائشة لأنّها أخبرت أنّ أصل الصّلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلمّا استقرّ ذلك صحّ أن يقال: إنّ فرض صلاة الحضر أربعٌ، كما قاله ابن عبّاسٍ، واللّه أعلم. لكن اتّفق حديث ابن عبّاسٍ وعائشة على أنّ صلاة السّفر ركعتان، وأنّها تامّةٌ غير مقصورةٍ، كما هو مصرّحٌ به في حديث عمر، رضي اللّه عنه، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} قصر الكيفيّة كما في صلاة الخوف؛ ولهذا قال: {إن خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا [إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا]}.
ولهذا قال بعدها: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصّلاة [فلتقم طائفةٌ منهم معك]} الآية فبيّن المقصود من القصر هاهنا وذكر صفته وكيفيته؛ ولهذا لما اعتضد البخاريّ
"كتاب صلاة الخوف" صدّره بقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} إلى قوله: {إنّ اللّه أعدّ للكافرين عذابًا مهينًا}
وهكذا قال جويبر، عن الضّحّاك في قوله: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} قال: ذاك عند القتال، يصلّي الرّجل الرّاكب تكبيرتين حيث كان وجهه.
وقال أسباطٌ، عن السّدّيّ في قوله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم} الآية: إنّ الصّلاة إذا صلّيت ركعتين في السّفر فهي تمامٌ، التّقصير لا يحلّ، إلّا أن تخاف من الّذين كفروا أن يفتنوك عن الصّلاة، فالتّقصير ركعةٌ.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} يوم كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلّى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأصحابه صلاة الظّهر أربع ركعاتٍ، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم.
روى ذلك ابن أبي حاتمٍ. ورواه ابن جريرٍ، عن مجاهدٍ والسّدّيّ، وعن جابرٍ وابن عمر، واختار ذلك أيضًا، فإنّه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصّواب. وقال ابن جريرٍ: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، حدّثنا ابن أبي فديك، حدّثنا ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن أميّة بن عبد اللّه بن خالد بن أسيدٍ: أنّه قال لعبد اللّه بن عمر: إنّا نجد في كتاب اللّه قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد اللّه: إنّا وجدنا نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم يعمل عملًا عملنا به.
فقد سمّى صلاة الخوف مقصورةً، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقرّه ابن عمر على ذلك، واحتجّ على قصر الصّلاة في السّفر بفعل الشّارع لا بنصّ القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جريرٍ أيضًا: حدّثني أحمد بن الوليد القرشيّ، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفيّ: سألت ابن عمر عن صلاة السّفر، فقال: ركعتان تمام غير قصرٍ، إنّما القصر صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلّي الإمام بطائفةٍ ركعةً، ثمّ يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلّي بهم ركعةً، فيكون للإمام ركعتان، ولكلّ طائفةٍ ركعةٌ ركعةٌ). [تفسير القرآن العظيم: 2/393-398]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة