العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير جزء قد سمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 08:53 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي تفسير سورة التحريم [ من الآية (1) إلى الآية (5) ]

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 08:55 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة والشعبي في قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قالا حرم النبي جاريته قال الشعبي حلف النبي بيمين مع التحريم فعاتبه الله في التحريم وجعل له كفارة اليمين.
قال معمر وأما قتادة فقال حرمها فكانت يمينا). [تفسير عبد الرزاق: 2/301]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان النبي إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة فسلم عليهن وكانت حفصة قد أهدي لها عسل وكان النبي إذا دخل عليها خاضت له من ذلك العسل فسقته منه فيجلس عندها فغارت عائشة فجمعتهن فقالت لأزواج النبي امرأة امرأة إذا دخل عليكن فقولي ما هذه الريح التي أجدها منك يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول سقتني حفصة عسلا فقولي جرست نحلة العرفط قال فدخل على سودة قالت فأردت أن أقول له قبل أن يدخل فرقا من عائشة قالت فلما دخل قلت ما هذه الريح التي أجد منك يا رسول الله أأكلت مغافير قال لا ولكن حفصة سقتني عسلا فقالت جرست نحله العرفط ثم دخل عليهن امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك ثم دخل على عائشة فقالت له أيضا ذلك فلما كان الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشرب وحرمه عليه فأنزل الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزوجك والله غفور رحيم). [تفسير عبد الرزاق: 2/301-302]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك واللّه غفورٌ رحيمٌ}
- حدّثنا معاذ بن فضالة، حدّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن ابن حكيمٍ هو يعلى بن حكيمٍ الثّقفيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّ ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: «في الحرام يكفّر» وقال ابن عبّاسٍ: « (لقد كان لكم في رسول اللّه إسوةٌ حسنةٌ) ».
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبيد بن عميرٍ، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: كان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يشرب عسلًا عند زينب بنت جحشٍ، ويمكث عندها، فواطيت أنا وحفصة على، أيّتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إنّي أجد منك ريح مغافير، قال: «لا، ولكنّي كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحشٍ، فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا»). [صحيح البخاري: 6/156]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك الآية سقط باب لغير أبي ذرٍّ وساقوا الآية إلى رحيمٌ
- قوله حدّثنا هشامٌ هو الدّستوائيّ ويحيى هو بن أبي كثير قوله عن بن حكيمٍ هو يعلى بن حكيمٍ ووقع في رواية الأصيليّ عن أبي زيدٍ المروزيّ بأنّ أحمد الجرجانيّ يحيى عن بن حكيمٍ لم يسمّه عن سعيد بن جبيرٍ وذكر أبو عليٍّ الجيّانيّ أنّه وقع في رواية أبي عليّ بن السّكن مسمًّى فقال فيه عن يحيى عن يعلى بن حكيمٍ قال ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن السّرخسيّ هشامٌ عن يعلى بن حكيمٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال الجيّانيّ وهو خطأٌ فاحشٌ قلت سقط عليه لفظة عن بين يحيى وبن حكيم قال ورواية بن السّكن رافعةٌ للنّزاع قلت وسمّاه يحيى بن أبي كثيرٍ في رواية معاوية بن سلّامٍ عنه كما سيأتي في كتاب الطّلاق قوله عن سعيد بن جبيرٍ زاد في رواية معاوية المذكورة أنه أخبره أنه سمع بن عبّاسٍ قوله في الحرام يكفّر أي إذا قال لامرأته أنت عليّ حرامٌ لا تطلّق وعليه كفّارة يمينٍ وفي رواية معاوية المذكورة إذا حرّم امرأته ليس بشيءٍ وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الطّلاق وقوله في هذه الطّريق يكفّر ضبط بكسر الفاء أي يكفّر من وقع ذلك منه ووقع في رواية بن السّكن وحده يمينٌ تكفّر وهو بفتح الفاء وهذا أوضح في المراد والغرض من حديث بن عبّاسٍ قوله فيه لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة فإنّ فيه إشارةٌ إلى سبب نزول أوّل هذه السّورة وإلى قوله فيها قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم وقد وقع في بعض حديث بن عبّاسٍ عن عمر في القصّة الآتية في الباب الّذي يليه فعاتبه اللّه في ذلك وجعل له كفّارة اليمين واختلف في المراد بتحريمه ففي حديث عائشة ثاني حديثي الباب أنّ ذلك بسبب شربه صلّى اللّه عليه وسلّم العسل عند زينب بنت جحشٍ فإنّ في آخره ولن أعود له وقد حلفت وسيأتي شرح حديث عائشة مستوفًى في كتاب الطّلاق إن شاء اللّه تعالى ووقع عند سعيد بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ إلى مسروقٍ قال حلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحفصة لا يقرب أمته وقال هي عليّ حرامٌ فنزلت الكفّارة ليمينه وأمر أن لا يحرّم ما أحلّ اللّه ووقعت هذه القصّة مدرجة عند بن إسحاق في حديث بن عبّاسٍ عن عمر الآتي في الباب الّذي يليه كما سأبيّنه وأخرج الضّياء في المختارة من مسند الهيثم بن كليبٍ ثمّ من طريق جرير بن حازمٍ عن أيّوب عن نافع عن بن عمر عن عمر قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحفصة لا تخبري أحدًا أنّ أمّ إبراهيم عليّ حرامٌ قال فلم يقربها حتّى أخبرت عائشة فأنزل اللّه قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم وأخرج الطّبرانيّ في عشرة النّساء وبن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرّحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت يا رسول اللّه في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك فذكر نحوه وللطّبرانيّ من طريق الضّحّاك عن بن عبّاسٍ قال دخلت حفصة بيتها فوجدته يطأ مارية فعاتبته فذكر نحوه وهذه طرقٌ يقوّي بعضها بعضًا فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السّببين معًا وقد روى النّسائيّ من طريق حمّادٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ هذه القصّة مختصرةً أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كانت له أمةٌ يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة حتّى حرّمها فأنزل اللّه تعالى يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك الآية). [فتح الباري: 8/656-657]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {يا أيّها النبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفورٌ رحيمٌ} )
ليس فيه لفظ باب إلاّ لأبي ذر، والكل ساقوا الآية الكريمة إلى رحيم، وقد ذكرنا الآن الاختلاف في سبب نزولها وسيأتي مزيد الكلام إن شاء الله تعالى.
- حدّثنا معاذ بن فضالة حدّثنا هشامٌ عن يحيى هو يعلى بن حكيمٍ عن سعيدٍ بن جبيرٍ أنّ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال في الحرام يكفّر، وقال ابن عبّاسٍ: {لقد كان لكم في رسول الله إسوةٌ حسنةٌ} (الأحزاب: 12) .
مطابقته للتّرجمة تأخذ من قوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} لأن في تحريم الحلال كفّارة، ومعاذ، بضم الميم وبالعين المهملة والذال المعجمة ابن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف الضّاد المعجمة: الزهراني هشام والدستوائي، ويحيى هو ابن أبي كثير ضد القليل ويعلى بن حكيم بفتح الحاء الثّقفيّ البصريّ.
والحديث رواه مسلم عن زهير بن حرب أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام. قال كتب إلى يحيى بن أبي كثير أنه يحدث عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير، فذكره، ورواه ابن ماجه عن محمّد بن يحيى عن وهب بن جرير عن هشام كذلك. فإن قلت: كيف حال رواية البخاريّ على هذا. قلت: قالوا يحتمل أنه لم يطلع على هذه العلّة إذ لو اطلع عليها لذكرها، وليس بجواب كافٍ وقيل: لعلّ الكتابة والأخبار عنده سواء لأنّه قد صرح في (الجامع) بالكتابة في غير موضع، ورد هذا بأن المكاتبة عنده علّة يجب إظهارها إذا علمها، وفي أي موضع ذكرها أظهرها، والأحسن أن يقال في غير موضع، ورد هذا بأن المكاتبة عنده علّة يجب إظهارها إذا علمها، وفي أي موضع ذكرها أظهرهها والأحسن أن يقال إنّه يحمل على أن عنده أن هشاما لقي يحيى فحدثه بعد أن كان كتب له به، ورواه لمعاذ بالسّماع الثّاني، ولإسماعيل بالكتاب الأول، وذكر أبو عليّ أن في نسخة ابن السكن معاذ بن فضالة أخبرنا هشام عن يحيى عن يعلى، وفي نسخة أبي ذر عن الحمويّ عن الفريري. أخبرنا هشام عن يحيى بن حكيم عن سعيد، قال أبو عليّ: وهذا خطأ فاحش وصوابه هشام عن يحيى عن يعلى كما رواه ابن السكن.
قوله: (يكفر) بكسر الفاء أي: يكفر من وقع ذلك منه، ووقع في رواية ابن السكن وحده: يكفر بفتح الفاء أي: إذا قال: أنت عليّ حرام أو هذا عليّ حرام يكفر كفّارة اليمين وعن ابن عبّاس: إذا حرم امرأته ليس شيء، وعند النّسائيّ وسئل فقال: ليس عليك بحرام عليك الكفّار عتق رقبة، وقال ابن بطال عنه: يلزمه كفّارة الظّهار، قال: وهو قول أبي قلابة وابن جبير وهو قول أحمد، وعن الشّافعي: إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام إن نوى طلاقا كان طلاقا، وإن نوى ظهارًا كان ظهارًا وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا ظهار لزمه بنفس اللّفظ كفّارة يمين، ولا يكن ذلك يمينا. وإن لم ينو شيئا ففيه قولان أصحهما تلزمه كفّارة يمين، والثّاني أنه لغو لا شيء فيه. ولا يترتّب عليه شيء من الأحكام.
وذكر عياض في هذه المسألة أربعة عشر مذهبا: أحدها: المشهور من مذهب مالك إنّه يقع به ثلاث تطليقات سواء كانت مدخولا بها أم لا لكن لو نوى أقل من ثلاث قبل في غير المدخول بها خاصّة، وهو قول عليّ بن أبي طالب وزيد والحسن والحكم. والثّاني: أنه يقع تطليقات ولا تقبل نيتة في المدخول بها ولا غيرها، قاله ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون. الثّالث: أنه يقع به على المدخول بها ثلاث وعلى غيرها واحدة. قاله أبو مصعب ومحمّد بن عبد الحكم. الرّابع: أنه يقع به طلقة واحدة بائنة سواء المدخول بها وغيرها، وهي رواية عن مالك. الخامس: أنّها طلقة رجعيّة، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة المالكي. السّادس: أنه يقع ما نوى ولا يكون أقل من طلقة واحدة. قاله الزّهريّ. السّابع: أنه إن نوى واحدة أو عددا أو يمينا فله ما نوى وإلاّ فلغو قاله الثّوريّ. الثّامن: مثله إلاّ أنه إذا لم ينو شيئا لزمه كفّارة يمين قاله الأوزاعيّ وأبو ثور. التّاسع: مذهب الشّافعي المذكور قبل، وهو قول أبي بكر وعمر وغيرهما من الصّحابة والتّابعين. العاشر: إن نوى الطّلاق وقعت طلقة بائنة، وإن نوى ثلاثًا وقع الثّلاث وإن نوى اثنتين وقعت واحدة. وإن لم ينو شيئا فيمين، وإن نوى الثّلاث كفر قاله أبو حنيفة وأصحابه. الحادي عشر: مثل العاشر إلاّ أنه إذا نوى اثنتين وقعتا، قاله زفر. الثّاني عشر: أنه يجب كفّارة الظّهار قاله إسحاق بن راهويه. الثّالث عشر: هي يمين يلزم فيها كفّارة اليمين، قاله ابن عبّاس وبعض التّابعين وعنه: ليس بشيء. الرّابع عشر: أنه كتحريم الماء والطّعام فلا يجب فيه شيء أصلا ولا يقع به شيء بل هو لغو قاله مسروق وأبو سلمة والشعبيّ وإصبغ.
- حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن عبيد بن عميرٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحشٍ ويمكث عندها فواطئت أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها فلنقل له أكلت مغافير إنّي أجد منك ريح مغافير قال لا ولاكنّي كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحشٍ فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذالك أحدا.
مطابقته للتّرجمة في قوله: (وقد حلفت) وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء الرّازيّ يعرف بالصغير، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وعطاء بن أبي رباح، وعبيد بن عمير كلاهما بالتّصغير أبو عاصم اللّيثيّ.
والحديث أخرجه البخاريّ أيضا في الطّلاق وفي الإيمان والنّذور عن الحسن بن محمّد الزّعفراني وأخرجه مسلم في الطّلاق عن محمّد بن حاتم، وأخرجه أبو داود في الأشربة عن أحمد بن حنبل وأخرجه النّسائيّ في الإيمان والنّذور وفي عشرة النّسائيّ عن الحسن بن محمّد الزّعفراني وفي الطّلاق وفي التّفسير عن قتيبة.
قوله: (عند زينب بنت جحش) ، ويروى: ابنة جحش وهي إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم. قوله: (فواظيت) ، هكذا في جميع النّسخ وأصله: فواطأت، بالهمزة أي: اتّفقت أنا وحفصة بنت عمر بن الخطاب إحدى زوجاته. قوله: (عن أيّتنا) أي: عن أيّة كانت منا، (دخل عليها) يعني: على أيّة زوجة من زوجاته دخل عليها. فإن قلت: كيف جاز لعائشة وحفصة الكذب والمواطأة الّتي فيها إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: كانت عائشة صغيرة مع أنّها وقعت منهما من غير قصد الإيذاء، بل على ما هو من جبلة النّساء في الغيرة على الضرائر ونحوها، واختلف في الّتي شرب النّبي صلى الله عليه وسلم في بيتها العسل، فعند البخاريّ: زينب كما ذكرت وأن القائلة: أكلت مغافير، عائشة وحفصة، وفي رواية حفصة: وأن القائلة أكلت مغافير، عائشة وسودة وصفيّة، رضي الله تعالى عنهن، وفي تفسير عبد بن حميد: أنّها سودة، وكان لها أقارب أهدوا لها عسلاً من اليمن، والقائل له عائشة وحفصة، والّذي يظهر أنّها زينب على ما عند البخاريّ لأن أزواجه صلى الله عليه وسلم كن حزبين على ما ذكرت عائشة قالت: أنا وسودة وحفصة وصفيّة في حزب، وزينب وأم سلمة والباقيات في حزب. قوله: (أكلت مغافير) ، بفتح الميم بعدها غين معجمة: جمع مغفور، وقال ابن قتيبة ليس في الكلام مفعول إلاّ مغفور ومغرور، وهو ضرب من الكمأة ومنجور وهو المنجر ومغلوق واحد المغاليق، والمغفور صمغ حلو كالناطف وله رائحة كريهة ينضجه شجر يسمى العرفط بعين مهملة مضمومة وفاء مضمومة نبات مر له ورقة عريضة تنفرش على الأرض وله شوكة وثمرة بيضاء كالقطن مثل زر قميص خبيث الرّائحة، وزعم المهلب أن رائحة العرفط والمغافير حسنة. انتهى، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وما قاله النّاس، قال أهل اللّغة: العرفط من شجر العضاة، وهو كل شجر له شوك، وتخبث رائحة داعيته وروائح ألبانها حتّى يتأذّى بروائحها وأنفاسها النّاس فيجتنبونها، وحكى أبو حنيفة في المغفور والمغثور بثاء مثلّثة وميم المغفور من الكلمة، وقال الفراء: زائدة وواحده مغفر وحكى غيره: مغفر، وقال آخرون: مغفار، وقال الكسائي: مغفر. قلت: الأولى بفتح الميم. والثّاني: بضمها. والثّالث: على وزن مفعال بالكسر. والرّابع: بكسر الميم، فافهم. قوله: (قال: لا) ، أي: قال النّبي صلى الله عليه وسلم لا أكلت مغافير ولكنّي كنت أشرب العسل عند زينب. قوله: (فلن أعود له) ، أي: حلفت أنا على أن لا أعود لشرب العسل. قوله: (فلا تخبري) ، الخطاب لحفصة لأنّها هي القائلة: أكلت مغافير، أو غيرها على خلاف فيه، أي: لا تخبري أحدا عائشة أو غيرها بذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يبتغي بذلك مرضاة أزواجه، وقال الخطابيّ: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية القبطيّة حين حرمها على نفسه، وقال لحفصة: لا تخبري عائشة فلم تكتم السّرّ، وأخبرتها ففي ذلك نزل {وإذ أسر النّبي إلى بعض أزواجه حديثا} (التّحريم: 3) ). [عمدة القاري: 19/247-249]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك واللّه غفورٌ رحيمٌ}
(باب) وهو ساقط لغير الكشميهني ({يا أيها النبي لم تحرّم ما أحل الله لك}) [التحريم: 1] من شرب العسل أو مارية القبطية. قال ابن كثير والصحيح أنه كان في تحريمه العسل، وقال الخطابي: الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية حين حرمها على نفسه، ورجحه في فتح الباري بأحاديث عند سعيد بن منصور والضياء في المختارة والطبراني في عشرة النساء وابن مردويه والنسائي، ولفظه عن ثابت عن أنس أن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة -رضي الله عنهما- حتى حرمها فأنزل الله تعالى: ({يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك}) حال من فاعل تحرم أي لم تحرم مبتغيًا به مرضاة أزواجك أو تفسير لتحريم أو مستأنف فهو جواب للسؤال ومرضاة اسم مصدر وهو الرضا ({والله غفور رحيم}).
قال في فتوح الغيب: أردفه بقوله غفور رحيم جبرانًا له ولولا الإرداف به لما قام بصولة ذلك الخطاب على أنه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ما ارتكب عظيمة بل كان ذلك من باب ترك الأولى والامتناع من المباح وإنما شدد ذلك رفعًا لمحله وربا لمنزلته ألا ترى كيف صدر الخطاب بذكر النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- وقرن بياء البعيد وها التنبيه أي تنبيه لجلالة شأنك فلا تبتغ مرضاة أزواجك فيما أبيح لك، وسقط لأبي ذر تبتغي الخ وقال بعد: {أحل الله لك} الآية.
- حدّثنا معاذ بن فضالة، حدّثنا هشامٌ عن يحيى عن ابن حكيمٍ عن سعيد بن جبيرٍ، أنّ ابن عبّاسٍ -رضي الله عنهما- قال: في الحرام يكفّر وقال ابن عبّاسٍ: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ} [الحديث 4911 - أطرافه في: 5266].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة الزهراني قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير بالمثلثة (عن ابن حكيم) بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف ولأبي ذر هو يعلى بن حكيم الثقفي البصري (عن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الحرام) إذا قال هذا عليّ حرام أو أنت عليّ حرام (يكفّر) بكسر الفاء كفارة يمين وعند الشافعي إن نوى طلاقًا أو ظهارًا وقع المنوي لأن كلاًّ منهما يقتضي التحريم فجاز أن يكنى عنه بالحرام أو نواهما معًا أو مرتبًا تخير وثبت ما اختاره منهما ولا يثبتان جميعًا لأن الطلاق يزيل النكاح والظهار يستدعي بقاءه وإن نوى تحريم عينها أو نحوها كوطئها أو فرجها أو رأسها أو لم ينو شيئًا فلا تحرم عليه لأن الأعيان وما ألحق بها لا توصف بذلك وعليه كفارة يمين، وكذا إذا قال لأمته ذلك فإنها تحرم عليه وعليه كفارة يمين أخذًا من آية الباب.
(وقال ابن عباس: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}) [الأحزاب: 21] في كفارة اليمين.
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن عبيد بن عميرٍ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ، ويمكث عندها فواطأت أنا وحفصة عن أيّتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير إنّي أجد منك ريح مغافير قال: «لا، ولكنّي كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني أبو عبد الرحمن القاضي (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما مصغرين الليثي (عن عائشة -رضي الله عنها-) أنها (قالت: كان رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يشرب عسلًا عند) أم المؤمنين (زينب بنت جحش) ولأبي ذر بنت جحش (ويمكث عندها فواطأت) بهمزة ساكنة في الفرع. وقال العيني: هكذا في جميع النسخ أي بترك الهمزة وأصله فواطأت بالهمزة، وقال في المصابيح لامه همزة إلا أنها أبدلت هنا ياء على غير قياس ولأبي ذر فتواطأت بزيادة فوقية قبل الواو مع الهمزة أيضًا مصححًا عليه في الفرع أي توافقت (أنا وحفصة) أم المؤمنين بنت عمر (عن) ولابن عساكر والأصيلي على (أيتنا) أي أيّ زوجة منا (دخل عليها) عليه الصلاة والسلام (فلتقل له أكلت مغافير) استفهام محذوف الأداة ومغافير بفتح الميم والمعجمة وبعد الألف فاء جمع مغفور بضم الميم وليس في كلامهم مفعول بالضم إلا قليلًا والمغفور صمغ حلو له رائحة كريهة ينضحه شجر يسمى العرفط بعين مهملة وفاء مضمومتين بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة وزاد في الطلاق من طريق حجاج عن ابن جريج فدخل على إحداهما فقالت له: (إني أجد منك ريح مغافير قال) عليه الصلاة والسلام: (لا) ما أكلت مغافير وكان يكره الرائحة الكريهة (ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش) ولأبي ذر بنت جحش (فلن أعود له وقد حلفت) على عدم شربه (لا تخبر بذلك أحدًا) وقد اختلف في التي شرب عندها العسل ففي طريق عبيد بن عمير السابقة أنه كان عند زينب وعند المؤلّف من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في الطلاق أنها حفصة بنت عمر ولفظه قالت: كان رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يحب العسل والحلواء وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- منها شربة فقلت أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي له ما هذه الريح التي أجد منك؟ الحديث، وفيه: وقولي أنت يا صفية ذاك وعند ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شربه كان عند سودة وأن عائشة وحفصة هما اللتان تظاهرتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير وإن اختلفا في صاحبة العسل فيحمل على التعدّد أو رواية ابن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرين حفصة وعائشة، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في المظاهرة بعائشة.
وفي كتاب الهبة عن عائشة أن نساء النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- كنّ حزبين أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، وهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها ويأتي مزيد بحث لفوائد هذا الحديث إن شاء الله تعالى في الطلاق بعون الله.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الطلاق والأيمان والنذور ومسلم في الطلاق وأبو داود في الأشربة والنسائي في الأيمان والنذور وعشرة النساء والطلاق والتفسير). [إرشاد الساري: 7/392-393]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (قوله: (في الحرام) أي في هذا عليّ حرام، أنت عليّ حرام. وقوله: يكفر بكسر الفاء المشددة، أي: كفارة يمين.
قوله: (فتواطأت) أي: توافقت أنا وحفصة، ووقع ذلك منهما مع أنه حرام لغلبة الغيرة على النساء، وهو صغيرة.
قوله: (أكلت) فيه استفهام مقدر، أي: أأكلت، وقوله: مغافير بفتح الميم، وبمعجمة جمع مغفور بضم الميم. وقيل: مغفر، وقيل: مغفار بكسرها فيهما، وهو صمغ حلو له رائحة كريهة ينضجه شجر يسمى العرفط). [حاشية السندي على البخاري: 3/75-76]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {تبتغي مرضاة أزواجك}
{قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2]
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا سليمان بن بلالٍ، عن يحيى، عن عبيد بن حنينٍ، أنّه سمع ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، يحدّث أنّه قال: مكثت سنةً أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن آيةٍ، فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتّى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلمّا رجعنا وكنّا ببعض الطّريق عدل إلى الأراك لحاجةٍ له، قال: فوقفت له حتّى فرغ ثمّ سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللّتان تظاهرتا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: واللّه إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنةٍ، فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل ما ظننت أنّ عندي من علمٍ فاسألني، فإن كان لي علمٌ خبّرتك به، قال: ثمّ قال عمر: واللّه إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمرًا، حتّى أنزل اللّه فيهنّ ما أنزل، وقسم لهنّ ما قسم، قال: فبينا أنا في أمرٍ أتأمّره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: ما لك، ولما ها هنا وفيم تكلّفك في أمرٍ أريده، فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطّاب، ما تريد أن تراجع أنت وإنّ ابنتك لتراجع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم حتّى يظلّ يومه غضبان، فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنيّة إنّك لتراجعين رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم حتّى يظلّ يومه غضبان، فقالت حفصة: واللّه إنّا لنراجعه، فقلت: تعلمين أنّي أحذّرك عقوبة اللّه، وغضب رسوله صلّى الله عليه وسلّم، يا بنيّة لا يغرّنّك هذه الّتي أعجبها حسنها حبّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم إيّاها - يريد عائشة - قال: ثمّ خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها، فكلّمتها فقالت أمّ سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطّاب، دخلت في كلّ شيءٍ حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وأزواجه، فأخذتني واللّه أخذًا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحبٌ من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكًا من ملوك غسّان، ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، فقال: افتح افتح فقلت: جاء الغسّانيّ، فقال: بل أشدّ من ذلك، اعتزل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتّى جئت فإذا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم في مشربةٍ له يرقى عليها بعجلةٍ، وغلامٌ لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أسود على رأس الدّرجة، فقلت له: قل: هذا عمر بن الخطّاب فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم هذا الحديث، فلمّا بلغت حديث أمّ سلمة تبسّم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، وإنّه لعلى حصيرٍ ما بينه وبينه شيءٌ، وتحت رأسه وسادةٌ من أدمٍ حشوها ليفٌ، وإنّ عند رجليه قرظًا مصبوبًا، وعند رأسه أهبٌ معلّقةٌ، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول اللّه إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول اللّه، فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة»). [صحيح البخاري: 6/156-158]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب تبتغي مرضاة أزواجك)
قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم كذا لهم بإسقاط بعض الآية الأولى وحذف بقيّة الثّانية وكمّلها أبو ذر
- قوله عن يحيى هو بن سعيدٍ الأنصاريّ والإسناد كلّه مدنيّون قوله مكثت سنةً أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب فذكر الحديث بطوله في قصّة اللّتين تظاهرتا وقد ذكره في النّكاح مختصرًا من هذا الوجه ومطوّلًا من وجهٍ آخر وتقدّم طرفٌ منه في كتاب العلم وفي هذه الطّريق هنا من الزّيادة مراجعة امرأة عمر له ودخوله على حفصة بسبب ذلك بطوله ودخول عمر على أمّ سلمة وذكر في آخر الأخرى قصّة اعتزاله صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه وفي آخره حديث عائشة في التّخيير وسيأتي الكلام على ذلك كلّه مستوفًى في كتاب النّكاح إن شاء اللّه تعالى وقوله في هذه الطّريق ثمّ قال عمر رضي اللّه عنه واللّه إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمرًا حتّى أنزل اللّه فيهنّ ما أنزل قرأت بخطّ أبي عليٍّ الصّدفيّ في هامش نسخته قيل لا بدّ من اللّام للتّأكيد وقوله في هذه الطّريق لا يغرّنّك هذه الّتي أعجبها حسنها حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو برفع حبّ على أنّه بدلٌ من فاعل أعجب ويجوز النّصب على أنّه مفعولٌ من أجله أي من أجل حبّه لها وقوله فيه قرظًا مصبورًا أي مجموعًا مثل الصّبرة وعند الإسماعيليّ مصبوبًا بموحدتين). [فتح الباري: 8/658]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {تبتغي مرضاة أزواجك قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم} (التّحريم: 1)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {تبتغي} أي: تطلب رضا أزواجك وتحلف (قد فرض الله) أي: بين الله أو قدر الله ما تحللون به أيمانكم وقد بينها في سورة المائدة.
- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عبّاس رضي الله عنهما يحدث أنه. قال مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتّى خرج حاجا فخرجت معه فلمّا رجعت وكنّا ببعض الطّريق عدل إلى الأراك لحاجة له. قال فوقفت له حتّى فرغ ثمّ سرت معه فقلت له يا أمير المؤمنين من اللّتان تظاهرتا على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أزواجه. فقال تلك حفصة وعائشة قال فقلت والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك قال فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني فإن كان لي علم خبرتك به قال ثمّ قال عمر والله إن كنّا في الجاهليّة ما نعد للنّساء أمرا حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل وقسم لهنّ ما قسم قال فبينا أنا في أمر أتأمره إذ قالت امرأتي لو صنعت كذا وكذا قال فقلت لها مالك ولما ههنا فيما تكلفك في أمر أريده فقالت لي عجبا لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى يظل يومه غضبان فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة فقال لها يا بنية إنّك لتراجعين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى يظل يومه غضبان فقالت حفصة والله إنّا لنراجعه فقلت تعلمين أنّي أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يا بنية لا تغرنك هذه الّتي أعجبها حسنها حب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاها يريد عائشة قال ثمّ خرجت حتّى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت أم سلمة عجبا لك يا ابن الخطاب دخلت في كل شيء حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وأزواجه فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه فإذا صاحبي الأنصاريّ يدق الباب فقال افتح افتح فقلت جاء الغساني فقال بل أشد من ذلك اعتزل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أزواجه فقلت رغم أنف حفصة وعائشة فأخذت ثوبي فأخرج حتّى جئت فإذا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في مشربة له يرقى عليها بعجلة وغلام لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أسود على رأس الدرجة فقلت له قل هذا عمر بن الخطاب فأذن لي: قال عمر فقصصت على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الحديث فلمّا بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وإنّه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبوبا وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت. فقال ما يبكيك فقلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة) أي هذا باب في قوله عز وجل تبتغي إلى آخره وليس في كثير من النّسخ لفظ باب وهكذا وقع في رواية الأكثرين بعض الآية الأولى وحذف بقيّة الثّانية ووقع في رواية أبي ذر كاملتان كلتاهما ويحيى هو ابن سعيد الأنصاريّ وعبيد بن حنين كلاهما بالتّصغير مولى زيد بن الخطاب والحديث أخرجه البخاريّ أيضا في النّكاح وفي خبر الواحد عن عبد العزيز بن عبد الله وفي اللباس وفي خبر الواحد أيضا عن سليمان بن حرب وأخرجه مسلم في الطّلاق عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره قوله " هيبة له " أي لأجل الهيبة الحاصلة له قوله " عدل إلى الأراك " أي عدل عن الطّريق منتهيا إلى شجرة الأراك وهي الشّجرة الّتي يتّخذ منها المساويك قوله " لقضاء حاجة " كناية عن التبرز قوله " تظاهرتا " أي تعاونتا عليه بما يسؤوه في الإفراط في الغيرة وإفشاء سره قوله " تلك حفصة وعائشة " وروي تانك حصّة وعائشة ولفظ تانك من أسماء الإشارة للمؤنث المثنى قوله " والله إن كنت لأريد " كلمة إن مخفّفة من المثقلة واللّام في لأريد للتّأكيد قوله " والله إن كنّا في الجاهليّة " كلمة إن هذه لتأكيد النّفي المستفاد منه وليست مخفّفة من المثقلة لعدم اللّام ولا نافية والألزم أن يكون العد ثابتا لأن نفي النّفي إثبات قوله " أمرا " أي شأنًا قوله " حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل " مثل قوله تعالى وعاشروهن بالمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا قوله " وقسم لهنّ ما قسم " مثل ولهن الرّبع ممّا تركتم وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن قوله " فبينا أنا في أمر أتأمره " أي بين أوقات ائتماري ومعنى أتأمره أتفكر فيه وفي رواية مسلم فبينما أنا في أمر أأتمره قال النّوويّ في شرحه أي أشاور فيه نفسي وأفكر قوله إذ قالت جواب فبينا قوله " مالك " أي ما شأنك أي مالك أن تتعرضين لي فيما أفعله قوله " ولما ههنا " أي للأمر الّذي نحن فيه وفي رواية مسلم " فقلت لها ومالك أنت " ولما ههنا قوله " فيما تكلفك " ويروى وفيما تكلفك أي وفي أي شيء تكلفك في أمر أريده وفي رواية مسلم وما يكلفك في أمر أريده وهو بضم الياء آخر الحروف وسكون الكاف من الإكلاف وفي رواية البخاريّ بفتح التّاء المثنّاة من فوق وفتح الكاف وضم اللّام المشدّدة من التّكلّف من باب التفعل قوله " عجبا لك " أي أعجب عجبا لك من مقالتك هذه قوله " أن تراجع " على صيغة المجهول وقوله " لتراجع " على صيغة المعلوم والضّمير فيه يرجع إلى قوله ابنتك وهو في محل الرّفع لأنّه خبر أن واللّام فيه للتّأكيد قوله " حتّى يظل يومه غضبان " غير مصروف قوله " حب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم " مرفوع بأنّه بدل الاشتمال وقال ابن التّين حسنها بالضّمّ لأنّه فاعل وحب بالنّصب لأنّه مفعول من أجله أي أعجبها حسنها لأجل حب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاها وفي رواية مسلم وحب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاها بالواو وقال الكرماني وحب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هو المناسب للروايات الأخر وهي لا تغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قوله " حتّى تبتغي " أي حتّى تطلب قوله " فأخذتني " أي أم سلمة بكلامها أو مقالتها أخذة كسرتني عن بعض ما كنت أجد من الموجدة وهو الغضب وفي رواية مسلم قال " فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد " قوله " وكان لي صاحب من الأنصار " وفيه استحباب حضور مجالس العلم واستحباب التناوب في حضور العلم إذا لم يتيسّر لكل أحد الحضور بنفسه قوله " من ملوك غسّان " ترك صرف غسّان وقيل يصرف وهم كانوا بالشّام قوله " افتح افتح " مكرر للتّأكيد قوله " فقال بل أشد من ذلك " وفيه ما كانت الصّحابة من الاهتمام بأحوال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم والقلق التّام لما يقلقه ويغيظه قوله رغم أنف حفصة بكسر الغين وفتحها يقال رغم يرغم رغما ورغما ورغما بتثليث الرّاء أي لصق بالرغام وهو التّراب هذا هو الأصل ثمّ استعمل في كل من عجز عن الانتصاف وفي الذل والانقياد كرها قوله " فأخذت ثوبي فأخرج " فيه استحباب التجمل بالثّوب والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمّة والكبار احتراما لهم قوله في مشربة بفتح الميم وضم الرّاء وفتحها وهي الغرفة قوله " يرقى " على صيغة المجهول أي يصعد عليها قوله " بعجلة " بفتح العين المهملة والجيم وهي الدرجة وفي رواية مسلم بعجلها قال النّوويّ وقع في بعض النّسخ بعجلتها وفي بعضها بعجلة فالكل صحيح والأخيرة أجود وقال ابن قتيبة وغيره هي درجة من النّخل قوله " وغلام لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أسود على رأس الدرجة " وفي رواية لمسلم فقلت لها أي لحفصة أين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قالت هو في خزانة في المشربة فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قاعد على أسكفّة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وينحدر قوله " تبسم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم " التبسم الضحك بلا صوت قوله " قرظا " بفتح القاف والرّاء وبالظاء المعجمة وهو ورق شجر يدبغ به قوله " مصبوبا " أي مسكوبا ويروى مصبورا بالراء في آخره أي مجموعا من الصّبرة وقال النّوويّ وقع في بعض الأصول مضبورا بالضاد المعجمة بمعنى مجموعا أيضا قوله " أهب " بفتح الهمزة وضمّها لغتان مشهورتان وهو جمع إهاب وهو الجلد الّذي لم يدبغ وفي رواية مسلم فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلّق بفتح الهمزة وكسر الفاء وهو الجلد الّذي لم يتم دباغه وجمعه أفق بفتحهما كأديم وأدم قوله " فيما هما فيه " أي في الّذي هما فيه من النعم وأنواع زينة الدّنيا قوله " وأنت رسول الله " قيل هذا الخبر لا يراد به فائدة ولا لازمها فما الغرض منه وأجيب بأن غرضه بيان ما هو لازم للرسالة وهو استحقاقه ما هما فيه أي أنت المستحق لذلك لا هما وفي رواية مسلم قيصر وكسرى في الثّمار والأنهار -). [عمدة القاري: 19/249-252]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {تبتغي مرضاة أزواجك قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم}
هذا (باب) بالتنوين أي في (قوله) جل وعلا: ({تبتغي مرضاة أزواجك}) أي رضاهن ({قد فرض الله لكم}) أي شرع لكم ({تحلة أيمانكم}) تحليلها بالكفارة وقد كفر عليه الصلاة والسلام قال مقاتل أعتق رقبة في تحريم مارية وقال الحسن لم يكفر لأنه مغفور له ({والله مولاكم}) متولي أمركم ({وهو العليم}) بما يصلحكم ({الحكيم}) [التحريم: 2] المتقن في أفعاله وأحكامه وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وقوله {والله مولاكم} الخ.
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا سليمان بن بلالٍ عن يحيى عن عبيد بن حنينٍ أنّه سمع ابن عبّاسٍ -رضي الله عنهما- يحدّث أنّه قال: مكثت سنةً أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن آيةٍ فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتّى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلمّا رجعت وكنّا ببعض الطّريق، عدل إلى الأراك لحاجةٍ له، قال فوقفت له حتّى فرغ، ثمّ سرت معه فقلت له: يا أمير المؤمنين من اللّتان تظاهرتا على النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- من أزواجه، فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: واللّه إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنةٍ فما أستطيع هيبةً لك، قال: فلا تفعل ما ظننت أنّ عندي من علمٍ فاسألني فإن كان لي علمٌ خبّرتك به، قال: ثمّ قال عمر: واللّه إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمرًا حتّى أنزل اللّه فيهنّ ما أنزل وقسم لهنّ ما قسم قال: فبينا أنا في أمرٍ أتأمّره إذ قالت امرأتي لو صنعت كذا وكذا قال: فقلت لها: مالك ولما ها هنا، فيما تكلّفك في أمرٍ أريده فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطّاب ما تريد أن تراجع أنت وإنّ ابنتك لتراجع رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- حتّى يظلّ يومه غضبان. فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنيّة إنّك لتراجعين رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- حتّى يظلّ يومه غضبان؟ فقالت حفصة: واللّه إنّا لنراجعه. فقلت: تعلمين أنّي أحذّرك عقوبة اللّه وغضب رسوله -صلّى اللّه عليه وسلّم-. يا بنيّة لا يغرّنّك هذه الّتي أعجبها حسنها حبّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- إيّاها يريد عائشة قال: ثمّ خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها، فكلّمتها فقالت أمّ سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطّاب دخلت في كلّ شيءٍ حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وأزواجه فأخذتني واللّه أخذًا كسرتني عن بعض ما كنت أجد. فخرجت من عندها وكان لي صاحبٌ من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر ونحن نتخوّف ملكًا من ملوك غسّان، ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب فقال: افتح افتح فقلت جاء الغسّانيّ فقال: بل أشدّ من ذلك اعتزل رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- أزواجه فقلت رغم أنف حفصة وعائشة فأخذت ثوبي فأخرج حتّى جئت فإذا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- في مشربةٍ له يرقى عليها بعجلةٍ، وغلامٌ لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- أسود على رأس الدّرجة فقلت له: قل هذا عمر بن الخطّاب فأذن لي قال عمر: فقصصت على رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- هذا الحديث فلمّا بلغت حديث أمّ سلمة تبسّم رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وإنّه لعلى حصيرٍ ما بينه وبينه شيءٌ، وتحت رأسه وسادةٌ من أدمٍ حشوها ليفٌ، وإنّ عند رجليه قرظًا مصبوبًا، وعند رأسه أهبٌ معلّقةٌ، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: «ما يبكيك»؟ فقلت: يا رسول اللّه إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول اللّه فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمرو الأويسي القرشي العامري المدني الأعرج قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) المدني (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عبيد بن حنين) بضم العين والحاء مصغرين مولى زيد بن الخطاب (أنه سمع ابن عباس -رضي الله عنهما- يحدث أنه قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب) -رضي الله عنه- (عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له) أي لأجل الهيبة الحاصلة له (حتى خرج حاجًّا فخرجت معه فلما رجعت) ولأبي ذر رجعنا (وكنا ببعض الطريق) وهو مرّ الظهران (عدل) عن الطريق المسلوكة الجادة منتهيًا (إلى) شجر (الأراك لحاجة له) كناية عن التبرّز (قال فوقفت له حتى فرغ) من حاجته (ثم سرت معه فقلت له يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا) أي تعاونتا (على النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- من أزواجه) لإفراط غيرتهما حتى حرم على نفسه ما حرم (فقال: تلك حفصة وعائشة قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هية لك. قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني) عنه (فإن كان لي علم خبرتك به) بتشديد الموحدة من خبرتك (قال: ثم قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعدّ للنساء أمرًا) أي شأنًا بحيث يدخلن المثورة قال الكرماني فإن قلت: إن ليست مخففة من الثقيلة لعدم اللام ولا نافية وإلا لزم أن يكون العدّ ثابتًا لأن نفي النفي إثبات وأجاب بأن ما تأكيد للنفي المستفاد منها (حتى أنزل الله فيهن ما أنزل) نحو قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] (وقسم لهن ما قسم) نحو {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة: 233] (قال: فبينا) بغير ميم (أنا في أمر أتأمره) أتفكّر فيه (إذ قالت امرأتي لو صنعت كذا وكذا قال: فقلت لها: ما لك ولما ها هنا فيما) ولأبي ذر عن الكشميهني وفيم بواو من غير ألف وله عن الحموي والمستملي وما (تكلفك في أمر أريده فقالت لي عجبًا لك يا ابن الخطاب) من مقالتك هذه (ما تريد أن تراجع أنت) بفتح الجيم أي ترادد في الكلام (وإن ابنتك) تريد حفصة (لتراجع رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- حتى يظل يومه غضبان) غير مصروف (فقام عمر فأخذ رداءه مكانه) ثم نزل (حتى دخل على حفصة) ابنته وبدأ بها لمنزلتها منه (فقال لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله حتى يظل يومه غضبان) وفي رواية عبيد الله بن أبي ثور عند المؤلّف في باب الغرفة والعلية من المظالم فقلت أي حفصة أتغاضب إحداكن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- اليوم حتى الليل (فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه) لنرادده في الكلام (فقلت: تعلمين إني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يا بنية لا يغرّنك هذه التي أعجبها حسنها) بالرفع على الفاعلية (حب رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- إياها يريد عائشة) برفع حب بدل اشتمال من الفاعل وهو هذه والتي نعت.
ووقع في رواية سليمان بن بلال عند مسلم أعجبها حسنها وحب رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- إياها بواو العطف فحمل بعضهم رواية الباب على أنها من باب حذف حرف العطف لثبوته في رواية مسلم وهو يردّ على تخصيص حذف حرف الجر بالشعر وضبطه بعضهم بالنصب على نزع الخافض.
قال في المصابيح: يريد أنه مفعول لأجله والأصل لحب رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- ثم حذفت اللام فانتصب على أنه مفعول له ولا نزاع في جوازه والمعنى لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فلا يؤاخذها بذلك فإنها تدل بحسنها وبحب النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- لها فلا تغتري أنت بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها وعند ابن سعد في رواية أخرى أنه ليس لك مثل حظوة عائشة ولا حسن زينب بنت جحش.
(قال) عمر (ثم خرجت) من عند حفصة (حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها) لأن أم عمر كانت مخزومية كأم سلمة وهي بنت عم أمه (فكلمتها) في ذلك (فقالت: أم سلمة عجبًا لك يا ابن الخطاب في كل شيء) من أمور الناس غالبًا (حتى تبتغي) أي تطلب (أن تدخل بين رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وأزواجه فأخذتني) منعتني أم سلمة بكلامها (والله أخذًا كسرتني) به (عن بعض ما كنت أجد) من الغضب (فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار) هو أوس بن خولى كما نقله ابن بشكوال وقيل هو عتبان بن مالك (إذا غبت) عن مجلس رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- (أتاني بالخبر) من الوحي وغيره (وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر) من الوحي وغيره (ونحن نتخوّف ملكًا من ملوك غسان) بفتح المعجمة وتشديد المهملة غير منصرف وهو جبلة بن الأيهم رواه الطبراني عن ابن عباس أو الحارث بن أبي شمر (ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا) ليغزونا (فقد امتلأت صدورنا منه) خوفًا (فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب) وفي النكاح فرجع إلينا عشاء (فضرب بابي) ضربًا شديدًا (فقال افتح افتح) مرتين للتأكيد فخرجت إليه فقال حدث اليوم أمر عظيم (فقلت: جاء الغساني؟ فقال) لا: (بل أشد من ذلك) أي بالنسبة إلى عمر لمكان حفصة بنته (اعتزل رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- أزواجه) وفي باب موعظة الرجل ابنته طلق رسول الله نساءه وإنما وقع الجزم بالطلاق لمخالفة العادة بالاعتزال فظن الطلاق (فقلت: رغم أنف حفصة) بكسر الغين المعجمة وفتحها أي لصق بالرغام وهو التراب ولأبي ذر رغم الله أنف حفصة (وعائشة) وخضهما بالذكر لكونهما كانتا السبب في ذلك (فأخذت ثوبي) بكسر الموحدة (فأخرج) من منزلي (حتى جئت فإذا رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- في مشربة له) بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الراء أي غرفة وفي المظالم والنكاح فجمعت عليّ ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فدخل مشربة له (يرقى) بفتح الياء أو بضمها مبنيًّا للمفعول أي يصعد (عليها بعجلة) بفتح العين المهملة والجيم بدرجة (وغلام لرسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- أسود) هو رباح (على رأس الدرجة) قاعد (فقلت له: قل) لرسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- (هذا عمر بن الخطاب) يستأذن في الدخول فدخل الغلام واستأذنه عليه الصلاة والسلام (فأذن لي. قال عمر: فقصصت) لما دخلت (على رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) ضحك بلا صوت (وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه) بالتثنية (قرظًا) بقاف وراء فظاء معجمة مفتوحات ورق السلم الذي يدبغ به (مصبوبًا) أي مسكوبًا ولأبي ذر مصبورًا بالراء بدل الموحدة أي مجموعًا من الصبرة وهي الكوم من الطعام (وعند رأسه أهب معلقة) بفتح الهمزة والهاء وبضمهما جمع إهاب جلد دبغ أم لم يدبغ أو قبل أن يدبغ (فرأيت أثر الحصير في جنبه) عليه الصلاة والسلام (فبكيت) لذلك (فقال): (ما يبكيك) يا ابن الخطاب (فقلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه) من زينة الدنيا ونعيمها (وأنت رسول الله) المستحق لذلك لا هما (فقال) عليه الصلاة والسلام (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا) الفانية كزينتها ونعيمها (ولنا الآخرة) الباقية ولهم بضمير الجمع على إرادتهما ومن تعبهما أو كان على مثل حالهما.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وفي خبر الواحد واللباس ومسلم في الطلاق). [إرشاد الساري: 7/393-395]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {تبتغي مرضاة أزواجك} {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}
قوله: (يرقى) أي: يصعد.
قوله: (قرظا) بفتحات، وهو ورق السلم الذي يدبغ به.
قوله: (أهب): بفتح الهمزة، والهاء وبضمهما جمع إهاب، وهو الجلد الذي لم يدبغ). [حاشية السندي على البخاري: 3/76]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك}
- أنبأني إبراهيم بن يونس بن محمّدٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانت له أمةٌ يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتّى حرّمها، فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات....} [التحريم: 1]، إلى آخر الآية
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، أنّه سمع عبيد بن عميرٍ، قال: سمعت عائشة، زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تزعم أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت وحفصة، أيّتنا ما دخل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليها فلتقل: إنّي أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: «بل شربت عسلًا عند زينب»، وقال لي: «لن أعود له»، فنزلت {لم تحرّم ما أحلّ الله لك} [التحريم: 1]، {إن تتوبا إلى الله} [التحريم: 4]، {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا} [التحريم: 3]، لقوله: «بل شربت عسلًا»، كلّه في حديث عطاءٍ
- أخبرني عبد الله بن عبد الصّمد بن عليٍّ، حدّثنا مخلدٌ، حدّثنا سفيان، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: " أتاه رجلٌ، فقال: إنّي جعلت امرأتي عليّ حرامًا؟، قال: كذبت، ليست عليك بحرامٍ، ثمّ تلا هذه الآية {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك} [التحريم: 1]، عليك أغلظ الكفّارات: عتق رقبةٍ "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/307-308]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك واللّه غفورٌ رحيمٌ}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا أيّها النّبيّ المحرّم على نفسه ما أحلّ اللّه له، يبتغي بذلك مرضاة أزواجه، لم تحرّم على نفسك الحلال الّذي أحلّه اللّه لك، تلتمس بتحريمك ذلك مرضاة أزواجك؟.
واختلف أهل العلم في الحلال الّذي كان اللّه جلّ ثناؤه أحلّه لرسوله، فحرّمه على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم: كان ذلك مارية مملوكته القبطيّة، حرّمها على نفسه بيمينٍ أنّه لا يقربها طالبًا بذلك رضا حفصة بنت عمر زوجته، لأنّها كانت غارت بأن خلا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في يومها وفي حجرتها.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عبد الرّحيم البرقيّ، قال: حدّثني ابن أبي مريم، قال: حدّثنا أبو غسّان، قال: حدّثني زيد بن أسلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصاب أمّ إبراهيم في بيت بعض نسائه؛ قال: فقالت: أي رسول اللّه في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حرامًا؛ فقالت: يا رسول اللّه كيف تحرّم عليك الحلال؟ فحلف لها باللّه لا يصيبها، فأنزل اللّه عزّ وجلّ {: يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك} قال زيدٌ: فقوله أنت عليّ حرامٌ، لغوٌ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثني ابن عليّة، قال: حدّثنا داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ، قال: قال مسروقٌ إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم جاريته، وآلى منها، فجعل الحلال حرامًا، وقيل في اليمين: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم}.
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا سفيان، عن داود، عن الشّعبيّ، عن مسروقٍ، قال: آلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحرّم، فعوتب في التّحريم، وأمر بالكفّارة في اليمين.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم، قال لها: أنت عليّ حرامٌ، وواللّه لا أطؤك.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك}. قال: كان الشّعبيّ يقول: حرّمها عليه، وحلف لا يقربها، فعوتب في التّحريم، وجاءت الكفّارة في اليمين.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة وعامرٍ الشّعبيّ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم جاريته.
قال الشّعبيّ: حلف بيمينٍ مع التّحريم، فعاتبه اللّه في التّحريم، وجعل له الكفّارة في اليمين.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}.
قال أبي: وجدت امرأةٌ من نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع جاريته في بيتها، فقالت: يا رسول اللّه أنّى كان هذا الأمر، وكنت أهونهنّ عليك؟ فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اسكتي لا تذكري هذا لأحدٍ، هي عليّ حرامٌ إن قربتها بعد هذا أبدًا، فقالت: يا رسول اللّه وكيف تحرّم عليك ما أحلّ اللّه لك حين تقول: هي عليّ حرامٌ؟ فقال: واللّه لا آتيها أبدًا. فقال اللّه تعالى ذكره: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك واللّه غفورٌ رحيمٌ }. قد غفر الله هذا لك، وقوله {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم}.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك} كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتاةٌ، فغشيها، فبصرت به حفصة، وكان اليوم يوم عائشة، وكانتا متظاهرتين، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اكتمي عليّ ولا تذكري لعائشة ما رأيت. فذكرت حفصة لعائشة، فغضبت عائشة. فلم تزل بنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى حلف أن لا يقربها، فأنزل اللّه هذه الآية، وأمره أن يكفّر يمينه، ويأتي جاريته.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، في قوله: {يا أيّها النّبيّ م تحرّم ما أحلّ اللّه لك}. في جاريةٍ أتاها، فاطّلعت عليه حفصة، فقال: هي عليّ حرامٌ، فاكتمي ذلك، ولا تخبري به أحدًا فذكرت ذلك.
وقال آخرون: بل حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاريته، فجعل اللّه عزّ وجلّ تحريمه إيّاها بمنزلة اليمين، فأوجب فيها من الكفّارة مثل ما أوجب في اليمين إذا حنث فيها صاحبها.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليٌّ، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} أمر اللّه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين إذا حرّموا شيئًا ممّا أحلّ اللّه لهم أن يكفّروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبةٍ، وليس يدخل ذلك في طلاقٍ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك}. إلى قوله: {وهو العليم الحكيم} قال: كانت حفصة وعائشة متحابّتين وكانتا زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذهبت حفصة إلى أبيها، فتحدّثت عنده، فأرسل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جاريته، فظلّت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الّذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتهما في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرةً شديدةً، فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، واللّه لقد سؤتني، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: واللّه لأرضينّك فإنّي مسرٌّ إليك سرًّا فاحفظيه. قالت: ما هو؟ قال: إنّي أشهدك أنّ سرّيّتي هذه عليّ حرامٌ رضًا لك.
وكانت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأسرّت إليها أن أبشري، إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد حرّم عليه فتاته، فلمّا أخبرت بسرّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أظهر اللّه عزّ وجلّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه على رسوله لمّا تظاهرتا عليه {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك} إلى قوله: {وهو العليم الحكيم}.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا هشامٌ الدّستوائيّ، قال: كتب إليّ يحيى يحدّث عن يعلى بن حكيمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّ ابن عبّاسٍ كان يقول: في الحرام يمينٌ تكفّرها. وقال ابن عبّاسٍ: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ}. يعني أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم جاريته، فقال اللّه وجلّ ثناؤه: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك} إلى قوله: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} فكفّر يمينه، فصيّر الحرام يمينًا.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمرٌ، عن أبيه، قال: أنبأنا أبو عثمان، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دخل بيت حفصة، فإذا هي ليست ثمّ، فجاءته فتاته، وألقى عليها سترًا، فجاءت حفصة فقعدت على الباب حتّى قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حاجته، فقالت: واللّه لقد سؤتني، أجامعتها في بيتي؟ أو كما قالت؛ قال: وحرّمها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أو كما قال.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك} الآية، قال: كان حرّم فتاته القبطيّة أمّ ولده إبراهيم يقال لها مارية في يوم حفصة، وأسرّ ذلك إليها، فأطلعت عليه عائشة، وكانتا تظاهران على نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأحلّ اللّه له ما حرّم على نفسه، فأمر أن يكفّر عن يمينه، وعوتب في ذلك، فقال: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم}. قال قتادة: وكان الحسن يقول: حرّمها عليه، فجعل اللّه فيها كفّارة يمينٍ.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ عن معمرٍ، عن قتادة، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّمها، يعني جاريته، فكانت يمينًا.
- حدّثنا سعيد بن يحيى، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ، قال: قلت لعمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: من المرأتان؟ قال: عائشة، وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أمّ إبراهيم القبطيّة، أصابها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت حفصة في يومها، فوجدته حفصة، فقالت: يا نبيّ اللّه لقد جئت إليّ شيئًا فريًّا ما جئت إلى أحدٍ من أزواجك بمثله في يومي وفي دوري، وعلى فراشي. قال: ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟ قالت: بلى، فحرّمها، وقال: لا تذكري ذلك لأحدٍ. فذكرته لعائشة، فأظهره اللّه عزّ وجلّ عليه، فأنزل اللّه {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك}. الآيات كلّها، فبلغنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كفّر يمينه، وأصاب جاريته.
وقال آخرون: كان ذلك شرابًا يشربه، كان يعجبه ذلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا داود، قال: حدّثنا شعبة، عن قيس بن مسلمٍ، عن عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد، قال: نزلت هذه الآية في شرابٍ {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك}.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو قطنٍ البغداديّ عمرو بن الهيثم، قال: حدّثنا شعبة، عن قيس بن مسلمٍ، عن عبد اللّه بن شدّادٍ مثله.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو قطنٍ، قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت في شرابٍ.
والصّواب من القول في ذلك أن يقال: كان الّذي حرّمه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على نفسه شيئًا كان اللّه قد أحلّه له، وجائزٌ أن يكون ذلك كان جاريته، وجائزٌ أن يكون كان شرابًا من الأشربة، وجائزٌ أن يكون كان غير ذلك، غير أنّه أيّ ذلك كان، فإنّه كان تحريم شيءٍ كان له حلالاً، فعاتبه اللّه على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحلّه، وبيّن له تحلّة يمينه في يمينٍ كان حلف بها مع تحريمه ما حرّم على نفسه.
فإن قائل قائلٌ: وما برهانك على أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان حلف مع تحريمه ما حرّم، فقد علمت قول من قال: لم يكن من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك غير التّحريم، وأنّ التّحريم هو اليمين؟ قيل: البرهان على ذلك واضحٌ، وهو أنّه لا يعقل في لغة عربيّةٍ ولا عجميّةٍ أنّ قول القائل لجاريته، أو لطعامٍ أو شرابٍ، هذا عليّ حرامٌ يمينٌ، فإذا كان ذلك غير معقولٍ، فمعلومٌ أنّ اليمين غير قول القائل للشّيء الحلال له: هو عليّ حرامٌ. وإذا كان ذلك كذلك صحّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.
وبعد، فجائزٌ أن يكون تحريم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما حرّم على نفسه من الحلال الّذي كان اللّه تعالى ذكره، أحلّه له بيمينٍ، فيكون قوله: {لم تحرّم ما أحلّ اللّه} معناه: لم تحلف على الشّيء الّذي قد أحلّه اللّه أن لا تقربه، فتحرّمه على نفسك باليمين؟.
وإنّما قلنا: إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم ذلك، وحلف مع تحريمه لما:
- حدّثني الحسن بن قزعة، قال: حدّثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ، عن مسروقٍ، عن عائشة، قالت: آلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحرّم، فأمر في الإيلاء بكفّارةٍ، وقيل له في التّحريم: {لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}.
وقوله: {واللّه غفورٌ رحيمٌ}. يقول تعالى ذكره: واللّه غفورٌ يا محمّد لذنوب التّائبين من عباده من ذنوبهم، وقد غفر لك تحريمك على نفسك ما أحلّه اللّه لك، رحيمٌ بعباده أن يعاقبهم على ما قد تابوا منه من الذّنوب بعد التّوبة). [جامع البيان: 23/83-90]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الصّفّار، ثنا أحمد بن مهران، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا سفيان، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: جاءه رجلٌ فقال: جعلت امرأتي عليّ حرامًا فقال: " كذبت ليست عليك بحرامٍ، ثمّ تلا هذه الآية {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي} [التحريم: 1] الآية «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط البخاريّ ولم يخرّجاه»). [المستدرك: 2/535]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن رافع قال: سألت أم سلمة عن هذه الآية {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} قالت: كانت عندي عكة من عسل أبيض فكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يلعق منها وكان يحبسه فقالت له عائشة: نحلها تجرش عرفطا فحرمها فنزلت هذه الآية). [الدر المنثور: 14/567] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد عن عبد الله بن عتيبة أنه سئل أي شيء حرم النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: عكة من عسل). [الدر المنثور: 14/567]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج النسائي والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما فأنزل الله هذه الآية {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} إلى آخر الآية). [الدر المنثور: 14/568] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من المرأتان اللتان تظاهرتا قال: عائشة وحفصة وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية أصابها النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها فوجدت حفصة فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي داري وعلى فراشي فقال ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها قالت: بلى فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد فذكرته لعائشة رضي الله عنها فأظهره الله عليه فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عنها فأظهر الله يمينه وأصاب جاريته). [الدر المنثور: 14/568] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} قال: حرم سريته). [الدر المنثور: 14/569]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عائشة وحفصة متحابتين فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عنده فأرسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة وكان اليوم الذي يأتي فيه حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة فأخرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم جاريته ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك والله لقد سؤتني فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: والله لأرضينك وإني مسر إليك سرا فاحفظيه قالت: ما هو قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضا فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته فلما أخبرت بسر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أظهر الله النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليه فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك}). [الدر المنثور: 14/569] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ذكر عند عمر بن الخطاب {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} قال: إنما كان ذلك في حفصة). [الدر المنثور: 14/569]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنزل أم إبراهيم منزل أبي أيوب قالت عائشة رضي الله عنها: فدخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيتها يوما فوجد خلوة فأصابها فحملت بإبراهيم قالت عائشة: فلما استبان فزعت من ذلك فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولدت فلم يكن لأمة لبن فاشترى له ضائنة يغذي منها الصبي فصلح عليه جسمه وحسن لحمه وصفا لونه فجاء به يوما يحمله على عنقه فقال يا عائشة كيف تري الشبه فقلت: أنا غيري ما أدري شبها فقال: ولا باللحم فقلت: لعمري لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه قال: فجزعت عائشة رضي الله عنها وحفصة من ذلك فعاتبته حفصة فحرمها وأسر إليها سرا فأفشته إلى عائشة رضي الله عنها فنزلت آية التحريم فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقبة). [الدر المنثور: 14/569-570] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} الآية قال: كان حرم فتاته القبطية أم إبراهيم عليه السلام في يوم حفصة وأسر ذلك إليها فأطلعت عليه عائشة رضي الله عنها وكانتا تظاهرتا على نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأحل الله له ما حرم على نفسه وأمره أن يكفر عن يمينه فقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}). [الدر المنثور: 14/570-571]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن الشعبي وقتادة رضي الله عنهما {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} قال: حرم جاريته قال الشعبي: وحلف يمينا مع التحريم فعاتبه الله في التحريم وجعل له كفارة اليمين وقال قتادة: حرمها فكانت يمينا). [الدر المنثور: 14/571]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن الضحاك أن حفصة زارت أباها ذات يوم وكان يومها فجاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يجدها في المنزل فأرسل إلى أمته مارية فأصاب منها في بيت حفصة وجاءت حفصة على تلك الحال فقالت يا رسول الله: أتفعل هذا في بيتي وفي يومي قال: فإنها علي حرام ولا تخبري بذلك أحدا فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها بذلك فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله: {وصالح المؤمنين} فأمر أن يكفر عن يمينه ويراجع أمته). [الدر المنثور: 14/572-573] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك قال: فإنها علي حرام أن أمسها واكتمي هذا علي فخرجت حتى أتت عائشة فقالت: ألا أبشرك قالت: بماذا قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك فكان أول السر أنه أحرمها على نفسه ثم قال لي: يا حفصة ألا أبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده وأن أبي يليه بعد أبيك وقد استكتمني ذلك فاكتميه فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم} إلى قوله: {غفور رحيم} أي لما كان منك إلى قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثا فلما نبأت به} يعني عائشة {وأظهره الله عليه} أي بالقرآن {عرف بعضه} عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية {وأعرض عن بعض} عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر فلم يبده {فلما نبأها به} إلى قوله: {الخبير} ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال: {إن تتوبا إلى الله} إلى قوله: {ثيبات وأبكارا} فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى). [الدر المنثور: 14/573-574]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {يا أيها النّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك} في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم). [الدر المنثور: 14/574] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: جعلت امرأتي علي حراما فقال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا {لم تحرم ما أحل الله لك} قال: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة). [الدر المنثور: 14/574-575]

تفسير قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {تبتغي مرضاة أزواجك (1) قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم} [التحريم: 2] ). [صحيح البخاري: 6/156] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب تبتغي مرضاة أزواجك)
قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم كذا لهم بإسقاط بعض الآية الأولى وحذف بقيّة الثّانية وكمّلها أبو ذر). [فتح الباري: 8/658] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {تبتغي مرضاة أزواجك قد فرض الله لكم تحلّة أيمانكم} (التّحريم: 1)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {تبتغي} أي: تطلب رضا أزواجك وتحلف (قد فرض الله) أي: بين الله أو قدر الله ما تحللون به أيمانكم وقد بينها في سورة المائدة). [عمدة القاري: 19/249] (م)
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {تبتغي مرضاة أزواجك قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم}
هذا (باب) بالتنوين أي في (قوله) جل وعلا: ({تبتغي مرضاة أزواجك}) أي رضاهن ({قد فرض الله لكم}) أي شرع لكم ({تحلة أيمانكم}) تحليلها بالكفارة وقد كفر عليه الصلاة والسلام قال مقاتل أعتق رقبة في تحريم مارية وقال الحسن لم يكفر لأنه مغفور له ({والله مولاكم}) متولي أمركم ({وهو العليم}) بما يصلحكم ({الحكيم}) [التحريم: 2] المتقن في أفعاله وأحكامه وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وقوله {والله مولاكم} الخ). [إرشاد الساري: 7/393] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: قد بيّن اللّه عزّ وجلّ لكم تحلّة أيمانكم، وحدّها لكم أيّها النّاس واللّه مولاكم يتولاّكم بنصره أيّها المؤمنون وهو العليم بمصالحكم الحكيم في تدبيره إيّاكم، وصرفكم فيما هو أعلم به). [جامع البيان: 23/90]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (قال الحارث: ثنا عبد العزيز بن أبانٍ، ثنا معمر بن أبانٍ، ثنا الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: "لما حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح فأنزل الله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فأحل يمينه وأنفق عليه"). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/289]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قال الحارث: حدثنا عبد العزيز بن أبان، ثنا معمر بن أبان، ثنا الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لمّا حلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفق على مسطحٍ رضي الله عنه، فأنزل الله عز وجل: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} فأحلّ يمينه، وأنفق عليه). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 15/363] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم حرم أم إبراهيم فقال: هي علي حرام فقال: والله لا أقربها فنزلت {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}). [الدر المنثور: 14/571]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن مسروق والشعبي قالا: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته وحرمها فأنزل الله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وأنزل {لم تحرم ما أحل الله لك}). [الدر المنثور: 14/571]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كنا نسير فلحقنا عمر بن الخطاب ونحن نتحدث في شأن حفصة وعائشة فسكتنا حين لحقنا فقال: ما لكم سكتم حيث رأيتموني فأي شيء كنتم تحدثون). [الدر المنثور: 14/572]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تحدثي أحدا وإن أم إبراهيم علي حرام فقالت: أتحرم ما أحل الله لك قال: فوالله لا أقربها فلم يقربها نفسه حتى أخبرت عائشة فأنزل الله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}). [الدر المنثور: 14/572]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال: هي علي حرام فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له). [الدر المنثور: 14/572]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت: لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح فأنزل الله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} فأحل يمينه وأنفق عليه). [الدر المنثور: 14/575]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} قال: أمر الله النّبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا حرموا شيئا مما أحل الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة وليس يدخل في ذلك الطلاق). [الدر المنثور: 14/575]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله: {تحلة أيمانكم} قال: يقول قد أحللت لك ما ملكت يمينك فلم تحرم ذلك وقد فرضت لك تحلة اليمين بها يمينك كل ذلك في هذا). [الدر المنثور: 14/575]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير} فيه عائشة، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
- حدّثنا عليٌّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعت عبيد بن حنينٍ، قال: سمعت ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، يقول: أردت أن أسأل عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم؟ فما أتممت كلامي حتّى قال: «عائشة، وحفصة»). [صحيح البخاري: 6/158]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا إلى الخبير)
كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره الآية قوله فيه عائشة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يشير إلى حديثها المذكور قبل بباب قوله
- حدثنا على هو بن المدينيّ وسفيان هو بن عيينة ويحيى هو بن سعيدٍ الأنصاريّ وذكر طرفًا من الحديث الّذي في الباب قبله). [فتح الباري: 8/659]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (باب وإذ أسر النّبي إلى بعض أزواجه حديثا إلى قوله الخبير
فيه عائشة عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم
أسنده في أول تفسير هذه السّورة). [تغليق التعليق: 4/345]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {وإذ أسرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه حديثا فلمّا نبّأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير} (التّحريم: 3)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {إذ أسر النّبي إلى بعض أزواجه} إلى آخرها، وليس في بعض النّسخ لفظ: باب، وذكرت الآية المذكورة بكمالها في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: وإذ أسر النّبي إلى بعض أزواجه حديثا إلى الخبير. قوله: (وإذ أسر النّبي إلى بعض أزواجه) ، إسراره هو تحريمه صلى الله عليه وسلم فتاته أي: مارية على نفسه وبعض أزواجه حفصة بنت عمر، رضي الله تعالى عنهما، وهو قوله لها: لا تخبري بذلك أي: بتحريم الفتاة أحدا، وعن الكلبيّ: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي. قوله: (فلمّا نبأت به) ، أخبرت بالحديث الّذي أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي. قوله: (فلمّا نبأت به) ، أي: فلمّا أخبرت بالحديث الّذي أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها وأظهره الله عليه أي: واطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على أنه قد نبأت به قوله: (عرف بعضه) ، يعني: أخبر حفصة ببعض ما قالت لعائشة ولم يخبرها بقولها: أجمع. قوله: (فلمّا نبأها به) أي: فلمّا أخبر حفصة بذلك، قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبّأني العليم الّذي يعلم كل شيء الخبير بما يقع بين عباده ولا يخفى عليه شيء من ذلك.
{فيه عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم}
أي: في هذا الباب حديث عائشة عن النّبي صلى الله عليه وسلم، وأراد به الحديث الّذي رواه عن عائشة عبيد بن عمير في الباب قبله.
- حدّثنا عليٌّ حدّثنا سفيان حدّثنا يحيى بن سعيدٍ قال سمعت عبيد بن حنينٍ قال سمعت ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما يقول أردت أن أسأل عمر رضي الله عنه فقلت يا أمير المؤمنين من المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أتممت كلامي حتّى قال عائشة وحفصة، رضي الله عنهما.
مطابقته للتّرجمة. لا تخفى، وعلي هو ابن المدينيّ وسفيان هو ابن عيينة، ويحيى بن سعيد هو الأنصاريّ، وهذا طرف من الحديث الّذي مضى عن قريب). [عمدة القاري: 19/252]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب (بسم الله الرّحمن الرّحيم)
{وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال: نبّأني العليم الخبير} [التحريم: 3] النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: ({وإذ أسرّ النبي}) العامل فيه اذكر فهو مفعول به لا ظرف ({إلى بعض أزواجه}) حفصة ({حديثًا}) تحريم العسل أو مارية ({فلما نبأت به})
فلما أخبرت حفصة عائشة ظنًّا منها أن لا حرج في ذلك ({وأظهره الله}) أطلعه ({عليه عرف بعضه}) لحفصة على سبيل العتب ({وأعرض عن بعض}) تكرمًا منه وحلمًا ({فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير}) [التحريم: 3] وثبت لأبي ذر باب إلى قوله حديثًا وقال بعده إلى الخبير وأصل نبأ وأنبأ وأخبر وخبر أن تتعدى إلى اثنين إلى الأول بنفسها والثاني بحرف الجر وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في هذه الآيات فقوله: {فلما نبأت به} تعدى لاثنين حذف أوّلهما والثاني مجرور بالباء أي نبأت به غيرها، وقوله: فلما نبأها به ذكرهما، وقوله: من أنباك هذا ذكرهما وحذف الجار وسقط لفظ باب لغير أبي ذر إلى آخر حديثًا (فيه) أي في هذا الباب (عائشة عن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-) كما سبق في الباب الذي قبل من طريق عبيد بن عمير.
- حدّثنا عليٌّ، حدّثنا سفيان حدّثنا يحيى بن سعيدٍ قال: سمعت عبيد بن حنينٍ قال: سمعت ابن عبّاسٍ -رضي الله عنهما- يقول: أردت أن أسأل عمر فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فما أتممت كلامي حتّى قال: عائشة وحفصة.
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن المديني قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت عبيد بن حنين) بتصغيرهما (قال: سمعت ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: أردت أن أسأل عمر) زاد أبو ذر ابن الخطاب (-رضي الله عنه-) عن آية فمكثت سنة لا أستطيع أن أسأله هيبة له فحججت معه فلما رجعنا (فقلت) له (يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا) تعاونتا (على رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) حتى حرم على نفسه ما حرم (فما أتممت كلامي حتى قال): هما (عائشة وحفصة) الحديث المسوق قبل بتمامه واختصره هنا). [إرشاد الساري: 7/395]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: وإذ أسرّ النّبيّ محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بعض أزواجه، وهو في قول ابن عبّاسٍ وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرّحمن بن زيدٍ والشّعبيّ والضّحّاك بن مزاحمٍ: حفصة، وقد ذكرنا الرّواية في ذلك قبل.
وقوله: {حديثًا}. والحديث الّذي أسرّ إليها في قول هؤلاء هو قوله لمن أسرّ إليه ذلك من أزواجه تحريم فتاته، أو ما حرّم على نفسه ممّا كان اللّه جلّ ثناؤه قد أحلّه له، وحلفه على ذلك وقوله: لا تذكري ذلك لأحدٍ.
وقوله: {فلمّا نبّأت به} يقول تعالى ذكره: فلمّا أخبرت بالحديث الّذي أسرّ إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صاحبتها وأظهره عليه يقول: وأظهر اللّه نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم على أنّها قد أنبأت بذلك صاحبتها.
وقوله: {عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ}. اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرأة الأمصار غير الكسائيّ: {عرّف} بتشديد الرّاء، بمعنى: عرّف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به، وكان الكسائيّ يذكر عن الحسن البصريّ وأبي عبد الرّحمن السّلميّ وقتادة، أنّهم قرءوا ذلك: (عرف) بتخفيف الرّاء، بمعنى: عرف لحفصة بعض ذلك الفعل الّذي فعلته من إفشائها سرّه، وقد استكتمها إيّاه، أي: غضب من ذلك عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وجازاها عليه؛ من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفنّ لك يا فلان ما فعلت، بمعنى: لأجازينّك عليه؛ قالوا: وجازاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك من فعلها بأن طلّقها.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصّواب قراءة من قرأه {عرّف} بعضه بتشديد الرّاء، بمعنى: عرّف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حفصة، يعني ما أظهره اللّه عليه من حديثها صاحبتها لإجماع الحجّة من القرّاء عليه.
وقوله: {وأعرض عن بعضٍ} يقول: وترك أن يخبرها ببعضٍ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا} قوله لها: لا تذكريه {فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ} وكان كريمًا عليه.
وقوله: {فلمّا نبّأها به}. يقول: فلمّا خبّر حفصة نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما أظهره اللّه عليه من إفشائها سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عائشة {قالت من أنبأك هذا} يقول: قالت حفصة لرسول اللّه: من أنبأك هذا الخبر وأخبرك به {قال نبّأني العليم الخبير} يقول تعالى ذكره: قال محمّدٌ نبيّ اللّه لحفصة: خبّرني به العليم بسرائر عباده، وضمائر قلوبهم، الخبير بأمورهم، الّذي لا يخفى عنه شيءٌ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا}. ولم تشكّ أنّ صاحبتها أخبرت عنها {قال نبّأني العليم الخبير}). [جامع البيان: 23/90-92]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجدت حفصة رضي الله عنها مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم أم ولده مارية أم إبراهيم فحرم أم ولده لحفصة رضي الله عنها وأمرها أن تكتم ذلك فأسرته إلى عائشة رضي الله عنها فذلك قوله تعالى: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} فأمره الله بكفارة يمينه). [الدر المنثور: 14/570]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك قال: فإنها علي حرام أن أمسها واكتمي هذا علي فخرجت حتى أتت عائشة فقالت: ألا أبشرك قالت: بماذا قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك فكان أول السر أنه أحرمها على نفسه ثم قال لي: يا حفصة ألا أبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده وأن أبي يليه بعد أبيك وقد استكتمني ذلك فاكتميه فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم} إلى قوله: {غفور رحيم} أي لما كان منك إلى قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثا فلما نبأت به} يعني عائشة {وأظهره الله عليه} أي بالقرآن {عرف بعضه} عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية {وأعرض عن بعض} عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر فلم يبده {فلما نبأها به} إلى قوله: {الخبير}). [الدر المنثور: 14/573-574] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال: دخلت حفصة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنبأك هذا قال: نبأني العليم الخبير فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم}). [الدر المنثور: 14/575-576]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن عائشة في قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي). [الدر المنثور: 14/576]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في فضائل الصحابة العشاري في فضائل الصديق، وابن مردويه، وابن عساكر من طرق عن علي، وابن عباس قالا: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري أحدا). [الدر المنثور: 14/576]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران في قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي). [الدر المنثور: 14/576]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال: أخبر عائشة أن أباها الخليفة من بعده وأن أبا حفصة الخليفة من بعد أبيها). [الدر المنثور: 14/576-577]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال: أسر إلى عائشة في أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة). [الدر المنثور: 14/577]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن الضحاك {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} قال: أسر إلى حفصة بنت عمر أن الخليفة من بعده أبو بكر ومن بعد أبي بكر عمر). [الدر المنثور: 14/577]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} قال: الذي عرف أمر مارية {وأعرض عن بعض} قوله: إن أباك وأباها يليان الناس بعدي مخافة أن يفشو.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله). [الدر المنثور: 14/577]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: ما استقصى كريم قط لأن الله تعالى يقول: {عرف بعضه وأعرض عن بعض}). [الدر المنثور: 14/577]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطاء الخرساني قال: ما استقصى حليم قط ألم تسمع إلى قوله: {عرف بعضه وأعرض عن بعض}، أما قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه}). [الدر المنثور: 14/578]

تفسير قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى فقد صغت قلوبكما قال مالت قلوبكما). [تفسير عبد الرزاق: 2/302]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى وصالح المؤمنين قال هم الأنبياء). [تفسير عبد الرزاق: 2/302]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] "
صغوت وأصغيت: ملت {لتصغى} [الأنعام: 113] : لتميل {وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل، وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ} [التحريم: 4] : عونٌ تظاهرون تعاونون " وقال مجاهدٌ: {قوا أنفسكم وأهليكم} [التحريم: 6] : «أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى اللّه وأدّبوهم»
- حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعت عبيد بن حنينٍ، يقول: سمعت ابن عبّاسٍ، يقول: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللّتين تظاهرتا على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فمكثت سنةً، فلم أجد له موضعًا حتّى خرجت معه حاجًّا، فلمّا كنّا بظهران ذهب عمر لحاجته، فقال: أدركني بالوضوء فأدركته بالإداوة، فجعلت أسكب عليه الماء، ورأيت موضعًا فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللّتان تظاهرتا؟ قال ابن عبّاسٍ: فما أتممت كلامي حتّى قال: «عائشة، وحفصة»). [صحيح البخاري: 6/158]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما صغوت وأصغيت ملت لتصغى لتميل سقط هذا لأبي ذرٍّ وهو قول أبي عبيدة قال في قوله ولتصغى إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة لتميل من صغوت إليه ملت إليه وأصغوت إليه مثله وقال في قوله فقد صغت قلوبكما أي عدلت ومالت قوله وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عونٌ كذا لهم واقتصر أبو ذرٍّ من سياق الآية على قوله ظهيرٌ عونٌ وهو تفسير الفرّاء قوله تظاهرون تعاونون كذا لهم وفي بعض النّسخ تظاهرا تعاونا وهو تفسير الفرّاء أيضًا قال في قوله تعالى وإن تظاهرا عليه تعاونا عليه قوله وقال مجاهدٌ قوا أنفسكم أوصوا أهليكم بتقوى اللّه وأدّبوهم وصله الفريابيّ من طريق بن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ بلفظ أوصوا أهليكم بتقوى اللّه وقال عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة مروهم بطاعة اللّه وانهوهم عن معصيته وعند سعيد بن منصورٍ عن الحسن نحوه وروى الحاكم من طريق ربعيّ بن حراشٍ عن عليٍّ في قوله قوا أنفسكم وأهليكم نارا قال علّموا أهليكم خيرًا ورواته ثقاتٌ تنبيهٌ وقع في جميع النّسخ الّتي وقفت عليها أوصوا بفتح الألف وسكون الواو بعدها صادٌ مهملةٌ من الإيصاء وسقطت هذه اللّفظة للنّسفيّ وذكرها بن التّين بلفظ قوا أهليكم أوقفوا أهليكم ونسب عياضٌ هذه الرّواية هكذا للقابسيّ وبن السّكن قال وعند الأصيليّ أوصوا أنفسكم وأهليكم انتهى قال بن التّين قال القابسيّ صوابه أوفقوا قال ونحو ذلك ذكر النّحّاس ولا أعرف للألف من أو ولا للفاء من قوله فقوا وجهًا قال بن التّين ولعلّ المعنى أوقفوا بتقديم القاف على الفاء أي أوقفوهم عن المعصية قال لكنّ الصّواب على هذا حذف الألف لأنّه ثلاثيٌّ من وقف قال ويحتمل أن يكون أوفقوا يعني بفتح الفاء وضمّ القاف لا تعصوا فيعصوا مثل لا تزن فيزن أهلك وتكون أو على هذا للتّخيير والمعنى إمّا أن تأمروا أهليكم بالتّقوى أو فاتّقوا أنتم فيتّقوا هم تبعًا لكم انتهى وكلّ هذه التّكلّفات نشأت عن تحريف الكلمة وإنّما هي أوصوا بالصّاد واللّه المستعان ثمّ ذكر المصنّف في الباب أيضا طرفا من حديث بن عبّاسٍ عن عمر أيضًا في قصّة المتظاهرتين وسيأتي شرحه). [فتح الباري: 8/659-660]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ قوله: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} (التّحريم: 4)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {أن تتوبا} الخطاب لعائشة وحفصة، أي: أن تتوبا إلى الله من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء وتفسير: صغت، يأتي الآن.
صغوت وأصغيت: ملت: لتصغى: لتحميل
أشار بهذا إلى أن معنى قوله: قد صغت، مالت وعدلت واستوجبتما التّوبة. يقال: صغوت. أي: ملت، وكذلك: أصغيت، ذكر مثالين: أحدهما ثلاثي والآخر مزيد فيه. قوله: (لتصغى) أشار به إلى قوله عز وجل: {ولتصغي إليه أفئدة الّذين لا يؤمنون بالآخرة} (الأنعام: 113) أي: التّمثيل وهذا ذكره استطرادًا.
وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذالك ظهيرٌ عونٌ تظاهرون تعاونون.
كذا وقع للأكثرين واقتصر أبو ذر من سياق الآية على قوله: (ظهير) عون. قوله: (وإن تظاهرا) أي: وإن تعاونا على أذى النّبي صلى الله عليه وسلم فإن الله هو مولاه أي: ناصره وحافظه فلا تضره المظاهرة منكما وجبريل، عليه الصّلاة والسّلام، وليه وصالح المؤمنين أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، قاله المسيب بن شريك. وقال سعيد بن جبير: هو عمر، رضي الله تعالى عنه، وروى عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنه عليّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وعن الكلبيّ: هم المؤمنون المخلصون الّذين ليسوا بمنافقين، وعن قتادة هم الأنبياء، عليهم الصّلاة والسّلام، قوله: (والملائكة بعد ذلك) ، أي: بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين. (ظهير) أي: أعوان، ولم يقل: وصالحوا المؤمنين، ولا ظهرا، لأن لفظهما وإن كان واحدًا، فهو بمعنى الجمع. قوله: (تظاهرون) تفسيره: تعاونون، وفي بعض النّسخ: تظاهرا تعاونا). [عمدة القاري: 19/252-253]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما}: صغوت وأصغيت ملت، لتصغى لتميل. {وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ} عونٌ: تظاهرون تعاونون. {قوا أنفسكم وأهليكم}: وقال مجاهدٌ أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى اللّه وأدّبوهم
(باب قوله: {إن تتوبا}) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: {إن تتوبا} ({إلى الله}) خطاب لحفصة وعائشة وجواب الشرط ({فقد صغت قلوبكما}) أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة الرسول بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه يقال: (صغوت) بالواو (وأصغيت) بالياء أي (ملت) فالأوّل ثلاثي والثاني مزيد فيه (لتصغى) في قوله: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} [الأنعام: 113] أي (لتميل) أو جواب الشرط محذوف تقديره فذاك واجب عليكما أو فتاب الله عليكما وأطلق قلوب على قلبين لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة، واختلف في ذلك والأحسن الجمع ثم الإفراد ثم التثنية.
وقال ابن عصفور لا يجوز الإفراد إلا في الضرورة ({وإن تظاهرا عليه}) بما يسوءه ({فإن الله هو مولاه}) ناصره وهو يجوز أن يكون فصلًا ومولاه الخبر وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره والجملة خبران ({وجبريل}) رئيس الكروبيين ({وصالح المؤمنين}) أبو بكر وعمر وصالح مفرد لأنه كتب بالحاء دون واو الجمع وجوّزوا أن يكون جمعًا بالواو والنون حذفت النون للإضافة وكتب بلا واو اعتبارًا بلفظه لأن الواو سقطت للساكنين كيدع الداع ({والملائكة بعد ذلك ظهير}) [التحريم: 4] أي ({عون} تظاهرون) أي (تعاونون) وقوله وجبريل عطف على على اسم إن بعد استكمال خبرها وحينئذٍ فجبريل وتاليه داخلان في ولاية الرسول عليه الصلاة والسلام وجبريل ظهير له لدخوله في عموم الملائكة والملائكة مبتدأ خبره ظهير ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله مولاه ويكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبره فتختص الولاية بالله ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين مرة بالتنصيص ومرة في العموم وهو عكس قوله: {من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل [البقرة: 98] فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفًا له وهنا ذكر العام بعد الخاص ولم يذكر الناس إلا الأول قاله في الدرّ وسقط لأبي ذر من قوله صغوت إلى آخر قوله بعد ذلك ولغيره لفظ باب). [إرشاد الساري: 7/395-396]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب قوله: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}
قوله: (صغوت وأصغيت ملت) فالأول ثلاثي مجرد، والثاني ثلاثي مزيد لتصغي، أي: لتميل ذكره هنا مع أنه في سورة الأنعام لمناسبة صغت. قوله: (وأدّبوهم) عطف على الفعل، والضمير للأهل، وعليه كان الأولى وأدبوهما اهـ شيخ الإسلام). [حاشية السندي على البخاري: 3/76]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ): (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثورٍ، قال: سمعت ابن عبّاسٍ يقول: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اللّتين قال اللّه عزّ وجلّ: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} حتّى حجّ عمر، وحججت معه، فصببت عليه من الإداوة فتوضّأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اللّتان قال اللّه: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} فقال لي: واعجبًا لك يا ابن عبّاسٍ قال الزّهريّ: وكره واللّه ما سأله عنه ولم يكتمه: فقال: هي عائشة، وحفصة، قال: ثمّ أنشأ يحدّثني الحديث فقال: كنّا معشر قريشٍ نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر من ذلك؟ فواللّه إنّ أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. قال: قلت في نفسي: قد خابت من فعلت ذلك منهنّ وخسرت قال: وكان منزلي بالعوالي في بني أميّة، وكان لي جارٌ من الأنصار، كنّا نتناوب النّزول إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال: فينزل يومًا فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وأنزل يومًا فآتيه بمثل ذلك. قال: فكنّا نحدّث أنّ غسّان تنعل الخيل لتغزونا. قال: فجاءني يومًا عشاءً فضرب عليّ الباب، فخرجت إليه، فقال: حدث أمرٌ عظيمٌ. قلت: أجاءت غسّان قال: أعظم من ذلك، طلّق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه. قال: قلت في نفسي: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظنّ هذا كائنًا، قال: فلمّا صلّيت الصّبح شددت عليّ ثيابي، ثمّ انطلقت حتّى دخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: أطلّقكنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: لا أدري، هو ذا معتزلٌ في هذه المشربة قال: فانطلقت فأتيت غلامًا أسود، فقلت: استأذن لعمر، قال: فدخل ثمّ خرج إليّ، قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا. قال: فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المنبر نفرٌ يبكون، فجلست إليهم، ثمّ غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثمّ خرج إليّ، قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، قال: فانطلقت إلى المسجد أيضًا فجلست، ثمّ غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثمّ خرج إليّ فقال: ذكرتك له فلم يقل شيئًا. قال: فولّيت منطلقًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك، قال: فدخلت، فإذا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم متّكئٌ على رمل حصيرٍ، فرأيت أثره في جنبه فقلت: يا رسول الله، أطلّقت نساءك؟ قال: لا. قلت: اللّه أكبر، لقد رأيتنا يا رسول الله وكنّا معشر قريشٍ نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك، فقالت: ما تنكر؟ فواللّه إنّ أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل، قال: فقلت لحفصة: أتراجعين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: نعم، وتهجره إحدانا اليوم إلى اللّيل، فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكنّ وخسرت، أتأمن إحداكنّ أن يغضب اللّه عليها لغضب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرّنّك إن كانت صاحبتك أوسم منك، وأحبّ إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: فتبسّم أخرى، فقلت: يا رسول الله، أستأنس؟ قال: نعم. قال: فرفعت رأسي فما رأيت في البيت إلاّ أهبةً ثلاثةً. قال: فقلت يا رسول الله، ادع اللّه أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع على فارس والرّوم وهم لا يعبدونه، فاستوى جالسًا، فقال: أفي شكٍّ أنت يا ابن الخطّاب؟ أولئك قومٌ عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا. قال: وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا، فعاتبه اللّه في ذلك وجعل له كفّارة اليمين.
قال الزّهريّ، فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: فلمّا مضت تسعٌ وعشرون دخل عليّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بدأ بي قال: يا عائشة، إنّي ذاكرٌ لك شيئًا فلا تعجلي حتّى تستأمري أبويك قالت: ثمّ قرأ هذه الآية: {يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك} الآية. قالت: علم واللّه أنّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أريد اللّه ورسوله والدّار الآخرة. قال معمرٌ، فأخبرني أيّوب، أنّ عائشة، قالت له: يا رسول الله، لا تخبر أزواجك أنّي اخترتك، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّما بعثني اللّه مبلّغًا ولم يبعثني متعنّتًا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ قد روي من غير وجهٍ عن ابن عبّاسٍ). [سنن الترمذي: 5/277-280]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا يوسف بن عديٍّ، قال: ثنا رشدين بن سعدٍ، عن يونس بن يزيد، عن عطاءٍ الخراساني في قول اللّه عزّ وجلّ: {صغت قلوبكما} قال: مالت قلوبكما). [جزء تفسير عطاء الخراساني: 119]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه}
- أخبرنا الحارث بن مسكينٍ، قراءةً عليه، عن ابن القاسم، قال مالكٌ: حدّثني أبو النّضر، عن عليّ بن حسينٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه سأل عمر عن اللّتين تظاهرتا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «عائشة وحفصة»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/308]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى اللّه أيّتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبّة ما كرهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالاً ممّا حرّمه على نفسه بسبب حفصة.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} يقول: زاغت قلوبكما، يقول: قد أثمت قلوبكما.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا محمّد بن طلحة، عن زبيدٍ، عن مجاهدٍ، قال: كنّا نرى أنّ قوله: {فقد صغت قلوبكما}. شيءٌ هيّنٌ، حتّى سمعت قراءة ابن مسعودٍ: (إن تتوبا إلى اللّه فقد زاغت قلوبكما).
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {فقد صغت قلوبكما}. قال: مالت قلوبكما.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن قتادة {فقد صغت قلوبكما}. أي مالت قلوبكما.
- حدّثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {فقد صغت قلوبكما}. يقول: زاغت.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، {صغت قلوبكما} قال: زاغت قلوبكما.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال ابن زيدٍ: قال اللّه عزّ وجلّ: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} قال: سرّهما أن يجتنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاريته، وذلك لهما موافقٌ، {صغت قلوبكما} إلى أن سرّهما ما كره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقوله: {وإن تظاهرا عليه}. يقول تعالى ذكره: للتي أسرّ إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حديثه، وهما عائشة وحفصة رضي الله عنهما.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن أبي ثورٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، اللّتين قال اللّه عزّ وجلّ ثناؤه: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما}.
قال: فحجّ عمر، وحججت معه، فلمّا كان ببعض الطّريق عدل عمر، وعدلت معه بإداوةٍ، ثمّ أتاني فسكبت على يده وتوضّأ فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اللّتان قال اللّه لهما: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما}؟ قال عمر: واعجبًا لك يا ابن عبّاسٍ. قال الزّهريّ: وكره واللّه ما سأله ولم يكتم، قال: هي حفصة وعائشة؛ قال: ثمّ أخذ يسوق الحديث، فقال: كنّا معشر قريشٍ نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة، ثمّ ذكر الحديث بطوله.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، عن مالكٍ، عن أبي النّضر، عن عليّ بن حسينٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه سأل عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عن المتظاهرتين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: عائشة وحفصة.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبيد بن حنينٍ، أنّه سمع ابن عبّاسٍ، يقول: مكثت سنةً وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المتظاهرتين، فما أجد له موضعًا أسأله فيه حتّى خرج حاجًّا، وصحبته حتّى إذا كان بمرّ الظّهران ذهب لحاجته، وقال: أدركني بإداوةٍ من ماءٍ؛ فلمّا قضى حاجته ورجع، أتيته بالإداوة أصبّها عليه، فرأيت موضعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان المتظاهرتان على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ فما قضيت كلامي حتّى قال: عائشة وحفصة.
- حدّثنا ابن بشّارٍ وابن المثنّى، قالا: حدّثنا عمر بن يونس، قال: حدّثنا عكرمة بن عمّارٍ، قال: حدّثنا سماك أبو زميلٍ، قال: حدّثني عبد اللّه بن عبّاسٍ، قال: حدّثني عمر بن الخطّاب، قال: لمّا اعتزل نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه، دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول اللّه ما شقّ عليك من شأن النّساء، فلئن كنت طلّقتهنّ فإنّ اللّه معك وملائكته، وجبرائيل وميكائيل، وأنا وأبو بكرٍ معك، وقلّما تكلّمت وأحمد اللّه بكلامٍ، إلاّ رجوت أن يكون اللّه مصدّق قولي، فنزلت هذه الآية، آية التّخيير: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ} {وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} الآية، وكانت عائشة ابنة أبي بكرٍ وحفصة تتظاهران على سائر نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحاك يقول في قوله: {وإن تظاهرا عليه} يقول: على معصية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأذاه.
- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، قال ابن عباس لعمر: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسالك عن أمر وإني لأهابك، قال: لا تهبني، فقال: من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: عائشة وحفصة.
وقوله: {فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} يقول: فإنّ اللّه هو وليّه وناصره عليهما، وعلى كلّ من بغاه سوءًا، {وجبريل}. يقول: وجبريل أيضًا وليّه وناصره، {وصالح المؤمنين}. يقول: وخيار المؤمنين أيضًا مولاه وناصره.
وقيل: عني بصالح المؤمنين في هذا الموضع: أبو بكرٍ، وعمر رضي اللّه عنهما.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليّ بن الحسين الأزديّ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن عبد الوهّاب، عن مجاهدٍ، في قوله: {وصالح المؤمنين}. قال: عمر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك، في قوله: {وصالح المؤمنين}. قال: خيار المؤمنين أبو بكرٍ الصّدّيق وعمر.
- حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثنا الفضل بن موسى السّينانيّ، من قريةٍ بمرو يقال لها سينان، عن عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ يقول في قوله: {وصالح المؤمنين}. قال: أبو بكرٍ وعمر.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {وصالح المؤمنين}. يقول: وخيار المؤمنين.
وقال آخرون: عني بصالح المؤمنين: الأنبياء صلوات اللّه عليهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هم الأنبياء.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة قوله {وصالح المؤمنين} قال: هم الأنبياء.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، {وصالح المؤمنين}. قال الأنبياء.
والصّواب من القول في ذلك عندي: أنّ قوله: {وصالح المؤمنين}. وإن كان في لفظٍ واحدٍ، فإنّه بمعنى الجميع، وهو بمعنى قوله: {إنّ الإنسان لفي خسرٍ}. فالإنسان وإن كان في لفظ واحدٍ، فإنّه بمعنى الجميع، وهو نظير قول الرّجل: لا يقرينّي إلاّ قارئ القرآن، يقال: قارئ القرآن، وإن كان في اللّفظ واحدًا، فمعناه الجمع، لأنّه قد أذن لكلّ قارئ القرآن أن يقريه، واحدًا كان أو جماعةً.
وقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ} يقول: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعوانٌ على من أذاه، وأراد مساءته.
والظّهير في هذا الموضع بلفظ واحدٍ في معنى جمعٍ. ولو أخرج بلفظ الجميع لقيل: والملائكة بعد ذلك ظهراء.
وكان ابن زيدٍ يقول في ذلك ما:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} قال: وبدأ بصالح المؤمنين هاهنا قبل الملائكة، قال: {والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ}). [جامع البيان: 23/93-99]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد الأياسي عن مجاهد قال كنا نرى أن قول فقد صغت قلوبكما شيء هين حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود فقد زاغت قلوبكما). [تفسير مجاهد: 683]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت س) ابن عباس - رضي الله عنهما -: قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم اللّتين قال الله عز وجل: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} حتى حجّ عمر، وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر، وعدلت معه بالإداوة، فتبرّز ثمّ أتاني، فسكبت على يديه، فتوضّأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم اللّتان قال الله عز وجل: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما}؟ فقال عمر: واعجباً لك يا ابن العباس! قال الزهريّ: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، فقال: هما عائشة وحفصة، ثم أخذ يسوق الحديث - قال: كنّا معشر قريش قوماً نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة، وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في بني أميّة بن زيدٍ بالعوالي، فتغضّبت يوماً على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فو الله، إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل، فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: نعم، فقلت: أتهجره إحداكنّ اليوم إلى اللّيل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسرت، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإذا هي هلكت، لا تراجعي رسول الله، ولا تسأليه شيئاً، وسليني ما بدالك، ولا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك - يريد عائشة - وكان لي جارٌ من الأنصار، فكنّا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً، وأنزل يوماً، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك وكنّا نتحدث: أنّ غسّان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي، ثمّ أتاني عشاء، فضرب بابي، ثم ناداني، فخرجت إليه، فقال: حدث أمرٌ عظيمٌ، فقلت: ماذا؟ جاءت غسّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قلت: وقد خابت حفصة وخسرت، وقد كنت أظنّ هذا يوشك أن يكون، حتى إذا صلّيت الصبح شددت عليّ ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة، وهي تبكي، فقلت: أطلّقكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري، هو هذا معتزلٌ في هذه المشربة، فأتيت غلاماً له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ، قال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى إذا أتيت المنبر، فإذا عنده رهطٌ جلوسٌ، يبكي بعضهم، فجلست قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فولّيت مدبراً، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت، فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو متّكئٌ على رمال حصيرٍ، قد أثّر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليّ، فقال: لا، فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنّا معشر قريشٍ نغلب النساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت على امرأتي يوماً، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج رسول الله ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهنّ وخسر، أفتأمن إحداهنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فتبسّم أخرى. فقلت: استأنس يا رسول الله؟ قال: نعم، فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فو الله ما رأيت فيه شيئاً يردّ البصر، إلا أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالساً، ثم قال: أفي شكٍّ أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قومٌ عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم ألاّ يدخل عليهنّ شهراً من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة، من شدّة موجدته عليهن حتى عاتبه الله تعالى. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضت تسعٌ وعشرون ليلة، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أنك لا تدخل علينا شهراً، وإنّك دخلت من تسعٍ وعشرين أعدّهنّ؟ فقال: إنّ الشهر تسعٌ وعشرون - زاد في رواية: وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلة، ثم قال: يا عائشة إنّي ذاكرٌ لك أمراً، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ: {يا أيّها النبيّ قل لأزواجك إن كنتنّ تردن الحياة الدّنيا وزينتها فتعالين أمتّعكنّ وأسرّحكنّ سراحاً جميلاً. وإن كنتنّ تردن الله ورسوله والدّار الآخرة فإنّ الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً} قالت عائشة: قد علم والله أنّ أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله، والدار الآخرة.
وفي روايةٍ: أنّ عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله أرسلني مبلّغاً، ولم يرسلني متعنّتاً»، هذه رواية البخاري، ومسلم، والترمذي.
ولمسلم أيضاً نحو ذلك، وفيه: «وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب».
وفيه: دخول عمر على عائشة وحفصة ولومه لهما، وقوله لحفصة: «والله لقد علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبّك، ولولا أنا لطلّقك».
وفيه: قول عمر عند الاستئذان - في إحدى المرات - يا رباح، استأذن لي، فإني أظنّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنّ أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها، لأضربنّ عنقها، قال: ورفعت صوتي، وأنه أذن له عند ذلك، وأنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخبر الناس أنه لم يطلّق نساءه، فأذن له، وأنه قام على باب المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وأنّه قال له - وهو يرى الغضب في وجهه-: يا رسول الله، ما يشقّ عليك من شأن النساء، فإن كنت طلّقتهنّ، فإنّ الله معك، وملائكته وجبريل، وميكائيل، وأنا وأبو بكرٍ والمؤمنون معك، قال: وقلّما تكلّمت - وأحمد الله - بكلامٍ، إلا رجوت أن يكون الله يصدّق قولي الذي أقول، فنزلت هذه الآية، آية التخيير: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكاراً}.
وفيه أنه قال: فلم أزل أحدّثه، حتى تحسّر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك - وكان من أحسن الناس ثغراً - قال: ونزلت أتشبّث بالجذع وهو جذعٌ يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض، ما يمسّه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنّما كنت في الغرفة تسعاً وعشرين؟ فقال: إنّ الشهر يكون تسعاً وعشرين، قال: ونزلت هذه الآية: {وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] قال: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، فأنزل الله عز وجلّ آية التخيير.
وفي رواية للبخاري ومسلم قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آيةٍ، فما أستطيع أن أسأله، هيبة له، حتى خرج حاجّاً، فخرجت معه، فلمّا رجعنا - وكنا ببعض الطريق - عدل إلى الأراك لحاجةٍ له فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللّتان تظاهرتا على النبيّ صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنةٍ، فما أستطيع، هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أنّ عندي من علم، فسلني، فإن كان لي به علمٌ خبّرتك به، ثم قال عمر: والله إن كنّا في الجاهلية ما نعدّ للنّساء أمراً، حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل، وقسم لهنّ ما قسم، قال: فبينا أنا في أمرٍ أتأمّره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا؟ فقلت لها: مالك ولما هاهنا! فيما تكلّفك في أمرٍ أريده! فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإنّ ابنتك لتراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى يظلّ يومه غضبان؟ فقام عمر، فأخذ رداءه مكانه، حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنيّة، إنّك لتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يظلّ يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذّرك عقوبة الله، وغضب رسوله؟ يا بنيّة، لا يغرنّك هذه التي أعجبها حسنها، وحبّ رسول الله إيّاها - يريد عائشة - قال: ثمّ خرجت، حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها، فكلّمتها، فقالت أمّ سلمة: عجباً لك يا ابن الخطّاب!، دخلت في كلّ شيءٍ، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أزواجه؟ قال: فأخذتني والله أخذاً كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها. وكان لي صاحبٌ من الأنصار، إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا: أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب. فقال: افتح، افتح، فقلت: جاء الغسانيّ؟ فقال: بل أشدّ من ذلك، اعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مشربةٍ له، يرقى عليها بعجلةٍ، وغلامٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأس الدرجة، فقلت: قل: هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث، فلما بلغت حديث أمّ سلمة، تبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنّه لعلى حصيرٍ، ما بينه وبينه شيءٌ، وتحت رأسه وسادةٌ من أدم، حشوها ليفٌ، وإن عند رجليه قرظاً مصبوراً، وعند رأسه أهبٌ معلّقةٌ، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت. فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله؟ ! فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟».
وأخرجه النسائي مجملاً، وهذا لفظه: قال ابن عباس: لم أزل حريصاً أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللّتين قال الله عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وساق الحديث. هكذا قال النسائي، ولم يذكر لفظه، وقال: واعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه - من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة - تسعاً وعشرين ليلة، قالت عائشة: وكان قال: ما أنا بداخلٍ عليهنّ شهراً، من شدّة موجدته عليهنّ حين حدّثه الله - عزّ وجلّ - حديثهنّ، فلما مضت تسعٌ وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها؛ فقالت له عائشة: قد كنت آليت يا رسول الله، أن لا تدخل علينا شهراً، وإنّا أصبحنا من تسعٍ وعشرين ليلة، نعدّها عدّاً؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الشهر تسعٌ وعشرون ليلة».
[شرح الغريب]
(العوالي) جمع عالية: وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة.
(صغت) قلوبكما: مالت.
(جارتك) الجارة هاهنا: الضرة، أراد بها عائشة رضي الله عنها.
(أوسم منك) أكثر منك حسناً وجمالاً، والوسامة: الحسن والجمال.
(أوضأ منك) أكثر منك وضاءة، والوضاءة: الحسن والنظافة، ومنه الوضوء.
(نتناوب) التناوب: هو أن تفعل الشيء دفعة ويفعله الآخر دفعة أخرى، مرة بعد مرة.
(المشربة) بضم الراء وفتحها: الغرفة.
(رمال حصير) يقال: رملت الحصير: إذا ضفرته ونسجته، والمراد: أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير.
(نقير) النقير: جذع ينقر، ويجعل فيه كالمراقي، يصعد عليه إلى الغرف.
(أهبة، وأهب) الأهب: جمع إهاب، كذلك الأهبة، والإهاب الجلد، ويجمع أيضا على أهب بالضم.
(الموجدة) الغضب.
(تحسر) الغضب، أي: انكشف وزال.
(كشر) عن أسنانه، أي: كشف.
(أتأمّره) التأمر: تدبر الشيء والتفكر فيه، ومشاورة النفس في شأنه.
(قرظاً) القرظ: ورق السلم، يدبغ به الجلود.
(مصبوراً) المصبور: المجموع، أي: جعل صبرة كصبرة الطعام). [جامع الأصول: 2/400-410]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك قال: فإنها علي حرام أن أمسها واكتمي هذا علي فخرجت حتى أتت عائشة فقالت: ألا أبشرك قالت: بماذا قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك فكان أول السر أنه أحرمها على نفسه ثم قال لي: يا حفصة ألا أبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده وأن أبي يليه بعد أبيك وقد استكتمني ذلك فاكتميه فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم} إلى قوله: {غفور رحيم} أي لما كان منك إلى قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثا فلما نبأت به} يعني عائشة {وأظهره الله عليه} أي بالقرآن {عرف بعضه} عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية {وأعرض عن بعض} عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر فلم يبده {فلما نبأها به} إلى قوله: {الخبير} ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال: {إن تتوبا إلى الله} إلى قوله: {ثيبات وأبكارا} فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى). [الدر المنثور: 14/573-574] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فقد صغت قلوبكما} قال: مالت وأثمت). [الدر المنثور: 14/578]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {صغت} قال: مالت). [الدر المنثور: 14/578]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {صغت} قال: مالت). [الدر المنثور: 14/578]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كنا نرى أن {صغت قلوبكما} شيء هين حتى سمعناه بقراءة عبد الله أن تتوبا إلى الله {فقد صغت قلوبكما}). [الدر المنثور: 14/578]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد وأحمد والعدني، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي، وابن حبان، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ثم أتى فصببت على يديه فتوضا فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} فقال: واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة ثم أنشأ يحدثني الحديث فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر من ذلك فوالله إن أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل قلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت قال: وكان منزلي بالعوالي وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره وأنزل يوما فآتيه بمثل ذلك، قال: وكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فجاء يوما فضرب على الباب فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم فقلت: أجاءت غسان قال: أعظم من ذلك طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه قلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أرى ذلك كائنا فلما صلينا الصبح شددت نعلي ثيابي ثم انطلقت حتى دخلت على حفصة فإذا هي تبكي فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لا أدري هو ذا معتزل في المشربة، فانطلقت فأتيت غلاما أسودا فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئا فانطلقت إلى المسجد فإذا حول المسجد نفر يبكون فجلست إليهم ثم غلبني ما أجد فانطلقت فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئا فوليت منطلقا فإذا الغلام يدعوني فقال: أدخل فقد أذن لك فدخلت فإذا النّبيّ صلى الله عليه وسلم متكئ على حصير قد رأيت أثره في جنبه فقلت: يا رسول الله أطلقت نساءك قال: لا قلت: الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت ذلك فقالت: ما تنكر فوالله إن أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فقلت: قد خابت من فعل ذلك منهن فدخلت على حفصة فقلت: أتراجع إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهجره اليوم إلى الليل نعم فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك ولا يغرنك إن كانت جارتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم أخرى فقلت يا رسول الله: استأنس قال: نعم فرفعت رأسي فما رأيت في البيت إلا أهبة ثلاثة فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا وكان قد أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا فعاتبه الله في ذلك وجعل له كفارة اليمين). [الدر المنثور: 14/578-581]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة). [الدر المنثور: 14/581]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: آلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فأما الحرام فأحله الله له وأما الإيلاء فأمره بكفارة اليمين). [الدر المنثور: 14/581]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد ومسلم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، فدخلت: على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: مالي ولك يا ابن الخطاب، فدخلت على حفصة فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء فقلت لها: إين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت فإذا أنا برباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة المشربة مدليا رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، فقلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله ظن أني جئت من أجل حفصة والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي بيده أن أرقه، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره وإذا الحصير قد اثر في جنبه ونظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها من قرظ في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق، فابتدرت عيناي فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب فقلت يا نبي الله: ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك، قال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت: بلى، ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت يا رسول الله: ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله تعالى معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقوله ونزلت هذه الآية {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} وكانت عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: أطلقتهن قال: لا، قلت يا رسول الله: إني دخلت المسجد والمؤمنون ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إن شئت ثم لم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر وضحك وكان من أحسن الناس ثغرا فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت أشبث بالجذع ونزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت يا رسول الله: إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: ونزلت هذه الآية (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير، قوله تعالى: {وصالح المؤمنين}). [الدر المنثور: 14/582-584] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبي يقرؤها {وصالح المؤمنين} أبو بكر وعمر). [الدر المنثور: 14/584]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأخرج ابن عساكر عن عكرمة وميمون بن مهران مثله). [الدر المنثور: 14/585]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم). [الدر المنثور: 14/585]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {فقد صغت قلوبكما} قال: مالت وفي قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم السلام). [الدر المنثور: 14/585]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله {وصالح المؤمنين} قال: صلى الله عليه وسلم من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما). [الدر المنثور: 14/585]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني، وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وصالح المؤمنين} قال: صالح المؤمنين أبو بكر وعمر). [الدر المنثور: 14/585-586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وصالح المؤمنين} قالا: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: نزلت في عمر بن الخطاب خاصة). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عن ابن مسعود عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وصالح المؤمنين} قال: صالح المؤمنين أبو بكر وعمر). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن ابن عمر، وابن عباس في قوله: {وصالح المؤمنين} قالا: نزلت في أبي بكر وعمر). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: نزلت في عمر خاصة). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحاكم عن أبي أمامة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هو علي بن أبي طالب). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وصالح المؤمنين} قال: علي بن أبي طالب). [الدر المنثور: 14/586]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هو علي بن أبي طالب). [الدر المنثور: 14/586-587]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن العلاء بن زياد في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم السلام). [الدر المنثور: 14/587]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام). [الدر المنثور: 14/587]

تفسير قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني يحيى بن أيّوب عن حميدٍ الطّويل عن أنس بن مالكٍ أنّ عمر بن الخطّاب قال: وافقني ربّي في ثلاثٍ، قال: قلت: يا رسول اللّه، لو اتّخذت مقام إبراهيم مصلًّى، فأنزل اللّه هذه الآية: {واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، قال: قلت: إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل اللّه آية الحجاب؛ قال: وبلغني بعض ما يؤذي رسول اللّه نساؤه، قال: فدخلت عليهنّ فجعلت أستقريهنّ واحدةً واحدةً فقلت: واللّه، لتنتهنّ أو ليبدلنّه اللّه خيرًا منكنّ حتّى انتهيت إلى زينب، فقالت: يا عمر، ما في رسول اللّه ما يعظ نساءه حتّى تعظهنّ، قال: فانصرفت، فأنزل اللّه: {عسى ربّه إن طلّقكنّ [أن يبدله] أزواجاً خيراً منكن مسلماتٍ}). [الجامع في علوم القرآن: 2/20-21] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله قانتات قال مطيعات قال والسائحات الصائمات). [تفسير عبد الرزاق: 2/302]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مجاهد في قوله اقنتي لربك قال أطيلي الركوع). [تفسير عبد الرزاق: 2/303]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: (عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجًا خيرًا منكنّ، مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارًا).
- حدّثنا عمرو بن عونٍ، حدّثنا هشيمٌ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمر رضي اللّه عنه: اجتمع نساء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجًا خيرًا منكنّ «فنزلت هذه الآية»). [صحيح البخاري: 6/158]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرا منكن الآية)
ذكر فيه طرفًا من حديث أنسٍ عن عمر في موافقاته واقتصر منه على قصّة الغيرة وقد تقدّم بهذا الإسناد في أوائل الصّلاة تامًّا وذكرنا كلّ موافقةٍ منها في بابها وسيأتي ما يتعلّق بالغيرة في كتاب النّكاح إن شاء اللّه تعالى). [فتح الباري: 8/660]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ قوله: {عسى ربّه أن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجا خيرا منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سابّحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارا} )
(التّحريم: 5)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {عسى ربه} أي: رب النّبي صلى الله عليه وسلم، هذا إخبار عن القدرة وتخويف لهم لا أن في الوجود من هو خير من أمة محمّد صلى الله عليه وسلم وقال الزّمخشريّ: فإن قلت: كيف يكون المبدلات خيرا منهنّ ولم يكن على وجه الأرض نساء خيرا من أمّهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعصيانهن وإيذائهن إيّاه لم يبقين على تلك الصّفة، وكان غيرهنّ من الموصوفات بالأوصاف المذكورة مع الطّاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنّزول على رضاه وهواه خيرا منهنّ. قوله: (مسلمات مؤمنات) مقرات مخلصات. (قانتات) داعيات مصليات. (تائبات) من الذّنوب راجعات إلى الله تعالى ورسوله تاركات لمحبة أنفسهنّ. (عابدات) كثيرات العبادة لله تعالى، وقيل: متذللات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بالطّاعة ومنه أخذ اسم العبد لتذلله. (سائحات) يسحن معه حيثما ساح، وقيل: صائمات، وقرئ: سيحات، وهي أبلغ، وقيل للصّائم: سائح لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصّائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره، وقيل: (سائحات) مهاجرات، وعن زيد بن أسلم لم يكن في هذه الأمة سياحة إلاّ الهجرة. قوله: (ثيبات) جمع ثيب والأبكار جمع بكر فإن قلت: وإنّما أخليت الصّفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار. قلت: لأنّهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصّفات فلم يكن بد من الواو.
- حدّثنا عمرو بن عونٍ حدّثنا هشيمٌ عن حميدٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه اجتمع نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت لهنّ: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجا خيرا منكنّ} (التّحريم: 5) فنزلت هذه الآية.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وفيه بيان لسبب النّزول، وعمرو بن عون بن أوس الواسطيّ نزل البصرة وروى البخاريّ أيضا عنه بالواسطة في الاستئذان روى عن عبد الله المسندي عن عمرو بن عون وروى مسلم عن حجاج بن الشّاعر عنه في موضع، وهشيم مصغر هشم بن بشر مصغر بشر يروى عن حميد، الطّويل البصريّ، والحديث قد مر في كتاب الصّلاة في باب ما جاء في القبلة: بأتم منه بهذا الإسناد بعينه، ومضى الكلام فيه هناك). [عمدة القاري: 19/253-254]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (قوله: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجًا خيرًا منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارًا} [التحريم: 5].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال. (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت عبيد بن حنين) بتصغيرهما (يقول سمعت ابن عباس) -رضي الله عنهما- (يقول: أردت) ولأبي ذر كنت أريد (أن أسأل عمر) بن الخطاب -رضي الله عنه- (عن المرأتين اللتين تظاهرتا) تعاونتا (على رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) وسقط لأبي ذر ما بعد تظاهرتا
(فمكثت سنة فلم أجد له) أي للسؤال (موضعًا حتى خرجت معه حاجًّا فلما كنا بظهران) بفتح المعجمة وسكون الهاء وبالراء والنون بقعة بين مكة والمدينة غير منصرف حين رجعنا (ذهب عمر لحاجته) كناية عن التبرّز (فقال: أدركني بالوضوء) بفتح الواو أي بالماء (فأدركته بالإداوة) بكسر الهمزة المطهرة (فجعلت أسكب عليه) زاد أبو ذر عن الكشميهني الماء أي للوضوء (ورأيت موضعًا) للسؤال (فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا) على رسول الله من أزواجه (قال ابن عباس فما أتممت كلامي حتى قال) عمر: هما (عائشة وحفصة) وساق بقية الحديث واختصره هنا للعلم به من سابقه.
(قوله: {عسى}) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله تعالى: عسى ({ربه إن طلقكن}) النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ({أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن}) خبر عسى وطلقكن شرط معترض بين اسم عسى وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي إن طلقكن فعسى وعسى من الله واجب ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط ({مسلمات}) مقرّات بالإسلام ({مؤمنات}) مخلصات ({قانتات}) طائعات ({تائبات}) من الذنوب ({عابدات}) متعبدات أو متذللات لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام ({سائحات}) صائمات أو مهاجرات ({ثيبات}) جمع ثيب من تزوّجت ثم بانت ({وأبكارًا}) [التحريم: 5] أي عذارى وقوله مسلمات الخ إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص والثيب وزنها فعل من ثاب يثوب رجع لأنها ثابت بعد زوال عذرتها وأصلها ثيوب كسيد وميت أصلهما سيود وميوت فأعل الإعلال المشهور، وقال الزمخشري في كشافه وأخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات فلم يكن بدٌّ من الواو. اهـ.
وذهب القاضي الفاضل إلى أن هذه الواو واو الثمانية وتبجح باستخراجها وزيادتها على المواضع الثلاثة الواقعة في القرآن وهي {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولن خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة ثامنهم كلبهم} [الكهف: 22] وآية الزمر إذ قيل فتحت في آية النار لأن أبوابها سبعة وفتحت في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية وقوله: {والناهون عن المنكر} [التوبة: 112] فإنه لوصف الثامن.
قال ابن هشام: والصواب أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة فلا يصح إسقاطها إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة وواو الثمانية عند القائل بها صالحة للسقوط ثم إن أبكارًا صفة تاسعة لا ثامنة إذ أول الصفات خيرًا منكنّ لا مسلمات فإن أجاب: بأن مسلمات وما بعده تفصيل لخيرًا منكنّ، فلهذا لم تعدّ قسمة لها قلنا وكذلك ثيبات وأبكارًا تفصيل للصفات السابقة فلا نعدهما معهن.
وفي معجم الطبراني الكبير عن بريدة قال: وعد الله نبيه -صلّى اللّه عليه وسلّم- في هذه الآية أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران وبدأ بالثيب قبل البكر لأن زمن آسية قبل مريم، أو
لأن أزواجه عليه الصلاة والسلام كلهم ثيب إلا عائشة. قيل: وأفضلهن خديجة فالتقديم من جهة قبلية الفضل وقبلية الزمان لأنه تزوّج الثيب منهن قبل البكر.
وفي حديث ضعيف عند ابن عساكر عن ابن عباس أن النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- دخل على خديجة وهي في الموت فقال: "يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام" فقالت: يا رسول الله وهل تزوّجت قبلي؟ قال: "لا ولكن الله زوّجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى". وروي نحوه بإسناد ضعيف من حديث أبي أمامة عند أبي يعلى وسقط لأبي ذر قوله مسلمات الخ. وقال بعد منكنّ الآية.
- حدّثنا عمرو بن عونٍ، حدّثنا هشيمٌ عن حميدٍ عن أنسٍ قال -رضي الله عنه- قال عمر -رضي الله عنه-: اجتمع نساء النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدّله أزواجًا خيرًا منكنّ} [التحريم: 5] فنزلت هذه الآية.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما الواسطي نزيل البصرة قال: (حدّثنا هشيم) بن بشير مصغرين (عن حميد) الطويل (عن أنس -رضي الله عنه-) أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (-رضي الله عنه- اجتمع نساء النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- في الغيرة عليه) بفتح الغين المعجمة (فقلت لهن) رضوان الله عليهن: ({عسى ربه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ} فنزلت هذه الآية) ولأبي ذر عن الكشميهني فقلت له أي النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-: قال في الكشاف فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرًا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ وأجاب: بأنه عليه الصلاة والسلام إذا طلقهن لعصيانهن له وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- والنزول على هواه ورضاه خيرًا منهن، وقال في الأنوار: وليس في الآية ما يدل على أنه لم يطلق حفصة لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة.
وهذا الحديث سبق بتمامه في باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة). [إرشاد الساري: 7/396-397]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (قوله: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكم الآية) ذكر في نسخة الآية بتمامها، ومعنى سائحات فيها صائمات، أو مهاجرات اهـ شيخ الإسلام). [حاشية السندي على البخاري: 3/76]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا يوسف بن عديٍّ، قال: ثنا رشدين بن سعدٍ، عن يونس بن يزيد، عن عطاءٍ الخراساني في قول الله عز وجل: {سائحاتٍ} قال: الصائمات). [جزء تفسير عطاء الخراساني: 120]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ}
- أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن هشيمٍ، أخبرنا حميدٌ، عن أنس بن مالكٍ، قال: قال عمر بن الخطّاب: «اجتمع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساؤه في الغيرة عليه»، فقلت: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ} [التحريم: 5] فنزلت مثل ذلك). [السنن الكبرى للنسائي: 10/308]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارًا}.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقول تعالى ذكره: عسى ربّ محمّدٍ إن طلّقكنّ يا معشر أزواج محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبدله منكنّ أزواجًا خيرًا منكنّ.
وقيل: إنّ هذه الآية نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تحذيرًا من اللّه نساءه لمّا اجتمعن عليه في الغيرة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حميدٌ الطّويل، عن أنس بن مالكٍ، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: اجتمع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساؤه في الغيرة فقلت لهنّ: عسى ربّه إن طلّقهنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ، قال: فنزل كذلك.
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن عمر، قال: بلغني عن بعض أمّهاتنا، أمّهات المؤمنين شدّةٌ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأذاهنّ إيّاه، فاستقريتهنّ امرأةً امرأةً، أعظها وأنهاها عن أذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأقول: إن أبيتنّ أبدله اللّه خيرًا منكنّ، حتّى أتيت، حسبت أنّه قال على زينب، فقالت: يا ابن الخطّاب، أما في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يعظ نساءه حتّى تعظهنّ أنت؟ فأمسكت، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمر بن الخطّاب: بلغني عن أمّهات المؤمنين شيءٌ، فاستقريتهنّ أقول: لتكففن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو ليبدلنّه اللّه أزواجًا خيرًا منكنّ، حتّى أتيت على إحدى أمّهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يعظ نساءه حتّى تعظهنّ أنت؟ فكففت، فأنزل اللّه {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ} الآية.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: {أن يبدله} فقرأ ذلك بعض قرأة مكّةً والمدينة والبصرة بتشديد الدّال: (يبدّله أزواجًا) من التّبديل، وقرأه عامّة قرأة الكوفة: {يبدله} بتخفيف الدّالّ من الإبدال.
والصّواب من القول أنّهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
وقوله: {مسلماتٍ} يقول: خاضعاتٍ للّه بالطّاعة {مؤمناتٍ}. يعني مصدّقاتٍ باللّه ورسوله.
وقوله: {قانتاتٍ} يقول: مطيعاتٍ للّه.
- كما: حدّثني ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، في قوله: {قانتاتٍ}. قال مطيعاتٍ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قول اللّه عزّ وجلّ: {قانتاتٍ}. قال: مطيعاتٍ.
وقوله: {تائباتٍ}. يقول: راجعاتٍ إلى ما يحبّه اللّه منهنّ من طاعته عمّا يكرهه منهنّ {عابداتٍ}. يقول: متذلّلاتٍ للّه بالطّاعة.
وقوله: {سائحاتٍ} يقول: صائماتٍ.
واختلف أهل التّأويل في معنى قوله: {سائحاتٍ}. فقال بعضهم: معنى ذلك: صائماتٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله {سائحاتٍ}. قال: صائماتٍ.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله {سائحاتٍ}. قال: صائماتٍ.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة قال: السّائحات: الصّائمات.
- حدّثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: حدّثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {سائحاتٍ}. يعني: صائماتٍ.
وقال آخرون: السّائحات: المهاجرات.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمّدٍ الدّراورديّ، عن زيد بن أسلم، قال: السّائحات: المهاجرات.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {سائحاتٍ} قال: مهاجراتٍ، ليس في القرآن ولا في أمّة محمّدٍ سياحةٌ إلاّ الهجرة، وهي الّتي قال اللّه {السّائحون}.
وقد بيّنّا الصّواب من القول في معنى السّائحين فيما مضى قبل بشواهده مع ذكرنا أقوال المختلفين فيه، وكرهنا إعادته.
وكان بعض أهل العربيّة يقول: نرى أنّ الصّائم إنّما سمّي سائحًا، لأنّ السّائح لا زاد معه، وإنّما يأكل حيث يجد الطّعام، فكأنّه أخذ من ذلك.
وقوله: {ثيّباتٍ} وهنّ اللّواتي قد افترعن وذهبت عذرتهنّ. {وأبكارًا} وهنّ اللّواتي لم يجامعن، ولم يفترعن). [جامع البيان: 23/99-103]

قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أحمد بن منيعٍ: ثنا يزيد، ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالكٍ قال: قال عمر- رضي الله عنه-: "بلغني بعض ما أدين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لنسائه، فدخلت عليهن فجعلت أستقرئهنّ وأعظهنّ، فقلت فيما أقول: واللّه لينتهين أو ليبدله اللّه أزواجًا خيرًا منكنّ حتّى أتيت على زينب فقالت لي: يا عمر، أما كان فيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يعظ نساءه حتّى تعظنا أنت. فأنزل اللّه- عزّ وجلّ (عسى ربّه إن طلقكن ... ) إلى آخر الآية"). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/289]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك قال: فإنها علي حرام أن أمسها واكتمي هذا علي فخرجت حتى أتت عائشة فقالت: ألا أبشرك قالت: بماذا قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك فكان أول السر أنه أحرمها على نفسه ثم قال لي: يا حفصة ألا أبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده وأن أبي يليه بعد أبيك وقد استكتمني ذلك فاكتميه فأنزل الله {يا أيها النّبيّ لم تحرم} إلى قوله: {غفور رحيم} أي لما كان منك إلى قوله: {وإذ أسر النّبيّ إلى بعض أزواجه} يعني حفصة {حديثا فلما نبأت به} يعني عائشة {وأظهره الله عليه} أي بالقرآن {عرف بعضه} عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية {وأعرض عن بعض} عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر فلم يبده {فلما نبأها به} إلى قوله: {الخبير} ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال: {إن تتوبا إلى الله} إلى قوله: {ثيبات وأبكارا} فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى). [الدر المنثور: 14/573-574]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ (وإن تظاهر عليه) خفيفة {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله} خفيفة مرفوعة الياء {سائحات} خفيفة الألف). [الدر المنثور: 14/581-582]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد ومسلم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، فدخلت: على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: مالي ولك يا ابن الخطاب، فدخلت على حفصة فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء فقلت لها: إين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت فإذا أنا برباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة المشربة مدليا رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، فقلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله ظن أني جئت من أجل حفصة والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي بيده أن أرقه، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره وإذا الحصير قد اثر في جنبه ونظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها من قرظ في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق، فابتدرت عيناي فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب فقلت يا نبي الله: ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك، قال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت: بلى، ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت يا رسول الله: ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله تعالى معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقوله ونزلت هذه الآية {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} وكانت عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: أطلقتهن قال: لا، قلت يا رسول الله: إني دخلت المسجد والمؤمنون ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إن شئت ثم لم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر وضحك وكان من أحسن الناس ثغرا فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت أشبث بالجذع ونزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت يا رسول الله: إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: ونزلت هذه الآية (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير، قوله تعالى: {وصالح المؤمنين}). [الدر المنثور: 14/582-584]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 5 - 7.
أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة وأبي مالك وقتادة في قوله: {قانتات} قال: مطيعات وفي قوله: {سائحات} قالوا: صائمات). [الدر المنثور: 14/587]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ سيحات مثقلة بغير ألف). [الدر المنثور: 14/587]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني، وابن المردويه عن بريدة في قوله: {ثيبات وأبكارا} قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوجه بالثيب آسيه امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران). [الدر المنثور: 14/587]



رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 08:56 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
Post

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) }
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (قوله جلّ وعز: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك...} نزلت في ماريّة القبطية، وكان النبي صلى الله عليه يجعل لكل امرأة من نسائه يوماً، فلما كان يوم عائشة زارتها حفصة بنت عمر، فخلا بيتها، فبعث النبي صلى الله عليه إلى مارية القبطية، وكانت مع النبي صلى الله عليه في منزل حفصة، وجاءت حفصة إلى منزلها فإذا الستر مرخى، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتكتمين عليّ؟ فقالت: نعم، قال: فإنها عليّ حرام يعني مارية، وأخبرك: أن أباك وأبا بكر سيملكان من بعدي، فأخبرت حفصة عائشة الخبر، ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فدعا حفصة قال: ما حملك على ما فعلت؟ قالت له: ومن أخبرك أني قلت ذلك لعائشة؟ قال: {نبأني العليم الخبير} ثم طلق حفصة تطليقة، واعتزل نساءه تسعة وعشرين يوماً. ونزل عليه: {لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك} من نكاح مارية). [معاني القرآن: 3/165]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك واللّه غفور رحيم} أي وقد غفر اللّه لك ذلك التحريم.
وجاء في التفسير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب عسلا عند زينب بنت جحش فأجمعت عائشة وحفصة على أن يقولا له: إنّا نشمّ منك ريح المغافير، والمغافير صمغ متغير الرائحة.
وقيل في التفسير إنه بقلة، فلما صار إلى كل واحدة منهما قالت له: إني أشمّ منك ريح المغافير فحرّم النبي - عليه السلام - على نفسه شرب العسل، وقيل إنه حلف على ذلك.
وجاء في التفسير -وهو الأكثر- أن النبي عليه السلام خلا في يوم لعائشة مع جاريته أم إبراهيم، وكان يقال لها مارية القبطية فوقفت حفصة على ذلك، فقال لها رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- لا تعلمي عائشة ذلك، فقالت له لست أفعل.وحرّم مارية على نفسه.وقيل إنه حلف مع ذلك أيضا، فأعلمت حفصة عائشة الخبر واستكتمتها إيّاه، فأطلع الله نبيّه على ذلك فقال الله عزّ وجلّ: {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير}). [معاني القرآن: 5/191]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ({وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير}
{وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} يعني حفصة. موضع "إذ" نصب، كأنه قال: واذكر {إذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} يعني حفصة.{فلمّا نبّأت به} أي فلما خبّرت به عائشة.
{وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض}، وقرئت (عرف بعضه) بتخفيف الراء. وأعلم الله أن التحريم على هذا التفسير لا يحرم؛ فقال لنبيه عليه السلام: {لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك} فلم يجعل الله لنبيه أن يحرّم إلا ما حرّم اللّه، فعلى هذين التفسيرين ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ اللّه، فقال اللّه: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} يعني الكفّارة، لأنه قد روى أنه مع ذلك التحريم حلف. وقال قوم إن الكفّارة كفّارة التحريم).[معاني القرآن: 5/191-192](م)

تفسير قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (ثم قال: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم...} يعني: كفارة أيمانكم، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقبة، وعاد إلى مارية...
- حدثني بهذا التفسير حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس). [معاني القرآن: 3/165-166]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ( {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم}، أي أوجب لكم الكفارة). [تفسير غريب القرآن: 471]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي: أوجب لكم أن تكفّروا إذا حلفتم.
وبعض المفسرين يجعلها بمعنى: بيّن لكم كيف تكفّرون عنها.
قال: ومثلها: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} أي: بينّاها.
وقد يجوز في اللغة أن يكون فرضناها: أوجبنا العمل بما فيها). [تأويل مشكل القرآن: 475](م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ):
({وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير}
{وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} يعني حفصة. موضع "إذ" نصب، كأنه قال: واذكر {إذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} يعني حفصة.(فلمّا نبّأت به)، أي فلما خبّرت به عائشة.
{وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض}، وقرئت (عرف بعضه) بتخفيف الراء. وأعلم الله أن التحريم على هذا التفسير لا يحرم؛ فقال لنبيه عليه السلام: {لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك} فلم يجعل الله لنبيه أن يحرّم إلا ما حرّم اللّه، فعلى هذين التفسيرين ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ اللّه، فقال اللّه: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} يعني الكفّارة، لأنه قد روى أنه مع ذلك التحريم حلف.
وقال قوم إن الكفّارة كفّارة التحريم).[معاني القرآن: 5/191-192](م)


تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (ثم قال: "عرف بعضه" يقول: عرف حفصة بعض الحديث؛ وترك بعضاً، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي"عرف" خفيفة...
- حدثني محمد بن الفضل المروزي عن عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي"عرف" خفيفة.
حدثنا الفراء، وحدثني شيخ من بني أسد يعني الكسائي عن نعيم عن أبي عمرو عن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال: كان إذا قرأ عليه الرجل: "عرّف بعضه" بالتشديد حصبه بالحصباء، وكأن الذين يقولون: عرف خفيفة يريدون: غضب من ذلك وجازى عليه، كما تقول للرجل يسيء إليك: أما والله لأعرفن لك ذلك، وقد لعمري جازى حفصة بطلاقها، وهو وجه حسن، [وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ عرف بالتخفيف كأبي عبد الرحمن] ). [معاني القرآن: 3/166]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ({وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير}
{وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} يعني حفصة. موضع "إذ" نصب، كأنه قال: واذكر {إذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثا} يعني حفصة. {فلمّا نبّأت به} أي: فلما خبّرت به عائشة.
{وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض} وقرئت (عرف بعضه) بتخفيف الراء. وأعلم الله أن التحريم على هذا التفسير لا يحرم؛ فقال لنبيه عليه السلام: {لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك} فلم يجعل الله لنبيه أن يحرّم إلا ما حرّم اللّه، فعلى هذين التفسيرين ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ اللّه، فقال اللّه: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} يعني الكفّارة، لأنه قد روى أنه مع ذلك التحريم حلف.وقال قوم إن الكفّارة كفّارة التحريم.
فأمّا {عرّف بعضه} فتأويله أنه عرف بعضه حفصة، {وأعرض عن بعض} جاء في التفسير أنه لما حرم مارية أخبر حفصة أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر، فعرفها بعض ما أفشت من الخبر، وأعرض عن بعض. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عرف كل ما كان أسره، والإعراض لا يكون إلا عما يعرف. وتأويل هذا في اللغة حسن بيّن.
معنى {عرف بعضه} جازى عليه، كما تقول لمن تتوعده: قد علمت ما عملت وقد عرفت ما صنعت. وتأويله فسأجازيك عليه، لا أنك تقصد إلى أنك قد علمت فقط.
ومثله قول الله عز وجل: {وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه} فتأويله يعلمه اللّه ويجازي عليه، فإن اللّه يعلم كل ما يفعل. ومثله قوله تعالى: {أولئك الّذين يعلم اللّه ما في قلوبهم فأعرض عنهم} واللّه يعلم ما في قلوب الخلق أجمعين. ومثله قوله: {فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره} ليس الفائدة أنه يرى ما عمل، إنما يرى جزاء ما عمل.فقيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم -طلّق حفصة تطليقة واحدة فكان ذلك جزاءها عنده.
فذلك تأويل {عرّف بعضه وأعرض عن بعض} أي جازى على بعض الحديث. وكانت حفصة، صوّامة قوّامة فأمره الله تعالى أن يراجعها فراجعها). [معاني القرآن: 5/191-193]

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {إن تتوبا إلى اللّه...} يعني: عائشة وحفصة، وذلك: أن عائشة قالت: يا رسول الله، أما يوم غيري فتتمه، وأما يومى فتفعل فيه ما فعلت؟ فنزل: إن تتوبا إلى الله من تعاونكما على النبي صلّى الله عليه وسلّم {فقد صغت قلوبكما} زاغت ومالت.
{وإن تظاهرا عليه} تعاونا عليه، قرأها عاصم والأعمش بالتخفيف، وقرأها أهل الحجاز: "تظّاهرا" بالتشديد {فإنّ اللّه هو مولاه}: وليه عليكما {وجبريل وصالح المؤمنين} مثل أبي بكر وعمر الذين ليس فيهم نفاق، ثم قال: {والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ} بعد أولئك، يريد أعوان، ولم يقل: ظهراء، ولو قال قائل: إن ظهيراً لجبريل، ولصالح المؤمنين، والملائكة ـ كان صوابا، ولكنه حسن أن يجعل الظهير للملائكة خاصة، لقوله: {والملائكة} بعد نصرة هؤلاء ظهير.
وأما قوله: {وصالح المؤمنين} فإنه موحد في مذهب الجميع، كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سياسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحداً كان أو أكثر منه، ومثله: {والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما} هذا عامٌّ وليس بواحد ولا اثنين، وكذلك قوله: {والّلذان يأتيانها منكم فآذوهما}، وكذلك: {إنّ الإنسان لفي خسرٍ}، و{إنّ الإنسان خلق هلوعاً} في كثير من القرآن يؤدي معنى الواحد عن الجمع). [معاني القرآن: 3/166-167]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({فقد صغت قلوبكما} قد عدلت ومالت.
{والملائكة بعد ذلك ظهير} العرب قد تجعل فعل الجميع عل لفظ الواحد، قال:
إن العواذل ليس لي بأمير). [مجاز القرآن: 2/261]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ}
قال: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} فجعله جماعة لأنهما اثنان من اثنين). [معاني القرآن: 4/32]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({فقد صغت قلوبكما}: عدلت ومالت.
{الملائكة بعد ذلك ظهير}: الظهير العون). [غريب القرآن وتفسيره: 380]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) :
({فقد صغت قلوبكما} أي عدلت ومالت.{وإن تظاهرا عليه} أي تتعاونا عليه، {فإنّ اللّه هو مولاه}، أي وليّه). [تفسير غريب القرآن: 471]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه أن تصف الجميع صفة الواحد:
نحو قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}. وقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}.
وتقول: قوم عدل. قال زهير:
متى يشتجر قوم يقل سرواتهم: = هم بيننا فهم رضا وهم عدل
وقال الشاعر:
إنّ العواذل ليس لي بأمير
وقال آخر:
المال هدي والنّساء طوالق).
[تأويل مشكل القرآن: 285-286](م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه جمع يراد به واحد واثنان:
كقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: واحد واثنان فما فوق.
وقال قتادة في قوله تعالى: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ}: كان رجل من القوم لا يمالئهم على أقاويلهم في النبي صلّى الله عليه وسلم، ويسير مجانبا لهم، فسماه الله طائفة وهو واحد.
وكان «قتادة» يقول في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ}: هو رجل واحد ناداه: يا محمد، إنّ مدحي زين، وإنّ شتمي شين، فخرج إليه النبي، صلّى الله عليه وسلم، فقال: «ويلك، ذاك الله جل وعز»، ونزلت الآية.
وقوله سبحانه: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}، أي أخوان فصاعدا.
قوله سبحانه: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ}، جاء في التفسير: أنهما لوحان.
وقوله: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، وهما قلبان.
وقوله: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}، يعني عائشة وصفوان بن المعطّل.
وقال: {بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}، وهو واحد، يدلك على ذلك قوله: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ}). [تأويل مشكل القرآن: 282-284](م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ):
(وقوله: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4)} يعني به عائشة وحفصة.
ومعنى {صغت قلوبكما} عدلت قلوبكما وزاغت عن الصدق.
وقوله: {وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه} أي تتعاونا عليه، فإن اللّه هو مولاه أي هو يتولى نصرته.
{وجبريل وصالح المؤمنين} جاء في التفسير أن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر، وجاء أيضا في التفسير أن صالح المؤمنين عمر، وقيل إن صالحي المؤمنين خيار المسلمين.
و "صالح" ههنا ينوب عن الجمع كما تقول: يفعل هذا الخير من الناس تريد كل خير.
{والملائكة بعد ذلك ظهير} في معنى ظهراء، أي والملائكة أيضا نصّار للنبي صلى الله عليه وسلم). [معاني القرآن: 5/193]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أي عدلت ومالت. {تَظَاهَرَا} أي تعاوَنا. {مَوْلَاهُ} أي وليّه). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 272]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {صَغَتْ}: مالت {ظَهِيرٌ}: معين). [العمدة في غريب القرآن: 307]

تفسير قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) }
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقرأ عاصم والأعمش: "أن يبدله" بالتخفيف، وقرأ أهل الحجاز، "أن يبدّله" [بالتشديد] وكلٌّ صواب: أبدلت، وبدّلت). [معاني القرآن: 3/167]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {سائحاتٍ...} هنّ الصائمات، قال: ونرى أن الصائم إنما سمّي سائحاً لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد، فكأنه أخذ من ذلك. والله أعلم.
والعرب تقول للفرس إذا كان قائماً على غير علف: صائم، وذلك أن له قوتين؛ قوتاً غدوة وقوتا عشية؛ فشبه بتسحر الآدمي وإفطاره). [معاني القرآن: 3/167-168]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({قانتاتٍ} مطيعات). [مجاز القرآن: 2/261]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({سائحاتٍ} صائمات). [مجاز القرآن: 2/261]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({سائحات}: صائمات). [غريب القرآن وتفسيره: 380]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) :
( {قانتاتٍ}: مطيعات.
{سائحاتٍ}: صائمات.ويرى أهل النظر أنه إنما سمي الصائم سائحا: تشبيها بالسائح الذي لا زاد معه.
[و] قال الفراء: تقول العرب للفرس - إذا كان قائما لا علف بين يديه -: صائم، وذلك: أن له قوتين غدوة وعشية، فشبّه به صيام الآدميّ بتسحره وإفطاره). [تفسير غريب القرآن: 471]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (قوله عزّ وجلّ: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيّبات وأبكارا}
{يبدله} وقرئت (يبدّله)، بتشديد الدال وفتح الباء، ويبدّله للتكثير، وكلاهما جيّد وقد قرئ به.
وقوله: {قانتات} جاء في التفسير مطيعات، والقنوت القيام بما يقرب إلى اللّه عزّ وجلّ.
وقوله تعالى: {سائحات} جاء في التفسير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن السائحين هم الصائمون، وهو مما في الكتب الأولى.وقال أهل اللغة: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح متعبّد ولا زاد معه، فحين يجد الزاد يطعم، والصائم كذلك يمضي النهار ولا يطعم شيئا فلشبهه به سمّي سائحا). [معاني القرآن: 5/193-194]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({قَانِتَاتٍ} أي مطيعات. {سَائِحَاتٍ} أي صائمات). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 272]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({سَائِحَاتٍ}: صائمات). [العمدة في غريب القرآن: 307]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 08:58 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
Post

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) }

تفسير قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: إن بيعة أبي بكر رضوان الله عليه كانت فلتة وقى الله شرها
حدثنيه أبو نوح قراد عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطبنا عمر، فذكر ذلك وزاد فيه: وإنه لا بيعة إلا عن مشورة، وأيما رجل بايع من غير مشورة فلا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا.
قال شعبة: فقلت لسعد: ما تغرة أن يقتلا؟ قال: عقوبتهما ألا يؤمر واحد منهما.
وهذا مذهب ذهب إليه سعد تحقيقا لقول عمر:
لا يؤمر واحد منهما، وهو مذهب حسن.
ولكن التَّغِرَّة في الكلام ليست بالعقوبة وإنما التغرة: التغرير، يقال: غررت بالقوم تغريرا وتغرة وكذلك يقال في المضاعف خاصة، كقولك: حللت اليمين تحليلا وتحلة، قال الله تبارك وتعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}، وكذلك عللت المريض تعليلا وتعلة، وإنما هذا في المضاعف في فعلت). [غريب الحديث: 4/250-251]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) }

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب ما لفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع
وهو أن يكون الشيئان كل واحد منهما بعض شيء مفردٍ من صاحبه وذلك قولك ما أحسن رءوسهما وأحسن عواليهما وقال عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} {والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما} فرقوا بين المثنى الذي هو شيء على حدةٍ وبين ذا.
وقال الخليل: نظيره قولك فعلنا وأنتما اثنان فتكلم به كما تكلم به وأنتم ثلاثة.
وقد قالت العرب في الشيئين اللذين كل واحد منهما اسمٌ على حدة وليس واحدٌ منهما بعض شيء كما قالوا في ذا لأن التثنية جمعٌ فقالوا كما قالوا فعلنا.
وزعم يونس أنهم يقولون ضع رحالهما وغلمانهما وإنما هما اثنان قال الله عز وجل: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان} وقال: {كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} ). [الكتاب: 3/621-622]
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (ومنه أيضا: يقال للرجل إذا لم يقض الحاجة، ظهرت بحاجتي، أي: جعلتها ظهرية فكأن المعنى نبذتها وراء ظهرك. والظهير: المعين. قال الله عز وجل: {والملائكة بعد ذلك ظهير} ). [الأضداد: 127]
قال عبدُ الملكِ بنُ قُرَيبٍ الأصمعيُّ (ت: 216هـ) : (*مولى* والمولى المنعم والمولى المنعم عليه، قال أبو عبيدة وللمولى سبعة مواضع: المولى ذو النعمة من فوق، والمولى المنعم عليه من أسفل، وفي كتاب الله تبارك وتعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} والمولى في الدين من الموالاة وهو الولي، ومنه قول الله جل ثناؤه: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم}، وقال الله عز وجل: {فإن الله هو مولاه} وجاء في الحديث: ((من كنت مولاه فإن عليا مولاه)) وقل النبي صلى الله عليه وسلم: ((مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله)) قال العجاج (الرجز):

موالي الحق إن المولي شكر
أي أولياء الحق، وقال لبيد :
فغدت كلا الفرجين تحب أنه = مولى المخافة خلفها وأمامها
والمولى ابن العم، وفي كتاب الله تبارك وتعالى: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} أي: ابن العم عن ابن العم، ومنه قوله تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي} أي بني عمي، وقال مخارق بن شهاب المازني:
وإني لمولاك الذي لك نصره = إذا برطمت تحت السبال العنافق).
[كتاب الأضداد: 24-25] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (
تظاهر الني فيه فهو محتفل = يعطي أساهي من جري وتقريب
الني: الشحم، أي ركب شحمه شحم آخر ويقال ناقة ناوية وقد نوت تنوي نيًا، والمحتفل الكثير، والأساهي: الضروب والفنون، غيره: ومنه قيل قد تظاهرت الأخبار، أي تتابعت، كأنه أتى خبر في إثر خبر، ومنه تظاهر القوم على فلان، ومنه قول الله تعالى: {وإن تظاهرا عليه} ). [شرح المفضليات: 234]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (
من لم يمت عبطة يمت هرما = للموت كأس فالمرء ذائقها
...
وقال غير الضبي: كان الأصمعي يقول:
هو من قولك عبط الأديم عبطا شقه صحيحا: يقول طعنه الفارس في موضع صحيح لم يكن أصابه فيه شيء: وليس هذا كذا: إنما هو العبيط وقد تقدم ذكره يقال عبطه يعبطه عبطا إذا نحره من غير علة: وجمع العبيط عبط فشبه كل طعنة وقعت بأحدهما من صاحبه بهذه العبط. والأكثر في الكلام فتخالسا أنفسهما لأن كل شيئين من شيئين يثنيان بلفظ الجمع كقولك ضربت صدورهما وظهورهما: قال الله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} ). [شرح المفضليات: 883-884]

تفسير قوله تعالى:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وعسى لها معنيان متضادان: أحدهما الشك والطمع، والآخر اليقين، قال الله عز وجل: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}، معناه ويقين أن ذاك يكون.
وقال بعض المفسرين: عسى في جميع كتاب الله جل وعز واجبة
وقال غيره: عسى في القرآن واجبة إلا في موضعين: في سورة بني إسرائيل: {عسى ربكم أن يرحمكم}، يعني بني النضير، فما رحمهم ربهم، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقع العقوبة بهم. وفي سورة التحريم: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن}، فما أبدله الله بهن أزواجا ولابن منه، حتى قبض عليه السلام.
وقال تميم بن أبي في كون «عسى» إيجابا:
ظن بهم كعسى وهم بتنوفة = يتنازعون جوائز الأمثال
أراد ظن بهم كيقين. ويروى: «سوائر الأمثال»، ويروى: «جوائب الأمثال».
وأنشد أبو العباس:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه = يكون وراءه فرج قريب
فـ«عسى» في هذا البيت على معنى الشك). [كتاب الأضداد: 22-23] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14 ذو الحجة 1435هـ/8-10-2014م, 10:21 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري
...

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 14 ذو الحجة 1435هـ/8-10-2014م, 10:21 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14 ذو الحجة 1435هـ/8-10-2014م, 10:21 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14 ذو الحجة 1435هـ/8-10-2014م, 10:21 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضات أزواجك واللّه غفورٌ رحيمٌ (1) قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثاً فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير (3)
روي في الحديث عن زيد بن أسلم والشعبي وغيرهما ما معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أهدى المقوقس مارية القبطية اتخذها سرية، فلما كان في بعض الأيام وهو يوم حفصة بنت عمر، وقيل بل كان في يوم عائشة، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت إلى زيارة أبيها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في جاريته فقال معها، فجاءت حفصة فوجدتهما فأقامت خارج البيت حتى أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مارية وذهبت، فدخلت حفصة غيرى متغيرة اللون فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ أفي بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مترضيا لها: أيرضيك أن أحرمها قالت: نعم، فقال: إني قد حرمتها. قال ابن عباس، وقال مع ذلك والله لا أطؤها أبدا، ثم قال لها: لا تخبري بهذا أحدا، فمن قال إن ذلك كان في يوم عائشة، قال استكتمها خوفا من غضب عائشة وحسن عشرتها، ومن قال: كان في يوم حفصة، قال استكتمتها لنفس الأمر، ثم إن حفصة رضي الله عنها قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم ترض إفشاءه إليها حرجا واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى نبيه، ونزلت الآية. وروي عن عكرمة أن هذا نزل بسبب شريك التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر النقاش نحوه عن ابن عباس، وروى عبد بن عمير عن عائشة أن هذا التحريم المذكور في الآية، إنما هو بسبب شراب العسل الذي شربه صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش، فتمالأت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له من دنا منها: أكلت مغافير، والمغافير صمغ العرفط، وهو حلو ثقيل الريح، ففعلن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولكني شربت عسلا»، فقلن: جرست نحله العرفط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أشربه أبدا» وكان يكره أن توجد منه رائحة ثقيلة، فدخل بعد ذلك على زينب، فقالت: ألا نسقيك من ذلك العسل؟ قال: «لا حاجة لي به»، قالت عائشة: تقول سودة حين بلغها امتناعه والله لقد حرمتاه. قلت لها: اسكتي.
والقول الأول إن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح، وعليه تفقه الناس في الآية، ومتى حرم رجل مالا أو جارية دون أن يعتق أو يشترط عتقا أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء، واختلف العلماء إذ حرم زوجته بأن يقول لها: أنت علي حرام، والحلال علي حرام، ولا يستثني زوجته، فقال مالك رحمه الله: هي ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها فهو ما أراد من الواحدة أو الاثنين أو الثلاث، وقال عبد الملك بن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين ولا ينوي في شيء. وقال أبو المصعب وغيره.
وروى ابن خويز منداد عن مالك: أنها واحدة بائنة في المدخول بها وغير المدخول بها، وروي عن عبد العزيز بن الماجشون، أنه كان يحملها على واحدة رجعية، وقال غير واحد من أهل العلم: التحريم لا شيء، وإنما عاتب الله رسوله صلى الله عليه وسلم فيه ودله على تحلة اليمين المبينة في المائدة لقوله: «قد حرمتها والله لا أطؤها أبدا»، وقال مسروق: ما أبالي أحرمتها أو قصعة من ثريد. وكذلك قال الشعبي ليس التحريم بشيء، قال تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ [النحل: 116] وقال: لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم [المائدة: 87]، ومحرم زوجته مسم حراما ما جعله حلالا، ومحرم ما أحل الله له، وقال أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وابن جبير وقتادة وأبو ثور والأوزاعي والحسن وجماعة: «التحريم» يلزم فيه تكفير يمين بالله، والتحلة إنما هي من جهة التحريم ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا أطؤها»، وقال أبو قلابة: التحريم ظهار، وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد بذلك طلاقا فهو لا شيء. وقال: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد طلاقا فهو يمين، فدعا الله تعالى نبيه باسم النبوة الذي هو دال على شرف منزلته وعلى فضيلته التي خصه بها دون البشر، وقرره كالمعاتب على سبب تحريمه على نفسه ما أحل الله له،
وقوله: تبتغي جملة في موضع الحال من الضمير الذي في تحرّم، و «المرضاة» مصدر كالرضى، ثم غفر له تعالى ما عاتبه فيه ورحمه). [المحرر الوجيز: 8/ 338-341]

تفسير قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: قد فرض اللّه أي بين وأثبت، وقال قوم من أهل العلم: هذه إشارة إلى تكفير التحريم، وقال آخرون: هي إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم. والتحلة: مصدر ووزنها تفعلة وأدغم لاجتماع المثلين، وأحال في هذه الآية على الآية التي فسر فيها الإطعام في كفارة اليمين بالله والمولى الموالي الناصر العاضد). [المحرر الوجيز: 8/ 341]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وإذ أسرّ النّبيّ الآية معناه اذكر يا محمد ذلك، على وجه التأنيب والعتب لهن، وقال الجمهور الحديث هو قوله في أمر مارية، وقال آخرون: بل هو قوله: «إنما شربت عسلا»، وبعض أزواجه هي حفصة، ونبّأت معناه: أخبرت، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ طلحة: «أنبأت» وكان إخبارها لعائشة، وهذا ونحوه هو التظاهر الذي عوتبتا فيه، وقال ميمون بن مهران: الحديث الذي أسر إلى حفصة، أنه قال لها: «وأبشري بأن أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتي بعدي خلافة»، وتعدت «نبأ» في هذه الآية مرة إلى مفعولين ومرة إلى مفعول واحد، لأن ذلك يجوز في أنبأ ونبأ إذا كان دخولها على غير الابتداء والخبر، فمتى دخلت على الجملة تعدت إلى ثلاثة مفاعيل، ولا يجوز الاقتصار. وقوله تعالى: وأظهره اللّه عليه أي أطلعه، وقرأ الكسائي وحده وأبو عبد الرحمن وطلحة وأبو عمرو بخلاف والحسن وقتادة: «عرف» بتخفيف الراء، وقرأ الباقون وجمهور الناس: «عرّف» بشدها، والمعنى في اللفظة مع التخفيف جازى بالعتب واللوم، كما تقول لإنسان يؤذيك: قد عرفت لك هذا ولأعرفن لك هذا بمعنى لأجازينك عليه، ونحوه في المعنى قوله تعالى: أولئك الّذين يعلم اللّه ما في قلوبهم، فأعرض عنهم [النساء: 63]، فعلم الله زعيم بمجازاتهم، وكذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى مع الشد في الراء علم به وأنب عليه، وقوله تعالى: وأعرض عن بعضٍ أي تكرما وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حينئذ حفصة، ثم إن الله تعالى أمره بمراجعتها، وروي أنه عاتبها ولم يطلقها، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بالخبر، وأنها أفشته إلى عائشة، ظنت أن عائشة فضحتها، فقالت: من أنبأك هذا؟ على جهة التثبت، فلما أخبرها أن الله تعالى أخبره، سكتت وسلمت). [المحرر الوجيز: 8/ 341-342]

تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ (4) عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكاراً (5)
المخاطبة بقوله تعالى: إن تتوبا هي لحفصة وعائشة، وفي حديث البخاري وغيره عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال حفصة وعائشة، وقوله تعالى: صغت قلوبكما معناه مالت أي عن المعدلة والصواب، والصغا: الميل، ومنه صياغة الرجل وهم حواشيه الذين يميلون إليه، ومنه أصغى إليه بسمعه، وأصغى الإناء، وفي قراءة عبد الله بن مسعود «فقد زاغت قلوبكما»، والزيغ الميل وعرفه في خلاف الحق، قال مجاهد: كما نرى صغت شيئا هينا حتى سمعنا قراءة ابن مسعود: «زاغت»، وجمع القلوب من حيث الإنسان جمع ومن حيث لا لبس في اللفظ، وهذا نظير قول الشاعر [حطام المجاشعي]: [الرجز]
... ... ... ... = ظهراهما مثل ظهور الترسين
ومعنى الآية، إن تبتما فقد كان منكما ما ينبغي أن يتاب منه، وهذا الجواب الذي للشرط هو متقدم في المعنى، وإنما ترتب جوابا في اللفظ، وإن تظاهرا معناه: تتعاونا، وقرأ جمهور الناس والسبعة «تظاهرا» وأصله تتظاهرا، فأدغمت التاء في الظاء بعد البدل، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس: «إن تتظاهرا» بتاءين على الأصل، وقرأ نافع بخلاف عنه وعاصم وطلحة وأبو رجاء والحسن: «تظهرا» بتخفيف الظاء على حذف التاء الواحدة، وروي عن ابن عمر أنه قرأ: «تظّهّرا» بشد الظاء والهاء دون ألف، والمولى: الناصر المعين، وقوله وجبريل وصالح المؤمنين يحتمل أن يكون عطفا على اسم الله تعالى في قوله: هو، فيكون جبريل وصالح المؤمنين في الولاية، ويحتمل أن يكون جبريل رفعا بالابتداء، وما بعده عطف عليه، وظهيرٌ الخبر فيكون حينئذ من الظهراء لا في الولاية ويختص بأنه مولى الله تعالى، واختلف الناس في صالح المؤمنين، فقال الطبري وغيره من العلماء: ذلك على العموم، ويدخل في ذلك كل صالح، وقال الضحاك وابن جبير وعكرمة: المراد أبو بكر وعمر. ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد نحوه، وقال أيضا: وعلي، وروى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صالح المؤمنين، علي بن أبي طالب ذكره الثعلبي. وقال قتادة والعلاء بن زياد وغيره: هم الأنبياء، وإنما يترتب ذلك بأن تكون مظاهرتهم أنهم قدوة وأسوة فهم عون بهذا، وقوله تعالى: وصالح يحتمل أن يكون اسم جنس مفردا، ويحتمل أن يريد «وصالحو» فحذفت الواو في خط المصحف، كما حذفوها في قوله: سندع الزّبانية [العلق: 18] وغير ذلك. ويروى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لا تكترث بأمر نسائك والله معك وجبريل معك وأبو بكر معك، وأنا معك. فنزلت الآية موافقة نحو أمر قول عمر، قال المهدوي: روي أن هذه الآية نزلت على لسان عمر، وكذا روي أن عمر بن الخطاب قال لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم: عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ. فنزلت الآية على نحو قوله). [المحرر الوجيز: 8/ 342-343]

تفسير قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ويروى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لا تكترث بأمر نسائك والله معك وجبريل معك وأبو بكر معك، وأنا معك. فنزلت الآية موافقة نحو أمر قول عمر، قال المهدوي: روي أن هذه الآية نزلت على لسان عمر، وكذا روي أن عمر بن الخطاب قال لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم: عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ. فنزلت الآية على نحو قوله،
وقال عمر رضي الله عنه: قالت لي أم سلمة: يا ابن الخطاب، أدخلت نفسك في كل شيء حتى دخلت بين رسول الله وبين نسائه، فأخذتني أخذا كسرتني به، وقالت لي زينب بنت جحش: يا عمر، أما يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، وقرأ الجمهور: «طلقكن» بفتح القاف وإظهاره، وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه: «طلقكّن» بشد الكاف وإدغام القاف فيها، وقال أبو علي: وإدغام القاف في الكاف حسن، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكوفيون والحسن وأبو رجاء وابن محيصن: «أن يبدله» بسكون الباء وتخفيف الدال، وقرأ نافع والأعرج وأبو جعفر: «أن يبدّله» بفتح الباء وشد الدال، وهذه لغة القرآن في هذا الفعل، وكرر الله تعالى الصفات مبالغة، وإن كان بعضها يتضمن بعضا، فالإسلام إشارة إلى التصديق، والعمل والإيمان: تخصيص للإخلاص وتنبيه على شرف موقعه، وقانتاتٍ معناه: مطيعات، والسائحات قيل معناه: صائمات، قاله أبو هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك. وذكر الزجاج أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وقيل معناه هاجرات قاله زيد بن أسلم، وقال ابن زيد: ليس في الإسلام سياحة إلا الهجرة، وقيل: معناه ذاهبات في طاعة الله، وشبه الصائم بالسائح من حيث ينهمل السائح ولا ينظر في زاد ولا مطعم، وكذلك الصائم يمسك عن ذلك فيستوي هو والسائح في الامتناع وشظف العيش لفقد الطعام، وقوله تعالى: ثيّباتٍ وأبكاراً تقسيم لكل واحدة من الصفات المتقدمة، وليست هذه الواو مما يمكن أن يقال فيها: واو الثمانية لأنها هنا ضرورية، ولو سقطت لاختل هذا المعنى). [المحرر الوجيز: 8/ 343-344]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 14 ذو الحجة 1435هـ/8-10-2014م, 10:21 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 14 ذو الحجة 1435هـ/8-10-2014م, 10:21 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك واللّه غفورٌ رحيمٌ (1) قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم واللّه مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا فلمّا نبّأت به وأظهره اللّه عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ (4) عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارًا (5)}
اختلف في سبب نزول صدر هذه السّورة، فقيل: نزلت في شأن مارية، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد حرّمها، فنزل قوله: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآية.
قال أبو عبد الرّحمن النّسائيّ: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمّدٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانت له أمةٌ يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتّى حرّمها، فأنزل اللّه، عزّ وجلّ: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ إلى آخر الآية.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني ابن عبد الرّحيم البرقيّ حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا أبو غسّان، حدّثني زيد بن أسلم: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصاب أمّ إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول اللّه، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حرامًا فقالت: أي رسول اللّه، كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها باللّه لا يصيبها. فأنزل اللّه: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ قال زيد: بن أسلم فقوله: أنت عليّ حرامٌ لغوٌ.
وهكذا روى عبد الرّحمن بن زيدٍ، عن أبيه.
وقال ابن جريرٍ أيضًا حدّثنا يونس، حدّثنا ابن وهبٍ، عن مالكٍ، عن زيد بن أسلم، قال: قل لها: "أنت عليّ حرامٌ، وواللّه لا أطؤك".
وقال سفيان الثّوريّ وابن عليّة، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ، عن مسروقٍ قال: آلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحرّم، فعوتب في التّحريم، وأمر بالكفّارة في اليمين. رواه ابن جريرٍ. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشّعبيّ، نفسه. وكذا قال غير واحدٍ من السّلف، منهم الضّحّاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، وروى العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ القصّة مطوّلةً.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ قال: قلت لعمر بن الخطّاب من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أمّ إبراهيم القبطيّة، أصابها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة، فقالت: يا نبيّ اللّه، لقد جئت إليّ شيئًا ما جئت إلى أحدٍ من أزواجك، في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال: "ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟ ". قالت: بلى. فحرّمها وقال: "لا تذكري ذلك لأحدٍ". فذكرته لعائشة، فأظهره اللّه عليه، فأنزل اللّه: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآيات فبلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كفّر [عن] يمينه، وأصاب جاريته.
وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدّثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمّدٍ الرّقاشيّ، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا جرير بن حازمٍ، عن أيّوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لحفصة: "لا تخبري أحدًا، وإنّ أمّ إبراهيم عليّ حرامٌ". فقالت: أتحرّم ما أحلّ اللّه لك؟ قال: "فواللّه لا أقربها". قال: فلم يقربها حتّى أخبرت عائشة. قال فأنزل اللّه: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم}
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ولم يخرّجه أحدٌ من أصحاب الكتب السّتّة، وقد اختاره الحافظ الضّياء المقدسيّ في كتابه المستخرج.
وقال ابن جريرٍ: أيضًا حدّثني يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا ابن عليّة، حدّثنا هشامٌ الدّستوائي قال: كتب إليّ يحيى يحدّث عن يعلى بن حكيمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: أنّ ابن عبّاسٍ كان يقول في الحرام: يمينٌ تكفّرها، وقال ابن عبّاسٍ: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ} [الأحزاب: 21] يعني: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم جاريته فقال اللّه: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ إلى قوله: {قد فرض اللّه لكم تحلّة أيمانكم} فكفّر يمينه، فصيّر الحرام يمينًا.
ورواه البخاريّ عن معاذ بن فضالة، عن هشامٍ -هو الدّستوائيّ- عن يحيى -هو ابن كثيرٍ- عن ابن حكيمٍ -وهو يعلى- عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ في الحرام: يمين تكفر. وقال ابن عبّاسٍ: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ} [الأحزاب: 21].
ورواه مسلمٌ من حديث هشامٍ الدّستوائي به.
وقال النّسائيّ: أنا عبد اللّه بن عبد الصّمد بن عليٍّ، حدّثنا مخلد -هو ابن يزيد- حدّثنا سفيان، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: أتاه رجلٌ فقال: إنّي جعلت امرأتي عليّ حراما؟ قال: كذبت ليس عليك بحرامٍ. ثمّ تلا هذه الآية: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ عليك أغلظ الكفّارات، عتق رقبةٍ.
تفرّد به النّسائيّ من هذا الوجه، بهذا اللّفظ.
وقال الطّبرانيّ: حدّثنا محمّد بن زكريا، حدّثنا عبد اللّه بن رجاءٍ، حدّثنا إسرائيل، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ قال: حرّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سريّته.
ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممّن قال بوجوب الكفّارة على من حرّم جاريته أو زوجته أو طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفةٍ. وذهب الشّافعيّ إلى أنّه لا تجب الكفّارة فيما عدا الزّوجة والجارية، إذا حرّم عينيهما أو أطلق التّحريم فيهما في قوله، فأمّا إن نوى بالتّحريم طلاق الزّوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثني أبو عبد اللّه الظّهرانيّ أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبانٍ، حدّثنا عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: نزلت هذه الآية: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ في المرأة الّتي وهبت نفسها للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
وهذا قولٌ غريبٌ، والصّحيح أنّ ذلك كان في تحريمه العسل، كما قال البخاريّ عند هذه الآية: حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن عبيد بن عميرٍ، عن عائشة قالت: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على: أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير؟ إنّي أجد منك ريح مغافير. قال: "لا ولكنّي كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا"، {تبتغي مرضاة أزواجك}.
هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللّفظ، وقال في كتاب "الأيمان والنّذور": حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، حدّثنا الحجّاج، عن ابن جريجٍ قال: زعم عطاءٌ أنّه سمع عبيد بن عميرٍ يقول: سمعت عائشة تزعم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أنّ أيتنا دخل عليها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلتقل: إنّي أجد منك ريح مغافير؛ أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت ذلك له، فقال: "لا بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له". فنزلت: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم ما أحلّ اللّه لك}؟ إلى: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} لعائشة وحفصة، {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا} لقوله: "بل شربت عسلًا". وقال إبراهيم بن موسى، عن هشامٍ: "ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدًا".
وهكذا رواه في كتاب "الطّلاق" بهذا الإسناد، ولفظه قريبٌ منه. ثمّ قال: المغافير: شبيهٌ بالصّمغ، يكون في الرّمث فيه حلاوةٌ، أغفر الرّمث: إذا ظهر فيه. واحدها مغفورٌ، ويقال: مغافير. وهكذا قال الجوهريّ، قال: وقد يكون المغفور أيضًا للعشر والثّمام والسّلم والطّلح. قال: والرّمث، بالكسر: مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض. قال: والعرفط: شجرٌ من العضاه ينضح المغفور [منه].
وقد روى مسلمٌ هذا الحديث في كتاب "الطّلاق" من صحيحه، عن محمّد بن حاتمٍ، عن حجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ، أخبرني عطاءٍ، عن عبيد بن عميرٍ، عن عائشة، به، ولفظه كما أورده البخاريّ في "الأيمان والنّذور".
ثمّ قال البخاريّ في كتاب "الطّلاق": حدّثنا فروة بن أبي المغراء، حدّثنا عليّ بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحبّ الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهنّ. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأةٌ من قومها عكّة عسل، فسقت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم منه شربةً، فقلت: أما واللّه لنحتالن له. فقلت لسودة بنت زمعة: إنّه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير؟ فإنّه سيقول ذلك لا. فقولي له: ما هذه الرّيح الّتي أجد؟ فإنّه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسلٍ. فقولي: جرست نحله العرفط. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفيّة ذلك، قالت -تقول سودة-: واللّه ما هو إلّا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك، فلمّا دنا منها قالت له سودة: يا رسول اللّه، أكلت مغافير؟ قال: "لا ". قالت: فما هذه الرّيح الّتي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسلٍ". قالت: جرست نحله العرفط. فلمّا دار إليّ قلت نحو ذلك، فلمّا دار إلى صفيّة قالت له مثل ذلك، فلمّا دار إلى حفصة قالت له: يا رسول اللّه، ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه". قالت -تقول سودة-: والله لقد حرمناه. قلت لها: اسكتي.
هذا لفظ البخاريّ. وقد رواه مسلمٌ عن سويد بن سعيد، عن عليّ بن مسهر، به. وعن أبي كريب وهارون بن عبد اللّه والحسن بن بشرٍ، ثلاثتهم عن أبي أسامة، حمّاد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به وعنده قالت: وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشتدّ عليه أن يوجد منه الرّيح يعني: الرّيح الخبيثة؛ ولهذا قلن له: أكلت مغافير لأنّ ريحها فيه شيءٌ. فلمّا قال: "بل شربت عسلًا ". قلن: جرست نحله العرفط، أي: رعت نحله شجر العرفط الّذي صمغه المغافير؛ فلهذا ظهر ريحه في العسل الّذي شربته.
قال الجوهريّ: جرست نحله العرفط تجرس: إذا أكلته، ومنه قيل للنّحل: جوارس، قال الشّاعر:
تظلّ على الثّمراء منها جوارس...
وقال: الجرس والجرس: الصّوت الخفيّ. ويقال: سمعت جرس الطّير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيءٍ تأكله، وفي الحديث: "فيسمعون جرس طير الجنّة". قال الأصمعيّ: كنت في مجلس شعبة قال: "فيسمعون جرش طير الجنّة" بالشّين [المعجمة] فقلت: "جرس"؟! فنظر إليّ فقال: خذوها عنه، فإنّه أعلم بهذا منّا.
والغرض أنّ هذا السّياق فيه أنّ حفصة هي السّاقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عن عائشة. وفي طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ، عن عبيد بن عميرٍ، عن عائشة أنّ زينب بنت جحش هي الّتي سقت العسل، وأنّ عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه، فاللّه أعلم. وقد يقال: إنّهما واقعتان، ولا بعد في ذلك، إلّا أنّ كونهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظرٌ، واللّه أعلم.
وممّا يدلّ على أنّ عائشة وحفصة، رضي اللّه عنهما، هما المتظاهرتان الحديث الّذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ثورٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اللّتين قال اللّه تعالى: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما} حتّى حجّ عمر وحججت معه، فلمّا كان ببعض الطّريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة. فتبرّز ثمّ أتاني، فسكبت على يديه فتوضّأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، اللّتان قال اللّه تعالى: {إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما}؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عبّاسٍ -قال الزّهريّ: كره-واللّه ما سألته عنه ولم يكتمه قال: هي حفصة وعائشة. قال: ثمّ أخذ يسوق الحديث. قال: كنّا معشر قريشٍ قومًا نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار بني أميّة بن زيدٍ بالعوالي. قال: فغضبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فواللّه إنّ أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكنّ اليوم إلى اللّيل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب اللّه عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا تسأليه شيئًا، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرّنّك إن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منك -يريد عائشة- قال: وكان لي جارٌ من الأنصار، وكنّا نتناوب النّزول إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنّا نتحدّث أنّ غسّان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا ثمّ أتى عشاءً، فضرب بابي ثمّ ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمرٌ عظيمٌ! فقلت: وما ذاك؟ أجاءت غسّان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأطول! طلّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظنّ هذا كائنًا. حتّى إذا صليت الصّبح شددت عليّ ثيابي ثمّ نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلّقكنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: لا أدري، هو هذا معتزلٌ في هذه المشربة فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل الغلام ثمّ خرج إلي فقال: ذكرتك له فصمت. فانطلقت حتّى أتيت المنبر، فإذا عنده رهطٌ جلوسٌ يبكي بعضهم، فجلست قليلًا ثمّ غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثمّ خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت. فخرجت فجلست إلى المنبر، ثمّ غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثمّ خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فولّيت مدبرًا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل، قد أذن لك. فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متّكئٌ على رمال حصير.
قال الإمام أحمد: وحدّثناه يعقوب في حديث صالحٍ: رمال حصيرٍ قد أثّر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول اللّه نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: "لا". فقلت: اللّه أكبر، ولو رأيتنا يا رسول اللّه وكنّا معشر قريشٍ قومًا نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يومًا، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فواللّه أنّ أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب اللّه عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: يا رسول اللّه، فدخلت على حفصة فقلت: لا يغرنّك أن كانت جارتك هي أوسم -أو: أحبّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منك. فتبسّم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول اللّه. قال: "نعم". فجلست فرفعت رأسي في البيت، فواللّه ما رأيت في البيت شيئًا يردّ البصر إلّا أهبةٌ ثلاثةً فقلت: ادع اللّه يا رسول اللّه أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع على فارس والرّوم، وهم لا يعبدون اللّه. فاستوى جالسًا وقال: "أفي شك أنت يا بن الخطّاب؟ أولئك قومٌ عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا". فقلت: استغفر لي يا رسول اللّه. وكان أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرًا؛ من شدّة موجدته عليهنّ حتّى عاتبه الله، عز وجل.
وقد رواه البخاريّ ومسلمٌ والتّرمذيّ والنّسائيّ، من طرقٍ، عن الزّهريّ، به وأخرجه الشّيخان من حديث يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، عن عبيد بن حنين، عن ابن عبّاسٍ، قال: مكثت سنةً أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن آيةٍ، فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتّى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلمّا رجعنا وكنّا ببعض الطّريق، عدل إلى الأراك لحاجةٍ له، قال: فوقفت حتّى فرغ، ثمّ سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللّتان تظاهرتا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؟.
هذا لفظ البخاريّ، ولمسلمٍ: من المرأتان اللّتان قال اللّه تعالى: {وإن تظاهرا عليه}؟ قال: عائشة وحفصة. ثمّ ساق الحديث بطوله، ومنهم من اختصره.
وقال مسلمٌ أيضًا: حدّثني زهير بن حربٍ، حدّثنا عمر بن يونس الحنفيّ، حدّثنا عكرمة بن عمّارٍ، عن سماك بن الوليد -أبي زميلٍ- حدّثني عبد اللّه بن عبّاسٍ، حدّثني عمر بن الخطّاب قال: لمّا اعتزل نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه، دخلت المسجد، فإذا النّاس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه! وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب. فقلت: لأعلمنّ ذلك اليوم = فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة، ووعظه إيّاهما، إلى أن قال: فدخلت، فإذا أنا برباحٍ غلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أسكفّة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم = فذكر نحو ما تقدّم، إلى أن قال: فقلت يا رسول اللّه ما يشقّ عليك من أمر النّساء، فإن كنت طلّقتهنّ فإنّ اللّه معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكرٍ والمؤمنون معك، وقلّما تكلمت -وأحمد اللّه- بكلامٍ إلّا رجوت أن يكون اللّه يصدّق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التّخيير: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ} {وإن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ} فقلت: أطلّقتهنّ؟ قال: "لا". فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلّق نساءه، ونزلت هذه الآية: {وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم} [النّساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
وكذا قال سعيد بن جبيرٍ، وعكرمة، ومقاتل بن حيّان، والضّحّاك، وغيرهم: {وصالح المؤمنين} أبو بكرٍ وعمر -زاد الحسن البصريّ: وعثمان. وقال ليث بن أبي سليمٍ، عن مجاهدٍ: {وصالح المؤمنين} قال: عليّ بن أبي طالبٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عليّ بن الحسين، حدّثنا محمّد بن أبي عمر، حدّثنا محمّد بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين قال: أخبرني رجلٌ ثقةٌ يرفعه إلى عليٍّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [في] قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هو عليّ بن أبي طالبٍ. إسناده ضعيفٌ. وهو منكرٌ جدًا.
وقال البخاريّ: حدّثنا عمرو بن عونٍ، حدّثنا هشيم، عن حميد، عن أنس، قال: قال عمر: اجتمع نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ} فنزلت هذه الآية.
وقد تقدّم أنّه وافق القرآن في أماكن، منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدرٍ، ومنها قوله: لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلًّى؟ فأنزل اللّه: {واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى} [البقرة: 125].
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا [أبي، حدّثنا] الأنصاريّ، حدّثنا حميد، عن أنسٍ قال: قال عمر بن الخطّاب: بلغني شيءٌ كان بين أمّهات المؤمنين وبين النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فاستقريتهنّ أقول: لتكفّنّ عن رسول اللّه أو ليبدلنّه اللّه أزواجًا خيرًا منكنّ. حتّى أتيت على آخر أمّهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما لي برسول اللّه ما يعظ نساءه، حتّى تعظهنّ؟! فأمسكت، فأنزل اللّه، عزّ وجلّ: {عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارًا}
وهذه المرأة الّتي ردّته عمّا كان فيه من وعظ النّساء هي أمّ سلمة، كما ثبت ذلك في صحيح البخاريّ.
وقال الطّبرانيّ، حدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهانيّ، حدّثنا إسماعيل البجليّ، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي سنانٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وإذ أسرّ النّبيّ إلى بعض أزواجه حديثًا} قال: دخلت حفصة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا تخبري عائشة حتّى أبشّرك ببشارةٍ، فإنّ أباك يلي الأمر من بعد أبي بكرٍ إذا أنا متّ". فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من أنبأك هذا؟ قال: {نبّأني العليم الخبير} فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتّى تحرّم مارية فحرّمها، فأنزل اللّه: {يا أيّها النّبيّ لم تحرّم}.
إسناده فيه نظرٌ، وقد تبيّن ممّا أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات. ومعنى قوله: {مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ} ظاهرٌ.
وقوله {سائحاتٍ} أي: صائماتٍ، قاله أبو هريرة، وعائشة، وابن عبّاسٍ، وعكرمة، ومجاهدٌ، وسعيد بن جبيرٍ، وعطاءٍ، ومحمّد بن كعبٍ القرظيّ، وأبو عبد الرّحمن السّلميّ، وأبو مالكٍ، وإبراهيم النّخعيّ، والحسن، وقتادة، والضّحّاك، والرّبيع بن أنسٍ، والسدّيّ، وغيرهم. وتقدّم فيه حديثٌ مرفوعٌ عند قوله: {السّائحون} من سورة "براءةٌ"، ولفظه: "سياحة هذه الأمّة الصيام".
وقال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرّحمن: {سائحاتٍ} أي: مهاجراتٍ، وتلا عبد الرّحمن: {السّائحون} [التّوبة: 112] أي: المهاجرون. والقول الأوّل أولى، واللّه أعلم.
وقوله: {ثيّباتٍ وأبكارًا} أي: منهنّ ثيّباتٍ، ومنهنّ أبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النّفوس، فإنّ التّنوّع يبسط النفس؛ ولهذا قال: {ثيّباتٍ وأبكارًا}
وقال أبو القاسم الطّبرانيّ في معجمه الكبير: حدّثنا أبو بكر بن صدقة، حدّثنا محمّد بن محمّد بن مرزوقٍ، حدّثنا عبد اللّه بن أميّة، حدّثنا عبد القدّوس، عن صالح بن حيّان، عن ابن بريدة، عن أبيه: {ثيّباتٍ وأبكارًا} قال: وعد اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية أن يزوّجه، فالثّيّب: آسية امرأة فرعون، وبالأبكار: مريم بنت عمران.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "مريم عليها السّلام" من طريق سويد بن سعيدٍ حدّثنا محمّد بن صالح بن عمر، عن الضّحّاك ومجاهدٍ، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموت خديجة فقال: إنّ اللّه يقرئها السّلام، ويبشّرها ببيتٍ في الجنّة من قصب، بعيدٍ من اللّهب لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤةٍ جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحمٍ.
ومن حديث أبي بكرٍ الهذليّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على خديجة، وهي في الموت فقال: "يا خديجة، إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهنّ منّي السّلام". فقالت: يا رسول اللّه، وهل تزوّجت قبلي؟ قال: "لا"، ولكنّ اللّه زوّجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى". ضعيفٌ أيضًا.
وقال أبو يعلى: حدّثنا إبراهيم بن عرعرة، حدّثنا عبد النّور بن عبد اللّه، حدّثنا يونس بن شعيبٍ، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أعلمت أنّ اللّه زوّجني في الجنّة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون". فقلت: هنيئًا لك يا رسول اللّه.
وهذا أيضًا ضعيفٌ وروي مرسلًا عن ابن أبي داود). [تفسير القرآن العظيم: 8/ 158-166]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:59 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة