العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النحل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 08:53 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي تفسير سورة النحل [ من الآية (106) إلى الآية (110) ]

{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 08:55 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني من سمع الأوزاعي يقول في قول الله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، قال: بلغنا أن ذلك التقية في القول). [الجامع في علوم القرآن: 1/12-13]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني .. .. عن عبيد الله] بن زحر عن سليمان عمن أخبره عن ابن عباس قال: [ا .. ... .. ] ويعذبونهم ويقولون للخنافس هؤلاء ربكم [ .. ... .. ] {وقلبه مطمئن بالإيمان ثم إن ربك للذين هاجروا [من بعد ما] فتنوا}، الآية كلها). [الجامع في علوم القرآن: 2/2-3]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني الحارث بن نبهان عن [ .......... ابن] عبّاسٍ أنّ هذه الآية أنزلت في عمّار بن ياسرٍ: {إلا [من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان}). [الجامع في علوم القرآن: 2/8]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في سورة النحل: {من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيمٌ}؛
فنسخ واستثنى فقال: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجرو، من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}؛
هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار؛ فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل اليوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي عليه السلام). [الجامع في علوم القرآن: 3/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان قال أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي فقال النبي كيف تجد قلبك قال مطمئن بالإيمان ثم قال النبي فإن عادوا فعد). [تفسير عبد الرزاق: 1/360]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا، فعليهم غضبٌ من اللّه، ولهم عذابٌ عظيمٌ}.
اختلف أهل العربيّة في العامل في " من " من قوله: {من كفر باللّه} ومن قوله: {ولكن من شرح بالكفر صدرًا}، فقال بعض نحويّي البصرة: صار قوله: {فعليهم} خبرًا لقوله: {ولكن من شرح بالكفر صدرًا}، وقوله: {من كفر باللّه من بعد إيمانه} فأخبر لهم بخبرٍ واحدٍ، وكان ذلك يدلّ على المعنى.
وقال بعض نحويّي الكوفة: إنّما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقدٌ بالآخر، فجوابهما واحدٌ كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممّن يأتنا نكرمه، قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثّاني منعقدٌ بالأوّل، فالجواب لهما واحدٌ.
وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله: {من كفر باللّه} مرفوعٌ بالرّدّ على " الّذين " في قوله: {إنّما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون بآيات اللّه}، ومعنى الكلام عنده: إنّما يفتري الكذب من كفر باللّه من بعد إيمانه، إلاّ من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان وهذا قولٌ لا وجه له، وذلك أنّ معنى الكلام لو كان كما قال قائلٌ هذا القول، لكان اللّه تعالى ذكره قد أخرج ممّن افترى الكذب في هذه الآية الّذين ولدوا على الكفر وأقاموا عليه ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الّذين قد كانوا آمنوا في حالٍ، ثمّ راجعوا الكفر بعد الإيمان، والتّنزيل يدلّ على أنّه لم يخصّص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الّذين كانوا على الشّرك مقيمين، وذلك أنّه تعالى أخبر خبر قومٍ منهم أضافوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم افتراء الكذب، فقال: {وإذا بدّلنا آيةً مكان آيةٍ واللّه أعلم بما ينزّل قالوا إنّما أنت مفترٍ، بل أكثرهم لا يعلمون}، وكذّب جميع المشركين بافترائهم على اللّه وأخبر أنّهم أحقّ بهذه الصّفة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: {إنّما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون بآيات اللّه، وأولئك هم الكاذبون} ولو كان الّذين عنوا بهذه الآية هم الّذين كفروا باللّه من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما أنت مفترٍ حين بدّل اللّه آيةً مكان آيةٍ، كانوا هم الّذين كفروا باللّه بعد الإيمان خاصّةً دون غيرهم من سائر المشركين، لأنّ هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ فبيّن فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتّأويل.
والصّواب من القول في ذلك عندي أنّ الرّافع ل " من " الأولى والثّانية، قوله: {فعليهم غضبٌ من اللّه} والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر.
وذكر أنّ هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسرٍ وقومٌ كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعضٌ
ذكر من قال ذلك
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّى قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: " {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} إلى آخر الآية وذلك أنّ المشركين أصابوا عمّار بن ياسرٍ فعذّبوه، ثمّ تركوه، فرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحدّثه بالّذي لقي من قريشٍ، والّذي قال، فأنزل اللّه تعالى ذكره عذره: {من كفر باللّه من بعد إيمانه} إلى قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ} "
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} قال: " ذكر لنا أنّها نزلت في عمّار بن ياسرٍ، أخذه بنو المغيرة فغطّوه في بئر ميمونٍ وقالوا: اكفر بمحمّدٍ فتابعهم على ذلك وقلبه كارهٌ، فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا} أي من أتى الكفر على اختيارٍ واستحبابٍ، {فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ} "
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريم الجزريّ، عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسرٍ، قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسرٍ فعذّبوه حتّى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: " كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: " فإن عادوا فعد "
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، في قوله: {إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} قال: " نزلت في عمّار بن ياسرٍ "
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن الشّعبيّ، قال: " لمّا عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلاّ خبّاب بن الأرتّ، كانوا يضجعونه على الرّضف فلم يستقلّوا منه شيئًا ".
فتأويل الكلام إذن: من كفر باللّه من بعد إيمانه، إلاّ من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، موقنٌ بحقيقته صحيحٌ عليه عزمه غير مفسوح الصّدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا، فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا، فعليهم غضبٌ من اللّه، ولهم عذابٌ عظيمٌ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك ورد الخبر عن ابن عبّاسٍ
- حدّثني عليّ بن داود، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} فأخبر اللّه سبحانه أنّه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضبٌ من اللّه، وله عذابٌ عظيمٌ، فأمّا من أكره فتكلّم به لسانه، وخالفه قلبه بالإيمان، لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأنّ اللّه سبحانه إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم "). [جامع البيان: 14/371-376]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسا من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن هاجروا إلينا فإنا لا نرى أنكم منا حتى تهاجروا فخرجوا يريدون المدينة فأدركهم كفار قريش ففتنوهم فكفروا مكرهين ونزل فيهم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). [تفسير مجاهد: 353-354]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا الشّيخ أبو بكر بن إسحاق، أنبأ محمّد بن أحمد بن النّضر الأزديّ، ثنا معاوية بن عمرٍو، ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن أبي صادقٍ، قال: قال عليٌّ رضي اللّه عنه: " إنّكم ستعرضون على سبّي فسبّوني، فإن عرضت عليكم البراءة منّي، فلا تبرءوا منّي، فإنّي على الإسلام، فليمدد أحدكم عنقه، ثكلته أمّه، فإنّه لا دنيا له ولا آخرة بعد الإسلام، ثمّ تلا {إلّا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} [النحل: 106] «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/390]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قال مسدّدٌ: حدثنا يحيى، عن إسماعيل بن مسلمٍ، عن أبي المتوكّل النّاجيّ، قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث عمّار بن ياسرٍ رضي الله عنه، إلى بئر المشركين يستقي منها، وحولها ثلاث صفوفٍ يحرسونها، فاستقى في قربةٍ، ثمّ أقبل حتّى أتى الصّفّ الأوّل فأخذوه، فقال: دعوني فإنّما أستقي لأصحابكم فتركوه، ثمّ عاد الثّانية فأخذوه ففعلوا به مثل ذلك، ثمّ تركوه، فذهب فعاد فأخذوه ففعلوا به مثل ذلك، فلمّا أرادوه على أن يتكلّم بالكفر، بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخيل فاستنقذوه، فأنزلت فيه هذه الآية: {إلّا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} ). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/759]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 106 - 110.
أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فالحقوا بي، فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت أصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعا من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوها إياه قال: أحد، أحد.
وأمّا خباب فيجعلوا يجرونه في الشوك وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيه وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم واشتد على عمار الذي كان تكلم به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت: أكان منشرحا بالذي قلت أم لا قال: لا، قال: وأنزل الله {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}). [الدر المنثور: 9/119-120]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النّبيّ وذكر آلهتهم، بخير ثم تركوه فلما أتى النّبيّ قال: ما وراءك شيء قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك قال: مطمئن بالإيمان، قال: إن عادوا فعد، فنزلت {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ). [الدر المنثور: 9/120]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين: أن النّبيّ لقي عمارا وهو يبكي فجعل يمسح عن عينيه ويقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذلك لهم). [الدر المنثور: 9/120-121]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال: ذلك عمار بن ياسر وفي قوله: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} قال: ذاك عبد الله بن أبي سرح). [الدر المنثور: 9/121]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال: نزلت في عمار بن ياسر). [الدر المنثور: 9/121]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال: نزلت في عمار). [الدر المنثور: 9/121]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن السدي أن عبد الله بن أبي سرح أسلم ثم ارتد فلحق بالمشركين ووشى بعمار وخباب عند ابن الحضرمي أو ابن عبد الدار فأخذوهما وعذبوهما حتى كفرا فنزلت {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ). [الدر المنثور: 9/121-122]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج مسدد في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي المتوكل الناجي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر إلى بئر للمشركين يستقي منها وحولها ثلاث صفوف يحرسونها فاستقى في قربة ثم أقبل فأخذوه فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر فأنزلت هذه الآية فيه {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ). [الدر المنثور: 9/121]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} نزلت في عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر وقالوا: اكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأتبعهم على ذلك وقلبه كاره فنزلت). [الدر المنثور: 9/122]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية {إلا من أكره} في عياش بن أبي ربيعة). [الدر المنثور: 9/122]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجروا فإنا لا نرى أنكم منا حتى تهاجروا إلينا فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم فكفروا مكرهين ففيهم نزلت هذه الآية). [الدر المنثور: 9/122-123]

تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة، وأنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين}.
يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب اللّه ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنّهم اختاروا زينة الحياة الدّنيا على نعيم الآخرة، ولأنّ اللّه لا يوفّق القوم الّذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها). [جامع البيان: 14/376]

تفسير قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الّذين طبع اللّه على قلوبهم، وسمعهم، وأبصارهم، وأولئك هم الغافلون (108) لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون}.
يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون الّذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيّها النّاس، هم القوم الّذين طبع اللّه على قلوبهم، فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصمّ أسماعهم فلا يسمعون داعي اللّه إلى الهدى، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج اللّه إبصار معتبرٍ ومتّعظٍ {وأولئك هم الغافلون} يقول: وهؤلاء الّذين جعل اللّه فيهم هذه الأفعال هم السّاهون عمّا أعدّ اللّه لأمثالهم من أهل الكفر وعمّا يراد بهم). [جامع البيان: 14/376-377]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو أحمد بكر بن محمّد بن حمدان الصّيرفيّ بمرو من أصل كتابه، ثنا أبو محمّدٍ عبيد بن قنفذ البزّار، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد اللّه بن طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان حجر بن قيسٍ المدريّ من المختصّين بخدمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه، فقال له عليٌّ يومًا: يا حجر إنّك «تقام بعدي فتؤمر بلعني فالعنّي ولا تبرأ منّي». قال طاوسٌ: فرأيت حجر المدريّ وقد أقامه أحمد بن إبراهيم خليفة بني أميّة في الجامع ووكّل به ليلعن عليًّا أو يقتل فقال حجرٌ أما إنّ الأمير أحمد بن إبراهيم أمرني أن ألعن عليًّا فالعنوه لعنه اللّه. فقال طاوسٌ: فلقد أعمى اللّه قلوبهم حتّى لم يقف أحدٌ منهم على ما قال). [المستدرك: 2/390]

تفسير قوله تعالى: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون} الهالكون، الّذين غبنوا أنفسهم حظوظها من كرامة اللّه تعالى). [جامع البيان: 14/377]

تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني .. .. عن عبيد الله] بن زحر عن سليمان عمن أخبره عن ابن عباس قال: [ا .. ... .. ] ويعذبونهم ويقولون للخنافس هؤلاء ربكم [ .. ... .. ] {وقلبه مطمئن بالإيمان ثم إن ربك للذين هاجروا [من بعد ما] فتنوا}، الآية كلها). [الجامع في علوم القرآن: 2/2-3] (م)
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال في سورة النحل: {من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيمٌ}؛
فنسخ واستثنى فقال: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجرو، من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}؛
هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار؛ فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل اليوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي عليه السلام). [الجامع في علوم القرآن: 3/76] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن رجل عن عامر الشعبي قال لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون فردوهم فأنزل الله تعالى آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يقتنون عشر آيات من أول السورة فتعاهدوا أن يخرجوا إلى المدينة فخرجوا فتبعهم المشركون فاقتتلوا فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزلت فيهم ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم). [تفسير عبد الرزاق: 2/95] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت عكرمة يقول كان ناس بمكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم فقتلوا قال فنزلت فيهم الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا قال فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة فخرج ناس من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم فمنهم من أعطى الفتنة فأنزل الله ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة فقال رجل من بني ضمرة لأهله وكان مريضا أخرجوني إلى الروح فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص فمات فأنزل الله عز و جل ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله إلى آخر الآية ونزل في أولئك الذين كانوا أعطوا الفتنة ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم). [تفسير عبد الرزاق: 2/95-96] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمّ جاهدوا وصبروا، إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: ثمّ إنّ ربّك يا محمّد للّذين هاجروا من ديارهم ومساكنهم وعشائرهم من المشركين، وانتقلوا عنهم إلى ديار أهل الإسلام ومساكنهم وأهل ولايتهم، من بعد ما فتنهم المشركون الّذين كانوا بين أظهرهم قبل هجرتهم عن دينهم، ثمّ جاهدوا المشركين بعد ذلك بأيديهم بالسّيف وبألسنتهم بالبراءة منهم وممّا يعبدون من دون اللّه، وصبروا على جهادهم، {إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}، يقول: إنّ ربّك من بعد فعلتهم هذه لهم لغفورٌ، يقول: لذو سترٍ على ما كان منهم من إعطاء المشركين ما أرادوا منهم من كلمة الكفر بألسنتهم، وهم لغيرها مضمرون وللإيمان معتقدون، رحيمٌ بهم أن يعاقبهم عليها مع إنابتهم إلى اللّه وتوبتهم.
وذكر عن بعض أهل التّأويل أنّ هذه الآية نزلت في قومٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا تخلّفوا بمكّة بعد هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فاشتدّ المشركون عليهم حتّى فتنوهم عن دينهم، فأيسوا من التّوبة، فأنزل اللّه فيهم هذه الآية، فهاجروا ولحقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
ذكر من قال ذلك
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان}، قال: " ناسٌ من أهل مكّة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة: أن هاجروا، فإنّا لا نراكم منّا حتّى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريشٌ بالطّريق، ففتنوهم وكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية ".
- حدّثني القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
- قال ابن جريجٍ: قال اللّه تعالى ذكره: {من كفر باللّه من بعد إيمانه}، ثمّ نسخ واستثنى، فقال: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمّ جاهدوا وصبروا، إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}، ذكر لنا أنّه لمّا أنزل اللّه أنّ أهل مكّة لا يقبل منهم إسلامٌ حتّى يهاجروا، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكّة فلمّا جاءهم ذلك تبايعوا بينهم على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكّة قاتلوهم حتّى ينجوا أو يلحقوا باللّه، فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل اللّه تعالى: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا} الآية "
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا محمّد بن شريكٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: " كان قومٌ من أهل مكّة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدرٍ معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعضٌ، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: {إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى آخر الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكّة من المسلمين هذه الآية: لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه فإذا أوذي في اللّه جعل فتنة النّاس كعذاب اللّه} إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كلّ خيرٍ، ثمّ نزلت فيهم: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمّ جاهدوا وصبروا، إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ}، فكتبوا إليهم بذلك: إنّ اللّه قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، ثمّ نجا من نجا، وقتل من قتل "
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسرٍ، وعيّاش بن أبي ربيعة، (والوليد بن أبي ربيعة)، والوليد بن الوليد: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمّ جاهدوا وصبروا} ".
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في شأن ابن أبي سرحٍ
ذكر من قال ذلك
- حدّثني ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصريّ، قالا في سورة النّحل: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا، فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ} ثمّ نسخ واستثنى من ذلك، فقال: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمّ جاهدوا وصبروا، إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ} وهو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرحٍ الّذي كان يكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأزلّه الشّيطان، فلحق بالكفّار، فأمر به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقتل يوم فتح مكّة، فاستجار له أبو عمرٍو، فأجاره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم "). [جامع البيان: 14/377-380]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عليّ بن الحسين بن واقدٍ، حدّثني أبي، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله عزّ وجلّ " {ما ننسخ من آيةٍ} [البقرة: 106] الآية. وقال في سورة النّحل {وإذا بدّلنا آيةً مكان آيةٍ} [النحل: 101] وقال في قوله عزّ وجلّ {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا} [النحل: 110] الآية. قال: هو عبد اللّه بن سعدٍ أو غيره الّذي كان واليًا بمصر، يكتب لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فزلّ فلحق بالكفّار، فأمر به رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفّان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فأجاره رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/388]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا عبد الرّحمن بن حمدان الجلّاب، بهمدان، ثنا هلال بن العلاء الرّقّيّ، ثنا أبي، ثنا عبيد اللّه بن عمرٍو الرّقّيّ، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسرٍ، عن أبيه، قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسرٍ فلم يتركوه حتّى سبّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذكر آلهتهم بخيرٍ ثمّ تركوه، فلمّا أتى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما وراءك؟» قال: شرٌّ يا رسول اللّه، ما تركت حتّى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخيرٍ قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنٌّ بالإيمان قال: «إن عادوا فعد» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/389]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (س) ابن عباس - رضي الله عنهما -: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلّا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذاب عظيم} واستثنى من ذلك {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110] وهو عبد الله بن أبي السّرح - الذي كان على مصر - كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه النسائي). [جامع الأصول: 2/207-208]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول وكان أبو فكهية يعذب حتى لا يدري ما يقول وبلال وعامر، وابن فهيرة وقوم من المسلمين وفيهم نزلت هذه الآية {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} ). [الدر المنثور: 9/123]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" من طريق علي عن ابن عباس في قوله: {من كفر بالله} الآية قال: أخبر الله سبحانه أن {من كفر بالله من بعد إيمانه} فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم فأما من أكره فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه لأن الله سبحانه إنما يؤاخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم). [الدر المنثور: 9/123]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا في سورة النحل {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة فاستجار له أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان فأجاره النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله). [الدر المنثور: 9/123-124]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} الآية قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم فأنزل الله (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (العنكبوت 1 - 2) فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله {ثم إن ربك للذين هاجروا} الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي مثله). [الدر المنثور: 9/124-125]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية فيمن كان يفتن من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} ). [الدر المنثور: 9/125]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم {ثم إن ربك للذين هاجروا} الآية فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فاخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل). [الدر المنثور: 9/125]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أصم، فأمر به فقتل، وقال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله قال: نعم، فأرسله، فأتى النّبيّ فأخبره فقال: أما صاحبك فمضى على إيمانه وأما أنت فأخذت الرخصة). [الدر المنثور: 9/125]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أحد بني مخزوم وكان أخا أبي جهل لأمه وكان يضربه سوطا وراحلته سوطا). [الدر المنثور: 9/125]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق في قوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} قال: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد رضي الله عنهم). [الدر المنثور: 9/126]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 09:04 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
Post

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} راضٍ بالتّوحيد.
تفسير السّدّيّ.
نزلت في عمّار بن ياسرٍ وأصحابه.
أخذهم المشركون، فوقفوهم على الكفر باللّه ورسوله، فخافوا منهم، فأعطوهم ذلك بأفواههم.
- الفرات بن سلمان عن عبد الكريم الجزريّ عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسرٍ، قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسرٍ فلم يتركوه حتّى سبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذكر آلهتهم بخيرٍ ثمّ تركوه.
فلمّا أتى النّبيّ عليه السّلام قال: «ما وراءك» ؟ قال: شرٌّ يا رسول اللّه، واللّه ما تركت حتّى نلت منك وذكرت آلهتهم بخيرٍ.
قال: فقال له رسول اللّه: «كيف تجد قلبك؟».
قال: أجد قلبي مطمئنًّا بالإيمان.
قال: «فإن عادوا فعد».
قال يحيى: بلغني أنّ هذه الآية نزلت عند ذلك: {إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان}.
وقوله: {مطمئنٌّ} راضٍ بالإيمان.
- إسماعيل بن مسلمٍ عن أبي المتوكّل النّاجيّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث عمّار بن ياسرٍ إلى بئرٍ للمشركين ليستقي منها، وحولها ثلاثة صفوفٍ يحرسونها، فاستقى في قربةٍ، ثمّ أقبل حتّى أتى على الصّفّ الأوّل، فأخذوه فقال: دعوني فإنّما أستقي لأصحابكم، فتركوه.
فذهب حتّى أتى على الصّفّ الثّاني، فأخذوه فقال: دعوني فإنّما أستقي لأصحابكم، فتركوه.
فذهب حتّى أتى على الصّفّ الثّالث، فأخذوه فردّوه إلى البئر، فصبّوا ماءه، ثمّ نكّسوه حتّى قاء ما شرب، ثمّ قالوا له: لتكفرنّ أو لنقتلنّك.
فتكلّم بما أرادوه عليه ثمّ تركوه.
فرجع الثّانية، ففعلوا به مثل ذلك وتركوه.
ثمّ رجع الثّالثة، ففعلوا به مثل ذلك.
فلمّا أرادوه على أن يتكلّم بالكفر أبى.
فبعث نبيّ اللّه الخيل فاستنقذته.
فأنزلت فيه: {إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان}.
وتفسير ابن مجاهدٍ، عن أبيه قال: ناسٌ بمكّة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمّدٍ بالمدينة: أن هاجروا فإنّكم لا ترون منّا خيرًا حتّى تهاجروا.
فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريشٌ بالطّريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين.
ففيهم نزلت هذه الآية.
قال: {ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ} في الآخرة). [تفسير القرآن العظيم: 1/93-91]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ من الله} شرح صدره بذلك: تابعته نفسه وانبسط إلى ذلك،
يقال: ما يشرح صدري لك بذلك، أي لا يطيب، وجاء قوله: فعليهم غضب على معنى الجميع لأن من يقع على الجميع). [مجاز القرآن: 1/368]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن مّن شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ مّن اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ}
وقال: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن مّن شرح بالكفر صدراً فعليهم غضبٌ مّن اللّه} خبر لقوله {ولكن من شرح} ثم دخل معه قوله:
{من كفر باللّه من بعد إيمانه} فأخبر عنهم بخبر واحد إذ كان ذلك يدل على المعنى). [معاني القرآن: 2/68]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ولكن من شرح بالكفر صدراً} أي فتح له صدرا بالقبول). [تفسير غريب القرآن: 249]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (قوله: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلّا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم}
(من) في موضع رفع على البدل من الكاذبين ومفسّر عن الكاذبين.
ولا يجوز أن يكون (من) رفعا بالابتداء، لأنه لا خبر ههنا للابتداء، لأنّ قوله: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلّا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان}.
ليس بكلام تام، وبعده: {ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من اللّه}.
فقوله: {فعليهم غضب من اللّه} خبر (من) التي بعد (لكن) ). [معاني القرآن: 3/219]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في
عمار بن ياسر رحمة الله لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه). [معاني القرآن: 4/107]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله} أي من فتح صدره لقبوله). [معاني القرآن: 4/108-107]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة} اختاروا الحياة الدّنيا على الآخرة.
{وأنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين} ، يعني: الّذين يلقون اللّه بكفرهم). [تفسير القرآن العظيم: 1/93]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)}

تفسير قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {لا جرم} وهذا وعيدٌ.
{أنّهم في الآخرة هم الخاسرون} خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النّار، وخسروا أهليهم من الحور العين، فهو الخسران المبين.
وتفسيره في سورة الزّمر). [تفسير القرآن العظيم: 1/93]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون}
" أنّ " يصلح أن تكون في موضع رفع على أنّ " لا " ردّ للكلام، والمعنى وجب أنّهم، ويجوز أن تكون " أن " في موضع نصب على أن المعنى جرم فعلهم هذا أنهم في الآخرة هم الخاسرون. ومعنى جرم كسب، والمجرم الكاسب، وأكثر ما يستعمل للذنوب). [معاني القرآن: 3/220]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا} يعني: من بعد ما عذّبوا في الدّنيا.
تفسير السّدّيّ.
{ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ} تفسير الحسن: أنّهم قومٌ كانوا بمكّة، فعرضت لهم فتنةٌ، فارتدّوا عن الإسلام، وشكّوا في نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ثمّ إنّهم أسلموا وهاجروا إلى رسول اللّه عليه السّلام بالمدينة، ثمّ جاهدوا معه وصبروا، فنزلت هذه الآية.
سعيدٌ عن قتادة قال: ذكر لنا أنّه لمّا أنزل اللّه أنّ أهل مكّة لا يقبل منهم الإسلام حتّى يهاجروا، كتب بذلك المسلمون إلى أصحابٍ لهم بمكّة، وخرجوا فأدركهم المشركون فردّوهم،
فأنزل اللّه: {الم * أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون} والآية الأخرى الّتي بعدها.
فكتب بها أهل المدينة إلى أهل مكّة، فلمّا جاءهم ذلك تبايعوا أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون أن يقاتلوهم حتّى يلحقوا باللّه أو ينجوا، فخرجوا.
فأنزل اللّه: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا} إلى آخر الآية). [تفسير القرآن العظيم: 1/94-93]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا...}
يقول: عذّبوا. نزلت في عمّار بن ياسر وأصحابه الذين عذّبوا، حتّى أشرك بعضهم بلسانه وهو مؤمن بقلبه فغفر الله لهم، فذلك قوله: {إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رّحيمٌ} بعد الفعلة). [معاني القرآن: 2/114-113]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم}
أي من بعد الفعلة التي فعلوها. وهذه الآية في قصة عمّار بن ياسر وأصحابه حين عذبهم أهل مكة فأكرهوهم على أن تركوا الإيمان، وكفروا بألسنتهم وفي قلوبهم ونيّاتهم الإيمان، ثم هربوا منهم وهاجروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلحقهم جمع من أهل مكة فقاتلوهم حتى نجّاهم الله منهم، وصبروا على جهادهم). [معاني القرآن: 3/220]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا} هذا كله في عمار والمعنى وصبروا على الجهاد). [معاني القرآن: 4/108]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 09:30 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
Post

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) }

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) }

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) }

تفسير قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) }

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:30 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:31 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14 ذو القعدة 1439هـ/26-07-2018م, 03:35 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (و"من" في قوله: {من كفر} بدل من قوله: "الكاذبون"، ولم يجز الزجاج غير هذا الوجه; لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام، فعلقه بما قبله، والذي أبى الزجاج سائغ على ما أورده الآن إن شاء الله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذا يتأيد بما روي من أن قوله: {وأولئك هم الكاذبون} يراد به عبد الله بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة وأشباههما ممن كان آمن برسول الله ثم ارتد، فلما بين في هذه الآية أمر الكاذبين بأنهم الذين كفروا بعد الإيمان أخرج من هذه الصفة القوم المؤمنين المعذبين بمكة، وهم بلال وعمار وسمية أمه وخباب وصهيب وأشباههم، وذلك أن كفار مكة كانوا في صدر الإسلام يؤذون من أسلم من هؤلاء لضعفه، ويعذبونهم ليرتدوا، فربما سامحهم بعضهم بما أرادوا من القول، روي أن عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيت الرخصة عامة في الأمر بعده. ثم ابتدأ الإخبار بأن من شرح صدرا بالكفر فعليهم، وهذا الضمير على معنى "من" لا على لفظها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وفي هذا من الاعتراض أن أمر ابن أبي سرح وأولئك إنما كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والظاهر من هذه الآية أنها مكية، وقالت فرقة: "من" في قوله: {من كفر} ابتداء، وقوله: {من شرح} تخصيص منه، ودخل الاستثناء لما ذكرنا من إخراج عمار وشبهه، ودنا من الاستثناء الأول الاستدراك بلكن. وقوله: "فعليهم" خبر عن "من" الأولى والثانية; إذ هو واحد بالمعنى; لأن الإخبار في قوله إنما قصد به الصنف الشارح بالكفر، فـ "صدرا" نصب على التمييز، وقوله: {شرح بالكفر
[المحرر الوجيز: 5/411]
صدرا} معناه: انبسط إلى الكفر باختياره، ويروى أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع به من العذاب، وما سامع به من القول، فقال له: "كيف تجد قلبك؟" قال: أجده مطمئنا بالإيمان، قال: "فأجبهم بلسانك فإنه لا يضرك، وإن عادوا فعد"، ويتعلق بهذه الآية شيء من مسائل الإكراه، أما من عذبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه، وكان العذاب يؤدي إلى قتله فله الإجابة باللسان قولا واحدا فيما أحفظ، فإن أراد منه الإجابة بفعل كالسجود إلى صنم ونحو ذلك ففي هذا اختلاف فقالت فرقة هي الجمهور: يجيب بحسب التقية، وقالت فرقة: لا يجيب، ويسلم نفسه، وقالت فرقة: إن كان الصنم نحو القبلة أجاب، واعتقد السجود لله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وما أحراه أن يسجد لله حينئذ حيثما توجه، وهذا مباح في السفر لتعب النزول عن الدابة في التنقل، فكيف لهذا؟ واحتجت فرقة على التفريق في المنع بقول ابن مسعود: "ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به"، فقصر الرخصة على القول دون الفعل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وليس هذا بحجة، لأنه يحتمل أن جعل الكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه،
[المحرر الوجيز: 5/412]
وأما الإكراه في البيع والطلاق والعتق والفطر في رمضان وشرب الخمر ونحو هذا من المعاصي التي بين العبد والله تبارك وتعالى فلا يلزم المكره شيء من ذلك، قاله مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وروياه عن ابن القاسم عن مالك، وفرق ابن عباس رضي الله عنهما بين ما منها قول كالعتق والطلاق فجعل فيها التقية، وقال: لا تقية فيما كان فعلا كشرب الخمر والفطر في رمضان، ولا يحل فعلها لمكره، وأما المظلوم فيضغط حتى يبيع متاعه، فذلك بيع لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويبيع المشتري بالثمن ذلك الظالم، فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته -بالأكثر من ذلك- على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه، قال مطرف: ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب، وأما من لا يعلم فلا يضمن العروض والحيوان، وإنما يضمن ما كان تلفه بسببه، مثل طعام أكله، أو ثوب لبسه، والغلة -إذا علم أو لم يعلم- ليست له بحال، هو لها ضامن كالغاصب، وقاله أصبغ وابن عبد الحكم: قال مطرف: وكل ما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره، وله أخذ متاعه. وأما الإكراه على قتل مسلم أو جلده وأخذ ماله أو بيع متاعه فلا عذر فيه، ولا استكراه في ركوب معصية تنتهك من أحد كالزنى والقتل أو نحوه، قال مطرف، وأصبغ، وابن عبد الحكم: لا يفعل أحد ذلك وإن قتل إن لم يفعله، فإن فعل فهو آثم ويلزمه الحد والقود، وقال مالك: القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي وإنفاذه لما يتوعد، ويعتبر الإكراه عندي بحسب همة المكره وقدره في الدين، وبحسب قدر الشيء الذي يكره عليه، فقد يكون الضرب إكراها في شيء دون شيء، فلهذه النوازل فقه الحال، وأما يمين المكره كما قلنا فهي غير لازمة، قال ابن الماجشون: وسواء حلف فيما هو لله تبارك وتعالى طاعة أو معصية إذا أكره على اليمين، قاله أصبغ، وقال مطرف: إن أكره على اليمين فيما هو لله تعالى معصية أو فيما ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة، إن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق أن لا يشرب خمرا، أو لا يفسق، أو لا يغش في عمله، أو الوالد يحلف ولده في مثل هذا تأديبا له فإن اليمين تلزم وإن كان المكره قد أخطأ فيما تكلف من ذلك، وقال به ابن حبيب. وأما إن أكره
[المحرر الوجيز: 5/413]
رجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال -كأصحاب المكس، وظلمة السعاة، وأهل الاعتداء- فقال مطرف: لا تقية في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا عن ماله، وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه. وقال ابن القاسم: بقول مطرف، ورواه عن مالك رحمه الله، وقاله ابن عبد الحكم، وأصبغ، وابن حبيب. قال مطرف، وابن الماجشون: وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسأله ليذب بها عما خاف عليه من بدنه وماله فحلف له فإنها تلزمه، قاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقال أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق البتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب، وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله أو أخذ ماله، فإن كان إنما يتبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث، وإذا اتهم الوالي أحدا بفعل أمر فقال له: لا بد من عقوبتك إلا أن تحلف لي، فإن كان ذلك الأمر مما لذلك المكره فعله -إما أن يكون طاعة، وإما أن يكون لا طاعة ولا معصية- فالتقية في هذا، وأما إن كان الأمر مما لا يحل له فعله ويكون حظر الوالي فيه صوابا فلا تقية في اليمين، وهو حانث، قاله مالك، وابن الماجشون. فهذه نبذة من مسائل الإكراه). [المحرر الوجيز: 5/414]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون}
"ذلك" إشارة إلى الغضب والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية، والضمير في "أنهم" لمن شرح بالكفر صدرا، ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك وإن كانوا غير
[المحرر الوجيز: 5/414]
مصدقين بالآخرة، لكن الأمر في نفسه بين، فمن حيث أعرضوا عن النظر فيه كانوا كمن استحب غيره، وهذه الآية علق فيها العقاب بتكسبهم وذلك أن استحبابهم زينة الدنيا ولذات الكفر هو التكسب.
وقوله: {وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} إشارة إلى اختراع الله تعالى الكفر في قلوبهم، ولا شك أن كفر الكافر الذي يتعلق به العقاب إنما هو باختراع من الله تعالى وتكسب من الكافر، فجمعت الآية بين الأمرين، وعلى هذا مرت عقيدة أهل السنة. وقوله: {لا يهدي القوم الكافرين} عموم على أنه لا يهديهم من حيث هم كفار في نفس كفرهم، أو عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي). [المحرر الوجيز: 5/415]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} الآية، عبارة عن صرف الله لهم عن طريق الهدى، واختراع الكفر المظلم في قلوبهم، وتغليب الإعراض على نظرهم، فكأنه سد بذلك طرق هذه الحواس حتى لا ينتفع بها في اعتبار وتأمل، وقد تقدم القول وذكر الاختلاف في الطبع والختم في سورة البقرة، وهل هو حقيقة أو مجاز. و"السمع": اسم جنس، وهو مصدر في الأصل، فلذلك وحد، ونبه على تكسبهم الإعراض عن النظر فوصفهم بالغفلة). [المحرر الوجيز: 5/415]

تفسير قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقد سبق شرح "لا جرم" في هذه السورة). [المحرر الوجيز: 5/415]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} الآية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} إلى آخر الآية، قال: وكتب بها إلى من بقي من المسلمين بمكة، وأن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم ومن الناس من يقول آمنا بالله إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا ويئسوا من
[المحرر الوجيز: 5/415]
كل خير، ثم نزلت فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا، فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
جاءت الرواية هكذا أنهم بعد نزول الآية خرجوا، فيجيء الجهاد الذي ذكر في الآية جهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وروت طائفة أنهم خرجوا واتبعوا وجاهدوا متبعيهم، فقتل من قتل، ونجا من نجا، فنزلت الآية حينئذ، فمعنى بالجهاد المذكور جهادهم لمتبعيهم.
وقال ابن إسحاق: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وذكر عمار في هذا عندي غير قويم، فإنه أرفع من طبقة هؤلاء، وإنما هؤلاء من تاب ممن شرح بالكفر صدرا، فتح الله لهم باب التوبة في آخر الآية.
وقال عكرمة، والحسن: نزلت هذه الآية في شأن عبد الله بن أبي سرح وأشباهه، فكأنه قال: من بعد ما فتنهم الشيطان. وهذه الآية مدنية، ولا أعلم في ذلك خلافا، وإن وجد فهو ضعيف.
وقرأ الجمهور: "من بعد ما فتنوا" بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر وحده بفتحها، فإن كان الضمير للمعذبين فيجيء بمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا للمشركين من القول، كما فعل عمار بن ياسر، وأما على قراءة الجمهور فإن كان الضمير للمعذبين فهو بمعنى: من بعد ما فتنهم المشركون، وإن كان الضمير للمشركين فهو بمعنى: من بعد ما فتنهم الشيطان. والضمير في "بعدها" عائد على الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، وإن لم يجر لها ذكر صريح). [المحرر الوجيز: 5/416]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 25 ذو الحجة 1439هـ/5-09-2018م, 08:47 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25 ذو الحجة 1439هـ/5-09-2018م, 08:50 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({من كفر باللّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من اللّه ولهم عذابٌ عظيمٌ (106) ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة وأنّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين (107) أولئك الّذين طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون (109)}
أخبر تعالى عمّن كفر به بعد الإيمان والتّبصّر، وشرح صدره بالكفر واطمأنّ به: أنّه قد غضب عليه، لعلمهم بالإيمان ثمّ عدولهم عنه، وأنّ لهم عذابًا عظيمًا في الدّار الآخرة؛ لأنّهم استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الرّدّة لأجل الدّنيا، ولم يهد اللّه قلوبهم ويثبّتهم على الدّين الحقّ، فطبع على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئًا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا، فهم غافلون عمّا يراد بهم.
{لا جرم} أي: لا بدّ ولا عجب أنّ من هذه صفته، {أنّهم في الآخرة هم الخاسرون} أي: الّذين خسروا أنفسهم وأهاليهم يوم القيامة.
وأمّا قوله: {إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان} فهو استثناءٌ ممّن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ناله من ضربٍ وأذًى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئنٌ بالإيمان باللّه ورسوله.
وقد روى العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: أنّ هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسرٍ، حين عذّبه المشركون حتّى يكفر بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرًا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه هذه الآية، وهكذا قال الشّعبيّ، وأبو مالكٍ وقتادة.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا محمّد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزريّ، عن أبي عبيدة [بن] محمّد بن عمّار بن ياسرٍ قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسرٍ فعذّبوه حتّى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ عادوا فعد".
ورواه البيهقيّ بأبسط من ذلك، وفيه أنّه سبّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وذكر آلهتهم بخيرٍ، وأنّه قال: يا رسول اللّه، ما تركت حتّى سببتك وذكرت آلهتهم بخيرٍ! قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان. فقال: "إن عادوا فعد". وفي ذلك أنزل اللّه: {إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان}.
ولهذا اتّفق العلماء على أنّه يجوز أن يوالى المكره على الكفر، إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلالٌ رضي اللّه عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتّى أنّهم ليضعون الصّخرة العظيمة على صدره في شدّة الحرّ، ويأمرونه أن يشرك باللّه فيأبى عليهم وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: واللّه لو أعلم كلمةً هي أغيظ لكم منها لقلتها، رضي اللّه عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيدٍ الأنصاريّ لمّا قال له مسيلمة الكذّاب: أتشهد أنّ محمّدًا رسول اللّه؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أنّي رسول اللّه؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطّعه إربًا إربًا وهو ثابتٌ على ذلك.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل، حدّثنا أيّوب، عن عكرمة، أنّ عليًّا، رضي اللّه عنه، حرّق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عبّاسٍ فقال: لم أكن لأحرّقهم بالنّار، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "لا تعذّبوا بعذاب اللّه". وكنت قاتلهم بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من بدّل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح أمّ ابن عبّاسٍ. رواه البخاريّ.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدّثنا عبد الرّزّاق، أنبأنا معمر، عن أيّوب، عن حميد بن هلالٍ العدويّ، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبلٍ باليمن، فإذا رجلٌ عنده، قال: ما هذا؟ قال رجلٌ كان يهوديًّا فأسلم، ثمّ تهوّد، ونحن نريده على الإسلام منذ -قال: أحسب-شهرين فقال: واللّه لا أقعد حتّى تضربوا عنقه. فضربت عنقه. فقال: قضى اللّه ورسوله أنّ من رجع عن دينه فاقتلوه-أو قال: من بدّل دينه فاقتلوه.
وهذه القصّة في الصّحيحين بلفظٍ آخر.
والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد اللّه بن حذافة السّهميّ أحد الصّحابة: أنّه أسرته الرّوم، فجاءوا به إلى ملكهم، فقال له: تنصّر وأنا أشركك في ملكي وأزوّجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمّدٍ طرفة عينٍ، ما فعلت! فقال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك! فأمر به فصلب، وأمر الرّماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النّصرانيّة، فيأبى ثمّ أمر به فأنزل، ثمّ أمر بقدر. وفي روايةٍ: ببقرةٍ من نحاسٍ، فأحميت، وجاء بأسيرٍ من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظامٌ تلوح. وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له: إنّي إنّما بكيت لأنّ نفسي إنّما هي نفسٌ واحدةٌ، تلقى في هذه القدر السّاعة في اللّه، فأحببت أن يكون لي بعدد كلّ شعرةٍ في جسدي نفسٌ تعذّب هذا العذاب في اللّه. وفي بعض الرّوايات: أنّه سجنه ومنع عنه الطّعام والشّراب أيّامًا، ثمّ أرسل إليه بخمرٍ ولحم خنزيرٍ، فلم يقربه، ثمّ استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنّه قد حلّ لي، ولكن لم أكن لأشمّتك فيّ. فقال له الملك: فقبّل رأسي وأنا أطلقك. فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبّل رأسه، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلمّا رجع قال عمر بن الخطّاب: حقّ على كلّ مسلمٍ أن يقبّل رأس عبد اللّه بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبّل رأسه). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 605-607]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ثمّ إنّ ربّك للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربّك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ (110) يوم تأتي كلّ نفسٍ تجادل عن نفسها وتوفّى كلّ نفسٍ ما عملت وهم لا يظلمون (111)}
هؤلاء صنفٌ آخر كانوا مستضعفين بمكّة، مهانين في قومهم قد واتوهم على الفتنة، ثمّ إنّهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان اللّه وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر اللّه تعالى أنّه {من بعدها} أي: تلك الفعلة، وهي الإجابة إلى الفتنة لغفورٌ لهم، رحيمٌ بهم يوم معادهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 607]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:04 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة