العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النور

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 2 جمادى الأولى 1434هـ/13-03-2013م, 09:17 AM
الصورة الرمزية أسماء الشامسي
أسماء الشامسي أسماء الشامسي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: مكة المكرمة
المشاركات: 559
افتراضي تفسير سورة النور [ من الآية (11) إلى الآية (18) ]

تفسير سورة النور [ من الآية (11) إلى الآية (18) ]


{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 رجب 1434هـ/27-05-2013م, 05:54 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) )

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال الذي تولى كبره منهم علي ابن أبي طالب قلت لا حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمعوا عائشة تقول الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي قال فقال لي وما كان جرمه قال قلت أخبرني شيخان من قومك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت كان مسيئا في أمري). [تفسير عبد الرزاق: 2/51-52]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرني ابن أبي يحيى عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت لما أنزل الله براءتها جلد رسول الله هؤلاء النفر الذين قالوا فيها ما قالوا.
عن معمر عن الزهري أن النبي حدهم). [تفسير عبد الرزاق: 2/55]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الكلبي في قوله إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة قال إنما عنى بهذه الآية أزواج النبي فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال الله أو يتوب). [تفسير عبد الرزاق: 2/55]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن الأعمش عن أبي الضّحى قال: دخل مسروق على عائشة وعندها حسّانٌ ينشدها شعر حسّانٍ:
حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ = وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقلت لها: ما تدعين هذا يدخل عليك وهو من الّذين تولّى كبره؟ قالت: أفلا تراه قد أصابه عذاب عظيم [الآية: 11]). [تفسير الثوري: 221-222]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروق قال: قالت عائشة : لقد أتى عليّ زمانٌ وما أرجو أن ينزل في القرآن). [تفسير الثوري: 222]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب (إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ)
{أفّاكٌ} [الشعراء: 222] : «كذّابٌ».
- حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها: {والّذي تولّى كبره} [النور: 11] قالت: «عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول»). [صحيح البخاري: 6/101]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله إن الّذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم)
كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره الآية إلى قوله عذابٌ عظيمٌ وهو أولى لأنّه اقتصر في الباب على تفسير الّذي تولّى كبره فقط قوله أفّاكٌ كذّابٌ هو تفسير أبي عبيدة وغيره
- قوله حدّثنا أبو نعيمٍ حدّثنا سفيان هو الثّوريّ وقد صرح به بن مردويه من وجهٍ آخر عن أبي نعيمٍ شيخ البخاريّ فيه ورواه عبد الرّزّاق عن معمرٍ مطوّلًا في جملة حديث الإفك وقد تقدّم في غزوة المريسيع من المغازي من رواية معمرٍ أيضًا وغيره عن الزّهريّ وفي القصّة الّتي دارت بينه وبين الوليد بن عبد الملك في ذلك
قوله عن عائشة والّذي تولى كبره أي قالت عائشة في تفسير ذلك قوله قالت عبد الله بن أبي بن سلول أي هو عبد اللّه وتقدّمت ترجمته قريبًا في سورة براءةٍ وهذا هو المعروف في أنّ المراد بقوله تعالى والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ وهو عبد اللّه بن أبيٍّ وبه تظاهرت الرّوايات عن عائشة من قصّة الإفك المطوّلة كما في الباب الّذي بعد هذا وسيأتي بعد خمسة أبوابٍ بيان من قال خلاف ذلك إن شاء الله تعالى). [فتح الباري: 8/451-452]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ قوله: {إنّ الّذين جاؤوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ} (النّور: 11) 2.
أي: هذا باب في قوله: عز وجل: (إن الّذين جاؤوا)
الآية، واقتصر أبو ذر في هذا على قوله: (باب إن الّذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم) ، وغيره ساق الآية كلها، أجمع المفسّرون على أن هذه الآية، وما يتعلّق بها بعدها نزلت في قصّة عائشة رضي الله عنها، قوله: (بالإفك) أي: بالكذب، ويقال: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه مأخوذ من أفك الشّيء إذا قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب عن وجهه، ومعنى القلب هنا أن عائشة رضي الله عنها، كانت تستحقّ الثّناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف النّسب لا القذف، فالّذين رموا بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه فهو إفك قبيح وكذب ظاهر. قوله: (عصبة) ، أي: جماعة، قال الفراء: الجماعة من الواحد إلى الأربعين، ويقال: من العشرة إلى الأربعين. قوله: (منكم) ، خطاب للمسلمين وهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. قوله: (لا تحسبوه شرا لكم) ، أي: لا تحسبوا الإفك أو القذف أو المجيء بالإفك أو ما نالكم من الغم، والخطاب للمؤمنين الّذين ساءهم ذلك وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعائشة وصفوان بن المعطل {شرا لكم بل هو خير لكم} لأن الله يأجركم على ذلك الأجر العظيم وتظهر براءتكم وينزل فيكم ثمانية عشر آية كل واحدة منها مستقلّة بما هو تعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له وتبرئة لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك. قوله: (لكل امرىء منهم) ، أي: من الّذين جاؤوا بالإفك (ما اكتسب من الإثم) جزاء ما اجترح من الذّنب والمعصية. قوله: (الّذي تولى كبره) أي: عظمه وبدأ به وهو عبد الله بن أبي، وقيل: حسان بن ثابت، وقال الثّعلبيّ: حسان ومسطح وحمنة هم الّذين تولّوا كبره ثمّ فضى ذلك في النّاس.
أفّاكٌ كذّابٌ
أفاك على وزن فعال للمبالغة، وفسره بقوله: (كذّاب) ، وكذا فسره أبو عبيدة.
- حدّثنا أبو نعيمٍ حدثنا سفيان عن معمرٍ عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، {والّذي تولّى كبرة} قالت عبد الله بن أبيّ ابن سلول..
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثّوريّ، وقد صرح به ابن مردويه من وجه آخر عن أبي نعيم شيخ البخاريّ وفيه معمر، بفتح الميمين: هو ابن راشد وهو من أفراده. قوله: (كبره) بضم الكاف وكسرها أي: كبر الإفك، وقد مر تفسيره. قوله: (ابن سلول) ، برفع الابن لأنّه صفة لعبد الله لا: لأبي، وسلول غير منصرف لأنّه اسم أم عبد الله للتأنيث والعلمية، والله سبحانه وتعالى أعلم). [عمدة القاري: 19/79]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ} [النور: 11]
هذا (باب) بالتنوين (قوله) تعالى ({إن الذين جاؤوا بالإفك}) في أمر عائشة ({عصبة}) جماعة من العشرة إلى الأربعين ({منكم}) أيها المؤمنون يريد عبد الله بن أبي وكان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرًا وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم ({لا تحسبوه شرًّا لكم}) الضمير للإفك والخطاب للرسول وأبي بكر وعائشة وصفوان لتأذيهم بذلك ({بل هو خير لكم}) لما فيه من جزيل ثوابكم وإظهار شرفكم وبيان فضلكم من حيث نزلت فيكم ثماني عشرة آية في براءتكم وتهويل الوعيد للقاذفين ونسبتهم إلى الإفك ({لكل امرئ منهم}) من أهل الإفك ({ما اكتسب من الإثم}) أي لكل منهم جزاء ما اكتسبه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا بقدر ما خاض فيه مختصًا به ({والذي تولى كبره}) معظمه بإشاعته ({منهم}) أي من الخائضين ({له عذاب عظيم}) [النور: 11] في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا، وصار ابن أبي مطرودًا مشهورًا بالنفاق، وحسان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر وسقط لأبي ذر لا تحسبوه الخ.
(أفاك) قال أبو عبيدة أي (كذاب) وقيل هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وسمي إفكًا لكونه مصروفًا عن الحق من قولهم أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه.
- حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان عن معمرٍ عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- {والّذي تولّى كبره} قالت: عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة -رضي الله عنها-) في قوله تعالى: ({والذي تولى كبره} قالت) هو (عبد الله بن أبيّ) بالتنوين (ابن سلول) برفع ابن لأنه صفة لعبد الله لا لأبي وسلول غير منصرف للتأنيث والعلمية لأنها أمه والمراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئًا به وقيل لشدّة رغبته في إشاعة تلك الفاحشة). [إرشاد الساري: 7/256-257]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {إن الذين جاؤا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خيرٌ لكم لكل امرىءٍ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ}
قوله: (عصبة منكم) أي: جماعة من العشرة إلى الأربعين منكم أيها المؤمنون، والمراد بهم عبداللهبن أبيّ ابن سلول، وكان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً، وزيدبن رفاعة، وحسانبن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم.
قوله: (له عذاب عظيم)، أي: في الآخرة، أو في الدنيا بأن جلدوا، وصار ابن أبيّ مطروداً مشهوراً بالنفاق، وحسان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/60]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكرٍ، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لمّا نزل عذري قام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمّا نزل، أمر برجلين وامرأةٍ فضربوا حدّهم.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلاّ من حديث محمّد بن إسحاق). [سنن الترمذي: 5/189]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم}
- أخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمّد بن مسلم بن شهابٍ الزّهريّ، قال: أخبره عروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقّاصٍ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن حديث عائشة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله، وكلّهم حدّثني بطائفةٍ من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعضٍ وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيت من كلّ واحدٍ منهم الحديث الّذي حدّثني به، وبعض حديثهم يصدّق بعضه بعضًا، زعموا أنّ عائشة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتّى إذا فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، أذّن ليلةً بالرّحيل، فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل، فلمست صدري فإذا عقدٌ من جزع أظفارٍ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي، وحملوه على بعيري الّذي كنت أركبه، وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافًا لم يهبّلهنّ ولم يغشهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقتين من الطّعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه ورحلوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فيمّمت منزلي الّذي كنت فيه، وظننت أنّ القوم سيفقدوني فيرجعون، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي إذ غلبتني عيني فنمت حتّى أصبحت، وكان صفوان بن المعطّل من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمًا، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلّمني كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، وانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحو الظّهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الّذي تولّى كبره عبد الله بن أبيّ ابن سلولٍ، فقدمت المدينة فاشتكيت شهرًا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبني في وجعي، أنّي لا أعرف من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اللّطف الّذي كنت أرى حين أشتكي، إنّما يدخل عليّ فيسلّم فيقول: «كيف تيكم»، فذلك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ، حتّى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أمّ مسطحٍ قبل المناصع، وهو متبرّزنا، ولا نخرج إلّا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّبرّز، وكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمّ مسطحٍ وهي بنت أبي رهم بن عبد المطّلب بن عبد منافٍ، وأمّها بنت صخر بن عامرٍ خالة أبي بكرٍ الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهمٍ قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطحٍ في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلًا قد شهد بدرًا؟، فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟، قلت: وما قال؟، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «كيف تيكم»، قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟، قال: «نعم»، وأنا أريد حينئذٍ أن أتيقّن الخبر من عندهما، فأذن لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجئت لأبويّ، فقلت لأمّي: أي هنتاه، ما يتحدّث النّاس؟، قالت: أي بنيّة، هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةً عند رجلٍ يحبّها لها ضرائر إلّا كثّرن عليها، فقلت: سبحان الله، أوقد تحدّث النّاس بهذا، وبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟، قالت: نعم، فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، حتّى ظنّ أبواي أنّ البكاء سيفلق كبدي، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأمّا أسامة فأشار على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالّذي يعلم من براءة أهله، والّذي في نفسه من الودّ، فقال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلّا خيرًا، وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول الله، لم يضيّق الله عليك النّساء، والنّساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعني بريرة، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بريرة، فقال: «هل رأيت من شيءٍ يريبك من عائشة؟»، قالت بريرة: والّذي بعثك بالحقّ، إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنّها حديثة السّنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد، فمن يعذرني ممّن قد بلغني أذاه في أهلي؟»، يعني عبد الله بن أبيّ ابن سلولٍ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو على المنبر أيضًا: «يا معشر المسلمين، من يعذرني ممّن قد بلغني أذاه في أهلي؟ - يعني عبد الله بن أبيّ ابن سلولٍ - فوالله ما علمت على أهلي إلّا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي»، فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ فقال: أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقال سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحميّة، فقال: أي سعد بن معاذٍ، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضيرٍ، وهو ابن عمّ سعد بن معاذٍ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان: الأوس والخزرج، حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا، ثمّ أتاني النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأنا في بيت أبويّ، فبينا هو جالسٌ وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار "، وساق الحديث). [السنن الكبرى للنسائي: 10/198-200]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: إنّ الّذين جاءوا بالكذب والبهتان {عصبةٌ منكم} يقول: جماعةٌ منكم أيّها النّاس. {لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم} يقول: لا تظنّوا ما جاءوا به من الإفك شرًّا لكم عند اللّه وعند النّاس، بل ذلك خيرٌ لكم عنده وعند المؤمنين؛ وذلك أنّ اللّه يجعل ذلك كفّارةً للمرميّ به، ويظهر براءته ممّا رمي به، ويجعل له منه مخرجًا.
وقيل: إنّ الّذي عنى اللّه بقوله: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} جماعةٌ، منهم حسّان بن ثابتٍ، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحشٍ.
- كما حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبان العطّار، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنّه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إليّ تسألني في الّذين جاءوا بالإفك، وهم كما قال اللّه: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} وأنّه لم يسمّ منهم أحدٌ إلاّ حسّان بن ثابتٍ، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحشٍ، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم؛ غير أنّهم عصبةٌ كما قال اللّه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} هم أصحاب عائشة.
- قال ابن جريجٍ: قال ابن عبّاسٍ: قوله: {جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم}. الآية، الّذين افتروا على عائشة: عبد اللّه بن أبيٍّ، وهو الّذي تولّى كبره، وحسّان بن ثابتٍ، ومسطحٌ، وحمنة بنت جحشٍ.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} الّذين قالوا لعائشة الإفك والبهتان.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم} قال: الشّرّ لكم بالإفك الّذي قالوا، الّذي تكلّموا به، كان شرًّا لهم، وكان فيهم من لم يقله إنّما سمعه، فعاتبهم اللّه، فقال أوّل شيءٍ: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم، بل هو خيرٌ لكم} ثمّ قال: {والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ}.
وقوله: {لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم} يقول: لكلّ امرئٍ من الّذين جاءوا بالإفك جزاء ما اجترم من الإثم، بمجيئه بما جاء به، من الأولى: عبد اللّه.
وقوله: {والّذي تولّى كبره منهم} يقول: والّذي تحمّل معظم ذلك الإثم والإفك منهم هو الّذي بدأ بالخوض فيه.
- كما حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {والّذي تولّى كبره منهم} يقول: الّذي بدأ بذلك.
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {عصبةٌ منكم} قال: أصحاب عائشة؛ عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، ومسطحٌ، وحسّان.
قال أبو جعفرٍ: له من اللّه عذابٌ عظيمٌ يوم القيامة.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: {كبره} فقرأت ذلك عامّة قرّاء الأمصار: {كبره} بكسر الكاف، سوى حميدٍ الأعرج، فإنّه كان يقرؤه: كبره بمعنى: والّذي تحمّل أكبره.
وأولى القراءتين في ذلك بالصّواب: القراءة الّتي عليها عوامّ القرّاء، وهي كسر الكاف، لإجماع الحجّة من القرّاء عليها، وأنّ الكبر بالكسر: مصدر الكبير من الأمور، وأنّ الكبر بضمّ الكاف: إنّما هو من الولاء والنّسب، من قولهم: هو كبر قومه؛ والكبر في هذا الموضع: هو ما وصفناه من معظم الإثم والإفك. فإذا كان ذلك كذلك، فالكسر في كافه هو الكلام الفصيح دون ضمّها، وإن كان لضمّها وجهٌ مفهومٌ.
وقد اختلف أهل التّأويل في المعنيّ بقوله: {والّذي تولّى كبره منهم}. الآية، فقال بعضهم: هو حسّان بن ثابتٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن قزعة، قال: حدّثنا مسلمة بن علقمة، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، أنّ عائشة، قالت: ما سمعت بشيءٍ أحسن من شعر حسّان، وما تمثّلت به إلاّ رجوت له الجنّة، قوله لأبي سفيان:
هجوت محمّدًا فأجبت عنه = وعند اللّه في ذاك الجزاء
فإنّ أبي ووالده وعرضي = لعرض محمّدٍ منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفءٍ = فشرّكما لخيركما الفداء
لساني صارمٌ لا عيب فيه = وبحري لا تكدّره الدّلاء
فقيل: يا أم المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟ قالت؛ لا، إنّما اللّغو ما قيل عند النّساء. قيل: أليس اللّه يقول: {والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ} قالت: أليس قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟ أليس قد ذهب بصره، وكنّع بالسّيف؟.
- قال: حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، قال: كنت عند عائشة، فدخل حسّان بن ثابتٍ، فأمرت، فألقي له وسادةٌ؛ فلمّا خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا، وقد قال اللّه ما قال؟ فقالت: قال اللّه: {والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ} وقد ذهب بصره، ولعلّ اللّه يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، قال: دخل حسّان بن ثابتٍ على عائشة، فشبّب بأبياتٍ له، فقال:
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة: أما إنّك لست كذلك فقلت: تدعين هذا الرّجل يدخل عليك وقد أنزل اللّه فيه: {والّذي تولّى كبره}. الآية؟ فقالت: وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى وقالت: إنّه كان يدفع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثني محمّد بن عثمان الواسطيّ، قال: حدّثنا جعفر بن عونٍ، عن المعلّى بن عرفان، عن محمّد بن عبد اللّه بن جحشٍ، قال: تفاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا الّتي نزل تزويجي من السّماء. قال: وقالت عائشة: أنا الّتي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطّل على الرّاحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت: حسبي اللّه ونعم الوكيل قالت: قلت كلمة المؤمنين.
وقال آخرون: هو عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الّذين تكلّموا فيه: المنافق عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، وكان يستوشيه، ويجمعه، وهو الّذي تولّى كبره، ومسطحًا، وحسّان بن ثابتٍ.
- حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا محمّد بن بشرٍ، قال: حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطبٍ، عن علقمة بن وقّاصٍ، وغيره، أيضًا، قالوا: قالت عائشة: كان الّذي تولّى كبره الّذي يجمعهم في بيته، عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ عن ابن شهابٍ قال: حدّثني عروة بن الزّبير وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقّاصٍ، وعبيد اللّه بن عتبة، عن عائشة قالت: كان الّذي تولّى كبره: عبد اللّه بن أبيٍّ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {إنّ الّذين جاءوا}. الآية، الّذين افتروا على عائشة: عبد اللّه بن أبيٍّ، وهو الّذي تولّى كبره، وحسّان، ومسطحٌ، وحمنة بنت جحشٍ.
- حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصّمد، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبان العطّار، قال: حدّثنا هشام بن عروة، في الّذين جاءوا بالإفك: يزعمون أنّه كان كبر ذلك عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، أحد بني عوف بن الخزرج؛ وأخبرت أنّه كان يحدّث به عنهم فيقرّه، ويسمعه ويستوشيه.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أمّا الّذي تولّى كبره منهم، فعبد اللّه بن أبيّ ابن سلول الخبيث، هو الّذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجلٍ حتّى أصبحت، ثمّ جاء يقود بها.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: والّذي تولّى كبره هو عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، وهو بدأه.
وأولى القولين في ذلك بالصّواب: قول من قال: الّذي تولّى كبره من عصبة الإفك، كان عبد اللّه بن أبيٍّ، وذلك أنّه لا خلاف بين أهل العلم بالسّير، أنّ الّذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدّثهم، عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، وفعله ذلك على ما وصفت كان تولّيه كبر ذلك الأمر.
وكان سبب مجيء أهل الإفك ما:
- حدّثنا به ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهابٍ، حدّثني عروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب وعلقمة بن وقّاصٍ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ، عن حديث، عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللّه، وكلّهم حدّثني طائفةً من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعضٍ، وأثبت اقتصاصًا، وقد وعيت عن كلّ رجلٍ منهم الحديث الّذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدّق بعضًا: زعموا أنّ عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه. فسرنا، حتّى إذا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوه، وقفل إلى المدينة، آذن ليلةً بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل، فمشيت حتّى جاوزت الجيش؛ فلمّا قضيت شأني، أقبلت إلى الرّحل، فلمست صدري، فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب، وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النّساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبّلهنّ، ولم يغشهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقة من الطّعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ. فتيمّمت منزلي الّذي كنت فيه، وظننت أنّ القوم سيفقدوني، ويرجعون إليّ. فبينا أنا جالسةٌ في منزلي، غلبتني عيني، فنمت حتّى أصبحت. وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ، قد عرّس من وراء الجيش، فادّلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، واللّه ما تكلّمت بكلمةٍ، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتّى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الرّاحلة، حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة. فهلك من هلك في شأني، وكان الّذي تولّى كبره عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت شهرًا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول اللّه اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل فيسلّم، ثمّ يقول: كيف تيكم؟ فذلك يريبني، ولا أشعر بالشّرّ. حتّى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت مع أمّ مسطحٍ قبل المناصع، وهو متبرّزنا، ولا نخرج إلاّ ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّنزّه، وكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأمّ مسطحٍ، وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطّلب بن عبد منافٍ، وأمّها ابنة صخر بن عامرٍ، خالة أبي بكرٍ الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب. فأقبلت أنا وابنة أبي رهمٍ قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطحٍ في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ فقلت لها: بئس ما قلت أتسبّين رجلاً قد شهد بدرًا؟ فقالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي. فلمّا رجعت إلى منزلي، ودخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ قال: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قال: نعم. قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أتبين الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجئت أبويّ، فقلت لأمّي: أي أمّتاه، ماذا يتحدّث النّاس؟ فقالت: أي بنيّة، هوّني عليك فواللّه لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةٌ عند رجلٍ يحبّها ولها ضرائر، إلاّ أكثرن عليها. قالت: قلت: سبحان اللّه أو قد تحدّث النّاس بهذا، وبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: نعم، فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، ثمّ أصبحت، فدخل عليّ أبو بكرٍ وأنا أبكي، فقال لأمّي: ما يبكيها؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل لها. فأكبّ يبكي، فبكى ساعةً، ثمّ قال: اسكتي يا بنيّة فبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، ثمّ بكيت ليلي المقبل لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، حتّى ظنّ أبواي أنّ البكاء سيفلق كبدي. فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله؛ قالت: فأمّا أسامة، فأشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالّذي يعلم من براءة أهله، وبالّذي في نفسه من الودّ، فقال: يا رسول اللّه، هم أهلك، ولا نعلم إلاّ خيرًا، وأمّا عليّ فقال: لم يضيّق اللّه عليك، والنّساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعني بريرة. فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريرة، فقال: هل رأيت من شيءٍ يريبك من عائشة؟ قالت له بريرة: والّذي بعثك بالحقّ، ما رأيت عليها أمرًا قطّ أغمصه عليها، أكثر من أنّها حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله فقام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبًا، فحمد اللّه، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: من يعذرني ممّن قد بلغني أذاه في أهلي؟ يعني: عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول. وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على المنبر أيضًا: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلي؟ فواللّه ما علمت على أهلي إلاّ خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة، فقال، وهو سيّد الخزرج، وكان رجلاً صالحًا، ولكن احتملته الحميّة، فقال: أي سعد بن معاذٍ، لعمر اللّه لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضيرٍ، وهو ابن عمّة سعد بن معاذٍ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين فثار الحيّان: الأوس والخزرج، حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا.
ثمّ أتاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا في بيت أبويّ، فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي؛ قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيءٍ؛ قالت: فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين جلس، ثمّ قال: أمّا بعد يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرّئك اللّه، وإن كنت ألممت بذنبٍ، فاستغفري اللّه، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب تاب اللّه عليه. فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته، قلص دمعي، حتّى ما أحسّ منه دمعةً؛ قلت لأبي: أجب عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما قال قال: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالت: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إنّي واللّه، لقد عرفت أن قد سمعتم بهذا، حتّى استقرّ في أنفسكم، حتّى كدتم أن تصدّقوا به، فإن قلت لكم: إنّي بريئةٌ واللّه يعلم أنّي بريئةٌ، لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ واللّه يعلم أنّي منه بريئةٌ لتصدّقنّي، وإنّي واللّه ما أجد لي ولكم مثلاً إلاّ كما قال أبو يوسف: {واللّه المستعان على ما تصفون}، ثمّ تولّيت واضطجعت على فراشي، وأنا واللّه، أعلم أنّي بريئةٌ، وأنّ اللّه سيبرّئني ببراءتي، ولكنّي واللّه ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمرٍ يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام رؤيا يبرّئني اللّه بها. قالت: واللّه ما رام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلسه ولا خرج من البيت أحدٌ حتّى أنزل اللّه على نبيّه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشّاتي من ثقل القول الّذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يضحك، كان أوّل كلمةٍ تكلّم بها أن قال: أبشري يا عائشة، إنّ اللّه قد برّأك فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: واللّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلاّ اللّه، هو الّذي أنزل براءتي. فأنزل اللّه: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} عشر آياتٍ، فأنزل هذه الآيات براءةً لي. قالت: فقال أبو بكرٍ، وكان ينفق على مسطحٍ لقرابته وفقره: واللّه لا أنفق عليه شيئًا أبدًا، بعد الّذي قال لعائشة قالت: فأنزل اللّه: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة} حتّى بلغ: {غفورٌ رحيمٌ}، فقال أبو بكرٍ: إنّي لأحبّ أن يغفر اللّه لي. فرجع إلى مسطحٍ النّفقة الّتي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل زينب بنت جحشٍ عن أمري، وما رأت وما سمعت، فقالت: يا رسول اللّه، أحمي سمعي وبصري، واللّه ما رأيت إلاّ خيرًا. قالت عائشة: وهي الّتي كانت تساميني، فعصمها اللّه بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب، فهلكت فيمن هلك.
قال الزّهريّ بن شهابٍ: هذا الّذي انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرّهط.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزّهريّ، وعن علقمة بن وقّاصٍ اللّيثيّ، عن سعيد بن المسيّب، وعن عروة بن الزّبير، وعن عبيد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ قال الزّهريّ: كلٌّ قد حدّثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان له أوعى من بعضٍ قال: وقد جمعت لك كلّ الّذي قد حدّثني.
- وحدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا سلمة قال: وثني محمّد بن إسحاق قال: حدّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة، قال: وثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزمٍ الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرّحمن، عن عائشة قالت؛ وكلٌّ قد اجتمع في حديثه قصّة خبر عائشة عن نفسها، حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا، وكلّه قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعًا، ويحدّث بعضهم ما لم يحدّث بعضٌ، وكلٌّ كان عنها ثقةً، وكلٌّ قد حدّث عنها ما سمع. قالت عائشة رضي اللّه عنها: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه. فلمّا كانت غزاة بني المصطلق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معه. قالت: وكان النّساء إذ ذاك إنّما يأكلن العلق، لم يهيّجهنّ اللّحم فيثقلن. قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي، ثمّ يأتي القوم الّذين يرحلون بي بعيري ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج، يرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به. قالت: فلمّا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من سفره ذلك وجّه قافلاً، حتّى إذا كان قريبًا من المدينة، نزل منزلاً فبات بعض اللّيل، ثمّ أذن في النّاس بالرّحيل. فلمّا ارتحل النّاس، خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقدٌ لي من جزع ظفار، فلمّا فرغت، انسلّ من عنقي وما أدري؛ فلمّا رجعت إلى الرّحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ النّاس في الرّحيل. قالت: فرجعت عودي إلى بدئي، إلى المكان الّذي ذهبت إليه، فالتمسته حتّى وجدته؛ وجاء القوم خلافي الّذين كانوا يرحلون بي البعير. ثمّ ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى عن ابن ثورٍ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي اللّه عنها قالت: لمّا ذكر من شأني الّذي ذكر وما علمت به، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبًا وما علمت، فتشهّد، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، أشيروا عليّ في أناسٍ أبنوا أهلي، واللّه ما علمت على أهلي سوءًا قطّ، وأبنوهم بمن؟ واللّه ما علمت عليه سوءًا قطّ، ولا دخل بيتي قطّ إلاّ وأنا حاضرٌ، ولا أغيب في سفرٍ إلاّ غاب معي فقام سعد بن معاذٍ فقال: يا رسول اللّه، نرى أن نضرب أعناقهم فقام رجلٌ من الخزرج، وكانت أمّ حسّان بن ثابتٍ من رهط ذلك الرّجل، فقال: كذبت، أما واللّه لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتّى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج في المسجد شرٌّ؛ وما علمت به. فلمّا كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي، ومعي أمّ مسطحٍ، فعثرت، فقالت: تعس مسطحٌ فقلت: علام تسبّين ابنك؟ فسكتت، ثمّ عثرت الثّانية، فقالت: تعس مسطحٌ قلت: علام تسبّين ابنك؟ فسكتت الثّانية. ثمّ عثرت الثّالثة، فقالت: تعس مسطحٌ فانتهرتها، وقلت: علام تسبّين ابنك؟ قالت: واللّه ما أسبّه إلاّ فيك، قلت: في أيّ شأني، فبقرت لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم واللّه. قالت: فرجعت إلى بيتي، فكأنّ الّذي خرجت له لم أخرج له، ولا أجد منه قليلاً ولا كثيرًا. ووعكت، فقلت: يا رسول اللّه، أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام، فدخلت الدّار فإذا أنا بأمّي أمّ رومان، قالت: ما جاء بك يا بنيّة؟ فأخبرتها، فقالت: خفّضي عليك الشّأن، فإنّه واللّه ما كانت امرأةٌ جميلةٌ عند رجلٍ يحبّها ولها ضرائر إلاّ حسدنها، وقلن فيها. قلت: وقد علم بها أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول اللّه؟ قالت: نعم. فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكرٍ صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمّي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الّذي ذكر من أمرها. ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك إلاّ رجعت إلى بيتك فرجعت.
فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا عندي حتّى دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّ بعد العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن يميني، وعن شمالي، فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فحمد اللّه، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد يا عائشة، إن كنت قارفت سوءًا أو ألممت فتوبي إلى اللّه، فإنّ اللّه يقبل التّوبة عن عباده.
وقد جاءت امرأةٌ من الأنصار وهي جالسةٌ، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تقول شيئًا؟ فقلت لأبي: أجبه فقال: أقول ماذا؟ قلت لأمّي: أجيبيه فقالت: أقول ماذا؟ فلمّا لم يجيباه تشهّدت فحمدت اللّه، وأثنيت عليه بما هو أهله، ثمّ قلت: أمّا بعد، فواللّه لئن قلت لكم إنّي لم أفعل، واللّه يعلم إنّي لصادقةٌ ماذا بنافعي عندكم؟ لقد تكلّم به، وأشربته قلوبكم؛ وإن قلت: إنّي قد فعلت واللّه يعلم أنّي لم أفعل لتقولنّ: قد باءت به على نفسها، وايم اللّه، ما أجد لي ولكم مثلاً إلاّ كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون}. وأنزل اللّه على رسوله ساعتئذٍ، فرفع عنه، وإنّي لأتبيّن السّرور في وجهه، وهو يمسح جبينه يقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل اللّه براءتك فكنت أشدّ ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: واللّه لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، لقد سمعتموه فما أنكرتموه، ولا غيّرتموه، ولكنّي أحمد اللّه الّذي أنزل براءتي. ولقد جاء رسول اللّه بيتي، فسأل الجارية عنّي، فقالت: واللّه ما أعلم عليها عيبًا، إلاّ أنّها كانت تنام حتّى كانت تدخل الشّاة فتأكل حصيرها أو عجينها، فانتهرها بعض أصحابه، وقال لها: اصدقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال عروة: فعتب على من قاله، فقال: لا، واللّه، ما أعلم عليها إلاّ ما يعلم الصّائغ على تبر الذّهب الأحمر. وبلغ ذلك الرّجل الّذي قيل له، فقال: سبحان اللّه ما كشفت كنف أنثى قطّ. فقتل شهيدًا في سبيل اللّه.
قالت عائشة: فأمّا زينب بنت جحشٍ، فعصمها اللّه بدينها، فلم تقل إلاّ خيرًا؛ وأمّا حمنة أختها، فهلكت فيمن هلك. وكان الّذين تكلّموا فيه: المنافق عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الّذي تولّى كبره، ومسطحًا، وحسّان بن ثابتٍ، فحلف أبو بكرٍ أن لا ينفع مسطحًا بنافعةٍ، فأنزل اللّه: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة}. يعني أبا بكرٍ، {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} يعني: مسطحًا، {ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ}، قال أبو بكرٍ: بلى واللّه، إنّا لنحبّ أن يغفر اللّه لنا وعاد أبو بكرٍ لمسطحٍ بما كان يصنع به.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بشرٍ، قال: حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطبٍ، عن علقمة بن وقّاصٍ، وغيره، أيضًا، قال: خرجت عائشة تريد المذهب، ومعها أمّ مسطحٍ. وكان مسطح بن أثاثة ممّن قال ما قال، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب النّاس قبل ذلك، فقال: كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني؟ فقال سعد بن معاذٍ: أي رسول اللّه، إن كان منّا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا فأطعناك. فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذٍ، واللّه ما بك نصرة رسول اللّه، ولكنّها قد كانت ضغائن في الجاهليّة وإحنٌ لم تحلل لنا من صدوركم بعد فقال ابن معاذٍ: اللّه أعلم ما أردت.
فقام أسيد بن حضيرٍ، فقال: يا ابن عبادة، إنّ سعدًا ليس شديدًا، ولكنّك تجادل عن المنافقين وتدفع عنهم. وكثر اللّغط في المسجد، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالسٌ على المنبر، فما زال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يومئ بيده إلى النّاس هاهنا، وهاهنا، حتّى هدأ الصّوت.
وقالت عائشة: كان الّذي تولّى كبره، والّذي يجمعهم في بيته، عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول. قالت: فخرجت إلى المذهب ومعي أمّ مسطحٍ، فعثرت، فقالت: تعس مسطحٌ فقلت: غفر اللّه لك، أتقولين هذا لابنك، ولصاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت ذلك مرّتين، وما شعرت بالّذي كان. فحدّثت، فذهب عنّي الّذي خرجت له، حتّى ما أجد منه شيئًا. ورجعت على أبويّ أبي بكرٍ، وأمّ رومان، فقلت: أما اتّقيتما اللّه فيّ، وما وصلتما رحمي؟ قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي قال، وتحدّث النّاس بالّذي تحدّثوا به، ولم تعلماني فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالت: أي بنيّة، واللّه لقلّما أحبّ رجلٌ قطّ امرأته إلاّ قالوا لها نحو الّذي قالوا لك أي بنيّة ارجعي إلى بيتك حتّى نأتيك فيه فرجعت، وارتكبني صالبٌ من حمّى، فجاء أبواي فدخلا، وجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى جلس على سريري وجاهي، فقالا: أي بيّنة، إن كنت صنعت ما قال النّاس فاستغفري اللّه، وإن لم تكوني صنعتيه فأخبري رسول اللّه بعذرك قلت: ما أجد لي ولكم إلاّ كأبي يوسف {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون}. قالت: فالتمست اسم يعقوب، فما قدرت، أو فلم أقدر عليه. فشخص بصر رسول اللّه إلى السّقف، وكان إذا نزل عليه وجد، قال اللّه: {إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}، فوالّذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما زال يضحك حتّى إنّي لأنظر إلى نواجذه سرورًا، ثمّ مسح عن وجهه، فقال: يا عائشة أبشري، قد أنزل اللّه عذرك قلت: بحمد اللّه، لا بحمدك، ولا بحمد أصحابك. قال اللّه: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك} عصبةٌ منكم. حتّى بلغ: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة}، وكان أبو بكرٍ حلف أن لا ينفع مسطحًا بنافعةٍ، وكان بينهما رحمٌ، فلمّا أنزلت: {ولا يأتل أولو الفضل منكم}. حتّى بلغ: {واللّه غفورٌ رحيمٌ} قال أبو بكرٍ: بلى، أي ربّ فعاد إلى الّذي كان لمسطحٍ {إنّ الّذين يرمون المحصنات}. حتّى بلغ: {أولئك مبرّءون ممّا يقولون لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ}. قالت عائشة: واللّه ما كنت أرجو أن ينزل فيّ كتابٌ، ولا أطمع به، ولكن أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رؤيا تذهب ما في نفسه. قالت: وسأل الجارية الحبشيّة، فقالت: واللّه لعائشة أطيب من طيّب الذّهب، وما بها عيبٌ إلاّ أنّها ترقد حتّى تدخل الشّاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال النّاس ليخبرنّك اللّه قال: فعجب النّاس من فقهها). [جامع البيان: 17/189-211]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ (11)
قوله تعالى: إنّ الّذين جاؤوا بالإفك.
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى المصريّ الصّدفيّ، عن عبد اللّه بن وهبٍ، أخبرني يونس بن يزيد، عن محمّد بن مسلم بن شهابٍ، أخبرني عروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقّاصٍ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ، عن حديث عائشة، زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللّه، فكلّهم حدّثني حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعضٍ، زعموا أنّ عائشة قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه. فسرنا حتّى إذا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة قافلين، أذّن ليلةً بالرّحيل فقمت حين أذّنوا بالرّحيل فتبرّزت، فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل، فلمست صدري، فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرّهط الّذين يرحلون بي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب، وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبلن ، ولم يغشهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقة، من الطّعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ورحلوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فتيمّمت منزلي الّذي كنت به، وظننت أنّهم سيفقدونني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ فأتاني، فعرفني حيث رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، وو الله ما تكلّمنا كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حين أناخ راحلته، فوطيت على يدها وركبتها فانطلق يقود بي الرّاحلة، حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة، فهلك من هلك، وكان الّذي تولّى كبر الإفك، عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبني في وجهي أنّي لا أعرف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فيسلّم، ثمّ يقول: كيف تيكم، ثمّ ينصرف، فذلك الّذي يريبني، فلا أشعر بالشّرّ، حتّى خرجت بعد ما نقهت، وخرجت معي أمّ مسطحٍ قبل المناصع، وهو متبرّزنا، فلا نخرج إلا ليلا إلى اللّيل، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأوّلين، في التّبرّز قبل الغائط، كنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي ابنة أبي رهم ابن عبد المطّلب بن عبد منافٍ، وأمّها أمّ ضحًى بنت عامرٍ، خالة أبي بكرٍ الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهمٍ قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطحٍ في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضًا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، ودخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسلّم ثمّ قال كيف تيكم، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجئت أبويّ، فقلت لأمّي: يا أمّتاه ماذا يتحدّث النّاس؟ فقالت: هوّني عليك، فو الله ما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةً عند رجلٍ يحبّها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها، قالت: قلت سبحان الله، أو لقد تحدّث النّاس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت، لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، قالت: ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول اللّه عليّ بن أبي طالبٍ، وأسامة بن زيدٍ، حيث استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأمّا أسامة فأشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالّذي يعلم من براءة أهله، وبالّذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال يا رسول اللّه: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، قالت: وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال: لم يضيّق اللّه عليك، والنّساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريرة، فقال لها: أي بريرة هل رأيت من شيءٍ يريبك؟ قالت له بريرة: لا والّذي بعثك بالحقّ، إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليه، اأكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ، تنام، عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومًا، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغ أذاه في أهلي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ فقال: يا رسول اللّه أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وقد كان قبل ذلك رجلا صالحًا. ولكن حمته الحميّة، فقال لسعد بن معاذٍ: كذبت لعمر اللّه، واللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن الحضير وهو ابن عمّ سعدٍ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمري لنقتلنّه فإنّك منافقٌ تجادل، عن المنافقين، قالت: فتنازع الحيّان الأوس والخزرج، حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائمٌ على المنبر، قالت: فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة، حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، قالت: فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنومٍ ولا يرقأ لي دمعٌ، ويظنّان أنّ البكاء فالقٌ كبدي، فبينما هما جالسين عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها، ولقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيءٍ، قالت: فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين جلس، ثمّ قال: أمّا بعد: يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرّئك اللّه، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري اللّه وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى اللّه، تاب اللّه عليه، قالت: فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته قلص دمعي، حتّى ما أحسّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أجب رسول اللّه فيما قال، قالت: فقال: واللّه ما أدري ما أقول، قالت: قلت لأمّي: أجيبي رسول اللّه فيما قال: قالت: واللّه ما أدري ما أقول، قالت: وأنا حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن، إنّي واللّه لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث، حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، ولئن قلت بريئةٌ واللّه يعلم أنّي بريئةٌ، لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ، واللّه يعلم أنّي منه بريئةٌ، لتصدّقوني، واللّه لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف قال: فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون قالت: ثمّ تحوّلت، فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا واللّه حينئذٍ أعلم أنّي بريئةٌ، وأنّ اللّه سيبرّئني ببراءتي، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أنّ اللّه سينزل في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم اللّه في أمرٍ يتلى، ولكن كنت أرجو أن يري اللّه تبارك وتعالى رسوله في النّوم رؤيا يبرّئني اللّه بها، قالت: ما رام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلسه ولا خرج أحدٌ من البيت، حتّى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشّاتي، من ثقل الّذي أنزل عليه، قالت: فلمّا سرّي، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، سرّي عنه وهو يضحك، فكانت أوّل كلمةٍ تكلّم بها أن قال: يا عائشة: أمّا أنت فقد برّأك اللّه، قالت: فقالت لي أمّي: قومي إليه، فقلت: لا واللّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا اللّه، وأنزل اللّه تعالى: إن الذين جاؤ بالإفك الآية حتّى بلغ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ قالت عائشة: فلمّا أنزل اللّه هذا في براءتي قال أبو بكرٍ الصّدّيق وكان ينفق على مسطحٍ ليتمه وقرابته منه: واللّه لا أنفق على مسطحٍ أبدًا بعد الّذي قال لعائشة، قالت عائشة: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولي القربى فقرأ حتّى بلغ ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم فقال أبو بكرٍ: بلى واللّه إنّي لأحبّ أن يغفر اللّه لي، فرجع إلى مسطحٍ النّفقة الّتي كان ينفق عليه. وقال: واللّه لا أنزعها عنه أبدًا، قالت عائشة: وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سأل زينب بنت جحشٍ زوجته، عن أمري، فقال يا زينب: ماذا علمت أو رأيت؟ قالت: يا رسول اللّه أحمي سمعي وبصري، واللّه ما علمت إلا خيرًا، وهي الّتي كانت تساميني من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فعصمها اللّه بالورع، فطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال ابن شهاب: فهذا ما انتهت إليّ من خبر هؤلاء الرّهط من حديث عائشة رضي اللّه عنها وعن أبيها.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ حدّثني، ابن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله تعالى: إن الذين جاؤ بالإفك عصبةٌ منكم وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم انطلق غازيًا، وانطلق معه بعائشة بنت أبي بكرٍ زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذٍ رفيقٌ يقال له صفوان بن المعطّل من بني سليمٍ، وكان إذا سار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلا مكث صفوان في مكانه حتّى يصبح، فإن سقط من المسلمين شيءٌ من متاعهم حمله إلى المعسكر، فعرفه، فإذا جاء صاحبه دفعه إليه، وإنّ عائشة لمّا نودي بالرّحيل ذات ليلةٍ ركبت الرّحل، فدخلت هودجها، ثمّ ذكرت حليًّا لها كانت نسيته في المنزل، فنزلت لتأخذه، ولم يشعر بها صاحب البعير، فانبعث، فسار مع المعسكر، فلمّا وجدت عائشة حليّها فإذا البعير قد ذهب، فأخذت تمشي على إثر المعسكر، وهي تبكي، وأصبح صفوان ابن المعطّل في المنزل، ثمّ سار على إثر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فإذا هو بعائشة قد غطّت وجهها وهي تبكي، فقال صفوان: من هذه ثمّ نزل، عن بعيره، فحملها على بعيره، ونزل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، ففقدوا عائشة ولم يجدوها، ومكثوا ما شاء اللّه، إذ جاء صفوان قد حملها على بعيره، فقذفها عبد اللّه بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحشٍ الأسديّة، فقال عبد اللّه بن أبيٍّ المنافق: ما برئت عائشة من صفوان، وما بريء صفوان منها، وخاض النّاس في ذلك، وقال بعضهم: قد كان كذا وكذا، وقال بعضهم: كذا، وعرّض بالقوم، وبعضهم أعجبه ذلك، فنزلت ثمانية عشرة آيةً متوالياتٌ بتكذيب من قذف عائشة، وببراءتها ويؤدب فيها المؤمنين فنزلت: إن الذين جاؤ بالإفك.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء ابن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ، في قول الله: إن الذين جاؤ بالإفك يًعنى الكذب، وروي، عن مقاتل بن حيّان مثل ذلك.
قوله: عصبةٌ منكم.
- به، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: عصبة منكم يعني: عبد الله ابن أبي المنافق وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحشٍ.
- قرأت على محمّد بن الفضل بن وموسى، ثنا محمد بن علي ابن الحسن، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: إنّ الذين جاؤ بالإفك عصبةٌ منكم والعصبة منهم عبد اللّه بن أبيٍّ في نفرٍ معه.
قوله تعالى: لا تحسبوه شرًّا لكم.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى، حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: لا تحسبوه شرًّا لكم يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الّذي قيل لكم من الكذب شر لكم، قوله: بل هو خير لكم لكنّكم تجزون على ذلك، قوله: لكلّ امرئٍ منهم يعني من خاض في أمر عائشة قوله: ما اكتسب من الإثم يعني الإثم على قدر ما خاض فيه من أمرها.
- قرأت على محمّد بن الفضل بن موسى، ثنا محمد بن علي ابن الحسن، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان: لا تحسبوه شرًّا لكم لأنّكم تؤجرون على ما قيل لكم من الإفك، قوله: بل هو خيرٌ لكم يًعنى بالخير العظة والتّثبيت والبيّنة فكان ذلك خيرًا لهم.
قوله: والّذي تولّى كبره.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة من كتابه، ثنا هشام بن عروة، أخبرني عروة، عن عائشة قالت: لمّا ذكر من شأني الّذي ذكر به وما علمت به، وكان الّذين تكلّموا فيه المنافق عبد اللّه بن أبيّ بن سلولٍ، هو الّذي يستوشيه ويجمعه، وهو الّذي تولّى كبره منهم، هو وحمنة ومسطحٌ وحسّان بن ثابتٍ.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن منيبٍ، ثنا أبو معاذٍ، عن عبيدٍ، عن الضّحّاك قوله: والّذي تولّى كبره يقول: الّذي بدأ بذلك.
- حدّثنا حجّاجٌ، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: والّذي تولّى كبره منهم عبد الله بن أبي بن سلول بدأه.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: والّذي تولّى كبره يًعنى: عظمه، يعنى: الّذي تولّى تلك الخطيئة بنفسه، وهو أعظم إثمًا عند اللّه عزّ وجلّ هم المأخوذون به، فإذا كانت خطيئةً من المسلمين فمن شهد وكره فهو الغائب، ومن غاب ورضي فهو مثل الشّاهد.
قوله تعالى: منهم.
- به، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: منهم يًعنى: من العصبة، وهو عبد اللّه بن أبي بن سلول رأس المنافقين، هو الّذي قال: ما برئت منه وما برئ منها.
قوله: عذابٌ.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: عذابٌ يقول: نكالٌ.
- حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن زنجويه، ثنا الفريابيّ، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، عن عائشة أنّ حسّان بن ثابتٍ جاء يستأذن عليها، فقلت: أتأذنين له فقالت: أوليس قد أصابه عذابٌ عظيمٌ، يعنى: ذهاب بصره، فقال:
حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل). [تفسير القرآن العظيم: 8/2539-2545]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله والذي تولى كبره منهم قال هو عبد الله بن أبي بن سلول بدأه يقول الله عز وجل إذ تلقونه بألسنتكم يقول يرويه بعضكم عن بعض وقال إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة يعني تظهر وتتحدث بها في شأن عائشة). [تفسير مجاهد: 437-438]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت س) محمد بن شهاب الزّهريّ عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاصٍ الليثيّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ: عن حديث عائشة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها الله مما قالوا، قال الزّهريّ: وكلّهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى له من بعضٍ، وأثبتهم له اقتصاصاً، وقد وعيت عن كلّ واحدٍ منهم الحديث الذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدّق بعضاً، قالوا: قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادا أن يخرج سفراً، أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها، خرج بها معه، قالت: فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت معه - بعد ما أنزل الحجاب - وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرّحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت من شأني، أقبلت إلى الرّحل فلمست صدري، فإذا عقدٌ لي من جزع أظفارٍ.
وفي رواية: جزع ظفارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلن - ومنهم من قال: لم يهبّلن - ولم يغشهنّ اللحم وإنّما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، ومنهم من قال: خفّة الهودج - فحملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال: فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ - فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسةٌ غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثم الذّكوانيّ: عرّس من وراء الجيش، فادّلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني - وكان يراني قبل الحجاب - فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلّمني بكلمةٍ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا معرّسين - وفي رواية موغرين في نحر الظهيرة - قال أحد رواته: والوغرة: شدّة الحر - قالت: فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولّى كبر الإفك: عبد الله بن أبيّ بن سلولٍ، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر، وهو يريبني في وجعي: أنّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلّم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشّرّ حتى نقهت، فخرجت أنا وأمّ مسطحٍ قبل المناصع، وهي متبرّزنا، وكنّا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّبرّز قبل الغائط، وكنا نتأذّى بالكنف أن نّتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأمّ مسطحٍ - وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمّها بنت صخر بن عامرٍ، خالة أبي بكر الصّدّيق، - رضي الله عنه - وابنها: مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أمّ مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: بئسما قلت، أتسبيّين رجلاً، شهد بدراً؟ فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلّم، وقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبويّ، فقلت لأمّي: يا أمّتاه، ماذا يتحدّث الناس به؟ فقالت: يا بنيّة، هوّني على نفسك الشّأن، فوالله لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةٌ عند رجلٍ يحبّها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله ! ولقد تحدث النّاس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، ثمّ أصبحت أبكي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالبٍ، وأسامة بن زيدٍ، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً. وأما عليّ بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول الله، لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ قالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحقّ، إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ، تنام عن عجين أهلها، فيأتي الدّاجن فيأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلولٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر -: من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي؟ - ومن الرّواة من قال: في أهل بيتي - فو الله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذٍ أحد بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج -، وكانت أمّ حسانٍ بنت عمّه من فخذه وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحميّة - ومن الرواة من قال: اجتهلته الحميّة، فقال لسعد بن معاذٍ: كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضيرٍ - وهو ابن عمّ سعدٍ، يعني ابن معاذٍ - فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا - ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر - فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت، وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوماً، حتى أظنّ أنّ البكاء فالقٌ كبدي - ومن الرّواة من قال: وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالقٌ كبدي- قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك، إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلّم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي، حتّى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمّي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، قالت: وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ، لا أقرأ كثيراً من القرآن، فقلت: إني والله، لقد علمت أنّكم سمعتم ما تحدّث به الناس، حتى استقرّ في أنفسكم، وصدّقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني لبريئةٌ - لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ- والله يعلم أني بريئة- لتصدّقنّي، فو الله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذا قال: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] ثم تحوّلت، فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئةٌ، وأنّ الله مبرّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظنّ أنّ الله ينزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمرٍ يتلى - ومن الرواة من قال: ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله بالقرآن في أمري- ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما رام رسول الله مجلسه، ولا خرج أحدٌ من أهل البيت، حتى أنزل الله على نبيّه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في يومٍ شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، وكان أوّل كلمةٍ تكلّم بها، أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله - ومن الرواة من قال: أبشري يا عائشة، أمّا الله فقد برّأك- فقالت لي أمّي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله عز وجل: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} العشر الآيات، [النور: 11 - 19]
فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة - لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق على مسطحٍ شيئاً أبداً، بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللّه وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ} [النور: 22] فقال أبو بكر: بلى والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطحٍ الذي كان يجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحشٍ عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، قالت عائشة: وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك.
قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرّهط.
ومن الرواة من زاد: قال عروة: قالت عائشة: والله إنّ الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله! فو الذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف أنثى، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله.
وفي رواية أخرى عن عروة عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فتشهّد، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فأشيروا عليّ في أناسٍ أبنوا أهلي، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوءٍ قط، وأبنوهم بمن والله ما عملت عليه من سوءٍ قطّ، ولا دخل بيتي قطّ إلا وأنا حاضرٌ، ولا غبت في سفرٍ إلا غاب معي، فقام سعد بن معاذٍ، فقال: إئذن لي يا رسول الله: أن نضرب أعناقهم وقام رجلٌ من بني الخزرج - وكانت أمّ حسانٍ من رهط ذلك الرجل فقال: كذبت والله: أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد يكون بين الأوس والخزرج شرٌّ في المسجد، وما علمت، فلمّا كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أمّ مسطحٍ، فعثرت، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: أي أمّ، أتسبّين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: أي أمّ، أتسبّين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطحٌ، فانتهرتها، فقالت: والله ما أسبّه إلا فيك، فقلت: في أيّ شأني؟ فذكرت - وفي رواية: فبقرت - لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأنّ الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت، وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني إلى بيت أمي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أمّ رومانٍ في أسفل البيت، وأبا بكرٍ فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنيّة؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث. وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: أي بنيّة، خفّضي عليك الشّأن، فإنّه والله لقلّما كانت امرأةٌ حسناء عند رجلٍ يحبّها لها ضرائر، إلا حسدنها، وقيل فيها، قلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم، ورسول الله، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكرٍ صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل. فقال لأمي: ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر في شأنها، ففاضت عيناه، وقال: أقسمت عليك يا بنيّة إلا رجعت إلى بيتك فرجعت، ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي، فسأل عني خادمي؟ فقالت: لا والله، ما علمت عليها عيباً، إلا أنّها كانت ترقد، حتى تدخل الشّاة فتأكل خبزها أو عجينها - وفي رواية: عجينها أو خميرها - شكّ هشام. فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله، حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله! والله ما كشفت كنف أنثى قط، قالت عائشة: فقتل شهيداً في سبيل الله، قالت: وأصبح أبواي عندي، فلم يزالا، حتى دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صلّى العصر ثم دخل، وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، يا عائشة إن كنت قارفت سوءاً أو ظلمت، فتوبي إلى الله، فإنّ الله يقبل التّوبة عن عباده، قالت: وقد جاءت امرأةٌ من الأنصار، فهي جالسةٌ بالباب، فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة: أن تذكر شيئاً؟ قالت: فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتفتّ إلى أبي، فقلت: أجبه، قال: فماذا أقول؟ فالتفتّ إلى أمّي فقلت: أجيبيه، فقالت: أقول ماذا؟ فلمّا لم يجيباه تشهّدت، فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله، لئن قلت لكم: إني لم أفعل - والله يعلم إني لصادقةٌ - ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلّمتم به، وأشربته قلوبكم، وإن قلت: إني قد فعلت - والله يعلم أنّي لم أفعل - لتقولنّ: قد باءت به على نفسها، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً - والتمست اسم يعقوب، فلم أقدر عليه - إلا أبا يوسف، حين قال: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون} وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه، وإني لأتبيّن السّرور في وجهه، وهو يمسح جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك، قالت: وكنت أشدّ ما كنت غضباً، فقال: لي أبواي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي ولقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه، وكانت عائشة تقول: أمّا زينب بنت جحشٍ: فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيراً، وأما أختها حمنة: فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم فيه: مسطحٌ، وحسّان بن ثابتٍ، والمنافق: عبد الله بن أبيّ بن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولّى كبره منهم هو وحمنة، قالت: فحلف أبو بكرٍ ألاّ ينفع مسطحاً بنافعةٍ أبداً، فأنزل الله عز وجل: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسّعة... } إلى آخر الآية، يعني أبا بكرٍ {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} يعني مسطحاً، إلى قوله: {ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ} فقال أبو بكر: بلى والله يا ربّنا، إنا لنحبّ أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع.
وفي رواية: أن عائشة لمّا أخبرت بالأمر قالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذن لها، وأرسل معها الغلام، وقال رجلٌ من الأنصار: {سبحانك ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيم} لم يزد على هذا.
هذه روايات البخاري، ومسلم.
وعند البخاري قال: قال الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع، ذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة، قال: وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ستٍ، وقال موسى بن عقبة: سنة أربعٍ، إلى هنا ما حكاه البخاري.
وأخرج البخاري من حديث الزّهري قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أنّ عليًّا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك: - أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - أنّ عائشة قالت لهما: كان عليٌّ مسلّما في شأنها.
وأخرج البخاري أيضاً من حديث الزهري عن عروة عن عائشة {والّذي تولّى كبره منهم}: عبد الله بن أبيّ.
زاد في رواية: قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع، ويتحدّث به عنده، فيقرّه ويشيعه ويستوشيه، قال عروة: لم يسمّ من أهل الإفك أيضاً إلا حسّان بن ثابتٍ، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، في ناسٍ آخرين، لا علم لي بهم، غير أنهم عصبةٌ، كما قال الله تعالى، قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسبّ عندها حسّان، وتقول: إنه الذي قال:
فإنّ أبي ووالده وعرضي... لعرض محمدٍ منكم وقاءٌ
وفي رواية لهما: قال مسروق بن الأجدع: دخلت على عائشة، عندها حسان ينشدها شعراً، يشبّب من أبياتٍ، فقال:
حصانٌ رزانٌ، ما تزنّ بريبةٍ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لكنّك لست كذلك، قال مسروق: فقلت لها: أتأذنين له أن يدخل عليك؟ وقد قال الله تعالى: {والذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ}؟ قالت: وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى؟ وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الترمذي الرواية الثانية من الروايتين الطويلتين عن عروة عن عائشة بطولها، وقال: وقد رواه يونس بن يزيد، ومعمرٌ، وغير واحد عن الزهري عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص الليثيّ، وعبيد الله بن عبد الله - عن عائشة أطول من حديث هشام بن عروة وأتمّ، يعني بذلك: الرواية الأولى بطولها.
وأخرج النسائي من الرواية الأولى إلى قوله: «فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ»، ثم قال: وذكر الحديث، ولم يذكر لفظه.
وأخرج أبو داود منه طرفين يسيرين.
أحدهما: عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن، وقّاصٍ الليثي، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة، وكلٌّ حدّثني طائفة من الحديث «قالت: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى».
والطرف الآخر: أخرجه في باب الأدب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشري يا عائشة، فإن الله -عزّ وجلّ- قد أنزل عذرك، وقرأ عليها القرآن، فقال أبواي: قومي فقبّلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أحمد الله، لا إيّاكما».
وحيث اقتصر على هذين الطرفين اليسيرين، لم أثبت علامته مع الجماعة، ونبّهت بذكرهما ها هنا؛ لئلا يخلّ بهما.
[شرح الغريب]
(الإفك) الكذب، أراد به: قذف عائشة -رضي الله عنها -.
(أوعى) أحفظ.
(آذن) أي أعلم، يعني: نادى بالرحيل.
(جزع أظفار) الجزع هنا: الحجر اليماني المعروف، وإضافته إلى أظفار: تخصيص له، وفي اليمن موضع يقال له: ظفار، والرواية في الحديث «أظفار - وظفار».
(لم يهبّلن) أي: لم يكثر لحمهن من السمن فيثقلن، والمهبّل: الكثير اللحم. الثقيل الحركة من السمن، وقد روى «لم يهبّلن».
(العلقة) بضم العين: البلغة من الطعام قدر ما يمسك الرمق. تريد القليل.
(داعٍ ولا مجيب) أي ليس بها أحد لا من يدعو، ولا من يرد جواباً.
(عرّس فادّلج) التعريس: نزول آخر الليل نزلة الاستراحة، والادّلاج - بالتشديد -: سير آخر الليل.
(الاسترجاع) هو قول القائل: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
(بجلبابي) الجلباب: ما يتغطى به الإنسان من ثوب أو إزار.
(وهوي) هوي الإنسان: إذا سقط من علو، والمراد: أنه نزل من بعيره عجلاً.
(موغرين) الوغرة: شدة الحر.، ومنه يقال: وغر صدره يوغر: إذا اغتاظ وحمي، وأوغره غيره، فيكون قوله: موغرين، أي: داخلين في شدة الحر.
(نحر الظهيرة) الظهيرة: شدة الحر، ونحرها: أولها. ونحر كل شيء: أوله.
(كبر الإفك) الكبر - بكسر الكاف وضمها هاهنا - معظم الإفك.
(يفيضون) الإفاضة في الحديث: التحدث به والخوض فيه بين الناس.
(يريبني) رابني الشيء يريبني: شككت فيه، ولا يكون ريباً إلا في شك مع تهمة.
(المناصع): المواضع الخالية تقضى فيها الحاجة من الغائط والبول، وأصله: مكان فسيح خارج البيوت، واحدها: منصع.
(مرطها) المرط: كساء من صوف أو خز يؤتزر به، وجمعه: مروط.
(تعس) الإنسان: إذا عثر: ويقال في الدعاء على الإنسان: تعس فلان، أي: سقط لوجهه.
(هنتاه) يقال امرأة هنتاه، أي بلهاء، كأنها منسوبة إلى البله وقلة المعرفة بمكائد الناس، وفسادهم.
(وضيئة) الوضاءة: الحسن، ووضيئة: فعيلة بمعنى: فاعلة.
(أغمصه) الغمص: العيب.
(الداجن) الشاة التي تألف البيت وتقيم به، يقال: دجن بالمكان أذا أقام به.
(فاستعذر) يقال: من يعذرني من فلان، أي: من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه، فلا يلومني، واستعذر: استفعل من ذلك، أي قال: من يعذرني؟ فقال له سعد بن معاذ: أنا أعذرك، أي أقوم بعذرك.
(من فخذه) الفخذ في العشائر: أقل من البطن أولها: الشّعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، كذا قال الجوهري.
(اجتهلته الحمية) الاجتهال: افتعال: من الجهل، أي: حملته الحمية، وهي الأنفة والغضب على الجهل، واحمتلته: افتعلته من الحمل.
(فتثاور) تثاور الناس، أي: ثاوروا ونهضوا من أماكنهم، طلباً للفتنة.
(يخفضهم): يهون عليهم ويسكنهم.
(فالق) فاعل، من فلق الشيء: إذا شقه.
(ألممت) الإلمام: المقاربة، وهو من اللمم: صغار الذنوب، وقيل: اللمم: مقاربة المعصية من غير إيقاع فعل.
(قلص) قلص الدمع: انقطع جريانه.
(ما رام) أي ما برح من مكانه، يقال: رام يريم: إذا برح وزال وقلّما يستعمل إلا في النفي.
(البرحاء) الشدة.
(الجمان) جمع جمانة: وهي الدرة، وقيل: هي خرزة تعمل من الفضة مثل الدرة.
(سري عنه) أي كشف عنه.
(ولا يأتل) يأتل: يفتعل: من الألية: وهي القسم، يقال: آلى وائتلى وتألى.
(أحمي سمعي) حميت سمعي وبصري: إذا منعتهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه.
(تساميني) المساماة: مفاعلة من السمو والعلو: أي أنها تطلب من السمو والعلو مثل الذي أطلب.
(فعصمها الله بالورع) أي منعها بالمعدلة: ومجانبة مالا يحل.
(كنف) الكنف: الجانب، والمراد: ما كشفت على امرأة ما سترته من نفسها، إشارة إلى التعفف.
(أبنوا أهلي) التأبين على وجهين: فتأبين الحي: ذكره بالقبيح، ومنه قوله: أبنوا أهلي: أي ذكروهم بسوء. والثاني تأبين الميت: وهو مدحه بعد موته.
(فبقرت) البقر: الفتح والتوسعة والشق، والمعنى: ففتحت لي الحديث وكشفته وأوضحته.
(وايم الله) من ألفاظ القسم، وفيها لغات كثيرة.
(وأسقطوا لها به) أسقطوا به: أي: قالوا لها السقط من القول، وهو الرديء، يريد: أنهم سبوها، وقوله «به» أي بسبب هذا المعنى: وهو الذي سئلت عنه من أمر عائشة -رضي الله عنها - فيكون المعنى سبوها بهذا السبب. وقد روي هذا اللفظ على غير ما قلناه، والصحيح المحفوظ: إنما هو ما ذكرناه. والله أعلم.
(قارفت) المقارفة: الكسب والعمل في الأصل، ويقال لمن باشر معصية أو ألم بها.
(وأشربته قلوبكم) أي: تداخل هذا الحديث قلوبكم، كما يتداخل الصبغ الثوب فيشربه.
(باءت به) أي: رجعت به وتحملته.
(يستوشيه) أي: يستخرجه بالبحث عنه والاستقصاء، كما يستوشي الرجل فرسه: إذا ضرب جنبيه بعقبيه ليجري، يقال: أوشى فرسه، واستوشاه.
(حصان رزان) امرأة حصان: بينة الحصانة، أي: عفيفة حيية: وامرأة رزان: ثقيلة ثابتة.
(تزن) ترمى وتقذف.
(بريبة) أي: بأمر يريب الناس، كالزنا ونحوه.
(غرثى) أي: جائعة، والمذكر: غرثان.
(الغوافل) جمع غافلة، والمراد به: الغفلة المحمودة، وهي مالا يقدح في دين أو مروءة.
(منافح) المنافحة: المناضلة والمخاصمة.
(أكنف) الأكنف: الأستر الأصفق، ومن هاهنا قيل للوعاء الذي يحرز فيه الشيء: كنف، والبناء الساتر لما وراءه: كنيف). [جامع الأصول: 2/250-277]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : ( [تفسير قصّة الإفك]
وتأتي طرق الحديث - حديث الإفك - في مناقب عائشة - رضي اللّه عنها.
- عن ابن عبّاسٍ «{إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} [النور: 11] يريد الّذين جاؤوا بالكذب على عائشة أمّ المؤمنين أربعةٌ منكم {لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم} [النور: 11] يريد: خيرٌ لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبراءةً لسيّدة نساء المؤمنين وخيرٌ لأبي بكرٍ وأمّ عائشة وصفوان بن المعطّل {لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره} [النور: 11] يريد إشاعته منهم يريد عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول {له عذابٌ عظيمٌ} [النور: 11] يريد في الدّنيا جلده رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثمانين وفي الآخرة مصيره إلى النّار {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ} [النور: 12] وذلك أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - استشار فيها، فقالوا خيرًا، [وقالوا: يا رسول اللّه، هذا كذبٌ وزورٌ " والمؤمنات يريد زينب زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم] وبريرة مولاة عائشة وأزواج النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقالوا: هذا كذبٌ عظيمٌ. قال اللّه - عزّ وجلّ -: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] لكانوا هم والّذين شهدوا كاذبين {فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون} [النور: 13] يريد الكذب بعينه {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة} [النور: 14] يريد فلولا منّ اللّه عليكم وستركم {لمسّكم فيما أفضتم فيه} [النور: 14] [يريد من الكذب " عذابٌ عظيمٌ " يريد لا انقطاع له " إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ " يعلم اللّه خلافه "، " وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ " يريد أن ترموا سيّدة نساء المؤمنين وزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتبهتونها بما لم يكن فيها، ولم يقع في قلبها قطّ أعرابها، وإنّما خلقتها طيّبةٌ، وعصمتها من كلّ قبيحٍ " ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ "] يريد بالبهتان الافتراء مثل قوله في مريم " بهتانًا عظيمًا ". {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا} [النور: 17] يريد مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحشٍ وحسّان بن ثابتٍ [{إن كنتم مؤمنين} [النور: 18] يريد إن كنتم مصدّقين باللّه ورسوله] ويبيّن اللّه لكم الآيات الّتي أنزلها في عائشة والبراءة لها واللّه عليمٌ بما في قلوبكم من النّدامة فيما خضتم فيه حكيمٌ حكم في القذف ثمانين جلدةً {إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا} [النور: 19] يريد بعد هذا في الّذين آمنوا المحصنين والمحصنات من المصدّقين {لهم عذابٌ أليمٌ} [النور: 19] وجيعٌ {في الدّنيا والآخرة} [النور: 14] يريد في الدّنيا الجلد وفي الآخرة العذاب في النّار {واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور: 19] سواءٌ ما دخلتم فيه وما فيه من شدّة العقاب، وأنتم لا تعلمون شدّة سخط اللّه على من فعل هذا {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته} [النور: 10] يريد لولا ما تفضّل اللّه به عليكم ورحمته يريد مسطحًا وحمنة وحسّان {وأنّ اللّه رءوفٌ رحيمٌ} [النور: 20] يريد من الرّحمة رؤوفٌ بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحقّ {يا أيّها الّذين آمنوا} [النور: 21] يريد صدّقوا بتوحيد اللّه {لا تتّبعوا خطوات الشّيطان} [النور: 21] يريد الزّلّات {فإنّه يأمر بالفحشاء والمنكر} [النور: 21] يريد بالفحشاء عصيان اللّه والمنكر كلّ ما نكره اللّه {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته} [النور: 10] يريد ما تفضّل اللّه به عليكم ورحمكم الآية {ما زكا منكم من أحدٍ أبدًا} [النور: 21] يريد ما قبل توبة أحدٍ منكم أبدًا {ولكنّ اللّه يزكّي من يشاء} [النور: 21] يريد فقد شئت أن أتوب عليكم {واللّه سميعٌ عليمٌ} [النور: 21] يريد سميعٌ لقولكم عليمٌ بما في أنفسكم من النّدامة من التّوبة {ولا يأتل} [النور: 22] يريد ولا يحلف {أولو الفضل منكم والسّعة} [النور: 22] يريد لا يحلف أبو بكرٍ أن لا ينفق على مسطحٍ {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللّه وليعفوا وليصفحوا} [النور: 22] فقد جعلت فيك يا أبا بكرٍ الفضل، وجعلت عندك السّعة والمعرفة باللّه، فتعطّف يا أبا بكرٍ على مسطحٍ فله قرابةٌ وله هجرةٌ ومسكنةٌ ومشاهد رضيتها منه يوم بدرٍ {ألا تحبّون} [النور: 22] يا أبا بكرٍ {أن يغفر اللّه لكم} [النور: 22] يريد فاغفر لمسطحٍ {واللّه غفورٌ رحيمٌ} [النور: 22] يريد فإنّي غفورٌ لمن أخطأ رحيمٌ بأوليائي {إنّ الّذين يرمون المحصنات} [النور: 23] يريد العفائف {الغافلات المؤمنات} [النور: 23] يريد المصدّقات بتوحيد اللّه وبرسله. وقال حسّان بن ثابتٍ في عائشة أمّ المؤمنين: حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: يا حسّان، لكنّك لست كذلك. {لعنوا في الدّنيا والآخرة ولهم عذابٌ عظيمٌ} [النور: 23] يقول: أخرجهم من الإيمان مثل قوله في سورة الأحزاب للمنافقين {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلًا} [الأحزاب: 61]. {والّذي تولّى كبره} [النور: 11] يريد كبر القذف وإشاعته، يريد عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول الملعون {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24] يريد أنّ اللّه ختم على ألسنتهم فتكلّمت الجوارح وشهدت على أهلها، وذلك أنّهم قالوا: تعالوا نحلف باللّه ما كنّا مشركين، فختم اللّه على ألسنتهم فتكلّمت الجوارح بما عملوا، ثمّ شهدت ألسنتهم بعد ذلك، يريد يجازيهم بأعمالهم بالحقّ كما يجازي أولياءه بالثّواب، كذلك يجزي أهله بالعقاب كقوله في الحمد {مالك يوم الدّين} [الفاتحة: 4] يريد يوم الجزاء ويعلمون يريد يوم القيامة أنّ اللّه هو الحقّ المبين وذلك أنّ عبد اللّه بن أبيٍّ كان يمسك في الدّنيا وكان رأس المنافقين وذلك قول اللّه {يومئذٍ يوفّيهم اللّه دينهم الحقّ} [النور: 25] ويعلم ابن سلول [يوم القيامة] {أنّ اللّه هو الحقّ المبين} [النور: 25] يريد انقطع الشّكّ واستيقن حيث لا ينفعه اليقين. {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [النور: 26] يريد أمثال عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول ومن شكّ في اللّه - عزّ وجلّ - ويقذف مثل سيّدة نساء العالمين، ثمّ قال: {والطّيّبات للطّيّبين} [النور: 26] عائشة طيّبها اللّه لرسوله - عليه السّلام - أتى بها جبريل - عليه السّلام – في سرقة حريرٍ قبل أن تصوّر في رحم أمّها، فقال له: عائشة بنت أبي بكرٍ زوجتك في الدّنيا وزوجتك في الجنّة عوضًا من خديجة بنت خويلدٍ وذلك عند موتها. فسرّ بها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقرّ بها عينًا ثمّ قال: {والطّيّبون للطّيّبات} [النور: 26] يريد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - طيّبه اللّه لنفسه وجعله سيّد ولد آدم، والطّيّبات يريد عائشة {أولئك مبرّءون ممّا يقولون} [النور: 26] يريد برّأها اللّه من كذب عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول لهم مغفرةٌ يريد عصمةً في الدّنيا ومغفرةً في الآخرة ورزقٌ كريمٌ يريد رزق الجنّة وثوابٌ عظيمٌ».
رواه الطّبرانيّ منقطعًا بإسنادٍ واحدٍ، فلا فائدة في إعادته في كلّ قطعةٍ، وفي إسناده موسى بن عبد الرّحمن الصّنعانيّ وهو ضعيفٌ. وقد روى قطعًا منه عن مجاهدٍ وعن قتادة وسعيد بن جبيرٍ وهشام بن عروة، وفي أسانيدهم ضعفٌ). [مجمع الزوائد: 7/74-77]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن سعيد بن جبيرٍ قال: {والّذي تولّى كبره} [النور: 11] يعني عظمه منهم يعني القذفة، وهو ابن أبيٍّ رأس المنافقين، وهو الّذي قال: ما برئت منه وما برئ منها له عذابٌ عظيمٌ وفي هذه الآية عبرةٌ، فجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئةٌ فمن أعان عليها بفعلٍ أو كلامٍ أو عرّض بها أو أعجبه ذلك أو رضيه فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منهم، وإذا كانت خطيئةٌ بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومن غاب ورضي فهو مثل شاهدٍ.
رواه الطّبرانيّ، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعفٌ وقد يحسّن حديثه، وبقيّة رجاله رجال الصّحيح.
- وعن هشام بن عروة قال: الّذي تولّى كبره عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول ومسطح بن أثاثة وحسّان وحمنة بنت جحشٍ، وكان كبر ذلك من قبل عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول.
رواه الطّبرانيّ عنه وعن مجاهدٍ وإسنادهما جيّدٌ). [مجمع الزوائد: 7/77]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم.
أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن الحميد ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه فايتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب وانا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل فدنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون إني فيه وكان النساء اذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم انما تأكل المرأة العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فيممت منزلي الذي كنت به فظنت أنهم سيفقدوني فيرجعون الي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطى ء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك، وكان الذي تولى الافك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الافك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي إني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكى انما يدخل علي فيسلم ثم يقولك كيف تيكم ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتاذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت انا وأم مسطح فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت اتسبين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال قلت: وما قال، فاخبرتني بقول أهل الافك فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي قالت: - وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما - قالت: فاذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت لابوي فقلت لامي يا امتاه ما يتحدث الناس قالت يا بنية هوني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا اكثرن عليها فقلت - سبحان الله - ولقد تحدث الناس بهذا فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب واسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، فأما أسامه فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله: أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وان تسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت شيئا يريبك قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق ان رأيت عليها أمرا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في اهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقال سعد بن معاذ الانصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه ان كان من الاوس ضربت عنقه وان كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحميه فقال لسعد: كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت، فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع وأبواي يظنان ان البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا ابكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحي إليه في شأني بشيء فتشهد حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فانه بلغني عنك كذا وكذا، فان كنت بريئه فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لامي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت انكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم - وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم إني بريئة - لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم إني منه بريئة - لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} يوسف الآية 18، ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم إني بريئة وان الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن ان الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فو الله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: ابشري يا عائشة اما الله فقد برأك فقالت أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، وأنزل الله {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر: وكان ينفق على مسطح بن اثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} النور الآية 22 إلى قوله {رحيم} قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع الي مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: يا زينب ماذا علمت أو رأيت فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيرا قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك). [الدر المنثور: 10/647-653]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أشيروا علي في أناس أنبوا أهلي - وأيم الله - ما علمت على أهلي من سوء وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليه من سوء قط ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي فقام سعد بن معاذ فقال: ائذن لي يا رسول الله ان تضرب أعناقهم وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال: كذبت أما والله لو كانوا من الاوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الاوس والخزرج شرقي المسجد وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح فعثرت فقالت: تعس مسطح فقلت: أي أم تسبين ابنك فسكتت ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فقلت لها: أي أم تسبين إبنك ثم عثرت الثالثه فقالت: تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله لم أسبه إلا فيك فقلت: في أي شأني فقرأت لي الحديث، فقلت وقد كان هذا قالت: نعم، والله، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ووعكت فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية فاخبرتها وذكرت لها الحديث واذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن فانه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدتها وقيل: فيها، قلت: وقد علم به أبي فقالت: نعم قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم، فاستعبرت وبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي: ما شأنها قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت، ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لهابه فقالت - سبحان الله - ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الاحمر فبلغ إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال - سبحان الله - والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت: فقتل شهيدا في سبيل الله قال: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا عائشة أن كنت قارفت سوأ أو ظلمت فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده، قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة ان تذكر شيئا فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت: أجبه قال: ماذا أقول فالتفت ألى أمي فقلت: أجيبيه قالت: أقول ماذا فلما يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: أما بعد - فو الله - لئن قلت لكم إني لم أفعل - والله يشهد إني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم وقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وان قلت: إني فعلت - والله يعلم إني لم أفعل - لتقولن قد باءت به على نفسها واني - والله - لا أجد لي ولكم مثلا، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} يوسف الآية 18، وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا فرفع عنه، واني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت: وقد كنت أشد مما كنت غضبا فقال لي أبواي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه وكانت عائشة تقول: أما زينب بنة جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك وكان الذي تكلم فيها مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي كان تولى كبره منهم هو وحمنة قال: فحلف أبو بكر ان لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا فأنزل الله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} النور الآية 22، إلى آخر الآية، يعني أبا بكر، {والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} يعني مسطحا، إلى قوله {ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} قال أبو بكر: بلى والله انا نحب ان يغفر الله لنا وعاد له كما كان يصنع). [الدر المنثور: 10/653-657]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد والبخاري وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه عن أم رومان قال: بينا أنا عند عائشة اذ دخلت عليها امرأة فقالت: فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة: ولم قالت: انه كان فيمن حدث الحديث قالت عائشة: وأي حديث قالت: كذا وكذا قلت: وقد بلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم.
قلت: وأبا بكر قالت: نعم، فخرت عائشة مغشيا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض فقمت فزبرتها وجاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن هذه قلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال: فلعله من حديث تحدث به، قالت واستوت عائشة قاعدة فقالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه {والله المستعان على ما تصفون} وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عذرها فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أبو بكر فدخل فقال: يا عائشة ان الله قد أنزل عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر: أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم، قالت: وكان فيمن حدث الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أبو بكر أن لا يصله فأنزل {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} إلى آخر الآية قال أبو بكر: بلى، فوصله). [الدر المنثور: 10/657-658]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البزار، وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفر أقرع بين نسائه فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها فذهبت في طلبها وكان مسطح يتيما لأبي بكر وفي عياله فلما رجعت عائشة لم تر العسكر وكان صفوان بن المعطل السلمي يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والاداوة فيحمله فنظر فإذا عائشة فغطى وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها فانتهى إلى العسكر فقالوا: قولا: وقالوا فيه قال: ثم ذكر الحديث حتى انتهى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء فيقوم على الباب فيقول: كيف تيكم حتى جاء يوما فقال: ابشري يا عائشة قد أنزل الله عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك وأنزل في ذلك عشر آيات {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} فحد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحا وحمنة وحسان). [الدر المنثور: 10/658-659]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه بسنده عن ابن عباس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر جاء ببعض نسائه، وسافر بعائشة وكان لها هودج وكان الهودج له رجال يحملونه، ويضعونه فعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخرجت عائشة للحاجة فباعدت فلم يعلم بها فاستيقظ النّبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا وجاء الذين يحملون الهودج فحملوه فلم يعلموا إلا أنها فيه فساروا وأقبلت عائشة فوجدت النّبيّ صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا فجلست مكانها فاستيقظ رجل من الأنصار يقال له صفوان بن معطل وكان لا يقرب النساء فتقرب منها ومعه بعير له فلما رآها وكان قد عرفها وهي صغيرة قال: أم المؤمنين ولى وجهه وحملها ثم أخذ بخطام الجمل وأقبل يقوده حتى لحق الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نزل وفقد عائشة فأكثروا القول وبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشق عليه حتى اعتزلها واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال: يا رسول الله دعها لعل الله أن يحدث أمره فيها فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير، وخرجت عائشة ليلة تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح قالت عائشة: بئس ما قلت فقالت: انك لا تدري ما يقول فاخبريها، فسقطت عائشة مغشيا عليها ثم أنزل الله {إن الذين جاؤوا بالإفك} الآيات، وكان أبو بكر يعطي مسطحا ويصله ويبره فحلف أبو بكر لا يعطيه فنزل {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأتيها ويبشرها فجاء أبو بكر فأخبرها بعذرها وما أنزل الله فيها فقالت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك). [الدر المنثور: 10/659-660]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسنده عن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ثلاثا فمن أصابته القرعة خرج بها معه فلما غزا بني المصطلق اقرع بينهن فأصابت عائشة وأم سلمة فخرج بهما معه فلما كانوا في بعض الطريق مال رحل أم سلمة فاناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها وكانت عائشة تريد قضاء حاجة فلما أبركوا ابلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي، قالت: فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي، فأتيت خربة فانقطعت قلادتي فاحتبست في جمعها ونظامها وبعث القوم إبلهم ومضوا وظنوا إني في الهودج فخرجت ولم أر أحد فاتبعهم حتى أعييت، فقلت في نفسي: ان القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي فقمت على بعض الطريق فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ان يجعله على الساقة فجعله، وكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم فما سقط منهم من شيء حمله حتى يأتي به أصحابه قالت عائشة: فلما مر بي ظن إني رجل فقال: يا نومان قم فان الناس قد مضوا فقلت: إني لست رجلا أنا عائشة قال: انا لله وانا إليه راجعون ثم أناخ بعيره فعقل يديه ثم ولى عني فقال يا امه: قومي فاركبي فإذا ركبت فآذنيني قالت: فركبت فجاء حتى حل العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل قال عمر: فما كلمها كلاما حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول للناس: فجربها ورب الكعبة وأعانه على ذلك حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة وشاع ذلك في العسكر فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكان في قلب النّبيّ صلى الله عليه وسلم مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة وأشاع عبد الله بن أبي هذا الحديث في المدينة واشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عائشة: فدخلت ذات يوم أم مسطح فرأتني وأنا أريد المذهب فحملت معي السطل وفيه ماء فوقع السطل منها فقالت: تعس مسطح قالت لها عائشة - سبحان الله - تسبين رجلا من أهل بدر وهو ابنك قالت لها أم مسطح: انه سال بك السيل وأنت لا تدرين واخبرتها بالخبر، قالت: فلما اخبرتني اخذتني الحمى بنافض مما كان ولم أجد المذهب، قالت عائشة: وقد كنت أرى من النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل ذلك جفوة ولم ادر من أي شيء هو فلما حدثتني أم مسطح علمت أن جفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذاك فلما دخل علي قلت: تأذن لي أن أذهب إلى أهلي قال: اذهبي فخرجت عائشة حتى أتت أباها فقال لها: مالك قلت: اخرجني رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته وآويك انا والله لا آويك حتى يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤويها فقال لها أبو بكر: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد اعزنا الله بالاسلام فبكت عائشة وامها أم رومان وأبو بكر وعبد الرحمن وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه فقال: أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني فقام إليه سعد بن معاذ فسل سيفه وقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه ان يكن من الأوس اتيتك برأسه وان يكن من الخزرج امرتنا بأمرك فيه فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت والله ما تقدر على قتله انما طلبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية فقال هذا: يال الاوس وقال هذا: يال الخزرج، فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا فقام أسيد بن حضير فقال: فيم الكلام هذا رسول الله يأمرنا بأمره فنفعله عن رغم أنف من رغم، ونزل جبريل وهو على المنبر فلما سري عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الحجرات الآية 9 إلى آخر الآيات فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله وقام وبعضهم إلى بعض وتلازموا وتصايحوا فنزل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن المنبر، وأبطأ الوحي في عائشة فبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريرة وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد عليا وأسامة بن زيد بعد موت أبيه زيد فقال لعلي: ما تقول في عائشة فقد أهمني ما قال الناس قال: يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها وقال لاسامة: ما تقول أنت قال - سبحان الله - ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، فقال لبريرة: ما تقولين يا بريرة قالت والله يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيرا إلا أنها امرأة نؤم تنام حتى تجيء الداجن فتأكل عجينها وان كان شيء من هذا ليخبرنك الله، فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل أبي بكر فدخل عليها فقال: يا عائشة ان كنت فعلت هذا الامر فقولي لي حتى أستغفر الله لك فقالت: والله لا أستغفر الله منه أبدا، ان كنت قد فعلته فلا غفر الله لي وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف اذهب اسم يعقوب من الأسف قال {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} يوسف الآية 86، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمها اذ نزل جبريل بالوحي فأخذت النّبيّ صلى الله عليه وسلم نعسة فسري وهو يتبسم فقال: يا عائشة ان الله قد أنزل عذرك فقالت: بحمد الله بحمدك، فتلا عليها سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه عذرها وبراءتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ك قومي إلى البيت فقامت، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبي فجيء به فضربه النّبيّ صلى الله عليه وسلم حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضربا وجيعا ووجئ في رقابهم قال ابن عمر: انما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدين لأنه من قذف أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعليه حدان، فبعث أبو بكر إلى مسطح لا وصلتك بدرهم أبدا ولا عطف عليك بخير أبدا ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله، ونزل القرآن {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} إلى آخر الآية، فقال أبو بكر: أما اذ نزل القرآن يأمرني فيك لاضاعفن لك، وكانت امرأة عبد الله بن أبي منافقة معه فنزل القرآن {الخبيثات} يعني امرأة عبد الله {للخبيثين} يعني عبد الله {والخبيثون للخبيثات} عبد الله وامرأته {والطيبات} يعني عائشة وأزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم {للطيبين} يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم). [الدر المنثور: 10/660-665]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن أبي اليسر الانصاري أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت: بحمد الله لا بحمدك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند عائشة فبعث إلى عبد الله بن أبي فضربه حدين وبعث إلى مسطح وحمنة فضربهم). [الدر المنثور: 10/665]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني عن ابن عباس {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} يريد ان الذين جاؤا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} يريد خيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءة لسيدة نساء المؤمنين وخير لأبي بكر وأم عائشة وصفوان بن المعطل {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم} يريد اشاعته منهم يريد عبد الله بن أبي بن سلول {له عذاب عظيم} يريد في الدنيا جلده رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة مصيره إلى النار {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار فيها بريرة وأزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: خيرا وقالوا: هذا كذب عظيم {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء} لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} يريد الكذب بعينه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يريد ولولا ما من الله به عليكم وستركم {هذا بهتان عظيم} يريد البهتان الافتراء مثل قوله في مريم بهتانا عظيما {يعظكم الله أن تعودوا لمثله} يريد مسطحا وحمنة وحسان {ويبين الله لكم الآيات} التي أنزلها في عائشة والبراءة لها {والله عليم} بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم به {حكيم} في القذف ثمانين جلدة {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} يريد بعد هذا {في الذين آمنوا} يريد المحصنين والمحصنات من المصدقين {لهم عذاب أليم} وجيع في الدنيا يريد الحد وفي الآخرة العذاب في النار {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ما دخلتم فيه وما فيه من شدة العذاب وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا، {ولولا فضل الله عليكم} يريد لولا ما تفضل الله به عليكم {ورحمته} يريد مسطحا وحمنة وحسان {وأن الله رؤوف رحيم} يريد من الرحمة رؤوف بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحق {يا أيها الذين آمنوا} يريد صدقوا بتوحيد الله {لا تتبعوا خطوات الشيطان} يريد الزلات {فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} يريد بالفحشاء عصيان الله والمنكر كل ما يكره الله تعالى {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يريد ما تفضل الله به عليكم ورحمكم {ما زكا منكم من أحد أبدا} يريد ما قبل توبة أحد منكم أبدا {ولكن الله يزكي من يشاء} فقد شئت أن يتوب عليكم {والله سميع عليم} يريد سميع لقولكم عليم بما في أنفسكم من الندامة، {ولا يأتل} يريد ولا يحلف {أولوا الفضل منكم والسعة} يريد ولا يحلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله فسخطت يا أبا بكر على مسطح فله قرابة وله هجرة ومسكنة ومشاهد رضيتها منه يوم بدر {ألا تحبون} يا أبا بكر {أن يغفر الله لكم} يريد فاغفر لمسطح {والله غفور رحيم} يريد فاني غفور لمن أخطأ رحيم باوليائي، {إن الذين يرمون المحصنات} يريد العفائف {الغافلات المؤمنات} يريد المصدقات بتوحيد الله وبرسله وقد قال حسان بن ثابت في عائشة: حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: لكنك لست كذلك {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} يقول أخرجهم من الإيمان مثل قوله في سورة الأحزاب للمنافقين {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} الأحزاب الآية 61.
{والذي تولى كبره} يريد كبر القذف واشاعته عبد الله بن أبي الملعون {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} يريد أن الله ختم على ألسنتهم فشهدت الجوارح وتكلمت على أهلها بذلك وذلك أنهم قالوا تعالوا نحلف بالله ما كنا مشركين فختم الله على ألسنتهم فتكلمت الجوارح بما عملوا ثم شهدت ألسنتهم عليهم بعد ذلك، {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} يريد يجازيهم بأعمالهم بالحق كما يجازي أولياءه بالثواب كذلك يجازي أعداءه بالعقاب كقوله في الحمد {مالك يوم الدين} يريد يوم الجزاء {ويعلمون} يريد يوم القيامة {أن الله هو الحق المبين} وذلك ان عبد الله بن أبي كان يشك في الدنيا وكان رأس المنافقين فذلك قوله {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} ويعلم ابن سلول {أن الله هو الحق المبين} يريد انقطع الشك واستيقن حيث لا ينفعه اليقين، {الخبيثات للخبيثين} يريد أمثال عبد الله بن أبي ومن شك في الله ويقذف مثل سيدة نساء العالمين {والطيبات للطيبين} عائشة طيبها الله لرسوله، أتى بها جبريل في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له: عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا وزوجتك في الجنة عوضا من خديجة وذلك عند موتها بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقر بها عيناه، {والطيبون للطيبات} يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبه الله لنفسه وجعله سيد ولد آدم {والطيبات} يريد عائشة {أولئك مبرؤون مما يقولون} يريد برأها الله من كذب عبد الله بن أبي {لهم مغفرة} يريد عصمة في الدنيا {ومغفرة} في الآخرة {ورزق كريم} يريد الجنة وثواب عظيم). [الدر المنثور: 10/665-670]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير {إن الذين جاؤوا بالإفك} الكذب {عصبة منكم} يعني عبد الله بن أبي المنافق وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش {لا تحسبوه شرا لكم} يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الذي قيل لكم من الكذب {شرا لكم بل هو خير لكم} لانكم تؤجرون على ذلك {لكل امرئ منهم} يعني ممن خاض في أمر عائشة {ما اكتسب من الإثم} على قدر ما خاض فيه من أمرها {والذي تولى كبره} يعني حظه منهم يعني القدفة وهو ابن أبي رأس المنافقين وهو الذي قال: ما برئت منه وما برى ء منها {له عذاب عظيم} وفي هذه الآية عبرة عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة فمن أعان عليها بفعل أو كلام أو عرض لها أو أعجبه ذلك أو رضي فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه واذا كان خطيئة بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب ومن غاب ورضي فهو مثل شاهد، {لولا إذ سمعتموه} قذف عائشة وصفوان {ظن المؤمنون والمؤمنات} لأن منهم حمنة بنت جحش هلا كذبتم به {بأنفسهم خيرا} هلا ظن بعضهم ببعض خيرا أنهم لم يزنوا {وقالوا هذا إفك مبين} إلا قالوا هذا القذف كذب بين {لولا جاؤوا عليه} يعني على القذف {بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك} يعني الذي قذفوا عائشة {عند الله هم الكاذبون} في قولهم {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة} من تأخير العقوبة {لمسكم فيما أفضتم فيه} يعني فيما قلتم من القذف {عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم} وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم: سمعت فلانا يقول كذا وكذا وقال بعضهم: بل كان كذا وكذا فقال {تلقونه بألسنتكم} يقول: يرويه بعضكم عن بعض {وتقولون بأفواهكم} يعني بالسنتكم من قذفها {ما ليس لكم به علم} يعني من غير أن تعلموا ان الذي قلتم من القذف حق {وتحسبونه هينا} تحسبون ان القذف ذنب هين {وهو عند الله عظيم} يعني من الزور {لولا إذ سمعتموه} يعني القذف {قلتم ما يكون} يعني ألا قلتم ما يكون {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} ولم تره أعيننا {سبحانك هذا بهتان عظيم} يعني ألا قلتم هذا كذب عظيم مثل ما قال سعد بن معاذ الانصاري: وذلك ان سعدا لما سمع قول من قال في أمر عائشة قال {سبحانك هذا بهتان عظيم} يعني ألا قلتم هذا كذب عظيم مثل ما قال سعد بن معاذ الانصاري: وذلك ان سعدا لما سمع قول من قال في أمر عائشة قال {سبحانك هذا بهتان عظيم} والبهتان الذي يبهت فيقول ما لم يكن، {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} يعني القذف {إن كنتم مؤمنين} يعني مصدقين {ويبين الله لكم الآيات} يعني ما ذكر من المواعظ {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} تفشوا ويظهر الزنا {لهم عذاب أليم في الدنيا} بالحد {في الآخرة عذاب النار}، {ولولا فضل الله} لعاقبكم بما قلتم لعائشة {وأن الله رؤوف رحيم} حين عفا عنكم فلم يعاقبكم {ومن يتبع خطوات الشيطان} يعني تزيينه {فإنه يأمر بالفحشاء} يعني بالمعاصي {والمنكر} ما لا يعرف مثل ما قيل لعائشة {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني نعمته {ما زكا} ما صلح {ولكن الله يزكي} يصلح {من يشاء}، فلما أنزل الله عذر عائشة وبرأها وكذب الذين قذفوها حلف أبو بكر ان لا يصل مسطح بن اثاثة بشيء أبدا لأنه كان فيمن ادعى على عائشة من القذف وكان مسطح من المهاجرين الاولين وكان ابن خالة أبي بكر وكان يتيما في حجره فقيرا فلما حلف أبو بكر ان لا يصله نزلت في أبي بكر {ولا يأتل} أي ولا يحلف {أولوا الفضل منكم} يعني في الغنى أبا بكر الصديق {والسعة} يعني في الرزق {أن يؤتوا أولي القربى} يعني مسطح ابن اثاثة قرابة أبي بكر، وابن خالته {والمساكين} يعني ان مسطحا كان فقيرا {والمهاجرين في سبيل الله} يعني ان مسطحا كان من المهاجرين {وليعفوا وليصفحوا} يعني ليتجاوزوا عن مسطح {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أما تحب أن يغفر الله لك قال: بلى يا رسول الله قال: فاعف واصفح فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفا بعد اليوم، {إن الذين يرمون المحصنات} يعني يقذفون بالزنا الحافظات لفروجهن العفائف {الغافلات} يعني عن الفواحش يعني عائشة {المؤمنات} يعني الصادقات {لعنوا} يعني جلدوا {في الدنيا والآخرة} يعذبون بالنار يعني عبد الله بن أبي لانه منافق له عذاب عظيم، {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} يعني من قذف عائشة يوم القيامة {يومئذ} يعني في الآخرة {يوفيهم الله دينهم الحق} حسابهم العدل لا يظلمهم {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} يعني العدل المبين {الخبيثات} يعني السيء من الكلام قذف عائشة {للخبيثين} من الرجال والنساء يعني الذين قذفوها {والخبيثون} يعني من الرجال والنساء {للخبيثات} يعني السيء من الكلام لأنه يليق بهم الكلام السيء {والطيبات} يعني الحسن من الكلام {للطيبين} من الرجال والنساء يعني الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرا {والطيبون} من الرجال والنساء {للطيبات} للحسن من الكلام لأنه يليق بهم الكلام الحسن {أولئك} يعني الطيبين من الرجال والنساء {مبرؤون مما يقولون} هم برآء من الكلام السيء {لهم مغفرة} يعني لذنوبهم {ورزق كريم} يعني حسنا في الجنة فلما أنزل الله عذر عائشة ضمها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه وهي من أزواجه في الجنة). [الدر المنثور: 10/670-674]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزل الله عذري وكادت الامة تهلك في سببي فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج الملك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيك اذهب إلى ابنتك فاخبرها ان الله قد أنزل عذرها من السماء قالت: فاتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر فقال: ابشري يا بنية بأبي وأمي فان الله قد أنزل عذرك قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك الذي أرسلك ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول ذراعي فقلت بيده هكذا فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها فمنعته أمي فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقسمت لا تفعل). [الدر المنثور: 10/674-675]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما كنت أرجو أن ينزل في كتاب الله ولا أطمع فيه ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فيذهب ما في نفسه وقد سأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب ولكنها ترقد حتى تدخل تدخل الشاة فتأكل عجينها والله لئن كان ما يقول الناس حقا ليخبرنك الله، فعجب الناس من فقهها). [الدر المنثور: 10/675]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني عن الحكم ابن عتيبة قال: لما خاض الناس في أمر عائشة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فقال: يا عائشة ما يقول الناس فقالت: لا أعتذر من شيء قالوه حتى ينزل عذري من السماء، فأنزل الله فيها خمس عشرة آية من سورة النور ثم قرأ حتى بلغ {الخبيثات للخبيثين} ). [الدر المنثور: 10/675]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: نزلت ثمان عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وببراءتها). [الدر المنثور: 10/676]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البزار والطبراني، وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة قالت: لما رميت بما رميت به هممت ان آتي قلبيا فاطرح نفسي فيه). [الدر المنثور: 10/676]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البزار بسند صحيح عن عائشة: انه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها فقالت: إلا عذرتني فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ان قلت ما لا أعلم). [الدر المنثور: 10/676]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد عن عائشة قالت: لما نزلت عذري من السماء جاءني النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاخبرني بذلك فقلت: بحمد الله لا بحمدك). [الدر المنثور: 10/676]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق وأحمد، وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل، أمر برجلين وامرأة فضربوا حدين). [الدر المنثور: 10/676-677]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن محمد ابن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي وقالت عائشة: وأنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتيها قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل قالت: قلت كلمة المؤمنين). [الدر المنثور: 10/677]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري، وابن مردويه عن ابن عباس: أنه دخل على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة فقال: كيف تجدينك قالت: بخير ان اتقيت قال: فأنت بخير، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكرا غيرك ونزل عذرك من السماء). [الدر المنثور: 10/677]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: خلال في تسع لم تكن لاحد إلا ما آتى الله مريم جاء الملك بصورتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني وأنا ابنة سبع سنين وأهديت إليه وأنا ابنة تسع وتزوجني بكرا وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آيات من القرآن كادت الامة تهلك فيها ورأيت جبريل ولم يره احد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك إلا أنا). [الدر المنثور: 10/677-678]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: فضلت على نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعشر، قيل ما هن يا أم المؤمنين قالت: لم ينكح بكرا قط غيري ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري وأنزل الله براءتي من السماء وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال تزوجها فانها امرأتك وكنت أغتسل أنا وهو من اناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري ومات في الليلة التي كان يدور علي فيها ودفن في بيتي). [الدر المنثور: 10/678]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن الحميد، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني عن مجاهد في قوله {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم} قال: أصحاب عائشة عبد الله بن أبي ابن سلول ومسطح وحسان). [الدر المنثور: 10/678-679]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: الذين افتروا على عائشة حسان ومسطح وحمنة بنت جحش وعبد الله بن أبي). [الدر المنثور: 10/679]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عروة: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن الذين جاؤا بالافك فكتب إليه أنه لم يسم منهم إلا حسان ومسطح وحمنة بنت جحش في آخرين لا علم لي بهم). [الدر المنثور: 10/679]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري، وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي قال: فقال لي فما كان جرمه قلت: حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئا في أمري، وقال يعقوب بن شبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا الشافعي ثنا عمى قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو قال: عبد الله بن أبي قال: كذبت هو علي، قال أمير المؤمنين أعلم بما يقول فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره فقال له: ابن أبي قال: كذبت، هو علي قال: أنا أكذب - لا أبا لك - لو نادى مناد من السماء ان الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة: ان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي). [الدر المنثور: 10/679-680]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فشبب وقال:
حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
قالت: لكنك لست كذلك قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} فقالت: وأي عذاب أشد من العمى ولفظ ابن مردويه أو ليس في عذاب قد كف بصره). [الدر المنثور: 10/680-681]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم:
هجوت محمدا وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء
فان أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا قالت: لا انما اللغو ما قيل عند النساء قيل: أليس الله يقول {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} قالت: أليس قد أصابه عذاب أليم أليس قد أصيب بصره وكسع بالسيف وتعني الضربة التي ضربها اياه صفوان بن المعطل حين بلغه عنه أنه تكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد يقتله). [الدر المنثور: 10/681-682]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج محمد بن سعد عن محمد بن سيرين، أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت وتدعو له بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حسان فانه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه وقال الله {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} وقد عمي والله قادر أن يجعل ذلك العذاب العظيم عماه). [الدر المنثور: 10/682]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك {والذي تولى كبره منهم} يقول: الذي بدأ بذلك). [الدر المنثور: 10/682]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد {والذي تولى كبره} قال: عبد الله بن أبي ابن سلول يذيعه). [الدر المنثور: 10/682]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن الحميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن الذي تولى كبره رجلان من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أحدهما من قريش والآخر من الأنصار، عبد الله بن أبي بن سلول ولم يكن شر قط إلا وله قادة ورؤساء في شرهم). [الدر المنثور: 10/682-683]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين، أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابتن وتلقي له الوسادة وتقول، لا تقولوا لحسان إلا خيرا فانه كان يرد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد قال الله {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} وقد عمي والعمى عذاب عظيم والله قادر على أن يجعله ذلك ويغفر لحسان ويدخله الجنة). [الدر المنثور: 10/683]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه عن مسروق قال في قراءة عبد الله (والذي تولى كبره منهم له عذاب أليم) ). [الدر المنثور: 10/683]

تفسير قوله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات، بأنفسهم خيرًا} [النور: 12] إلى قوله: {الكاذبون} [النور: 13]
- حدّثنا يحيى بن بكيرٍ، حدّثنا اللّيث، عن يونس، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقّاصٍ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ، عن حديث عائشة رضي اللّه عنها، زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللّه ممّا قالوا، وكلٌّ حدّثني طائفةً من الحديث وبعض حديثهم يصدّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ الّذي حدّثني عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها: أنّ عائشة رضي اللّه عنها، زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: كان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعدما نزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتّى إذا فرغ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت ركبت، وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافًا، لم يثقلهنّ اللّحم، إنّما تأكل العلقة من الطّعام، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش فجئت منازلهم وليس بها داعٍ، ولا مجيبٌ فأممت منزلي الّذي كنت به، وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمّرت وجهي بجلبابي، وواللّه ما كلّمني كلمةً ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، حتّى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الرّاحلة، حتّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة، فهلك من هلك، وكان الّذي تولّى الإفك عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيءٍ من ذلك وهو يريبني في وجعي، أنّي لا أعرف من رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل عليّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فيسلّم ثمّ يقول: «كيف تيكم؟» ثمّ ينصرف، فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ حتّى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أمّ مسطحٍ قبل المناصع وهو متبرّزنا، وكنّا لا نخرج إلّا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّبرّز قبل الغائط، فكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمّ مسطحٍ وهي ابنة أبي رهم بن عبد منافٍ، وأمّها بنت صخر بن عامرٍ خالة أبي بكرٍ الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة، فأقبلت أنا وأمّ مسطحٍ قبل بيتي، وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطحٍ في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، ودخل عليّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم تعني سلّم، ثمّ قال: «كيف تيكم» فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس؟ قالت: يا بنيّة هوّني عليك، فواللّه لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةٌ عند رجلٍ يحبّها، ولها ضرائر إلّا كثّرن عليها، قالت: فقلت سبحان اللّه، أولقد تحدّث النّاس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، حتّى أصبحت أبكي، فدعا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ رضي اللّه عنهما حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله، قالت: فأمّا أسامة بن زيدٍ فأشار على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بالّذي يعلم من براءة أهله، وبالّذي يعلم لهم في نفسه من الودّ، فقال: يا رسول اللّه، أهلك ولا نعلم إلّا خيرًا، وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول اللّه لم يضيّق اللّه عليك، والنّساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بريرة، فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيءٍ يريبك؟» قالت بريرة: لا والّذي بعثك بالحقّ، إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها، أكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله، فقام رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فاستعذر يومئذٍ من عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، قالت: فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فواللّه ما علمت على أهلي إلّا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلّا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ، فقال: يا رسول اللّه أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعدٍ: كذبت لعمر اللّه لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضيرٍ وهو ابن عمّ سعد بن معاذٍ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا، وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنومٍ، ولا يرقأ لي دمعٌ، يظنّان أنّ البكاء فالقٌ كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد «لبث» شهرًا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم حين جلس، ثمّ قال: «أمّا بعد يا عائشة، فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرّئك اللّه، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري اللّه وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه» قالت: فلمّا قضى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أجب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم فيما قال، قال: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقلت لأمّي: أجيبي رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، قالت: فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إنّي واللّه لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث، حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به فلئن، قلت لكم: إنّي بريئةٌ، واللّه يعلم أنّي بريئةٌ لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ واللّه يعلم أنّي منه بريئةٌ لتصدّقنّي، واللّه ما أجد لكم مثلًا إلّا قول أبي يوسف، قال: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] ، قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذٍ أعلم أنّي بريئةٌ، وأنّ اللّه مبرّئي ببراءتي، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أنّ اللّه منزلٌ في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمرٍ يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم في النّوم رؤيا يبرّئني اللّه بها، قالت: فواللّه ما رام رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتّى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يومٍ شاتٍ، من ثقل القول الّذي ينزل عليه، قالت: فلمّا سرّي عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم سرّي عنه وهو يضحك، فكانت أوّل كلمةٍ تكلّم بها: «يا عائشة، أمّا اللّه عزّ وجلّ فقد برّأك» فقالت أمّي: قومي إليه، قالت: فقلت: لا واللّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلّا اللّه عزّ وجلّ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه) العشر الآيات كلّها، فلمّا أنزل اللّه هذا في براءتي، قال أبو بكرٍ الصّدّيق رضي اللّه عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: واللّه لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد الّذي قال لعائشة ما قال، فأنزل اللّه: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللّه، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ} قال أبو بكرٍ: بلى واللّه إنّي أحبّ أن يغفر اللّه لي، فرجع إلى مسطحٍ النّفقة الّتي كان ينفق عليه، وقال: واللّه لا أنزعها منه أبدًا، قالت عائشة: وكان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يسأل زينب ابنة جحشٍ عن أمري، فقال: «يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟» فقالت: يا رسول اللّه أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلّا خيرًا، قالت: وهي الّتي كانت تساميني من أزواج رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فعصمها اللّه بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك). [صحيح البخاري: 6/101-105]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا إلى قوله الكاذبون)
كذا لأبي ذرٍّ وقد وقع عند غيره سياق آيتين غير متواليتين الأولى قوله ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا إلى قوله عظيم والأخرى قوله لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء إلى قوله الكاذبون واقتصر النّسفيّ على الآية الأخيرة ثمّ ساق المصنّف حديث الإفك بطوله من طريق اللّيث عن يونس بن يزيد عن الزّهريّ عن مشايخه الأربعة وقد ساقه بطوله أيضًا في الشّهادات من طريق فليح بن سليمان وفي المغازي من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزّهريّ وأورده في مواضع أخرى باختصارٍ فأوّل ما أخرجه في الجهاد ثمّ في الشّهادات ثمّ في التّفسير ثمّ في الإيمان والنّذر ثمّ في التّوحيد من طريق عبد اللّه النّميريّ عن يونس باختصارٍ في هذه المواضع وأخرجه في التّوحيد وعلّقه في الشّهادات باختصارٍ أيضًا من رواية اللّيث أيضًا وأخرجه في التّفسير والأيمان والنّذور والاعتصام من طريق صالح بن كيسان باختصارٍ في هذه المواضع أيضًا وأخرج طرفا منه معلّقا في المغازي من طريق النّعمان بن راشدٍ عن الزّهريّ ومن طريق معمرٍ عن الزّهريّ طرفًا آخر وأخرجه مسلمٌ من رواية عبد اللّه بن المبارك عن يونس ومن رواية عبد الرّزّاق عن معمرٍ كلاهما عن الزّهريّ ساقه على لفظ معمرٍ ثمّ ساقه من طريق فليحٍ وصالحٍ بإسنادهما قال مثله غير أنّه بيّن الاختلاف في احتملته الحميّة أو اجتهلته وفي موغرين كما سيأتي وذكر في رواية صالحٍ زيادةً كما سأنبّه عليها وأخرجه النّسائيّ في عشرة النّساء من طريق صالحٍ وأخرجه في التّفسير من طريق محمّد بن ثورٍ عن معمرٍ لكنّه اقتصر على نحو نصف أوّله ثمّ قال وساق الحديث وأخرج من طريق بن وهبٍ عن يونس وذكر آخر كلاهما عن الزّهريّ بسنده ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا وأسامة يستشيرهما إلى قوله فتأتي الدّاجن فتأكله أخرجه في القضاء وأخرج أبو داود من طريق بن وهبٍ عن يونس طرفًا منه في السّنّة وهو قول عائشة ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم اللّه فيّ بوحيٍ يتلى وذكره التّرمذيّ عن يونس ومعمرٍ وغيرهما عن الزّهريّ معلّقًا عقب رواية هشام بن عروة عن أبيه فهذه جميع طرقه في هذه الكتب وقد جاء عن الزّهريّ من غير رواية هؤلاء فأخرجه أبو عوانة في صحيحه والطّبرانيّ من رواية يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ وعبيد اللّه بن عمر العمريّ وإسحاق بن راشدٍ وعطاءٍ الخرساني وعقيل وبن جريجٍ وأخرجه أبو عوانة أيضًا من رواية محمّد بن إسحاق وبكر بن وائلٍ ومعاوية بن يحيى وحميدٍ الأعرج وعند أبي داود طرفٌ من رواية حميدٍ هذا والطّبرانيّ أيضًا من رواية زياد بن سعد وبن أبي عتيقٍ وصالح بن أبي الأخضر وأفلح بن عبد اللّه بن المغيرة وإسماعيل بن رافع ويعقوب بن عطاء وأخرجه بن مردويه من رواية بن عيينة وعبد الرّحمن بن إسحاق كلّهم وعدّتهم ثمانية عشر نفسًا عن الزّهريّ منهم من طوّله ومنهم من اختصره وأكثرهم يقدّم عروة على سعيدٍ وبعد سعيدٍ علقمة ويختم بعبيد الله وقدم معمر ويونس من رواية بن وهب عنه وعقيل وبن إسحاق في رواية معاوية وزيادٌ وأفلح وإسماعيل ويعقوب سعيد بن المسيب على عروة وقدم بن وهب علقمة على عبيد الله وقدم بن إسحاق في رواية علقمة وثنّى بسعيدٍ وثلّث بعروة وآخر عبيد الله وقدم عطاء الخرساني عبيد اللّه على عروة في روايةٍ وحذف من أخرى سعيدًا وكذا قدّم صالح بن أبي الأخضر عبيد اللّه لكن ثنّى بأبي سلمة بن عبد الرّحمن بدل سعيدٍ وثلّث بعلقمة وختم بعروة واقتصر بكرٌ على سعيدٍ قوله وكلٌّ حدّثني طائفةً من الحديث أي بعضه هو مقول الزّهريّ كما في رواية فليح قال الزّهريّ الخ وفي رواية بن إسحاق قال الزّهريّ كلٌّ حدّثني بعض هذا الحديث وقد جمعت لك كلّ الّذي حدّثوني ولما ضم بن إسحاق إلى رواية الزّهريّ عن الأربعة روايته هو عن عبد اللّه بن أبي بكرٍ عن عمرة وعن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه كلاهما عن عائشة قال دخل حديث هؤلاء جميعًا يحدّث بعضهم ما لم يحدّث صاحبه وكلٌّ كان ثقةً فكلٌّ حدّث عنها ما سمع قال فذكره قال عياضٌ انتقدوا على الزّهريّ ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفّقًا عن هؤلاء الأربعة وقالوا كان ينبغي له أن يفرد حديث كلّ واحدٍ منهم عن الآخر انتهى وقد تتبّعت طرقه فوجدته من رواية عروة على انفرداه ومن رواية علقمة بن وقاص على انفرداه وفي سياق كلٍّ منهما مخالفاتٌ ونقصٌ وبعض زيادةٍ لما في سياق الزّهريّ عن الأربعة فأمّا رواية عروة فأخرجها المصنّف في الشّهادات من رواية فليح بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عقب رواية فليحٍ عن الزّهريّ قال مثله ولم يسق لفظه وبينهما تفاوتٌ كبيرٌ فكأنّ فليحًا تجوّز في قوله مثله وقد علّقها المصنّف كما سيأتي قريبًا لأبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه بتمامه ووصلها مسلمٌ لأبي أسامة إلّا أنّه لم يسقه بتمامه ووصله أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة بتمامه وكذا أخرجه التّرمذيّ والطّبريّ والإسماعيليّ من رواية أبي أسامة وأخرجه أبو عوانة والطّبرانيّ من رواية حمّاد بن سلمة وأبي أويس وأبي عوانة وبن مردويه من رواية يونس بن بكيرٍ والدّارقطنيّ في الغرائب من رواية مالكٍ وأبو عوانة من رواية عليّ بن مسهرٍ وسعيد بن أبي هلالٍ ووصلها المصنّف باختصارٍ في الاعتصام من رواية يحيى بن أبي زكريّا كلّهم عن هشام بن عروة مطوّلًا ومختصرًا وأمّا رواية علقمة بن وقّاصٍ فوصلها الطّبريّ والطّبرانيّ من طريق يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطبٍ عنه وأمّا رواية سعيد بن المسيّب وعبيد اللّه فلم أجدهما إلّا من رواية الزّهريّ عنهما وقد رواه عن عائشة غير هؤلاء الأربعة فأخرجه المصنّف في الشّهادات من رواية عمرة بنت عبد الرّحمن عن عائشة ولم يسق لفظها وقد ساقه أبو عوانة في صحيحه والطّبرانيّ من طريق أبي أويسٍ وأبو عوانة والطّبريّ أيضًا من طريق محمّد بن إسحاق كلاهما عن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزمٍ عنها وأخرجه أبو عوانة أيضًا من رواية أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة والمصنّف من رواية القاسم بن محمّد بن أبي بكرٍ عن عائشة إلّا أنّه لم يسق لفظه أخرجه في الشّهادات وكذا رواية عمرة عقب رواية فليحٍ عن الزّهريّ وأخرجه أبو عوانة والطّبرانيّ من طريق الأسود بن يزيد وعبّاد بن عبد الله بن الزبير ومقسم مولى بن عبّاسٍ ثلاثتهم عن عائشة وقد روى هذا الحديث من الصّحابة غير عائشة جماعةٌ منهم عبد اللّه بن الزّبير وحديثه أيضًا عقب رواية فليحٍ عند المصنّف في الشّهادات ولم يسق لفظه وأمّ رومان قد تقدّم حديثها في قصّة يوسف وفي المغازي ويأتي باختصارٍ قريبا وبن عبّاس وبن عمر وحديثهما عند الطّبرانيّ وبن مردويه وأبو هريرة وحديثه عند البزّار وأبو اليسر وحديثه باختصار عند بن مردويه فجميع من رواه من الصّحابة غير عائشة ستّةٌ ومن التّابعين عن عائشة عشرةٌ وأورده بن أبي حاتمٍ من طريق سعيد بن جبيرٍ مرسلًا بإسنادٍ واهٍ وأورده الحاكم في الإكليل من رواية مقاتل بن حيّان وهو بالمهملة والتّحتانيّة مرسلًا أيضًا وسأذكر في أثناء شرح هذا الحديث ما في رواية هؤلاء من فائدةٍ زائدةٍ إن شاء اللّه تعالى قوله وبعض حديثهم يصدّق بعضًا كأنّه مقلوبٌ والمقام يقتضي أن يقول وحديث بعضهم يصدّق بعضًا ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد أنّ بعض حديث كلٍّ منهم يدلّ على صدق الرّاوي في بقيّة حديثه لحسن سياقه وجودة حفظه قوله وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ هو إشارةٌ إلى أنّ بعض هؤلاء الأربعة أميز في سياق الحديث من بعضٍ من جهة حفظ أكثره لا أنّ بعضهم أضبط من بعضٍ مطلقًا ولهذا قال أوعى له أي للحديث المذكور خاصّةً زاد في رواية فليحٍ وأثبت اقتصاصًا أي سياقًا وقد وعيت عن كلّ واحدٍ منهم الحديث الّذي حدّثني عن عائشة أي القدر الّذي حدّثني به ليطابق قوله وكلٌّ حدّثني طائفةً من الحديث وحاصله أنّ جميع الحديث عن مجموعهم لا أنّ مجموعه عن كلّ واحدٍ منهم ووقع في رواية أفلح وبعض القوم أحسن سياقًا وأمّا قوله في رواية الباب الّذي حدّثني عروة عن عائشة فهكذا في رواية اللّيث عن يونس وأما رواية بن المبارك وبن وهبٍ وعبد اللّه النّميريّ فلم يقل واحدٌ منهم عن يونس الّذي حدّثني عروة وإنّما قالوا عن عائشة فاقتضت رواية اللّيث أنّ سياق الحديث عن عروة ويحتمل أن يكون المراد أوّل شيءٍ منه ويؤيّده أنّه تقدّم في الهبة وفي الشّهادات من طريق يونس عن الزّهريّ عن عروة وحده عن عائشة أوّل هذا الحديث وهو القرعة عند إرادة السّفر وكذلك أفردها أبو داود والنّسائيّ من طريق يونس وكذا يحيى بن يمانٍ عن معمر عن الزّهريّ عن عروة عند بن ماجه والاحتمال الأوّل أولى لما ثبت أنّ الرّواة اختلفوا في تقديم بعض شيوخ الزّهريّ على بعضٍ فلو كان الاحتمال الثّاني متعيّنًا لامتنع تقديم غير عروة على عروة ولأشعر أيضًا أنّ الباقين لم يرووا عن عائشة قصّة القرعة وليس كذلك فقد أخرج النّسائيّ قصّة القرعة خاصّةً من طريق محمّد بن عليّ بن شافعٍ عن الزّهريّ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وحده عن عائشة وستأتي القصّة من رواية هشام بن عروة وحده وفي سياقه مخالفةٌ كثيرةٌ للسّياق الّذي هنا للزّهريّ عن عروة وهو ممّا يتأيّد به الاحتمال الأوّل واللّه أعلم قوله عروة عن عائشة رضي اللّه عنها زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قالت ليس المراد أنّ عائشة تروي عن نفسها بل معنى قوله عن عائشة أي عن حديث عائشة في قصّة الإفك ثمّ شرع يحدّث عن عائشة فقال إنّ عائشة قالت ووقع في رواية فليحٍ زعموا أنّ عائشة قالت والزّعم قد يقع موضع القول وأن لم يكن فيه تردّدٌ لكن لعلّ السّرّ فيه أنّ جميع مشايخ الزّهريّ لم يصرّحوا له بذلك كذا أشار إليه الكرمانيّ
- قوله كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج زاد معمرٌ سفرًا أي إلى سفرٍ فهو منصوبٌ بنزع الخافض أو ضمّن يخرج معنى ينشئ فيكون سفرًا نصبًا على المفعوليّة وفي رواية فليحٍ وصالح بن كيسان كان إذا أراد سفرًا قوله أقرع بين أزواجه فيه مشروعيّة القرعة والرّدّ على من منع منها وقد تقدّم التّعريف بها وحكمها في أواخر كتاب الشّهادات في باب القرعة في المشكلات قوله فأيّتهنّ وقع في رواية الأصيليّ من طريق فليحٍ فأيّهنّ بغير مثنّاةٍ والأولى أولى قوله في غزوةٍ غزاها هي غزوة بني المصطلق وصرّح بذلك محمّد بن إسحاق في روايته وكذا أفلح بن عبد اللّه عند الطّبرانيّ وعنده في رواية أبي أويسٍ فخرج سهم عائشة في غزوة بني المصطلق من خزاعة وعند البزّار من حديث أبي هريرة فأصابت عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق وفي رواية بكر بن وائلٍ عند أبي عوانة ما يشعر بأنّ تسمية الغزوة في حديث عائشة مدرجٌ في الخبر قوله فخرج سهمي هذا يشعر بأنّها كانت في تلك الغزوة وحدها لكن عند الواقديّ من طريق عبّاد بن عبد اللّه عنها أنّها خرجت معه في تلك الغزوة أيضًا أمّ سلمة وكذا في حديث بن عمر وهو ضعيفٌ ولم يقع لأمّ سلمة في تلك الغزوة ذكر ورواية بن إسحاق من رواية عبّادٍ ظاهرةٌ في تفرّد عائشة بذلك ولفظه فخرج سهمي عليهنّ فخرج بي معه قوله بعد ما نزل الحجاب أي بعد ما نزل الأمر بالحجاب والمراد حجاب النّساء عن رؤية الرّجال لهنّ وكنّ قبل ذلك لا يمنعن وهذا قالته كالتّوطئة للسّبب في كونها كانت مستترةً في الهودج حتّى أفضى ذلك إلى تحميله وهي ليست فيه وهم يظنّون أنّها فيه بخلاف ما كان قبل الحجاب فلعلّ النّساء حينئذٍ كنّ يركبن ظهور الرّواحل بغير هوادج أو يركبن الهوادج غير مستتراتٍ فما كان يقع لها الّذي يقع بل كان يعرف الّذي كان يخدم بعيرها إن كانت ركبت أم لا قوله فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه في رواية بن إسحاق فكنت إذا رحّلوا بعيري جلست في هودجي ثمّ يأخذون بأسفل الهودج فيضعونه على ظهر البعير والهودج بفتح الهاء والدّال بينهما واوٌ ساكنةٌ وآخره جيمٌ محملٌ له قبّةٌ تستر بالثياب ونحوه يوضع عن ظهر البعير يركب عليه النّساء ليكون أستر لهنّ ووقع في رواية أبي أويسٍ بلفظ المحفّة قوله فسرنا حتّى إذا فرغ كذا اقتصرت القصّة لأن مراد سياق قصّة الإفك خاصّةً وإنّما ذكرت ما ذكرت ذلك كالتّوطئة لما أرادت اقتصاصه ويحتمل أن تكون ذكرت جميع ذلك فاختصره الرّاوي للغرض المذكور ويؤيّده أنّه قد جاء عنها في قصّة غزوة بني المصطلق أحاديث غير هذا ويؤيّد الأوّل أنّ في رواية الواقديّ عن عبّادٍ قلت لعائشة يا أمّتاه حدّثينا عن قصّة الإفك قال نعم وعنده فخرجنا فغنّمه اللّه أموالهم وأنفسهم ورجعنا قوله وقفل بقافٍ وفاءٍ أي رجع من غزوته قوله ودنونا من المدينة قافلين أي راجعين أي أنّ قصّتها وقعت حال رجوعهم من الغزوة قرب دخولهم المدينة قوله آذن بالمدّ والتّخفيف وبغير مدٍّ والتّشديد كلاهما بمعنى أعلم بالرحيل وفي رواية بن إسحاق فنزل منزلًا فبات به بعض اللّيل ثمّ آذن بالرّحيل قوله بالرّحيل في رواية بعضهم الرّحيل بغير موحّدةٍ وبالنّصب وكأنّه حكاية قولهم الرّحيل بالنّصب على الإغراء قوله فمشيت جتى جاوزت الجيش أي لتقضي حاجتها منفردةً قوله فلمّا قضيت شأني الّذي توجّهت بسببه ووقع في حديث بن عمر خلاف ما في الصّحيح وأنّ سبب توجّهها لقضاء حاجتها أنّ رحل أمّ سلمة مال فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها قالت عائشة فقلت إلى أن يصلحوا رحلها قضيت حاجتي فتوجهت ولم يعلموا بن فقضيت حاجتي فانقطعت قلادتي فأقمت في جمعها ونظامها وبعث القوم إبلهم ومضوا ولم يعلموا بنزولي وهذا شاذٌّ منكرٌ قوله عقدٌ بكسر العين قلادةٌ تعلّق في العنق للتّزيّن بها قوله من جزعٍ بفتح الجيم وسكون الزّاي بعدها مهملةٌ خرزٌ معروفٌ في سواده بياض كالعروق قال بن القطّاع هو واحدٌ لا جمع له وقال بن سيده هو جمعٌ واحدة جزعةٌ وهو بالفتح فأمّا الجزع بالكسر فهو جانب الوادي ونقل كراعٌ أنّ جانب الوادي بالكسر فقط وأنّ الآخر يقال بالفتح وبالكسر وأغرب بن التّين فحكى فيه الضّمّ قال التّيفاشيّ يوجد في معادن العقيق ومنه ما يؤتى به من الصين قال وليس في الحجارة أصلب جسمًا منه ويزداد حسنه إذا طبخ بالزّيت لكنّهم لا يتيمّنون بلبسه ويقولون من تقلّده كثرت همومه ورأى مناماتٍ رديئةً وإذا علّق على طفلٍ سال لعابه ومن منافعه إذا أمرّ على شعر المطلقة سهلت ولادتها قوله جزع أظفارٍ كذا في هذه الرّواية أظفارٍ بزيادة ألفٍ وكذا في رواية فليحٍ لكن في رواية الكشميهنيّ من طريقه ظفارٍ وكذا في رواية معمرٍ وصالحٍ وقال بن بطّالٍ الرّواية أظفارٍ بألفٍ وأهل اللّغة لا يعرفونه بألف ويقولون ظفار قال بن قتيبة جزعٌ ظفاريٌّ وقال القرطبيّ وقع في بعض روايات مسلمٍ أظفارٍ وهي خطأٌ قلت لكنّها في أكثر روايات أصحاب الزّهريّ حتّى إنّ في رواية صالح بن أبي الأخضر عند الطّبرانيّ جزع الأظافير فأمّا ظفارٌ بفتح الظّاء المعجمة ثمّ فاءٍ بعدها راءٌ مبنيّةٌ على الكسر فهي مدينةٌ باليمن وقيل جبلٌ وقيل سمّيت به المدينة وهي في أقصى اليمن إلى جهة الهند وفي المثل من دخل ظفار حمّر أي تكلّم بالحميريّة لأنّ أهلها كانوا من حمير وإن ثبتت الرّواية أنّ جزع أظفارٍ فلعلّ عقدها كان من الظّفر أحد أنواع القسط وهو طيّب الرّائحة يتبخّر به فلعلّه عمل مثل الخرز فأطلقت عليه جزعًا تشبيهًا به ونظمته قلادةً إمّا لحسن لونه أو لطيب ريحه وقد حكى بن التّين أنّ قيمته كانت اثني عشر درهمًا وهذا يؤيّد أنّه ليس جزعًا ظفاريًّا إذ لو كان كذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك ووفع في رواية الواقديّ فكان في عنقي عقدٌ من جزع ظفارٍ كانت أمّي أدخلتني به على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوله فلمّا قضيت شأني أي فرغت من قضاء حاجتي أقبلت إلى رحلي أي رجعت إلى المكان الّذي كانت نازلةً فيه قوله فإذا عقدٌ لي في رواية فليحٍ فلمست صدري فإذا عقدي قوله قد انقطع في رواية بن إسحاق قد انسلّ من عنقي وأنا لا أدري قوله فالتمست عقدي في رواية فليحٍ فرجعت فالتمست وحبسني ابتغاؤه أي طلبه وفي رواية بن إسحاق فرجعت عودي على بدئي إلى المكان الّذي ذهبت إليه وفي رواية الواقديّ وكنت أظنّ أنّ القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتّى أكون في هودجي قوله وأقبل الرّهط هو عددٌ من ثلاثةٍ إلى عشرة وقيل غير ذلك كما تقدّم في أوّل الكتاب في حديث أبي سفيان الطّويل ولم أعرف منهم هنا أحدًا إلّا أنّ في رواية الواقديّ أنّ أحدهم أبو موهوبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أبو مويهبة الّذي روى عنه عبد اللّه بن عمرو بن العاص حديثًا في مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووفاته أخرجه أحمد وغيره قال البلاذريّ شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع وكان يخدم بعير عائشة وكان من مولدي بني مزبنة وكأنّه في الأصل أبو موهوبة ويصغّر فيقال أبو مويهبة قوله يرحلون بفتح أوّله والتّخفيف رحلت البعير إذا شددت عليه الرّحل ووقع في رواية أبي ذرٍّ هنا بالتّشديد في هذا وفي فرحلوه قوله إلى في رواية معمر بن وحكى النّوويّ عن أكثر نسخ صحيح مسلمٍ يرحلون لي قال وهو أجود وقال غيره بالباء أجود لأنّ المراد وضعها وهي في الهودج فشبّهت الهودج الّذي هي فيه بالرّحل الّذي يوضع على البعير قوله فرحلوه في وضعوه وفيه تجوّزٌ وإنّما الرّحل هو الّذي يوضع على ظهر البعير ثمّ يوضع الهودج فوقه قوله وكان النّساء إذ ذاك خفافًا قالت هذا كالتّفسير لقولها وهم يحسبون أنّي فيه قوله لم يثقلهنّ اللّحم في رواية فليحٍ لم يثقلهنّ ولم يغشهنّ اللّحم قال بن أبي جمرة ليس هذا تكرارًا لأنّ كلّ سمينٍ ثقيلٌ من غير عكسٍ لأنّ الهزيل قد يمتلئ بطنه طعامًا فيقلّ بدنه فأشارت إلى أنّ المعنيين لم يكونا في نساء ذلك الزّمان وقال الخطّابيّ معنى قولها لم يغشهنّ أي لم يكثر عليهنّ فيركب بعضه بعضًا وفي رواية معمر لم يهبلهن وضبطه بن الخشاب فيما حكاه بن الجوزيّ بفتح أوّله وسكون الهاء وكسر الموحّدة ومثله القرطبيّ لكن قال وضمّ الموحّدة قال لأنّ ماضيه بفتحتين مخفّفًا وقال النّوويّ المشهور في ضبطه بضمّ أوّله وفتح الهاء وتشديد الموحّدة وبفتح أوّله وثالثه أيضًا وبضمّ أوّله وكسر ثالثه من الرّباعيّ يقال هبّله اللّحم وأهبله إذا أثقله وأصبح فلانٌ مهبّلًا أي كثير اللّحم أو رام الوجه قلت وفي رواية بن جريجٍ لم يهبّلهنّ اللّحم وحكى القرطبيّ أنّها في روايةٍ لابن الحذّاء في مسلمٍ أيضًا وأشار إليها بن الجوزيّ وقال المهبّل الكثير اللّحم الثّقيل الحركة من السّمن وفلانٌ مهبّلٌ أي مهيّجٌ كأنّ به ورمًا قوله إنّما يأكلن كذا للأكثر وفي رواية الكشميهنيّ هنا إنّما نأكل بالنّون أوّله وباللّام فقط قوله العلقة بضمّ العين المهملة وسكون اللّام ثمّ قافٍ أي القليل قال القرطبيّ كأنّ المراد الشّيء القليل الّذي يسكّن الرّمق كذا قال وقد قال الخليل العلقة ما فيه بلغةٌ من الطّعام إلى وقت الغداء حكاه بن بطّالٍ قال وأصلها شجرٌ يبقى في الشّتاء تتبلّغ به الإبل حتّى يدخل زمن الرّبيع قوله فلم يستنكر القوم خفّة الهودج وقع في رواية فليحٍ ومعمرٍ ثقل الهودج والأوّل أوضح لأنّ مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه فكأنّها تقول كأنّها لخفّة جسمها بحيث إنّ الّذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها ولهذا أردفت ذلك بقولها وكنت جاريةً حديثة السّنّ أي أنّها مع نحافتها صغيرة السّنّ فذلك أبلغ في خفّتها وقد وجّهت الرّواية الأخرى بأنّ المراد لم يستنكروا الثّقل الّذي اعتادوه لأنّ ثقله في الأصل إنّما هو ركب الهودج منه من خشبٍ وحبالٍ وستورٍ وغير ذلك وأمّا هي فلشدّة نحافتها كان لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقلٍ والحاصل أنّ الثّقل والخفّة من الأمور الإضافيّة فيتفاوتان بالنّسبة ويستفاد من ذلك أيضًا أنّ الّذين كانوا يرحلون بعيرها كانوا في غاية الأدب معها والمبالغة في ترك التّنقيب عمّا في الهودج بحيث إنّها لم تكن فيه وهم يظنّون أنّها فيه وكأنّهم جوّزوا أنّها نائمةٌ قوله وكنت جاريةً حديثة السّنّ هو كما قالت لأنّها أدخلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الهجرة في شوّالٍ ولها تسع سنين وأكثر ما قبل في المريسيع كما سيأتي أنّها عند بن إسحاق كانت في شعبان سنة ستٍّ فتكون لم تكمّل خمس عشرة فإن كانت المريسيع قبل ذلك فتكون أصغر من ذلك وقد أشرت إلى فائدة ذكرها ذلك قبل ويحتمل أن تكون أشارت بذلك إلى بيان عذرها فيما فعلته من الحرص على العقد الّذي انقطع ومن استقلالها بالتّفتيش عليه في تلك الحال وترك إعلام أهلها بذلك وذلك لصغر سنّها وعدم تجاربها للأمور بخلاف ما لو كانت ليست صغيرةً لكانت تتفطّن لعاقبة ذلك وقد وقع لها بعد ذلك في ضياع العقد أيضًا أنّها أعلمت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأمره فأقام بالنّاس على غير ماءٍ حتّى وجدته ونزلت آية التّيمّم بسبب ذلك فظهر تفاوت حال من جرّب الشّيء ومن لم يجرّبه وقد تقدّم إيضاحه في كتاب التّيمّم قوله فبعثوا الجمل أي أثاروه قوله بعد ما استمرّ الجيش أي ذهب ماضيًا وهو استفعل من مرّ قوله فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ في رواية فليحٍ وليس فيها أحدٌ فإن قيل لم لم تستصحب عائشة معها غيرها فكان أدعى لأمنها ممّا يقع للمنفرد ولكانت لمّا تأخّرت للبحث عن العقد ترسل من رافقها لينتظروها إن أرادوا الرّحيل والجواب أنّ هذا من جملة ما يستفاد من قوله حديثة السّنّ لأنّها لم يقع لها تجربةٌ مثل ذلك وقد صارت بعد ذلك إذا خرجت لحاجتها تستصحب كما سيأتي في قصّتها مع أمّ مسطحٍ وقوله فأممت منزلي بالتّخفيف أي قصدت وفي رواية أبي ذرٍّ هنا بتشديد الميم الأولى قال الدّاوديّ ومنه قوله تعالى ولا آمين البيت الحرام قال بن التّين هذا على أنّه بالتّخفيف انتهى وفي رواية صالح بن كيسان فتيمّمت قوله وظننت أنهم سيعقدونني في رواية فليحٍ سيفقدوني بنونٍ واحدةٍ فإمّا أن تكون حذفت تخفيفًا أو هي مثقّلةٌ قوله فيرجعون إليّ وقع في رواية معمرٍ فيرجعوا بغير نونٍ وكأنّه على لغة من يحذفها مطلقًا قال عياضٌ الظّنّ هنا بمعنى العلم وتعقّب باحتمال أن يكون على بابه فإنّهم أقاموا إلى وقت الظّهر ولم يرجح أحدٌ منهم إلى المنزل الّذي كانت به ولا نقل أنّ أحدًا لاقاها في الطّريق لكن يحتمل أن يكونوا استمرّوا في السّير إلى قرب الظّهر فلمّا نزلوا إلى أن يشتغلوا بحطّ رحالهم وربط رواحلهم واستصحبوا حالهم في ظنّهم أنّها في هودجها لم يفتقدوها إلى أن وصلت على قربٍ ولو فقدوها لرجعوا كما ظنّته وقد وقع في رواية بن إسحاق وعرفت أن لو افتقدوني لرجعوا إليّ وهذا ظاهرٌ في أنّها لم تتّبعهم ووقع في حديث بن عمر خلاف ذلك فإنّ فيه فجئت فاتّبعتهم حتّى أعييت فقمت على بعض الطّريق فمرّ بن صفوان وهذا السّياق ليس بصحيحٍ لمخالفته لما في الصّحيح وأنّها أقامت في منزلها إلى أن أصبحت وكأنّه تعارض عندها أن تتبعهم فلا تأمن أن يختلف عليها الطّرق فتهلك قبل أن تدركهم ولا سيّما وقد كانت في اللّيل أو تقيم في منزلها لعلّهم إذا فقدوها عادوا إلى مكانها الّذي فارقوها فيه وهكذا ينبغي لمن فقد شيئًا أن يرجع بفكره القهقرى إلى الحدّ الّذي يتحقّق وجوده ثمّ يأخذ من هناك في التّنقيب عليه وأرادت بمن يفقدها من هو منها بسببٍ كزوجها أو أبيها والغالب الأوّل لأنّه كان من شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يساير بعيرها ويتحدّث معها فكأنّ ذلك لم يتّفق في تلك اللّيلة ولمّا لم يتّفق ما توقّعته من رجوعهم إليها ساق اللّه إليها من حملها بغير حولٍ منها ولا قوّةٍ قوله فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت يحتمل أن يكون سبب النّوم شدّة الغمّ الّذي حصل لها في تلك الحالة ومن شأن الغمّ وهو وقوع ما يكره غلبة النّوم بخلاف الهمّ وهو توقّع ما يكره فإنّه يقتضي السّهر أو لما وقع من برد السّحر لها مع رطوبة بدنها وصغر سنّها وعند بن إسحاق فتلفّفت بجلبابي ثمّ اضطجعت في مكاني أو أنّ اللّه سبحانه وتعالى لطف بها فألقى عليها النّوم لتستريح من وحشة الانفراد في البرّيّة باللّيل قوله وكان صفوان بن المعطّل بفتح الطّاء المهملة المشدّدة السّلمي بضمّ المهملة ثمّ الذكوائي منسوبٌ إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بضمّ الموحّدة وسكون الهاء بعدها مثلّثة بن سليمٍ وذكوان بطنٌ من بني سليمٍ وكان صحابيًّا فاضلًا أوّل مشاهده عند الواقديّ الخندق وعند بن الكلبيّ المريسيع وسيأتي في أثناء شرح هذا الحديث ما يدلّ على تقدّم إسلامه ويأتي أيضًا بعد خمسة أبوابٍ قول عائشة إنّه قتل شهيدًا في سبيل اللّه ومرادها أنّه قتل بعد ذلك لا أنّه في تلك الأيّام وقد ذكر بن إسحاق أنّه استشهد في غزاة أرمينيّة في خلافة عمر سنة تسع عشرة وقيل بل عاش إلى سنة أربع وخمسين فاستشهد بأرض الرّوم في خلافة معاوية قوله من وراء الجيش في رواية معمرٍ قد عرّس من وراء الجيش وعرّس بمهملاتٍ مشدّدًا أي نزل قال أبو زيدٍ التّعريس النّزول في السّفر في أيّ وقتٍ كان وقال غيره أصله النّزول من آخر اللّيل في السّفر للرّاحة ووقع في حديث بن عمر بيان سبب تأخّر صفوان ولفظه سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعله على السّاقة فكان إذا رحل النّاس قام يصلّي ثمّ اتّبعهم فمن سقط له شيءٌ أتاه به وفي حديث أبي هريرة وكان صفوان يتخلّف عن النّاس فيصيب القدح والجراب والإداوة وفي مرسل مقاتل بن حيّان فيحمله فيقدم به فيعرّفه في أصحابه وكذا في مرسل سعيد بن جبيرٍ نحوه قوله فأدلج فأصبح عند منزلي أدلج بسكون الدّال في روايتنا وهو كادّلج بتشديدها وقيل بالسّكون سار من أوّله وبالتّشديد سار من آخره وعلى هذا فيكون الّذي هنا بالتّشديد لأنّه كان في آخر اللّيل وكأنّه تأخّر في مكانه حتّى قرب الصّبح فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش ممّا يخفيه اللّيل ويحتمل أن يكون سبب تأخيره ما جرت به عادته من غلبة النّوم عليه ففي سنن أبي داود والبزّار وبن سعد وصحيح بن حبّان والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي سعيدٍ أنّ امرأة صفوان بن المعطّل جاءت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت يا رسول اللّه إنّ زوجي يضربني إذا صلّيت ويفطّرني إذا صمت ولا يصلّي صلاة الفجر حتّى تطلع الشّمس قال وصفوان عنده فسأله فقال أمّا قولها يضربني إذا صلّيت فإنّها تقرأ سورتي وقد نهيتها عنها وأمّا قولها يفطّرني إذا صمت فأنا رجلٌ شابٌّ لا أصبر وأمّا قولها إنّي لا أصلّي حتّى تطلع الشّمس الحديث قال البزّار هذا الحديث كلامه منكرٌ ولعلّ الأعمش أخذه من غير ثقةٍ فدلّسه فصار ظاهر سنده الصّحّة وليس للحديث عندي أصلٌ انتهى وما أعلّه به ليس بقادحٍ لأن بن سعد صرح في روايته بالتّحديث بين الأعمش وأبي صالحٍ وأمّا رجاله فرجال الصّحيح ولمّا أخرجه أبو داود قال بعده رواه حمّاد بن سلمة عن حميدٍ عن ثابتٍ عن أبي المتوكّل عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهذه متابعةٌ جيّدةٌ تؤذن بأنّ للحديث أصلًا وغفل من جعل هذه الطّريقة الثّانية علّةً للطّريق الأولى وأمّا استنكار البزّار ما وقع في متنه فمراده أنّه مخالفٌ للحديث الآتي قريبًا من رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قصّة الإفك قالت فبلغ الأمر ذلك الرّجل فقال سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قطّ أي ما جامعتها والكنف بفتحتين الثّوب السّاتر ومنه قولهم أنت في كنف اللّه أي في ستره والجمع بينه وبين حديث أبي سعيدٍ على ما ذكر القرطبيّ أنّ مراده بقوله ما كشفت كنف أنثى قطّ أي بزنًا قلت وفيه نظرٌ لأنّ في رواية سعيد بن أبي هلالٍ عن هشام بن عروة في قصّة الإفك أنّ الرّجل الّذي قيل فيه ما قيل لمّا بلغه الحديث قال واللّه ما أصبت امرأةً قطّ حلالا ولا حرامًا وفي حديث بن عبّاسٍ عند الطّبرانيّ وكان لا يقرب النّساء فالّذي يظهر أنّ مراده بالنّفي المذكور ما قبل هذه القصّة ولا مانع أن يتزوّج بعد ذلك فهذا الجمع لا اعتراض عليه إلّا بما جاء عن بن إسحاق أنّه كان حصورًا لكنّه لم يثبت فلا يعارض الحديث الصّحيح ونقل القرطبيّ أنّه هو الّذي جاءت امرأته تشكوه ومعها ابنان لها منه فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لهما أشبه به من الغراب بالغراب ولم أقف على مستند القرطبيّ في ذلك وسيأتي هذا الحديث في كتاب النّكاح وأبيّن هناك أنّ المقول فيه ذلك غير صفوان وهو المعتمد إن شاء اللّه تعالى قوله فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ السّواد بلفظٍ ضدّ البياض يطلق على الشّخص أيّ شخصٍ كان فكأنّها قالت رأى شخص آدميٍّ لكن لا يظهر أهو رجلٌ أو امرأةٌ قوله فعرفني حين رآني هذا يشعر بأنّ وجهها انكشف لمّا نامت لأنّه تقدّم أنّها تلفّفت بجلبابها ونامت فلمّا انتبهت باسترجاع صفوان بادرت إلى تغطية وجهها قوله وكان يراني قبل الحجاب أي قبل نزول آية الحجاب وهذا يدلّ على قدم إسلام صفوان فإنّ الحجاب كان في قول أبي عبيدة وطائفةٍ في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وعند آخرين فيها سنة أربعٍ وصحّحه الدّمياطيّ وقيل بل كان فيها سنة خمسٍ وهذا ممّا تناقض فيه الواقديّ فإنّه ذكر أنّ المريسيع كان في شعبان سنة خمسٍ وأنّ الخندق كانت في شوّالٍ منها وأنّ الحجاب كان في ذي القعدة منها مع روايته حديث عائشة هذا وتصريحها فيه بأنّ قصّة الإفك الّتي وقعت في المريسيع كانت بعد الحجاب وسلم من هذا بن إسحاق قال المريسيع عنده في شعبان لكن سنة ستٍّ وسلم الواقديّ من التّناقض في قصّة سعد بن معاذٍ الآتي ذكرها نعم وسلم منها بن إسحاق فإنّه لم يذكر سعد بن معاذٍ في القصّة أصلًا كما سأبيّنه وممّا يؤيّد صحّة ما وقع في هذا الحديث أنّ الحجاب كان قبل قصّة الإفك قول عائشة أيضًا في هذا الحديث أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سأل زينب بنت جحشٍ عنها وفيه وهي الّتي كانت تساميني من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه وطفقت أختها حمنة تحارب لها فكلّ ذلك دالٌّ على أنّ زينب كانت حينئذٍ زوجته ولا خلاف أنّ آية الحجاب نزلت حين دخوله صلّى اللّه عليه وسلّم بها فثبت أنّ الحجاب كان قبل قصّة الإفك وقد كنت أمليت في أوائل كتاب الوضوء أنّ قصّة الإفك وقعت قبل نزول الحجاب وهو سهوٌ والصّواب بعد نزول الحجاب فليصلّح هناك قوله فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني أي بقوله إنّا للّه وإنّا إليه راجعون وصرّح بها بن إسحاق في روايته وكأنّه شقّ عليه ما جرى لعائشة أو خشي أن يقع ما وقع أو أنّه اكتفى بالاسترجاع رافعًا به صوته عن مخاطبتها بكلامٍ آخر صيانةً لها عن المخاطبة في الجملة وقد كان عمر يستعمل التّكبير عند إرادة الإيقاظ وفيه دلالةٌ على فطنة صفوان وحسن أدبه قوله فخمّرت أي غطّيت وجهي بجلبابي أي الثّوب الّذي كان عليها وقد تقدّم شرحه في الطّهارة قوله واللّه ما كلّمني كلمةً عبّرت بهذه الصّيغة إشارةً إلى أنّه استمرّ منه ترك المخاطبة لئلّا يفهم لو عبّرت بصيغة الماضي اختصاص النّفي بحال الاستيقاظ فعبّرت بصيغة المضارعة قوله ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتّى أناخ راحلته في رواية الكشميهنيّ حين أناخ راحلته ووقع في رواية فليحٍ حتّى للاصيلي وحين للباقين وكذا عند مسلمٍ عن معمرٍ وعلى التّقديرين فليس فيه نفيٌ أنّه كلّمها بغير الاسترجاع لأنّ النّفي على رواية حين مقيّدٌ بحال إناخة الرّاحلة فلا يمنع ما قبل الإناخة ولا ما بعدها وعلى رواية حتّى معناها بجميع حالاته إلى أن أناخ ولا يمنع ما بعد الإناخة وقد فهم كثيرٌ من الشّرّاح أنّها أرادت بهذه العبارة نفي المكالمة البتّة فقالوا استعمل معها الصّمت اكتفاءً بقرائن الحال مبالغةً منه في الأدب وإعظامًا لها وإجلالًا انتهى وقد وقع في رواية بن سحق أنّه قال لها ما خلفك وأنّه قال لها اركبي وأستأخر وفي رواية أبي أويسٍ فاسترجع وأعظم مكاني أي حين رآني وحدي وقد كان يعرفني قبل أن يضرب علينا الحجاب فسألني عن أمري فسترت وجهي عنه بجلبابي وأخبرته بأمري فقرب بعيره فوطيء على ذراعه فولّاني قفاه فركبت وفي حديث بن عمر فلمّا رآني ظنّ أنّي رجلٌ فقال يا نومان قم فقد سار النّاس وفي مرسل سعيد بن جبيرٍ فاسترجع ونزل عن بعيره وقال ما شأنك يا أمّ المؤمنين فحدّثته بأمر القلادة قوله فوطيء على يدها أي ليكون أسهل لركوبها ولا يحتاج إلى مسّها عند ركوبها وفي حديث أبي هريرة فغطّى وجهه عنها ثمّ أدنى بعيره منها قوله فانطلق يقود بن الرّاحلة حتّى أتينا الجيش هكذا وقع في جميع الرّوايات إلّا في مرسل مقاتل بن حيّان فإنّ فيه أنّه ركب معها مردفًا لها والّذي في الصّحيح هو الصّحيح قوله بعد ما نزلوا موغرين بضمّ الميم وكسر الغين المعجمة والرّاء المهملة أي نازلين في وقت الوغرة بفتح الواو وسكون الغين وهي شدّة الحرّ لمّا تكون الشّمس في كبد السّماء ومنه أخذ وغر الصّدر وهو توقّده من الغيظ بالحقد وأوغر فلانٌ إذا دخل في ذلك الوقت كأصبح وأمسى وقد وقع عند مسلمٍ عن عبد بن حميدٍ قال قلت لعبد الرّزّاق ما قوله موغرين قال الوغرة شدّة الحرّ ووقع في مسلمٍ من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان موعزين بعينٍ مهملةٍ وزايٍ قال القرطبيّ كأنّه من وعزت إلى فلانٍ بكذا أي تقدّمت والأول أولى قال وصحفه بعضهم بمهلتين وهو غلطٌ قلت وروي مغوّرين بتقديم الغين المعجمة وتشديد الواو والتّغوير النّزول وقت القائلة ووقع في رواية فليحٍ معرّسين بفتح العين المهملة وتشديد الرّاء ثمّ سينٍ مهملةٍ والتّعريس نزول المسافر في آخر اللّيل وقد استعمل في النّزول مطلقًا كما تقدّم وهو المراد هنا قوله في نحر الظّهيرة تأكيدٌ لقوله موغرين فإنّ نحر الظّهيرة أوّلها وهو وقت شدّة الحرّ ونحر كلّ شيءٍ أوّله كأنّ الشّمس لمّا بلغت غايتها في الارتفاع كأنّها وصلت إلى النّحر الّذي هو أعلى الصّدر ووقع في رواية بن إسحاق فواللّه ما أدركنا النّاس وإلّا افتقدت حتّى نزلوا واطمأنّوا طلع الرّجل يقودني قوله فهلك من هلك زاد صالحٌ في روايته في شأني وفي رواية أبي أويسٍ فهنالك قال فيّ وفيه أهل الإفك ما قالوا فأبهمت القائل وما قال وأشارت بذلك إلى الّذين تكلّموا بالإفك وخاضوا في ذلك وأمّا أسماؤهم فالمشهور في الرّوايات الصّحيحة عبد اللّه بن أبيٍّ ومسطح بن أثاثة وحسّان بن ثابتٍ وحمنة بنت جحشٍ وقد وقع في المغازي من طريق صالح بن كيسان عن الزّهريّ قال قال عروة لم يسمّ من أهل الإفك أيضًا غير عبد اللّه بن أبيٍّ إلّا حسّان بن ثابتٍ ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحشٍ في ناسٍ آخرين لا علم لي بهم غير أنّهم عصبةٌ كما قال اللّه تعالى انتهى والعصبة من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ وقد تطلق على الجماعة من غير حصرٍ في عددٍ وزاد أبو الرّبيع بن سالمٍ فيهم تبعًا لأبي الخطّاب بن دحية عبد اللّه وأبا أحمد ابنا جحشٍ وزاد فيهم الزّمخشريّ زيد بن رفاعة ولم أره لغيره وعند بن مردويه من طريق بن سيرين حلف أبو بكرٍ أن لا ينفق على يتيمين كانا عنده خاضا في أمر عائشة أحدهما مسطحٌ انتهى ولم أقف على تسمية رفيق مسطحٍ وأمّا القول فوقع في حديث بن عمر فقال عبد الله بن أبي فجربها وربّ الكعبة وأعانه على ذلك جماعةٌ وشاع ذلك في العسكر وفي مرسل سعيد بن جبيرٍ وقذفها عبد اللّه بن أبيٍّ فقال ما برئت عائشة من صفوان ولا بريء منها وخاض بعضهم وبعضهم أعجبه قوله وكان الّذي تولّى كبره أي تصدّى لذلك وتقلّده وكبّره أي كبّر الإفك وكبر الشّيء معظمه وهو قراءة الجمهور بكسر الكاف وقرأ حميدٌ الأعرج بضمّها قال الفرّاء وهي قراءةٌ جيّدةٌ في العربيّة وقيل المعنى الّذي تولى أئمّة قوله عبد اللّه بن أبيٍّ تقدّمت ترجمته في تفسير سورة براءةٍ وقد بيّنت قوله في ذلك من قبل وقد اقتصر بعضهم من قصّة الإفك على هذه القصّة كما تقدّم في الباب الّذي قبل هذا وسيأتي بعد أربعة أبوابٍ نقل الخلاف في المراد بالّذي تولّى كبره في الآية ووقع في المغازي من طريق صالح بن كيسان عن الزّهريّ عن عروة قال أخبرت أنّه كان يشاع ويتحدّث به عنده فيقرّه بضمّ أوّله وكسر القاف ويستمعه ويستوشيه بمهملةٍ ثمّ معجمةٍ أي يستخرجه بالبحث عنه والتّفتيش ومنهم من ضبطه يقره بفتح أوله وضم القاف وفي رواية بن إسحاق وكان الّذي تولّى كبر ذلك عبد اللّه بن أبيٍّ في رجالٍ من الخزرج قوله فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وفي رواية بن إسحاق وقد انتهى الحديث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى أبويّ ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك وفيها أنّها مرضت بضعًا وعشرين ليلةً وهذا فيه ردٌّ على ما وقع في مرسل مقاتل بن حيّان أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا بلغه قول أهل الإفك وكان شديد الغيرة قال لا تدخل عائشة رحلي فخرجت تبكي حتّى أتت أباها فقال أنا أحقّ أن أخرجك فانطلقت تجول لا يؤويها أحدٌ حتّى أنزل اللّه عذرها وإنّما ذكرته مع ظهور نكارته لا يراد الحاكم له في الإكليل وتبعه بعض من تأخّر غير متأمّلٍ لما فيه من النّكارة والمخالفة للحديث الصّحيح من عدّة أوجهٍ فهو باطلٌ ووقع في حديث بن عمر فشاع ذلك في العسكر فبلغ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلمّا قدموا المدينة أشاع عبد اللّه بن أبيٍّ ذلك في النّاس فاشتدّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله والنّاس يفيضون بضمّ أوّله أي يخوضون من أفاض في قولٍ إذا أكثر منه قوله وهو يريني في وجعي بفتح أوّله من الرّيب ويجوز الضّمّ من الرّباعيّ يقال رابه وأرابه وقد تقدم تقريبًا قوله اللّطف بضمّ أوّله وسكون ثانيه وبفتحهما لغتان والمراد الرّفق ووقع في رواية بن إسحاق أنكرت بعض لطفه قوله الّذي كنت أرى منه حين أشتكي أي حين أمرض قوله إنّما يدخل فيسلّم ثمّ يقول كيف تيكم وفي رواية بن إسحاق فكان إذا دخل قال لأمّي وهي تمرّضني كيف تيكم بالمثنّاة المكسورة وهي للمؤنّث مثل ذاكم للمذكّر واستدلّت عائشة بهذه الحالة على أنّها استشعرت منه بعض جفاءٍ ولكنّها لما لم تكن تدري السّبب لم تبالغ في التّنقيب عن ذلك حتّى عرفته ووقع في رواية أبي أويسٍ إلّا أنّه يقول وهو مارٌّ كيف تيكم ولا يدخل عندي ولا يعودني ويسأل عنّي أهل البيت وفي حديث بن عمر وكنت أرى منه جفوةً ولا أدري من أيّ شيءٍ قوله نقهت بفتح القاف وقد تكسر والأوّل أشهر والنّاقه بكسر القاف الّذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحّته وقيل إنّ الّذي بكسر القاف بمعنى فهمت لكنّه هنا لا يتوجّه لأنّها ما فهمت ذلك إلّا فيما بعد وقد أطلق الجوهريّ وغيره أنّه بفتح القاف وكسرها لغتان في برأ من المرض وهو قريب العهد لم يرجع إليه كمال صحّته قوله فخرجت مع أمّ مسطحٍ في رواية أبي أويسٍ فقلت يا أمّ مسطحٍ خذي الإداوة فاملئيها ماءً فاذهبي بنا إلى المناصع قوله قبل المناصع أي جهتها تقدّم شرحه في أوائل كتاب الوضوء وأنّ المناصع صعيد أفيحٍ خارج المدينة قوله متبرّزنا بفتح الرّاء قبل الزّاي موضع التّبرّز وهو الخروج إلى البراز وهو الفضاء وكلّه كنايةٌ عن الخروج إلى قضاء الحاجة والكنف بضمّتين جمع كنيفٍ وهو السّاتر والمراد به هنا المكان المتّخذ لقضاء الحاجة وفي رواية بن إسحاق الكنف الّتي يتّخذها الأعاجم قوله وأمرنا أمر العرب الأول بضمّ الهمزة وتخفيف الرّاء صفة العرب وبفتح الهمزة وتشديد الرّاء صفة الأمر قال النّوويّ كلاهما صحيحٌ تريد أنّهم لم يتخلقوا بأخلاق العجم قلت ضبطه بن الحاجب بالوجه الثّاني وصرّح بمنع وصف الجمع باللّفظ الأوّل ثمّ قال إن ثبتت الرّواية خرجت على أنّ العرب اسم جمعٍ تحته جموعٌ فتصير مفردةً بهذا التّقدير قوله في التّبرّز قبل الغائط في رواية فليحٍ في البرّيّة بفتح الموحّدة وتشديد الرّاء ثمّ التّحتانيّة أو في التّنزّه بمثنّاةٍ ثمّ نونٍ ثمّ زايٍ ثقيلةٍ هكذا على الشّكّ والتّنزّه طلب النّزاهة والمراد البعد عن البيوت قوله فانطلقت أنا وأمّ مسطحٍ بكسر الميم وسكون السّين وفتح الطّاء بعدها حاءٌ مهملاتٍ قيل اسمها سلمى وفيه نظرٌ لأنّ سلمى اسم أمّ أبي بكرٍ ثمّ ظهر لي أن لا وهم فيه فإنّ أمّ أبي بكرٍ خالتها فسمّيت باسمها قوله وهي بنت أبي رهمٍ بضم الرّاء وسكون الهاء قوله بن عبد منافٍ كذا هنا ولم ينسبه فليحٌ وفي رواية صالحٍ بنت أبي رهم بن المطّلب بن عبد منافٍ وهو الصّواب واسم أبي رهمٍ أنيسٌ قوله وأمّها بنت صخر بن عامر أي بن كعب بن سعد بن تيمٍ من رهط أبي بكرٍ قوله خالة أبي بكرٍ الصّدّيق اسمها رائطة حكاه أبو نعيمٍ قوله وابنها مسطح بن أثاثة بضمّ الهمزة ومثلّثتين الأولى خفيفة بينهما ألف بن عبّاد بن المطّلب فهو المطّلبيّ من أبيه وأمّه والمسطح عودٌ من أعواد الخباء وهو لقبٌ واسمه عوفٌ وقيل عامرٌ والأوّل هو المعتمد وقد أخرج الحاكم من حديث بن عبّاسٍ قال قال أبو بكرٍ يعاتب مسطحًا في قصّة عائشة يا عوف ويحك هل لا قلت عارفةً من الكلام ولم تبتغ به طعما وكان هو وأمّه من المهاجرين الأوّلين وكان أبوه مات وهو صغيرٌ فكفله أبو بكرٍ لقرابة أمّ مسطحٍ منه وكانت وفاة مسطحٍ سنة أربعٍ وثلاثين وقيل سنة سبعٍ وثلاثين بعد أن شهد صفّين مع عليٍّ قوله فأقبلت أنا وأمّ مسطحٍ قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا فعثرت بالمهملة والمثلّثة أمّ مسطحٍ في مرطها بكسر الميم وفي رواية مقسمٍ عن عائشة أنّها وطئت على عظمٍ أو شوكةٍ وهذا ظاهره أنّها عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ثمّ أخبرتها الخبر بعد ذلك لكني في رواية هشام بن عروة الآتية قريبًا أنّها عثرت قبل أن تقضي عائشة حاجتها وأنّها لمّا أخبرتها الخبر رجعت كأنّ الّذي خرجت له لا تجد منه لا قليلًا ولا كثيرا وكذا وقع في رواية بن إسحاق قالت فواللّه ما قدرت أن أقضي حاجتي وفي رواية بن أويسٍ فذهب عنّي ما كنت أجد من الغائط ورجعت عودي على بدئي وفي حديث بن عمر فأخذتني الحمّى وتقلّص ما كان منّي ويجمع بينهما بأنّ معنى قولها وقد فرغنا من شأننا أي من شأن المسير لاقضاء الحاجة قوله فقالت تعس مسطح بفتح المثنّاة وكسر العين المهملة وبفتحها أيضًا بعدها سينٌ مهملةٌ أي كبّ لوجهه أو هلك ولزمه الشّرّ أو بعد أقوالٌ وقد تقدّم شرحها أيضًا في الجهاد قوله فقلت لها بئس ما قلت أتسبّين رجلًا شهد بدرًا في رواية هشام بن عروة أنّها عثرت ثلاث مرّاتٍ كلّ ذلك تقول تعس مسطح وأنّ عائشة تقول لها أي أمّ أتسبّين ابنك وأنّها انتهرتها في الثّالثة فقالت واللّه ما أسبّه إلّا فيك وعند الطّبرانيّ فقلت أتسبّين ابنك وهو من المهاجرين الأوّلين وفي رواية بن حاطبٍ عن علقمة بن وقّاصٍ فقلت أتقولين هذا لابنك وهو صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ففعلت مرّتين فأعدت عليها فحدّثتني بالخبر فذهب عنّي الّذي خرجت له حتّى ما أجد منه شيئًا قال أبو محمّد بن أبى جمرة يحتمل أن يكون قول أمّ مسطحٍ هذا عمدًا لتتوصّل إلى إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلةٌ ويحتمل أن يكون اتّفاقًا أجراه اللّه على لسانها لتستيقظ عائشة من غفلتها عمّا قيل فيها قوله قالت أي هنتاه أي حرف نداءٍ للبعيد وقد يستعمل للقريب حيث ينزل منه منزل البعيد والنّكتة فيه هنا أنّ أمّ مسطحٍ نسبت عائشة إلى الغفلة عمّا قيل فيها لإنكارها سبّ مسطحٍ فخاطبتها خطاب البعيد وهنتاه بفتح الهاء وسكون النّون وقد تفتح بعدها مثنّاةٌ وآخره هاءٌ ساكنةٌ وقد تضمّ أي هذه وقيل امرأةٌ وقيل بلهى كأنّها نسبتها إلى قلّة المعرفة بمكائد النّاس وهذه اللّفظة تختصّ بالنّداء وهي عبارةٌ عن كلّ نكرةٍ وإذا خوطب المذكر قيل ياهنة وقد تشبع النّون فيقال يا هناه وحكى بعضهم تشديد النّون فيه وأنكره الأزهريّ قوله قالت قلت وما قال في رواية أبي أويسٍ فقالت لها إنّك لغافلةٌ عمّا يقول النّاس وفيها أنّ مسطحًا وفلانًا وفلانًا يجتمعون في بيت عبد اللّه بن أبيٍّ يتحدّثون عنك وعن صفوان يرمونك به وفي رواية مقسمٍ عن عائشة أشهد أنّك من الغافلات المؤمنات وفي رواية هشام بن عروة الآتية فنقّرت لي الحديث وهي بنونٍ وقافٍ ثقيلةٍ أي شرحته ولبعضهم بموحّدةٍ وقافٍ خفيفةٍ أي أعلمتنيه قوله فازددت مرضًا على مرضي عند سعيد بن منصورٍ من مرسل أبي صالحٍ فقالت وما تدرين ما قال قالت لا واللّه فأخبرتها بما خاض فيه النّاس فأخذتها الحمّى وعند الطّبرانيّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أيّوب عن بن أبي مليكة عن عائشة قالت لمّا بلغني ما تكلّموا به هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه وأخرجه أبو عوانة أيضًا قوله فلمّا رجعت إلى بيتي ودخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في رواية معمرٍ فدخل قيل الفاء زائدةٌ والأولى أنّ في الكلام حذفًا تقديره فلمّا دخلت بيتي استقريت فيه فدخل قوله فقلت أتأذن لي أن آتي أبويّ في رواية هشام بن عروة المعلّقة فقلت أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام وسيأتي نحوه موصولًا في الاعتصام ولم أقف على اسم هذا الغلام قوله فقلت لأمّي يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس قالت يا بنيّة هوّني عليك في رواية هشام بن عروة فقالت يا بنيّة خفّفي عليك الشّأن قوله وضيئةٌ بوزن عظيمةٍ من الوضاءة أي حسنةٌ جميلة وعند مسلم من رواية بن ماهان حظيّةٌ بمهملةٍ ثمّ معجمةٍ من الحظوة أي رفيعة المنزلة وفي رواية هشام ما كانت امرأةً حسناء قوله ضرائر جمع ضرّةٍ وقيل للزّوجات ضرائر لأنّ كلّ واحدةٍ يحصل لها الضّرر من الأخرى بالغيرة قوله أكثرن عليها في رواية الكشميهنيّ كثّرن بالتّشديد أي القول في عيبها وفي رواية بن حاطبٍ لقلّما أحبّ رجلٌ امرأته إلّا قالوا لها نحو ذلك وفي رواية هشام إلّا حسدنها وقيل فيها وفي هذا الكلام من فطنة أمّها وحسن تأتّيها في تربيتها ما لا مزيد عليه فإنّها علمت أنّ ذلك يعظم عليها فهوّنت عليها الأمر بإعلامها بأنّها لم تنفرد بذلك لأنّ المرء يتأسّى بغيره فيما يقع له وأدمجت في ذلك ما تطيّب به خاطرها من أنّها فائقةٌ في الجمال والحظوة وذلك ممّا يعجب المرأة أن توصف به مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحشٍ وأنّ الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرّة أختها زينب بنت جحشٍ وعرف من هذا أنّ الاستثناء في قولها إلّا أكثرن عليها متّصلٌ لأنّها لم تقصد قصّتها بعينها بل ذكرت شأن الضّرائر وأمّا ضرائرها هي فإنّهنّ وإن كنّ لم يصدر منهنّ في حقّها شيءٌ ممّا يصدر من الضّرائر لكن لم يعدم ذلك ممّن هو منهنّ بسبيلٍ كما وقع من حمنة لأنّ ورع أختها منعها من القول في عائشة كما منع بقيّة أمّهات المؤمنات وإنّما اختصّت زينب بالذّكر لأنّها الّتي كانت تضاهي عائشة في المنزلة قوله فقلت سبحان اللّه أو لقد تحدّث النّاس بهذا زاد الطّبريّ من طريق معمرٍ عن الزّهريّ وبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالت نعم وفي رواية هشام فقلت وقد علم به أبي قالت نعم قلت ورسول الله قلت نعم ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي رواية بن إسحاق فقلت لأمّي غفر اللّه لك يتحدّث النّاس بهذا ولا تذكرين لي وفي رواية بن حاطبٍ عن علقمة ورجعت إلى أبويّ فقلت أما اتّقيتما اللّه فيّ وما وصلتما رحمي يتحدّث النّاس بهذا ولم تعلماني وفي رواية هشام بن عروة فاستعبرت فبكيت فسمع أبو بكرٍ صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمّي ما شأنها فقالت بلغها الّذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال أقسمت عليك يا بنيّة إلّا رجعت إلى بيتك فرجعت وفي رواية معمرٍ عند الطّبرانيّ فقالت أمّي لم تكن علمت ما قيل لها فأكبّت تبكي ساعةً ثمّ قال اسكتي يا بنيّة قوله فقلت سبحان اللّه استغاثت باللّه متعجّبةً من وقوع مثل ذلك في حقّها مع براءتها المحقّقة عندها قوله لا يرقأ لي دمعٌ بالقاف بعدها همزةٌ أي لا ينقطع قوله ولا أكتحل بنومٍ استعارةٌ للسّهر ووقع في رواية مسروقٍ عن أمّ رومان كما مضى في المغازي فخرّت مغشيًّا عليها فما استفاقت إلّا وعليها حمّى بنافضٍ فطرحت عليها ثيابها فغطّيتها وفي رواية الأسود عن عائشة فألقت عليّ أمّي كلّ ثوبٍ في البيت تنبيهٌ طرق حديث الإفك مجتمعةٌ على أنّ عائشة بلغها الخبر من أمّ مسطحٍ لكن وقع في حديث أمّ رومان ما يخالف ذلك ولفظه بينا أنا قاعدةٌ أنا وعائشة إذ ولجت علينا امرأةٌ من الأنصار فقالت فعل اللّه بفلانٍ وفعل فقلت وما ذاك قالت ابني ومن حدّث الحديث قالت وما ذلك قالت كذا وكذا هذا لفظ المصنّف في المغازي ولفظه في قصّة يوسف قالت إنّه ثمى الحديث فقالت عائشة أيّ حديثٍ فأخبرتها قالت فسمعه أبو بكرٍ قالت نعم قالت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالت نعم فخرّت مغشيًّا عليها وطريق الجمع بينهما أنّها سمعت ذلك أوّلًا من أمّ مسطحٍ ثمّ ذهبت لبيت أمّها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمّها بالأمر مجملًا كما مضى من قولها هوّني عليك وما أشبه ذلك ثمّ دخلت عليها الأنصاريّة فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمّها فقوي عندها القطع بوقوع ذلك فسألت هل سمعه أبوها وزوجها ترجّيًا منها أن لا يكونا سمعا ذلك ليكون أسهل عليها فلمّا قالت لها إنّهما سمعاه غشي عليها ولم أقف على اسم هذه المرأة الأنصاريّة ولا على اسم ولدها قوله فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا ظاهره أن السّؤال وقع بعد ما علمت بالقصّة لأنّها عقّبت بكاءها تلك اللّيلة بهذا ثمّ عقّبت هذا بالخطبة ورواية هشام بن عروة تشعر بأنّ السّؤال والخطبة وقعا قبل أن تعلم عائشة بالأمر فإنّ في أوّل رواية هشامٍ عن أبيه عن عائشة لمّا ذكر من شأني الّذي ذكر وما علمت به قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبًا فذكر قصّة الخطبة الآتية ويمكن الجمع بأنّ الفاء في قوله فدعا عاطفةٌ على شيءٍ محذوفٍ تقديره وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك قد سمع ما قيل فدعا عليّ قوله عليّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ في حديث بن عمر وكان إذا أراد أن يستشير أحدًا في أمر أهله لم يعدّ عليًّا وأسامة لكن وقع في رواية الحسن العربيّ عن بن عبّاسٍ عند الطّبرانيّ أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم استشار زيد بن ثابتٍ فقال دعها فلعلّ اللّه يحدث لك فيها أمرًا وأظنّ في قوله بن ثابت تغيير وأنه كان في الأصل بن حارثة وفي رواية الواقديّ أنّه سأل أمّ أيمن فبرّأتها وأمّ أيمن هي والدة أسامة بن زيدٍ وسيأتي أنّه سأل زينب بنت جحشٍ أيضًا قوله حين استلبث الوحي بالرّفع أي طال لبث نزوله وبالنّصب أي استبطأ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نزوله قوله في فراق أهله عدلت عن قولها في فراقي إلى قولها فراق أهله لكراهتها التّصريح بإضافة الفراق إليها قوله أهلك بالرّفع فإنّ في رواية معمرٍ هم أهلك ولو لم تقع هذه الرّواية لجاز النّصب أي أمسك ومعناه هم أهلك أي العفيفة اللّائقة بك ويحتمل أن يكون قال ذلك متبرّئًا من المشورة ووكّل الأمر إلى رأي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ لم يكتف بذلك حتّى أخبر بما عنده فقال ولا نعلم إلّا خيرًا وإطلاق الأهل على الزّوجة شائعٌ قال بن التّين أطلق عليها أهلًا وذكرها بصيغة الجمع حيث قال هم أهلك إشارةً إلى تعميم الأزواج بالوصف المذكور انتهى ويحتمل أن يكون جمع لإرادة تعظيمها قوله وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال يا رسول اللّه لم يضيّق اللّه عليك والنّساء سواها كثيرٌ كذا للجميع بصيغة التّذكير كأنّه أراد الجنس مع أنّ لفظ فعيلٍ يشترك فيه المذكّر والمؤنّث إفرادًا وجمعًا وفي رواية الواقديّ قد أحلّ لك وأطاب طلّقها وانكح غيرها وهذا الكلام الّذي قاله عليّ حمله عليه ترجيح جانبا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا رأى عنده من القلق بسبب القول الّذي قيل وكان صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الغيرة فرأى عليٌّ أنّه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقّق براءتها فيمكن رجعتها ويستفاد منه ارتكاب أخفّ الضّررين لذهاب أشدّهما وقال الثّوريّ رأى ذلك هو المصلحة في حقّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه فبذل جهده في النّصيحة لإرادة راحة خاطره صلى الله عليه سلم وقال الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة لم يجزم عليٌّ بالإشارة بفراقها لأنّه عقّب ذلك بقوله وسل الجارية تصدقك ففوّض الأمر في ذلك إلى نظر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكأنّه قال إن أردت تعجيل الرّاحة ففارقها وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطّلع على براءتها لأنّه كان يتحقّق أنّ بريرة لا تخبره إلّا بما علمته وهي لم تعلم من عائشة إلّا البراءة المحضة والعلّة في اختصاص على أسامة بالمشاورة أنّ عليًّا كان عنده كالولد لأنّه ربّاه من حال صغره ثمّ لم يفارقه بل وازداد اتّصاله بتزويج فاطمة فلذلك كان مخصوصًا بالمشاورة فيما يتعلّق بأهله لمزيد اطّلاعه على أحواله أكثر من غيره وكان أهل مشورته فيما يتعلّق بالأمور العامّة أكابر الصّحابة كأبي بكرٍ وعمر وأمّا أسامة فهو كعليٍّ في طول الملازمة ومزيد الاختصاص والمحبّة ولذلك كانوا يطلقون عليه أنّه حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخصّه دون أبيه وأمّه لكونه كان شابًّا كعليٍّ وإن كان عليٌّ أسنّ منه وذلك أنّ للشّابّ من صفاء الذّهن ما ليس لغيره ولأنّه أكثر جرأةٍ على الجواب بما يظهر له من المسنّ لأنّ المسنّ غالبًا يحسب العاقبة فربّما أخفى ما يظهر له رعاية للقائل تارة والمسؤول عنه أخرى مع ما ورد في بعض الأخبار أنّه استشار غيرهما تنبيهٌ وقع بسبب هذا الكلام من عليٍّ نسبة عائشة إيّاه إلى الإساءة في شأنها كما تقدّم من رواية الزّهريّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن وأبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة في المغازي وما راجع به الوليد بن عبد الملك من ذلك فأغنى عن إعادته وقد وضح عذر عليٍّ في ذلك قوله وسل الجارية تصدقك في رواية مقسمٍ عن عائشة أرسل إلى بريرة خادمها فسلها فعسى أن تكون قد اطّلعت على شيءٍ من أمرها قوله فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريرة بفتح الموحّدة وكسر الرّاء تقدم ضبطها في العتق وفي رواية مقسمٍ فأرسل إلى بريرة فقال لها أتشهدين أنّي رسول اللّه قالت نعم قال فإنّي سائلك عن شيءٍ فلا تكتمينه قالت نعم قال هل رأيت من عائشة ما تكرهينه قالت لا وقد قيل إنّ تسميتها هنا وهمٌ لأنّ قصّتها كانت بعد فتح مكّة كما سيأتي أنّها لمّا خيّرت فاختارت نفسها كان زوجها يبكي فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للعبّاس يا عبّاس ألا تعجب من حبّ مغيثٍ بريرة الحديث وسيأتي ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رقّ مواليها وأمّا قصّتها معًا في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدّةٍ أو أنّ اسم هذه الجارية المذكورة في قصّة الإفك وافق اسم بريرة الّتي وقع لها التّخيير وجزم البدر الزّركشيّ فيما استدركته عائشة على الصّحابة أنّ تسمية هذه الجارية ببريرة مدرجةٌ من بعض الرّواة وأنّها جارية أخرى وأخذه من بن القيّم الحنبليّ فإنّه قال تسميتها ببريرة وهمٌ من بعض الرّواة فإنّ عائشة إنّما اشترت بريرة بعد الفتح ولمّا كاتبتها عقب شرائها وعتقت خيّرت فاختارت نفسها فظنّ الرّاوي أنّ قول عليٍّ وسل الجارية تصدقك أنّها بريرة فغلط قال وهذا نوع غامض لا ينتبه له إلّا الحذّاق قلت وقد أجاب غيره بأنّها كانت تخدم عائشة بالأجرة وهي في رقّ مواليها قبل وقوع قصّتها في المكاتبة وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفّاظ قوله أي بريرة هل رأيت من شيءٍ يريبك في رواية هشام بن عروة فانتهرها بعض أصحابه فقال اصدقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي رواية أبي أويسٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعليٍّ شأنك بالجارية فسألها عليٌّ وتوعّدها فلم تخبره إلّا بخيرٍ ثمّ ضربها وسألها فقالت والله ما علمت على عائشة سواء وفي رواية بن إسحاق فقام إليها عليٌّ فضربها ضربًا شديدًا يقول اصدقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووقع في رواية هشام حتّى أسقطوا لها به يقال أسقط الرّجل في القول إذا أتى بكلامٍ ساقطٍ والضّمير في قوله به للحديث أو الرّجل الّذي اتّهموها به وحكى عياض أن في رواية بن ماهان في مسلمٍ حتّى أسقطوا لهاتها بمثنّاةٍ مفتوحةٍ وزيادة ألفٍ بعد الهاء قال وهو تصحيفٌ لأنّهم لو أسقطوا لهاتها لم تستطع الكلام والواقع أنّها تكلّمت فقالت سبحان اللّه إلخ وفي رواية حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عند الطبرائي فقال لست عن هذا أسألك قالت نعمة فلمّا فطنت قالت سبحان اللّه وهذا يدلّ على أنّ المراد بقوله في الرّواية حتّى أسقطوا لها به حتّى صرّحوا لها بالأمر فلهذا تعجبت وقال بن الجوزيّ أسقطوا لها به أي صرّحوا بها بالأمر وقيل جاؤوا في خطابها بسقطٍ من القول ووقع في رواية الطّبريّ من طريق أبي أسامة قال عروة فعيب ذلك على من قاله وقال بن بطّالٍ يحتمل أن يكون من قولهم سقط إليّ الخبر إذا علمته قال الشّاعر إذا هنّ ساقطن الحديث وقلن لي قال فمعناه ذكروا لها الحديث وشرحوه قوله إن رأيت عليها أمرًا أي ما رأيت فيها ممّا تسألون عنه شيئًا أصلًا وأمّا من غيره ففيها ما ذكرت من غلبة النّوم لصغر سنّها ورطوبة بدنها قوله أغمصه بغينٍ معجمةٍ وصادٍ مهملةٍ أي أعيبه قوله سوى أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها في رواية بن إسحاق ما كنت أعيب عليها إلّا أنّي كنت أعجن عجيني وآمرها أن تحفظه فتنام عنه وفي رواية مقسمٍ ما رأيت منها مذ كنت عندها إلّا أنّي عجنت عجينًا لي فقلت احفظي هذه العجينة حتّى أقتبس نار إلّا خبزها فغفلت فجاءت الشّاة فأكلتها وهو يفسّر المراد بقوله في رواية الباب حتّى تأتي الدّاجن وهي بدالٍ مهملةٍ ثمّ جيمٍ الشّاة الّتي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى وقيل هي كلّ ما يألف البيوت مطلقًا شاةً أو طيرا قال بن المنير في الحاشية هذا من الاستثناء البديع الّذي يراد به المبالغة في نفي العيب فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الّذي رميت به وأقرب إلى أن تكون من الغافلات المؤمنات وكذا في قولها في رواية هشام بن عروة ما علمت إلّا ما يعلم الصّائغ على الذّهب الأحمر أي كما لا يعلم الصّائغ من الذّهب الأحمر إلّا الخلوص من العيب فكذلك أنا لا أعلم منها إلّا الخلوص من العيب وفي رواية بن حاطبٍ عن علقمة فقالت الجارية الحبشيّة واللّه لعائشة أطيب من الذّهب ولئن كانت صنعت ما قال النّاس ليخبرنّك اللّه قالت فعجب النّاس من فقهها قوله فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في رواية أبي أويسٍ ثمّ خرج حين سمع من بريرة ما قالت وفي رواية هشام بن عروة قام فينا خطيبًا فتشهّد وحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال أمّا بعد وزاد عطاء الخرساني عن الزّهريّ هنا قبل قوله فقم وكانت أمّ أيّوب الأنصاريّة قالت لأبي أيّوب أما سمعت ما يتحدّث النّاس فحدّثته بقول أهل الإفك فقال ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم قلت وسيأتي في الاعتصام من طريق يحيى بن أبي زكريّا عن هشام بن عروة في قصّة الإفك مختصرةً وفيه بعد قوله وأرسل معها الغلام وقال رجلٌ من الأنصار ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك فيستفاد معرفته من رواية عطاءٍ هذه وروى الطّبريّ منه حديث بن عمر قال قال أسامة ما يحلّ لنا أن نتكلم بهذا سبحانك الآية لكنّ أسامة مهاجريٌّ فإن ثبت حمل على التّوارد وفي مرسل سعيد بن جبيرٍ أنّ سعد بن معاذٍ ممّن قال ذلك وروى الطّبريّ أيضا من طريق بن إسحاق حدّثني أبي عن بعض رجال بني النّجّار أنّ أبا أيّوب قالت له أمّ أيّوب أما تسمع ما يقول النّاس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت فاعلةً ذلك يا أمّ أيّوب قالت لا واللّه قال فعائشة واللّه خيرٌ منك قالت فنزل القرآن لولا إذ سمعتموه الآية وللحاكم من طريق أفلح مولى أبي أيّوب عن أبي أيّوب نحوه وله من طريق أخرى قال قالت أم طفيل لأبيّ بن كعبٍ فذكر نحوه قوله فاستعذر من عبد اللّه بن أبيٍّ أي طلب من يعذره منه أي ينصفه قال الخطّابيّ يحتمل أن يكون معناه من يقوم بعذره فيما رمى أهلي به من المكروه ومن يقوم بعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه ورجّح النّوويّ هذا الثّاني وقيل معنى من يعذرني من ينصرني والعزيز النّاصر وقيل المراد من ينتقم لي منه وهو كالّذي قبله ويؤيّده قول سعدٍ أنا أعذرك منه قوله بلغني أذاه في أهل بيتي في رواية هشام بن عروة أشيروا عليّ في أناس أبنوا أهلي وهو بفتح الموحّدة الخفيفة والنّون المضمومة وحكى عياضٌ أنّ في رواية الأصيليّ بتشديد الموحّدة وهي لغةٌ ومعناه عابوا أهلي أو اتّهموا أهلي وهو المعتمد لأنّ الأبن بفتحتين التّهمة وقال بن الجوزيّ المراد رموا أهلي بالقبيح ومنه الحديث الّذي في الشّمائل في ذكر مجلسه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تؤين فيه الحرم وحكى عياضٌ أنّ في رواية عبدوسٍ بتقديم النّون الثّقيلة على الموحّدة قال وهو تصحيفٌ لأنّ التّأنيب هو اللّوم الشّديد ولا معنى له هنا انتهى قال النّوويّ وقد يوجّه بأنّ المراد لاموهم أشدّ اللّوم فيما زعموا أنّهم صنعوه وهم لم يصنعوا شيئًا من ذلك لكنّه بعيدٌ من صورة الحال والأوّل هو المعتمد قال النّوويّ التّخفيف أشهر وفي رواية بن إسحاق ما بال أناسٌ يؤذوني في أهلي وفي رواية بن حاطبٍ من يعذرني فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني ووقع في رواية الغسّانيّ المذكورة في قومٍ يسبّون أهلي وزاد فيه ما علمت عليهم من سوءٍ قطّ قوله ولقد ذكروا رجلًا زاد الطّبريّ في روايته صالحًا وزاد أبو أويسٍ في روايته وكان صفوان بن المعطّل قعد لحسّانٍ فضربه ضربةً بالسّيف وهو يقول تلقّ ذباب السّيف منّي فإنّني غلامٌ إذا هو جئت لست بشاعرٍ فصاح حسّان ففرّ صفوان فاستوهب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من حسّان ضربة صفوان فوهبها له قوله فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ كذا هنا وفي رواية معمرٍ وأكثر أصحاب الزّهريّ ووقع في رواية صالح بن كيسان فقام سعدٌ أخو بني عبد الأشهل وفي رواية فليحٍ فقام سعدٌ ولم ينسبه وقد تعيّن أنّه سعد بن معاذ لما وقع في رواية الباب وغيره وأما قوله شيخ شيوخنا القطب الحلبيّ وقع في نسخة سماعنا فقام سعد بن معاذٍ وفي موضعٍ آخر فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذٍ فإنّ في بني عبد الأشهل جماعةٌ من الصّحابة يسمّى كلٌّ منهم سعدًا منهم سعد بن زيدٍ الأشهليّ شهد بدرًا وكان على سبايا قريظة الّذين بيعوا بنجدٍ وله ذكرٌ في عدّة أخبارٍ منها في خطبة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في مرض وفاته قال فيحتمل أن يكون هو المتكلّم في قصّة الإفك قلت وحمله على ذلك ما حكاه عياضٌ وغيره من الإشكال في ذكر سعد بن معاذ في هذه القصّة والّذي جوّزه مردودٌ بالتّصريح بسعد بن معاذٍ في هذه الرّواية الثّالثة فأذكر كلام عياضٍ وما تيسّر من الجواب عنه قال عياضٌ في ذكر سعد بن معاذٍ في هذا الحديث إشكالٌ لم يتكلّم النّاس عليه ونبّهنا عليه بعض شيوخنا وذلك أنّ الإفك كان في المريسيع وكانت سنة ستٍّ فيما ذكر بن إسحاق وسعد بن معاذٍ مات من الرّمية الّتي رميها بالخندق فدعا اللّه فأبقاه حتّى حكم في بني قريظة ثمّ انفجر جرحه فمات منها وكان ذلك سنة أربعٍ عند الجميع إلّا ما زعم الواقديّ أنّ ذلك كان سنة خمسٍ قال وعلى كلّ تقديرٍ فلا يصحّ ذكر سعد بن معاذٍ في هذه القصّة والأشبه أنّه غيره ولهذا لم يذكره بن إسحاق في روايته وجعل المراجعة أوّلًا وثانيًا بين أسيد بن حضيرٍ وبين سعد بن عبادة قال وقال لي بعض شيوخنا يصحّ أن يكون سعد موجودًا في المريسيع بناءً على الاختلاف في تاريخ غزوة المريسيع وقد حكى البخاريّ عن موسى بن عقبة أنّها كانت سنة أربعٍ وكذلك الخندق كانت سنة أربعٍ فيصحّ أن تكون المريسيع قبلها لأنّ بن إسحاق جزم بأنّ المريسيع كانت في شعبان وأنّ الخندق كانت في شوّالٍ فإن كانا من سنةٍ واحدةٍ استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذٍ انتهى وقد قدّمنا في المغازي أنّ الصّحيح في النّقل عن موسى بن عقبة أنّ المريسيع كانت سنة خمسٍ وأنّ الّذي نقله عنه البخاريّ من أنّها سنة أربعٍ سبق قلمٍ نعم والرّاجح أنّ الخندق أيضًا كانت في سنة خمسٍ خلافًا لابن إسحاق فيصحّ الجواب المذكور وممّن جزم بأنّ المريسيع سنة خمسٍ الطّبريّ لكن يعكّر على هذا شيءٌ لم يتعرّضوا له أصلًا وذلك أنّ بن عمر ذكر أنّه كان معهم في غزوة بني المصطلق وهو المريسيع كما تقدّم من حديثه في المغازي وثبت في الصّحيحين أيضًا أنّه عرض في يوم أحدٍ فلم يجزه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعرض في الخندق فأجازه فإذا كان أوّل مشاهده الخندق وقد ثبت أنّه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد الخندق فيعود الإشكال ويمكن الجواب بأنّه لا يلزم من كون بن عمر كان معهم في غزوة بني المصطلق أن يكون أجيز في القتال فقد يكون صحب أباه ولم يباشر القتال كما ثبت عن جابرٍ أنّه كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدرٍ وهو لم يشهد بدرًا باتّفاقٍ وقد سلك البيهقيّ في أصل الإشكال جوابًا آخر بناءً على أنّ الخندق قبل المريسيع فقال يجوز أن يكون جرح سعد بن معاذٍ لم ينفجر عقب الفراغ من بني قريظة بل تأخّر زمانًا ثمّ انفجر بعد ذلك وتكون مراجعته في قصّة الإفك في أثناء ذلك ولعلّه لم يشهد غزوة المريسيع لمرضه وليس ذلك مانعًا له أن يجيب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قصّة الإفك ممّا أجابه وأمّا دعوى عياضٌ أنّ الّذين تقدّموا لم يتكلّموا على الإشكال المذكور فما أدري من الّذين عناهم فقد تعرّض له من القدماء إسماعيل القاضي فقال الأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق للحديث الصّحيح عن عائشة واستشكله بن حزمٍ لاعتقاده أنّ الخندق قبل المريسيع وتعرّض له بن عبد البرّ فقال رواية من روى أنّ سعد بن معاذ راجح في قصّة الإفك سعد بن عبادة وهمٌ خطأ وإنّما راجع سعد بن عبادة أسيد بن حضير كما ذكره بن إسحاق وهو الصّحيح فإنّ سعد بن معاذٍ مات في منصرفهم من غزوة بني قريظة لا يختلفون في ذلك فلم يدرك المريسيع ولا حضرها وبالغ بن العربيّ على عادته فقال اتّفق الرّواة على أن ذكر بن معاذٍ في قصّة الإفك وهمٌ وتبعه على هذا الإطلاق القرطبيّ قوله أعذرك منه في رواية فليحٍ فقال أنا واللّه أعذرك منه ووقع في رواية معمرٍ أعذرك منه بحذف المبتدأ قوله إن كان من الأوس يعني قبيلة سعد بن معاذٍ قوله ضربنا عنقه في رواية صالح بن كيسان ضربت بضمّ المثنّاة وإنّما قال ذلك لأنّه كان سيّدهم فجزم بأنّ حكمه فيهم نافذٌ قوله وإن كان من إخواننا من الخزرج من الأولى تبعضية والأخرى بيانيّةٌ ولهذا سقطت من رواية فليحٍ قوله أمرتنا ففعلنا أمرك في رواية بن جريجٍ أتيناك به ففعلنا فيه أمرك قوله فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج في رواية صالح بن كيسان فقام رجلٌ من الخزرج وكانت أمّ حسّان بن ثابتٍ بنت عمّه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج انتهى وأمّ حسّان اسمها الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة وقوله من فخذه بعد قوله بنت عمّه إشارةٌ إلى أنّها ليست بنت عمّه لحًّا لأنّ سعد بن عبادة يجتمع معها في ثعلبة وقد تقدّم سياق نسبه في المناقب قوله وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا أي كامل الصّلاح في رواية الواقديّ وكان صالحًا لكنّ الغضب بلغ منه ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه قوله ولكن احتملته الحميّة كذا للأكثر احتملته بمهملةٍ ثمّ مثنّاةٍ ثمّ ميمٍ أي أغضبته وفي رواية معمرٍ عند مسلمٍ وكذا يحيى بن سعيدٍ عند الطّبرانيّ اجتهلته بجيمٍ ثمّ مثنّاةٍ ثمّ هاءٍ وصوّبها الوقشيّ أي حملته على الجهل قوله فقال لسعدٍ أي بن معاذٍ كذبت لعمر اللّه لا تقتله العمر بفتح العين المهملة هو البقاء وهو العمر بضمّها لكن لا يستعمل في القسم إلّا بالفتح قوله ولا تقدر على قتله ولوكان من رهطك ما أحببت أن يقتل فسّر قوله لا تقتله بقوله ولا تقدر على قتله إشارةٌ إلى أنّ قومه يمنعونه من قتله وأمّا قوله ولو كان من رهطك فهو من تفسير
قوله كذبت أي في قولك إن كان من الأوس ضربت عنقه فنسبه إلى الكذب في هذه الدّعوى وأنّه جزم أن يقتله إن كان من رهطه مطلقًا وأنّه إن كان من غير رهطه إن أمر بقتله قتله وإلّا فلا فكأنّه قال له بل الّذي نعتقده على العكس بما نطقت به وأنّه لو إن كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ولكنّه من غير رهطك فأنت تحبّ أن يقتل وهذا بحسب ما ظهر له في تلك الحالة ونقل بن التّين عن الدّاوديّ أنّ معنى قوله كذبت لا تقتله أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يجعل حكمة إليك فذلك لا تقدر على قتله وهو حملٌ جيّدٌ وقد بيّنت الرّوايات الأخرى السّبب الحامل لسعد بن عبادة على ما قال ففي رواية بن إسحاق فقال سعد بن عبادة ما قلت هذه المقالة إلّا أنّك علمت أنّه من الخزرج وفي رواية بن حاطبٍ فقال سعد بن عبادة يا بن معاذٍ واللّه ما بك نصرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكنّها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهليّة وإحنٌ لم تحلل لنا من صدوركم فقال بن معاذٍ اللّه أعلم بما أردت وفي حديث بن عمر إنّما طلبت به دخول الجاهليّة قال بن التّين قول بن معاذٍ إن كان من الأوس ضربت عنقه إنّما قال ذلك لأنّ الأوس قومه وهم بنو النجار ولم يقل في الخزرج لما كان بين الأوس والخزرج من التّشاحن قبل الإسلام ثمّ زال بالإسلام وبقي بعضه بحكم الأنفة قال فتكلّم سعد بن عبادة بحكم الأنفة ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذٍ وهو من الأوس قال ولم يرد سعد بن عبادة الرّضا بما نقل عن عبد اللّه بن أبيٍّ وإنّما بمعنى قول عائشة وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا أي لم يتقدّم منه ما يتعلّق بالوقوف مع أنفة الحميّة ولم ترد أنّه ناضل عن المنافقين وهو كما قال إلّا أنّ دعواه أنّ بني النّجّار قوم سعد بن معاذٍ خطأٌ وإنّما هم من رهط سعد بن عبادة ولم يجر لهم في هذه القصّة ذكرٌ وقد تأوّل بعضهم ما دار بين السّعدين بتأويلٍ بعيدٍ فارتكب شططًا فزعم أنّ قول سعد بن عبادة لا تقتله ولا تقدر على قتله أي إن كان من الأوس واستدلّ على ذلك بأن بن معاذٍ لم يقل في الخزرجيّ ضربنا عنقه وإنّما قال ذلك في الأوسيّ فدلّ على أن بن عبادة لم يقل ذلك حميّةً لقومه إذ لو كان حميّةً لم يوجّهها رهط غيره قال وسبب قوله ذلك أنّ الّذي خاض في الإفك كان يظهر الإسلام ولم يكن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقتل من يظهر الإسلام وأراد أنّ بقيّة قومه يمنعونه منه إذا أراد قتله إذا لم يصدر من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمرٌ بقتله فكأنّه قال لا تقل ما لا تفعل ولا تعدّ بما لا تقدر على الوفاء به ثمّ أجاب عن قول عائشة احتملته الحميّة بأنّها كانت حينئذٍ منزعجة الخاطر لما دهمها من الأمر فقد يقع في فهمها ما يكون أرجح منه وعن قول أسيد بن حضيرٍ الآتي بأنّه حمل قول بن عبادة على ظاهر لفظه وخفي عليه أنّ له محملًا سائغًا انتهى ولا يخفى ما فيه من التّعسّف من غير حاجةٍ إلى ذلك وقوله إنّ عائشة قالت ذلك وهي منزعجة الخاطر مردودٍ لأنّ ذلك إنّما يتمّ لو كانت حدّثت بذلك عند وقوع الفتنة والواقع أنّها إنّما حدّثت بها بعد دهرٍ طويلٍ حتّى سمع ذلك منها عروة وغيره من التّابعين كما قدّمت الإشارة إليه وحينئذٍ كان ذلك الانزعاج وزال وانقضى والحقّ أنّها فهمت ذلك عند وقوعه بقرائن الحال وأمّا قوله لا تقدر على قتله مع أنّ سعد بن معاذٍ لم يقل بقتله كما قال في حقّ من يكون من الأوس فإنّ سعد بن عبادة فهم أن قول بن معاذٍ أمرتنا بأمرك أي إن أمرتنا بأمرك أي أمرتنا بقتله قتلناه وإن أمرت قومه بقتله قتلوه فنفى سعد بن عبادة قدرة سعد بن معاذٍ على قتله إن كان من الخزرج لعلمه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يأمر غير قومه بقتله فكأنّه أيأسه من مباشرة قتله وذلك بحكم الحميّة الّتي أشارت إليها عائشة ولا يلزم من ذلك ما فهمه المذكور أنّه يردّ أمر النّبي صلى الله عليه بقتله ولا يمتثله حاشا لسعدٍ من ذلك وقد اعتذر المازريّ عن قول أسيد بن حضيرٍ لسعد بن عبادة إنّك منافقٌ أنّ ذلك وقع منه على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد بن عبادة عن المجادلة عن بن أبيٍّ وغيره ولم يرد النّفاق الّذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر قال ولعلّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما ترك الإنكار عليه لذلك وسأذكر ما في فوائد هذا الحديث في آخر شرحه زيادةٌ في هذا قوله فقام أسيد بن حضيرٍ بالتّصغير فيه وفي أبيه وأبوه بمهملةٍ ثمّ معجمةٍ تقدّم نسبه في المناقب قوله وهو بن عمّ سعد بن معاذٍ أي من رهطه ولم يكن بن عمّه لحًّا لأنّه سعد بن معاذ بن النّعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل وأسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس إنّما يجتمعان في امرئ القيس وهما في التّعدّد إليه سواءٌ قوله فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه أي ولو كان من الخزرج إذا أمرنا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك وليست لكم قدرةٌ على منعنا من ذلك قوله فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين أطلق أسيد ذلك مبالغةً في زجره عن القول الّذي قاله وأراد بقوله فإنّك منافقٌ أي تصنع صنيع المنافقين وفسّره بقوله تجادل عن المنافقين وقابل قوله لسعد بن معاذٍ كذبت لا تقتله بقوله هو كذبت لنقتلنّه وقال المازريّ إطلاق أسيدٍ لم يرد به نفاق الكفر وإنّما أراد أنّه كان يظهر المودّة للأوس ثمّ ظهر منه في هذه القصّة ضدّ ذلك فأشبه حال المنافق لأنّ حقيقته إظهار شيءٍ وإخفاء غيره ولعلّ هذا هو السّبب في ترك إنكار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليه قوله فتثاور بمثنّاةٍ ثمّ مثلّثةٍ تفاعل من الثّورة والحيّان بمهملةٍ ثمّ تحتانيّةٍ تثنية حيٍّ والحيّ كالقبيلة أي نهض بعضهم إلى بعضٍ من الغضب ووقع في حديث بن عمر وقام سعد بن معاذٍ فسلّ سيفه قوله حتّى هموا أن يقتتلوا زاد بن جريجٍ في روايته في قصّة الإفك هنا قال قال بن عبّاسٍ فقال بعضهم لبعضٍ موعدكم الحرّة أي خارج المدينة لتتقاتلوا هناك قوله فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتّى سكتوا وفي رواية بن حاطب فلم يزل يوميء بيده إلى النّاس ها هنا حتّى هدأ الصّوت وفي رواية فليحٍ فنزل فخفّضهم حتّى سكتوا ويحمل على أنّه سكّتهم وهو على المنبر ثمّ نزل إليهم أيضًا ليكمل تسكيتهم ووقع في رواية عطاء الخرساني عن الزّهريّ فحجز بينهم قوله فمكثت يومي ذلك في رواية الكشميهنيّ فبكيت وهي في رواية فليحٍ وصالحٍ وغيرهما قوله فأصبح أبواي عندي أي أنّهما جاآ إلى المكان الّذي هي به من بينهما لا أنّها رجعت من عندهما إلى بيتها ووقع في رواية محمّد بن ثورٍ عن معمرٍ عند الطّبريّ وأنا في بيت أبويّ قوله وقد بكيت ليلتين ويومًا أي اللّيلة الّتي أخبرتها فيها أمّ مسطحٍ الخبر واليوم الّذي خطب فيه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم النّاس واللّيلة الّتي تليه ووقع في رواية فليحٍ وقد بكيت ليلتي ويومًا وكأنّ الياء مشدّدةٌ ونسبتهما إلى نفسها لما وقع لها فيهما قوله فبيناهما وفي رواية الكشميهنيّ فبينما هما قوله يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي في رواية فليحٍ حتّى أظنّ ويجمع بأنّ الجميع كانوا يظنّون ذلك قوله فاستأذنت كذا فيه وفي الكلام حذفٌ تقديره جاءت امرأةٌ فاستأذنت وفي رواية فليحٍ إذ استأذنت قوله امرأةٌ من الأنصار لم أقف على اسمها قوله فبينا نحن على ذلك في رواية الكشميهنيّ فبينا نحن كذلك وهي رواية فليح والأول رواية صالحٍ قوله دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيأتي في رواية هشام بن عروة بلفظ فأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتّى دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد صلّى العصر وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي وفي رواية بن حاطبٍ وقد جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى جلس على سريرٍ وجاهي وفي حديث أمّ رومان أنّ عائشة في تلك الحالة كانت بها الحمّى النّافض وأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا دخل فوجدها كذلك قال ما شأن هذه قالت أخذتها الحمى بناقض قال فلعلّه في حديثٍ تحدّث قالت نعم فقعدت عائشة قوله ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني حكى التسهيلي أنّ بعض المفسّرين ذكر أنّ المدّة كانت سبعةً وثلاثين يومًا فألغى الكسر في هذه الرّواية وعند بن حزمٍ أنّ المدّة كانت خمسين يومًا أو أزيد ويجمع بأنّها المدّة الّتي كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن في قصّة الإفك وأمّا التّقييد بالشّهر فهو المدّة الّتي أوّلها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر قوله فتشهّد في رواية هشام بن عروة فحمد اللّه وأثنى عليه قوله أمّا بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا هو كنايةٌ عمّا رميت به من الإفك ولم أر في شيءٍ من الطّرق التّصريح فلعلّ الكناية من لفظ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ووقع في روايةٍ بن إسحاق فقال يا عائشة إنّه قد كان ما بلغك من قول النّاس فاتّق اللّه وإن كنت قارفت سوءًا فتوبي قوله فإن كنت بريئةً فسيبرّئك اللّه أي بوحيٍ ينزّله بذلك قرآنًا أو غيره قوله وإن كنت ألممت بذنبٍ أي وقع منك على خلاف العادة وهذا حقيقة الإدام ومنه ألمّت بنا واللّيل مرخٍ ستوره قوله فاستغفري اللّه وتوبي إليه في رواية معمرٍ ثمّ توبي إليه وفي رواية أبي أويسٍ إنّما أنت من بنات آدم إن كنت أخطأت فتوبي قوله فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه قال الدّاوديّ أمرها بالاعتراف ولم يندبها إلى الكتمان المفرق بين أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وغيرهنّ فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهنّ ولا يكتمنه إيّاه لأنّه لا يحلّ لنبيٍّ إمساك من يقع منها ذلك بخلاف نساء النّاس فأنهن تدين إلى السّتر وتعقّبه عياضٌ بأنّه ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك ولا فيه أنّه أمرها بالاعتراف وإنّما أمرها أن تستغفر اللّه وتتوب إليه أي فيما بينها وبين ربّها فليس صريحًا في الأمر لها بأن تعترف عند النّاس بذلك وسياق جواب عائشة يشعر بما قاله الدّاوديّ لكنّ المعترف عنده ليس إطلاقه فليتأمّل ويؤيّد ما قاله عياضٌ أنّ في رواية حاطبٍ قالت فقال أبي إن كنت صنعت شيئًا فاستغفري اللّه وإلّا فأخبري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعذرك قوله قلص دمعي بفتح القاف واللّام ثمّ مهملةٍ أي استمسك نزوله فانقطع ومنه قلص الظل إذا شمّر قال القرطبيّ سببه أنّ الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد الدّمع لفرط حرارة المصيبة قوله حتّى ما أحسّ بضمّ الهمزة وكسر المهملة أي أجد قوله فقلت لأبي أجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما قال قال واللّه ما أدري ما أقول قيل إنّما قالت عائشة لأبيها ذلك مع أنّ السّؤال إنّما وقع عمّا في باطن الأمر وهو لا اطّلاع له على ذلك لكن قالته إشارةً إلى أنّها لم يقع منها شيءٌ في الباطن يخالف الظّاهر الّذي هو يطّلع عليه فكأنّها قالت له برّئني بما شئت وأنت على ثقةٍ من الصّدق فيما تقول وإنّما أجابها أبو بكرٍ بقوله لا أدري لأنّه كان كثير الاتّباع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأجاب بما يطابق السّؤال في المعنى ولأنّه وإن كان يتحقّق براءتها لكنّه كره أن يزكّي ولده وكذا الجواب عن قول أمّها لا أدري ووقع في رواية هشام بن عروة الآتية فقال ماذا أقول وفي رواية أبي أويسٍ فقلت لأبي أجب فقال لا أفعل هو رسول اللّه والوحي يأتيه قوله قالت قلت وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن قالت هذا توطئةً لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب عليه السّلام كما سيأتي ووقع في رواية هشام بن عروة الآتية فلمّا لم يجيباه تشهّدت فحمدت اللّه وأثنيت عليه بما هو أهله ثمّ قلت أما بعد وفي رواية بن إسحاق فلمّا استعجما عليّ استعبرت فبكيت ثمّ قلت واللّه لا أتوب ممّا ذكروا أبدًا قوله حتّى استقرّ في أنفسكم في رواية فليحٍ وقر بالتّخفيف أي ثبت وزنًا ومعنًى قوله وصدقتم به في رواية هشام بن عروة لقد تكلّمتم به وأشربته قلوبكم قالت هذا وإن لم يكن على حقيقته على سبيل المقابلة لما وقع من المبالغة في التّنقيب عن ذلك وهي كانت لما تحقّقته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنّه كان ينبغي لكلّ من سمع عنها ذلك أن يقطع بكذبه لكنّ العذر لهم عن ذلك أنّهم أرادوا إقامة الحجّة على من تكلّم في ذلك ولا يكفي فيها مجرّد نفي ما قالوا والسّكوت عليه بل تعيّن التّنقيب عليه لقطع شبههم أو مرادها بمن صدّق به أصحاب الإفك لكن ضمّت إليه من لم يكذّبهم تغليبًا قوله لا تصدّقونني بذلك أي لا تقطعون بصدقي وفي رواية هشام بن عروة ما ذاك بنافعي عندكم وقالت في الشق الآخر لنصدقني وهو بتشديد النّون والأصل تصدّقونني فأدغمت إحدى النّونين في الأخرى وإنّما قالت ذلك لأنّ المرء مؤاخذ بإقراره ووقع في حديث أمّ رومان لئن حلفت لا تصدّقونني ولئن قلت لا تعذرونني قوله واللّه ما أجد لكم مثلًا في رواية صالحٍ وفليحٍ ومعمرٍ ما أجد لكم ولي مثلًا قوله إلّا قول أبي يوسف زاد بن جريجٍ في روايته واختلس منّي اسمه وفي رواية هشام بن عروة والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه وفي رواية أبي أويسٍ نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف ووقع في حديث أمّ رومان مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وهي بالمعنى للتّصريح في حديث هشام وغيره بأنّها لم تستحضر اسمه قوله ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي زاد بن جريجٍ وولّيت وجهي نحو الجدر قوله وأنا حينئذٍ أعلم أنّي بريئةٌ وأنّ اللّه مبرّئي ببراءتي زعم بن التّين أنّه وقع عنده وأنّ اللّه مبرّئني بنونٍ قبل الياء وبعد الهمزة قال وليس ببيّنٍ لأنّ نون الوقاية تدخل في الأفعال لتسلم من الكسر والأسماء تكسر فلا تحتاج إليها انتهى والّذي وقفنا عليه في جميع الرّوايات مبرّئي بغير نونٍ وعلى تقدير وجود ما ذكر فقد سمع مثل ذلك في بعض اللّغات قوله ولكن واللّه ما كنت أظنّ أنّ اللّه منزلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمرٍ زاد يونس في روايته يتلى وفي رواية فليحٍ من أن يتكلّم بالقرآن في أمري وفي رواية بن إسحاق يقرأ به في المساجد ويصلّى به قوله فواللّه ما رام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي فارق ومصدره الرّيم بالتّحتانيّة بخلاف رام بمعنى طلب فمصدره الرّوم ويفترقان في المضارع يقال رام يروم رومًا ورام يريم ريمًا وحذف في هذه الرّواية الفاعل ووقع في رواية صالحٍ وفليحٍ ومعمرٍ وغيرهم مجلسه أي ما فارق مجلسه قوله ولا خرج أحدٌ من أهل البيت أي الّذين كانوا حينئذٍ حضورًا ووقع في رواية أبي أسامة وأنزل اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من ساعته قوله فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء بضمّ الموحّدة وفتح الرّاء ثمّ مهملةٍ ثمّ مدٍّ هي شدّة الحمّى وقيل شدّة الكرب وقيل شدّة الحرّ ومنه برح بي الهمّ إذا بلغ منّي غايته ووقع في رواية إسحاق بن راشدٍ وهو العرق وبه جزم الدّاوديّ وهو تفسيرٌ باللّازم غالبًا لأنّ البرحاء شدّة الكرب ويكون عنده العرق غالبا وفي رواية بن حاطبٍ وشخص بصره إلى السّقف وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة عند الحاكم فأتاه الوحي وكان إذا أتاه الوحي أخذه السبل وفي رواية بن إسحاق فسجّي بثوبٍ ووضعت تحت رأسه وسادةً من أدمٍ قوله حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشّاتي من ثقل القول الّذي ينزل عليه الجمان بضمّ الجيم وتخفيف الميم اللّؤلؤ وقيل حبٌّ يعمل من الفضّة كاللّؤلؤ وقال الدّاوديّ خرزٌ أبيض والأوّل أولى فشبّهت قطرات عرقه صلّى الله عليه وسلم بالجمان لمشابهتها في الصفاء والحسن وزاد بن جريجٍ في روايته قال أبو بكرٍ فجعلت أنظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخشى أن ينزل من السّماء ما لا مردّ له وأنظر إلى وجه عائشة فإذا هو منبّقٌ فيطمعني ذلك فيها وفي رواية بن إسحاق فأمّا أنا فواللّه ما فزعت قد عرفت أنّي بريئةٌ وأنّ اللّه غير ظالمي وأمّا أبواي فما سرّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى ظننت لتخرجن أنفسها فرقًا من أن يأتي من اللّه تحقيق ما يقول النّاس ونحوه في رواية الواقديّ قوله فلمّا سرّي بضمّ المهملة وتشديد الرّاء المكسورة أي كشف قوله وهو يضحك في رواية هشام بن عروة فرفع عنه وإنّي لأتبيّن السّرور في وجهه يمسح جبينه وفي رواية بن حاطبٍ فوالّذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما زال يضحك حتّى إنّي لأنظر إلى نواجذه سرورًا ثمّ مسح وجهه قوله فكان أوّل كلمةٍ تكلّم بها يا عائشة أمّا اللّه عزّ وجلّ فقد برّأك في رواية صالح بن كيسان قال يا عائشة وفي رواية فليحٍ أن قال لي يا عائشة احمدي اللّه فقد برّأك زاد في رواية معمرٍ أبشري وكذا في رواية هشام بن عروة وعند التّرمذيّ من هذا الوجه البشرى يا عائشة فقد أنزل اللّه براءتك وفي رواية عمر بن أبي سلمة فقال أبشري يا عائشة قوله أمّا اللّه فقد برّأك أي بما أنزل من القرآن قوله فقالت أمّي قومي إليه قال فقلت واللّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا اللّه في رواية صالحٍ فقالت لي أمّي قومي إليه فقلت واللّه لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمد إلّا اللّه الّذي أنزل براءتي وفي رواية الطّبريّ من هذا الوجه أحمد اللّه لا إياكما وفي رواية بن جريجٍ فقلت بحمد اللّه وذمّكما وفي رواية أبي أويسٍ نحمد اللّه ولا نحمدكم وفي رواية أمّ رومان وكذا في حديث أبي هريرة فقالت نحمد اللّه لا نحمدك ومثله في رواية عمر بن أبي سلمة وكذا عند الواقديّ وفي رواية بن حاطبٍ واللّه لا نحمدك ولا نحمد أصحابك وفي رواية مقسمٍ والأسود وكذا في حديث بن عبّاسٍ ولا نحمدك ولا نحمد أصحابك وزاد في رواية الأسود عن عائشة وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيدي فانتزعت يدي منه فنهرني أبو بكرٍ وعذرها في إطلاق ذلك ما ذكرته من الّذي خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال مع تحقّقهم حسن طريقتها قال بن الجوزيّ إنّما قالت ذلك إدلالًا كما يدلّ الحبيب على حبيبه وقيل أشارت إلى إفراد اللّه تعالى بقولها فهو الّذي أنزل براءتي فناسب إفراده بالحمد في الحال ولا يلزم منه ترك الحمد بعد ذلك ويحتمل أن تكون مع ذلك تمسّكت بظاهر قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لها احمدي اللّه ففهمت منه أمرها بإفراد اللّه تعالى بالحمد فقالت ذلك وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب وروى الطّبريّ وأبو عوانة من طريق أبي حصينٍ عن مجاهدٍ قال قالت عائشة لمّا نزل عذرها فقبّل أبو بكرٍ رأسها فقلت ألا عذرتني فقال أيّ سماءٍ تظلّني وأيّ أرضٍ تقلّني إذا قلت ما لا أعلم قوله فأنزل اللّه تعالى إن الّذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم العشر الآيات كلّها قلت آخر العشرة قوله تعالى والله يعلم وأنتم لا تعلمون لكن وقع في رواية عطاء الخرساني عن الزّهريّ فأنزل اللّه تعالى إنّ الّذين جاؤوا إلى قوله أن يغفر اللّه لكم واللّه غفور رحيم وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشر آيةً فلعلّ في قولها العشر الآيات مجازًا بطريق إلغاء الكسر وفي رواية الحكم بن عتيبة مرسلا عن الطّبريّ لمّا خاض النّاس في أمر عائشة فذكر الحديث مختصرًا وفي آخره فأنزل اللّه تعالى خمس عشرة آيةً من سورة النّور حتّى بلغ الخبيثات للخبيثين وهذا فيه تجوّزٌ وعدّة الآي إلى هذا الموضع ستّ عشرة وفي مرسل سعيد بن جبير عند بن أبي حاتمٍ والحاكم في الإكليل فنزلت ثماني عشرة آيةً متواليةً كذّبت من قذف عائشة إن الّذين جاؤوا إلى قوله رزق كريم وفيه ما فيه أيضًا وتحرير العدّة سبع عشرة قال الزّمخشريّ لم يقع في القرآن من التّغليظ في معصيةٍ ما وقع في قصّة الإفك بأوجز عبارةٍ وأشبعها لاشتماله على الوعيد الشّديد والعتاب البليغ والزّجر العنيف واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرقٍ مختلفةٍ وأساليبٍ متقنةٍ كلّ واحدٍ منها كافٍ في بابه بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلّا بما هو دون ذلك وما ذلك إلّا لإظهار علوّ منزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتطهير من هو منه بسبيلٍ وعند أبي داود من طريق حميدٍ الأعرج عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكشف الثّوب عن وجهه ثمّ قال أعوذ باللّه السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم إن الّذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم وفي رواية بن إسحاق ثمّ خرج إلى النّاس فخطبهم وتلا عليهم ويجمع بأنّه قرأ ذلك عند عائشة ثمّ خرج فقرأها على النّاس قوله فلمّا أنزل اللّه هذا في براءتي قال أبو بكرٍ يؤخذ منه مشروعيّة ترك المؤاخذة بالذّنب ما دام احتمال عدمه موجودًا لأنّ أبا بكرٍ لم يقطع نفقة مسطحٍ إلّا بعد تحقيق ذنبه فيما وقع منه قوله لقرابته منه تقدّم بيان ذلك قبل قوله وفقره علّةٌ أخرى للإنفاق عليه قوله بعد الّذي قال لعائشة أي عن عائشة وفي رواية هشام بن عروة فخلف أبو بكرٍ أن لا ينفع مسطحًا بنافعةٍ أبدًا قوله ولا يأتل سيأتي شرحه في باب مفرد قريبا قوله وليعفوا وليصفحوا قال مسلمٌ حدّثنا حبّان بن موسى أنبأنا عبد اللّه بن المبارك قال هذه أرجى آيةٍ في كتاب اللّه انتهى وإلى ذلك أشار القائل فإنّ قدر الذّنب من مسطحٍ يحطّ قدر النّجم من أفقه وقد جرى منه الّذي قد جرى وعوتب الصّدّيق في حقّه قوله قال أبو بكرٍ بلى واللّه إنّي لأحبّ أن يغفر اللّه لي في رواية هشام بن عروة بلى واللّه يا ربّنا إنّا لنحبّ أن تغفر لنا قوله فرجع إلى مسطحٍ النّفقة أي ردّها إليه وفي رواية فليحٍ فرجع إلى مسطحٍ الّذي كان يجري عليه وفي رواية هشام بن عروة وعاد له بما كان يصنع ووقع عند الطّبرانيّ أنّه صار يعطيه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك قوله يسأل زينب بنت جحشٍ أي أمّ المؤمنين أحمي سمعي وبصري أي من الحماية فلا أنسب إليهما ما لم أسمع وأبصر قوله وهي الّتي كانت تساميني أي تعاليني من السّموّ وهو العلوّ والارتفاع أي تطلب من العلوّ والرّفعة والحظوة عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما أطلب أو تعتقد أنّ الّذي لها عنده مثل الّذي لي عنده وذهل بعض الشّرّاح فقال إنّه من سوم الخسف وهو حمل الإنسان على ما يكرهه والمعنى تغايظني وهذا لا يصحّ فإنّه لا يقال في مثله سام ولكن ساوم قوله فعصمها اللّه أي حفظها ومنعها قوله بالورع أي بالمحافظة على دينها وبجانبه ما تخشى سوء عاقبته قوله وطفقت بكسر الفاء وحكي فتحها أي جعلت أو شرعت وحمنة بفتح المهملة وسكون الميم وكانت تحت طلحة بن عبيد اللّه قوله تحارب لها أي تجادل لها وتنعصب وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وتعلو مرتبة أختها زينب قوله فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك أي حدّثت فيمن حدث أو أئمت مع من أثم زاد صالح بن كيسان وفليح ومعمر وغيرهم قال بن شهابٍ فهذا الّذي بلغنا من حديث هؤلاء الرّهط زاد صالح بن كيسان عن بن شهابٍ عن عروة قالت عائشة واللّه إنّ الرّجل الّذي قيل له ما قيل ليقول سبحان اللّه والّذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قطّ وقد تقدّم شرحه قبل قالت عائشة ثمّ قتل بعد ذلك في سبيل اللّه وتقدّم الخلاف في سنة قتله وفي الغزاة الّتي استشهد فيها في أوائل الكلام على هذا الحديث ووقع في آخر رواية هشام بن عروة وكان الّذي تكلّم به مسطحٌ وحسّان بن ثابتٍ والمنافق عبد الله بن أبيٍّ وهو الّذي يستوشيه وهو الّذي تولّى كبره هو وحمنة وعند الطّبرانيّ من هذا الوجه وكان الّذي تولّى كبره عبد اللّه بن أبيٍّ ومسطحٌ وحمنة وحسّان وكان كبر ذلك من قبل عبد اللّه بن أبيٍّ وعند أصحاب السّنن من طريق محمّد بن إسحاق عن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزمٍ عن عمرة عن عائشة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أقام حدّ القذف على الّذين تكلّموا بالإفك لكن لم يذكر فيهم عبد اللّه بن أبيٍّ وكذا في حديث أبي هريرة عند البزّار وبنى على ذلك صاحب الهدي فأبدى الحكمة في ترك الحدّ على عبد اللّه بن أبيٍّ وفاته أنّه ورد أنّه ذكر أيضًا فيمن أقيم عليه الحدّ ووقع ذلك في رواية أبي أويسٍ وعن حسن بن زيدٍ عن عبد اللّه بن أبي بكرٍ أخرجه الحاكم في الإكليل وفيه ردٌّ على الماورديّ حيث صحّح أنّه لم يحدّهم مستندًا إلى أنّ الحدّ لا يثبت إلّا ببيّنةٍ أو إقرارٍ ثمّ قال وقيل إنّه حدّهم وما ضعّفه هو الصّحيح المعتمد وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في كتاب الحدود إن شاء اللّه تعالى وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم جواز الحديث عن جماعةٍ ملفّقًا مجملًا وقد تقدّم البحث فيه وفيه مشروعيّة القرعة حتّى بين النّساء وفي المسافرة بهنّ والسّفر بالنّساء حتّى في الغزو وجواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناسٍ وذمّ ناسٍ إذا تضمّن ذلك إزلة توهّم النّقص عن الحاكي إذا كان بريئًا عند قصد نصح من يبلغه ذلك لئلّا يقع فيما وقع فيه من سبقٍ وأنّ الاعتناء بالسّلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم وتحصيل الأجر للموقوع فيه وفيه استعمال التّوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام وأنّ الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة وجواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير ولو كان ذلك ممّا يشقّ عليه حيث يكون مطيقًا لذلك وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب وجواز تستّر المرأة بالشّيء المنفصل عن البدن وتوجّه المرأة لقضاء حاجتها وحدها وبغير إذنٍ خاصٍّ من زوجها بل اعتمادًا على الإذن العامّ المستند إلى العرف العامّ وجواز تحلّي المرأة في السّفر بالقلادة ونحوها وصيانة المال ولو قلّ للنّهي عن إضاعة المال فإنّ عقد عائشة لم يكن من ذهبٍ ولا جوهرٍ وفيه شؤم الحرص على المال لأنّها لو لم تطل في التّفتيش لرجعت بسرعةٍ فلمّا زاد على قدر الحاجة أثّر ما جرى وقريبٌ منه قصّة المتخاصمين حيث رفع علم ليلة القدر بسببهما فإنّهما لم يقتصرا على ما لا بدّ منه بل زاد في الخصام حتّى ارتفعت أصواتهما فأثّر ذلك بالرّفع المذكور وتوقّف رحيل العسكر على إذن الأمير واستعمال بعض الجيش ساقةً يكون أمينًا ليحمل الضّعيف ويحفظ ما يسقط وغير ذلك من المصالح والاسترجاع عند المصيبة وتغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبيّ وإطلاق الظّنّ على العلم كذا قيل وفيه نظرٌ قدّمته وإغاثة الملهوف وعون المنقطع وإنقاذ الضّائع وإكرام ذوي القدر وإيثارهم بالرّكوب وتجشّم المشقّة لأجل ذلك وحسن الأدب مع الأجانب خصوصًا النّساء لا سيّما في الخلوة والمشي أمام المرأة ليستقرّ خاطرها وتأمن ممّا يتوهّم من نظره لما عساه ينكشف منها في حركة المشي وفيه ملاطفة الزّوجة وحسن معاشرتها والتّقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النّقص وإن لم يتحقّق وفائدة ذلك أن تتفطّن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف وأنّه لا ينبغي لأهل المريض أن يعلموه بما يؤذي باطنه لئلّا يزيد ذلك في مرضه وفيه السّؤال عن المريض وإشارةً إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة فإذا كان السّبب محقّقًا فيترك أصلًا وإن كان مظنونًا فيخفّف وإن كان مشكوكًا فيه أو محتملًا فيحسن التّقليل منه لا للعمل بما قيل بل لئلّا يظنّ بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقّه لأنّ ذلك من خوارم المروءة وفيه أنّ المرأة إذا خرجت لحاجةٍ تستصحب من يؤنسها أو يخدمها ممّن يؤمن عليها وفيه ذبّ المسلم عن المسلم خصوصًا من كان من أهل الفضل وردع من يؤذيهم ولو كان منهم بسبيلٍ وبيان مزيد فضيلة أهل بدرٍ وإطلاق السّبّ على لفظ الدّعاء بالسّوء على الشّخص وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع وتعرف صحّته وفساده بالتّنقيب على من قيل فيه هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه أو يقرب منه واستصحاب حال من اتّهم بسوءٍ إذا كان قبل ذلك معروفًا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك وفيه فضيلة قويّة لأم مسطح لأنهالم تحاب ولدها في وقوعه في حقّ عائشة بل تعمّدت سبّه على ذلك وفيه تقويةٌ لأحد الاحتمالين في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم عن أهل بدرٍ أنّ اللّه قال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأنّ الرّاجح أنّ المراد بذلك أنّ الذّنوب تقع منهم لكنّها مقرونةٌ بالمغفرة تفضيلًا لهم على غيرهم بسبب ذلك المشهد العظيم ومرجوحيّة القول الآخر أنّ المراد أنّ اللّه تعالى عصمهم فلا يقع منهم ذنبٌ نبّه على ذلك الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة نفع اللّه به وفيه مشروعيّة التّسبيح عند سماع ما يعتقد السّامع أنّه كذبٌ وتوجيهه هنا أنّه سبحانه وتعالى ينزّه أن يحصل لقرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تدنيسٌ فيشرع شكره بالتّنزيه في مثل هذا نبّه عليه أبو بكر بن العربيّ وفيه توقّف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كانت إلى بيت أبويها وفيه البحث عن الأمر المقول ممّن يدلّ عليه المقول فيه والتوقف في خير الواحد ولو كان صادقًا وطلب الارتقاء من مرتبة الظّنّ إلى مرتبة اليقين وأنّ خبر الواحد إذا جاء شيئًا بعد شيءٍ أفاد القطع لقول عائشة لأستيقن الخبر من قبلهما وأنّ ذلك لا يتوقّف على عددٍ معيّنٍ وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممّن يلوذ به بقرابةٍ وغيرها وتخصيص من جرّبت صحّة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب والبحث عن حال من اتّهم بشيءٍ وحكاية ذلك للكشف عن أمره ولا يعدّ ذلك غيبةً وفيه استعمال لا نعلم إلّا خيرًا في التّزكية وأنّ ذلك كافٍ في حقّ من سبقت عدالته ممّن يطّلع على خفيّ أمره وفيه التّثبّت في الشّهادة وفطنة الإمام عند الحادث المهمّ والاستنصار بالأخصّاء على الأجانب وتوطئة العذر لمن يراد إيقاع العقاب به أو العتاب له واستشارة الأعلى لمن هو دونه واستخدام من ليس في الرّقّ وأنّ من استفسر عن حال شخصٍ فأراد بيان ما فيه من عيبٍ فليقدّم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلمه كما قالت بريرة في عائشة حيث عاتبها بالنّوم عن العجين فقدّمت قبل ذلك أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ وفيه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا يحكم لنفسه إلّا بعد نزول الوحي لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يجزم في القصّة بشيءٍ قبل نزول الوحي نبّه عليه الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة نفع اللّه به وأنّ الحميّة للّه ورسوله لا تذمّ وفيه فضائل جمّةٌ لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعليّ بن أبي طالبٍ وأسامة وسعد بن معاذٍ وأسيد بن حضيرٍ وفيه أنّ التّعصّب لأهل الباطل يخرج عن اسم الصّلاح وجواز سبّ من يتعرّض للباطل ونسبته إلى ما يسوءه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه لكن إذا وقع منه ما يشبه ذلك جاز إطلاق ذلك عليه تغليظًا له وإطلاق الكذب على الخطأ والقسم بلفظ لعمر اللّه وفيه النّدب إلى قطع الخصومة وتسكين ثائرة الفتنة وسدّ ذريعة ذلك واحتمال أخفّ الضّررين بزوال أغلظهما وفضل احتمال الأذى وفيه مباعدة من خالف الرّسول ولو كان قريبًا حميمًا وفيه أنّ من آذى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقولٍ أو فعلٍ يقتل لأنّ سعد بن معاذٍ أطلق ذلك ولم ينكره النّبيّ عليه وسلّم وفيه مساعدة من نزلت فيه بليّةٌ بالتّوجّع والبكاء والحزن وفيه تثبّت أبي بكرٍ الصّدّيق في الأمور لأنّه لم ينقل عنه في هذه القصّة مع تمادي الحال فيها شهرًا كلمةً فما فوقها إلّا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنّه قال واللّه ما قيل لنا هذا في الجاهليّة فكيف بعد أن أعزانا الله بالإسلام وقع ذلك في حديث بن عمر عند الطّبرانيّ وفيه ابتداء الكلام في الأمر المهمّ بالتّشهّد والحمد والثّناء وقول أمّا بعد وتوقيف من نقل عنه ذنبٌ على ما قيل فيه بعد البحث عنه وأنّ قول كذا وكذا يكنّى بها عن الأحوال كما يكنّى بها عن الأعداد ولا تختصّ بالأعداد وفيه مشروعيّة التّوبة وأنّها تقبل من المعترف المقلع المخلص وأنّ مجرّد الاعتراف لا يجزئ فيها وأنّ الاعتراف بما لم يقع لا يجوز ولو عرف أنّه يصدق في ذلك ولا يؤاخذ على ما يترتّب على اعترافه بل عليه أن يقول الحقّ أو يسكت وأن الصّبر يحمد عاقبته ويغبط صاحبه وفيه تقديم الكبير في الكلام وتوقّف من اشتبه عليه الأمر في الكلام وفيه تبشير من تجدّدت له نعمةٌ أو اندفعت عنه نقمةٌ وفيه الضّحك والفرح والاستبشار عند ذلك ومعذرة من انزعج عند وقوع الشّدّة لصغر سنٍّ ونحوه وإدلال المرأة على زوجها وأبويها وتدريج من وقع في مصيبةٍ فزالت عنه لئلّا يهجم على قلبه الفرح من أوّل وهلةٍ فيهلكه يؤخذ ذلك من ابتداء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول الوحي ببراءة عائشة بالضّحك ثمّ تبشيرها ثمّ إعلامها ببراءتها مجملةً ثمّ تلاوته الآيات على وجهها وقد نصّ الحكماء على أنّ من اشتدّ عليه العطش لا يمكّن من المبالغة في الرّيّ في الماء لئلّا يفضي به ذلك إلى الهلكة بل يجرّع قليلًا قليلًا وفيه أنّ الشّدّة إذا اشتدّت أعقبها الفرج وفضّل من يفوّض الأمر لربّه وأنّ من قوي على ذلك خفّ عنه الهمّ والغمّ كما وقع في حالتي عائشة قبل استفسارها عن حالها وبعد جوابها بقولها واللّه المستعان وفيه الحثّ على الإنفاق في سبيل الخير خصوصًا في صلة الرّحم ووقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه أو صفح عنه وأنّ من حلف أن لا يفعل شيئًا من الخير استحبّ له الخنث وجواز الاستشهاد بآي القرآن في النّوازل والتّأسّي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم وفيه التّسبيح عند التّعجّب واستعظام الأمر وذمّ الغيبة وذمّ سماعها وزجر من يتعاطاها لا سيّما إن تضمّنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه وذمّ إشاعة الفاحشة وتحريم الشّكّ في براءة عائشة وفيه تأخير الحدّ عمّن يخشى من إيقاعه به الفتنة نبّه على ذلك بن بطّالٍ مستندًا إلى أنّ عبد اللّه بن أبيٍّ كان ممّن قذف عائشة ولم يقع في الحديث أنّه ممّن حدّ وتعقّبه عياضٌ بأنّه لم يثبت أنّه قذف بل الّذي ثبت أنّه كان يستخرجه ويستوشيه قلت وقد ورد أنّه قذف صريحًا ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند بن أبي حاتمٍ وغيره وفي مرسل مقاتل بن حيّان عند الحاكم في الإكليل بلفظ فرماها عبد الله بن أبي وفي حديث بن عمر عند الطّبرانيّ بلفظٍ أشنع من ذلك وورد أيضًا أنّه ممّن جلد الحدّ وقع ذلك في رواية أبي أويسٍ عن الحسن بن زيدٍ وعبد اللّه بن أبي بكر بن حزمٍ وغيرهما مرسلًا أخرجه الحاكم في الإكليل فإن ثبتا سقط السّؤال وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياضٌ فإنّه لم يثبت خبرٌ بأنّه قذف صريحًا ثمّ لم يحدّ وقد حكى الماورديّ إنكار وقوع الحدّ بالّذين قذفوا عائشة أصلًا كما تقدّم واعتلّ قائله بأنّ حدّ القذف لا يجب إلّا بقيام بيّنةٍ أو إقرارٍ وزاد غيره أو بطلب المقذوف قال ولم ينقل ذلك كذا قال وفيه نظرٌ يأتي إيضاحه في كتاب الحدود إن شاء اللّه تعالى واستدلّ به أبو عليٍّ الكرابيسيّ صاحب الشّافعيّ في كتاب القضاء على منع الحكم حالة الغضب لما بدا من سعد بن معاذٍ وأسيد بن حضيرٍ وسعد بن عبادة من قول بعضهم لبعضٍ حالة الغضب حتّى كادوا يقتتلون قال فإنّ الغضب يخرج الحليم المتّقي إلى ما لا يليق به فقد أخرج الغضب قومًا من خيار هذه الأمّة بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مالا يشكّ أحدٌ من الصّحابة أنّها منهم زلّةٌ إلى آخر كلامه في ذلك وهذه مسألةٌ نقل بعض المتأخّرين فيها روايةً عن أحمد ولم تثبت وسيأتي القول فيها في كتاب الطّلاق إن شاء اللّه تعالى ويؤخذ من سياق عائشة رضي اللّه عنها جميع قصّتها المشتملة على براءتها بيان ما أجمل في الكتاب والسّنّة لسياق أسباب ذلك وتسمية من يعرف من أصحاب القصص لما في ضمن ذلك من الفوائد الأحكاميّة والآدابيّة وغير ذلك وبذلك يعرف قصور من قال براءة عائشة ثابتة بصريح القرآن في فائدة لسياق قصّتها). [فتح الباري: 8/455-482]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً} إلى قوله: {الكاذبون} (النّور: 11 12) . {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هاذا بهتانٌ عظيمٌ} (النّور: 16) {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولّئك عند الله هم الكاذبون} (النّور: 13)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {لولا إذ سمعتموه} إلى آخر ما ذكره، ووقع عند أبي ذر الآية الأولى هكذا: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} إلى قوله: {الكاذبون} وعند غير موقع الآيتان المذكورتان غير متواليتين الأولى. قوله: {ولولا إذ سمعتموه قلتم} (النّور: 16) الآية. والثّانية قوله: {لولا جاؤوا عليه} (النّور: 13) إلى آخر الآية، ووقع عند النّسفيّ الآية الأخيرة فقط، وتمام الآية الأولى: {بأنفسهم خيرا وقالوا هذا أفك مبين لولا جاؤوا عليه} إلى قوله: {الكاذبون} (النّور: 12 13) . قوله: (لولا إذ سمعتموه) أي: هلا، للتحريض أي: حين سمعتم الإفك. قوله: (ظن المؤمنون) فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة لأن الأصل: لولا إذ سمعتم ظننتم وقلتم، وذلك للتوبيخ، وقيل: تقدير الآية: هلا ظننتم كما ظن المؤمنون والمؤمنات؟ قوله: (بأنفسهم) وقيل: بأهلهم وأزواجهم وقيل: هلا ظنّوا بها ما يظنّ بالرجل لو خلا بأمّه والمرأة لو خلت بابنها، لأنّه أزواج النّبي صلى الله عليه وسلم أمّهات المؤمنين. قوله: (وقالوا) أي: هلا قلتم هذا إفك مبين أي: كذب ظاهر. قوله: (ولولا إذ سمعتوه قلتم) أي: هلا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا أي لا يحل لنا أن نخوض في هذا الحديث وما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا سبحانك، للتعجب من عظم الأمر. قوله: (بهتان) هو كذب يواجه به المؤمن فيتحير منه قوله: (لولا جاؤوا عليه) أي: هلا جاؤوا، ولو كانوا صادقين (بأربعة شهداء) فإذ لم يأتوا بالشّهداء (فأولئك عند الله) أي في حكمة (هم الكاذبون) فيما قالوه.
- حدّثنا يحيى بن بكيرٍ حدثنا اللّيث عن يونس عن ابن شهابٍ قال أخبرني عروة بن الزّبير وسعيد بن المسيّب وعلقمة بن وقّاصٍ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ عن حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله ممّا قالوا وكلٌّ حدّثني طائفةً من الحديث وبعض حديثهم يصدّق بعضاً وإن كان بعضهم أوعى له من بعض الّذي حدّثني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنّ عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتّى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلةً بالرّحيل فقمت حين آذنوا بالرّحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت ركبت وهم يحسبون أنّي فيه وكان النّساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهنّ اللّحم إنّما تأكل العلقة من الطّعام فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه وكنت جاريةً حديثة السّنّ فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ فأممت منزلي الّذي كنت به وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلميّ ثمّ الذكوانيّ من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمّرت وجهي بجلبابي والله ما كلّمني كلمةً ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتّى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة فهلك من هلك وكان الّذي تولّى الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيءٍ من ذالك وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللّطف الّذي كنت أري منه حين أشتكي إنّما يدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلّم ثمّ يقول كيف تيكم ثمّ ينصرف فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ حتّى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معي أمّ مسطحٍ قبل المناصع وهو متبرّزنا وكنّا لا نخرج إلّا ليلاً إلى ليلاً إلى ليلٍ وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التّبرّز قبل الغائط فكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأمّ مسطحٍ وهي بنت أبي رهم بن عبد منافٍ وأمّها بنت صخر بن عامرٍ خالة أبي بكرٍ الصّدّيق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأمّ مسطحٍ قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أمّ مسطحٍ في مرطها فقالت تعس مسطحٌ فقلت لها بئس ما قلت أتسبّين رجلاً شهد بدراً قالت أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال قالت قلت وما قال قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فلمّا رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني سلّم ثمّ قال كيف تيكم فقلت أتأذن لي أن آتي أبويّ قالت وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبويّ فقلت لأمّي يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس قالت يا بنيّة هوّني عليك فوالله لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةً عند رجلٍ يحبّها ولها ضرائر إلاّ كثّرن عليها قالت فقلت سبحان الله ولقد تحدّث النّاس بهاذا قالت فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ حتّى أصبحت أبكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت فأمّا أسامة بن زيدٍ فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالّذي يعلم من براءة أهله وبالّذي يعلم لهم في نفسه من الودّ فقال يا رسول الله أهلك وما نعلم إلاّ خيراً وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنّساء سواها كثيرٌ وإن تسأل الجارية تصدقك قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال أي بريرة هل رأيت من شيءٍ يريبك قالت بريرة لا والّذي بعثك بالحقّ إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الدّاجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذٍ من عبد الله بن أبيّ ابن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي فواللّه ما علمت على أهلي إلاّ خيراً ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان قبل ذالك رجلاً صالحاً ولاكن احتملته الحميّة فقال لسعدٍ كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضيرٍ وهو ابن عمّ سعدٍ فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنّك منافقٌ تجادل عن المناققين فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت قالت فمكثت يومي ذالك لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنوم قالت فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنومٍ ولا يرقأ لي دمعٌ يظنّان أنّ البكاء فالقٌ كبدي قالت فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت فبينا نحن على ذالك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم ثمّ جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني قالت فتشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثمّ قال أمّا بعد يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئةً فسيبرّئك الله وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى الله تاب الله عليه قالت فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرةً فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمّي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ لا أقرأ كثيراً من القرآن إنّي والله لقد علمت لقد سمعتم هاذا الحديث حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به فلئن قلت لكم إنّي بريئةٌ والله يعلم أنّي بريئةٌ لا تصدّقوني بذالك ولئن اعترفت لكم بأمرٍ والله يعلم أنّي منه بريئةٌ لتصدّقني والله ما أجد لكم مثلاً إلاّ قول أبي يوسف قال: {فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون} (يوسف: 18) قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي قالت وأنا حنئذٍ أعلم أنّي بريئةٌ وأنّ الله يبرّئني ببراءتي ولاكن والله ما كنت أظنّ أنّ الله منزلٌ في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولاكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النّوم رؤيا يبرّئني الله بها قالت فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتّى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق وهو في يومٍ شاتٍ من ثقل القول الّذي ينزل عليه قالت فلمّا سرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّي عنه وهو يضحك فكانت أوّل كلمةٍ تكلّم بها يا عائشة أمّا الله عزّ وجلّ فقد برّاك فقالت أمّي قومي إليه قالت فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله عزّ وجلّ وأنزل الله: {إنّ الّذين جاؤوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه} (النّور: 11) العشر الآيات كلّها فلمّا أنزل الله هاذا في براءتي قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطحٍ شيئاً أبداً بعد الّذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفورٌ رحيمٌ} (النّور: 22) . قال أبو بكرٍ: بلى والله إنّي أحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطحٍ النّفقة الّتي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحشٍ عن أمري فقال يا زينب ماذا علمت أو رأيت فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلاّ خيراً قالت وهي الّتي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك..
هذا الحديث أخرجه البخاريّ مطولا ومختصراً في عدّة مواضع ذكرناها في كتاب الشّهادات في: باب تعديل النّساء بعضهنّ بعضًا وذكرنا أيضا ما يتعلّق بالمعاني وغيرها هناك ولنذكر هنا بعض شيء.
قوله: (وكل حدثني طائفة) أي: بعضًا، قال عياض: انتقدوا على الزّهريّ ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقًا عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر. انتهى. قد ذكرنا هناك ما فيه جواب عمّا قالوه. قوله: (عن عروة عن عائشة أن عائشة قالت) ليس المراد أن عائشة تروي عن نفسها، بل معنى قوله: عن عائشة، أي: عن حديث عائشة في قصّة الإفك، ثمّ شرع يحدث عن عائشة، فقال: إن عائشة قالت ... ووقع في رواية فليح: أن عائشة قالت ... والزعم قد موقع القول. قوله: (في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق. قوله: (فخرج سهمي) هذا يشعر بأنّها كانت في تلك الغزوة وحدها، ويروى عن الواقديّ أن أم سلمة أيضا كانت في تلك الغزوة وهو ضعيف. قوله: (بعدما نزل الحجاب) ، أي: بعدما نزل الأمر بالحجاب، والمراد حجاب النّساء عن رؤية الرّجال لهنّ وكن قبل ذلك لا يمنعن. قوله: (فسرنا، حتّى إذا فرغ) فيه حذف تقديره: فسرنا وغنمنا أموالهم وأنفسهم إلى أن فرغ. قوله: (لم يثقلن) ، من التثقيل، وفي رواية فليح: لم يثقلهن لم يغشهن اللّحم، وفي رواية معمر: لم يهبلهن، وحكى ابن الجوزيّ أن ابن الخشاب ضبطه بفتح أوله وسكون الهاء وكسر الباء الموحدة، وقال القرطبيّ بضمها، وقال النّوويّ: المشهور في ضبطه ضم أوله وفتح الهاء وتشديد الموحدة وبفتح أوله وثالثه أيضا وبضم أوله وكسر ثالثه من الرباعي، يقال: هبله اللّحم وأهبله إذا أثقله وأصبح فلان مهبلاً أي كثير اللّحم. قوله: (إنّما نأكل) ، بنون المتكلّم مع الغير وهي رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: إنّما يأكلن. قوله: (خفّة الهودج) ، ووقع في رواية فليح ومعمر: ثقل الهودج، والأول أوضح. قوله: (حديثه السن) ، لأنّها حينئذٍ لم تكمل خمس عشرة سنة. قوله: (فأممت) ، أي: قصدت، وفي رواية أبي ذر هنا بتشديد الميم الأولى. قوله: (بعدما استمرّ الجيش) ، أي: بعدما مر الجيش أي ذهبوا ماضين السّين فيه زائدة. قوله: (سيفقدوني) هذا في رواية فليح بنون واحدة، وفي رواية غيره بنونين لعدم الجازم والناصب، والأولى لغة. قوله: (فيرجعون إليّ) ، ووقع في رواية معمر: فيرجعوا، بغير نون وقد قلنا: إنّه لغة. قوله: (غير استرجاعه) ، وهو قوله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. قوله: (موغرين) ، بالغين المعجمة وبالراء أي: داخلين في شدّة الحر، من أوغر من الوغرة، وهي شدّة الحر، ويروى: مغورين، بتقديم الغين المعجمة وتشديد الواو من التغوير وهو النّزول وقت القائلة، وفي رواية فليح: معرسين، من التّعريس، من التّعريس وهو نزول المسافر في آخر اللّيل. قوله: (في نحر الظهيرة) ، بالنّون أي: في أولها. قوله: (فاشتكيت) ، أي: مرضت. قوله: (شهرا) أي: مدّة شهر. قوله: (فهلك) ، أي: بسبب الإفك ومن فاعله، وزاد صالح في روايته: في شأني. قوله: (والنّاس يفيضون) ، بضم الياء من الإفاضة أي: يخوضون في القول، يقال: أفاض في القول إذا أكثر منه. قوله: (وهو يريبني) ، بفتح الياء من الريب وبضمّها من الإرابة وهو التشكيك، يقال: رابه وأرابه. قوله: (اللطف) ، وفيه لغة بفتحتين. قوله: (كيف تيكم) بكسر التّاء المثنّاة من فوق وهي للمؤنث مثل: ذاكم للمذكر. قوله: (نقهت) ، بفتح القاف وقد تكسر من نقه من مرضه يعني أفاق ولم تتكامل صحّته. قوله: (قبل المناصع) ، بكسر القاف وفتح الباء أي: جهة المناصع وهي المواضع الخارجة عن المدينة يتبرزون فيها. قوله: (متبرزنا) ، بفتح الراءص قبل الزّاي وهو موضع التبرز. قوله: (الكنف) ، بضمنتين جمع: كنيف. قوله: (الأول) ، بضم الهمزة وفتح الواو صفة العرب، وبفتح الهمزة وتشديد الواو صفة الأمر. وقال النّوويّ: وكلاهما صحيح. قوله: (في التبرز) وفي رواية فليح: في البريّة، بفتح الباء الموحدة وتشديد الرّاء المكسورة أو: في التّنزّه، بالشّكّ وهو بفتح التّاء المثنّاة من فوق والزّاي المشدّدة وهو طلب النزاهة والمراد البعد عن البيوت. قوله: (أم مسطح) ، اسمها سلمى. قوله: (بنت أبي رهم) ، بضم الرّاء واسم أبي رهم أنيس. قوله: (أثاثة) ، بضم الهمزة وبثاءين مثلثتين مخففتين: ابن عباد بن عبد المطلب وهو مطلبي من أبيه وأمه، والمسطح عود من أعواد الخباء وهو لقب واسمه عوف، وقيل: عامر، والأول أصح. قوله: (أي هنتاه) ، بفتح الهاء وسكون النّون وقد تفتح بعدها تاء مثناة من فوق وآخرها ساكنة، وقد تضم أي: يا هذه، وقيل: يا امرأة، وقيل: بلهاء كأنّها نسبتها إلى قلّة المعرفة بمكائد النّاس، وهذه اللّفظة تختص بالنداء وإذا خوطب المذكر قيل: ياهنة، وحكي تشديد النّون وأنكره الأزهري. قوله: (ودخل عليّ) ، وفي رواية: فدخل، قيل الفاء زائدة والأولى أن يقال فيه حذف تقديره: فلمّا رجعت إلى بيتي واستقررت فيه فدخل. قوله: (وضيئة) ، على وزن: عظيمة، أي: جميلة حسناء من الوضاءة وهي الحسن، وفي رواية مسلم: حظيئة من الحظوة بالظاء المعجمة أي: رفيعة المنزلة. قوله: (ضرائر) جمع ضرّة، وقيل للزّوجات، ضرائر، لأن كل واحدة يحصل لها الضّرر من الأخرى بالغيرة. قوله: (إلاّ كثرن) بالتّشديد من التكثير وفي رواية الكشميهني وفي رواية غيره: أكثرن، أي: أكثرن القول في عيبها. قوله: (لا يرقأ) ، بفتح القاف وبالهمزة أي: لا يسكن ولا ينقطع. قوله: (ولا أكتحل بنوم) إستعارة عن السهر. قوله: (حين استلبث الوحي) ، والوحي بالرّفع فاعل: استلبث، ويحوز بالنّصب على معنى استبطاء النّبي صلى الله عليه وسلم نزوله. قوله: (يستأمرهما) ، أي: يشتشيرهما. قوله: (في فراق أهله) ، ولم يقل في فراقها لكراهة إضافة التّفريق إليها صريحًا. قوله: (أهلك) ذكر بالرّفع أي: هي أهلك، وعلم من هذا جواز إطلاق الأهل على الزّوجة، وفي رواية معمر: (هم أهلك) ، ذكر بلفظ الجمع للتعظيم ويجوز النصب أي: إلزم أهلك. قوله: (لم يضيق الله عليك) ، لم يقصد عليّ رضي الله عنه، بهذا الكلام إلّا إسكان ما عند النّبي صلى الله عليه وسلم من القلق بسببها وإلاّ لم يكن في قلبه منها شيء. قوله: (أغمصه) ، بغين معجمة وصاد مهملة أي: أعيبه. قوله: (الدّاجن) ، بالجيم: هي الشّاة الّتي تقتني في البيت ولا تخرج إلى المرعى، وقيل: كل ما يقتني في البيت من شاة أو طير فهو داجن. قوله: (فاستعذر يومئذٍ من عبد الله) أي: طلب من يعذره منه، أي: ينصفه. قوله: (ضربت عنقه) هذا في رواية صالح بن كيسان، وفي رواية غيره، (ضربنا) بنون الجمع، قوله: (وإن كان من إخواننا من الخزرج) . كلمة: من. الأولى تبعيضية، والثّانية بيانيّة. قوله: (وكان قبل ذلك رجلا صالحا) ، أي: كامل الصّلاح ولكنه تغير، يدل عليه رواية الواقديّ: (وكان صالحا لكن الغضب بلغ منه، ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه) ، قوله: (لعمر الله) ، بفتح العين لأنّه لا يستعمل في القسم إلاّ بالفتح. قوله: (ولكن احتملته الحمية) ، أي: أغضبته، وفي رواية مسلم: (أجتهلته) ، بالجيم أي: حملته على الجهل. قوله: (أسيد بن حضير) بالتّصغير فيهما. قوله: (فتثاور) ، تفاعل من الثورة، يقال: ثار يثور إذا ارتفع وأراد به النهوض للنزاع والعصبية، (والحيّان) تثنية حيّ، وهي كالقبيلة، ووقع في حديث ابن عمر قام سعد بن معاذ: فسل سيفه، قوله: (يخفضهم) ، أي: يسكنهم، وفي رواية ابن حاطب: (فلم يزل يومىء بيده إلى النّاس ههنا حتّى هدأ الصّوت) . وفي رواية فليح: (فنزل يخفضهم حتّى سكتوا، وفي رواية عن الزّهريّ: (فحجز بينهم) . قوله: (فمكثت) ، من المكث وفي رواية الكشميهني: (فبكيت) ، من البكاء. قوله: (ليلتين ويوما) أي: اللّيلة الّتي أخبرتها فيها أم مسطح الخبر، واليوم الّذي خطب فيه النّبي صلى الله عليه وسلم، للنّاس، واللّيلة الّتي تليها. قوله: (فاستأذنت عليّ) تقديره: جاءت فاستأذنت عليّ، بتشديد الياء. قوله: (فبهنا نحن كذلك) رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: فبينا نحن على ذلك. قوله: (فتشهد) ، وفي رواية هشام بن عروة: فحمد الله وأثنى عليه. قوله: (عنك كذا وكذا) كناية عمّا رميت به من الإفك. انتهى. قوله: (وإن كنت ألممت) أي: وقع منك على خلاف العادة. قوله: (قلص) بفتح القاف واللّام وبالصاد المهملة أي: ارتفع دمعي لاستعظام ما بغتني من الكلام، وتخلف بالكلّيّة. قوله: (وأنا جارية حديثة السن) إلى آخره، ذكرت هذه الأشياء توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر إسم يعقوب عليه السّلام. قوله: (وصدقتم به) ، وفي رواية هشام بن عروة: لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم. قوله: (لا تصدقوني بذلك) ، ويروى: لا تصدقونني، بنونين على الأصل، أي: لا تقطعون بصدقي، وفي رواية هشام بن عروة: ما ذاك بنافعي عندكم. قوله: (لا تصدقوني) ، فأدغمت إحدى النونين في الأخرى. قوله: (وإن الله يبرءني) ، والرّواية المشهورة وأن الله يبرىء، بغير نون، وقال ابن التّين: إنّه وقع عندي: مبرئني، بنون وزعم أنه هو الصّحيح، ولكن المشهور بغير نون فافهم. قوله: (ما رام) ، أي: ما فارق (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا من الريم، وأما رام، بمعنى: طلب فمن الرّوم. قوله: (من البرحاء) ، بضم الباء الموحدة وفتح الرّاء وتخفيف الحاء المهملة، وبالمد وهي: شدّة الحمى، وقيل: شدّة الكرب، ووقع في رواية إسحاق بن راشد: وهو العرق، وبه جزم الدوادي، وهي رواية ابن حاطب وشخص بصره إلى السّقف، وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة: فأتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي أخذه السبل، أخرجه الحاكم وفي رواية أبي إسحاق: فسجى بثوب، ووضعت تحت رأسه وسادة من أدم. قوله: (الجمان) ، بضم الجيم وتخفيف الميم: اللّؤلؤ، وقيل: حب يعمل من الفضة كاللّؤلؤ، وقال الدّاوديّ: خرز أبيض. قوله: (فلمّا سري) ، بضم السّين المهملة وكسر الرّاء المشدّدة أي: كشف. قوله: (العشر الآيات) آخرها: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) فإن قلت: وقع في رواية عطاء الخرساني عن الزّهريّ، فأنزل الله تعالى: {إن الّذين جاؤوا} (النّور: 19) إلى قوله: {أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} (النّور: 11 22) . وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية، ووقع في رواية الحكم بن عتيبة مرسلا: فأنزل الله خمس عشرة آية من سورة النّور حتّى بلغ {الخبيثات للخبيثين} (النّور: 26) أخرجه الطّبريّ، وعدد الآي إلى هذا الموضع ستّ عشرة، ووقع في: (مرسل سعيد بن جبير) . فنزلت ثمان عشرة آية متوالية: {إن الّذين جاؤوا} إلى قوله: {رزق كريم} (النّور: 11 26) أخرجه ابن أبي حاتم، والحاكم في (الإكليل) قلت: أجاب بعضهم عن هذه بما لا طائل تحته حيث قال: في الأول: لعلّها في كون العشر الآيات مجاز بطريق إلغاء الكسر، وهذا لا يصدر عمّن له أدنى تأمل. وفي الثّاني: وهذا فيه تجوز. وفي الثّالث: وفيه ما فيه. انتهى. ويمكن أن يقال: إن كلا منهم ذهب إلى ما انتهى علمه به، وروى على قدر ما أحاط به علمه، على أن التّنصيص على عدد معين لا يستلزم نفي الزّيادة. قوله: (ولا يأتل) ، ولا يحلف من الألية وهو اليمين (والفضل) هنا المال والسعة والعيش في الرزق. قوله: (أحمي) من الحماية، والمعنى: فلا أنسب إلى سمعي ما لم أسمع وإلى بصري ما لم أبصر. قوله: (تساميني) ، أي: تعاليني من السمو وهو العلوّ أي: تطلب من العلوّ والحظوة عند النّبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل الّذي لي عنده، كذا قيل، وهذا يدل على أن زينب كانت في عصمة النّبي صلى الله عليه وسلم. وقال الكرماني: واختلفوا في أنّها كانت وقت الإفك تحت نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تزوجها بعد ذلك. قوله: (فعصمها الله) أي: فحفظها ومنعها بالورع أي: بالمحافظة على دينها ومجانبة ما تخشى من سوء العاقبة. قوله: (وطفقت) ، بكسر الفاء وفتحها، أي: شرعت (أختها حمنة تحارب) أي: تجادل لها وتتعصب وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وترتفع منزلة أختها زينب. قوله: (فهلكت) أي: حمنة أي: حدث فيمن حدا، وأثمت مع من أثم، وحمنة، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفتح النّون: بنت جحش بن رباب الأسدية، أخت زينب بنت جحش، كانت عند مصعب ابن عمير وقتل عنها يوم أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله. وقد ذكرنا فوائده وأشياء غير ما ذكرنا هنا في كتاب الشّهادات، وللّه الحمد والله تعالى أعلم). [عمدة القاري: 19/79-85]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} -إلى قوله- {الكاذبون} [النور: 12، 13]
هذا (باب) بالتنوين في قوله عز وجل: ({لولا}) تحضيضية أي هلا ({إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} -إلى قوله- {الكاذبون}) [النور: 12، 13] بأنفسهم أي الذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11].
فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله وقالوا هذا إفك ولم يقل وقلتم وعن المضمر إلى المظهر والخطاب إلى الغيبة والمفرد إلى الجمع في قوله (ظن المؤمنون والمؤمنات) ولم يقل ظننتم بها أي بعائشة على الأصل لأن المخاطب من بحضرة الرسول -صلّى اللّه عليه وسلّم-. وخلاصة الجواب كما قال في مفاتيح الغيب أن في العدول من الخطاب إلى الغيبة توبيخ المخاطبين بطريق الالتفات ومعاتبة شديدة وإبعادًا من مقام الزلفى أي كيف سمعوا ما لا ينبغي الإصغاء إليه، فضلًا عن أن يتفوّهوا به، وفي العدول من المضمر إلى المظهر الدلالة على أن صفة الإيمان جامعة لهم فينبغي لمن اشترك فيها أن لا يسمع فيمن شاركه فيها قول عائب ولا طعن طاعن لأن عيب أخيه عيبه والطعن في أخيه طعن فيه.
وسياق هذه الآية هنا ثابت لأبي ذر فقط وفي رواية غيره ولولا وهلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أي ما ينبغي وما يصح لنا أن نتكلم بهذا القول المخصوص أو بنوعه فإن قذف آحاد الناس محرم شرعًا لا سيما الصدّيقة ابنة الصدّيق حرمة رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- سبحانك معناه التعجب {هذا بهتان عظيم} [النور: 16] أي كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته لولا هلا جاؤوا عليه أي على ما زعموا بأربعة شهداء يشهدون على معاينتهم ما رموها به فإذا لم يأتوا بالشهداء يشهدون على ما قالوا فأولئك عند الله أي في حكمه هم الكاذبون فيما قالوه، وهذا ساقط لأبي ذر.
- حدّثنا يحيى بن بكيرٍ، حدّثنا اللّيث عن يونس عن ابن شهابٍ قال: أخبرني عروة بن الزّبير وسعيد بن المسيّب وعلقمة بن وقّاصٍ وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ عن حديث عائشة -رضي الله عنها- زوج النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللّه ممّا قالوا، وكلٌّ حدّثني طائفةً من الحديث، وبعض حديثهم يصدّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ، الّذي حدّثني عروة عن عائشة أنّ عائشة -رضي الله عنها- زوج النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- قالت: كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه. فسرنا حتّى إذا فرغ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلةً بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الّذي كنت ركبت وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهنّ اللّحم، إنّما تأكل العلقة من الطّعام، فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ. فأممت منزلي الّذي كنت به، وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، واللّه ما كلّمنى كلمةً ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتّى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة، فهلك من هلك، وكان الّذي تولّى الإفك عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل عليّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فيسلّم ثمّ يقول: «كيف تيكم» ثمّ ينصرف، فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ، حتّى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معي أمّ مسطحٍ قبل المناصع، وهو متبرّزنا وكنّا لا نخرج إلاّ ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّبرّز قبل الغائط، فكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأمّ مسطحٍ وهي ابنة أبي رهم بن عبد منافٍ، وأمّها بنت صخر بن عامرٍ خالة أبي بكرٍ الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأمّ مسطحٍ قبل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطحٍ في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي. قالت: فلمّا رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- تعنى سلّم ثمّ قال: «كيف تيكم»؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت فأذن لي رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فجئت أبويّ، فقلت لأمّي: يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس؟ قالت: يا بنيّة هوّني عليك، فواللّه لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةً عند رجلٍ يحبّها ولها ضرائر إلاّ كثّرن عليها. قالت فقلت: سبحان اللّه، ولقد تحدّث النّاس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ حتّى أصبحت أبكي، فدعا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- عليّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ -رضي الله عنهما- حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. قالت: فأمّا أسامة بن زيدٍ فأشار على رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بالّذي يعلم من براءة أهله، وبالّذي يعلم لهم في نفسه من الودّ فقال: يا رسول اللّه أهلك، وما نعلم إلاّ خيرًا. وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول اللّه، لم يضيّق اللّه عليك والنّساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بريرة، فقال: «أي بريرة هل رأيت عليها من شيءٍ يريبك»؟ قالت بريرة: لا والّذي بعثك بالحقّ، إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الدّاجن فتأكله. فقام رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فاستعذر يومئذٍ من عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، قالت: فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فواللّه ما علمت على أهلي إلاّ خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلاّ خيرًا. وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي». فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ فقال: يا رسول اللّه، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعدٍ: كذبت لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضيرٍ وهو ابن عمّ سعدٍ، فقال لسعد: كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت. قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ. قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنومٍ ولا يرقأ لي دمعٌ يظنّان أنّ البكاء فالقٌ كبدي: قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهّد رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين جلس ثمّ قال: «أمّا بعد يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرّئك اللّه، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري اللّه وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى اللّه تاب اللّه عليه». قالت: فلمّا قضى رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أجب رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فيما قال: قال: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فقلت لأمّي: أجيبي رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، قالت: ما أدري ما أقول لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، قالت: فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إنّي واللّه لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم إنّي بريئةٌ واللّه يعلم أنّي بريئةٌ لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ واللّه يعلم أنّي منه بريئةٌ لتصدّقنّي واللّه ما أجد لكم مثلًا إلاّ قول أبي يوسف، قال: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] قالت: ثمّ تحوّلت، فاضطجعت على فراشي. قالت وأنا حينئذٍ أعلم أنّي بريئةٌ وأنّ اللّه يبرئني ببراءتي، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أنّ اللّه منزلٌ في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمرٍ يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- في النّوم رؤيا يبرّئني اللّه بها. قالت: فواللّه ما رام رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتّى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق وهو في يومٍ شاتٍ من ثقل القول الّذي ينزل عليه قالت: فلمّا سرّي عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- سرّي عنه وهو يضحك، فكانت أوّل كلمةٍ تكلّم بها: «يا عائشة أمّا اللّه عزّ وجلّ فقد برّأك». فقالت أمّي: قومي إليه قالت: فقلت واللّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلاّ اللّه عزّ وجلّ. وأنزل اللّه عزّ وجلّ {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه} [النور: 11] العشر الآيات كلّها. فلمّا أنزل اللّه هذا في براءتي قال أبو بكرٍ الصّدّيق -رضي الله عنه- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: واللّه لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد الّذي قال لعائشة ما قال فأنزل اللّه {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللّه وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ} [النور: 22] قال أبو بكرٍ: بلى واللّه، إنّي أحبّ أن يغفر اللّه لي. فرجع إلى مسطحٍ النّفقة الّتي كان ينفق عليه، وقال: واللّه لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- يسأل زينب ابنة جحشٍ عن أمري فقال: «يا زينب ماذا علمت أو رأيت»؟ فقالت يا رسول اللّه: أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلاّ خيرًا قالت وهي الّتي كانت تساميني من أزواج رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فعصمها اللّه بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) هو ابن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (وسعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشدّدة (وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين قال لها أهل الإفك) بكسر الهمزة وسكون الفاء الكذب التشديد والافتراء المزيد (ما قالوا فبرأها الله مما قالوا) بما أنزله في كتابه.
قال الزهري: (وكل) من الأربعة (حدّثني) بالإفراد (طائفة من الحديث) أي بعضه فجميعه عن مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم (وبعض حديثهم يصدق بعضًا) قال في الفتح: كأنه مقلوب والمقام يقتضي أن يقول وحديث بعضهم يصدق بعضًا، ويحتمل أن يكون على ظاهره أي أن بعض حديث كل منهم يدل على صدق الراوي في بقية حديثه لحسن سياقه وجودة حفظه (وإن كان بعضهم أوعى) أي أحفظ (له) أي للحديث المذكور خاصة (من بعض الذي حدّثني عروة) بن الزبير (عن عائشة) -رضي الله عنها- أي عن حديث عائشة في قصة أهل الإفك (أن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- قالت: كان رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-إذا أراد أن يخرج) زاد معمر عند ابن ماجه سفرًا أي سفر (أقرع بين أزواجه) تطييبًا لقلوبهنّ (فأيتهنّ) بتاء التأنيث (خرج سهمها خرج بها رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- معه) في السفر (قالت عائشة فأقرع بيننا) -صلّى اللّه عليه وسلّم- (في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق (فخرج سهمي) وعند ابن إسحاق فخرج سهمي عليهنّ وهو يشعر بأنه لم يخرج معه حينئذٍ غيرها (فخرجت مع رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- بعد ما نزل الحجاب) أي الأمر به (فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه) بضم همزة أحمل وأنزل مع التخفيف مبنيًا للمفعول فيهما (فسرنا) إلى بني المصطلق (حتى إذا فرغ رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- من غزوته تلك) وغنم أموالهم وأنفسهم (وقفل) أي رجع (ودنونا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي دنونا بغير واو أي قربنا (من المدينة) حال كوننا (قافلين) أي راجعين (آذن) بالمدّ والتخفيف أعلم (ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت) لقضاء حاجتي منفردة (حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني) الذي توجهت له (أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي) بكسر العين (من جزع ظفار) بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة مضافًا لظفار وهو بالظاء المعجمة والفاء وبعد الألف راء مكسورة مبنيًّا كحضار مدينة باليمن وفي رواية أبي ذر أظفار بالهمزة المفتوحة وتنوين الراء (قد انقطع) زاد في رواية فرجعت إلى المكان الذي ذهبت إليه (فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه) أي طلبه (وأقبل) ولأبي ذر فأقبل بالفاء بدل الواو (الرهط الذين كانوا يرحلون لي) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الحاء المهملة مع التخفيف أي يشدون الرحل على بعيري سمى الواقدي منهم أبا مويهبة مولى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- (فاحتملوا هودجي فرحلوه) بالتخفيف (على بعيري الذي كنت ركبت) أي عليه (وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم) بضم التحتية وكسر القاف (إنما تأكل) المرأة منهن (العلقة) بضم العين وسكون اللام وبالقاف القليل (من الطعام) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يأكلهن أي النساء وفي نسخة نأكل بنون أوّله ولام آخره فقط وعزاها في الفتح للكشميهني (فلم يستنكر القوم) بالرفع (خفة الهودج) وفي رواية فليح في الشهادات: ثقل الهودج والأوّل أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه فكأنها تقول كانت لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها. (حين رفعوه) وفي الفرع حتى ولعلها سبق قلم فإن الذي في اليونينية حين وهو ظاهر.
(وكنت جارية حديثة السن) لأنها إذ ذاك لم تبلغ خمس عشرة سنة أي أنها مع نحافتها صغيرة السن ففيه إشارة إلى المبالغة في خفتها أو إلى بيان عذرها فيما وقع منها من الحرص على العقد الذي انقطع واشتغلت بالتماسه من غير أن تعلم أهلها بذلك وذلك لصغر سنها وعدم تجاربها (فبعثوا الجمل) أي أثاروه (وساروا) أي وهم يظنون أنها عليه (فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش) استفعل من مر (فجئت منازلهم) بالجمع التي كانوا نازلين بها (وليس بها داع ولا مجيب) وفي رواية فليح فجئت منزلهم وليس فيه أحد (فأممت) بتشديد الميم الأولى في الفرع وفي اليونينية كشط موضع الشدة. قال الحافظ ابن حجر: وهي رواية أبي ذر هنا وفي نسخة فأممت بتخفيفها أي قصدت (منزلي الذي كنت به) قبل (وظننت أنهم سيفقدوني) بكسر القاف ونون واحدة والظن هنا بمعنى العلم لأن فقدهم إياها محقق قطعًا وهو معلوم عندها وفي نسخة سيفقدوني بفتح القاف ولأبي ذر سيفقدونني بنونين لعدم الناصب والجازم والأولى لغة (فيرجعون إليّ فبينا) بغير ميم (أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت) بسبب شدة الغم إذ من شأن الغم وهو وقوع ما يكره غلبة النوم بخلاف الهم وهو توقع ما يكره فإنه يقتضي السهر.
(وكان صفوان بن المعطل) بتشديد الطاء المفتوحة (السلمي) بضم السين وفتح اللام (ثم الدكواني) بفتح الذال المعجمة الصحابي الفاضل (من وراء الجيش) وفي رواية معمر قد عرس من وراء الجيش (فأدلج) بسكون الدال المهملة أي سار من أوّل الليل وبتشديدها من آخره وحينئذٍ فالذي هنا ينبغي أن يكون بالتشديد لأنه كان في آخر الليل لكن التخفيف هو الذي رويناه (فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم) لا يدري أهو رجل أو امرأة (فأتاني فعرفني حين رآني) لعلها انكشف وجهها لما نامت (وكان يراني) ولأبي ذر وكان رآني (قبل) نزول (الحجاب فاستيقظت باسترجاعه) بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون (حين عرفني فخمرت) بالخاء المعجمة والميم المشدّدة أي غطيت (وجهي بجلبابي) تعني الثوب الذي كان عليها وهو بكسر الجيم (والله) ولأبي ذر ووالله (ما كلمني كلمة) ولأبي ذر ما يكلمني بصيغة المضارع إشارة إلى أنه استمر منه ترك المخاطبة وهو أحسن من الأولى إذ الماضي يخص النفي بحال الاستيقاظ (ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته) فيه نفي لكلامه لها بغير الاسترجاع إلى أن أناخ ولا يمنع ما بعد الإناخة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حين فالنفي مقيد بحال إناخة الراحلة فلا يمنع ما قبل الإناخة ولا ما بعدها وفي رواية ابن إسحاق أنه قال لها ما خلفك وأنه قال لها اركبي واستأخر. وفي حديث ابن عمر عند الطبراني وابن مردويه: فلما رآني ظن أني رجل فقال يا نومان قم فقد سار الناس، وفي مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم فاسترجع ونزل عن بعيره وقال ما شأنك يا أم المؤمنين فحدثته بأمر القلادة.
(فوطئ على يديها) بالتثنية أي يدي الناقة ليكون أسهل لركوبها ولأبي ذر على يدها (فركبتها فانطلق) حال كونه (يقود بي الراحلة) وفي مرسل مقاتل بن حيان بالمهملة والتحتية عند الحاكم في الإكليل أنه ركب معها مردفًا لها وما في الصحيح هو الصحيح (حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا) حال كونهم (موغرين) بضم الميم وكسر الغين المعجمة والراء المهملة أي نازلين في وقت الوغرة بفتح الواو وسكون الغين المعجمة شدة الحر وقت كون الشمس في كبد السماء (في نحر الظهيرة) بالحاء المهملة والظهيرة بفتح المعجمة وكسر الهاء حيث تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع كأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى المصدر وهو تأكيد لقوله موغرين (فهلك) أي بسبب الإفك (من هلك) أي في شأني وفي رواية أبي أويس عند الطبراني فهنالك قال فيّ وفيه أهل الإفك ما قالوا (وكان الذين تولى الإفك) رأس المنافقين (عبد الله بن أبي) بالتنوين (ابن سلول) بنصب ابن صفة لعبد الله وسلول بفتح السين غير منصرف للعلمية والتأنيث (فقدمنا المدينة فاشتكيت) أي مرضت (حين قدمت شهرًا والناس يفيضون) بضم أوّله (في قول أصحاب الإفك) أي يشيعونه (لا أشعر بشيء من ذلك) وفي رواية ابن إسحاق: وقد انتهى الحديث إلى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وإلى أبويّ ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك (وهو يريبني) بفتح أوّله من الثلاثي وبضمه من الرباعي يقال رابه وأرابه أي يشككني ويوهمني (في وجعي أني لا أعرف من رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- اللطف) بفتح اللام والطاء المهملة والفاء ولأبي ذر اللطف بضم اللام وسكون الطاء أي الرفق (الذي كنت أرى منه حين أشتكي) أمرض (إنما يدخل علي) بتشديد الياء (رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فيسلم ثم يقول): (كيف تيكم) بكسر الفوقية وهو للمؤنث مثل ذاكم للمذكر ولابن إسحاق فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرضني كيف تيكم وفهمت أم المؤمنين من ذلك بعض الجفاء منه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ولكنها لم تكن تدري السبب (ثم ينصرف فذاك الذي يريبني) بفتح أوّله وكسر ثانيه (ولا أشعر بالشر) الذي تقوله أهل الإفك وسقط لفظ الشر لغير أبي ذر (حتى خرجت بعد ما نقهت) بفتح النون والقاف ويجوز كسرها أي أفقت من مرضي ولم تكمل لي الصحة (فخرجت معي أم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملات واسمها سلمى (قبل المناصع) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة المناصع بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان موضع خارج المدينة (وهو متبرزنا) بفتح الراء المشددة أي موضع قضاء حاجتنا (وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف) بضم الكاف والنون مواضع قضاء الحاجة (قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأوّل) بضم الهمزة وتخفيف الواو نعت للعرب (في التبرز قبل الغائط) وفي رواية فليح في البرية أي خارج المدينة بعيدًا عن المنازل (فكنا نتأذى بالكنف) برائحتها (أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح) بكسر الميم (وهي ابنة أبي رهم) أنيس (بن عبد مناف) بضم الراء وسكون الهاء وفي رواية صالح عند المؤلّف في المغازي وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف قال الحافظ ابن حجر وهو الصواب (وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق) واسمها رائطة فيما ذكره أبو نعيم (وابنها مسطح بن أثاثة) بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف من غير تشديد ابن عباد بن المطلب (فأقبلت أنا وأم مسطح قبل) أي جهة (بيتي قد) ولأبي ذر وقد (فرغنا من شأننا فعثرت) بالفاء والعين والراء المفتوحات (أم مسطح في مرطها) بكسر الميم كسائها وهو من صوف أو خز أو كتان أو إزار (فقالت: تعس مسطح) بفتح العين قيده الجوهري وكلام ابن الأثير يقتضي أن الأعرف كسرها أي أكبه الله لوجهه أو هلك قالت عائشة (فقلت لها: بئسما قلت أتسبين رجلًا شهد بدرًا قالت: أي هنتاه) بفتح الهاء الأولى وسكون الأخيرة أي يا هذه (أو لم تسمعي ما قال؟ قالت) أي عائشة: (قلت: وما قال؟ قالت) أي عائشة: (فأخبرتني) أم مسطح (بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي قالت: فلما رجعت إلى بيتي) وسقط لغير أبي ذر لفظ قالت من قوله قالت فأخبرتني ومن قوله قالت فلما رجعت إلى بيتي أي واستقريت فيه (ودخل عليّ رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- تعني) أي عائشة (سلم) وسقط تعني سلم لأبي ذر (ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت) له عليه الصلاة والسلام: (أتأذن لي أن آتي أبوي قالت وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما) من جهتهما (قالت: فأذن لي رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فجئت أبوي فقلت لأمي) أم رومان (يا أمتاه) بسكون الهاء (ما يتحدث الناس) أي به ويتحدث بفتح أوّله (قالت: يا بنية هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة) بالنصب على الحال ولأبي ذر وضيئة بالرفع صفة امرأة واللام في لقل للتأكيد أي حسنة جميلة (عند رجل يحبها ولها ضرائر) وسقطت الواو لأبي ذر (إلا كثّرن) بتشديد المثلثة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا أكثرن نساء الزمان (عليها) القول في نقصها فالاستثناء منقطع أو إشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب، فإن الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها فالاستثناء متصل ولم تقصد أم رومان بقولها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قصة عائشة بنفسها وإنما ذكرت شأن الضرائر عائشة وإن لم يصدر منهن شيء فلم يعدم ذلك ممن هو من أتباعهن كحمنة.
(قالت) عائشة: (فقلت سبحان الله) تعجبت من وقوع مثل ذلك في حقها مع تحققها براءتها (ولقد) ولأبي ذر أو لقد (تحدث الناس بهذا قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ) بالقاف والهمزة أي لا ينقطع (لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي) لأن الهموم موجبة للسهر وسيلان الدموع (فدعا رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- حين استلبث الوحي) بالرفع أي طال لبثه أو بالنصب أي استبطأ النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-الوحي (يستأمرهما) أي يستشيرهما (في فراق أهله) تعني نفسها (قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- بالذي يعلم من براءة أهله) مما يذكر (وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله) أمسك (أهلك) بالنصب ولأبي ذر أهلك بالرفع أي هم أهلك (وما) ولأبي ذر ولا (نعلم إلا خيرًا.
وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير) بلفظ التذكير على إرادة الجنس وفعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث أفرادًا وجميعًا، وقال ذلك لما رأى منه عليه الصلاة والسلام من شدة القلق فرأى أن بفراقها يسكن ما عنده بسببها فإذا تحقق براءتها فيراجعها (وإن تسأل الجارية) بريرة (تصدقك) الخبر بالجزم على الجزاء.
(قالت) عائشة (فدعا رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- بريرة) واستشكل قوله الجارية بريرة بأن قصة الإفك قبل شراء بريرة وعتقها لأنه كان بعد فتح مكة وهو قبله لأن حديث الإفك كان في سنة ست أو أربع وعتق بريرة كان بعد فتح مكة في السنة التاسعة أو العاشرة لأن بريرة لما خيرت واختارت نفسها كان زوجها مغيث يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- للعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة" والعباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من الطائف في أواخر سنة ثمان وفي ذلك ردّ على ابن القيم حيث قال تسميتها بريرة وهم من بعض الرواة فإن عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح، ولما كاتبتها عقيب شرائها وعتقت خيرت فاختارت نفسها فظن الراوي أن قول علي وإن تسأل الجارية تصدقك أنها بريرة فغلط قال: وهذا نوع خاص غامض لا يتنبه له إلا الحذاق. اهـ.
وتبعه الزركشي فقال إن تسمية الجارية بريرة مدرجة من بعض الرواة وإنها جارية أخرى، وأجاب الشيخ تقي الدين السبكي بأجوبة أحسنها احتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ.
(فقال) عليه الصلاة والسلام: (أي بريرة هل رأيت) عليها (من شيء يريبك؟) بفتح أوله من جنس ما قال أهل الإفك (قالت بريرة) مجيبة له على العموم نافية عنها كل نقص (لا والذي بعثك بالحق إن رأيت) بكسر الهمزة أي ما رأيت (عليها أمرًا أغمصه) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الميم وصاد مهملة صفة لأمر أي أعيبه (عليها) في جميع أحوالها (أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها) لصغر سنها ورطوبة بدنها (فتأتي الداجن) بدال مهملة وبعد الألف جيم مكسورة فنون الشاة التي تقتنى في البيت وتعلف وقد يطلق على غيرها مما يألف البيوت من الطير وغيره (فتأكله) قال ابن المنير في الحاشية: هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به المبالغة في نفي العيب كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم = بهنّ فلول من قراع الكتائب
فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رميت به وأقرب إلى أن تكون به من المحصنات الغافلات المؤمنات، وتعقبه البدر الدماميني فقال ليس في الحديث صورة استثناء بسوى ولا غيرها من أدواته وإنما فيه إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية الخ لكن معنى هذا قريب من معنى الاستثناء. اهـ.
نعم قولها في رواية هشام بن عروة فيما يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في هذه السورة ما علمت منها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر استثناء صريح في نفي العيب عنها وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة عند الطبراني فقالت الجارية الحبشية والله لعائشة أطيب من الذهب ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قال فعجب الناس من فقهها.
(فقام رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فاستعذر) بالذال المعجمة (يومئذٍ من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت) عائشة (فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وهو على المنبر: يا معشر المسلمين) بسكون العين (من يعذرني) بفتح أوله وكسر المعجمة أي من يقيم عذري إن كافأته على قبح فعله أو من ينصرني (من رجل) يريد ابن أبيّ (قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على) ولأبي ذر في (أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا) صفوان بن المعطل (ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري).
واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا بأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع وسعد مات من الرمية التي رميها بالخندق سنة أربع. وأجيب: بأنه اختلف في المريسيع، ففي البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع وكذلك الخندق، وقد جزم ابن إسحاق بأن المريسيع كانت في شعبان والخندق في شوّال وإن كانا في سنة فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس، فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم والراجح أيضًا أن الخندق أيضًا سنة خمس فيصح الجواب.
(فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (إن كان من الأوس) قبيلتنا (ضربت عنقه) لأن حكمه فيهم نافذ إذ كان سيدهم ولأن من آذاه عليه الصلاة والسلام وجب قتله (وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت) عائشة: (فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج) بعد فراغ ابن معاذ من مقالته (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا) كامل الصلاح لم يسبق منه ما يتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية (ولكن احتملته) من مقالة ابن معاذ (الحمية) أي أغضبته وفي رواية معمر عند مسلم اجتهلته بجيم ففوقية فهاء وصوّبها التوربشتي أي حملته على الجهل (فقال لسعد) هو ابن معاذ: (كذبت لعمر الله) بفتح العين أي وبقاء الله (لا تقتله ولا تقدر على قتله) لأنا نمنعك منه ولم يرد ابن عبادة الرضا بقول ابن أبي لكن كان بين الحيين مشاحنة زالت بالإسلام وبقي بعضها بحكم الأنفة فتكلم ابن عبادة بحكم الأنفة ونفى أن يحكم فيه ابن معاذ (فقام أسيد بن حضير) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وحضير بضم المهملة وفتح المعجمة مصغرين ولأبي ذر ابن الحضير (وهو ابن عم سعد) ولأبي ذر زيادة ابن معاذ أي من رهطه (فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه) بالنون ولو كان من الخزرج إذا أمرنا رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- (فإنك منافق تجادل عن المنافقين) تفسير لقوله فإنك منافق فليس المراد نفاق الكفر (فتثاور) بفوقية فمثلثة (الحيان الأوس والخزرج) أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- قائم على المنبر فلم يزل رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يخفضهم حتى سكتوا) بالفوقية والواو ولأبي ذر سكت بحذف الواو أي سكت القوم (وسكت) عليه الصلاة والسلام.
(قالت) عائشة (فمكثت) بالميم وضم الكاف من المكث ولأبي ذر عن الكشميهني فبكيت من البكاء (يومي ذلك لا يرقأ) بالهمزة أي لا ينقطع (لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت فأصبح أبواي) أبو بكر وأم رومان (عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا) الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح بالخبر واليوم الذي خطب فيه عليه الصلاة والسلام الناس والليلة التي تليه (لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظنان) أبي وأمي (أن البكاء فالق كبدي قالت) عائشة: (فبينما) بالميم ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فبينا (هما جالسان) ولأبي ذر جالسين (عندي وأنا أبكي) جملة حالية (فاستأذنت علي امرأة من الأنصار) لم تسم (فأذنت لها فجلست تبكي معي) تحزّنًا عليّ.
(قالت) عائشة (فبينا) بغير ميم (نحن على ذلك) وللكشميهني نحن كذلك (دخل علينا رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فسلم ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني) أي بشيء (قالت: فتشهد رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- حين جلس ثم قال): (أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا) كناية عما رماها به أهل الإفك (فإن كنت بريئة) من ذلك (فسيبرئك الله) بوحي ينزله (وإن كنت ألممت بذنب) أي وقع منك مخالفًا لعادتك (فاستغفري الله وتوبي إليه) منه (فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله) منه (تاب الله عليه) وسقط لفظ الجلالة لأبي ذر (قالت: فلما قضى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- مقالته قلص) بالقاف واللام والصاد المهملة المفتوحات انقطع (دمعي حتى ما أحس) أجد (منه قطرة) لأن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة (فقلت لأبي أجب) عني (رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) ولأبي أويس فقال لا أفعل هو رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- والوحي يأتيه (فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- قالت) عائشة: (فقلت) ولأبي ذر قلت (وأنا جارية حديثة السن لا يقرأ كثيرًا من القرآن) هذا توطئة لعذرها في عدم استحضارها اسم يعقوب عليه السلام (إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به) قيل مرادها من صدق به من أصحاب الإفك وضمت إليهم من لم يكذبهم تغليبًا (فلئن) بفتح اللام وكسر الهمزة (قلت لكم إني بريئة والله يعلم أي بريئة لا تصدقوني) ولأبي ذر لا تصدقونني (بذلك) أي لا تقطعون بصدقي (ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني) بضم القاف وتشديد النون والأصل تصدقونني فأدغمت النون في الأخرى (والله ما أجد لكم) وفي رواية فليح في الشهادات لي ولكم (مثلًا إلا قول أبي يوسف) وفي رواية أبي أويس نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف إذ (قال {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} قالت: ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن الله يبرئني ببراءتي) يبرئني فعل مضارع في الفرع وغيره، والذي في اليونينية مصحح عليه مبرئي بميم مضمومة فموحدة مفتوحة فراء مشددة فهمزة مكسورتين فتحتية، وكذا هو في الفتح وعند السفاقسي مبرئني بنون بعد الهمزة المضمومة واستشكله بأن نون الوقاية إنما تدخل في الأفعال لتسلم من الكسر والأسماء تكسر فلا يحتاج إليها قال الحافظ ابن حجر: والذي وقفنا عليه مبرئي بغير نون وعلى تقدير وجود ما ذكر السفاقسي فقد سمع ذلك في بعض اللغات في اسم الفعل اهـ. نحو دراكني وتراكني وعليكني بمعنى أدركني واتركني والزمني وفي الحرف نحو إنني.
(ولكن) بتخفيف النون (والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن) بتخفيف النون ولأبي ذر عن الكشميهني ولكنني وله عن الحموي والمستملي ولكني بالإدغام (كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أي ما فارق مجلسه (ولا خرج أحد من أهل البيت) الذين كانوا حاضرين حينئذٍ (حتى أنزل عليه) الوحي (فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء) من العرق من شدة الوحي (حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق) بكسر الميم وسكون المثلثة مرفوعًا والجمان بضم الجيم وتخفيف الميم الدر قال:
كجمانة البحري جاء بها = غوّاصها من لجة البحر
وقال الداودي: هو شيء كاللؤلؤ يصنع من الفضة والأول هو المعروف: (وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه) بضم الياء وسكون النون وفتح الزاي وثقل بكسر المثلثة وفتح القاف.
(قالت: فلما سري) بضم المهملة وكسر الراء مشدّدة كشف (عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- سري عنه وهو يضحك) سرورًا والجملة حالية (فكانت) ولأبي ذر عن الكشميهني فكان (أول) لم يضبط اللام من أوّل في الفرع ولا في أصله (كلمة تكلم بها يا عائشة أما الله عز وجل) بتشديد ميم أما (فقد برأك) بالقرآن مما قاله أهل الإفك فيك (فقالت) ولأبي ذر قالت (أمي) أم رومان (قومي إليه) -صلّى اللّه عليه وسلّم- لأجل ما بشرك به (قالت) عائشة (فقلت والله) ولأبي ذر لا والله (لا أقوم إليه) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (ولا أحمد إلا الله عز وجل) الذي أنزل براءتي (وأنزل الله) بالواو ولأبي ذر فأنزل الله (عز وجل {وإن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه} العشر الآيات كلها)
قال ابن حجر آخر العشر والله يعلم وأنتم لا تعلمون. اهـ.
وأقول بل هي تسعة ولعله عد قوله: {لهم عذاب أليم} رأس آية وليس كذلك بل تشبه فاصلة وليس بفاصلة كما نص عليه غير واحد من العادّين وحينئذٍ فآخر العشر {رؤوف رحيم} وفي رواية عطاء الخراساني عن الزهري فأنزل الله {إن الذين جاؤوا بالإفك} -إلى قوله- {أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} وقول ابن حجر أن عدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية فلعل في قولها العشر الآيات مجازًا بطريق إلغاء الكسر بناه على عد أليم كما مر فالصواب أنها اثنتا عشر. اهـ.
فتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها نفسها حيث قالت ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي الخ فهذه صدّيقة الأمة تعلم أنها بريئة مظلومة وأن قاذفيها ظالمون لها مفترون عليها وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لنفسها فما ظنك بمن صام يومًا أو يومين أو شهرًا أو شهرين أو قام ليلة أو ليلتين فظهر عليه شيء من الأحوال فلوحظ باستحقاق الكرامات والمكاشفات وإجابة الدعوات وأنه ممن يترك بلقائه ويغتنم صالح دعائه ويتمسح بأثوابه ويقبل ثرى أعتابه فعجب من جهله بنفسه وغفل عن جرمه واغتر بإمهال الله عليه، فينبغي للعبد أن يستعيذ الله أن يكون عند نفسه عظيمًا وهو عند الله حقير وسقط لا تحسبوه لأبي ذر.
(فلما أنزل الله) تعالى (هذا في براءتي) وأقيم الحد على من أقيم عليه (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه) كان ابن خالته (وفقره) أي لأجلهما والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال: فأنزل الله ({ولا يأتل}) لا يحلف ({أولو الفضل منكم}) في الدين أبو بكر ({والسعة}) في المال ({أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله})، صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا ({وليعفوا وليصفحوا}) عنهم خوضهم في أمر عائشة ({ألا تحبون}) خطاب لأبي بكر ({أن يغفر الله لكم}) على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم ({والله غفور رحيم) فتخلقوا بأخلاقه تعالى (قال أبو بكر) لما قرأ عليه النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- هذه الآية (بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع) بالتخفيف (إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه) قبل (وقال والله لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة وكان رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يسأل) بصيغة المضارع ولأبي ذر سأل بصيغة الماضي (زينب ابنة جحش) أم المؤمنين -رضي الله عنها- (عن أمري فقال يا زينب ماذا علمت) على عائشة (أو رأيت) منها (فقالت) ولأبي ذر وقالت (يا رسول الله أحمي) بفتح الهمزة (سمعي) من أن أقول سمعت ولم أسمع (وبصري) من أن أقول أبصرت ولم أبصر (ما علمت) عليها (إلا خيرًا قالت) عائشة (وهي) أي زينب (التي كانت تساميني من أزواج رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) بضم الفوقية وبالمهملة من السموّ وهو العلوّ والارتفاع أي تطلب من العلوّ والارتفاع والحظوة عند النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ما أطلب أو تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده (فعصمها الله) أي حفظها (بالورع) أن تقول يقول أهل الإفك (وطفقت) بكسر الفاء جعلت أو شرعت (أختها حمنة) بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة نون مفتوحة فهاء تأنيث (تحارب لها) أي لأختها زينب وتحكي مقالة أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتعلي منزلة أختها زينب (فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك) فحدّت فيمن حدّ أو أثمت مع من أثم.
وهذا الحديث سبق في كتاب الشهادات). [إرشاد الساري: 7/257-264]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولائك عند الله هم الكاذبون}
قوله: (إلا كثرن عليها) بتشديد المثلثة وروي: إلا أكثرن، أي: نساء الزمان. وقوله: عليها، أي: القول في نقصها فالاستثناء منقطع، أو إشارة لما وقع من حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب، فإن الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها، فالاستثناء متصل لم تقصد أم رومان بقولها ولها ضرائر إلا كثرن عليها قصة عائشة بنفسها، وإنما ذكرت شأن الضرائر، وأما ضرائر عائشة، وإن لم يصدر منهن شيء، فلم يعدم ذلك ممن هو من أتباعهن كحمنة اهـ قسطلاني.
قوله: (العشر الآيات كلها) قال ابن حجر آخر العشر، والله يعلم، وأنتم تعلمون اهـ.
وأقول: بل هي تسعة ولعله عد قوله: لهم عذاب أليم رأس آية، وليس كذلك بل تشبه فاصلة، وليست بفاصلة كما نص عليه غير واحد من العادّين وحينئذ، فآخر العشر رءوف رحيم اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/61]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ}.
وهذا عتابٌ من اللّه تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة بما أرجف به. يقول لهم تعالى ذكره: هلاّ أيّها النّاس إذ سمعتم ما قال أهل الإفك في عائشة {ظنّ المؤمنون} منكم {والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} يقول: ظننتم بمن قرف بذلك منكم خيرًا، ولم تظنّوا به أنّه أتى الفاحشة.
وقال: {بأنفسهم} لأنّ أهل الإسلام كلّهم بمنزلة نفسٍ واحدةٍ، لأنّهم أهل ملّةٍ واحدةٍ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض، رجال بني النّجّار أنّ أبا أيّوب، خالد بن زيدٍ قالت له امرأته أمّ أيّوب: أما تسمع ما يقول النّاس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلةً ذلك يا أمّ أيّوب؟ قالت: لا واللّه، ما كنت لأفعله. قال: فعائشة واللّه خيرٌ منك. قال: فلمّا نزل القرآن، ذكر اللّه من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} وذلك حسّان وأصحابه الّذين قالوا ما قالوا، ثمّ قال: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون} الآية: أي: كما قال أبو أيّوب وصاحبته.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون، والمؤمنات، بأنفسهم خيرًا} ما هذا الخير؟ ظنّ المؤمن أنّ المؤمن لم يكن ليفجر بأمّه، وأنّ الأمّ لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمّه يقول: إنّما كانت عائشة أمًّا، والمؤمنون بنون لها، محرّمًا عليها، وقرأ: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} الآية.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} قال لهم {خيرًا}، ألا ترى أنّه يقول: {لا تقتلوا أنفسكم}. يقول: بعضكم بعضًا، {فسلّموا على أنفسكم} قال: بعضكم على بعضٍ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا هوذة، قال: حدّثنا عوفٌ، عن الحسن، في قوله: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون، والمؤمنات، بأنفسهم خيرًا} يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات.
وقوله: {وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ} يقول: وقال المؤمنون والمؤمنات: هذا الّذي سمعناه من القوم الّذي رمي به عائشة من الفاحشة: كذبٌ وإثمٌ، يبين لمن عقل وفكّر فيه أنّه كذبٌ، وإثمٌ، وبهتانٌ.
- كما حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا هوذة، قال: أخبرنا عوفٌ، عن الحسن: {وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ} قالوا: إنّ هذا لا ينبغي أن يتكلّم به إلاّ من أقام عليه أربعةً من الشّهود وأقيم عليه حدّ الزّنا). [جامع البيان: 17/211-213]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ (12)
قوله تعالى: لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون..
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ثمّ وعظ الّذين خاضوا في أمر عائشة، فقال: لولا إذ سمعتموه يًعنى: هلا كذّبتم به، وقوله: سمعتموه يًعنى، قذف عائشة بصفوان، وقوله: ظنّ المؤمنون والمؤمنات لأنّ فيهم حمنة بنت جحشٍ.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، حدّثني محمّد بن إسحاق بن يسارٍ، عن أبيه، عن بعض رجال بني النّجّار، أنّ أبا أيّوب، خالد بن زيدٍ قالت له امرأته أمّ أيّوب يا أبا أيّوب ألا تسمع ما يقول النّاس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب. أكنت أنت يا أمّ أيّوب فاعلةً ذلك؟
قالت: لا واللّه ما كنت لأفعله، قال: فعائشة واللّه خيرٌ منك، قال: فلمّا نزل القرآن ذكر اللّه من قال في الفاحشة ما قال، ثمّ قال: لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ أي فقولوا كما قال أبو أيّوب وصاحبته.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ: أنبأ أصبغ، قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيدٍ، في قول اللّه: لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا قال: هذا الخير ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا، أنّ المؤمن لم يكن ليفجر بأمّه، وأنّ الأمّ لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمّه، يقول: إنّما كانت عائشة أمّ المؤمنين بنوها محرّمٌ عليها.
قوله: بأنفسهم خيرًا.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: بأنفسهم خيرًا يقول: ألا ظنّ بعضهم ببعضٍ خيرًا بأنّهم لم يزنوا.
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان، ثنا الحسين بن عليٍّ، ثنا عامر بن الفرات، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا يقول: بأهل ملّتهم أنّهم لا يزنون.
- حدّثنا أبي، ثنا الحسن بن الرّبيع، ثنا ابن إدريس قال: قال ابن إسحاق: حدّثني أبي، عن أشياخٍ من الأنصار إنّ الّذي نزلت فيه هذه الآية: ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا أنّ أمّ أيّوب قالت: يا أبا أيّوب ألا تسمع ما يقول النّاس في عائشة؟ قالت: فقال: أكنت أنت فاعلةً ذلك يا أمّ أيّوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خير منك، إنما هذا كذبٌ وإفكٌ باطلٌ.
- ذكر أبي، ثنا عليّ بن محمّدٍ الطّنافسيّ، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن جسرٍ، عن الحسن لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا كما يظنّ الرّجل إذا خلا بأمّه.
قوله تعالى: وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ). [تفسير القرآن العظيم: 8/2545-2547]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن قتادة في قوله {لولا إذ سمعتموه} [النور: 12] كذّبتم وقلتم: هذا كذبٌ بيّنٌ، ولعمري أن تكذب على أخيك بالشّرّ إذ سمعته خيرٌ لك وأسلم من أن تذيعه وتفشيه وتصدّق به.
رواه الطّبرانيّ وإسناده جيّدٌ.
- وعن سعيد بن جبيرٍ {لولا إذ سمعتموه} [النور: 12] قذف عائشة وصفوان هلّا كذّبتم به هلّا ظنّ المؤمنون والمؤمنات لأنّ منهم زينب بنت جحشٍ بأنفسهم خيرًا ألا ظنّ بعضهم ببعضٍ خيرًا بأنّهم لم يروا هذا وقالوا هذا إفكٌ ألا قالوا: هذا القذف كذبٌ بيّنٌ.
- وعن ابن جريجٍ في قوله {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات} [النور: 12] يقول بعضهم: ألا تسمع إلى قوله.
رواه الطّبرانيّ وإسناده جيّدٌ). [مجمع الزوائد: 7/77-78]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن سعيد بن جبيرٍ {لولا إذ سمعتموه} [النور: 12] يعني القذف [ألا " قلتم ما يكون لنا "] قلتم ما ينبغي لنا أن نتكلّم بهذا يعني القذف ولم تر أعيننا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ يعني ألا قلتم مثل ما قال سعد بن معاذٍ الأنصاريّ، وذلك أنّ سعدًا لمّا سمع قول من قال في أمر عائشة قال: سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، والبهتان: الّذي يبهت فيقول ما لم يكن.
رواه الطّبرانيّ، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعفٌ). [مجمع الزوائد: 7/78-79] (م)
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الحارث: حدثنا عبد العزيز بن أبان، ثنا معمر بن أبان، ثنا الزّهريّ، ثنا عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت أنا وأمّ مسطحٍ الأنصاريّة رضي الله عنها لحاجةٍ لنا فعثرت فقالت: تعس مسطحٌ. فقلت: بئس ما قلت لرجلٍ صحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فلمّا نزلت براءتي قال صلّى اللّه عليه وسلّم: " يا عائشة أبشري " فقام إليّ أبي وأمّي رضي الله عنهما فقبّلوني، فدفعت في صدورهما، فقلت: بغير حمدكما ولا حمد صاحبكما. أحمد الله عز وجل على ما عذرني وبرّأني وساء ظنّكما إذ لم تظنّا بأنفسكما خيرًا... " الحديث). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 15/73]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين * لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخره لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم.
أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عن بعض الأنصار ان امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الافك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة قال: بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت: لا والله قال: فعائشة والله خير منك وأطيب انما هذا كذب وأفك باطل فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الافك ثم قال {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} أي كما قال أبو أيوب وصاحبته). [الدر المنثور: 10/683]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الواحدي، وابن عساكر والحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب ان أم أيوب قالت: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة قال: بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك قالت: لا والله قال: فعائشة والله خير منك، فلما نزل القرآن وذكر أهل الافك قال الله {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات} ). [الدر المنثور: 10/684]

تفسير قوله تعالى: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون}.
يقول تعالى ذكره: هلاّ جاء هؤلاء العصبة الّذين جاءوا بالإفك، ورموا عائشة بالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون على مقالتهم فيها، وما رموها به فإذا لم يأتوا بالشّهداء الأربعة على حقيقة ما رموها به {فأولئك عند اللّه هم الكاذبون} يقول: فالعصبة الّذين رموها بذلك عند اللّه هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك). [جامع البيان: 17/214]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون (13)
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: إفكٌ مبينٌ يقول: هذا القذف كذبٌ، وروى، عن قتادة مثل ذلك.
وبه في قوله: مبينٌ يعنى كذبٌ بيّنٌ.
- وبه في قوله: لولا جاءوا يًعنى: هلا جاءوا عليه يعنى على القذف.
قوله تعالى: بأربعة شهداء.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون ذكر لنا أنّ سعد بن عبادة قال: لو وجدت مع أم أثاث رجلا ما أضرت به الأربعة. أن أضربه. فلمّا بلغ نبيّ اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: كفى بالسّيف شاهدًا، ثمّ قال نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أخشى السّكران والغيران، لا إلا بأربعةٍ، ثمّ قال لسعد بن عبادة: عمر أغير منك، وأنا أغير من عمر، واللّه أغير منّي، بلغ من غيرة اللّه أنّه حرّم الفواحش، ونهى عنها، وحدّ الحدود.
قوله: فإذ لم يأتوا بالشّهداء.
- ذكر، عن محمّد بن بشّارٍ، ثنا محمّد بن جعفرٍ، ثنا شعبة، عن عبد السّلام: سمعت الشّعبيّ قال في رجلٍ يقول لرجلٍ: يا زاني وهو يعلم أنّه قد زنا: الحدّ عليه؟ قال: نعم فإنّ اللّه عزّ وجلّ قال: فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون.
قوله: فأولئك عند اللّه هم الكاذبون.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ فأولئك عند الله يعني الذين قذفوا عائشة، يعنى في قولهم). [تفسير القرآن العظيم: 8/2547-2548]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن أبي صخرٍ {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون} [النور: 13] كلّ من قذف مسلمًا ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فهو قاذفٌ عليه حدّ القذف.
رواه الطّبرانيّ، وفيه رشدين بن سعدٍ وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 7/78]

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم فيما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ}
وقال مجاهدٌ: {تلقّونه} [النور: 15] : «يرويه بعضكم عن بعضٍ» {تفيضون} [يونس: 61] : «تقولون»
- حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، أخبرنا سليمان، عن حصينٍ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ، عن أمّ رومان أمّ عائشة، أنّها قالت: «لمّا رميت عائشة خرّت مغشيًّا عليها»). [صحيح البخاري: 6/105]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم)
في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله أفضتم فيه الآية قوله أفضتم قلتم ثبت هذا لأبي نعيمٍ في رواية المستخرج وقال أبو عبيدة في قوله أفضتم أي خضتم فيه قوله تفيضون فيه تقولون هو قول أبي عبيدة). [فتح الباري: 8/482]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (وقد تقدّم في غزوة المريسيع التّصريح بأن عائشة قرأته كذلك وأن بن أبي مليكة قال هي أعلم من غيرها بذلك لكونه نزل فيها وقد تقدّم فيه أيضًا الكلام على إسناد حديث أمّ رومان المذكور في هذا الباب والمذكور هنا طرفٌ من حديثها وقد تقدّم بتمامه هناك وتقدّم شرحه مستوفًى في الباب الّذي قبله في أثناء حديث عائشة وقال الإسماعيليّ هذا الّذي ذكره من حديث أمّ رومان لا يتعلّق بالتّرجمة وهو كما قال إلّا أنّ الجامع بينهما قصّة الإفك في الجملة وقوله في هذه الرّواية حدّثنا محمّد بن كثيرٍ حدّثنا سليمان عن حصينٍ كذا للأكثر وسليمان هو بن كثيرٍ أخو محمّدٍ الرّاوي عنه وللأصيليّ عن الجرجانيّ سفيان بدل سليمان قال أبو عليّ الجيّانيّ هو خطأٌ والصّواب سليمان وهو كما قال). [فتح الباري: 8/482]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الفريابيّ في تفسيره ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله 61 يونس {تفيضون} قال تقولون). [تغليق التعليق: 4/265]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم فيما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ} (النّور: 14)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {ولولا فضل الله} الآية، وفي رواية أبي ذر بعد قوله: {أفضتم فيه} الآية، وكلمة: لولا، لامتناع الشّيء لوجود غيره أي: لولا ما منّ الله به عليكم وفضله عليكم في الدّنيا بضروب النعم الّتي من جملتها الإمهال للتّوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة {لمسكم فيما أفضتم} أي: خضتم فيه من حديث الإفك، يقال: أفاض في الحديث اندفع وخاض قوله: (عذاب) فاعل: {لمسكم عذاب عظيم} في الدّنيا والآخرة، وقال ابن عبّاس: لا انقطاع له). [عمدة القاري: 19/86]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (تفيضون تقولون
هذا في سورة يونس وهو قوله تعالى: {ولا تعملون من عمل إلاّ كنّا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه} (يونس: 16) وإنّما ذكره ههنا استطرادًا لقوله: {فيما أفضتم فيه} فإن كلا منهما من الإفاضة وهو الإكثار في القول.

- حدّثنا محمّد بن كثيرٍ أخبرنا سليمان عن حصينٍ عن أبي وائلٍ عن مسروقٍ عن أمّ رومان أمّ عائشة أنّها قالت لمّا رميت عائشة خرّت مغشيًّا عليها.
قيل: لا مطابقة بين هذا الحديث وبين التّرجمة. وأجيب: بأنّه لاحظ فيه قصّة الإفك وإن كان بحسب الظّاهر غير ملائم. ومحمّد بن كثير ضد القليل العبدي البصريّ، يروي عن أخيه سليمان بن كثير عن حصين مصغر حصن ابن عبد الرّحمن عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق بن الأجدع عن أم رومان، بضم الرّاء وفتحها: بنت عامر بن عويمر امرأة أبي بكر الصّديق رضي الله عنه، وأم عائشة، ماتت في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم سنة ستّ من الهجرة فنزل النّبي صلى الله عليه وسلم قبرها واستغفر لها، وقال أبو عمر: رواية مسروق عن أم رومان مرسلة، ولعلّه سمع ذلك من عائشة، ورواية الأكثرين: محمّد بن كثير عن سليمان، وفي رواية الأصيليّ، عن الجرجانيّ: سفيان بدل سليمان، وقال الجياني: هكذا هذا الإسناد عند الجماعة، وفي نسخة أبي محمّد عن أبي أحمد: حدثنا محمّد بن كثير أخبرنا سفيان عن حصين، قال أبو عليّ: سليمان هو الصّواب، وهو سليمان بن كثير أخو محمّد ومحمّد مشهور بالرواية عن أخيه. قوله: (مغشياً عليها) ، وقال ابن التّين: الصّواب مغشية، والله أعلم). [عمدة القاري: 19/86]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم} عذابٌ عظيمٌ فيما أفضتم فيه وقال مجاهدٌ {تلقّونه} [النور: 15] يرويه بعضكم عن بعضٍ {تفيضون}: تقولون
هذا (باب قوله) تعالى: ({ولولا فضل الله عليكم}) لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره أي لولا فضل الله عليكم أيها الخائضون في شأن عائشة ({ورحمته في الدنيا}) بأنواع النعم التي من جملتها قبول توبتكم وإنابتكم إليه ({والآخرة}) بالعفو والمغفرة ({لمسلم}) عاجلًا ({فيما أفضتم}) أي خضتم ({فيه}) من قضية الإفك ({عذاب عظيم}) [النور: 14].
قال ابن عباس: المراد بالعذاب العظيم الذي لا انقطاع له يعني في الآخرة لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل فقال والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، وقد أصابه فإنه جلد وحدّ، وسقط قوله: ({عذاب عظيم}) لأبي ذر وقال بعد قوله: ({أفضتم فيه}) الآية). [إرشاد الساري: 7/264-265]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({تفيضون}) في قوله تعالى في سورة يونس {إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] معناه (تقولون) وهذا ذكره استطرادًا على عادته مناسبة لقوله فيما أفضتم فيه إذ كل منهما من الإفاضة.
- حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، أخبرنا سليمان عن حصينٍ عن أبي وائلٍ عن مسروقٍ عن أمّ رومان أمّ عائشة أنّها قالت: لمّا رميت عائشة خرّت مغشيًّا عليها.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (سليمان) هو أخوه (عن حصين) مصغرًا ابن عبد الرحمن أبي الهذيل السلمي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن أم رومان) بضم الراء بنت عامر بن عويمر (أم عائشة) -رضي الله عنهما- (أنها قالت لما رميت عائشة) بما رميت به من الإفك (خرّت مغشيًا عليها) وفي بعض النسخ بإسقاط لفظ عليها كما في المصابيح، وقال السفاقسي: صوابه مغشية يعني بتاء التأنيث بدل الألف، ورده الزركشي بأنه على تقدير الحذف أي عليها فلا معنى للتأنيث قال في المصابيح: لكن يلزم على تقديره حذف النائب عن الفاعل وهو ممتنع عند البصريين، وإنما ينسب القول به للكسائي من الكوفيين، وأما على ما استصوبه السفاقسى فإنما يلزم حذف الجار وجعل المجرور مفعولًا على سبيل الاتساع وهو موجود في كلامهم ومطابقته لما ترجم به من جهة قصة الإفك في الجملة واعترض الخطيب، وتبعه جماعة على هذا الحديث بأن مسروقًا لم يسمع من أم رومان لأنها توفيت في زمنه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وسنّ مسروق إذ ذاك ست سنين، فالظاهر أنه مرسل. وأجاب في المقدمة: بأن الواقع في البخاري هو الصواب لأن راوي وفاة أم رومان في سنة ست عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما نبه عليه البخاري في تاريخيه الأوسط والصغير وحديث مسروق أصح إسنادًا وقد جزم إبراهيم الحربي الحافظ بأن مسروقًا إنما سمع من أم رومان في خلافة عمر. وقال أبو نعيم الأصبهاني: عاشت أم رومان بعد النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- دهرًا). [إرشاد الساري: 7/265]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: {ولولا فضل اللّه عليكم} أيّها الخائضون في أمر عائشة، المشيعون فيها الكذب والإثم، بتركه تعجيل عقوبتكم {ورحمته} إيّاكم، لعفوه عنكم {في الدّنيا والآخرة} بقبول توبتكم ممّا كان منكم في ذلك، {لمسّكم فيما} خضتم فيه من أمرها عاجلاً في الدّنيا {عذابٌ عظيمٌ}.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته} هذا للّذين تكلّموا فنشروا ذلك الكلام، {لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ} ). [جامع البيان: 17/214]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ (14)
قوله: ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته
قد تقدّم تفسيره.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، أنبأ أصبغ بن الفرج، قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيدٍ في قول اللّه: ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته هذا الّذين تكلّموا فنشروا ذلك الكلام.
قوله: في الدّنيا والآخرة.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: في الدّنيا والآخرة يعني من العقوبة، وقوله: لمسكم فيما أفضتم فيه يًعنى: فيما قلتم وقوله: فيه يًعنى في القذف وقوله: عذابٌ عظيمٌ يقول: لأصابكم من العقوبة في الدّنيا والآخرة، فيها تقديمٌ). [تفسير القرآن العظيم: 8/2548]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن قتادة في قوله - تعالى - {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ} [النور: 14] قال: هذا في شأن عائشة - رضي اللّه عنها - وفيما قيل: كاد أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يهلكوا فيه، وإسناده جيّدٌ). [مجمع الزوائد: 7/78]

تفسير قوله تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (وقال مجاهدٌ: {تلقّونه} [النور: 15] : «يرويه بعضكم عن بعضٍ»). [صحيح البخاري: 6/105] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال مجاهدٌ تلقّونه يرويه بعضكم عن بعضٍ وصله الفريابيّ من طريقه وقال معناه من التلقي للشّيء وهو أخذه وقبوله وهو على القراءة المشهورة وبذلك جزم أبو عبيدة وغيره وتلقّونه بحذف إحدى التّاءين وقرأ بن مسعودٍ بإثباتها وقراءة عائشة ويحيى بن يعمر تلقونه بكسر اللّام وتخفيف القاف من الولق بسكون اللّام وهو الكذب وقال الفرّاء الولق الاستمرار في السّير وفي الكذب ويقال الّذي أدمن الكذب الألق بسكون اللّام وبفتحها أيضًا وقال الخليل أصل الولق الإسراع ومنه جاءت الإبل تلق وقد تقدّم في غزوة المريسيع التّصريح بأن عائشة قرأته كذلك وأن بن أبي مليكة قال هي أعلم من غيرها بذلك لكونه نزل فيها). [فتح الباري: 8/482]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
وقال مجاهد {تلقونه} يرويه بعضكم عن بعض {تفيضون} تقولون
أخبرنا أحمد بن أبي بكر في كتابه عن محمّد بن علّي بن ساعد أن يوسف بن خليل الحافظ أخبره أنا محمّد بن أبي زيد أنا محمود بن إسماعيل أنا أبو الحسن ابن فاذشاه أنا أبو القاسم الطّبرانيّ ثنا عبد الله بن محمّد بن سعيد ثنا محمّد بن يوسف الفريابيّ ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {إذ تلقونه بألسنتكم} قال يرويه بعضكم عن بعض هكذا ذكره الفريابيّ في تفسيره). [تغليق التعليق: 4/264-265]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال مجاهدٌ تلقّونه يرويه بعضكم عن بعضٍ
أي: قال مجاهد في قوله تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم} (النّور: 15)
الآية، وفسّر: تلقونه، بقوله: (يرويه بعضكم عن بعض) هذا تفسير فتح اللّام مع تشديد القاف، وهي قراءة الأكثرين من السّبعة، فمنهم من أدغم الذّال في التّاء، ومنهم من أظهرها وهو من التلقي للشّيء، وهو أخذه وقبوله وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود: إذ تتلقونه، بتائين وقرأت عائشة رضي الله عنها، ويحيى ابن يعمر بكسر اللّام وتخفيف القاف: من الولق، وهو الإسراع في الكذب، وقيل: هو الكذب، وقرأ محمّد بن السميقع، بضم التّاء وسكون اللّام وضم القاف). [عمدة القاري: 19/86]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريقه في قوله تعالى: إذ ({تلقونه}) [النور: 15] معناه (يرويه بعضكم عن بعض) وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك فيحدّثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر ولم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه فسعوا في إشاعته وذلك من العظائم وأصل تلقونه تتلقونه فحذفت إحدى التاءين كتنزل ونحوه). [إرشاد الساري: 7/265]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ} [النور: 15]
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشام بن يوسف، أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال ابن أبي مليكة: سمعت عائشة، " تقرأ: إذ تلقونه بألسنتكم "). [صحيح البخاري: 6/105]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم الآية)
كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره إلى عظيمٍ وقد ذكرت ما فيه في الّذي قبله). [فتح الباري: 8/483]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيمٌ} الآية)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {إذ تلقونه} ... إلى آخره هكذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره، ساق إلى قوله: عظيم، وليس في كثير من النّسخ لفظ: باب. قوله: (إذ) ، ظرف: لمسكم، أو: لأفضتم. (تلقونه) ، يأخذه بعضكم من بعض، وقد مضى الكلام فيه عن قريب. فإن قيل: ما معنى قوله بأفواهكم؟ والقول لا يكون إلاّ بالفم. قلنا: معناه أن الشّيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللّسان، وهذا الإفك ليس إلاّ قولا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب، كقوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (النّور: 15) .
- حدّثنا إبراهيم بن موسى حدّثنا هشامٌ أنّ ابن جريجٍ أخبرهم قال ابن أبي مليكة سمعت عائشة تقرأ: {إذ تلقونه بألسنتكم} (النّور: 15) .
(انظر الحديث 4414) .
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وهشام هو ابن يوسف، وفي بعض النّسخ صرح به، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكّيّ، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي مليكة واسمه زهير التّيميّ الأحول المكّيّ القاضي على عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم. والحديث مضى في المغازي.
قوله: (إذ تلقونه) بكسر اللّام وتخفيف القاف من الولق وهو الكذب، وقد مر عن قريب، وأصل: تلقونه تولقونه حذفت الواو منه تبعا للفعل الغائب لوقوعها فيه بين الياء آخر الحروف والكسرة طرداً للباب). [عمدة القاري: 19/86-87]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب: {إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ} [النور: 15]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({إذ}) ظرف لمسكم أو أفضتم ({تلقونه}) أي الإفك ({بألسنتكم}) قال الكلبي وذلك أن الرجل منهم يلقى الآخر فيقول بلغني كذا وكذا يتلقوله تلقيًا ({وتقولون بأفواهكم}) في شأن أم المؤمنين ({ما ليس لكم به علم}) فإن قلت: ما معنى قوله
بأفواهكم والقول لا يكون إلا بالفم؟ أجيب: بأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان والإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في قلوبكم علم به ({وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم}) [النور: 15] في الوزر وسقط لأبي ذر وتحسبونه الخ وقال بعد علم الآية وسقط باب لغير أبي ذر.
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشامٌ أنّ ابن جريجٍ أخبرهم، قال ابن أبي مليكة: سمعت عائشة تقرأ: {إذ تلقونه بألسنتكم}.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (هشام) ولأبي ذر هشام بن يوسف (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الرحمن: (سمعت عائشة) -رضي الله عنها- (تقرأ) ولأبي ذر تقول: ({إذ تلقونه بألسنتكم}) بكسر اللام وتخفيف القاف مضمومة من ولق الرجل إذا كذب). [إرشاد الساري: 7/265]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: لمسّكم فيما أفضتم فيه من شأن عائشة عذابٌ عظيمٌ، حين تلقّونه بألسنتكم.
و{إذ} من صلة قوله {لمسّكم}.
ويعني بقوله: {تلقّونه} تتلقّون الإفك الّذي جاءت به العصبة من أهل الإفك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعضٍ؛
يقال: تلقّيت هذا الكلام عن فلانٍ، بمعنى أخذته منه؛ وقيل ذلك لأنّ الرّجل منهم فيما ذكر يلقى آخر فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ ليشيع عليها بذلك الفاحشة.
وذكر أنّها في قراءة أبيٍّ: إذ تتلقّونه بتاءين، وعليها قراءة الأمصار، غير أنّهم قرءوها: {تلقّونه} بتاءٍ واحدةٍ، لأنّها كذلك في مصاحفهم.
وقد روي عن عائشة في ذلك ما:
- حدّثني به محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم قال: حدّثنا خالد بن نزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّها كانت تقرأ هذه الآية: إذ تلقونه بألسنتكم تقول: إنّما هو ولق الكذب، وتقول: إنّما كانوا يلقون الكذب. قال ابن أبي مليكة: وهي أعلم بما فيها أنزلت. قال نافعٌ: وسمعت بعض العرب يقول: اللّيق: الكذب.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ قال: حدّثنا نافع بن عمر بن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معمرٍ الجمحيّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أنّها كانت تقرأ: إذ تلقونه بألسنتكم وهي أعلم بذلك، وفيها أنزلت، قال ابن أبي مليكة: هو من ولق الكذب.
قال أبو جعفرٍ: وكأنّ عائشة وجّهت معنى ذلك بقراءتها تلقونه بكسر اللاّم، وتخفيف القاف، إلى: إذ تستمرّون في كذبكم عليها، وإفككها بألسنتكم، كما يقال: ولق فلانٌ في السّير فهو يلق: إذا استمرّ فيه؛ وكما قال الرّاجز:
إنّ الجليد زلقٌ وزمّلق = جاءت به عنسٌ من الشّأم تلق
مجوّع البطن كلابيّ الخلق
وقد روي عن العرب في الولق: الكذب: الألق، والإلق: بفتح الألف وكسرها، ويقال في فعلت منه: ألقت، فأنا ألق؛ وقال بعضهم:
من لي بالمزرّر اليلامق = صاحب أدهانٍ وألقٍ آلق
والقراءة الّتي لا أستجيز غيرها: {إذ تلقّونه} على ما ذكرت من قراءة الأمصار، لإجماع الحجّة من القرّاء عليها.
وبنحو الّذي قلنا من التّأويل في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {إذ تلقّونه بألسنتكم} قال: تروونه بعضكم عن بعضٍ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى؛ وحدّثني الحارث قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إذ تلقّونه} قال: تروونه بعضكم عن بعضٍ.
وقوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ} يقول تعالى ذكره: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ من الأمر الّذي تروونه، فتقولون: سمعنا أنّ عائشة فعلت كذا وكذا، ولا تعلمون حقيقة ذلك، ولا صحّته. وتظنّون أنّ قولكم ذلك وروايتكموه بألسنتكم، وتلقّيكموه بعضكم عن بعضٍ، هيّنٌ سهلٌ، لا إثم عليكم فيه ولا حرجٌ. {وهو عند الله عظيم} يقول: وتلقّيكم ذلك كذلك، وقولكموه بأفواهكم، عند اللّه عظيمٌ من الأمر؛ لأنّكم كنتم تؤذون به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وحليلته). [جامع البيان: 17/215-218]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: إذ تلقّونه بألسنتكم.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي ملكية، أنّها كانت تقرأ إذ تلقونه بألسنتكم ويقول: هو ولق القول، وقال ابن أبي ملكية: هي أعلم به من غيرها.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، عن شبلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنّه كان يقرأ إذ تلقّونه بألسنتكم قال: يرويه بعضكم، عن بعضٍ.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: إذ تلقّونه بألسنتكم وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم: سمعت من فلانٍ يقول كذا وكذا، وقال بعضهم: بلى كان كذا وكذا، فقال: تلقّونه بألسنتكم، يعني: يرويه بعضٌ، عن بعضٍ، سمعتم من فلانٍ، وسمعتم من فلانٍ، وفي قوله: بأفواهكم يًعنى بألسنتكم، يعنى من قذفوها، وفي قوله: ما ليس لكم به علمٌ يًعنى: من غير أن تعلموا أنّ الّذي قلتم من القذف حقٌّ، وفي قول اللّه: وتحسبونه هينا وتحسبون القذف هيّنًا، وفي قوله: وهو عند اللّه عظيمٌ يًعنى في الوزر، وفي قوله: لولا إذ سمعتموه يًعنى: القذف، قلتم: ما يكون لنا، يعنى: ألا قلتم: ما يكون لنا يعنى ما ينبغي لنا، وفي قوله: أن نتكلّم بهذا يًعنى القذف، ولم تره أعيننا.
- حدّثنا أبي، ثنا هوذة، ثنا عوفٌ، عن الحسن: ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا قالوا: هذا لا ينبغي لنا أن نتكلّم به، إلا من قام عليه أربعةٌ من الشّهود، أو أقيم عليه حدّ الزّنا). [تفسير القرآن العظيم: 8/2548-2549]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ) أمّ رومان - رضي الله عنهما -: وهي أمّ عائشة -رضي الله عنها - قالت: بينا أنا قاعدةٌ أنا وعائشة، إذ ولجت امرأةٌ من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلانٍ وفعل، فقالت: أمّ رومان: وما ذاك؟ قالت: ابني فيمن حدّث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا، قالت عائشة: وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، قالت: وأبو بكرٍ؟ قالت: نعم، فخرّت مغشيًّا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمّى بنافضٍ، فطرحت عليها ثيابها، فغطّيتها، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما شأن هذه؟» قلت: يا رسول الله، أخذتها الحمّى بنافضٍ، قال: فلعلّ في حديثٍ تحدّث به؟ قالت: نعم، فقعدت عائشة، فقالت: والله لئن حلفت لا تصدّقوني، ولئن قلت لا تعذروني، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه {واللّه المستعان على ما تصفون} قالت: فانصرف، ولم يقل لي شيئاً، فأنزل الله عذرها، قالت: بحمد الله، لا بحمد أحدٍ، ولا بحمدك. أخرجه البخاري.
قال الحميدي، في كتاب «الجمع بين الصحيحين»: كان بعض من لقينا من الحفّاظ البغداديّين يقول: إن الإرسال في هذا الحديث أبين، واستدلّ على ذلك بأنّ أمّ رومانٍ توفّيت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ومسروق بن الأجدع - راوي هذا الحديث عن أمّ رومان - لم يشاهد النبيّ صلى الله عليه وسلم بلا خلافٍ.
- (ت) عائشة - رضي الله عنها -: قالت: لمّا أنزل عذري، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وذكر ذلك، وتلا القرآن، قالت: وأمر برجلين وامرأةٍ، فجلدوا الحدّ. أخرجه الترمذي). [جامع الأصول: 2/277-279]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن سعيد بن جبيرٍ {إذ تلقّونه بألسنتكم} [النور: 15] وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم: سمعت فلانًا يقول كذا وكذا فقال: تلقّونه بألسنتكم يقول: يرويه بعضكم عن بعضٍ، سمعت من فلانٍ وسمعت من فلانٍ وتقولون بأفواهكم يعني بألسنتكم، يعني من قذفها ما ليس لكم به علمٌ يعني من غير أن تعلموا أنّ الّذي قلتم من القذف حقٌّ وتحسبونه هيّنًا يعني وتحسبون أنّ القذف ذنبٌ هيّنٌ وهو عند اللّه عظيمٌ يعني في الزّور.
رواه الطّبرانيّ، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعفٌ. ورواه باختصارٍ عن مجاهدٍ، ورجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/78]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.
أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد أنه قرأ {إذ تلقونه بألسنتكم} قال: يرويه بعضكم عن بعض). [الدر المنثور: 10/684]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {إذ تلقونه بألسنتكم} قال: يرويه بعضكم عن بعض). [الدر المنثور: 10/684]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه عن ابن مليكة قال: كانت عائشة تقرأ {إذ تلقونه بألسنتكم} وتقول: انما هو ولق القول، والولق الكذب قال ابن أبي مليكة: هي أعلم به من غيرها لأن ذلك نزل فيها، أما قوله تعالى {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} ). [الدر المنثور: 10/684-685]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض). [الدر المنثور: 10/685]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الطبراني عن حذيفة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة). [الدر المنثور: 10/685]

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} [النور: 16]
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا يحيى، عن عمر بن سعيد بن أبي حسينٍ، قال: حدّثني ابن أبي مليكة، قال: استأذن ابن عبّاسٍ قبل موتها على عائشة وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيل: ابن عمّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخيرٍ إن اتّقيت، قال: «فأنت بخيرٍ إن شاء اللّه، زوجة رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عذرك من السّماء» ودخل ابن الزّبير خلافه، فقالت: دخل ابن عبّاسٍ فأثنى عليّ، ووددت أنّي كنت نسيًا منسيًّا
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا عبد الوهّاب بن عبد المجيد، حدّثنا ابن عونٍ، عن القاسم، أنّ ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنه، استأذن على عائشة نحوه ولم يذكر نسيًا منسيًّا). [صحيح البخاري: 6/105-106]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا الآية كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره إلى عظيمٍ قوله لجّيٌّ اللّجّة معظم البحر ثبت هذا لأبي نعيمٍ في المستخرج وهو قول أبي عبيدة قال في قوله في بحرٍ لجى يضاف إلى اللّجّة وهي معظم البحر تنبيهٌ ينبغي أن يكون هذا في أثناء التّفاسير المذكورة في أوّل السّورة وأمّا خصوص هذا الباب فلا تعلّق له بها
- قوله حدّثنا يحيى هو بن سعيدٍ القطّان قوله وهي مغلوبةٌ أي من شدّة كرب الموت قوله قالت أخشى أن يثني على فقيل بن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان القائل فهم عنها أنّها تمنعه من الدّخول للمعنى الّذي ذكرته فذكّرها بمنزلته والّذي راجع عائشة في ذلك هو بن أخيها عبد اللّه بن عبد الرّحمن والّذي استأذن لابن عبّاسٍ على عائشة حينئذٍ هو ذكوان مولاها وقد بيّن ذلك كلّه أحمد وبن سعدٍ من طريق عبد اللّه بن عثمان هو بن خثيم عن بن أبي مليكة عن ذكوان مولى عائشة أنّه استأذن لابن عبّاسٍ على عائشة وهي تموت فذكر الحديث وفيه فقال لها عبد اللّه يا أمتاه إن بن عبّاسٍ من صالح بيتك يسلّم عليك ويودّعك قالت ائذن له إن شئت وادّعى بعض الشّرّاح أنّ هذا يدلّ على أنّ رواية البخاريّ مرسلة قال لأن بن أبي مليكة لم يشهد ذلك ولا سمعه من بن عبّاسٍ حال قوله لعائشة لعدم حضوره انتهى وما أدري من أين له الجزم بعدم حضوره وسماعه وما المانع من ذلك ولعلّه حضر جميع ذلك وطال عهده به فذكّره به ذكوان أو أنّ ذكوان ضبط منه ما لم يضبطه هو ولهذا وقع في رواية ذكوان ما لم يقع في رواية بن أبي مليكة قوله كيف تجدينك في رواية بن ذكوان فلمّا جلس قال أبشري قالت وأيضًا قال ما بينك وبين أن تلقي محمّدًا والأحبّة إلّا أن تخرج الرّوح من الجسد قوله بخيرٍ إن اتّقيت أي إن كنت من أهل التّقوى ووقع في رواية الكشميهنيّ أبقيت قوله فأنت بخيرٍ إن شاء اللّه تعالى زوّجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم ينكح بكرًا غيرك في رواية ذكوان كنت أحبّ نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكن يحبّ إلّا طيّبًا قوله ونزل عذرك من السّماء يشير إلى قصّة الإفك ووقع في رواية ذكوان وأنزل اللّه براءتك من فوق سبع سماواتٍ جاء به الرّوح الأمين فليس في الأرض مسجد إلّا وهو يتلى فيه آناء اللّيل وأطراف النّهار وزاد في آخره وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فنزل التّيمّم فواللّه إنّك لمباركةٌ ولأحمد من طريقٍ أخرى فيها رجلٌ لم يسمّ عن بن عبّاسٍ أنّه قال لها إنّما سمّيت أمّ المؤمنين لتسعدي وإنّه لاسمك قبل أن تولدي وأخرجه بن سعدٍ من طريق عبد الرّحمن بن سابط عن بن عبّاس مثله قوله ودخل بن الزّبير خلافه أي على عائشة بعد أن خرج بن عبّاسٍ فتخالفا في الدّخول والخروج ذهابًا وإيابًا وافق رجوع بن عبّاس مجيء بن الزّبير قوله وددت إلخ هو على عادة أهل الورع في شدّة الخوف على أنفسهم ووقع في رواية ذكوان أنّها قالت لابن عبّاسٍ هذا الكلام قبل أن يقوم ولفظه فقالت دعني منك يا بن عبّاسٍ فوالّذي نفسي بيده لوددت أنّي كنت نسيًا منسيًّا تنبيهٌ لم يذكر هنا خصوص ما يتعلّق بالآية الّتي ذكرها في التّرجمة صريحًا وإن كان داخلًا في عموم قول بن عبّاسٍ نزل عذرك من السّماء فإنّ هذه الآية من أعظم ما يتعلّق بإقامة عذرها وبراءتها رضي اللّه عنها وسيأتي في الاعتصام من طريق هشام بن عروة وقال رجلٌ من الأنصار سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك الآية وسأذكر تسميته هناك إن شاء اللّه تعالى قوله حدّثنا بن عونٍ هو عبد اللّه عن القاسم هو بن محمّد بن أبي بكر قوله ان بن عبّاسٍ رضي اللّه عنه استأذن على عائشة نحوه في رواية الإسماعيليّ عن الهيثم بن خلفٍ وغيره عن محمّد بن المثنّى شيخ البخاريّ فيه فذكر معناه قال المزّيّ في الأطراف يعني قوله أنت زوجة رسول اللّه ونزل عذرك قلت وقد أخرجه الإسماعيليّ وأبو نعيمٍ في المستخرج من طريق حمّاد بن زيدٍ عن عبد اللّه بن عونٍ ولفظه عن القاسم بن محمّدٍ عن عائشة أنّها اشتكت فاستأذن بن عبّاسٍ عليها وأتاها يعودها فقالت الآن يدخل عليّ فيزكّيني فأذنت له فقال أبشري يا أمّ المؤمنين تقدمين على فرط صدقٍ وتقدمين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى أبي بكرٍ قالت أعوذ باللّه أن تزكّيني وقد تقدّم في مناقب عائشة عن محمّد بن بشّارٍ عن عبد الوهّاب بإسناد الباب بلفظ أن عائشة اشتكت فجاء بن عبّاسٍ فقال يا أمّ المؤمنين تقدمين على فرط صدقٍ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكرٍ فالّذي يظهر أنّ رواية عبد الوهّاب مختصرةٌ وكأنّ المراد بقوله نحوه ومعناه بعض الحديث لا جميع تفاصيله ثمّ راجعت مستخرج الإسماعيليّ فظهر لي أنّ محمّد بن المثنّى هو الّذي اختصره لا البخاريّ لأنّه صرّح بأنّه لا يحفظ حديث بن عونٍ وأنّه كان سمعه ثمّ نسيه فكان إذا حدّث به يختصره وكان يتحقّق قولها نسيا منسيا لم يقع في رواية بن عون وإنّما وقعت في رواية بن أبي مليكة وأخرج ذلك الإسماعيليّ عن جماعةٍ من مشايخه عن محمّد بن المثنّى وأخرجه من طريق حمّاد بن زيدٍ عن عبد اللّه بن عونٍ فساقه بتمامه كما بيّنته فهذا الّذي أشار إليه بن المثنّى واللّه أعلم وفي هذه القصّة دلالةٌ على سعة علم بن عبّاسٍ وعظيم منزلته بين الصّحابة والتّابعين وتواضع عائشة وفضلها وتشديدها في أمر دينها وأنّ الصّحابة كانوا لا يدخلون على أمّهات المؤمنين إلّا بإذنٍ ومشورة الصّغير على الكبير إذا رآه عدل إلى ما الأولى خلافه والتّنبيه على رعاية جانب الأكابر من أهل العلم والدّين وأن لا يترك ما يستحقّونه من ذلك لمعارض دون ذلك في المصلحة). [فتح الباري: 8/483-484]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (بابٌ: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} (النّور: 16)
هذه الآية ذكرت عند قوله باب: {ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات} (النّور: 12) واقتصر أبو ذر إلى قوله: {أن نتكلم بهذا} وساق غيره بقيّة الآية، وذكرها ههنا تكرار، على ما لا يخفى على أنّها غير مذكورة في بعض النّسخ.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى حدثنا يحيى عن عمر بن سعيد بن أبي حسينٍ قال حدّثني ابن أبي مليكة قال استأذن ابن عبّاس قبل موتها على عائشة وهي مغلوبةٌ قالت أخشي أن يثني عليّ فقيل ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وجوه المسلمين قالت ائذنوا له فقال كيف تجدينك قالت بخيرٍ إن اتّقيت الله قال فأنت بخيرٍ إن شاء الله زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكراً غيرك ونزل عذرك من السّماء ودخل ابن الزّبير خلافه فقالت دخل ابن عبّاسٍ فأثنى عليّ ووددت أنّي {كنت نسياً منسيًّا} (مريم: 23)
(انظر الحديث 3771 وطرفه) .
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من قوله: (ونزل عذرك من السّماء) . ويحيى هو ابن سعيد القطّان وابن أبي مليكة عبد الله، وقد مر عن قريب قبيل الباب. والحديث ذكره أيضا في النّكاح.
قوله: (وهي مغلوبة) ، جملة حالية أي: مغلوبة من كرب الموت. قوله: (فقيل: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّما قال ذلك لأنّه فهم منها أنّها تمنعه، فدخل عليها هذا القائل في الإذن له بالدّخول وذكرها منزلته، وهذا القائل هو عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّديق رضي الله عنهم، والّذي استأذن هو ذكوان مولى عائشة، وقد بيّن ذلك عبد الرّزّاق. قال: أخبرنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن ابن أبي مليكة عن ذكوان مولى عائشة أنه استأذن لابن عبّاس على عائشة وهي تموت وعندها ابن أختها عبد الله بن عبد الرّحمن، فذكره، ورواه أحمد عن عبد الرّزّاق، وقال صاحب (التّوضيح) : هذه الرّواية تدل على إرسال رواية البخاريّ وأن ابن أبي مليكة لم يشهد ذلك ولا سمعه منه حالة قوله لها لعدم حضوره. انتهى. وقال بعضهم: ادّعى بعض الشّرّاح فذكره، ثمّ قال: وما أدري من أين له الجزم بعدم حضوره وسماعه، وما المانع من ذلك؟ ولعلّه حضر جميع ذلك. انتهى. قلت: هو ما ادّعى الجزم بذلك بل له احتمال قريب، وكيف يشنع عليه وقد رد كلام نفسه بكلمة الترجي؟ قوله: (كيف تجدينك) ، الخطاب لعائشة بالتّاء والكاف، أي: كيف تجدين نفسك؟ قوله: (إن اتّقيت) أي: كنت من أهل التّقوى، وفي رواية الكشميهني: إن اتّقيت من التقاء على صيغة المجهول. قوله: (ونزل عذرك من السّماء) أشار به إلى قصّة الإفك. قوله: (خلافه) أي: ودخل عبد الله بن الزبير على عائشة بعده متخالفين ذهابًا وإياباً، أي: وافق رجوعه مجيئه، قوله: (نسياً منسياً) معناه: ليتني لم أك شيئا. وقال الجوهري: وقرئ قوله تعالى: {نسيا منسياً} بالفتح، أي: بفتح النّون.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى حدثنا عبد الوهّاب بن عبد المجيد حدّثنا ابن عونٍ عن القاسم أنّ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما استأذن على عائشة نحوه ولم يذكر {نسياً منسيًّا} (مريم: 23)
(انظر الحديث 3771 وطرفه) .
هذا طريق آخر في الحديث المذكور وابن عون هو عبد الله بن عون، والقاسم هو محمّد بن أبي بكر. قوله: (نحوه) أي: نحو الحديث المذكور). [عمدة القاري: 19/87-88]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} [النور: 16]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا}) ما ينبغي وما يصح لا ({أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم}) [النور: 16] سقط قوله سبحانك الخ لأبي ذر وقال بعد قوله بهذا الآية وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا يحيى عن عمر بن سعيد بن أبي حسينٍ قال: حدّثني ابن أبي مليكة، قال: استأذن ابن عبّاسٍ قبل موتها على عائشة وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيل: ابن عمّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له. فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخيرٍ إن اتّقيت الله. قال: فأنت بخيرٍ - إن شاء اللّه -، زوجة رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عذرك من السّماء. ودخل ابن الزّبير خلافه فقالت: دخل ابن عبّاسٍ فأثنى عليّ، ووددت أنّي كنت نسيًا منسيًّا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عمر بن سعيد بن أبي حسين) بضم عين عمر وكسر عين سعيد وضم حاء حسين مصغرًا القرشي النوفلي المكي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله (قال: استأذن ابن عباس قبل موتها) ولأبي ذر قبيل موتها بضم القاف مصغرًا (على عائشة وهي مغلوبة) من كرب الموت (قالت: أخشى أن يثني عليّ) لأن الثناء يورث العجب (فقيل) هو (ابن عم رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- ومن وجوه المسلمين) والقائل لها ذلك هو ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن والذين استأذن لابن عباس عليها ذكوان مولاها كما عند أحمد في روايته (قالت ائذنوا له فقال) ابن عباس لها بعد أن أذن له في الدخول ودخل (كيف تجدينك) أي كيف تجدين نفسك فالفاعل والمفعول ضميران لواحد وهو من خصائص أفعال القلوب (قالت) عائشة: أجدني (بخير إن اتقيت الله) أي إن كنت من أهل التقوى وسقطت الجلالة من اليونينية وآل ملك وغيرهما وثبتت في الفرع ولأبي ذر عن الكشميهني إن أبقيت بضم الهمزة وسكون الموحدة وكسر القاف وسكون التحتية وفتح الفوقية من البقاء (قال) ابن عباس (فأنت بخير إن شاء الله زوجة رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- ولم ينكح بكرًا غيرك ونزل عذرك) عن قصة الإفك (من السماء) وفي رواية ذكوان المذكورة: وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات جاء به الروح الأمين فليس في الأرض مسجدًا إلا وهو يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار.
(ودخل) عليها (ابن الزبير) عبد الله (خلافه) بعد أن خرج ابن عباس فتخالفا في الدخول والخروج ذهابًا وإيابًا وافق رجوع ابن عباس مجيء ابن الزبير (فقالت) له عائشة: (دخل ابن عباس فأثنى عليّ ووددت أي كنت نسيًا منسيًّا) أي لم أكن شيئًا.
وهذا على طريق أهل الورع في شدة خوفهم على أنفسهم.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، حدّثنا عبد الوهّاب بن عبد المجيد، حدّثنا ابن عونٍ عن القاسم، أنّ ابن عبّاسٍ -رضي الله عنه- استأذن على عائشة. نحوه ولم يذكر نسيًا منسيًّا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد) بفتح الميم وكسر الجيم الثقفي قال: (حدّثنا ابن عون) بالنون عبد الله (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (إن ابن عباس -رضي الله عنه- استأذن على عائشة نحوه) أي ذكر نحو الحديث المذكور (ولم يذكر) فيه (نسيًا منسيًّا).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله ونزل عذرك من السماء). [إرشاد الساري: 7/265-266]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ}
قوله: (أن يثني عليّ) أي: لأن الثناء يورث العجب.
قوله: (ابن عم رسول الله) أي: هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقائله عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، وإنما قاله لأنه فهم منها أن تمنعه، والمستأذن لابن عباس ذكوان مولى عائشة. قوله: خلافه) أي: بعد خروجه). [حاشية السندي على البخاري: 3/61]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: {فلولا} أيّها الخائضون في الإفك الّذي جاءت به عصبةٌ منكم، {إذ سمعتموه} ممّن جاء به، {قلتم} ما يحلّ لنا أن نتكلّم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوّه به {سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} تنزيهًا لك يا ربّ، وبراءةٌ إليك ممّا جاء به هؤلاء؛ {هذا بهتانٌ عظيمٌ} يقول: هذا القول بهتانٌ عظيمٌ). [جامع البيان: 17/218]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفص بن غياثٍ، عن حجّاجٍ، عن ابن أبي ملكية، عن ابن عبّاسٍ: سبحان قال: تنزيه اللّه نفسه، عن السّوء.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا ابن بكيرٍ، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: سبحانك يًعنى: ألا قلتم، سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، يعنى: ألا قلتم: هذا كذبٌ بهتانٌ عظيمٌ، مثل ما قال سعد بن معاذٍ الأنصاريّ، وذلك أنّ سعدًا لمّا سمع قول من خاض في أمر عائشة فقال: سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، والبهتان: الّذي يبهت فيقول ما لم يكن). [تفسير القرآن العظيم: 8/2549]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.
أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان أبو أيوب الانصاري حين أخبرته امرأته قالت: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث الناس فقال (ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) فأنزل الله {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} ). [الدر المنثور: 10/685]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال: سبحانك هذا بهتان عظيم). [الدر المنثور: 10/685-686]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أخي سمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال: كان رجلان من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئا من ذلك قالا: سبحانك هذا بهتان عظيم، زيد بن حارثة وأبو أيوب). [الدر المنثور: 10/686]

تفسير قوله تعالى: (يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن رجلٍ عن مجاهدٍ في قوله: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدا} قال: نهاكم [الآية: 17]). [تفسير الثوري: 222]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا حفص بن غياثٍ، عن ليثٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله} قال: يحرّج اللّه عليكم أن تعودوا لمثله). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 243]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا} [النور: 17]

- حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: جاء حسّان بن ثابتٍ يستأذن عليها، قلت: أتأذنين لهذا؟ قالت: «أوليس قد أصابه عذابٌ عظيمٌ» - قال سفيان: تعني ذهاب بصره - فقال: حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قالت: «لكن أنت»). [صحيح البخاري: 6/106]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدا الآية)
سقط لغير أبي ذرٍّ لفظ الآية
- قوله عن عائشة رضي اللّه عنها قالت جاء حسّان بن ثابتٍ يستأذن عليها فيه التفاتٌ من المخاطبة إلى الغيبة وفي رواية مؤمّلٍ عن سفيان عند الإسماعيليّ كنت عند عائشة فدخل حسّان فأمرت فألقيت له وسادةٌ فلمّا خرج قلت أتأذنين لهذا قوله قلت أتأذنين لهذا في رواية مؤمّلٍ ما تصنعين بهذا وفي رواية شعبة في الباب الّذي يليه تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله والّذي تولى كبره منهم وهذا مشكلٌ لأنّ ظاهره أنّ المراد بقوله والّذي تولّى كبره منهم هو حسّان بن ثابتٍ وقد تقدّم قبل هذا أنّه عبد اللّه بن أبيٍّ وهو المعتمد وقد وقع في رواية أبي حذيفة عن سفيان الثّوريّ عند أبي نعيمٍ في المستخرج وهو ممّن تولّى كبره فهذه الرّواية أخفّ إشكالًا قوله قالت أو ليس قد أصابه عذابٌ عظيمٌ في رواية شعبة قالت وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى قوله قال سفيان تعني ذهاب بصره زاد أبو حذيفة وإقامة الحدود ووقع بعد هذا الباب في رواية شعبة تصريح عائشة بصفة العذاب دون رواية سفيان ولهذا احتاج أن يقول تعني وسفيان المذكور هو الثّوريّ والرّاوي عنه الفريابيّ وقد روى البخاريّ عن محمّد بن يوسف عن سفيان عن الأعمش شيئًا غير هذا ومحمّد بن يوسف فيه هو البيكنديّ وسفيان هو بن عيينة بخلاف الّذي هنا ووقع عند الإسماعيليّ التّصريح بأنّ سفيان هنا هو الثّوريّ ومحمّد بن يوسف هو الفريابيّ
- قوله فشبّب بمعجمةٍ وموحّدتين الأولى ثقيلةٌ أي تغزّل يقال شبّب الشّاعر بفلانة أي عرّض بحبّها وذكر حسنها والمراد ترقيق الشّعر بذكر النّساء وقد يطلق على إنشاد الشّعر وإنشائه ولم يكن فيه غزلٌ كما وقع في حديث أمّ معبدٍ فلمّا سمع حسّان شعر الهاتف شبّب يجاريه أخذ في نظم جوابه قوله حصانٌ بفتح المهملة قال السّهيليّ هذا الوزن يكثر في أوصاف المؤنّث وفي الأعلام منها كأنّهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفّة اللّفظ لخفّة المعنى حصانٌ من الحصين والتّحصين يراد به الامتناع على الرّجال ومن نظرهم إليها وقوله رزانٌ من الرّزانة يراد قلّة الحركة وتزنّ بضمّ أوّله ثمّ زايٌ ثمّ نونٌ ثقيلةٌ أي ترمى وقوله غرثى بفتح المعجمة وسكون الرّاء ثمّ مثلّثةٍ أي خميصة البطن أي لا تغتاب أحدًا وهي استعارةٌ فيها تلميحٌ بقوله تعالى في المغتاب أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا والغوافل جمع غافلةٍ وهي العفيفة الغافلة عن الشّرّ والمراد تبرئتها من اغتياب النّاس بأكل لحومهم من الغيبة ومناسبة تسمية الغيبة بأكل اللّحم أنّ اللّحم سترٌ على العظم فكأنّ المغتاب يكشف ما على من اغتابه من سترٍ وزاد بن هشامٍ في السّيرة في هذا الشّعر على أبي زيدٍ الأنصاريّ عقيلة حيٍّ من لؤيّ بن غالبٍ كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذّبةٌ قد طيّب اللّه خيمها وطهّرها من كل سوء وباطل وفيه عن بن إسحاق فإن كنت قد قلت الّذي زعموا لكم فلا رفعت سوطي إليّ أناملي فكيف وودّي ما حييت ونصرتي لآل رسول اللّه زين المحافل وزاد فيه الحاكم في روايةٍ له من غير رواية بن إسحاق حليلة خير الخلق دينًا ومنصبًا نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل رأيتك وليغفر لك اللّه حرّة من المحصنات غير ذات الغوائل والخيم بكسر المعجمة وسكون التّحتانيّة الأصل الثّابت وأصله من الخيمة يقال خام يخيم إذا أقام بالمكان قوله فقالت عائشة لست كذاك ذكر بن هشامٍ عن أبي عبيدة أنّ امرأةً مدحت بنت حسّان بن ثابتٍ عند عائشة فقالت حصانٌ رزان البيت فقالت عائشة لكن أبوها وهو بتخفيف النّون فإن كان محفوظًا أمكن تعدّد القصّة ويكون قوله في بعض طرق رواية مسروقٍ يشبّب ببنتٍ له بالنّون لا بالتّحتانيّة ويكون نظم حسّان في بنته لا في عائشة وإنّما تمثّل به لكن بقيّة الأبيات ظاهرةٌ في أنّها في عائشة وهذا البيت في قصيدةٍ لحسّان يقول فيها فإن كنت قد قلت الّذي زعموا لكم فلا رفعت سوطي إليّ أناملي وإنّ الّذي قد قيل ليس بلائقٍ بك الدّهر بل قيل امرئٍ متماحل قوله قالت لكن أنت في رواية شعيبٍ قالت لست كذاك وزاد في آخره وقالت قد كان يردّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتقدّم في المغازي من وجهٍ آخر عن شعبة بلفظ أنّه كان ينافح أو يهاجي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودلّ قول عائشة لكن أنت لست كذلك على أنّ حسّان كان ممّن تكلّم في ذلك وهذه الزّيادة الأخيرة تقدّمت هناك من طريق عروة عن عائشة أتمّ من هذا وتقدّم هناك أيضًا في أثناء حديث الإفك من طريق صالح بن كيسان عن الزّهريّ قال عروة كانت عائشة تكره أن يسبّ عندها حسّان وتقول إنّه الّذي قال فإنّ أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمّدٍ منكم وقاء). [فتح الباري: 8/485-486]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ قوله: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً} الآية)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {يعظكم الله} (النّور: 17)
الآية. وسقط لغير أبي ذر لفظ. الآية، قوله: (يعظكم الله) أي: ينهاكم ويخوفكم، وقيل: يعظكم الله كيلا تعودوا لمثله، أي: إلى مثله {والله عليم} يأمر عائشة وصفوان {حكيم} ببراءتهما.
- حدّثنا محمّد بن يوسف حدّثنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروقٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء حسّان بن ثابتٍ يستأذن عليها قلت أتأذنين لهاذا قالت أوليس قد أصابه عذابٌ عظيمٌ قال سفيان تعني ذهاب بصره فقال:
(حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل)
قالت لاكن أنت.
(انظر الحديث 4146 وطرفه) .
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من قوله: (أتأذنين لهذا) يفهم بالتّأمّل، ومحمّد بن يوسف هو الفريابيّ، وسفيان هو الثّوريّ، والأعمش هو سليمان، وقد وقع التّصريح بذلك عند الإسماعيليّ، وفي غير هذا الموضع روى البخاريّ أيضا عن محمّد بن يوسف البيكندي عن سفيان بن عيينة عن الأعمش وأبو الضّحى مسلم بن صبيح.
والحديث مضى في المغازي في: باب حديث الإفك، فإنّه أخرجه هناك عن بشر بن خالد عن محمّد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي الضّحى إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: (لكن أنت) وفي رواية شعبة: قالت: لست كذاك، الخطاب لحسان، يعني: لكن أنت لم تصبح غرثان من لحوم الغوافل، وهو دال على أنه كان خاض فيمن خاض). [عمدة القاري: 19/88]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا} الآية
(قولها {يعظكم الله}) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله: {يعظكم الله}. قال ابن عباس: يحرم الله عليكم، وقال مجاهد: ينهاكم الله ({أن تعودوا لمثله}) كراهة أن تعودوا مفعول من أجله أو في أن تعودوا على حذف في ({أبدًا}) ما دمم أحياء مكلفين (الآية}) [النور: 17] وسقط قوله الآية لغير أبي ذر.
- حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروقٍ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاء حسّان بن ثابتٍ يستأذن عليها، قلت: أتأذنين لهذا؟ قالت: أوليس قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟ قال سفيان: تعني ذهاب بصره، فقال:
حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ = وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قالت: لكن أنت.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة -رضي الله عنها-) أنها (قالت): ولأبي ذر عن الكشميهني قال: (جاء حسان بن ثابت) الأنصاري الخزرجي شاعر رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- (يستأذن عليها) فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة قال مسروق: (قلت) لعائشة: (أتأذنين لهذا) وهو ممن تولى كبر الإفك؟ (قالت: أوليس قد أصابه عذاب عظيم. قال سفيان) الثوري: (تعني ذهاب بصره. فقال) حسان: (حصان رزان) بفتح الحاء المهملة والزاي من الثاني وقبلها راء مهملة مخففة أي عفيفة كاملة العقل (ما تزن) بضم الفوقية وفتح الزاي وتشديد النون أي ما تتهم (بريبة) براء مهملة فتحتية ساكنة فموحدة.
(وتصبح غرثى) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح المثلثة جائعة (من لحوم الغوافل) العفيفات أي لا تغتابهن إذ لو كانت تغتاب لكانت آكلة وهو استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا} [الحجرات: 12].
وهذا البيت من جملة قصيدة لحسان.
(قالت) عائشة: (لكن) أي لست (أنت) كذلك إشارة إلى أنه اغتابها حين وقعت قصة الإفك). [إرشاد الساري: 7/266]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً}
قوله: (حصان) أي: عفيفة ورزان، أي: كاملة العقل، قوله: ما تزنّ، أي: ما تتهم بريبة، أي: بتهمة. وقوله: وتصبح غرثى، أي: جائعة، وقوله: من لحوم الغوافل، أي العفيفات.
قوله: (قالت: لكن أنت) أي: لم تصبح غرثان أشارت به إلى أنه خاض في الإفك اهـ شيخ الإسلام). [حاشية السندي على البخاري: 3/61-62]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين (17) ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليمٌ حكيمٌ}.
يقول تعالى ذكره: يذكّركم اللّه، وينهاكم بآي كتابه، لئلاّ تعودوا لمثل فعلكم الّذي فعلتموه في أمر عائشة من تلقّيكم الإفك الّذي روي عليها بألسنتكم، وقولكم بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ فيها أبدًا {إن كنتم مؤمنين}. يقول: إن كنتم تتّعظون بعظات اللّه، وتأتمرون لأمره، وتنتهون عمّا نهاكم عنه.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليمٌ حكيمٌ} قال: والّذي هو خيرٌ لنا من هذا، أنّ اللّه أعلمنا هذا لكيلا نقع فيه، لولا أنّ اللّه أعلمنا لهلكنا كما هلك القوم، أن يقول الرّجل: أنا سمعته، ولم أخترقه، ولم أتقوّله، فكان خيرًا حين أعلمناه اللّه، لئلاّ ندخل في مثله أبدًا، وهو عند اللّه عظيمٌ). [جامع البيان: 17/218-219]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين (17)
قوله تعالى: يعظكم اللّه.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفص بن عمر، والمحاربيّ، عن ليثٍ، عن الحكم، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ: يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا قال يحرّج اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: ثمّ وعظ اللّه الّذين خاضوا في أمر عائشة، فقال: يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا يعني: القذف، إن كنتم مؤمنين، يعني مصدّقين). [تفسير القرآن العظيم: 8/2549]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن سعيد بن جبيرٍ {لولا إذ سمعتموه} [النور: 12] يعني القذف [ألا " قلتم ما يكون لنا "] قلتم ما ينبغي لنا أن نتكلّم بهذا يعني القذف ولم تر أعيننا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ يعني ألا قلتم مثل ما قال سعد بن معاذٍ الأنصاريّ، وذلك أنّ سعدًا لمّا سمع قول من قال في أمر عائشة قال: سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، والبهتان: الّذي يبهت فيقول ما لم يكن.
رواه الطّبرانيّ، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعفٌ.
- وبسنده عن سعيد بن جبيرٍ {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا} [النور: 17] يعني القذف.
- وبسنده عنه إنّ الّذين يعني بين قذف عائشة {يحبّون أن تشيع الفاحشة} [النور: 19] يعني أن تفشو ويظهر الزّنا في الّذين آمنوا يعني صفوان وعائشة لهم عذابٌ أليمٌ يعني وجيعٌ في الدّنيا والآخرة فكان عذاب عبد اللّه بن أبيٍّ في الدّنيا الجلد وفي الآخرة عذاب النّار واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون. وروى نحو هذا عن قتادة بإسنادٍ جيّدٍ، وروى بعضه عن مجاهدٍ بإسنادين رجال أحدهما ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/78-79]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (وعن مجاهدٍ في قوله: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا} [النور: 17] قال: ينهاكم.
رواه الطّبرانيّ، ورجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/79]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم.
أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} قال يحرج الله عليكم). [الدر المنثور: 10/686]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي والطبراني عن مجاهد في قوله {يعظكم الله} قال: ينهاكم). [الدر المنثور: 10/686]

تفسير قوله تعالى: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليمٌ حكيمٌ} [النور: 18]
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا ابن أبي عديٍّ، أنبأنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، قال: دخل حسّان بن ثابتٍ على عائشة فشبّب، وقال: حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قالت: «لست كذاك» ، قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل اللّه: {والّذي تولّى كبره منهم} [النور: 11] فقالت: «وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى» وقالت: «وقد كان يردّ عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم»). [صحيح البخاري: 6/106]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ذكر فيه بعض حديث مسروقٍ عن عائشة وقد بيّنت ما فيه في الباب الّذي قبله وقوله في أوّل السّند حدّثنا محمّد بن كثيرٍ أنبأنا سليمان كذا للأكثر غير منسوب وهو سليمان بن كثيرٍ أخو محمّدٍ الرّاوي عنه صرّح به ووقع في رواية الأصيليّ عن أبي زيدٍ كالجماعة وعن الجرجانيّ سفيان بدل سليمان قال أبو عليٍّ الجيّانيّ وسليمان هو الصّواب). [فتح الباري: 8/486-487]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {ويبيّن الله لكم الآيات والله عليمٌ حكيمٌ} (النّور: 18) (النّور: 18)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {ويبين الله لكم الآيات} الدالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشّرائع ويعلمكم من الآداب الجميلة (والله عليم) بأمر عائشة وصفوان وببراءتهما (حكيم) يضع الأشياء في محالها.
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ حدّثنا ابن عديّ أنبأنا شعبة عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروق قال دخل حسّان بن ثابتٍ على عائشة فشبّب وقال:
(حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل)
قالت لست كذاك قلت تدعين مثل هاذا يدخل عليك وقد أنزل الله: {والّذي تولّى كبره منهم} (النّور: 11) فقالت وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى وقالت وقد كان يردّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(انظر الحديث 4146 وطرفه) .
هذا طريق آخر في الحديث المذكور في الباب الّذي قبله، وابن أبي عدي محمّد، واسم أبي عدي إبراهيم.
قوله: (فشبب) من التشبيب، وهو إنشاد الشّعر على وجه الغزل. قوله: (قالت: لست كذاك) ، أي: قالت عائشة لحسان: (لست كذاك) تعني: لم تصبح غرثان من لحوم الغوافل، شارت به إلى أنه خاض في الإفك ولم يسلم من أكل لحوم الغوافل. قوله: (قلت) القائل هو مسروق. قوله: (تدعين) ، أي: تتركين (مثل هذا) ، يعني: حسانا (يدخل عليك) وقد خاض في الإفك ثمّ بين ذلك بقوله: وقد أنزل الله: (والّذي تولى كبره منهم) وقد مر أنه هو الّذي تولى كبره على قول. قوله: (وقد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يدافع هجو الكفّار لرسول الله صلى الله عليه وسلم يهجوهم ويذب عنه). [عمدة القاري: 19/88]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليمٌ حكيمٌ} [النور: 18]
هذا (باب) بالتنوين في قوله: ({ويبين الله لكم الآيات}) في الأمر والنهي ({والله عليم}) بأمر عائشة وصفوان ({حكيم}) [النور: 18] في شرعه وقدرته.
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا ابن أبي عديٍّ، أنبأنا شعبة عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروقٍ قال: دخل حسّان بن ثابتٍ على عائشة فشبّب وقال
حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ = وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قالت: لست كذاك. قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل اللّه: {والّذي تولّى كبره منهم} فقالت: وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى. وقالت: وقد كان يردّ عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن بشار) بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين محمد قال: (أنبأنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب) بشين معجمة فموحدتين الأولى مشددة أي أنشد تغزلًا (وقال: حصان) عفيفة تمتنع من الرجل (رزان) صاحبة وقار (ما تزن بريبة) ما تتهم بها.
(وتصبح غرثى) جائعة (من لحوم الغوافل) لا تغتابهن ولأبي ذر من دماء بدل من لحوم (قالت) عائشة تخاطب حسانًا: (لست كذاك). بل تغتاب الغوافل قال مسروق (قلت) لها: (تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله) تعالى ({والذي تولى كبره منهم}) وهذا مشكل إذ ظاهره أن المراد بقوله والذي تولى كبره حسان والمعتمد أنه عبد الله بن أبي لكن في مستخرج أبي نعيم وهو ممن تولى كبره قال في الفتح فهذه أخف أشكالًا (فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ وقالت: وقد كان يردّ عن رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) أي يدفع هجو الكفار فيهجوهم ويذب عنه وفي المغازي قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي يقول:
فإن أبي ووالده وعرضي = لعرض محمد منكم وقاء
وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس في شعره"). [إرشاد الساري: 7/266-267]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {ويبيّن اللّه لكم الآيات} ويفصّل اللّه لكم حججه عليكم بأمره ونهيه، ليتبيّن المطيع له منكم من العاصي، واللّه عليمٌ بكم، وبأفعالكم، لا يخفى عليه شيءٌ، وهو مجازٍ المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، حكيمٌ في تدبير خلقه، وتكليفه ما كلّفهم من الأعمال، وفرضه ما فرض عليهم من الأفعال). [جامع البيان: 17/219]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وفي قوله: ويبين الله لكم الآيات يعني ما ذكر من المواعظ.
قوله: واللّه عليم حكيم
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 8/2549]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22 رجب 1434هـ/31-05-2013م, 06:22 AM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك} [النور: 11] بالكذب.
{عصبةٌ منكم} [النور: 11] جماعةٌ منكم.
سعيدٌ عن قتادة قال: هذا في شأن عائشة وما أذيع عليها أنّها كانت مع رسول اللّه في سفرٍ، فأخذ النّاس في الرّحيل، وانقطعت قلادةٌ لها، فطلبتها في المنزل ومضى النّاس.
وقد كان صفوان بن معطّلٍ تخلّف عن المنزل قبل ذلك ثمّ أقبل، فوجد النّاس قد ارتحلوا وهو على بعيره، وإذا هو بعائشة.
فجاء ببعيره وولاها ظهره حتّى ركبت، ثمّ قاد بها.
فجاء وقد نزل النّاس.
فتكلّم بذلك قومٌ واتّهموها.
قال يحيى: بلغنا أنّ عبد اللّه بن أبيّ ابن سلولٍ، وحسّان بن ثابتٍ، ومسطحًا، وحمنة ابنة جحشٍ هم الّذين تكلّموا في ذلك.
ثم شاع ذلك في النّاس فزعموا أنّ رسول اللّه لمّا أنزل اللّه عذرها جلد كلّ واحدٍ منهما الحدّ.
قوله: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك} [النور: 11] بالكذب {عصبةٌ منكم} [النور: 11] يعني هؤلاء.
ثمّ قال: {لا تحسبوه شرًّا لكم} [النور: 11] يعني عائشة وصفوان، يعني ما قيل فيهما.
{بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم} [النور: 11] يعني الّذين قالوا ما قالوا.
{ما اكتسب من الإثم} [النور: 11] على قدر ما أشاع.
{والّذي تولّى كبره} [النور: 11] قال مجاهدٌ: بدأ به.
{منهم} [النور: 11] وقال ابن مجاهدٍ: بدأه.
{له عذابٌ عظيمٌ} [النور: 11] قال بعضهم: هو مسطحٌ.
فذهب بصره وهو العذاب العظيم.
وقال بعضهم: عبد اللّه بن أبيّ ابن سلولٍ المنافق له عذابٌ عظيمٌ، جهنّم.
[تفسير القرآن العظيم: 1/432]
سعيدٌ عن قتادة: قال: {والّذي تولّى كبره منهم} [النور: 11] رجلان: أحدهما من قريشٍ اسمه مسطحٌ، والآخر من الأنصار.
قوله: {لولا} [النور: 12] هلا). [تفسير القرآن العظيم: 1/433]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {والّذي تولّى كبره...}

اجتمع القراء على كسر الكاف. قرأ حميد الأعرج، كبره بالضم. وهو وجه جيّد في النحو لأن العرب تقول: فلان تولّى عظم كذا وكذا يريدون أكثره). [معاني القرآن: 2/247]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (" جاءوا بالإفك " مجازه الكذب والبهتان، يقال كذب فلان وأفك، أي أثم). [مجاز القرآن: 2/63]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (" تولّى كبره " أي تحمل معظمه وهو مصدر الكبير من الأشياء والأمور، وفرقوا بينه وبين مصدر الكبير السن فضموا هذا
فقالوا: هو كبر قومه وقد قرأ بعضهم بالضمة بمنزلة مصدر الكبير السن " كبره ". ويقال فلان: ذو كبرٍ مكسور أي كبرياء). [مجاز القرآن: 2/64]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({الإفك}: البهتان والكذب.
{تولى كبره}: أي معظمه). [غريب القرآن وتفسيره: 269]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {جاؤوا بالإفك} أي بالكذب.
وقوله: {لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم} يعني عائشة. أي تؤجرون فيه.
{والّذي تولّى كبره} أي [عظمه]. قال الشاعر يصف امرأة: تنام عن كبر شأنها فإذا [قامت رويدا تكاد تنغرف]
أي تنام عن عظم شأنها، لأنها منعّمة). [تفسير غريب القرآن: 301]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله تعالى: (إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم لكلّ امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم}
معنى الإفك ههنا الكذب. وقد سمّي بعضهم في الآثار، ولم يسمّوا في القرآن
فممن سمّي حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وعبد اللّه بن أبيّ.
ومن النساء حمنة بنت جحش.
{لا تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم}.وقيل لكم والتي قصدت عائشة رحمها اللّه، فقيل لكم يعنى به هي ومن بسببها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رحمه اللّه.
وقوله: (والّذي تولّى كبره منهم). ويقرأ (كبره منهم له عذاب عظيم).
فمن قرأ (كبره) فمعناه من تولّى الإثم في ذلك، ومن قرأ كبره أراد معظمه.
ويروى أن حسان بن ثابت دخل على عائشة، فقيل لها أتدخلين هذا الذي قال اللّه عزّ وجلّ - فيه: {والّذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم} فقالت أو ليس قد ذهب بصره.
ويروى أنّه أنشدها قوله في بيته:
حصان رازان ما تزنّ بريبة=وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له: لكنك لست كذلك.
وقوله تعالى: {والخامسة أن غضب اللّه عليها}.
بتخفيف أن ورفع غضب على معنى أنه غضب الله عليها، ويجوز أن غضب اللّه عليها، وههنا " هاء " مضمرة، وأن مخففة من الثقيلة.
المعنى أنه غضب اللّه عليها، وأنه غضب اللّه عليها.
قال الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا=أن هالك كل من يحفى وينتعل
وجاء في التفسير في قوله: (لا تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم)
أنه يعنى به عائشة وصفوان بن المعطّل، ويجوز " لكم " في معنى (لكما)، والذي فسّرناه أولا يتضمّن أمر عائشة وصفوان والنبي - صلى الله عليه وسلم - وكل من بينه وبين عائشة سبب، ويجوز أن يكون لكل من رمي بسبب). [معاني القرآن: 4/36-33]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}
قال الضحاك هم الذين قالوا لعائشة ما قالوا
قال أبو جعفر يقال للكذب إفك وأصله من قولهم أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء فقيل للكذب إفك لأنه مصروف عن الصدق ومقلوب عنه ومنه المؤتفكات
{والذين جاءوا بالإفك} فيما روي عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت
ثم قال تعالى: {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم}
فالمخاطبة لعائشة وأهلها وصفوان
أي تؤجرون فيه ونزل فيهم القرآن). [معاني القرآن: 4/508-507]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت هو عبد الله بن أبي
وقرأ حميد بن قيس ويعقوب والذي تولى كبره بضم الكاف
قال يعقوب كما تقول الذي تولى عظمه قال الفراء هو وجه جيد في النحو
قال أبو جعفر وخالفه في ذلك الرؤساء من النحويين قيل لأبي عمرو بن العلاء أتقرأ والذي تولى كبره فقال لا إنما الكبر في النسب
قال أبو جعفر يريد أنه يقال الكبر من ولد فلان لفلان). [معاني القرآن: 4/509-508]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( و{الْإِفْكِ}: الكذب.
{لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}: يعني بالخطاب عائشة- رضي الله عنها- أي: أنك تؤجرين في ذلك). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 167]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {الإِفْـكِ}: البهتـان.
{كِبْرَهُ}: معظمه). [العمدة في غريب القرآن: 218]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} [النور: 12] أي كما كانوا يظنّون بأنفسهم، لو كانوا مكان صفوان ما كان منهم إلا خيرًا.
فليظنّ بأخيه المسلم ما يظنّ بنفسه.
{وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ} [النور: 12] ما خاض فيه القوم). [تفسير القرآن العظيم: 1/433]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ):
(" ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً " أي بأهل دينهم وبأمثالهم). [مجاز القرآن: 2/64]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً} أي بأمثالهم من المسلمين. على ما بينا في كتاب «المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 301]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقال: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} أي بأمثالهم من المسلمين). [تأويل مشكل القرآن: 151]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقوله: {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} أي بأمثالهم من المؤمنين.
يقول: فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أرقائكم، فكيف تجعلون لله من عبيده شركاء في ملكه؟
ومثله قوله: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} فجعل منكم المالك والمملوك {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا} يعني: السادة {بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء. يريد: فإذا كان هذا لا يجوز بينكم، فكيف تجعلونه لله؟). [تأويل مشكل القرآن: 383] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين}
معناه هلّا إذ سمعتموه، لأن المعنى ظن المؤمنون بأنفسهم، في موضع الكناية عنهم وعن بعضهم، وكذلك يقال للقوم - الذين يقتل بعضهم بعضا أنّهم يقتلون أنفسهم.
{وقالوا هذا إفك مبين}، أي كذب بيّن). [معاني القرآن: 4/36]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا}
أي هلا ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا
أي بأهل دينهم ومن يقوم مقامهم). [معاني القرآن: 4/510-509]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (ثمّ قال: {لولا} [النور: 13] هلا.
{جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] إن كانوا صادقين.
{فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون} [النور: 13] ). [تفسير القرآن العظيم: 1/433]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ):
(" لولا جاءوا عليه " مجازه هلا جاءوا عليه وقال:
تعدّون عقر النّيب أفضل سعيكم=بنى ضوطرى لولا الكمىّ المقنّعا
أي فهلا تعدون قتل الكمي). [مجاز القرآن: 2/64]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء} أي هلّا جاءوا). [تفسير غريب القرآن: 301]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته} [النور: 14] هي مثل الأولى.
وقال السّدّيّ: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته} [النور: 14] يعني ونعمته.
{في الدّنيا والآخرة لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ} [النور: 14] فيها تقديمٌ.
يقول: ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ في الدّنيا والآخرة.
والإفاضة فيه ما كان يلقى الرّجل الرّجل فيقول: أما بلغك ما قيل من أمر عائشة وصفوان). [تفسير القرآن العظيم: 1/433]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ):
( {فيما أفضتم فيه} أي خضتم فيه). [مجاز القرآن: 2/64]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({أفضتم فيه}: خضتم فيه). [غريب القرآن وتفسيره: 270]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {فيما أفضتم فيه} [أي خضتم فيه] ). [تفسير غريب القرآن: 301]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ومعنى قوله: {أفضتم فيه} خضتم فيه). [معاني القرآن: 4/510]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {أَفَضْتُمْ فِيهِ}: أي: خضتم). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 167]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {أَفَضْتُـم}: خضتـم). [العمدة في غريب القرآن: 219]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {إذ تلقّونه بألسنتكم} [النور: 15] يرويه بعضكم عن بعضٍ.
تفسير مجاهدٍ وقتادة.
{وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ} [النور: 15] حدّثني خالدٌ، عن الحسن قال: القذف قذفان، أحدهما أن تقول: إنّ فلانة زانيةٌ.
هذا فيه الحدّ.
والآخر أن تقول: إنّ النّاس يقولون إنّ فلانة زانيةٌ.
فليس في هذا حدٌّ). [تفسير القرآن العظيم: 1/433]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {إذ تلقّونه بألسنتكم...}

كان الرجل يلقى الآخر فيقول: أما بلغك كذا كذا فيذكر قصة عائشة لتشيع الفاحشة. وفي قراءة عبد الله (إذ تتلقّونه) وقرأت عائشة (إذ تلقونه) وهو الولق أي تردّدونه. والولق في السّير والولق في الكذب بمنزلته إذا استمرّ في السّير والكذب فقد ولق. وقال الشاعر:
إن الجليد زلق وزمّلق=جاءت به عنس من الشام تلق
* مجوّع البطن كلابيّ الخلق *
ويقال في الولق من الكذب: هو الألق والإلق! وفعلت منه: ألقت وأنتم تألقونه. وأنشدني بعضهم:
من لي بالمزرّر اليلامق =صاحب إدهانٍ وألق آلق).
[معاني القرآن: 2/248-247]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (" إذ تلقّونه بألسنتكم " مجازه تقبلونه ويأخذه بعضكم عن بعض قال أبو مهدي: تلقيت هذا عن عمي تلقاه عن أبي هريرة تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). [مجاز القرآن: 2/64]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({إذ تلقونه بألسنتكم}: أي يأخذه بعضكم عن بعض. ومن قرأ {تلقونه} فمعناه تصرفونه بألسنتكم وترددونه.
وقال بعضهم: الولق الكذب، ورووا تلقونه من الولق وهو الكذب). [غريب القرآن وتفسيره: 270]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {إذ تلقّونه} أي تقبلونه. ومن قرأ «تلقونه» أخذه من الولق وهو الكذب. وبذلك قرأت عائشة). [تفسير غريب القرآن: 301]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {إذ تلقونه بألسنتكم}
قال مجاهد أي يرويه بعضكم عن بعض
وقرأت عائشة وابن يعمر إذ تلقونه بألسنتكم بكسر اللام وضم القاف يقال ولق يلق إذا أسرع في الكذب وغيره). [معاني القرآن: 4/510]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {إذ تَلَقَّوْنَهُ}: تقبلونه. ومن قرأ (تَلِقَّوْنَهُ): أخذه من الولق وهو الكذب). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 167]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {تَلَقَّوْنَـهُ}: يأخذه بعض عن بعض). [العمدة في غريب القرآن: 219]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {ولولا} [النور: 16] هلا.
{إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا} [النور: 16] يعني لا ينبغي لنا.
وهو
[تفسير القرآن العظيم: 1/433]
تفسير السّدّيّ.
{سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} [النور: 16] كذبٌ عظيمٌ). [تفسير القرآن العظيم: 1/434]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ):
(" قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ " أي ما ينبغي). [مجاز القرآن: 2/64]


تفسير قوله تعالى: {يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (ثمّ قال: {يعظكم اللّه} [النور: 17] ينهاكم اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 1/434]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) :
( {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مّؤمنين}

قال: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبداً} لأن هذه مما يوصل باللام تقول: "إن عدت لمثله فإنّا ظالمٌ"). [معاني القرآن: 3/13]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا}
قال مجاهد أي ينهاكم). [معاني القرآن: 4/510]

تفسير قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين {17} ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليمٌ} [النور: 17-18] بخلقه.
{حكيمٌ} [النور: 18] في أمره). [تفسير القرآن العظيم: 1/434]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 22 رجب 1434هـ/31-05-2013م, 06:26 AM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) }
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (والكبر من التكبر وكبر الشيء معظمه قال الله جل ثناؤه: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} وقال قيس ابن خطيم الأوسي:
(تنام عن كبر شأنها فرذا = قامت رويدا تكاد تنغرف)
أي: تثنى ويقال كبر سياسة الناس في المال ويقال الولاء للكبر وهو أكبر ولد الرجل). [إصلاح المنطق: 33]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:
دون النساء ولو باتت بأطهار
معناه أنه يجتنبها، في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه، وأهل الحجاز يرون " الأقراء " الطهر، وأهل العراق يرونه الحيض، وأهل المدينة يجعلون عدد النساء الأطهار، ويحتجون بقول الأعشى:

وفي كل أنت جاشم غزوة = تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مؤرثه مالاً، وفي الحي رفعة = لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وقوله: " ولو باتت بأطهار "، فـ " لو " أصلها في الكلام أن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره، تقول: لو جئتني لأعطيك، ولو كان زيد هناك لضربته، ثم يتسع فتصير في معنى " إن " الواقعة للجزاء تقول: أنت لا تكرمني ولو أكرمتك، تريد " وإن " قال الله عز وجل: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} [يوسف: 107]، فأما قوله عز وجل: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به} [آل عمران: 91] فإن تأويله عند أهل اللغة: لا يقبل أن يتبرأ به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل إن افتدى به، فـ " لو " في معنى " إن " وإنما منع " لو " أن تكون من حروف المجازاة فتجزم كما تجزم " إن " أن حروف المجازاة إنما تقع لما لم يقع، ويصير الماضي معها في معنى المستقبل تقول: إن جئتني أعطيتك، وإن قعدت عني زرتك، فهذا لم يقع.، وإن كان لفظ الماضي لما أحدثته فيه " إن " وكذلك متى أتيتني أتيتك.، و " لو " تقع في معنى الماضي، تقول: لو جئتني أمس لصادفتني، ولو ركبت إلي أمس لألفيتني، فلذلك خرجت من حروف الجزاء، فإذا أدخلت معها " لا " صار معناها أن الفعل يمتنع لوجود غيره، فهذا خلاف ذلك المعنى، ولا تقع إلا على الأسماء، ويقع الخبر محذوفًا لأنه لا يقع فيها الاسم إلا وخبره مدلول عليه، فاستغني عن ذكره، لذلك تقول: لولا عبد الله لضربتك، والمعنى في هذا المكان: من قرابتك، أو صداقتك، أو نحو ذلك، فهذا معناها في هذا الوضع، ولها موضع آخر تكون فيه على غير هذا المعنى، وهي " لولا " التي تقع في معنى " هلا " للتحضيض، ومن ذلك قوله: {لولا إذ سمعتوه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} [النور: 12] أي هلا، وقال الله عز وجل: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم} [المائدة: 63] فهذه لا يليها إلا الفعل.، لأنها للأمر والتحضيض، مظهرًا أو مضمرًا، كما قال:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم = بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
أي هلا تعدون الكمي المقنعا، " ولولا " الأولى لا يليها إلا الاسم على ما ذكرت لك.، ولا بد في جوابها من اللام أو معنى اللام، تقول: لولا زيدٌ فعلت، والمعنى لفعلت، وزعم سيبويه أن " زيدًا " من حديث " لولا " واللام والفعل حديثٌ معلقٌ بحديث " لولا "، وتأويله أنه للشرط الذي وجب من أجلها وامتنع لحال الاسم بعدها، و" لو " لا يليها إلا الفعل مضمرًا أو مظهرًا.، لأنها تشارك حروف الجزاء في ابتداء الفعل وجوابه، تقول: لو جئتني لأعطيتك، فهذا ظهور الفعل، وإضماره، قوله عز وجل: {قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي} [الإسراء: 100] والمعنى والله أعلم: لو تملكون أنتم.، فهذا الذي رفع " أنتم " ولما أضمر ظهر بعده ما يفسره، ومثل ذلك: " لو ذات سوارٍ لطمتني " أراد لو لطمتني ذات سوارٍ، ومثله:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي = جعلت لهم فوق العرانين ميسمًا
وكذلك قول جرير:
لو غيركم علق الزبير بحبله = أدى الجوار إلى بني العوام
فنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأنها للفعل، وهو في التمثيل: لو علق الزبير غيركم، وكذلك كل شيء للفعل نحو: الاستفهام، والأمر، والنهي، وحروف الفعل نحو: " إذ وسوف " وهذا مشروح في الكتاب " المقتضب " على حقيقة الشرح). [الكامل: 1/360-364] (م)

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) }
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ}.
قال: قال الكسائي: هذا استثناء يعرض. قال: ومعنى يعرض استثناء منقطع. ومن قال ظلم قال: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} وهو الذي منع القرى فرخص له أن يذكر مظلمته.
وقوله عز وجل: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} قال: من تدخل في الجحد على النكرة في الابتداء، ولا تدخل في المعارف، وكأنه قال: أن نتخذ من دونك أولياء. دخولها وخروجها واحد. ومن قال أن نتخذ،
ثم أدخلها على المفعول الثاني فهو قبيح، وهو جائز، ما كان ينبغي لآبائنا ولأوليائنا أن يفعلوا هذا.
وقوله عز وجل: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ} الآية. قال: هذا ستر ستره الله على الإسلام، أنه لا يقبل في الزنى إلا أربعة. ويقول بعضهم: لأن الحد يقام على اثنين: على الرجل والمرأة.
وفي قوله عز وجل: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} يوم القيامة وهم قد كفروا في الدنيا، ما لهم ألا يقع بهم العذاب. وموضع أن رفع.
{وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ} يقولون: لا صلة. ويقول الفراء: ما ينبغي لنا. فجاء بها على المعنى، لأنه معنى ينبغي). [مجالس ثعلب: 101-102] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) }

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (وفي حديث آخر: قوله: «اللهم إنا نعوذ بك من الألس والألق، والكبر والسخيمة».
...
وأما الألق، فإني لا أحسبه أراد إلا الأولق، والأولق: الجنون قال الأعشى:
وتصبح من غب السرى وكأنما = ألم بها من طائف الجن أولق
يصف ناقته يقول: هي من سرعتها كأنها مجنونة، وإن كان أراد الكذب فهو الولق.
ويروى عن عائشة رحمها الله أنها كانت تقرأ: {إذ تَلِقُونَه بألسنتكم} يقال من هذا: قد ولقت ألق ولقا). [غريب الحديث: 5/549-550]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) }

تفسير قوله تعالى: {يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) }

تفسير قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22 ذو القعدة 1439هـ/3-08-2018م, 04:08 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 22 ذو القعدة 1439هـ/3-08-2018م, 04:09 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22 ذو القعدة 1439هـ/3-08-2018م, 04:12 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}
هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وما اتصل بذلك من أمر الإفك، وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة رضي الله عنها قالت: وأنزل الله تعالى العشر الآيات، ثم أنزل الله هذا في براءتي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فكأنها عدت ما تختص بها.
و "الإفك": الزور والكذب، والأفاك الكذاب، و"الإفك" قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب، وبذلك شبه الكذب.
واختصار حديث "الإفك" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة رضي الله عنها معه في غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: كانت سنة ست، وقال موسى بن عقبة: كانت سنة أربع، فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه فرجعت تطلبه، وسار الناس حينئذ، فوجدته وانصرفت فلم تجد أحدا، وكانت شابة قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها، فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش لحفظ
[المحرر الوجيز: 6/351]
الساقة، وقيل: اتفاقا، فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها فاسترجع وقال: ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا؟ ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة رضي الله عنها، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة، فوقع أهل الإفك في مقالتهم، وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وكان من أهل قالته حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، هذا اختصار الحديث، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم، وهو في مسلم أكمل.
وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة، قال لما سمع ما قال الناس فيه: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط، أراد: بزنى، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابنيه: لهما أشبه به من الغراب بالغراب، وقيل: كان حصورا لا يأتي النساء، ذكره
[المحرر الوجيز: 6/352]
ابن إسحاق من طريق عائشة رضي الله عنها، وقتل شهيدا رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمن عمر رضي الله عنه، وقيل: في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية.
وقوله تعالى: "عصبة" رفع على البدل من الضمير في "جاءوا"، وخبر "إن" في قوله سبحانه: "لا تحسبوه"، والتقدير: إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن تكون "عصبة" خبرا، و"العصبة": الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره، ولا يقال عصبة لأقل من عشرة، ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان، ومسطح، وحمنة، وعبد الله، وجهل الغير، قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان، وقال: إلا إنهم كانوا عصبة كما قال الله تعالى.
وقوله تعالى: "لا تحسبوه" خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله: {بل هو خير لكم} يريد أنه تبرئة في الدنيا، وترفيع من الله تبارك وتعالى في أن نزل وحيه بالبراءة من ذلك، وأجر جزيل في الآخرة، وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة ففي ذلك شفاء وخير، وهذه خمسة وجوه. وقوله: "منهم" عائد على العصبة المذكورة، و"اكتسب" مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في الترتيب، و"كسب" مستعمل في الخير، وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل "كسب" في الوجهين، ومثله:
... ... ... ... ... .... فحملت برة واحتملت فجار
[المحرر الوجيز: 6/353]
والإشارة بقوله: {والذي تولى كبره} إلى عبد الله بن أبي بن سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور، وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن حسان بن ثابت دخل عليها يوما وقد عمي فأنشدها مدحه فيها:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة رضي الله عنها: لكنك لست كذلك، تريد أنه وقع في الغوافل فأنشد:
فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
فلما خرج قال لها مسروق: أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر الإفك؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: أي عذاب أشد من العمى وضرب الحد؟ وفي رواية: وضربة بالسيف؟
[المحرر الوجيز: 6/354]
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فأما قوله عن الحد فإن حسان ومسطحا وحمنة حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق، وذكره الترمذي، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أن ابن أبي حد، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما لأنه لم يحفظ عن عبد الله الرمي، قال عروة في البخاري: "أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه".
وأما ضربه بالسيف فإن صفوان بن المعطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه، وقال:
تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إياه، وهذا يقتضي أن حسان ممن تولى الكبر.
وقد قال قوم: الإشارة بـ "الذي" إلى البادئ بهذه الفرية والذي اختلقها، فلكل واحد منهم ما اكتسب، وللبادئ المفتري عذاب عظيم، وهو -على هذا- غير معين، وهذا قول الضحاك، والحسن، وقال أبو زيد وغيره: هو عبد الله بن أبي.
وقرأ جمهور الناس: "كبره" بكسر الكاف، وقرأ حميد الأعرجر، ويعقوب الزهري، وأبو رجاء، والأعمش، وابن أبي عبلة: "كبره" بضم الكاف، وهما
[المحرر الوجيز: 6/355]
مصدران، من كبر الشيء وعظمه، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن، تقول: هذا كبر القوم، أي كبيرهم سنا ومكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة: الكبر ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم:
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنغرف). [المحرر الوجيز: 6/356]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون}
الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشا من تولى الكبر، ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين، أي: كان الإنكار واجبا عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه في صفوان وعائشة أبعد لفضلهما رضي الله عنهما، وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت
[المحرر الوجيز: 6/356]
له: يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ فقالت: لا والله، قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فذلك الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين [عليه] إذ لم يفعله جميعهم). [المحرر الوجيز: 6/357]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (والضمير في قوله: "جاءوا" لأولئك الذين تولوا الكبر، وإذا كانوا عند الله كذبة فهي الحقيقة فيهم، وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أن عبد الله بن أبي حد، ويشبه أن ذلك لم يكن لأنه لم تقم عليه بالمقالة بينة لنفاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة في البخاري: وأخبرت أنه كان يقره ويستوشيه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ولكن صلى الله عليه وسلم استعذر منه على المنبر، ووقذه بالقول، ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة حديث الإفك). [المحرر الوجيز: 6/357]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم}
هذا عتاب من الله تعالى بليغ، ذكر أن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من تعاطيهم الحديث وإن لم يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث هو الذي وقع العتاب فيه). [المحرر الوجيز: 6/358]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقرأ محمد بن السميفع: "إذ تلقونه" بضم التاء وسكون اللام وضم القاف، ومن الإلقاء، وهذه قراءة بينة، وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود: "إذ تتلقونه" من التلقي بتاءين، وقرأ جمهور السبعة: "إذ تلقونه" بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام، وهو أيضا من التلقي، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: "إذ تلقونه" بإدغام الذال في التاء، وقرأ ابن كثير: "إذ تلقونه" بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء، وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين، وليس كالإدغام في قراءة من قرأ: "فلا تناجوا" "ولا تنابزوا" لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا يحسن مع سكون الذال، وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها -وهي أعلم الناس بهذا الأمر-: "إذ تلقونه" بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه القراءة من قول العرب: "ولق الرجل ولقا" إذا كذب، قال ابن سيده في "المحكم": قرئ: "إذ تلقونه"، وحكى أهل اللغة أنها من ولق إذا كذب، فجاؤوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي، وعندي أنه أراد: إذ تلقون فيه، فحذف حرف الجر ووصل بالضمير،
[المحرر الوجيز: 6/358]
وحكى الطبري وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء، كعدو في إثر عدو، وكلام في إثر كلام، يقال: ولق في سيره إذا أسرع، ومنه قول الشاعر:
جاءت به عنس من الشأم تلق
وقوله تعالى: {وتقولون بأفواهكم} مبالغة وإلزام وتأكيد، والضمير في قوله: "وتحسبونه" للحديث والخوض فيه والإذاعة له). [المحرر الوجيز: 6/359]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه} إلى {والله عليم حكيم} عتاب لجميع المؤمنين، أي: كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان، وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه). [المحرر الوجيز: 6/359]

تفسير قوله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة، و"أن" مفعول من أجله بتقدير: "كراهية أن" ونحوه. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} توقيف وتأكيد، كما تقول: ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلا. وسائر الآية بين). [المحرر الوجيز: 6/359]

تفسير قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (و" عليم حكيم " صفتان تقتضيهما الآية). [المحرر الوجيز: 6/359]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14 محرم 1440هـ/24-09-2018م, 04:37 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 14 محرم 1440هـ/24-09-2018م, 04:45 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خيرٌ لكم لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ (11)}
هذه العشر الآيات كلّها نزلت في شأن عائشة أمّ المؤمنين، رضي اللّه عنها، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية الّتي غار اللّه تعالى لها ولنبيّه، صلوات اللّه وسلامه عليه، فأنزل [اللّه عزّ وجلّ] براءتها صيانةً لعرض الرّسول، عليه أفضل الصّلاة والسّلام فقال: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ} أي: جماعةٌ منكم، يعني: ما هو واحدٌ ولا اثنان بل جماعةٌ، فكان المقدّم في هذه اللّعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فإنّه كان يجمعه ويستوشيه، حتّى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلّموا به، وجوّزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهرٍ، حتّى نزل القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصّحيحة.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّزّاق، حدّثنا معمر، عن الزّهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، وعلقمة بن وقّاصٍ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعودٍ، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها اللّه، وكلّهم قد حدّثني بطائفةٍ من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعضٍ وأثبت اقتصاصًا، وقد وعيت عن كلّ واحدٍ منهم الحديث الّذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضًا: ذكروا أنّ عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتّى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلةً بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل، فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل فلمست صدري، فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون بي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب -وهم يحسبون أنّي فيه -قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهلبهنّ ولم يغشهنّ اللحم، إنّما يأكلن العلقة من الطّعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحّلوه ورفعوه، وكنت جاريةً حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فتيمّمت منزلي الّذي كنت فيه، وظننت أنّ القوم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسةٌ في منزلي، غلبتني عيني فنمت -وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكواني قد عرس من وراء الجيش -فادّلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب عليّ الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، واللّه ما كلّمني كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، حتّى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة. فهلك من هلك في شأني، وكان الّذي تولّى كبره عبد اللّه بن أبيّ بن سلولٍ. فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهرًا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيسلّم، ثمّ يقول: " كيف تيكم؟ " فذلك يريبني ولا أشعر بالشّرّ، حتّى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع -وهو متبرّزنا -ولا نخرج إلّا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّنزّه، وكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها في بيوتنا. فانطلقت أنا وأمّ مسطح -وهي ابنة أبي رهم بن المطّلب بن عبد منافٍ، وأمّها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب -فأقبلت أنا وابنة أبي رهمٍ قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطح في مرطها فقالت: "تعس مسطح". فقلت لها: بئسما قلت، تسبّين رجلًا [قد] شهد بدرًا؟ قالت: أي هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسلّم، ثمّ قال: "كيف تيكم؟ " قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ -قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقّن الخبر من قبلهما -فأذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّتاه، ما يتحدّث النّاس؟ فقالت: أي بنية هوّني عليك، فواللّه لقلّما كانت امرأةٌ قطّ وضيئةٌ، عند رجلٍ يحبّها، ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان اللّه أوقد تحدّث النّاس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت، لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، ثمّ أصبحت أبكي. فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّا وأسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأمّا أسامة بن زيدٍ فأشار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالّذي يعلم من براءة أهله، وبالّذي يعلم في نفسه له من الودّ، فقال: يا رسول اللّه، هم أهلك، ولا نعلم إلّا خيرًا. وأمّا عليّ بن أبي طالبٍ فقال: لم يضيق اللّه عليك، والنّساء سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر. قالت: فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريرة، فقال: "أي بريرة، هل رأيت من شيءٍ يريبك من عائشة؟ " فقالت له بريرة: والّذي بعثك بالحقّ إن رأيت عليها أمرًا قطّ أغمصه عليها، أكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السّنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستعذر من عبد اللّه بن أبيّ بن سلول. قالت: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فواللّه ما علمت على أهلي إلّا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلّا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي". فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة -وهو سيّد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحميّة -فقال لسعد ابن معاذٍ: لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير _ وهو ابن عمّ سعد بن معاذٍ -فقال لسعد بن عبادة: كذبت! لعمر اللّه لنقتلنّه، فإنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [قائمٌ على المنبر. فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم] يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قالت: وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسلّم ثمّ جلس -قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل [لي] ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيءٌ -قالت: فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين جلس، ثمّ قال: أمّا بعد يا عائشة، فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرّئك اللّه، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري اللّه ثمّ توبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبٍ ثمّ تاب، تاب اللّه عليه. قالت: فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فقال: واللّه ما أدري ما أقول للرّسول. فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول اللّه. فقالت: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه. قالت: فقلت -وأنا جاريةٌ حديثة السّنّ، لا أحفظ كثيرًا من القرآن -: [إنّي] واللّه لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا، حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، ولئن قلت لكم إنّي بريئةٌ -واللّه يعلم أنّي بريئةٌ -لا تصدّقوني [بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمرٍ واللّه عزّ وجلّ يعلم أنّي بريئةٌ تصدّقوني]، وإنّي واللّه ما أجد لي ولكم مثلًا إلّا كما قال أبو يوسف: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]. قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا واللّه حينئذٍ أعلم أنّي بريئةٌ، وأنّ اللّه مبرّئي ببراءتي، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحيٌّ يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمرٍ يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النّوم رؤيا يبرّئني اللّه بها. قالت: فواللّه ما رام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحدٌ، حتّى أنزل اللّه على نبيّه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتّى إنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي، من ثقل القول الّذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يضحك، كان أوّل كلمةٍ تكلّم بها أن قال: "أبشري يا عائشة، أمّا اللّه فقد برّأك. فقالت لي أمّي: قومي إليه. فقلت: واللّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا اللّه عزّ وجلّ، هو الّذي أنزل براءتي وأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} عشر آياتٍ. فأنزل اللّه هذه الآيات في براءتي قالت: فقال أبو بكرٍ، رضي اللّه عنه -وكان ينفق على مسطحٍ لقرابته منه وفقره -: واللّه لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الّذي قال لعائشة. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة} إلى قوله {ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم} [النّور: 22] فقال أبو بكرٍ: واللّه إنّي لأحبّ أن يغفر اللّه لي، فرجّع إلى مسطح النّفقة الّتي كان ينفق عليه. وقال: لا أنزعها منه أبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سأل زينب بنت جحش -زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم -، عن أمري: يا زينب، ما علمت، أوما رأيت [أو ما بلغك]؟ فقالت يا رسول اللّه، أحمي سمعي وبصري، واللّه ما علمت إلّا خيرًا. قالت عائشة: وهي الّتي كانت تساميني من أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فعصمها اللّه تعالى بالورع.وطفقت أختها حمنة بنت جحشٍ تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.
قال ابن شهابٍ: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرّهط.
أخرجه البخاريّ ومسلمٌ في صحيحيهما، من حديث الزّهريّ. وهكذا رواه ابن إسحاق، عن الزّهريّ كذلك، قال: وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة. وحدّثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزمٍ الأنصاريّ، عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدّم، واللّه أعلم.
ثمّ قال البخاريّ: وقال أبو أسامة، عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: لمّا ذكر من شأني الّذي ذكر وما علمت به، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيّ خطيبًا، فتشهّد فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: "أمّا بعد، أشيروا عليّ في أناسٍ أبنوا أهلي، وايم اللّه ما علمت على أهلي من سوءٍ، وأبنوهم بمن واللّه ما علمت عليه من سوءٍ قطّ، ولا يدخل بيتي قطّ إلّا وأنا حاضرٌ، ولا غبت في سفرٍ إلّا غاب معي". فقام سعد بن معاذٍ الأنصاريّ فقال: ائذن يا رسول اللّه أن نضرب أعناقهم، فقام رجلٌ من الخزرج -وكانت أمّ حسّان [بن ثابتٍ] من رهط ذلك الرّجل -فقال: كذبت، أما واللّه لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم. حتّى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرٌّ في المسجد، وما علمت. فلمّا كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعي أمّ مسطحٍ، فعثرت فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت: أي أمٍّ، أتسبّين ابنك؟ وسكتت، ثمّ عثرت الثّانية فقالت: تعس مسطحٌ. فقلت لها: أي أمٍّ، تسبّين ابنك؟ ثمّ عثرت الثّالثة فقالت: تعس مسطح. فانتهرتها فقالت: واللّه ما أسبّه إلّا فيك، فقلت: في أيّ شأني؟ قالت: فبقرت لي الحديث. فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم واللّه. فرجعت إلى بيتي كأنّ الّذي خرجت له لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا، ووعكت، وقلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أرسلني إلى بيت أبي. فأرسل معي الغلام، فدخلت الدّار، فوجدت أمّ رومان في السّفل، وأبا بكرٍ فوق البيت يقرأ، فقالت [لي] أمّي: ما جاء بك يا بنيّة؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ منّي، [فقالت: يا بنيّة، خفّضي عليك الشّأن؛ فإنّه -والله -لقلّما كانت امرأة حسناء، عند رجلٍ يحبّها، لها ضرائر إلّا حسدنها، وقيل فيها وإذا هو لم يبلغ منها ما بلغ منّي، فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: نعم، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم].فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكرٍ صوتي، وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمّي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الّذي ذكر من شأنها. ففاضت عيناه وقال: أقسمت عليك -أي بنيّة -إلّا رجعت إلى بيتك فرجعت، ولقد جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيتي، فسأل عنّي خادمي فقالت: لا واللّه ما علمت عليها عيبًا، إلّا أنّها كانت ترقد حتّى تدخل الشّاة فتأكل خميرها -أو: عجينها -وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان اللّه. واللّه ما علمت عليها إلّا ما يعلم الصّائغ على تبر الذّهب الأحمر. وبلغ الأمر ذلك الرجل الّذي قيل له، فقال: سبحان اللّه. واللّه ما كشفت كنف أنثى قطّ -قالت عائشة: فقتل شهيدًا في سبيل اللّه -قالت: وأصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتّى دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد صلّى العصر، ثمّ دخل وقد اكتنفني أبواي، عن يميني وعن شمالي، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: "أمّا بعد يا عائشة، إن كنت قارفت سوءًا أو ظلمت فتوبي إلى اللّه، فإنّ اللّه يقبل التّوبة عن عباده". قالت: وقد جاءت امرأةٌ من الأنصار، فهي جالسةٌ بالباب، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا؟ فوعظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فالتفتّ إلى أبي، فقلت له: أجبه. قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمّي فقلت: أجيبيه. قالت: أقول ماذا؟ فلمّا لم يجيباه، تشّهدت فحمدت اللّه وأثنيت عليه بما هو أهله، ثمّ قلت: أمّا بعد، فوالله لئن قلت لكم إنّي لم أفعل -واللّه عزّ وجلّ يشهد إنّي لصادقةٌ -ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلّمتم به، وأشربته قلوبكم، وإن قلت: إنّي قد فعلت -واللّه يعلم أنّي لم أفعل -لتقولن: قد باءت به على نفسها، وإنّي -واللّه -ما أجد لي ولكم مثلًا -والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه -إلّا أبا يوسف حين قال: {فصبرٌ جميلٌ واللّه المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]، وأنزل اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه وإنّي لأتبيّن السّرور في وجهه، وهو يمسح جبينه ويقول: "أبشري يا عائشة، فقد أنزل اللّه براءتك" قالت: وكنت أشدّ ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي [إليه] فقلت: لا واللّه لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد اللّه الّذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه، وكانت عائشة تقول: أمّا زينب بنت جحشٍ فقد عصمها اللّه بدينها، فلم تقل إلّا خيرًا. وأمّا أختها حمنة بنت جحشٍ، فهلكت فيمن هلك. وكان الّذي يتكلّم به مسطحٌ وحسّان بن ثابتٍ. وأمّا المنافق عبد اللّه بن أبيّ بن سلولٍ فهو الّذي [كان] يستوشيه ويجمعه، وهو الّذي تولّى كبره منهم هو وحمنة. قالت: وحلف أبو بكرٍ ألّا ينفع مسطحًا بنافعةٍ أبدًا، فأنزل اللّه: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة} إلى آخر الآية، يعني: أبا بكرٍ، {والسّعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} يعني: مسطحًا، إلى قوله: {ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم واللّه غفورٌ رحيمٌ} [النّور: 22]. فقال أبو بكرٍ: بلى واللّه يا ربّنا، إنّا لنحبّ أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع.
هكذا رواه البخاريّ من هذا الوجه معلّقا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حمّاد بن أسامة [أحد الأئمّة الثّقات. وقد رواه ابن جريرٍ في تفسيره، عن سفيان بن وكيع، عن أبي أسامة] به مطوّلًا مثله أو نحوه. ورواه ابن أبي حاتمٍ عن أبي سعيدٍ الأشجّ، عن أبي أسامة، ببعضه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة، رضي اللّه عنها، قالت: لمّا نزل عذري من السّماء، جاءني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد اللّه لا نحمدك.
وقال الإمام أحمد: حدّثني ابن أبي عديّ، عن محمّد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بكرٍ، عن عمرة، عن عائشة قالت: لـمّا نزل عذري قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلمّا نزل أمر برجلين وامرأةٍ فضربوا حدّهم.
وأخرجه أهل السّنن الأربعة، وقال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسّان بن ثابتٍ، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحشٍ.
فهذه طرقٌ متعدّدةٌ، عن أمّ المؤمنين عائشة، رضي اللّه عنها، في المسانيد والصّحاح والسّنن وغيرها.
وقد روي من حديث أمّها أمّ رومان، رضي اللّه عنها، فقال الإمام أحمد:
حدّثنا عليّ بن عاصمٍ، أخبرنا حصين، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ، عن أمّ رومان قالت: بينا أنا عند عائشة، إذ دخلت عليها امرأةٌ من الأنصار فقالت: فعل اللّه -بابنها -وفعل. فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنّه كان فيمن حدّث الحديث. قالت عائشة: وأيّ حديثٍ؟ قالت: كذا وكذا. قالت: وقد بلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: نعم، وبلغ أبا بكرٍ؟ قالت: نعم، فخرّت عائشة، رضي اللّه عنها، مغشيًّا عليها، فما أفاقت إلّا وعليها حمّى بنافضٍ. قالت: فقمت فدثّرتها، قالت: وجاء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "ما شأن هذه؟ " قلت: يا رسول اللّه، أخذتها حمّى بنافضٍ. قال: فلعلّه في حديثٍ تحدّث به". قالت: فاستوت له عائشة قاعدةً فقالت: واللّه لئن حلفت لكم لا تصدّقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه {واللّه المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] قالت: وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه عذرها، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معه أبو بكرٍ، [فدخل فقال: "يا عائشة، إنّ اللّه تعالى قد أنزل عذرك". فقالت: بحمد اللّه لا بحمدك. فقال لها أبو بكرٍ: تقولين هذا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: نعم. قالت: فكان فيمن حدّث هذا الحديث رجلٌ كان يعوله أبو بكرٍ] فحلف أبو بكرٍ ألّا يصله، فأنزل اللّه: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسّعة} إلى آخر الآية [النّور: 22]، قال أبو بكر: بلى، فوصله.
تفرّد به البخاريّ دون مسلمٍ، من طريق حصين وقد رواه البخاريّ، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة -وعن محمّد بن سلامٍ -، عن محمّد بن فضيلٍ، كلاهما عن حصينٍ، به وفي لفظ أبي عوانة: حدّثتني أمّ رومان. وهذا صريحٌ في سماع مسروقٍ منها، وقد أنكر ذلك جماعةٌ من الحفّاظ، منهم الخطيب البغداديّ، وذلك لما ذكره أهل التّاريخ أنّها ماتت في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال الخطيب: وقد كان مسروقٌ يرسله فيقول: "سئلت أمّ رومان"، ويسوقه، فلعلّ بعضهم كتب "سئلت" بألفٍ، فاعتقد الرّاوي أنّها "سألت"، فظنّه متّصلًا. قال الخطيب: "وقد رواه البخاريّ كذلك، ولم تظهر له علّته". كذا قال، واللّه أعلم.
فقوله: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك} أي: بالكذب والبهت والافتراء، {عصبةٌ} أي: جماعةٌ منكم، {لا تحسبوه شرًّا لكم} أي: يا آل أبي بكرٍ {بل هو خيرٌ لكم} أي: في الدّنيا والآخرة، لسان صدقٍ في الدّنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرفٍ لهم باعتناء اللّه بعائشة أمّ المؤمنين، حيث أنزل اللّه تعالى براءتها في القرآن العظيم الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ} [فصّلت: 42] ولهذا لمّا دخل عليها ابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنه وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنّك زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان يحبّك، ولم يتزوّج بكرًا غيرك، وأنزل براءتك من السّماء.
وقال ابن جريرٍ في تفسيره: حدّثني محمّد بن عثمان الواسطيّ، حدّثنا جعفر بن عونٍ، عن المعلّى بن عرفان، عن محمّد بن عبد اللّه بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب، رضي اللّه عنهما، فقالت زينب: أنا التي نزل تزوّجي [من السّماء] قال: وقالت عائشة: أنا الّتي نزل عذري في كتابه، حين حملني ابن المعطّل على الرّاحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت: حسبي اللّه ونعم الوكيل. قالت: قلت كلمة المؤمنين.
وقوله: {لكلّ امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم} أي: لكلّ من تكلّم في هذه القضيّة ورمى أمّ المؤمنين عائشة، رضي اللّه عنها، بشيءٍ من الفاحشة، نصيبٌ عظيمٌ من العذاب.
{والّذي تولّى كبره} قيل: ابتدأ به. وقيل: الّذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه، {له عذابٌ عظيمٌ} أي: على ذلك.
ثمّ الأكثرون على أنّ المراد بذلك إنّما هو عبد اللّه بن أبيّ بن سلول -قبّحه اللّه ولعنه -وهو الّذي تقدّم النّصّ عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهدٌ وغير واحدٍ.
وقيل: بل المراد به حسّان بن ثابتٍ، وهو قولٌ غريبٌ، ولولا أنّه وقع في صحيح البخاري ما قد يدلّ على ذلك لما كان لإيراده كبير فائدةٍ، فإنّه من الصّحابة الّذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن محاسنه أنّه كان يذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [بشعره]، وهو الّذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "هاجهم وجبريل معك"
وقال الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ قال: كنت عند عائشة، رضي اللّه عنها، فدخل حسّان بن ثابتٍ، فأمرت فألقي له وسادةٌ، فلمّا خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك -وفي روايةٍ قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال اللّه: {والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ}؟ قالت: وأيّ عذابٍ أشدّ من العمى -وكان قد ذهب بصره -لعلّ اللّه أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم. ثمّ قالت: إنّه كان ينافح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وفي روايةٍ أنّه أنشدها عندما دخل عليها [شعرًا] يمتدحها به، فقال:
حصان رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ = وتصبح غرثى من لحوم الغوافل...
فقالت: أمّا أنت فلست كذلك. وفي روايةٍ: لكنّك لست كذلك.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا الحسن بن قزعة، حدّثنا سلمة بن علقمة، حدّثنا داود، عن عامرٍ، عن عائشة أنّها قالت: ما سمعت بشيءٍ أحسن من شعر حسّان، ولا تمثّلت به إلّا رجوت له الجنّة، قوله لأبي سفيان -يعني ابن [الحارث] بن عبد المطّلب -:
هجوت محمّدا فأجبت عنه = وعند اللّه في ذاك الجزاء...
فإن أبي ووالده وعرضي = لعرض محمّد منكم وقاء...
أتشتمه، ولست له بكفءٍ? = فشرّكما لخيركما الفداء...
لساني صارمٌ لا عيب فيه = وبحري لا تكدّره الدّلاء...
فقيل: يا أمّ المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا إنّما اللّغو ما قيل عند النّساء. قيل: أليس اللّه يقول {والّذي تولّى كبره منهم له عذابٌ عظيمٌ}، قالت: أليس قد أصابه [عذابٌ] عظيمٌ؟ [أليس] قد ذهب بصره وكنّع بالسّيف؟ تعني: الضّربة الّتي ضربه إيّاها صفوان بن المعطّل [السّلميّ]، حين بلغه عنه أنّه يتكلّم في ذلك، فعلاه بالسّيف، وكاد أن يقتله). [تفسير ابن كثير: 6/ 19-26]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون (13)}
هذا تأديبٌ من اللّه للمؤمنين في قضيّة عائشة، رضي اللّه عنها، حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السّيّئ، وما ذكر من شأن الإفك، فقال: {لولا} بمعنى: هلّا {إذ سمعتموه} أي: ذلك الكلام، أي: الّذي رميت به أمّ المؤمنين {ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} أي: قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأمّ المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى.
وقد قيل: إنّها نزلت في أبي أيّوب خالد بن زيدٍ الأنصاريّ وامرأته، رضي اللّه عنهما، كما قال الإمام محمّد بن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن بعض رجال بني النّجّار؛ أنّ أبا أيّوب خالد بن زيدٍ قالت له امرأته أمّ أيّوب: يا أبا أيّوب، أما تسمع ما يقول النّاس في عائشة، رضي اللّه عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب. أكنت فاعلةً ذلك يا أمّ أيّوب؟ قالت: لا واللّه ما كنت لأفعله. قال: فعائشة واللّه خيرٌ منك. قال: فلمّا نزل القرآن ذكر اللّه، عزّ وجلّ، من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: {إنّ الّذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم} [النّور: 11] وذلك حسّان وأصحابه، الّذين قالوا ما قالوا، ثمّ قال: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون} الآية، أي: كما قال أبو أيّوب وصاحبته.
وقال محمّد بن عمر الواقديّ: حدّثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أفلح مولى أبي أيّوب، أنّ أمّ أيّوب قالت لأبي أيّوب: ألا تسمع ما يقول النّاس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أفكنت يا أمّ أيّوب [فاعلةً ذلك] ؟ قالت: لا واللّه. قال: فعائشة واللّه خيرٌ منك. فلمّا نزل القرآن، وذكر أهل الإفك، قال اللّه عزّ وجلّ: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ} يعني: أبا أيّوب حين قال لأمّ أيّوب ما قال.
ويقال: إنّما قالها أبيّ بن كعبٍ.
وقوله: {ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا} أي: هلا ظنّوا الخير، فإنّ أمّ المؤمنين أهله وأولى به، هذا ما يتعلّق بالباطن، {وقالوا} أي: بألسنتهم {هذا إفكٌ مبينٌ} أي: كذبٌ ظاهرٌ على أمّ المؤمنين، فإنّ الّذي وقع لم يكن ريبةً، وذلك أنّ مجيء أمّ المؤمنين راكبةً جهرة على راحلة صفوان بن المعطّل في وقت الظّهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرهم، لو كان هذا الأمر فيه ريبةٌ لم يكن هكذا جهرة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد، بل كان يكون هذا -لو قدر- خفيةً مستورًا، فتعيّن أنّ ما جاء به أهل الإفك ممّا رموا به أمّ المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزّور، والرّعونة الفاحشة [الفاجرة] والصّفقة الخاسرة). [تفسير ابن كثير: 6/ 26-27]

تفسير قوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (قال اللّه تعالى: {لولا} أي: هلّا {جاءوا عليه} أي: على ما قالوه {بأربعة شهداء} يشهدون على صحّة ما جاءوا به {فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون} أي: في حكم الله كذبةٌ فاجرون). [تفسير ابن كثير: 6/ 27]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة لمسّكم في ما أفضتم فيه عذابٌ عظيمٌ (14) إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ (15)}
يقول [اللّه]: {ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة} أيّها الخائضون في شأن عائشة، بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدّنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنّسبة إلى الدّار الآخرة، {لمسّكم في ما أفضتم فيه}، من قضيّة الإفك، {عذابٌ عظيمٌ}. وهذا فيمن عنده إيمانٌ رزقه اللّه بسببه التّوبة إليه، كمسطح، وحسّان، وحمنة بنت جحشٍ، أخت زينب بنت جحشٍ. فأمّا من خاض فيه من المنافقين كعبد اللّه بن أبيّ بن سلولٍ وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنّه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصّالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه. وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعلٍ معيّنٍ، يكون مطلقًا مشروطًا بعدم التّوبة، أو ما يقابله من عمل صالحٍ يوازنه أو يرجح عليه). [تفسير ابن كثير: 6/ 28]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {إذ تلقّونه بألسنتكم} قال مجاهدٌ، وسعيد بن جبيرٍ: أي: يرويه بعضكم عن بعضٍ، يقول هذا: سمعته من فلانٍ، وقال فلانٌ كذا، وذكر بعضهم كذا.
وقرأ آخرون " إذ تلقونه بألسنتكم ". وفي صحيح البخاريّ عن عائشة: أنّها كانت تقرؤها كذلك وتقول: هو من ولق القول. يعني: الكذب الّذي يستمرّ صاحبه عليه، تقول العرب: ولق فلانٌ في السّير: إذا استمرّ فيه، والقراءة الأولى أشهر، وعليها الجمهور، ولكنّ الثّانية مرويّة عن أمّ المؤمنين عائشة.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا أبو أسامة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، [عن عائشة أنّها كانت تقرأ: " إذ تلقونه " وتقول: إنّما هو ولق القول -والولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة]: هي أعلم به من غيرها.
وقوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علمٌ} أي: تقولون ما لا تعلمون.
ثمّ قال تعالى: {وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ} أي: تقولون ما تقولون في شأن أمّ المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرًا [سهلًا] ولو لم تكن زوجة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان هيّنا، فكيف وهي زوجة النّبيّ الأمّيّ، خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين، فعظيمٌ عند اللّه أن يقال في زوجة رسوله ما قيل! اللّه يغار لهذا، وهو سبحانه وتعالى، لا يقدّر على زوجة نبيٍّ من أنبيائه ذلك، حاشا وكلا ولـمّا [لم يكن ذلك] فكيف يكون هذا في سيّدة نساء الأنبياء، وزوجة سيّد ولد آدم على الإطلاق في الدّنيا والآخرة؟! ولهذا قال تعالى {وتحسبونه هيّنًا وهو عند اللّه عظيمٌ}، وفي الصّحيحين: "إنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة من سخط اللّه، لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النّار أبعد ما بين السّماء والأرض" وفي روايةٍ: "لا يلقي لها بالًا"). [تفسير ابن كثير: 6/ 28-29]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ (16) يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين (17) ويبيّن اللّه لكم الآيات واللّه عليمٌ حكيمٌ (18)}
هذا تأديبٌ آخر بعد الأوّل: الأمر بالظّنّ خيرًا أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظّنّ بهم خيرًا، وألّا يشعر نفسه سوى ذلك، ثمّ إن علق بنفسه شيءٌ من ذلك -وسوسةً أو خيالًا -فلا ينبغي أن يتكلّم به، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" أخرجاه في الصّحيحين.
وقال اللّه تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا} أي: ما ينبغي لنا أن نتفوّه بهذا الكلام ولا نذكره لأحدٍ {سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ} أي: سبحان اللّه أن يقال هذا الكلام على زوجة [نبيّه و] رسوله وحليلة خليله). [تفسير ابن كثير: 6/ 29]

تفسير قوله تعالى: {يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدًا} أي: ينهاكم اللّه متوعّدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدًا، أي: فيما يستقبل. فلهذا قال: {إن كنتم مؤمنين} أي: إن كنتم تؤمنون باللّه وشرعه، وتعظّمون رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمّا من كان متّصفًا بالكفر فذاك له حكمٌ آخر). [تفسير ابن كثير: 6/ 29]

تفسير قوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال: {ويبيّن اللّه لكم الآيات} أي: يوضّح لكم الأحكام الشّرعيّة والحكم القدريّة، {واللّه عليمٌ حكيمٌ} أي: عليمٌ بما يصلح عباده، حكيمٌ في شرعه وقدره). [تفسير ابن كثير: 6/ 29]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة