العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:32 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (149) إلى الآية (152) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (149) إلى الآية (152) ]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:16 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) )
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (- أخبرنا مسعر، قال: حدثني معن وعون، أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله ابن مسعودٍ، فقال: اعهد إلي؟ فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنها خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه). [الزهد لابن المبارك: 2/ 18]

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني نافع بن يزيد عن حيوة بن شريح ويعقوب ابن عمرٍو، عن عمرو بن كعبٍ المعافريّ أنّ عليّ بن أبي طالبٍ سئل عن هذه الآية في قول الله: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}، التّعرّب هو، فقال عليٌّ: بل، هو البدع). [الجامع في علوم القرآن: 1/118]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّ موضعه في التّوراة: يا أيّها المساكين). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 318]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}
يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله، في وعد اللّه ووعيده وأمره ونهيه {إن تطيعوا الّذين كفروا}، يعني: الّذين جحدوا نبوّة نبيّكم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود والنّصارى، فيما يأمرونكم به، وفيما ينهونكم عنه، فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما تزعمون أنّهم لكم فيه ناصحون، {يردّوكم على أعقابكم} يقول: يحملوكم على الرّدّة بعد الإيمان والكفر باللّه وآياته وبرسوله بعد الإسلام، {فتنقلبوا خاسرين} يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الّذي هداكم اللّه له خاسرين، يعني: هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم.
ينهى بذلك أهل الإيمان باللّه أن يطيعوا أهل الكفر في آرائهم، وينتصحوهم في أديانهم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} أي عن دينكم: فتذهب دنياكم وآخرتكم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا} قال ابن جريجٍ: يقول: لا تنتصحوا اليهود والنّصارى على دينكم، ولا تصدّقوهم بشيءٍ في دينكم.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} يقول: إن تطيعوا أبا سفيان يردّكم كفّارًا). [جامع البيان: 6/124-125]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149)
قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا أبا سفيان بن حربٍ.
قوله تعالى: يردّوكم على أعقابكم
- قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهبٍ، حدّثني نافع بن يزيد، عن حيوة بن شريحٍ ويعقوب بن عمرو بن كعبٍ المعافريّ، عن كعب بن عمر بن كعبٍ، أنّ عليّ بن أبي طالبٍ سئل عن هذه الآية في قول اللّه تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين التّعرّب؟ فقال:
بل هو الزّرع.
قال نافعٌ: وحدّثني يعقوب بن عمرٍو عن أبيه في الحديث: ومن أقرّ الجزية، فقد أقرّ بالصّغار.
- حدّثنا أحمد بن عثمان، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ يردّوكم على أعقابكم يقول: يردّوكم كفّاراً.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو ثنا، سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق: يردّوكم على أعقابكم أي: عن دينكم.
- أخبرني عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ عن ابن جريحٍ يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم قال: فلا تنتصحوا اليهود والنّصارى على دينكم، ولا تصدّقوهم بشيءٍ من دينكم.
قوله تعالى: فتنقلبوا خاسرين
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق: فتنقلبوا خاسرين أي: عن دينكم فتذهب دنياكم وآخرتكم). [تفسير القرآن العظيم: 2/784-785]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيتان 149 - 150.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا}
الآية، لا تنتصحوا اليهود والنصارى عن دينكم ولا تصدقوهم بشيء في دينكم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} الآية، يقول: إن تطيعوا أبا سفيان بن حرب يردوكم كفارا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم} التعرب فقال علي: بل هو الزرع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: ألا أخبركم بالمرتد على عقبيه الذي يأخذ العطاء ويغزو في سبيل الله ثم يدع ذلك ويأخذ الأرض بالجزية والرزق فذلك الذي يرتد على عقبيه). [الدر المنثور: 4/58-59]

تفسير قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {بل اللّه مولاكم وهو خير النّاصرين}
يعني بذلك تعالى ذكره أنّ اللّه مسدّدكم أيّها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الّذين كفروا.
وإنّما قيل: {بل اللّه مولاكم} لأنّ قوله: {إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم} نهي لهم عن طاعتهم، فكأنّه قال: يا أيّها الّذين آمنوا لا تطيعوا الّذين كفروا، فيردّوكم على أعقابكم، ثمّ ابتدأ الخبر، فقال: {بل اللّه مولاكم} فأطيعوه دون الّذين كفروا فهو خيرٌ من نصرٍ ولذلك رفع اسم اللّه، ولو كان منصوبًا على معنى: بل أطيعوا اللّه مولاكم دون الّذين كفروا، كان وجهًا صحيحًا.
ويعني بقوله: {بل اللّه مولاكم} وليّكم وناصركم على أعدائكم الّذين كفروا، {وهو خير النّاصرين} لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر باللّه، فباللّه الّذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا وإيّاه فاستنصروا دون غيره ممّن يبغيكم الغوائل ويرصدكم بالمكاره.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {بل اللّه مولاكم} إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقًا في قلوبكم، {وهو خير النّاصرين} أي فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدّين عن دينكم). [جامع البيان: 6/126]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (بل اللّه مولاكم وهو خير النّاصرين (150) سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطانًا ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين (151) ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين (152)
قوله تعالى: بل اللّه مولاكم
- وبه قال ابن إسحاق: بل اللّه مولاكم إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقاً في قلوبكم.
قوله تعالى: وهو خير النّاصرين
- وبه قال محمّد بن إسحاق: وهو خير النّاصرين أي فاعتصموا به، ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدّين عن دينه). [تفسير القرآن العظيم: 2/785-792]

تفسير قوله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطانًا ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: سيلقي اللّه أيّها المؤمنون في قلوب الّذين كفروا بربّهم، وجحدوا نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ممّن حاربكم بأحد الرّعب، وهو الجزع والهلع بما أشركوا باللّه يعني بشركهم باللّه وعبادتهم الأصنام، وطاعتهم الشّيطان الّتي لم أجعل لهم بها حجّةً، وهي السّلطان الّتي أخبر عزّ وجلّ أنّه لم ينزله بكفرهم وشركهم.
وهذا وعدٌ من اللّه جلّ ثناؤه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالنّصر على أعدائهم، والفلج عليهم ما استقاموا على عهده، وتمسّكوا بطاعته، ثمّ أخبرهم ما هو فاعلٌ بأعدائهم بعد مصيرهم إليه، فقال جلّ ثناؤه: {ومأواهم النّار} يعني: ومرجعهم الّذي يرجعون إليه يوم القيامة النّار {وبئس مثوى الظّالمين} يقول: وبئس مقام الظّالمين الّذين ظلموا أنفسهم باكتسابهم ما أوجب لها عقاب اللّه النّار.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطانًا ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين} إنّي سألقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب الّذي به كنت أنصركم عليهم، بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم به حجّةً، أي فلا تظنّوا أنّ لهم عاقبة نصرٍ، ولا ظهورًا عليكم ما اعتصمتم بى واتّبعتم أمري، للمصيبة الّتي أصابتكم منهم بذنوبٍ قدّمتموها لأنفسكم، خالفتم بها أمري، وعصيتم فيها نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلام.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحدٍ متوجّهين نحو مكّة، انطلق أبو سفيان حتّى بلغ بعض الطّريق، ثمّ إنّهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنّكم قتلتموهم، حتّى إذا لم يبق إلاّ الشّرّير تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف اللّه عزّ وجلّ في قلوبهم الرّعب، فانهزموا، فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جعلاً، وقالوا له: إن لقيت محمّدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم فأخبر اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فطلبهم حتّى بلغ حمراء الأسد، فأنزل اللّه عزّ وجلّ في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وما قذف في قلبه من الرّعب، فقال: {سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه}). [جامع البيان: 6/126-128]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ، يعني قوله: سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب قال: قذف اللّه في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكّة فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
إنّ أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً وقد رجع وقذف اللّه في قلبه الرّعب.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمد ابن إسحاق: سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه قال: فإنّي سألقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب الّذي كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بي.
وروي عن ابن أبزى ومجاهدٍ والحسن والسّدّيّ والزّهريّ، وقتادة، والرّبيع بن أنسٍ، وأبي صالحٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 2/785-792]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 151.
أخرج ابن جرير عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا فقالوا: بئسما صنعتم أنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد تركتموهم.
ارجعوا فاستأصلوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابيا فجعلوا له عجلا فقالوا له: إن لقيت محمدا فأخبرهم بما قد جمعنا لهم، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله في ذلك فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وما قذف في قلبه من الرعب فقال {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نصرت بالرعب على العدو.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فضلت على الأنبياء بأربع: أرسلت إلى الناس كافة وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما رجل أدركه من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي وأحل لنا الغنائم). [الدر المنثور: 4/59-61]

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا عن قتادة في قوله تعالى إذ تحسونهم يقول إذ تقتلونهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/135]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري في قوله تعالى وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون أن النبي قال يوم أحد حين غزا أبا سفيان وكفار قريش إني رأيت كأني درعا حصينة فأولتها المدينة فاجلسوا في صمعكم وقاتلوا من ورائه وكانت المدينة قد شبكت البنيان فهي كالحصن فقال رجل ممن لم يشهد بدرا يا رسول الله اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم وقال عبد الله بن أبي بن سلول نعم ما رأيت يا رسول الله إنا والله ما نزل بنا عدو قط فخرجنا إليه إلا أصاب فينا ولا ثبتنا في المدينة وقاتلنا من ورائها إلا هزمنا عدونا فكلمه ناس من المسلمين فقالوا يا رسول الله اخرج بنا إليهم فدعا بلأمته فلبسهما ثم قال ما أظن الصرعى إلا ستكثر عنكم ومنهم أني أرى في النوم بقرة منحورة فأقول بقر والله خير فقال رجل يا رسول الله بأبي وأمي فاجلس بنا قال إنه لا ينبغى لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يلقى البأس فقال فهل من رجل يدلنا بالطريق فيخرجنا على القوم من كثب فانطلقت به الأدلاء بين يديه حتى إذا كان بالواسط من الجبانة انخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش أو قريب من ثلث الجيش وانطلق النبي حتى لقيهم بأحد وفاجؤوهم فعهد النبي إلى أصحابه إن هزموهم ألا يدخل لهم حجرا ولا يتبعوهم فلما التقوا هزموهم وعصوا النبي وتنازعوا الغنائم ثم صرفهم الله ليبليهم كما قال وأقبل المشركون وعلى خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة فقتل من المسلمين سبعون رجلا وأصابتهم جراح شديدة وكسرت
[تفسير عبد الرزاق: 1/135]
رباعية النبي ووثئ بعض وجهه حتى صاح الشيطان بأعلى صوته قتل محمد قال كعب بن مالك فكنت أول من عرف النبي عرفت عينيه من تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى هذا رسول الله فأشار إلي أن اسكت ثم كف الله المشركين والنبي وأصحابه وقوف فنادى أبو سفيان بعدما مثل ببعض أصحاب النبي وجدعوا ومنهم من بقر بطنه فقال أبو سفيان إنكم ستجدون في قتلاكم بعض المثل وإن ذلك لم يكن عن ذوي رأينا ولا ساداتنا ثم قال أبو سفيان أعل هبل فقال عمر ابن الخطاب الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان أنعمت فعال عنها قتلى بقتلى بدر فقال عمر لا يستوي القتل قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال أبو سفيان لقد خبنا إذن ثم انصرفوا راجعين وندب النبي أصحابه في طلبهم بعدما أصابهم القرح فطلبوهم حتى بلغوا قريبا من حمراء الأسد ثم رجع النبي
قال معمر عن قتادة وكان فيمن طلبهم عبد الله بن مسعود وذلك حين يقول الله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/136]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ( {تحسّونهم} [آل عمران: 152] : تستأصلونهم قتلًا). [صحيح البخاري: 6/33]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله تحسّونهم تستأصلونهم قتلًا وقع هذا بعد قوله واحدها ربّيٌّ وهو تفسير أبي عبيدة أيضًا بلفظه وزاد يقال حسسناهم من عند آخرهم أي استأصلناهم وقد تقدّم بيان ذلك في غزوة أحد). [فتح الباري: 8/208]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (تحسّونهم تستأصلونهم قتلاً
أشار به إلى قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} (آل عمران: 156) وفسّر: تحسونهم بقوله: تستأصلونهم: من الاستئصال وهو القلع من الأصل، وفي التّفسير: إذ تحسونهم أي: تقتلونهم قتلا ذريعا). [عمدة القاري: 18/136]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ} ({تحسونهم}) [آل عمران: 152] أي (تستأصلونهم قتلًا) بإذنه بتسليطه إياكم عليهم). [إرشاد الساري: 7/49]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عزّ وجلّ: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسونهم بإذنه} قال: إذا تقتلونهم). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 79]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد صدقكم اللّه وعده لقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين}
يعني بقوله تعالى ذكره: ولقد صدقكم اللّه أيّها المؤمنون من أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بأحدٍ وعده الّذي وعدهم على لسان رسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
والوعد الّذي كان وعدهم على لسانه بأحدٍ قوله للرّماة: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم وكان وعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّصر يومئذٍ إن انتهوا إلى أمره.
- كالّذي: حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا برز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين بأحدٍ، أمر الرّماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبيرٍ أخا خوّات بن جبيرٍ.
ثمّ إنّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمّدٍ، إنّكم تزعمون أنّ اللّه يعجّلنا بسيوفكم إلى النّار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة، فهل منكم أحدٌ يعجّله اللّه بسيفي إلى الجنّة، أو يعجّلني بسيفه إلى النّار؟ فقام إليه عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: والّذي نفسي بيده، لا أفارقك حتّى يعجّلك اللّه بسيفي إلى النّار، أو يعجّلني بسيفك إلى الجنّة فضربه عليٌّ، فقطع رجله فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك اللّه والرّحم يا ابن عمّ فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال لعليٍّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه.
ثمّ شدّ الزّبير بن العوّام والمقداد بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأصحابه، فهزموا أبا سفيان، فلمّا رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرّماة، فانقمع؛ فلمّا نظر الرّماة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فانطلق عامّتهم، فلحقوا بالعسكر؛ فلمّا رأى خالدٌ قلّة الرّماة صاح في خيله، ثمّ حمل فقتل الرّماة، ثمّ حمل على أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فلمّا رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا، فشدّوا على المسلمين، فهزموهم وقتلوهم.
- حدّثنا هارون بن إسحاق، قال: حدّثنا مصعب بن المقدام، قال: حدّثنا إسرائيل، قال: حدّثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: لمّا كان يوم أحدٍ ولقينا المشركين، أجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجالاً بإزاء الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبيرٍ أخا خوّات بن جبيرٍ، وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلمّا القى القوم، هزم المشركون حتّى رأيت النّساء قد رفعن عن سوقهنّ، وبدت خلاخلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة قال عبد اللّه: مهلاً، أما علمتم ما عهد إليكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ فأبوا، فانطلقوا، فلمّا أتوهم صرف اللّه وجوههم، فأصيب من المسلمين سبعون قتيلا
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه} فإنّ أبا سفيان أقبل في ثلاث ليالٍ خلون من شوّالٍ، حتّى نزل أحدًا، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأذّن في النّاس، فاجتمعوا، وأمّر على الخيل الزّبير بن العوّام، ومعه يومئذٍ المقداد بن الأسود الكنديّ، وأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللّواء رجلاً من قريشٍ يقال له مصعب بن عميرٍ، وخرج حمزة بن عبد المطّلب بالحسّر، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهلٍ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الزّبير، وقال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتّى أوذنك وأمر بخيلٍ أخرى، فكانوا من جانبٍ آخر، فقال: لا تبرحوا حتّى أوذنكم وأقبل أبو سفيان يحمل اللاّت والعزّى، فأرسل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الزّبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد، فهزمه ومن معه كما قال: {لقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون} وإنّ اللّه وعد المؤمنين أن ينصرهم، وأنّه معهم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه الزّهريّ ومحمّد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ، وغيرهم من علمائنا في قصّةٍ ذكرها عن أحدٍ، ذكر أنّ كلّهم قد حدّث ببعضها، وأنّ حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل الشّعب من أحدٍ في عدوّه الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحدٍ، وقال: لا تقاتلوا حتّى نأمر بالقتال، وقد سرّحت قريشٌ الظّهر والكراع في زروعٍ كانت بالصّمغة من قناةٍ للمسلمين، فقال رجلٌ من الأنصار حين نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولمّا نضارب؟ وتعبا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للقتال، وهو في سبعمائة رجلٍ، وتعبا قريشٌ وهم ثلاثة آلافٍ، ومعهم مائتا فرسٍ قد جنّبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهلٍ، وأمّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الرّماة عبد اللّه بن جبيرٍ أخا بني عمرو بن عوفٍ، وهو يومئذٍ معلّمٌ بثيابٍ بيضٍ، والرّماة خمسون رجلاً، وقال: انضح عنّا الخيل بالنّبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتينّ من قبلك فلمّا التقى النّاس، ودنا بعضهم من بعضٍ، واقتتلوا حتّى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتّى أمعن في النّاس، وحمزة بن عبد المطّلب، وعليّ بن أبى طالبٍ في رجالٍ من المسلمين، فأنزل اللّه عزّ وجلّ نصره، وصدقهم وعده، فحسّوهم بالسّيوف حتّى كشفوهم، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال الزّبير: واللّه لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمّراتٍ هوازم، ما دون إحداهنّ قليلٌ ولا كثيرٌ، إذ مالت الرّماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النّهب، وخلّوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمّدًا قد قتل فانكفأنا وأنكفأ علينا القوم بعد أن هزمنا أصحاب اللّواء، حتّى ما يدنو منه أحدٌ من القوم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: {ولقد صدقكم اللّه وعده} أي لقد وفّيت لكم بما وعدتكم من النّصر على عدوّكم.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ولقد صدقكم اللّه وعده}، وذلك يوم أحدٍ، قال لهم: إنّكم ستظهرون فلااعرفن ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتّى تفرغوا فتركوا أمر نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الّذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به). [جامع البيان: 6/128-133]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تحسّونهم بإذنه}
يعني تعالى ذكره بذلك: ولقد وفّى اللّه لكم أيّها المؤمنون من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما وعدكم من النّصر على عدوّكم بأحدٍ، حين تحسّونهم، يعني: حين تقتلونهم يقال منه: حسّه يحسّه حسًّا: إذا قتله.
- كما: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن سعيدٍ الواسطيّ، قال: حدّثنا يعقوب بن عيسى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرّحمن بن عوفٍ، عن محمّد بن عبد العزيز، عن الزّهريّ، عن عبد الرّحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرّحمن بن عوفٍ، في قوله: {إذ تحسّونهم بإذنه} قال: الحسّ: القتل.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: سمعت عبيد اللّه بن عبد اللّه، يقول في قول اللّه عزّ وجلّ: {إذ تحسّونهم} قال: القتل.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {إذ تحسّونهم بإذنه} قال: تقتلونهم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم} أي قتلاً بإذنه.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {إذ تحسّونهم} يقول: إذ تقتلونهم.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {إذ تحسّونهم بإذنه} والحسّ القتل.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه} يقول: تقتلونهم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إذ تحسّونهم} بالسّيوف: أي بالقتل.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسن: {إذ تحسّونهم بإذنه} يعني القتل.
- حدّثني عليّ بن داود، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إذ تحسّونهم بإذنه} يقول: تقتلونهم.
وأمّا قوله: {بإذنه} فإنّه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك وتسليطي إيّاكم عليهم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إذ تحسّونهم} بإذني وتسليطي أيديكم عليهم، وكفّي أيديهم عنكم). [جامع البيان: 6/133-135]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {حتّى إذا فشلتم} حتّى إذا جبنتم واوخمتم، {وتنازعتم في الأمر} يقول: واختلفتم في أمر اللّه؛ يقول: وعصيتم وخالفتم نبيّكم، فتركتم أمره، وما عهد إليكم، وإنّما يعني بذلك الرّماة الّذين كان أمرهم صلّى اللّه عليه وسلّم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشّعب بأحدٍ، بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين الّذين ذكرنا قبل أمرهم
وأمّا قوله: {من بعد ما أراكم ما تحبّون} فإنّه يعني بذلك: من بعد الّذي أراكم اللّه أيّها المؤمنون بمحمّدٍ من النّصر والظّفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة الّتي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرّماة مقاعدهم الّتي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقعدهم فيها وقبل خروج خيل المشركين على المؤمنين من ورائهم.
وبنحو الّذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التّأويل، وقد مضى ذكر بعض من قال، وسنذكر قول بعض من لم يذكر قوله فيما مضى.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر} أي اختلفتم في الأمر {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون} وذاكم يوم أحدٍ، عهد إليهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرهم بأمرٍ، فنسوا العهد وجاوزوا وخالفوا ما أمرهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فصرف عليهم عدوّهم بعد ما أراهم من عدوّهم ما يحبّون.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث ناسًا من النّاس - يعني: يوم أحدٍ - فكانوا من ورائهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كونوا هاهنا فردّوا وجه من قدمنا وكونوا حرسًا لنا من قبل ظهورنا وأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا هزم القوم هو وأصحابه، اختلف الّذين كانوا جعلوا من ورائهم، فقال بعضهم لبعضٍ لمّا رأوا النّساء مصعداتٍ في الجبل، ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول اللّه صلّى فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها، وقالت طائفةٌ أخرى: بل نطيع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنثبت مكاننا فذلك قوله: {منكم من يريد الدّنيا} للّذين أرادوا الغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} للّذين قالوا: نطيع رسول اللّه ونثبت مكاننا، فأتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فقتلوا فكان فشلاً حين تنازعوا بينهم؛ يقول: {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون} كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {حتّى إذا فشلتم} يقول: جبنتم عن عدوّكم {وتنازعتم في الأمر} يقول: اختلفتم وعصيتم {من بعد ما أراكم ما تحبّون} وذلك يوم أحدٍ، قال لهم: إنّكم ستظهرون فلا أعرفنّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتّى تفرغوا فتركوا أمر نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الّذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانصرف عليهم عدوّهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبّون.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {حتّى إذا فشلتم} قال ابن جريجٍ: قال ابن عبّاسٍ: الفشل: الجبن.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون} من الفتح.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {حتّى إذا فشلتم} أي تخاذلتم {وتنازعتم في الأمر} أي اختلفتم في أمري {وعصيتم} أي تركتم أمر نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم وما عهد إليكم، يعني الرّماة {من بعد ما أراكم ما تحبّون} أي الفتح لا شكّ فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن المبارك، عن الحسن: {من بعد ما أراكم ما تحبّون} يعني من الفتح.
وقيل: معنى قوله: {حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون} حتّى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون، إنّه من المقدّم الّذي معناه التّأخير، وإنّ الواو دخلت في ذلك، ومعناها: السّقوط كما قلنا في: {فلمّا أسلما وتلّه للجبين وناديناه}، معناه: ناديناه، وهذا مقولٌ في حتّى إذا وفي فلمّا أن، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ: {حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} ثمّ قال: {واقترب الوعد الحقّ} ومعناه: اقترب، وكما قال الشّاعر:
حتّى إذا قملت بطونكم = ورأيتم أبناءكم شبّوا.
وقلبتم ظهر المجنّ لنا = إنّ اللّئيم العاجز الخبّ). [جامع البيان: 6/136-139]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {منكم من يريد الدّنيا} الّذين تركوا مقعدهم الّذي أقعدهم فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الشّعب من أحدٍ لخيل المشركين، ولحقوا بمعسكر المسلمين طلب النّهب إذ رأوا هزيمة المشركين {ومنكم من يريد الآخرة} يعني بذلك: الّذين ثبتوا من الرّماة في مقاعدهم الّتي أقعدهم فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، واتّبعوا أمره، محافظةً على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وامر وابتغاء ما عند اللّه من الثّواب بذلك من فعلهم، والدّار الآخرة.
- كما: حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة} فالّذين انطلقوا يريدون الغنيمة، هم أصحاب الدّنيا والّذين بقوا، وقالوا: لا نخالف قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرادوا الآخرة.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة} فإنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر يوم أحدٍ طائفةً من المسلمين، فقال: كونوا مسلحةً للنّاس بمنزلةٍ أمرهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن الايرميوا مكانهم حتّى يأذن لهم، فلمّا لقي نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ أبا سفيان ومن معه من المشركين هزمهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فلمّا رأى المسلحة أنّ اللّه عزّ وجلّ هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنيمة الغنيمة لا تفتكم وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نريم موضعنا حتّى يأذن لنا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ففي ذلك نزل: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة}.فكان ابن مسعودٍ يقول: ما شعرت أنّ أحدًا من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يريد الدّنيا وعرضها حتّى كان يوم أحدٍ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عبّاسٍ: لمّا هزم اللّه المشركين يوم أحدٍ، قال الرّماة: أدركوا النّاس ونبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم حتّى يأذن لنا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة}.
قال ابن جريجٍ: قال ابن مسعودٍ: ما علمنا أنّ أحدًا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يريد الدّنيا وعرضها حتّى كان يومئذٍ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن المبارك، عن الحسن: {منكم من يريد الدّنيا} هؤلاء الّذين يحوزون الغنائم {ومنكم من يريد الآخرة} الّذين يتّبعونهم يقتلونهم.
- حدّثنا الحسين بن عمرو بن محمّدٍ العنقزيّ، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن عبد خيرٍ، قال: قال عبد اللّه: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدّنيا، حتّى نزل فينا يوم أحدٍ: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة}.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن عبد خيرٍ، قال: قال ابن مسعودٍ: ما كنت أظنّ أنّ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذٍ أحدًا يريد الدّنيا حتّى قال اللّه ما قال.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: قال عبد اللّه بن مسعودٍ لمّا رآهم وقعوا في الغنائم: ما كنت أحسب أنّ أحدًا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدّنيا حتّى كان اليوم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قال: كان ابن مسعودٍ يقول: ما شعرت أنّ أحدًا، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يريد الدّنيا وعرضها حتّى كان يومئذٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {منكم من يريد الدّنيا} أي الّذين أرادوا النّهب رغبةً في الدّنيا وترك ما أمروا به من الطّاعة الّتي عليها ثواب الآخرة {ومنكم من يريد الآخرة} أي الّذين جاهدوا في اللّه لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرضٍ من الدّنيا رغبةً في رجاء ما عند اللّه من حسن ثوابه في الآخرة). [جامع البيان: 6/139-142]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ثمّ صرفكم أيّها المؤمنون عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبّون فيهم، وفي أنفسكم من هزيمتكم إيّاهم، وظهوركم عليهم، فردّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدّنيا على الآخرة؛ عقوبةً لكم على ما فعلتم، ليبتليكم، يقول: ليختبركم، فيتميّز المنافق منكم من المخلص، الصّادق في إيمانه منكم.
- كما: حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: ثمّ ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: {ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسن، في قوله: {ثمّ صرفكم عنهم} قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدّة من أسروا يوم بدرٍ، وقتل عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكسرت رباعيته، وشجّ في وجهه، وكان يمسح الدّم عن وجهه، ويقول: كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟؛ فنزلت هذه الايه: {ليس لك من الأمر شيءٌ} الآية، فقالوا: أليس كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعدنا النّصر؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ولقد صدقكم اللّه وعده} إلى قوله: {ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم} أي صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم). [جامع البيان: 6/142-143]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {ولقد عفا عنكم} ولقد عفا اللّه أيّها المخالفون أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والتّاركون طاعته، فيما تقدّم إليكم من لزوم الموضع الّذي أمركم بلزومه عنكم فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الّذي أتيتموه عمّا هو أعظم ممّا عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إيّاكم، وصرف وجوهكم عنهم إذ لم يستأصل جمعكم.
- كما: حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسن في قوله: {ولقد عفا عنكم} قال: قال الحسن وصفّق بيديه: وكيف عفا عنهم وقد قتل منهم سبعون، وقتل عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكسرت رباعيته، وشجّ في وجهه؟ قال: ثمّ يقول: قال اللّه عزّ وجلّ: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم. قال: ثمّ يقول الحسن: هؤلاء مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي سبيل اللّه غضابٌ للّه، يقاتلون أعداء اللّه، نهوا عن شيءٍ فصنعوه، فواللّه ما تركوا حتّى غمّوا بهذا الغمّ، فأفسق الفاسقين اليوم يتجرّثم على كلّ كبيرةٍ، ويركب كلّ داهيةٍ، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه، فسوف يعلم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {ولقد عفا عنكم} قال: لم يستأصلكم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولقد عفا عنكم} ولقد عفا اللّه عن عظيم ذلك لم يهلكّم بما أتيتم من معصية نبيّكم، ولكن عدت بفضلي عليكم
وأمّا قوله: {واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين} فإنّه يعني: واللّه ذو طولٍ ومن على أهل الإيمان به وبرسوله بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسانٍ إليهم بجميل أياديه عندهم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين} يقول: وكذلك منّ اللّه على المؤمنين أن عاقبهم ببعض الذّنوب في عاجل الدّنيا أدبًا وموعظةً، فإنّه غير مستأصلٍ لكل ما فيهم من الحقّ له عليهم، لما أصابوا من معصيته؛ رحمةً لهم، وعائدةً عليهم لما فيهم من الإيمان). [جامع البيان: 6/143-145]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: بإذنه
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ في قوله: إذ تحسّونهم بإذنه قال: السيف.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرو زنيح، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق قوله: إذ تحسّونهم بإذنه قال: بالسّيوف أي: القتل بإذني وتسليطي أيديكم عليهم، وكفّي أيديهم عنكم.
قوله تعالى: حتّى إذا فشلتم
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع قوله: حتّى إذا فشلتم يقول: جبنتم عن عدوّكم. وروي عن قتادة نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: حتّى إذا فشلتم أي تخاذلتم.
قوله: وتنازعتم
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ في قوله: وتنازعتم في الأمر فقال بعضهم لبعضٍ لمّا رأوا النّساء مصعداتٍ في الجبل ورأوا الغنائم قالوا: انطلقوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها، وقالت طائفةٌ أخرى: بل نطيع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنثبت مكاننا.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه، عن الرّبيع قوله: وتنازعتم (في) الأمر يقول: اختلفتم.
قوله تعالى: في الأمر
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرو زنيح، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: وتنازعتم في الأمر أي اختلفتم في أمري.
قوله تعالى: وعصيتم من بعد ما أراكم
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ، ثنا سليمان بن داود الهاشميّ، ثنا ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ قال: ما نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في موطنٍ كما نصر يوم أحدٍ فأنكرنا ذلك عليه. فقال: ابن عبّاسٍ: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللّه، إنّ اللّه يقول في يوم أحدٍ: ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون وإنّما في بهذا الرّماة، وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أقامهم في موضعٍ، ثمّ قال: احموا ظهورنا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلمّا غنم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأباحوا عسكر المشركين انتفضت الرّماة جميعاً، فدخلوا العسكر ينتهبون، وقد انتفضت صفوف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فهم كذي، وشبّك أصابع يديه والتبسوا، فلمّا أخلى الرّماة تلك الخلّة الّتي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فضرب بعضهم بعضاً التبسوا، وقتل من المشركين ناسٌ كثيرٌ، وقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أوّل النّهار، حتّى قتل من المشركين أصحاب لواء المشركين تسعةٌ أو سبعةٌ، وجال المشركون جولةً نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول النّاس: الغرّ إنّما كانوا تحت المهراس، وصاح الشّيطان: قتل محمّدٌ، فلم يشكّوا به أنّه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نشكّ أنّه قد قتل حتّى طلع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين السّعدين نعرفه بكتفيه إذا مشى، قال: ففرحنا حتّى كأنّه لم يصبنا ما أصابنا، فرقى نحونا وهو يقول: اشتدّ غضب اللّه على قومٍ رموا وجه رسول اللّه، ويقول مرّةً أخرى: اللّهمّ إنّه ليس لهم أن يعلونا حتّى انتهى إلينا، مكث ساعةً، فإذا أبو سفيان: في أسفل الجبل: اعل هبل.. اعل هبل يعني إلهه- أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطّاب؟ فقال عمر: ألا أجبيه يا رسول اللّه؟
قال: فلمّا قال: اعل هبل. قال عمر: اللّه أعلى وأجلّ. قال أبو سفيان يا ابن الخطّاب أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطّاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا أبو بكرٍ، وها أنا ذلك. فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، الأيّام دولٌ، والحرب سجالٌ. قال عمر: لا سواءٌ، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار، قال: إنّكم تزعمون ذاك لقد خبنا إذاً وخسرنا، ثمّ قال: أما إنّكم ستجدون في قتلاكم مثلةً، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، ثمّ أدركته حميّة الجاهليّة قال: أما أنّه إذا كان ذلك لم نكرهه.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: وعصيتم أي تركتم أمر نبيّكم وما عهد إليكم يعني: الرّماة.
قوله تعالى: من بعد ما أراكم ما تحبّون
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين، عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاسٍ قوله: من بعد ما أراكم ما تحبّون كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: من بعد ما أراكم ما تحبّون نصر اللّه المؤمنين على المشركين حتّى ركب نساء المشركين على كلّ صعبٍ وذلولٍ ثمّ أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حين حرّضهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بغلته الشّهباء. وقال: ربّ اكفنيهم بما شئت.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: من بعد ما أراكم ما تحبّون من الفتح.
قوله تعالى: منكم من يريد الدّنيا
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ ومحمّد بن مسلمٍ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباط بن نصرٍ عن السّدّيّ عن عبد خيرٍ قال: قال عبد اللّه بن مسعودٍ:
ما كنت أظنّ في أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذٍ أحداً يريد الدّنيا حتّى قال اللّه تعالى ما قال
وفي حديث ابن مسلمٍ: ما كنت أرى أنّ أحداً من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدّنيا حتّى نزل فينا ما نزل يوم أحدٍ: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا هزم القوم هو وأصحابه الّذين آمنوا، رآه الّذين كانوا جعلوا من ورائهم الغنائم قالوا: انطلقوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأدركوا الغنيمة قبل أن يسبقوا إليها، فذلك قوله: منكم من يريد الدنيا.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق: منكم من يريد الدّنيا أي الّذين أرادوا النّهب رغبةً في الدّنيا وترك ما أمروا به من الطّاعة الّتي عليها ثواب الآخرة.
قوله تعالى: ومنكم من يريد الآخرة
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، ثنا أبي، ثنا عمّي الحسين عن أبيه، عن جدّه عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا هزم القوم هو وأصحابه الّذين آمنوا رآه الّذين كانوا جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعضٍ: انطلقوا إلى رسول اللّه فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها، فقالت طائفةٌ أخرى: بل نطيع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنثبت مكاننا، فذلك قوله لهم: ومنكم من يريد الآخرة للّذين قالوا: نطيع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونثبت مكاننا.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: محمّد بن إسحاق: ومنكم من يريد الآخرة أي الّذين جاهدوا في اللّه، ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لغرضٍ من الدّنيا، رغبةً منهم في العرض، رجاء ما عند اللّه من حسن ثوابه في الآخرة.
قوله تعالى: ثمّ صرفكم عنهم
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال: ثمّ ذكر حين مال عليهم خالدٌ قال: ثمّ صرفكم عنهم
قوله تعالى: ليبتليكم
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم أي صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم.
قوله تعالى: ولقد عفا عنكم
- حدّثنا أبي، ثنا المسيّب بن واضحٍ قال: سألت الحجّاج بن محمّدٍ عن قوله: ولقد عفا عنكم قلت كيف عفا عنهم وقد جرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وجهه، وقتل عمّه صاحب لوائه، وانكشف أصحابه؟ قال: قال الحسن: عفا عنهم حين لم يستأصلهم.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: ولقد عفا عنكم قال: لقد عفا اللّه عن عظم ذلك ألا يهلككم بما أتيتم به من معصية نبيّكم، ولكنّي عدت بفضلي عليكم.
قوله تعالى: واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين
- وبه قال محمّد بن إسحاق: واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين أي: لقد وفيت لكم بما وعدتكم من النّصر على عدوّكم). [تفسير القرآن العظيم: 2/785-792]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو النّضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيدٍ الدّارميّ، ثنا سليمان بن داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطّلب، ثنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن عتبة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: ما نصر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في موطنٍ كما نصر يوم أحدٍ قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عبّاسٍ: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللّه عزّ وجلّ إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في يوم أحدٍ {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه} [آل عمران: 152] يقول ابن عبّاسٍ: والحسّ القتل {حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا، ومنكم من يريد الآخرة، ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين} [آل عمران: 152] وإنّما عنى بهذا الرّماة وذلك أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقامهم في موضعٍ ثمّ قال: «احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركونا» فلمّا غنم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وأباحوا عسكر المشركين، انكشف الرّماة جميعًا، فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهم هكذا وشبّك بين أصابع يديه، والتبسوا فلمّا أخلّ الرّماة تلك الخلّة، الّتي كانوا فيها، دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا وقتل من المسلمين ناسٌ كثيرٌ، وقد كان لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أوّل النّهار حتّى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعةٌ، وجال المسلمون جولةً نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول النّاس الغاب، إنّما كان تحت المهراس، وصاح الشّيطان قتل محمّدٌ فلم يشكّوا فيه أنّه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نشكّ أنّه قتل حتّى طلع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بين السّعدين فعرفناه بتكفّئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتّى كأنّه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا، وهو يقول: «أشتدّ غضب اللّه على قومٍ دمّوا وجه نبيّهم» قال: ويقول مرّةً أخرى: «اللّهمّ إنّه ليس لهم أن يعلونا» حتّى انتهى إلينا قال: فمكث ساعةً فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعل هبل، اعل هبل، يعني آلهته أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطّاب؟ فقال عمر: يا رسول اللّه، ألا أجيبه؟ قال: «بلى» فلمّا قال: اعل هبل قال عمر: اللّه أعلى وأجلّ فقال أبو سفيان: يا ابن الخطّاب إنّه يوم الصّمت، فعاد فقال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطّاب فقال عمر: هذا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وهذا أبو بكرٍ وها أنا ذا عمر فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ الأيّام دولٌ، والحرب سجالٌ فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار، قال: إنّكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذًا وخسرنا، ثمّ قال أبو سفيان: أما إنّكم سوف تجدون في قتلاكم مثلةً، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، ثمّ أدركته حميّة الجاهليّة، فقال: أما إنّه إذا كان ذلك لم نكرهه «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/324]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {منكم من يريد الدّنيا} [آل عمران: 152].
- عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: ما كنت أرى
أنّ أحدًا من أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يريد الدّنيا حتّى نزلت فينا يوم أحدٍ: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل عمران: 152].
رواه الطّبرانيّ في الأوسط، وأحمد في حديثٍ طويلٍ - تقدّم في وقعة أحدٍ - ورجال الطّبرانيّ ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 6/327-328]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : ( (وقال أبو بكر): حدثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ، عن عبد خيرٍ، عن عبد اللّه رضي الله عنه، قال: ما كنت أرى أنّ أحدًا من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدّنيا، حتّى نزل: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة}). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/543]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 152.
أخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وكان قد فعل فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا رفع عنهم مدد الملائكة وأنزل الله {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} فصدق الله وعده وأراهم الفتح فلما عصوا أعقبهم البلاء.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولقد صدقكم الله وعده} الآية، قال إن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحدا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس فاجتمعوا وأمر على الخيل الزبير بن العوام ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير وخرج حمزة بن عبد المطلب بالجيش وبعث حمزة بين يديه وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال: استقبل خالد بن الوليد
فكن بإزائه حتى أوذنك وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال: لا تبرحوا حتى أوذنكم وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى فأرسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه فقال {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه}، وأن الله وعدالمؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعضا من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا ههنا فردوا وجه من ند منا وكونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل ورأوا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تستبقوا إليها وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا، فذلك قوله {منكم من يريد الدنيا} للذين أرادوا الغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.
وأخرج أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال ما نصر الله نبيه في موطن كما نصر يوم أحد فأنكروا، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله أن الله يقول في يوم أحد {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} يقول ابن عباس: والحس: القتل، {حتى إذا فشلتم} إلى قوله {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} وإنما عنى هذا الرماة وذلك أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون والتفت صفوف المسلمين فهم هكذا - وشبك بين يديه - والتبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على الصحابة فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال
المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغاب، إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع بين السعدين نعرفه بتكفؤه إذا مشى ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا فرقي نحونا وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل، أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب فقال عمر: ألا أجيبه يا رسول الله قل: بلى، فلما قال: أعل هبل، قال عمر: الله أعلى وأجل، فعاد فقال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة فقال عمر: هذا رسول الله وهذا أبو بكر وها أنا عمر، فقال: يوم بيوم بدر الأيام دول والحرب سجال فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال: إنكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذن وخسرنا، ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه كان ذلك ولم نكرهه.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وابن المنذر عن ابن مسعود قال إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} فلما خالف أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، وهو عاشر فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردهم عنا فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل فلما رهقوه أيضا قال: رحم الله رجلا ردهم عنا فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا، فجاء أبوسفيان فقال: أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا اللهم مولانا والكافرون لا مولى لهم، ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر يوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسر حنظلة بحنظلة وفلان بفلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون، قال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة وإن كانت على غير توجيه منا ما
أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلت شيئا قالوا: لا، قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعون صلاة.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء بن عازب قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال: فأنا - والله - رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، قال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاثا فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة مرتين أفي القوم ابن الخطاب مرتين ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت - والله - يا عدو الله إن الذين عددت أحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك، قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه قالوا: يا رسول الله ما نقول قال قولوا: الله أعلى وأجل، قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه قالوا: يا رسول الله وما نقول قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن جابر قال انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء فقال طلحة: أنا يا رسول الله فقال: كما أنت يا طلحة فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال: ألا رجل لهؤلاء فقال طلحة مثل قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله وأصحابه يصعدون ثم قتل، فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهؤلاء فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال: حس، فقال: لو قلت بسم الله أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك في جو السماء ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله {إذ تحسونهم بإذنه} قال: الحس القتل.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، مثله.
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس {إذ تحسونهم} قال: تقتلونهم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {إذ تحسونهم} قال: تقتلونهم قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ومنا الذي لاقى بسيف محمد * فحس به الأعداء عرض العساكر.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله {إذ تحسونهم بإذنه} قال: تقتلونهم قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم قال: نعم، أما سمعت قول عتبة الليثي:
نحسهم بالبيض حتى كأننا * نفلق منهم بالجماجم حنظلا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس {حتى إذا فشلتم} قال: الفشل الجبن.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع {حتى إذا فشلتم} يقول: جبنتم عن عدوكم {وتنازعتم في الأمر} يقول: اختلفتم وعصيتم {من بعد ما أراكم ما تحبون} وذلك يوم أحد قال لهم: إنكم ستظهرون فلا أعرفن ما أصبتم من غنائمهم شيئا حتى تفرغوا، فتركوا أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعصوا ووقعوا في الغنائم ونسوا عهده الذي عهده إليهم وخالفوا إلى غير ما أمرهم به فنصر عليهم عدوهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى في قوله {حتى إذا فشلتم} قال: كان وضع خمسين رجلا من أصحابه عليهم عبيد الله بن خوات فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على خيل المشركين فلما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قال نصف أولئك: نذهب حتى نلحق بالناس ولا تفوتنا الغنائم وقال بعضهم: قد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نريم حتى يحدث إلينا، فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم فقاتلوا خالدا حتى ماتوا ربضة فأنزل الله فيهم {ولقد صدقكم الله وعده} إلى قوله {وعصيتم} فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة.
وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب {من بعد ما أراكم ما تحبون} الغنائم وهزيمة القوم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن مجاهد {من بعد ما أراكم ما تحبون} قال: نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين فقال: كونوا مسلحة للناس بمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم، فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المسلحة أن الله هزم المشركين انطلق بعضهم يتنادون الغنيمة الغنيمة،، لا تفتكم وثبت بعضهم مكانهم وقالوا لا نريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم، ففي ذلك نزل {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: لما هزم الله المشركين يوم أحد قال الرماة: أدركوا الناس ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقونا إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} قال ابن جريج: قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ.
وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود قال: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {ثم صرفكم عنهم} قال: صرف القوم عنهم فقتل من المسلمين بعدة من أسروا يوم بدر وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشج في وجهه فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر فأنزل الله {ولقد صدقكم الله وعده} إلى قوله {ولقد عفا عنكم}.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {ولقد عفا عنكم} قال: يقول الله: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب لله يقاتلون أعداء الله نهوا عن شيء فضيعوه فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم قتل منهم سبعون وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشج في وجهه فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة ويركب كل داهية ويسحب عليها ثيابه ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ولقد عفا عنكم} قال: إذ لم يستأصلكم
وأخرج البخاري عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد قال: نعم، قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها قال: نعم، فكبر فقال ابن عمر:
تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فاشهد أن الله عفا عنه.
وأمّا تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر رجل وسهمه.
وأمّا تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى فضرب بها على يده فقال هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك). [الدر المنثور: 4/61-73]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 10:15 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149)}

تفسير قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {بل اللّه مولاكم...}
رفع على الخبر، ولو نصبته: (بل أطيعوا الله مولاكم) كان وجها حسنا). [معاني القرآن: 1/237]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {بل اللّه مولاكم وهو خير النّاصرين} أي: هو وليكم، وإذا كان وليهم فهو ناصرهم {فإنّ حزب اللّه هم الغالبون}). [معاني القرآن: 1/477]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال عز وجل: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} المولى: الناصر فإذا كان ناصرهم لم يغلبوا). [معاني القرآن: 1/493]

تفسير قوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ما لم ينزّل به سلطاناً} أي: بياناً). [مجاز القرآن: 1/104]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({ما لم ينزّل به سلطاناً} أي: حجة). [تفسير غريب القرآن: 113]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (والسلطان: الحجّة، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ}أي: حجة.
وقال: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} أي: حجّة في كتاب الله وقال: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ} أي: حجّة.
وقال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي: حجة وعذر). [تأويل مشكل القرآن: 504]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطانا ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين}
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((نصرت بالرعب)).
وقال: ((يرعب مني عدوي من مسيرة شهر)).
وقال اللّه عزّ وجلّ في سورة الحشر: {وقذف في قلوبهم الرّعب}.
وقوله عزّ وجلّ: {بما أشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطانا} أي: أشركوا به ما لم ينزل به حجة، والسلطان في اللغة: الحجة ومثله {ما أغنى عنّي ماليه*هلك عنّي سلطانيه} أي: ذهبت عني حجيته). [معاني القرآن: 1/477-478]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا}
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالرعب)).
والسلطان: الحجة ومنه هلك عني سلطانيه، أي: حجتيه). [معاني القرآن: 1/493]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر...}
يقول: وجد عيسى.
والإحساس:
الوجود، تقول في الكلام: هل أحسست أحدا، وكذلك قوله: {هل تحسّ منهم من أحدٍ}.

فإذا قلت: حسست، بغير ألف فهي في معنى الإفناء والقتل من ذلك قول الله عز وجل: {إذ تحسّونهم بإذنه} والحسّ أيضا: العطف والرقّة؛ كقول الكميت:
هل من بكى الدار راجٍ أن تحسّ له * أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل
وسمعت بعض العرب يقول: ما رأيت عقيليّا إلا حسست له، وحسست لغة.
والعرب تقول: من أين حسيت هذا الخبر؟ يريدون: من أين تخبّرته؟ [وربما قالوا حسيت بالخبر وأحسيت به، يبدلون من السين ياء] كقول أبي زبيد.

* حسين به فهنّ إليه شوس *
وقد تقول العرب: ما أحست بهم أحدا، فيحذفون السين الأولى، وكذلك في وددت، ومسست وهممت، قال: أنشدني بعضهم:
هل ينفعنك اليوم إن همت بهمّ * كثرة ما تأتى وتعقاد الرتم). [معاني القرآن: 1/216-217] (م)
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {حتّى إذا فشلتم...}
يقال: إنه مقدّم ومؤخر؛ معناه: "حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم"، فهذه الواو معناها: السقوط، كما يقال: {فلمّا أسلما وتلّه للجبين. وناديناه}معناه: ناديناه. وهو في "حتى إذا" و"فلمّا أن" مقول، لم يأت في غير هذين.
قال الله تبارك وتعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ ينسلون} ثم قال: {واقترب الوعد الحقّ} معناه: اقترب، وقال تبارك وتعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} وفي موضع آخر: {فتحت} وقال الشاعر:

حتى إذا قملت بطونكم * ورأيتم أبناءكم شبّوا
وقلبتم ظهر المجنّ لنا * إن اللئيم العاجز الخبّ
الخبّ: الغدّار، والخبّ: الغدر.
وأمّا قوله: {إذا السماء انشقّت. وأذنت لربّها وحقّت} وقوله: {وإذا الأرض مدّت. وألقت ما فيها وتخلّت} فإنه كلام واحد جوابه فيما بعده، كأنه يقول: "فيومئذ يلاقى حسابه".
وقد قال بعض من روى عن قتادة من البصريّين {إذا السّماء انشقّت. أذنت لربها وحقّت} ولست أشتهي ذلك؛ لأنها في مذهب {إذا الشّمس كوّرت} و{إذا السّماء انفطرت} فجواب هذا بعده {علمت نفسٌ ما أحضرت} و{وعلمت نفس ما قدّمت وأخّرت}).
[معاني القرآن: 1/238]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {إذ تحسّونهم}: تستأصلونهم قتلاً، يقال: حسسناهم من عند آخرهم، أي استأصلناهم، قال رؤبة:
إذا شكونا سنةً حسوسا... تأكل بعد الأخضر اليبيسا
{ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم}أي: ليبلوكم: ليختبركم، ويكون {ليبتليكم} بالبلاء). [مجاز القرآن: 1/104-105]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون}
قال تعالى: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر} لأنّ هذا من "أحسّ" "يحسّ" "إحساساً" وليس من قوله: {تحسّونهم بإذنه} [إذ] ذلك من "حسّ" "يحسّ" "حسّاً" وهو في غير معناه لأن معنى "حسست" قتلت. و"أحسست" هو: ظننت). [معاني القرآن: 1/172] (م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({إذ تحسونهم بإذنه}: تستأصلوهم بالقتل.
{إذا تصعدون} الإصعاد: الصعود في الجبل). [غريب القرآن وتفسيره: 110]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({إذ تحسّونهم بإذنه} أي: تستأصلونهم بالقتل. يقال: سنة حسوس: إذا أتت على كل شيء.
وجراد محسوس: إذا قتله البرد).
[تفسير غريب القرآن:113-114]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضل على المؤمنين}
{إذ تحسّونهم بإذنه} معناه: تستأصلونهم قتلا، يقال حسهم القائد يحسهم حسّا إذا قتلهم.
ويقال هل حسست كذا وكذا، أي: هل رأيته أو علمته.
ويقال ما حسست فلانا، وهل حسست له - والكسر أكثر - أي ما رفقت عليه ولا رحمته ويقال جيء به من حسّك وبسّك، أي من حيث ما كان ولم يكن، كذلك لفظ الأصمعي.
وتأويله جيء به من حيث تدركه حاسّة - من حواسّك، أو يدركه تصرف من تصرفك، ومعنى {بإذنه}: بعلمه.
وقوله جلّ وعزّ: {حتى إذا فشلتم}أي: جبنتم عن عدوكم، {وتنازعتم} اختلفتم {من بعد ما أراكم ما تحبّون} لأنهم أعطوا النصر فخالفوا فيما قيل لهم في حربهم فعوقبوا بأن ديل منهم.
وقوله جلّ وعزّ: (منكم من يريد الدّنيا)أي: منكم من قصده الغنيمة في حربه {ومنكم من يريد الآخرة} أي: يقصد بحربه إلى ما عند اللّه.
وقوله جلّ وعزّ: {ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضل على المؤمنين} ). [معاني القرآن: 1/478]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه}
قال قتادة: {تحسونهم} تقتلونهم.
ثم قال تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} أي: من هزيمة القوم وفشلتم جبنتم.
قال عبد الله ابن مسعود: أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرماة أن يثبتوا مكانهم فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم في أول شيء فقال بعضهم نلحق الغنائم وقال بعضهم نثبت فعاقبهم الله بأن قتل بعضهم، قال وما علمنا أن أحدا منا يريد الحياة الدنيا حتى نزلت {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم}
قال معنى {ليبتليكم} ليختبركم وقيل معناه ليبتليكم بالبلاء). [معاني القرآن: 1/493-495]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( {إذ تحسونهم} أي: تقتلونهم). [ياقوتة الصراط: 192]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({تَحُسُّونَهُم} أي: تستأصلونهم بالقتل). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 53]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({تَحُسُّونَهُم}: تقتلونهم). [العمدة في غريب القرآن: 102]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 09:17 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]
تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) }

[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) }
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وما كان من اسم فيه ميم مفتوحة زائدة فهو من الواو والياء مقصور يكتب بالياء في النوعين مثل المقضى والمثوى). [المقصور والممدود: 12]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (و«السلطان» أنثى وذكرـ والتأنيث عند الفصحاء أكثر. والعرب تقول: قضت به عليك السلطان، وقد أخذت فلانا السلطان). [المذكور والمؤنث: 74]

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) )

قال أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت: 213هـ): (وقال أوس في " الحسّ "، وهو القطع:
فما جَبُنوا أَنَّا نَسُدّ عليهمُ = ولكن رَأَوْا ناراً تَحُسُّ وتَسْفَعُ). [كتاب الجيم: 1/204]
قال أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت:215هـ): (


رب شريب لك ذي حساسشــرابـــه كـالــحــز بـالـمــواســي

الحساس: الشؤم، وهو من قوله حسهم إذا استأصلهم). [النوادر في اللغة: 480]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث زيد بن صوحان حين ارتث يوم الجمل فقال: «ادفنوني في ثيابي ولا تحسوا عني ترابا».
حدثناه أبو معاوية عن الشيباني عن المثنى بن بلال عن أشياخه عن زيد.
...
وقوله: ولا تحسوا عني ترابًا، يقول: لا تنفضوه.
ومن هذا قيل: حسست الدابة أحسها: إنما هو نفضك التراب عنها.
والحس -في غير هذا- القتل، قال الله تبارك وتعالى: {إذ تحسونهم بإذنه}.
ومنه الحديث الذي يروى عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه أنه أتي بجراد محسوس فأكله، يعني الذي قد مسته النار، أي: قتلته. وأما من الحِس فهو بالألف، يقال منه: ما أحسست فلانا إحساسا). [غريب الحديث: 5/417-418]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (



بفتيان عمارط من هذيلهم ينفون آناس الحلال

...
أبو عمرو: (يحسون الأنيس من الحلال). (يَحُسُّون) يقتلون. و(الحَسُّ) القتل). [شرح أشعار الهذليين: 2/567-568]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (وقال الأصمعي: يقال: جيء به من حسك وبسك، أي من حيث كان ولم يكن، وروى أبو نصر: من حيث شئت، والمعنى واحد، والحس والحسيس: الصوت، قال الله عز وجل: {لا يسمعون حسيسها} [الأنبياء: 102] والحس: وجع يأخذ المرأة بعد الولادة.
والحس: برد يحرق الكلأ.
ويقال: أصابتنا حاسة، ويقال: البرد محسة للنبت، أي يحرقه، ويقال: ضربه فما قال: حس مكسور، وهي كلمة تقال عند الجزع، قال الراجز:


فـــمـــا أراهــــــم جـــزعـــا بـــحــــسعطف البلايا المس بعد المس

ويقال: اشتر لي محسةً للدابة.
والحساس: سمك يجفف يكون بالبحرين.
وقال اللحياني: الحساس: الشؤم والنكد،
وأنشدنا أبو زيد:


رب شريب لك ذي حساسأقعـس يمشـي مشيـة النفـاس

ليس بريان ولا مواسي
ويقال: انحست أسنانه إذا تكسرت وتحاتت، قال العجاج:


في معدن الملك القديم الكرسلـــيــــس بــمــقــلــوع ولا مــنـــحـــس

ويقال: حسستهم إذا قتلتهم، قال الله تعالى: {إذ تحسّونهم بإذنه} [آل عمران: 152] .
ويقال: أحسست بالخبر وحسست به وأحست به وحسيت به، قال أبو زبيد:


خلا أن العتاق من المطاياحسين به فهن إليـه شـوس

ويقال: حسست له أحس، أي رققت له، يقال: إني لأحس له، أي أرق له وأرحمه، قال القطامي:


أخوك الذي لا تملـك الحـس نفسـهوترفض عند المحفظات الكتائف).

[الأمالي: 1/175-176] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 11:12 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 11:12 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 11:12 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 11:13 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل اللّه مولاكم وهو خير النّاصرين (150) سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزّل به سلطاناً ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين (151)
الإشارة بقوله: الّذين كفروا إلى المنافقين الذين جنبوا المسلمين وقالوا في أمر- أحد- لو كان محمد نبيا لم يهزم، والذين قالوا: قد قتل محمد فلنرجع إلى ديننا الأول، إلى نحو هذه الأقوال، ثم اللفظ يقتضي كل كافر كان في ذلك الوقت ويكون إلى يوم القيامة، نهى الله المؤمنين عن طاعتهم). [المحرر الوجيز: 2/383]

تفسير قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وبل ترك للكلام الأول ودخول في غيره، وقرأ جمهور الناس «بل الله مولاكم» على الابتداء والخبر، وهذا تثبيت، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بل الله» بالنصب على معنى: بل أطيعوا الله). [المحرر الوجيز: 2/383]

تفسير قوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: سنلقي استعارة، إذ حقيقة الإلقاء إنما هي في الأجرام، وهذا مثل قوله تعالى:
والّذين يرمون المحصنات [النور: 4] ونحوه قول الفرزدق: [الطويل]
هما نفثا في فيّ من فمويهما = على النّابح العاوي أشدّ رجام
وقرأ جمهور الناس «سنلقي» بنون العظمة، وقرأ أيوب السختياني «سيلقي» بالياء على معنى هو، وقرأ ابن عامر والكسائي «الرعب» بضم العين حيث وقع، وقرأ الباقون «الرعب» بسكون العين، وهذا كقولهم:
عنق وعنق وكلاهما حسن فصيح، وسبب هذه الآية: أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال: انظر القوم، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة، وإن كانوا على الخيل فهم عائدون إلى المدينة، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر وسر المسلمون، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد، فبلغ حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش: أحين قتلناهم وهزمناهم ولم يبق إلا الفل والطريد ننصرف عنهم؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ذلك، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو على كفره، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك، ولوددنا أنك لم ترزأ في أصحابك، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بما عزمت عليه قريش من الانصراف، اشتد ذلك عليهم، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد، وألقى بسببه الرعب في قلوب الكفار، وذلك أنه لما سمع الخبر، ركب حتى لحق بأبي سفيان بالروحاء، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قال: ويلك ما تقول؟ قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه شعرا قال وما قلت؟ قال قلت: [البسيط]
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي = إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردي بأسد كرام لا تنابلة = عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا أظنّ الأرض مائلة = لمّا سموا برئيس غير مخذول
إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وقال صفوان بن أمية: لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت هذه الآية في هذا الإلقاء، وهي بعد متناولة كل كافر، ويجري معها قول النبي عليه السلام: نصرت بالرعب مسيرة شهر، ويظهر أن هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام، قال بعض أهل العلم: إنه لما أمر الله المؤمن بالصبر، ووعده النصر، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار، نقص الرعب من كل كافر جزءا مع زيادة شجاعة المؤمن، إذ قد وعد النصر فلذلك كلف المؤمن الوقوف للكافرين، وقوله تعالى: بما أشركوا هذه باء السبب، والمعنى: أن المشرك بالله نفسه مقسمة في الدنيا وليس له بالله تعالى ثقة، فهو يكره الموت ويستشعر الرعب منه، و «السلطان»: الحجة والبرهان، ثم أخبر تعالى بعاقبة الكفار في الآخرة، و «المأوى»: مفعل من أويت إلى المكان إذا دخلته وسكنت فيه، و«المثوى»، مفعل من: ثويت، والتقدير: وبئس مثوى الظالمين هي). [المحرر الوجيز: 2/383-385]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين (152)
جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة: منها وعظ الجميع وزجره، إذ من لم يفعل معد أن يفعل إن لم يزجر، ومنها الستر والإبقاء على من فعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر يومئذ على خبر الله تعالى- إن صبروا وجدوا- فصدق الله الوعد أولا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاف المسلمين يومئذ ورتب الرماة على ما قد ذكرناه في صدر تفسير هذه الآيات في قصة أحد، فبارز علي بن أبي طالب أبا سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين، وحمل الزبير وأبو دجانة فهزّا عسكر المشركين، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأبلى حمزة بن عبد المطلب وعاصم بن أبي الأقلح، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا فهذا معنى قوله تعالى: إذ تحسّونهم بإذنه والحس: القتل الذريع، يقال حسهم إذا استأصلهم قتلا، وحس البرد النبات وقال رؤبة:
[الرجز]
إذا تشكّوا سنّة حسوسا = تأكل بعد الأخضر اليبيسا
قال بعض الناس: هو مأخوذ من الحاسة، والمعنى في حس: أفسد الحواس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف، و «الإذن»: التمكين مع العلم بالممكن منه، وقوله تعالى:
حتّى إذا فشلتم يحتمل أن تكون حتّى غاية مجردة، كأنه قال: إلى أن فشلتم، ويقوي هذا أن إذا بمعنى «إذ» لأن الأمر قد كان تقضى، وإنما هي حكاية حال، فتستغني إذا على هذا النظر عن جواب، والأظهر الأقوى أن إذا على بابها تحتاج إلى الجواب، وتكون حتى كأنها حرف ابتداء على نحو دخولها على الجمل، واختلف النحاة في جواب إذا فذهبت فرقة إلى أن الجواب قوله تنازعتم، والواو زائدة، وحكى المهدوي عن أبي علي أنه قال: الجواب قوله: صرفكم وثمّ زائدة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول لا يشبه نظر أبي علي وسيبويه والخليل وفرسان الصناعة، إن الجواب محذوف مقدر، يدل عليه المعنى، تقديره: انهزمتم ونحوه، و «الفشل» - استشعار العجز وترك الجد، وهذا مما فعله يومئذ قوم، و «التنازع» هو الذي وقع بين الرماة، فقال بعضهم: الغنيمة الغنيمة، الحق بنا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت كما أمرنا وعصيتم عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة حتى تمكن خالد بن الوليد من غرة المسلمين، وقوله تعالى: من بعد ما أراكم ما تحبّون يعني من هزم القوم، قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هاربات ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، وقوله تعالى: منكم من يريد الدّنيا إخبار عن الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم، قاله ابن عباس وسائر المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد منكم من يريد الدّنيا وقوله تعالى: ومنكم من يريد الآخرة إخبار عن ثبوت من الرماة مع عبد الله بن جبير امتثالا للأمر حتى قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل من جد ولم يضطرب من المؤمنين، وقوله تعالى: ليبتليكم معناه: لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص، وقوله تعالى: ولقد عفا عنكم إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل، وهذا تحذير، والمعنى «ولقد عفا عنكم» بأن لم يستأصلوكم، فهو بمنزلة: ولقد أبقى عليكم، ويحتمل أن يكون إخبارا بأنه عفا عن ذنوبهم في قصة أحد، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد، وبالتفسير الأول قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين، وقال الحسن بن أبي الحسن: قتل منهم سبعون، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما العفو أن لم يستأصلهم، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فو الله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يجترم كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم). [المحرر الوجيز: 2/386-388]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 11:13 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 11:13 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل اللّه مولاكم وهو خير النّاصرين (150) سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانًا ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين (151) ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين (152) إذ تصعدون ولا تلوون على أحدٍ والرّسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غمًّا بغمٍّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم واللّه خبيرٌ بما تعملون (153)}
يحذّر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين فإنّ طاعتهم تورث الرّدى في الدّنيا والآخرة ؛ ولهذا قال: {إن تطيعوا الّذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/131]

تفسير قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به، والتّوكّل عليه، فقال: {بل اللّه مولاكم وهو خير النّاصرين} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/132]

تفسير قوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ بشّرهم بأنّه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذّلّة لهم، بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادّخره لهم في الدّار الآخرة من العذاب والنّكال، فقال: {سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب بما أشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانًا ومأواهم النّار وبئس مثوى الظّالمين}.
وقد ثبت في الصّحيحين عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهرٍ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلّت لي الغنائم، وأعطيت الشّفاعة وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّةً وبعثت إلى النّاس عامّةً.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن أبي عديّ عن سليمان -يعني التّيميّ-عن سيّار، عن أبي أمامة؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: "فضّلني [ربّي] على الأنبياء -أو قال: على الأمم-بأربعٍ" قال "أرسلت إلى النّاس كافّةً وجعلت لي الأرض كلّها ولأمّتي مسجدًا وطهورًا فأينما أدركت رجلا من أمّتي الصّلاة فعنده مسجده و طهوره، ونصرت بالرّعب مسيرة شهرٍ يقذفه في قلوب أعدائي وأحل لي الغنائم".
ورواه التّرمذيّ من حديث سليمان التّيميّ، عن سيّار القرشي الأمويّ مولاهم الدّمشقيّ -سكن البصرة-عن أبي أمامة صديّ بن عجلان، رضي اللّه عنه، به. وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وقال سعيد بن منصورٍ: أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أنّ أبا يونس حدّثه، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال: "نصرت بالرّعب على العدوّ".
ورواه مسلمٌ من حديث ابن وهبٍ.
وروى الإمام أحمد: حدّثنا حسين بن محمّدٍ، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلّت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرّعب شهرًا، وأعطيت الشّفاعة، وليس من نبيٍّ إلّا وقد سأل شفاعته، وإنّي اختبأت شفاعتي، ثمّ جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئًا".
تفرد به أحمد.
وروى العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {سنلقي في قلوب الّذين كفروا الرّعب} قال: قذف اللّه في قلب أبي سفيان الرّعب، فرجع إلى مكّة، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع، وقذف اللّه في قلبه الرّعب". رواه ابن أبي حاتمٍ). [تفسير القرآن العظيم: 2/132-133]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه} قال ابن عبّاسٍ: وعدهم اللّه النّصر.
وقد يستدلّ بهذه الآية على أحد القولين المتقدّمين في قوله: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} أنّ ذلك كان يوم أحدٍ لأنّ عدوّهم كان ثلاثة آلاف مقاتلٍ، فلمّا واجهوهم كان الظّفر والنّصر أوّل النّهار للإسلام، فلمّا حصل ما حصل من عصيان الرّماة وفشل بعض المقاتلة، تأخّر الوعد الّذي كان مشروطًا بالثّبات والطّاعة؛ ولهذا قال: {ولقد صدقكم اللّه وعده} أي: أوّل النّهار {إذ تحسّونهم} أي: تقتلونهم {بإذنه} أي: بتسليطه إيّاكم عليهم {حتّى إذا فشلتم} وقال ابن جريجٍ: قال ابن عبّاسٍ: الفشل الجبن، {وتنازعتم في الأمر وعصيتم} كما وقع للرّماة {من بعد ما أراكم ما تحبّون} وهو الظّفر منهم {منكم من يريد الدّنيا} وهم الّذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة {ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم} ثمّ أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم {ولقد عفا عنكم} أي: غفر لكم ذلك الصّنيع، وذلك -واللّه أعلم-لكثرة عدد العدوّ وعددهم، وقلّة عدد المسلمين وعددهم.
قال ابن جريجٍ: قوله: {ولقد عفا عنكم} قال: لم يستأصلكم. وكذا قال محمّد بن إسحاق، رواهما ابن جريرٍ {واللّه ذو فضلٍ على المؤمنين}.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: ما نصر اللّه في موطن كما نصره يوم أحدٍ. قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عبّاسٍ: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللّه، إنّ اللّه يقول في يوم أحدٍ: {ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه} يقول ابن عبّاسٍ: والحسّ: القتل {حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة} الآية وإنّما عنى بهذا الرّماة، وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أقامهم في موضعٍ، ثمّ قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا. فلمّا غنم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأباحوا عسكر المشركين أكبّت الرّماة جميعًا [ودخلوا] في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فهم هكذا -وشبّك بين يديه-وانتشبوا، فلمّا أخلّ الرّماة تلك الخلّة الّتي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثيرٌ، وقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه أوّل النّهار، حتّى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعةٌ أو تسعةٌ، وجال المسلمون جولةً نحو الجبل ولم يبلغوا -حيث يقول النّاس-الغار، إنّما كان تحت المهراس، وصاح الشّيطان: قتل محمّدٌ، فلم يشك فيه أنّه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نشك أنّه حقٌّ، حتّى طلع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين السّعدين، نعرفه بتلفّته إذا مشى -قال: ففرحنا حتّى كأنّه لم يصبنا ما أصابنا-قال: فرقي نحونا وهو يقول: "اشتدّ غضب الله على قومٍ دمّوا وجه رسول الله". ويقول مرّةً أخرى: "اللّهم إنّه ليس لهم أن يعلونا". حتّى انتهى إلينا، فمكث ساعةً، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل، مرّتين -يعني آلهته-أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطّاب؟ فقال عمر: يا رسول اللّه، ألا أجيبه؟ قال: "بلى" قال: فلمّا قال: اعل هبل. قال عمر: اللّه أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: قد أنعمت عينها فعاد عنها أو: فعال! فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطّاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللّه، وهذا أبو بكرٍ، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، الأيّام دول، وإنّ الحرب سجال. قال: فقال عمر: لا سواءً، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار. قال إنّكم تزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا ثمّ قال أبو سفيان: إنّكم ستجدون في قتلاكم مثلةً ولم يكن ذلك على رأي سراتنا. قال: ثمّ أدركته حميّة الجاهليّة فقال: أما إنّه إن كان ذلك لم نكرهه.
هذا حديثٌ غريبٌ، وسياقٌ عجيبٌ، وهو من مرسلات ابن عبّاسٍ، فإنّه لم يشهد أحدًا ولا أبوه.
وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النّضر الفقيه، عن عثمان بن سعيدٍ، عن سليمان بن داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاسٍ، به. وهكذا رواه ابن أبي حاتمٍ والبيهقيّ في دلائل النّبوّة، من حديث سليمان بن داود الهاشميّ، به ولبعضه شواهدٌ في الصّحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد:
حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّادٌ، حدّثنا عطاء بن السّائب عن الشّعبيّ، عن ابن مسعودٍ قال: إنّ النّساء كنّ يوم أحدٍ، خلف المسلمين، يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذٍ رجوت أن أبر: أنّه ليس أحدٌ منّا يريد الدّنيا، حتّى أنزل اللّه عزّ وجلّ: {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم} فلمّا خالف أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تسعةٍ: سبعةٌ من الأنصار، ورجلين من قريشٍ، وهو عاشرهم، فلمّا رهقوه [قال: "رحم الله رجلًا ردّهم عنّا". قال: فقام رجلٌ من الأنصار فقاتل ساعةً حتّى قتل، فلمّا رهقوه] أيضًا قال: "رحم الله رجلا ردّهم عنّا". فلم يزل يقول ذا حتّى قتل السّبعة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لصاحبه: "ما أنصفنا أصحابنا".
فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "قولوا: الله أعلى وأجلّ". فقالوا: اللّه أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قولوا: "الله مولانا، والكافرون لا مولى لهم". ثمّ قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، يومٌ علينا ويومٌ لنا ويومٌ نساء ويومٌ نسر. حنظلة بحنظلة، وفلانٌ بفلانٍ، وفلانٌ بفلانٍ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا سواء. أمّا قتلانا فأحياءٌ يرزقون، وقتلاكم في النّار يعذّبون". قال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلةٌ، وإن كانت لعن غير ملأ منّا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرّني. قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أكلت شيئًا؟ " قالوا: لا. قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النّار".
قال: فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حمزة فصلّى عليه، وجيء برجلٍ من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلّى عليه، فرفع الأنصاريّ وترك حمزة، ثمّ جيء بآخرٍ فوضعه إلى جنب حمزة فصلّى [عليه] ثمّ رفع وترك حمزة، حتّى صلّى عليه يومئذٍ سبعين صلاةً.
تفرّد به أحمد أيضًا.
وقال البخاريّ: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق: عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذٍ، وأجلس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جيشا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللّه -يعني ابن جبير-وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلمّا لقيناهم هربوا، حتّى رأينا النّساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، وقد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد اللّه: عهد إليّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ألّا تبرحوا. فأبوا، فلمّا أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمّدٌ؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله، قد أبقى اللّه لك ما يحزنك فقال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللّه أعلى وأجلّ". فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، والحرب سجال، وتجدون مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني.
تفرّد به البخاريّ من هذا الوجه، ثمّ رواه عن عمرو بن خالدٍ، عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن البراء، بنحوه وسيأتي بأبسط من هذا.
وقال البخاريّ أيضًا: حدّثنا عبيد اللّه بن سعيدٍ، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي اللّه عنها، قالت: لمّا كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي عباد اللّه، أخراكم. فرجعت أولادهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد اللّه، أبي أبي. قال: قالت: فواللّه ما احتجزوا حتّى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر اللّه لكم. قال عروة: فواللّه ما زالت في حذيفة بقيّة خيرٍ حتّى لقي اللّه عزّ وجلّ.
وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن أبيه، عن جده أنّ الزّبير بن العوّام قال: واللّه لقد رأيتني أنظر إلى خدم [هند] وصواحباتها مشمّرات هوارب ما دون أخذهن كثيرٌ ولا قليلٌ ومالت الرّماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النّهب وخلّوا ظهورنا للخيل فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمّدًا قد قتل. فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللّواء، حتّى ما يدنو منه أحدٌ من القوم.
قال محمّد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا، حتّى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثيّة، فدفعته لقريشٍ فلاثوا به وقال السّدّي عن عبد خيرٍ قال: قال عبد اللّه بن مسعودٍ قال: ما كنت أرى أنّ أحدًا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يريد الدّنيا حتّى نزلت فينا ما نزل يوم أحدٍ {منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة}.
وقد روي من غير وجه عن ابن مسعودٍ، وكذا روي عن عبد الرّحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهنّ ابن مردويه في تفسيره.
وقوله: {ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم} قال ابن إسحاق: حدّثني القاسم بن عبد الرّحمن بن رافعٍ، أحد بني عديّ بن النّجّار قال: انتهى أنس بن النّضر، عمّ أنس بن مالكٍ، إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد اللّه، في رجالٍ من المهاجرين والأنصار، قد ألقوا بأيديهم فقال: ما يخلّيكم ؟ فقالوا: قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل.
وقال البخاريّ: حدّثنا حسّان بن حسّان، حدّثنا محمّد بن طلحة، حدّثنا حميد، عن أنس بن مالكٍ: أنّ عمّه -يعني أنس بن النّضر-غاب عن بدرٍ فقال: غبت عن أوّل قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لئن أشهدني اللّه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليرينّ اللّه ما أجدّ فلقي يوم أحدٍ، فهزم الناس، فقال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء -يعني المسلمين-وأبرأ إليك ممّا جاء به المشركون، فتقدّم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد؟ إنّي أجد ريح الجنّة دون أحدٍ. فمضى فقتل، فما عرف حتّى عرفته أخته ببنانه بشامةٍ وبه بضعٌ وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم.
هذا لفظ البخاريّ وأخرجه مسلمٌ من حديث ثابتٍ عن أنسٍ، بنحوه.
وقال البخاريّ [أيضًا] حدّثنا عبدان، أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال: جاء رجلٌ حجّ البيت، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريشٌ. قال: من الشّيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إنّي سائلك عن شيءٍ فحدّثني. قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أنّ عثمان بن عفّان فرّ يوم أحدٍ؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيّب عن بدرٍ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنّه تخلّف عن بيعة الرّضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فكبّر، فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبيّن لك عمّا سألتني عنه. أمّا فراره يوم أحدٍ فأشهد أنّ اللّه عفا عنه، وأمّا تغيّبه عن بدرٍ فإنّه كان تحته بنت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت مريضةً، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ لك أجر رجلٍ ممّن شهد بدرًا وسهمه". وأمّا تغيّبه عن بيعة الرّضوان فلو كان أحدٌ أعزّ ببطن مكّة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، فكانت بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكّة. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده، فقال: "هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك".
ثمّ رواه البخاريّ من وجهٍ آخر عن أبي عوانة عن عثمان بن عبد اللّه بن موهبٍ). [تفسير القرآن العظيم: 2/133-137]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:13 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة