العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:09 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (121) إلى الآية (122) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (121) إلى الآية (122) ]

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:13 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ( {تبوّئ} [آل عمران: 121] : تتّخذ معسكرًا). [صحيح البخاري: 6/33]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله تبوّئ تتّخذ معسكرًا هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال أي تتّخذ لهم مصافّ ومعسكرًا وقال غيره تبوّئ تنزل بوّأه أنزله وأصله من المباءة وهي المرجع والمقاعد جمع مقعدٍ وهو مكان القعود وقد تقدّم شيءٌ من ذلك في غزوة أحدٍ). [فتح الباري: 8/208]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (تبوّئ تتّخذ معسكرا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} (آل عمران: 121) وفسره بقوله: تتّخذ معسكرا. وفسره أبو عبيدة كذلك، والمقاعد جمع مقعد وهو موضوع القعد). [عمدة القاري: 18/136]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك} ({تبوّئ}) {المؤمنين} [آل عمران: 121] قال أبو عبيدة أي (تتخذ معسكرًا) بفتح الكاف وقال غيره أي تنزل فيتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر وقد يحذف كهذه الآية (المسوّم) بفتح الواو اسم مفعول وبكسرها اسم فاعل، ولأبي ذر والمسوم (الذي له سيماء) بالمد والصرف (بعلامة أو بصوفة أو بما كان) من العلامات، وفي نسخة قبل المسوم والخيل المسوّمة وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم). [إرشاد الساري: 7/49]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ عليمٌ}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين} وإن تصبروا وتتّقوا لا يضرّكم أيّها المؤمنون كيد هؤلاء الكفّار من اليهود شيئًا، ولكنّ اللّه ينصركم عليهم إن صبرتم على طاعتي، واتّباع أمر رسولي، كما نصرتكم ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ، وإن أنتم خالفتم أيّها المؤمنون أمري، ولم تصبروا على ما كلّفتكم من فرائضي، ولم تتّقوا ما نهيتكم عنه، وخالفتم أمري، وأمر رسولي، فإنّه نازلٌ بكم ما نزل بكم بأحدٍ، واذكروا ذلك اليوم إذ غدا نبيّكم يبوّئ المؤمنين؛ فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربّهم ولم يتّقوه اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه، إذ ذكر ما هو فاعلٌ بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم، إن صبروا على أمره، واتّقوا محارمه، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حلّ بهم من البلاء بأحدٍ، إذ خالف بعضهم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وتنازعوا الرّأي بينهم.
وأخرج الخطاب في قوله: {وإذ غدوت من أهلك} على وجه الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد بمعناه الّذين نهاهم أن يتّخذ الكفّار من اليهود بطانةً من دون المؤمنين، فقد بيّن إذًا أنّ قوله: وإذ إنّما خبرّها في معنى الكلام على ما قد بيّنت وأوضحت.
وقد اختلف أهل التّأويل في اليوم الّذي عنى اللّه عزّ وجلّ بقوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} فقال بعضهم: عنى بذلك يوم أحدٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} قال: مشى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذٍ على رجليه يبوّئ المؤمنين.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} ذلك يوم أحدٍ، غدا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أهله إلى أحدٍ يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} فغدا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أهله إلى أحدٍ يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} فهو يوم أحدٍ.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين} قال: هذا يوم أحدٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ممّا نزل في يوم أحدٍ: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين}
وقال آخرون: عنى بذلك يوم الأحزاب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سنانٍ القزّاز، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، قال: حدّثنا عبّادٌ، عن الحسن، في قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} قال: يعني محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم غدا يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب
وأولى هذين القولين بالصّواب قول من قال: عنى بذلك يوم أحدٍ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في الآية الّتي بعدها: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} ولا خلاف بين أهل التّأويل أنّه عنى بالطّائفتين بني سلمة وبني حارثة، ولا خلاف بين أهل السّير والمعرفة بمغازي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الّذي ذكر اللّه من أمرهما إنّما كان يوم أحدٍ دون يوم الأحزاب.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يكون ذلك يوم أحدٍ ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما راح إلى أحدٍ من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلّى الجمعة في أهله بالمدينة بالنّاس.
- كالّذي: حدّثكم ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهابٍ الزّهريّ، ومحمّد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ وغيرهم من علمائنا: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم راح حين صلّى الجمعة إلى أحدٍ، دخل فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصّلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجلٌ من الأنصار، فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ خرج عليهم وقال: ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل
قيل: إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان خروجه للقوم كان رواحًا فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوّه؛ وذلك أنّ المشركين نزلوا منزلهم من أحدٍ فيما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، حتّى راح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم يوم الجمعة بعد ما صلّى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشّعب من أحدٍ يوم السّبت للنّصف من شوّالٍ
- حدّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن مسلمٍ الزّهريّ، ومحمّد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرّحمن وغيرهم.
فإن قال: وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعد للقتال غدوا قبل خروجه، وقد علمت أنّ التّبوئة اتّخاذ الموضع؟
قيل: كانت تبوئته إيّاهم ذلك قبل مناهضته عدوّه عند مشورته على أصحابه بالرّأي الّذي رآه لهم بيومٍ أو يومين، وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا سمع بنزول المشركين من قريشٍ وأتباعها أحدًا.
- قال فيما: حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، لأصحابه: أشيروا عليّ ما أصنع؟ فقالوا: يا رسول اللّه اخرج بنا إلى هذه الأكلب، فقالت الأنصار: يا رسول اللّه ما غلبنا عدوٌّ لنا قط أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا؟ فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، ولم يدعه قطّ قبلها، فاستشاره فقال: يا رسول اللّه اخرج بنا إلى هذه الأكلب، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقّة، فأتاه النّعمان بن مالكٍ الأنصاريّ، فقال: يا رسول اللّه، لا تحرمني الجنّة، فوالّذي بعثك بالحقّ لأدخلنّ الجنّة فقال له: بم؟ قال: بأنّي أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّك رسول اللّه، وأنّي لا أفرّ من الزّحف، قال: صدقت فقتل يومئذٍ، ثمّ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا بدرعه فلبسها، فلمّا رأوه وقد لبس السّلاح، ندموا، وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا ينبغي لنبيٍّ أن يلبس لأمته فيضعها حتّى يقاتل.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني ابن شهابٍ الزّهريّ ومحمّد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ، وغيرهم من علمائنا قالوا: لمّا سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون بالمشركين قد نزلوا منزلهم من أحدٍ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّي قد رأيت بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا، ورأيت أنّي أدخلت يدي في درعٍ حصينةٍ، فأوّلتها المدينة فإن رأيتم إذ تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقامٍ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأي عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول مع رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، يرى رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك أن لا يخرج إليهم، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكره الخروج من المدينة، فقال رجالٌ من المسلمين ممّن أكرم اللّه بالشّهادة يوم أحدٍ وغيرهم ممّن كان فاته بدرٌ وحضروه: يا رسول اللّه، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا فقال عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول: يا رسول اللّه أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فواللّه ما خرجنا منها إلى عدوٍّ لنا قطّ إلاّ أصاب منّا، ولا دخلها علينا قطّ إلاّ أصبنا منه فدعهم يا رسول اللّه، فإن أقاموا أقاموا بشرّ محبسٍ، وإن دخلوا قاتلهم الرّجال في وجوههم، ورماهم النّساء والصّبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا، فلم يزل النّاس برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذين كان من أمرهم حبّ لقاء القوم حتّى دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلبس لأمته
فكانت تبوئة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المؤمنين المقاعد للقتال، ما ذكرنا من مشورته على أصحابه بالرّأي الّذي ذكرنا على ما وصفه الّذين حكينا قولهم؛ يقال منه: بوّأت القوم منزلاً وبوّأته لهم فأنا أبوّئهم المنزل تبوئةً، وأبوّئ لهم منزلاً تبوئةً
وقد ذكر أنّ في قراءة عبد اللّه بن مسعودٍ: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال وذلك جائزٌ، كما يقال: ردفك وردف لك، ونقدت لها صداقها ونقدتها، كما قال الشّاعر
أستغفر اللّه ذنبًا لست محصيه = ربّ العباد إليه الوجه والعمل
والكلام: أستغفر اللّه لذنبٍ.
وقد حكي عن العرب سماعًا: أبأت القوم منزلاً فأنا أبيئهم إباءةً، ويقال منه: أبأت الإبل: إذا رددتها إلى المباءة، والمباءة: المراح الّذي تبيت فيه، والمقاعد جمع مقعدٍ وهو المجلس.
فتأويل الكلام: واذكر إذ غدوت يا محمّد من أهلك تتّخذ للمؤمنين معسكرًا وموضعًا لقتال عدوّهم.
وقوله: {واللّه سميعٌ عليمٌ} يعني بذلك تعالى ذكره: واللّه سميعٌ لما يقول المؤمنون لك، فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك ولقائهم عدوّك وعدوّهم من قول من قال: اخرج بنا إليهم حتّى نلقاهم خارج المدينة، وقول من قال لك: لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتّى يدخلوها علينا، على ما قد بيّنّا قبل، وبمّا تشير به عليهم أنت يا محمّد، عليمٌ بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبما تخفيه صدور المشيرين عليك بالخروج إلى عدوّك، وصدور المشيرين عليك بالمقام في المدينة وغير ذلك من أمرك وأمورهم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: {واللّه سميعٌ عليمٌ} أي سميعٌ لما يقولون، عليمٌ بما يخفون). [جامع البيان: 6/5-12]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ عليمٌ (121)
قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مشى يومئذٍ على رجليه يبوّئ المؤمنين.
قوله تعالى: تبوّئ المؤمنين
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، ثنا ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: تبوّئ المؤمنين قال: توطن.
قوله تعالى: مقاعد للقتال
[الوجه الأول]
- أخبرنا محمّد بن سعيدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين، عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاسٍ قوله: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال وهو يوم أحدٍ. وروي عن قتادة والرّبيع والسّدّيّ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عباد ابن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين قال: يعني محمّداً صلّى اللّه عليه وسلّم يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب.
قوله تعالى: واللّه سميعٌ عليمٌ
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق: يقول اللّه تعالى لنبيّه: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ عليمٌ أي سميعٌ لما يقولون.
قوله تعالى: عليمٌ
- وبه عن ابن إسحاق قال: قوله: عليمٌ أي عليمٌ بما يخفون). [تفسير القرآن العظيم: 2/748]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 121
أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن يحيى بن حبان والحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ قالوا: كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحق به الكافرين ممن كان يظهر الإسلام بلسانه وهو مستخف بالكفر ويوم أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران فيها صفة ما كان في يومه ذلك ومعاتبة من عاتب منهم، يقول الله لنبيه {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم}
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: قاتل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر في رمضان سنة اثنتين ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث ثم قاتل يوم الخندق وهو يوم الأحزاب وبني قريظة في شوال سنة أربع.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الدلائل عن عروة قال: كانت وقعة أحد في شوال على رأس سنة من وقعة بدر ولفظ عبد الرزاق: على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب.
وأخرج البيهقي عن قتادة قال: كانت وقعة أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة مضت من شوال وكان أصحابه يومئذ سبعمائة والمشركون ألفين أو ما شاء الله من ذلك.
وأخرج أبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف يا خال أخبرني عن قصتكم يوم أحد قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} إلى قوله (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين إلى قوله (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه) قال: هو تمني المؤمنين لقاء العدو إلى قوله (أفإن مات أو قتل انقلبتم) قال: هو صياح الشيطان يوم أحد: قتل محمد إلى قوله (أمنة نعاسا) قال: ألقي عليهم النوم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس وإذ {غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} قال: يوم أحد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {تبوئ المؤمنين} قال: توطى ء.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {تبوئ المؤمنين} قال: توطن المؤمنين لتسكن قلوبهم قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى الشاعر: وما بوأ الرحمن بيتك منزلا * بأجياد غربي الفنا والمحرم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال}
قال: مشى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوى ء المؤمنين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وإذ غدوت من أهلك} قال: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يبوى ء المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب.
وأخرج ابن إسحاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن شهاب ومحمد ابن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم، كل حدث بعض الحديث عن يوم أحد قالوا: لما أصيبت قريش أو من ناله منهم يوم بدر من كفار قريش ورجع قلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان ابن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينوننا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب ففعلوا فأجمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت بجدتها وجديدها وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ولئلا يقروا، وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأنهم قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت بقرا تنحر ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم
حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، ونزلت قريش منزلها أحدا يوم الأربعاء فأقاموا ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث وكان رأي عبد الله بن أبي مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك، أن لا يخرج إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته يوم بدر وحضروه: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله أقم بالمدينة فلا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر وإن دخلوا قاتلهم النساء والصبيان والرجال بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا، فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته - وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة - ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد تحول عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب ذباب سيفه فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان يحب الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف شم سيفك فإني أرى السوف ستستل اليوم، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير والرماة خمسون رجلا فقال: انضح عنا الجبل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فأنت مكانك لنؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين.
وأخرج ابن جرير عن السدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد: أشيروا
علي ما أصنع فقالوا: يا رسول الله أخرج إلى هذه الأكلب فقالت الأنصار: يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول - ولم يدعه قط قبلها - فاستشاره فقال: يا رسول الله أخرج بنا إلى هذه الأكلب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الأزقة فأتى النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة قال له: بم قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأني لا أفر من الزحف قال: صدقت، فقتل يومئذ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها فلما رأوه وقد لبس السلاح ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال: رأيت القتال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن يصبروا، فرجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فأعيوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا وقال {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} وهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي فعصمهم الله وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين} قال: ذاك يوم أحد غدا نبي الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد {تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} وأحد بناحية المدينة). [الدر المنثور: 3/741-748]

تفسير قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله يقول إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا قال نحن هم بنو سلمة وبنو حارثة وما نحب أن لو لم تكن لقول الله تعالى والله وليهما). [تفسير عبد الرزاق: 1/131]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري وعن عثمان الجزري عن مقسم أن
[تفسير عبد الرزاق: 1/131]
النبي دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرا فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار). [تفسير عبد الرزاق: 1/132]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرني ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة عن يعقوب بن عاصم قال الذي دمى وجه رسول الله يوم أحد رجل من هذيل يقال له عبد الله بن القمئة فكان حتفه أن سلط الله تعالى عليه تيسا فنطحه حتى قتله). [تفسير عبد الرزاق: 1/132]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليّهما وعلى الله فليتوكّل المؤمنون} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمرٍو، سمع جابر بن عبد اللّه يقول: فينا نزلت، في بني سلمة، وبني حارثة : {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليّهما}، وما يسرّني أنّها لم تنزل). [سنن سعيد بن منصور: 3/1088]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} [آل عمران: 122]
- حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا سفيان، قال: قال عمرٌو: سمعت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، يقول: " فينا نزلت: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا، واللّه وليّهما} [آل عمران: 122] قال: نحن الطّائفتان بنو حارثة، وبنو سلمة وما نحبّ - وقال سفيان مرّةً - وما يسرّني أنّها لم تنزل لقول اللّه: {واللّه وليّهما} [آل عمران: 122] "). [صحيح البخاري: 6/38]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا)
ذكر فيه حديث جابرٍ وقد تقدّم مشروحًا في غزوة أحد وقوله والله وليهما ذكر الفراء أن في قراءة بن مسعودٍ واللّه وليّهم قال وهو كقوله وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا). [فتح الباري: 8/225]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (8 - (بابٌ: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} (آل عمران: 122)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} قوله: (إذ همت) بدل من قوله: إذ غدوت. والعامل فيه. قوله: (والله سميع عليم) والطائفتان حيّان من الأنصار بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما الجناحان، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد في ألف، وقيل: في تسعمائة وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف ووعدهم الفتح إن صبروا فانخذل عبد الله بن أبي بثلث النّاس، وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاريّ. فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم. فقال عبد الله: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم، فهمّ الحيّان باتّباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (أن تفشلا) ، كلمة أن مصدريّة، والفشل الجبن والخور.

- حدّثنا عليّ بن عبد الله حدّثنا سفيان قال: قال عمرٌ وسمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول فينا نزلت {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليّهما} : قال نحن الطّائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب: وقال سفيانّ مرّةً وما يسرّني أنّها لم تنزل لقول الله والله وليّهما.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو المعروف بابن المدينيّ، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. والحديث مضى بعينه متنا وإسنادا في المغازي في: باب: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} مضى الكلام فيه هناك. قوله: (والله وليهما) ، قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. والله وليهم). [عمدة القاري: 18/149]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (8 - باب {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا}
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط كلفظ باب قبله لغير أبي ذر في قوله تعالى: ({إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا}) [آل عمران: 22] عامل الظرف اذكر أو هو بدل من إذ غدوت فالعامل فيه العامل في المبدل منه أو الناصب له عليم، والهم: العزم أو هو دونه وذلك أن أول ما يمر بقلب الإنسان يسمى خاطرًا فإذا قوي سمي حديث نفس فإذا قوي سمي همًّا فإذا قوي سمي عزمًا ثم بعده، إما قول أو فعل.
- حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا سفيان قال: قال عمرٌو: سمعت جابر بن عبد اللّه -رضي الله عنهما- يقول: فينا نزلت: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما} قال: نحن الطّائفتان بنو حارثة، وبنو سلمة، وما نحبّ وقال سفيان مرّةً: وما يسرّني أنّها لم تنزل لقول اللّه: {واللّه وليّهما}.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عمرو) هو ابن دينار (سمعت جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- يقول: فينا نزلت: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} أي تجبنا وتتخلفا عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وتذهبا مع عبد الله بن أبي وكان ذلك في غزوة أحد ({والله وليهما}) أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة التي ليست عزيمة بل حديث نفس وكيف تكون عزيمة والله تعالى يقول: {والله وليهما} والله تعالى لا يكون ولي من عزم على خذلان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ومتابعة عدوّه عبد الله بن أبيّ، ويجوز أن تكون عزيمة كما قال ابن عباس ويكون قوله: {والله وليهما} جملة حالية مقررة للتوبيخ والاستبعاد أي لم وجد منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة والحال أن الله سبحانه وتعالى بجلاله وعظمته هو الناصر لهما فما لهما يفشلان.
(قال): أي جابر (نحن الطائفتان بنو حارثة) وهم من الأوس (وبنو سلمة) بكسر اللام وهم من الخزرج (وما نحب. وقال سفيان) بن عيينة في روايته: (مرة وما يسرني) بدل وما نحب (أنها) أي الآية (لم تنزل لقول الله) تعالى ({والله وليهما}) ومفهومه أن نزولها سره لما حصل لهم من الشرف وتثبيت الولاية ودلّ ذلك على أنه سرتهم تلك الهمة العارية عن العزم، نعم كلام ابن عباس السابق مبني على التوبيخ وينصره قوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فإنه يأبى إلا أن يكون تعريضًا وتغليطًا في هذا المقام وكذا قوله تعالى: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] مشتمل على تشديد عظيم يعني: فاتقوا الله في الثبات معه ولا تضعفوا فإن نعمته وهي نعمة الإسلام لا يقابل شكرها إلا ببذل المهج وبفداء الأنفس فاثبتوا معه لعلكم تدركون شكر هذه النعمة، وكل هذه التشديدات لا ترد على حديث النفس، وأما قول جابر نحن بنو سلمة وبنو حارثة وامتيازه إياهما عن الغير فلا يستقيم إلا على العزيمة وقوله: وما يسرني أنها لم تنزل إنما
يحسن إذا حملته على العزيمة ليفيد المبالغة فهو على أسلوب قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] قاله في فتوح الغيب.
وهذا الحديث سبق في المغازي). [إرشاد الساري: 7/62-63]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (8 ـ باب {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا}
قوله: (أن تفشلا) أي: تتخلفا عن الرسول صلى الله عليه وسلّم، وتذهبا مع عبداللهبن أبيّ، وكان ذلك في غزوة أحد. قوله: (وقال سفيان مرة وما يسرني الخ) أي: بدل وما نحب ومفهومه أن نزولها سره لما حصل لهم من الشرف وتثبيت الولاية). [حاشية السندي على البخاري: 3/44]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: واللّه سميعٌ عليمٌ حين همّت طائفتان منكم أن تفشلا، والطّائفتان اللّتان همّتا بالفشل ذكر لنا أنّهم بنو سلمة وبنو حارثة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} قال: بنو حارثة كانوا نحو أحدٍ، وبنو سلمة نحو سلعٍ، وذلك يوم الخندق.
قال أبو جعفرٍ: وقد دلّلنا على أنّ ذلك كان يوم أحدٍ فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} الآية، وذلك يوم أحدٍ، والطّائفتان: بنو سلمة، وبنو حارثة، حيّان من الأنصار همّوا بأمرٍ، فعصمهم اللّه من ذلك قال قتادة: وقد ذكر لنا أنّه لمّا أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرّنا أنّا لم نهمّ بالّذي هممنا به، وقد أخبرنا اللّه أنّه وليّنا.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {إذ همّت طائفتان منكم} الآية وذلك يوم أحدٍ، فالطّائفتان: بنو سلمة، وبنو حارثة، حيّان من الأنصار فذكر مثل قول قتادة.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال: خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أحدٍ في ألف رجلٍ، وقد وعدهم الفتح إن صبروا؛ فلمّا خرج رجع عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول في ثلاثمائةٍ، فتبعهم أبو جابرٍ السّلميّ يدعوهم، فلمّا غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالاً، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا، وقال: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} وهم بنو سلمة، وبنو حارثة، همّوا بالرّجوع حين رجع عبد اللّه بن أبيٍّ فعصمهم اللّه، وبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سبعمائةٍ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال عكرمة: نزلت في بني سلمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} فهو بنو حارثة وبنو سلمة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} والطّائفتان: بنو سلمة من جشم بن الخزرج، وبنو حارثة بن النّبيت من الأوس، وهما الجناحان.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} الآية، قال: هما طائفتان من الأنصار همّا أن يفشلا، فعصمهم اللّه، وهزم عدوّهما.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعت جابر بن عبد اللّه، يقول: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} قال نحن هم بنو سلمة، وبنو حارثة وما نحبّ أن لو لم تكن همّمنا لقول اللّه عزّ وجلّ: {واللّه وليّهما}.
- حدّثني أحمد بن حازمٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرٍو، قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول، فذكر نحوه.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا} قال: هذا يوم أحدٍ.
وأمّا قوله {أن تفشلا} فإنّه يعني: همّا أن يضعفا وتجبنا عن لقاء عدوّهما، يقال منه: فشل فلانٌ عن لقاء عدوّه يفشل فشلا.
- كما: حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: الفشل: الجبن
وكان همّهما الّذي همّا به من الفشل الانصراف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول بمن معه، جبنًا منهم من غير شكٍّ منهم في الإسلام ولا نفاقٍ؛ فعصمهم اللّه ممّا همّوا به من ذلك، ومضوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لوجهه الّذي مضى له، وتركوا عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى اللّه عزّ وجلّ عليهما بثبوتهما على الحقّ، وأخبر أنّه وليّهما وناصرهما على أعدائهما من الكفّار.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {واللّه وليّهما} أي المدّافع عنهما ما هما به من فشلهما.
وذلك أنّه إنّما كان ذلك منهما عن ضعفٍ ووهنٍ أصابهما من غير شكٍّ أصابهما في دينهما فتولّى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته، حتّى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبيّهما صلّى اللّه عليه وسلّم.
يقول: {وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون} أي من كان به ضعفٌ من المؤمنين أو وهنٌ فليتوكّل عليّ وليستعن بي أعنه على أمره، وأدفع عنه، حتّى أبلغ به وأقوّيه على نيّته
وذكر أنّ ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه كان يقرأ: واللّه وليّهم وإنّما جاز أن يقرأ ذلك كذلك؛ لأنّ الطّائفتين وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنّهما في معنى جماعٍ بمنزلة الخصمين والحزبين). [جامع البيان: 6/12-16]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون (122)
قوله تعالى: إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا
- الحسن الحسن بن أبي الرّبيع أنبأ عبد الرّزّاق أنبأ سفيان يعني ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما قال نحن هم: بنو حارثة وبنو - وروي عن ابن عبّاسٍ ومجاهدٍ والشّعبيّ والرّبيع بن أنسٍ وقتادة وسعيد بن أبي هلالٍ نحو ذلك.
- حدّثنا الفضل بن شاذان، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد اللّه بن جعفرٍ المخرّميّ، عن أبي عونٍ، عن المسور بن مخرمة قال: قال لعبد الرّحمن بن عوفٍ:
يا خالي أخبرني عن قصّتكم يوم أحدٍ فقال: اقرأ بعد العشرين ومائةٍ من آل عمران تجد قصّتنا وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين إلى قوله: إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا قال: هم الّذين طلبوا الأمان من المشركين.
قوله تعالى: أن تفشلا
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا قال: هما طائفتان من الأنصار همّتا أن تفشلا فعصمهما اللّه، فهزم اللّه عدوّهم.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق قوله: أن تفشلا قال: أي أن يتخاذلا.
قوله تعالى: واللّه وليّهما
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول في قول اللّه: واللّه وليّهما قال: نحن هم بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحبّ لو لم يكن لقول اللّه: واللّه وليّهما.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق بقول اللّه: واللّه وليّهما أي الدّافع عنهما ما همّتا به من فشلهما.
قوله تعالى: وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون
- وبه قال: قال محمّد بن إسحاق: يقول اللّه تعالى: وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون أي من كان به ضعفٌ من المؤمنين أو وهنٌ، فليتوكّل عليّ أعنه على أمره وأدفع عنه، حتّى أبلغ به وأقوّيه على نيّته). [تفسير القرآن العظيم: 2/749-750]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا قال هم بنو حارثة وبنو سلمة يوم أحد). [تفسير مجاهد: 134]

قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : (باب
- (خ م) جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: فينا نزلت {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما} [آل عمران: 122] قال: نحن الطّائفتان: بنو حارثة، وبنو سلمة، وما يسرّني أنها لم تنزل، لقول الله {واللّه وليّهما} أخرجه البخاري ومسلم.
[شرح الغريب]
(تفشلا) الفشل: الفزع والجبن والضعف). [جامع الأصول: 2/70]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 122.
أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله قال: فينا نزلت في بني حارثة وبني سلمة {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله {والله وليهما}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {إذ همت طائفتان} قال: بنو حارثة كانوا نحو أحد وبنو سلمة نحو سلع.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة {إذ همت طائفتان} قال: ذلك يوم أحد والطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الأنصار هموا بأمر فعصمهم الله من ذلك وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية
قالوا: ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله أنه ولينا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {إذ همت طائفتان} قال: هم بنو حارثة وبنو سلمة.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت في بني سلمة من الخزرج وبني حارثة من الأوس {إذ همت طائفتان} الآية.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال ابن عباس: الفشل الجبن والله أعلم). [الدر المنثور: 3/748-749]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 09:58 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال...}
وفي قراءة عبد الله "تبوّي للمؤمنين مقاعد للقتال" والعرب تفعل ذلك، فيقولون: ردفك وردف لك.
قال الفرّاء قال الكسائيّ: سمعت بعض العرب يقول: نقدت لها مائة، يريدون نقدتها مائة، لامرأة تزوّجها. وأنشدني الكسائيّ:

أستغفر الله ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل
والكلام باللام؛ كما قال الله تبارك وتعالى: {واستغفري لذنبك} و{فاستغفروا لذنوبهم} وأنشدني:
أستغفر الله من جدّي ومن لعبي * وزري وكلّ امرئٍ لا بدّ متّزر
يريد لوزري. ووزري حين ألقيت اللام في موضع نصب، وأنشدني الكسائيّ:
إن أجز علقمة بن سعدٍ سعيه * لا تلقني أجزي بسعي واحد
لأحبني حبّ الصبي وضمّني * ضمّ الهدي إلى الكريم الماجد
وإنما قال (لأحبني): لأنه جعل جواب إن إذ كانت جزاء كجواب لو). [معاني القرآن: 1/233]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال}: متّخذاً لهم مصافاً معسكراً). [مجاز القرآن: 1/103]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ عليمٌ}
قال تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين} لأنها من "بوّأت" و"إذ" ههنا إنّما خبرها في المعنى كما فسرت لك). [معاني القرآن: 1/181]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} من قولك: بوّأتك منزلا، إذا أفدتك إياه وأسكنتكه.
و{مقاعد القتال}: المعسكر والمصافّ). [تفسير غريب القرآن: 109]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميع عليم}
روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في منامه كان عليه درعا حصينة، فأولها المدينة، فأمر - صلى الله عليه وسلم - المسلمين - حين أقبل إليهم المشركون بالإقامة بها إلى أن يوافيهم المشركون فتكون الحرب بها فذلك تبوئة المقاعد للقتال.
قال بعضهم معناه: مواطن للقتال، والمعنى واحد.
والعامل في " إذ " معنى اذكر - المعنى اذكر إذ غدوت.
والعامل في {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون}). [معاني القرآن: 1/465]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال}
{
تبوئ}: تلزم وباء بكذا إذا لزمه
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أنه في درع حصينة فأول ذلك المدينة فأمر أصحابه أن يقيموا بها إلى أن يوافي المشركون فيقاتلهم). [معاني القرآن: 1/467]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} أي: تجعل لهم مواضع في القتال وذلك بيوم أحد). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 51]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {واللّه وليّهما...}
وفي قراءة عبد الله "والله وليّهم" رجع بهما إلى الجمع؛ كما قال الله عز وجل: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} وكما قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}). [معاني القرآن: 1/233]
قَالَ عبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({أن تفشلا} أي: تجبنا). [تفسير غريب القرآن: 109]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ({إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون}
{تبوّئ}المعنى: كانت التبوئة في ذلك الوقت.
ومعنى {تفشلا}: تجبنا وتخورا.
{واللّه وليّهما} أي: همت بذلك واللّه ناصرهما). [معاني القرآن: 1/465]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما}
قال جابر بن عبد الله: نحن هم بني سلمة وبني حارثة من الأوس وما يسرنا أنها لم تكن نزلت لقوله تعالى: {والله وليهما}
والفشل في اللغة: الجبن والولي الناصر.
بنو سلمة: من الخزرج، وبنو حارثة: من الأوس). [معاني القرآن: 1/468-469]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({أَن تَفْشَلاَ} أي: تجبنا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 51]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 09:03 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)}
[لا يوجد]


تفسير قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}

[لا يوجد]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:32 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:32 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:32 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:32 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ عليمٌ (121) إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون (122)
ذهب الطبري رحمه الله إلى أن هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من الآيات والظاهر أنها استقبال أمر آخر، لأن تلك مقاولة في شأن منافقي اليهود، وهذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره واذكر، وقال الحسن: هذا الغدو المذكور في هذه الآية «لتبويء المؤمنين» الذي كان في غزوة الأحزاب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وخالفه الناس، والجمهور على أن ذلك كان في غزوة أحد، وفيها نزلت هذه الآيات كلها، وكان من أمر غزوة أحد أن المشركين اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجل، وقصدوا المدينة ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر، فنزلوا عند أحد يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدبر وينتظر أمر الله تعالى، فلما كان في صبيحة يوم الجمعة جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس واستشارهم وأخبرهم أنه كان يرى بقرة تذبح وثلما في ذباب سيفه، وأنه يدخل يده في درع حصينة، وأنه تأولها المدينة، وقال لهم، أرى أن لا نخرج إلى هؤلاء الكفار، فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول: أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن انصرفوا مضوا خائبين، وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فو الله ما حاربنا قط عدوا في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا، فوافق هذا الرأي رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي جماعة عظيمة من المهاجرين والأنصار، وقال قوم من صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر: يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس صلاة الجمعة وقد جشمه هؤلاء الداعون إلى الحرب، فدخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه، فندم أولئك القوم وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في سلاحه، قالوا: يا رسول الله أقم إن شئت، فإنّا لا نريد أن نكرهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل ثم خرج بالناس، وسار حتى قرب من عسكر المشركين هناك وبات تلك الليلة، وقد غضب عبد الله بن أبي ابن سلول وقال: أطاعهم وعصاني، فلما كان في صبيحة يوم السبت، اعتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إلى مناجزة المشركين، فنهض وهو في ألف رجل، فانعزل عنه عند ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول بثلاثمائة رجل من الناس، من منافق ومتبع، وقالوا: نظن أنكم لا تلقون قتالا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبعمائة، فهمت عند ذلك بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج بالانصراف، ورأوا كثافة المشركين وقلة المسلمين، وكادوا أن يجبنوا ويفشلوا فعصمهم الله تعالى، وذم بعضهم بعضا، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين، فتصافّ الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر على الرماة عبد الله بن جبير، وكانوا خمسين رجلا، وجعلهم يحمون الجبل وراء المسلمين، وأسند هو إلى الجبل، فلما أضرمت الحرب انكشف المشركون وانهزموا، وجعل نساء المشركين تبدو خلاخلهن وهن يسندن في صفح جبل، فلما رأى الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمة أيها المسلمون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لهم: لا تبرحوا من هنا ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، فقال لهم عبد الله بن جبير وقوم منهم: اتقوا الله واثبتوا كما أمركم نبيكم، فعصوا وخالفوا وزالوا متبعين، وكان خالد بن الوليد قد تجرد في جريدة خيل وجاء من خلف المسلمين حيث كان الرماة، فحمل على الناس ووقع التخاذل وصيح في المسلمين من مقدمتهم ومن ساقتهم، وصرخ صارخ: قتل محمد، فتخاذل الناس واستشهد من المسلمين نيف على سبعين، قال مكي: قال مالك رحمه الله: قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة، ومن الأنصار سبعون وتحيز رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى الجبل وتجاوز الناس، هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآية، وأمر «أحد» بطوله وما تخلله من الأفعال والأقوال، مستوعب في كتب السير، وليس هذا التعليق مما يقتضي ذكره وحكى مكي عن السدي ما يظهر منه أن القتال كان يوم الجمعة، وحكى عنه الطبري، أن نزول أبي سفيان بأحد كان في الثالث من شوال، وذلك كله ضعيف، وقال النقاش: وقعة «أحد» في الحادي عشر من شوال، وذلك خطأ، قال الطبري وغيره: فغدو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة إلى التدبير مع الناس واستشارتهم هو الذي عبر عنه بقوله تعالى: تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال.
قال القاضي: ولا سيما أن غدو النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ورأيه أن لا يخرج الناس، فكان لا يشك في نفسه أن يقسم أقطار المدينة على قبائل الأنصار، وقال غير الطبري: بل نهوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة، هو غدوه، وبوأ المؤمنين في وقت حضور القتال، وقيل ذلك في ليلته، وسماه «غدوا» إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت الغدو.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولا سيما أن صلاة الجمعة ربما كانت قبل الزوال، حسبما وردت بذلك أحاديث، فيجيء لفظ الغدو متمكنا، وقيل إن «الغدو» المذكور هو «غدوة» يوم السبت إلى القتال، ومن حيث لم يكن في تلك الليلة موافقا للغدو فهو كأنه كان في أهله وبوأ المسلمين بأمره الرماة وبغير ذلك من تدبيره مصاف الناس وتبوّئ معناه: تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون تقول: تبوأت مكان كذا، إذا حللته حلولا متمكنا تثبت فيه، ومنه قوله تعالى: نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء [الزمر: 74] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل مرفل]
كم صاحب لي صالح = بوّأته بيديّ لحدا
ومنه قول الأعشى: [الطويل]
وما بوّأ الرّحمن بيتك منزلا = بشرقيّ أجياد الصّفا والمحرم
وقوله تعالى: مقاعد جمع مقعد وهو مكان القعود، وهذا بمنزلة قولك مواقف، ولكن لفظة القعود أدل على الثبوت، ولا سيما أن الرماة إنما كانوا قعودا، وكذلك كانت صفوف المسلمين أولا، والمبارزة والسرعان يجولون، وقوله: واللّه سميعٌ أي ما تقول ويقال لك وقت المشاورة وغيره). [المحرر الوجيز: 2/338-341]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وإذ الثانية بدل من الأولى، وهمّت معناه أرادت ولم تفعل، والفشل في هذا الموضع هو الجبن الذي كاد يلحق بني سلمة وبني حارثة و «الفشل» في البدن هو الإعياء والتبليح، و «الفشل» في الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم، وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل، لقوله تعالى: واللّه وليّهما، وقوله: وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عبد الله بن مسعود، «تبوئ للمؤمنين» بلام الجر، وقرأ «والله وليهم» على معنى الطائفتين لا على اللفظ). [المحرر الوجيز: 2/341]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:32 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:32 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ شرع تعالى في ذكر قصّة أحدٍ، وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتّمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان صبر الصّابرين، فقال تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال واللّه سميعٌ عليمٌ (121) إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون (122) ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون (123)}
المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عبّاسٍ، والحسن، وقتادة، والسّدّي، وغير واحدٍ. وعن الحسن البصريّ: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جريرٍ، وهو غريبٌ لا يعوّل عليه.
وكانت وقعة أحدٍ يوم السّبت من شوّالٍ سنة ثلاثٍ من الهجرة. قال [قتادة] لإحدى عشرة ليلةً خلت من شوّال. وقال عكرمة: يوم السّبت للنّصف من شوّالٍ، فاللّه أعلم.
وكان سببها أنّ المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر، وسلمت العير بما فيها من التّجارة الّتي كانت مع أبي سفيان، فلمّا رجع قفلهم إلى مكّة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال لقتال محمّدٍ، فأنفقوها في ذلك، وجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في قريبٍ من ثلاثة آلافٍ، حتّى نزلوا قريبًا من أحدٍ تلقاء المدينة، فصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الجمعة، فلمّا فرغ منها صلى على رجلٍ من بني النّجّار، يقال له: مالك بن عمرو، واستشار النّاس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد اللّه بن أبيّ بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشرّ محبس وإن دخلوها قاتلهم الرّجال في وجوههم، ورماهم النّساء والصّبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وأشار آخرون من الصّحابة ممّن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلبس لأمته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلّنا استكرهنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول اللّه، إن شئت أن نمكث؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم الله له".
فسار، عليه السّلام في ألفٍ من أصحابه، فلمّا كان بالشّوط رجع عبد اللّه بن أبيٍّ في ثلث الجيش مغضبا؛ لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتّبعناكم، ولكّنّا لا نراكم تقاتلون اليوم.
واستمرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سائرًا حتّى نزل الشّعب من أحد في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحدٍ وقال: "لا يقاتلنّ أحدٌ حتّى نأمره بالقتال".
وتهيّأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للقتال وهو في سبعمائةٍ من أصحابه، وأمّر على الرّماة عبد اللّه بن جبير أخا بني عمرو بن عوفٍ، والرّماة يومئذٍ خمسون رجلًا فقال لهم: "انضحوا الخيل عنّا، ولا نؤتينّ من قبلكم. والزموا مكانكم إن كانت النّوبة لنا أوعلينا، وإن رأيتمونا تخطّفنا الطّير فلا تبرحوا مكانكم".
وظاهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين درعين، وأعطى اللّواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدّار. وأجاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعض الغلمان يومئذٍ وأرجأ آخرين، حتّى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريبٍ من سنتين.
وتعبّأت قريشٌ وهم ثلاثة آلافٍ، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد: وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا إلى بني عبد الدّار اللّواء. ثمّ كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء اللّه تعالى.
ولهذا قال تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} أي: بيّن لهم منازلهم ونجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم {واللّه سميعٌ عليمٌ} أي: سميعٌ لما تقولون، عليمٌ بضمائركم.
وقد أورد ابن جريرٍ هاهنا سؤالًا حاصله: كيف يقولون: إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سار إلى أحدٍ يوم الجمعة بعد الصّلاة، وقد قال اللّه [تعالى] {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال}؟ ثمّ كان جوابه عنه: أنّ غدوّه ليبوّئهم مقاعد، إنّما كان يوم السّبت أوّل النّهار). [تفسير القرآن العظيم: 2/109-110]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا [واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون]} قال البخاريّ: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه، حدّثنا سفيان قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: فينا نزلت: {إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا [واللّه وليّهما وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون]} قال: نحن الطّائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب -وقال سفيان مرّةً: وما يسرني-أنّها لم تنزل، لقول اللّه تعالى: {واللّه وليّهما}.
وكذا رواه مسلمٌ من حديث سفيان بن عيينة به. وكذا قال غير واحدٍ من السّلف: إنّهم بنو حارثة وبنو سلمة). [تفسير القرآن العظيم: 2/110-111]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:58 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة