العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأعراف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 10:54 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأعراف [ من الآية (142) إلى الآية (143) ]

{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 11:37 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)}
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني ابن لهيعة أنه سمع الحارث [ ....... ] يقول في قول الله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرٍ}، قال: ثلاثين [ .. ] وعشر من ذي الحجة). [الجامع في علوم القرآن: 2/ 148]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن ليث عن مجاهد في قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} قال ذو القعدة {وأتممناها بعشر} قال بعشر ذي الحجة). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 236]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً}.
يقول تعالى ذكره: وواعدنا موسى لمناجاتنا ثلاثين ليلةً وقيل: إنّها ثلاثون ليلةً من ذي القعدة. {وأتممناها بعشرٍ} يقول: وأتممنا الثّلاثين اللّيلة بعشر ليالٍ تتمّة أربعين ليلةً. وقيل: إنّ العشر الّتي أتمّها به أربعين، عشر ذي الحجّة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ} قال: ذو القعدة وعشر ذي الحجّة.
- قال: حدّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ} قال: ذو القعدة وعشر ذي الحجّة، ففي ذلك اختلفوا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً} هو ذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجّة، فذلك قوله: {فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً}.
- حدّثني محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرميّ أنّ الثّلاثين الّتي، كان واعد موسى ربّه كانت ذا القعدة والعشر من ذي الحجّة الّتي تمّم اللّه بها الأربعين.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً} قال: ذو القعدة. {وأتممناها بعشرٍ} قال: عشر ذي الحجّة.
- قال ابن جريجٍ: قال ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ، قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ} قال: ذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجّة.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروقٍ: {وأتممناها بعشرٍ} قال: عشر الأضحى.
وأمّا قوله: {فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً} فإنّه يعني: فكمّل الوقت الّذي واعد اللّه موسى أربعين ليلةً وبلغها.
- كما حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {فتمّ ميقات ربّه} قال: فبلغ ميقات ربّه أربعين ليلةً.
القول في تأويل قوله تعالى: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين}.
يقول تعالى ذكره: لمّا مضى لموعد ربّه، قال لأخيه هارون: {اخلفني في قومي} يقول: كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع، يقال منه: خلفه يخلفه خلافةً. {وأصلح} يقول: وأصلحهم بحملك إيّاهم على طاعة اللّه وعبادته.
- كما حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال موسى لأخيه هارون: {اخلفني في قومي وأصلح} وكان من إصلاحه أن لا يدع العجل يعبد.
وقوله: {ولا تتّبع سبيل المفسدين} يقول: ولا تسلك طريق الّذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم ربّهم، ومعونتهم أهل المعاصي على عصيانهم ربّهم، ولكن اسلك سبيل المطيعين ربّهم.
وكانت مواعدة اللّه موسى عليه السّلام بعد أن أهلك فرعون ونجّى منه بني إسرائيل فيما قال أهل العلم.
- كما حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني الحجّاج، عن ابن جريجٍ، قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً}. الآية، قال: يقول: إنّ ذلك بعد ما فرغ من فرعون، وقبل الطّور لمّا نجّى اللّه موسى عليه السّلام من البحر وغرق آل فرعون وخلص إلى الأرض الطّيّبة، أنزل اللّه عليهم فيها المنّ والسّلوى وأمره ربّه أن يلقاه، فلمّا أراد لقاء ربّه استخلف هارون على قومه، وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلةً ميعادًا من قبله من غير أمر ربّه ولا ميعاده فتوجّه ليلقى ربّه، فلمّا تمّت ثلاثون ليلةً، قال عدوّ اللّه السّامريّ: ليس يأتيكم موسى، وما يصلحكم إلاّ إلهٌ تعبدونه، فناشدهم هارون وقال: لا تفعلوا انظروا ليلتكم هذه ويومكم هذا، فإن جاء وإلاّ فعلتم ما بدا لكم، فقالوا: نعم. فلمّا أصبحوا من غدٍ ولم يروا موسى عاد السّامريّ لمثل قوله بالأمس، قال: وأحدث اللّه الأجل بعد الأجل الّذي جعله بينهم عشرًا، فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً، فعاد هارون فناشدهم، إلاّ ما نظروا يومهم ذلك أيضًا، فإن جاء وإلاّ فعلتم ما بدا لكم. ثمّ عاد السّامريّ الثّالثة لمثل قوله لهم، وعاد هارون فناشدهم أن ينتظروا. فلمّا لم يروه.
- قال القاسم: قال الحسين: حدّثني حجّاجٌ، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد اللّه الهذليّ، قال: قام السّامريّ إلى هارون حين انطلق موسى، فقال: يا نبيّ اللّه إنّا استعرنا يوم خرجنا من القبط حليًّا كثيرًا من زينتهم، وإنّ الّذين معك قد أسرعوا في الحليّ يبيعونه وينفقونه، وإنّما كان عاريةً من آل فرعون فليسوا بأحياء فنردّها عليهم، ولا ندري لعلّ أخاك نبيّ اللّه موسى إذا جاء يكون له فيها رأي، إمّا يقرّبها قربانًا فتأكلها النّار، وإمّا يجعلها للفقراء دون الأغنياء. فقال له هارون: نعم ما رأيت وما قلت، فأمر مناديًا فنادى: من كان عنده شيءٌ من حليّ آل فرعون فليأتنا به، فأتوه به، فقال هارون يا سامريّ أنت أحقّ من كانت عنده هذه الخزانة. فقبضها السّامريّ، وكان عدوّ اللّه الخبيث صائغًا، فصاغ منه عجلاً جسدًا، ثمّ قذف في جوفه تربةً من القبضة الّتي قبض من أثر فرس جبريل عليه السّلام إذ رآه في البحر، فجعل يخور، ولم يخر إلاّ مرّةً واحدةً، وقال لبني إسرائيل: إنّما تخلّف موسى بعد الثّلاثين ليلةً يلتمس هذا {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} يقول: إنّ موسى عليه السّلام نسي ربّه). [جامع البيان: 10/ 414-418]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين (142)}
قوله تعالى: {وواعدنا موسى}
- حدّثنا عمّار بن خالدٍ الواسطيّ، ثنا محمّد بن الحسن ويزيد بن هارون واللّفظ لمحمّدٍ، عن أصبغ بن زيدٍ، عن القاسم بن أبي أيّوب، حدّثني سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال لهم موسى: أطيعوا هارون فإنّي قد استخلفته عليكم فإنّي ذاهبٌ إلى ربّي، وأجّلهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم، فلمّا أن أتى ربّه وأراد أن يكلّمه في ثلاثين يومًا وقد صامهنّ ليلهنّ ونهارهنّ كره أن يكلّم ربّه وريحٌ فيه ريح فم الصّائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئًا فمضغه قال له ربّه حين أتاه: لم أفطرت؟
وهو أعلم بالّذي كان، قال: يا ربّ إنّي كرهت أن أكلّمك إلا وفمي طيّب الرّائحة قال: أو ما علمت يا موسى أنّ ريح فم الصّائم أطيب عندي من ريح المسك ارجع حتّى تصوم عشرة أيّامٍ ثمّ ائتني ففعل موسى الّذي أمره به ربّه.
- حدّثنا المنذر بن شاذان، ثنا يعلى، ثنا طلحة بن عمرٍو، عن عطاءٍ في قوله:{ وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً} قال: ذو القعدة.
قوله تعالى: {وأتممناها بعشرٍ}
- حدّثنا أبي، ثنا سهل بن عثمان، ثنا محبوبٌ عن طلحة، ثنا عطاءٌ قال: كان ابن عبّاسٍ يقول في قول اللّه: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ} قال: ذو القعدة وعشر ذي الحجّة
- وروي عن مسروقٍ ومجاهدً وعطاءٍ {وأتممناها بعشرٍ} قالوا: عشر ذي الحجة.
قوله تعالى: {فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً}
- ذكر عن هريم بن عبد الأعلى، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم الحضرميّ أنّ الثّلاثين ليلةً الّتي وعد موسى أنّه كان ذو القعدة والعشرين ذي الحجّة الّتي تمّم اللّه بها الأربعين ليلةً.
قوله تعالى: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ، ثنا آدم يعني العسقلانيّ، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ} فتم الآية، يعني ذا القعدة وعشرًا من ذي الحجّة وذلك خلّف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطّور أربعين ليلةً وأنزل عليه التّوراة في الألواح، فقرّبه الرّبّ نجيًّا وكلّمه، وسمع صريف القلم، وبلغنا أنّه لم يحدث في الأربعين ليلةً حتّى هبط من الطّور.
قوله تعالى: {ولا تتّبع سبيل المفسدين}
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلا، ثنا يحيى بن المنذر، ثنا بن الأجلح، عن أبيه قال: كنّا مع الضّحّاك نسير فمرّ قومٌ في زرعٍ فناداني الضّحّاك لا تسلك طريق المفسدين). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1556-1557]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس في قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} قال: ذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان التيمي قال: زعم حضرمي أن الثلاثين ليلة التي وعد موسى ذو القعدة والعشر التي تمم الله بها الأربعين ليلة عشر ذي الحجة.
- وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام من السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة وهي العشر التي أتمها الله لموسى.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هرون فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليه التوراة في الألواح فقربه الرب نجيا وكلمه وسمع صريف القلم وبلغنا أنه لم يحدث في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.
- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن مجاهد {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} قال: ذو القعدة {وأتممناها بعشر} قال: عشر ذي الحجة.
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} قال: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هرون فيكم فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري أبصر جبريل فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب فقال حين مضى ثلاثون ليلة: يا بني إسرائيل إن معكم حليا من حلى آل فرعون وهو حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقها فأتوه بما عندهم من حليهم فأوقدوا نارا ثم ألقى الحلى في النار فلما ذاب الحلى ألقى تلك القبضة من التراب في النار فصار عجلا جسدا له خوار فخار خورة واحدة لم يثن فقال السامري: إن موسى ذهب يطلب ربكم وهذا إله موسى فذلك قوله: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي}[طه: 88] يقول: انطلق يطلب ربه فضل عنه وهو هذا فقال الله تبارك وتعالى لموسى وهو يناجيه {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} [طه: 85-86] قال يعني حزينا.
- وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: قال الرب تبارك وتعالى لموسى عليه السلام مر قومك أن ينيبوا إلى ويدعوني في العشر - يعني عشر ذي الحجة - فإذا كان اليوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم قال وهب: اليوم الذي طلبته اليهود فأخطأوه وليس عدد أصوب من عدد العرب.
- وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه لما أتى موسى ربه وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين يوما وقد صام ليلهن ونهارهن فكره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه: لم أفطرت - وهو أعلم بالذي كان - قال: أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفي طيب الريح. قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرة أيام ثم ايتني. ففعل موسى الذي أمره ربه فلما كلم الله موسى قال له ما قال. أما قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه}.
- أخرج البزار، وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات، عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به قال: يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن. فقال: لا تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه فذلك قريب منه وليس به».
- وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عطاء بن السائب قال: كان لموسى عليه السلام قبة طولها ستمائة ذراع يناجي فيها ربه عز وجل.
- وأخرج الحكيم الترمذي قي نوادر الأصول عن كعب قال: لما كلم الله موسى قال: يا رب أهكذا كلامك قال: يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئا.
- وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن كعب قال: لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه - يعني كلام موسى - فجعل يقول: يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته فقال: يا رب هكذا كلامك قال: لا لو سمعت كلامي أي على وجهه لم تك شيئا. قال: يا رب هل في خلقك شيء شبه كلامك قال: لا وأقرب خلقي شبها بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق فقال موسى: الرعد الساكن.
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.
- وأخرج الديلمي عن أبي هريرة رفعه لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة فأول ما كلمه بالبربرية أن قال: يا موسى ونفسي معبرا: أي أنا الله الأكبر. قال موسى: يا رب أعطيت الدنيا لأعدائك ومنعتها أولياءك فما الحكمة في ذلك فأوحى الله إليه: أعطيتها أعدائي ليتمرغوا ومنعتها أوليائي ليتضرعوا.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عجلان قال: كلم موسى بالألسنة كله وكان فيما كلمه لسان البربر فقال كلمته بالبربرية: أنا الله الكبير.
- وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر والحاكم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
«يوم كلم الله موسى كان عليه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف وكمه صوف ونعلان من جلد حمار غير ذكي».
- وأخرج أبو الشيخ عن عبد الرحمن بن معاوية قال: لما كلم موسى ربه عز وجل مكث أربعين يوما لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.
- وأخرج أبو الشيخ عن عروة بن رويم قال: كان موسى لم يأت النساء منذ كلمه ربه وكان قد ألبس على وجهه برقع فكان لا ينظر إليه أحد إلا مات فكشف لها عن وجهه فأخذتها من غشيته مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة.
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كلم الله موسى من ألف مقام فكان كلما كلمه رأى النور على وجهه ثلاثة أيام قال: وما قرب موسى امرأة مذ كلمه ربه.
- وأخرج ابن المنذر عن عروة بن رويم اللخمي قال: قالت امرأة موسى لموسى: إني أيم منك مذ أربعين سنة فأمتعني بنظرة. فرفع البرقع عن وجهه فغشى وجهه نور التمع بصرها فقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة. قال: على أن لا تزوجي بعدي وأن لا تأكلي إلا من عمل يديك. قال: فكانت تتبع الحصادين فإذا رأوا ذلك تخاطوا لها فإذا أحست بذلك تجاوزته.
- وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو خيثمة في كتاب العلم والبيهقي عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام حين كلم ربه: أي رب أي عبادك أحب إليك قال: أكثرهم لي ذكرا. قال: أي عبادك أحكم قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال: رب أي عبادك أغنى قال: الراضي بما أعطيه.
- وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن. أن موسى عليه السلام سأل ربه جماعا من الخير فقال: أصحب الناس بما تحب أن تصحب به.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- إن الله -تبارك وتعالى- ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى: يا رب ويا إله البرية كلها ويا مالك يوم الدين ويا ذا الجلال والإكرام ماذا أعددت لهم وماذا جزيتهم قال: أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوأوا فيها حيث شاؤوا وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فإني أستحيهم وأجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم فيه أحد.
- وأخرج أبو يعلى، وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به. قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقول هذا ... قال: قل لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا أنت يا رب إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله».
- وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن عطاء بن يسار قال:
«قال موسى عليه السلام: يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك قال: هم البريئة أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون بجلالي الذين ذكرت ذكروا بي وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حزب».
- وأخرج أحمد عن عمر أن القصير قال: قال موسى بن عمران: أي رب أين أبغيك قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم إني أدنوا منهم كل يوم باعا ولولا ذلك انهدموا.
- وأخرج ابن المبارك وأحمد عن عمار بن ياسر. أن موسى عليه السلام قال: يا رب حدثني بأحب الناس إليك قال: ولم ... قال: لأحبه لحبك إياه. فقال: عبد في أقصى الأرض سمع به عبد آخر في أقصى الأرض لا يعرفه فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته ما ذاك إلا لي فذلك أحب خلقي إلي. قال: يا رب خلقت خلقا تدخلهم النار أو تعذبهم فأوحى الله إليه: كلهم خلقي ثم قال: ازرع زرعا فزرعه. فقال: اسقه فسقاه ثم قال: قم عليه فقام عليه فحصده ورفعه فقال: ما فعل زرعك يا موسى قال: فرغت منه ورفعته، قال: ما تركت منه شيئا قال: ما لا خير فيه. قال: كذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه.
- وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-:
«أن موسى عليه السلام قال: يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك. قال: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه فإن النمر إذا غضب لم يبال أقل الناس أم كثروا». وأخرجه ابن أبي شيبة عن عروة موقوفا.
- وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل فقال: أي عبادك أغنى قال: الذي يقنع بما يؤتي. قال: فأي عبادك أحكم قال: الذي يحكم للناس بما يحكم لنفسه قال: فأي عبادك أعلم قال: أخشاهم.
وأخرج أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن موسى عليه السلام كان يمشي ذات يوم في طريق فناداه الجبار عز وجل: يا موسى. فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا ... ثم ناداه الثانية: يا موسى بن عمران. فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحد وارتعدت فرائصه ثم نودي الثالثة يا موسى بن عمران إنني أنا الله لا إله إلا أنا فقال: لبيك لبيك فخر لله تعالى ساجدا فقال: ارفع رأسك يا موسى بن عمران فرفع رأسه فقال: يا موسى إن أحببت أن تسكن في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي كن كالأب الرحيم وكن للأرملة كالزوج العطوف يا موسى بن عمران ارحم ترحم يا موسى كما تدين تدان يا موسى نبأ بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد بمحمد صلى الله عليه وسلم أدخلته النار. فقال: ومن أحمد فقال: يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منه كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السموات والأرض والشمس والقمر بألفي سنة وعزتي وجلالي إن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها محمد وأمته. قال موسى: ومن أمة أحمد قال: أمته الحمادون يحمدون صعودا وهبوطا وعلى كل حال يشدون أوساطهم ويطهرون أطرافهم صائمون بالنهار رهبان بالليل أقبل منهم اليسير وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. قال: اجعلني نبي تلك الأمة. قال: نبيها منها. قال: اجعلني من أمة ذلك النّبيّ، قال: استقدمت واستأخر يا موسى ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال».
- وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: قال موسى عليه السلام: إلهي ما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه قال: يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي واجعله في كنفي. قال: يا رب أي عبادك أشقى قال: من لا تنفعه موعظة ولا يذكرني إذا خلا.
- وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: قال موسى: يا رب ما جزاء من آوى يتيما حتى يستغني أو كفل أرملة قال: أسكنه جنتي وأظله يوم لا ظل إلا ظلي.
- وأخرج ابن شاهين في الترغيب عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: قال موسى عليه السلام: يا رب ما لمن عزى الثكلى قال: أظله بظلي يوم لا ظل إلا ظلي.
- وأخرج آدم بن أبي أياس في كتاب العلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما قرب موسى نجيا أبصر في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه فسأل عنه فلم يخبر باسمه وأخبر بعمله فقال له: هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله بر بالوالدين لا يمشي بالنميمة. فقال الله: يا موسى ما جئت تطلب قال: جئت أطلب الهدى يا رب. قال: قد وجدت يا موسى. قال: رب اغفر لي ما مضى من ذنوبي وما غبر وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني وأعوذ بك من وسوسة نفسي وسوء عملي. فقيل له: قد كفيت يا موسى. قال: رب أي العمل أحب إليك أن أعمله قال: اذكرني يا موسى. قال: رب أي عبادك أتقى قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: رب أي عبادك أغنى قال الذي يقنع بما يؤتي قال: رب أي عبادك أفضل قال: الذي يقض بالحق ولا يتبع الهوى قال: رب أي عبادك أعلم قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى. قال: رب أي عبادك أحب إليك عملا قال: الذي لا يكذب لسانه ولا يزني فرجه ولا يفجر قلبه. قال: رب ثم أي على أثر هذا قال: قلب مؤمن في خلق حسن قال: رب أي عبادك أبغض إليك قال: قلب كافر في خلق سيئ. قال: رب ثم أي على أثر هذا قال: جيفة بالليل بطال بالنهار.
- وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد. أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل لسانك وراء قلبك وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل وذم نفسك فهي أولى بالذم وناجني حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق.
- وأخرج أحمد عن قسي رجل من أهل الكتاب قال: إن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: يا موسى إن جاءك الموت وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك. قال: وأوحى إليه أن الله تبارك وتعالى يدفع بالصدقة سبعين بابا من السوء مثل الغرق والحرق والسرق وذات الجنب. قال: وقال له: والنار قال: والنار.
- وأخرج أحمد عن كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى موسى: أن علم الخير وتعلمه فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه في قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم.
- وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال:
«لما ارتقى موسى طور سينا رأى الجبار في إصبعه خاتما قال: يا موسى ما هذا - وهو أعلم به - قال: شيء من حلي الرجال يا رب. قال: فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي قال: لا. قال: فاكتب عليه {لكل أجل كتاب}[الرعد: 38]».
- وأخرج االحكيم الترمذي عن عطاء قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أيتمت الصبي من أبويه وتدعه هكذا قال: يا موسى أما ترضى بي كافلا.
- وأخرج ابن المبارك عن عطاء قال: قال موسى: يا رب أي عبادك أحب إليك قال: أعلمهم بي.
- وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: قال موسى: يا رب إنهم سيسألنني كيف كان بدؤك قال: فأخبرهم أني أنا الكائن قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء.
- وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد، أن موسى عليه السلام سأل ربه قال: أي رب أنزل علي آية محكمة أسير بها في عبادك، فأوحى الله إليه: يا موسى أن اذهب فما أحببت أن يأتيه عبادي إليك فأته إليهم.
- وأخرج أحمد عن قتادة، أن موسى عليه السلام قال: أي رب أي شيء وضعت في الأرض أقل قال: العدل أقل ما وضعت في الأرض.
- وأخرج أحمد عن عمرو بن قيس قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي الناس أتقى قال: الذي يذكر ولا ينسى، قال: فأي الناس أعلم قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه.
- وأخرج أحمد وأبو نعيم عن وهب بن منبه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي عبادك أحب إليك قال: من أذكر برؤيته، قال: أي رب أي عبادك أحب إليك الذين يعودون المرضى ويعزون الثكلى ويشيعون الهلكى.
- وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: لما قيل للجبال أنه يريد أن يتجلى تطاولت الجبال كلها وتواضع الجبل الذي تجلى له.
- وأخرج البيهقي في الشعب من طريق أحمد بن أبي الحواري عن أبي سليمان قال: أن الله اطلع في قلوب الآدميين فلم يجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى عليه السلام فخصه بالكلام لتواضعه، قال، وقال غير أبي سليمان: أوحى الله إلى الجبال: إني مكلم عليك عبدا من عبيدي، فتطاولت الجبال ليكلمه عليها وتواضع الطور، قال: إن قدر شيء كان قال: فكلمه عليه لتواضعه.
-وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن كثير قال: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم كلمتك قال: لا يا رب، قال: لأني لم أخلق خلقا تواضع لي تواضعك.
- وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن نوف البكالي قال: أوحى الله إلى الجبال أني نازل على جبل منكم قال: فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع، قال: أرضى بما قسم لي فكان الأمر عليه، وفي لفظ قال: إن قدر لي شيء فسيأتيني فأوحى الله: إني سأنزل عليك بتواضعك لي ورضاك بقدرتي.
- وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي خالد الأحمق قال: لما كلم الله تعالى موسى عرض إبليس على الجبل فإذا جبريل قد وافاه فقال: أخر يا لعين إيش تعمل ههنا قال: جئت أتوقع من موسى ما توقعت من أبيه، فقال له جبريل: أخر يا لعين، ثم قعد جبريل يبكي حيال موسى فأنطق الله الجبة فقالت: يا جبريل إيش هذا البكاء قال: إني في القرب من الله وإني لأشتهي أن أسمع كلام الله كما يسمعه موسى، قالت الجبة: يا جبريل أنا جبة موسى وأنا على جلد موسى أنا أقرب إلى موسى أو أنت يا جبريل أنا لا أسمع ما تسمعه أنت). [الدر المنثور: 6/ 538-555]

تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (سمعت سفيان، يقول: في قوله {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا} [سورة الأعراف: 143] قال: ساخ في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يذهب بعد). [الزهد لابن المبارك: 2/ 100]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {جعله دكا} قال دك بعضه بعضا). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 236]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن عيينة بن ميمون عن مجاهد في قوله تعالى: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} قال: تبت إليك من أن أسألك الرؤية). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 238]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قوله: {جعله دكا} قال: بعضه ذهب في البحور وبعضه هصر يعني الجبل لـمّا تجلى ربه]). [تفسير الثوري: 113]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن عيسى عن مجاهدٍ {تبت إليك} قال: قال موسى: أي رب تبت إليك أن أسألك الرّؤية بعد الذي رأيت). [تفسير الثوري: 113-114]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قوله: {تبت إليك وأنا أول المؤمنين} قال: أول قومي إيمانا ). [تفسير الثوري: 114]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك... } إلى قوله تعالى: {وأنا أوّل المؤمنين}
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خلف بن خليفة، عن حميدٍ الأعرج، عن عبد اللّه بن الحارث، عن ابن مسعودٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال:
«يوم كلّم اللّه موسى عليه السّلام كان عليه جبّةٌ صوفٍ، وكساءٌ صوفٍ، وسراويل صوفٍ، وكمّة صوفٍ، (ونعلان) من جلد حمارٍ غير ذكيّ».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا مروان بن معاوية، قال: نا (عمر) بن حمزة العمري، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي قال: قيل لموسى عليه السّلام: ماذا شبّهت كلام ربّك عزّ وجلّ ممّا خلق؟ قال: الرّعد، قال عمر: قال رجلٌ: قال محمّدٌ: الرّعد السّاكن.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا مغيرة، عن الشّعبي، قال: سمعت الرّبيع بن خثيم يقرأ: {جعله دكّآء} - ممدوداً -). [سنن سعيد بن منصور: 5/ 153-156]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه، قال: ربّ أرني أنظر إليك، قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني، فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا، فلمّا أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين}
قال ابن عبّاسٍ: " أرني: أعطني "
- حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه، قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قد لطم وجهه، وقال: يا محمّد، إنّ رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم في وجهي، قال: «ادعوه» فدعوه، قال: «لم لطمت وجهه؟» قال: يا رسول اللّه، إنّي مررت باليهود، فسمعته يقول: والّذي اصطفى موسى على البشر، فقلت: وعلى محمّدٍ، وأخذتني غضبةٌ فلطمته، قال: «لا تخيّروني من بين الأنبياء، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جزي بصعقة الطّور»). [صحيح البخاري: 6/ 59]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: باب ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه: {قال رب أرني أنظر إليك ... الآية} قال بن عبّاس: أرني أعطني وصله بن جريرٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ في قوله ربّ أرني أنظر إليك قال أعطني وأخرج من طريق السّدّيّ قال لمّا كلّم اللّه موسى أحبّ أن ينظر إليه قال رب أرني أنظر إليك تكملة تعلق بقوله تعالى لن تراني نفاة رؤية اللّه تعالى مطلقًا من المعتزلة فقالوا لن لتأكيد النّفي الّذي يدلّ عليه لا فيكون النّفي على التّأييد وأجاب أهل السّنّة بأنّ التّعميم في الوقت مختلفٌ فيه سلّمنا لكن خصّ بحالة الدّنيا الّتي وقع فيها الخطاب وجاز في الآخرة لأنّ أبصار المؤمنين فيها باقيةٌ فلا استحالة أن يرى الباقي بالباقي بخلاف حالة الدّنيا فإنّ أبصارهم فيها فانيةٌ فلا يرى الباقي بالفاني وتواترت الأخبار النّبويّة بوقوع هذه الرّؤية للمؤمنين في الآخرة وبإكرامهم بها في الجنّة ولا استحالة فيها فوجب الإيمان بها وباللّه التّوفيق وسيأتي مزيدٌ لهذا في كتاب التّوحيد حيث ترجم المصنّف وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ إلى ربّها ناظرةٌ
قوله جاء رجلٌ من اليهود إلى النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- قد لطم وجهه الحديث تقدّم شرحه مستوفًى في أحاديث الأنبياء وقوله فيه أم جزي كذا للأكثر ولأبي ذرٍّ عن الحمويّ والمستملي جوزي وهو المشهور في غير هذا الموضع). [فتح الباري: 8/ 302]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه.
وقال ابن عبّاس أرني أعطني.
قال ابن جرير ثنا المثنى ثنا عبد الله ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس في قوله: {أرني أنظر إليك} قال اعطني). [تغليق التعليق: 4/ 214]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (2 - (بابٌ: {ولما جاء موسى لمياقتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولاكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {ولما جاء موسى لميقاتنا} إلى آخره. قوله: (الآية) ، أي: الآية بتمامها، وقد ساق في بعض النّسخ بتمامها: (قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلمّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) . قوله: (لميقاتنا) ، قال الثّعلبيّ: الميقات مفعال من الوقت كالميعاد والميلاد انقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. قلت: أصله: موقات، لأنّه من الوقت وإنّما انقلبت ياء لأن الياء أخت الكسرة. قوله: (وكلمة ربه) ، حتّى سمع صرير الأقلام، وكان على طور سيناء ولما ادناه ربه وناجاه اشتاق إلى رؤيته، وقال: {رب أرني أنظر إليك} فقال الله عز وجل: {لن تراني} يعني: ليس لبشر أن يطيق النّظر إليّ في الدّنيا (من نظر إليّ في الدّنيا مات) ، قال موسى: إلهي قد سمعت كلامك فاشتقت إلى النّظر إليك فأرني أنظر إليك، فلأن أنظر إليك ثمّ أموت أحب إلى من أن أعيش فلا أراك، قال الله تعالى: {أنظر إلى الجبل} وهو أعظم جبل بمدين يقال له: زبير {فإن استقر} أي: ثبت بمكانه {فسوف تراني بحلى ربه} ، قال ابن عبّاس: تجليه ظهور نوره، وقال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام: ما تجلى من عظمة الله إلّا مثل سم الخياط، وقال السّديّ: قدر الخنصر، وروى أحمد في (مسنده) عن أنس رضي الله عنه، عن النّبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: {فلمّا تجلى ربه للجبل} قال: هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر الحديث، ورواه التّرمذيّ أيضا، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وعن سهل بن سعد: أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدّرهم فجعل الجبل كأقواله: (جعله دكا) قال ابن عبّاس: ترابا، وقال سفيان الثّوريّ: ساخ الجبل في الأرض حتّى وقع في البحر فهو يذهب معه، وعن أبي بكر الهذليّ: دكا انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، وقال ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي مالك عن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
«لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستّة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكّة، بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور» . قال ابن كثير: هذا حديث غريب بل منكر، وقال عطيّة العوفيّ: دكاً صار رملاً هائلاً، واختلف القرّاء في دكاً فقرأ أهل المدينة والبصرة بالقصر والتنوين وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد القاسم بن سلام، وقرأ أهل الكوفة بالمدّ أي جعله مثل الأرض وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلا. قوله: {وخر موسى صعقاً} أي: خر مغشياً عليه يوم الخميس وكان يوم عرفة وأعطي التّوراة يوم الجمعة، وهو يوم النّحر، وفي (التّلويح) : وصعق موسى موته، نظيرها قوله في سورة النّساء: {فأخذتهم الصاعقة} [النّساء: 153] يعني: الموت، وفي الزمر: {فصعق من في السّموات} يعني: مات، وفي تفسير ابن كثير: والمعروف أن الصّعق هو الغشي ههنا كما فسره ابن عبّاس وغيره لا كما فسره قتادة بالموت وإن كان ذلك صحيحا في اللّغة. قوله: {فلمّا أفاق} أي: من الغشي، قال محمّد بن جعفر: شغله الجبل حين تجلى ولولا ذلك لمات صعقاً بلا إفاقة. قوله: {قال سبحانك} تنزيها وتعظيماً وإجلالاً أن يراه أحد في الدّنيا إلاّ مات. قوله: {تبت إليك} يعني عن سؤال الرّؤية في الدّنيا، وقيل: تبت إليك من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها، وقيل: من اعتقاد جواز الرّؤية في الدّنيا، وقيل: المراد بالتّوبة هنا الرّجوع إلى الله تعالى لا على ذنب سبق، وقيل: إنّما قال ذلك على جهة التّسبيح وهو عادة المؤمنين عند ظهور الآيات الدّالّة على عظم قدرته. قوله: {وأنا أول المؤمنين} ، أي: بأنك لا ترى في الدّنيا، قال مجاهد: وأنا أول المؤمنين من بني إسرائيل، واختاره ابن جرير، وعن ابن عبّاس: وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد، وكذا قال أبو العالية. وتعلقت نفاة رواة الرّؤية بهذه الآية، فقال الزّمخشريّ: لن، لتأكيد النّفي الّذي تعطيه: لا، وذلك أن: لا تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غدا، فإن أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدا، وقال ابن كثير: وقد أشكل حرف: لن، ههنا على كثير لأنّها موضوعة للنّفي للتأبيد، فاستدلت به المعتزلة على نفي الرّؤية في الدّنيا والآخرة. وأجيب: بأن الأحاديث قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن المؤمنين يرون الله في الدّار الآخرة. وقيل إنّها لنفي التّأبيد في الدّنيا جمعا بين هذه وبين الدّليل القاطع على صحة الرّؤية في الآخرة، وقيل: إن لن لا توجب التّأبيد لكن توجب التّوقيت، كقوله عز وجل: {ولن يتمنّوه أبدا} [البقرة: 95] يعني: الموت، وقال عليّ بن مهدي: لو كان سؤال موسى عليه السّلام، مستحيلاً لما أقدم عليه مع كمال معرفته باللّه عز وجل، وقال المتكلمون من أهل السّنة: لما علق الله الرّؤية باستقرار الجبل دلّ على جواز الرّؤية لأن استقراره غير مستحيل، ألا ترى أن دخول الكفّار الجنّة لما كان مستحيلاً علقه بشيء مستحيل فقال: {لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] أي: في خرق الإبرة.
قال ابن عبّاسٍ أرني أعطني.
هذا التّعليق وصله الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: {رب أرني أنظر إليك} قال أعطني.

- حدّثنا محمّد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال جاء رجلٌ من اليهود إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قد لطم وجهه وقال: يا محمّد إنّ رجلاً من أصحابك من الأنصار لطم في وجهي قال:
«ادعوه»، فدعوه قال: «لم لطمت وجهه؟» قال: يا رسول الله إنّي مررت باليهود فسمعته يقول والّذي اصطفى موساى على البشر فقلت وعلى محمّدٍ فقال: وعلى محمّدٍ فأخذتني غضبةٌ فلطمته قال:«لا تخيّروني من بين الأنبياء فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من يفيق فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور».
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من قوله: أم جوزي بصعقة الطّور، والحديث قد مضى في: باب الأشخاص فإنّه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: (لا تخيروني) ، أي: لا تفضلوني بحيث يلزم نقص أو غضاضة على غيره أو يؤدّي إلى الخصومة، أو قاله تواضعاً، وقيل: قال ذلك قبل أن يعلم تفضيله على الكل، وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدّنيا: أن الّذي لطم اليهوديّ في هذه القصّة هو أبو بكر الصّديق رضي الله عنه، وما ذكره البخاريّ هو الأصح. قوله: (فإن النّاس يصعقون يوم القيامة) الظّاهر أن هذا الصّعق يكون يوم القيامة حين يأتي الرب عز وجل لفصل القضاء ويتجلى فيصعقون حينئذٍ أي: يغشى عليهم، وليس المراد من الصّعق الموت. قوله: (أم جوزى) كذا في رواية أبي ذر عن الحمويّ والمستملي، وفي رواية الأكثرين: جزى، والأول هو المشهور في غير هذا الموضع). [عمدة القاري: 18/ 238-240]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (2 - باب {ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين} قال ابن عبّاسٍ {أرني} أعطني.
{ولما جاء موسى} ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله جل ذكره: ولما جاء موسى أي حضر {لميقاتنا} للوقت الذي عيناه له واللام للاختصاص كهي في قوله أتيته لعشر خلون من رمضان وليست بمعنى عند قيل لا بدّ هنا من تقدير مضاف أي لآخر ميقاتنا ولا لانقضاء ميقاتنا {وكلمه ربه} من غير واسطة على جبل الطور كلامًا مغايرًا لهذه الحروف والأصوات قديمًا قائمًا بذاته تعالى وخلق فيه إدراكًا سمعه به، وكما ثبتت رؤية ذاته جل وعلا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذلك كلامه وإن لم يكن صوتًا ولا حرفًا صح أن يسمع. وروي أن موسى عليه السلام كان يسمع كلام الله من كل جهة وفيه إشارة إلى أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين وجواب لما قوله: {قال} أي لما كلمه وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رقبة الرؤية وتشوّق إلى ذلك فسأل ربه أن يريه ذاته المقدسة فقال: {رب أرني أنظر إليك} أي أرني نفسك أنظر إليك فثاني مفعولي أرى محذوف والرؤية عين النظر، لكن المعنى اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فانظر إليك وأراك، والآية تدل على جواز رؤية الله تعالى لأن موسى عليه الصلاة والسلام سألها وكان عارفًا بالجائز والممتنع، فلو كانت محالًا لما طلبها. ولذلك قال الله تعالى جوابًا له :{لن تراني} ولم يقل لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليّ كأنه قال: إن المانع ليس إلا من جانبك وإني غير محجوب بل محتجب بحجاب منك وهو كونك فان في فان وأنا باق ووصفي باق فإذا جاوزت قنطرة الفناء ووصلت إلى دار البقاء فزت بمطلوبك ولا يلزم من نفي لمن التأبيد، إذ لو قلنا به لقضينا أن موسى لا يراه أبدًا ولا في الآخرة، وكيف وقد ثبت في الحديث المتواتر أن المؤمنين يرون الله تعالى في القيامة فموسى عليه السلام أحرى بذلك، وما قيل إنه سأل عن لسان قوم فمردود بأن القوم إن كانوا كفاهم منع موسى وإلاّ لم يفدهم ذلك كإنكارهم أنه قول الله. وروى محيي السنة عن الحسن قال: هاج بموسى الشوق فسأل الرؤية فقال: إلهي قد سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك فأرني أنظر إليك فلأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا أراك {ولكن انظر إلى الجبل} زبير الذي هو أشد منك خلقًا {فإن استقر} ثبت {مكانه فسوف تراني} إشارة إلى عدم قدرته على الرؤية على وجه الاستدراك، وفي تعليق الرؤية على استقرار الجبل دليل للجواز ضرورة أن المعلق على الممكن ممكن {فلما تجلّى ربه للجبل} أي ظهرت عظمته له وقدرته وأمره، وحمل اللفظ على المعهود والأكمل أولى فيجوز أن يخلق الله له حياة وسمعًا وبصرًا كما جعله محلاًّ لخطابه بقوله: {يا جبال أوّبي معه} [سبأ: 10] وكما جعل الشجرة محلًا لكلامه وكل هذا لا يحيله من يؤمن بأن الله على كل شيء قدير {جعله دكًّا}
مدكوكًا مفتتًا. وعن ابن عباس صار ترابًا. وعند ابن مردويه أنه ساخ في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، وعند ابن أبي حاتم من حديث أنس بن مالك مرفوعًا: لما تجلى ربه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة. بالمدينة أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور. قال ابن كثير: وهو حديث غريب بل منكر {وخرّ موسى صعقًا} مغشيًا عليه من شدة هول ما رأى {فلما أفاق} أي من الغشي {قال: سبحانك تبت إليك} أي أنزهك وأتوب إليك عن أن أطلب الرؤية في الدنيا أو بغير إذنك وحسنات الأبرار سيئات المقربين فكانت التوبة لذلك فإن التوبة في حق الأنبياء لا تكون عن ذنب لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال {وأنا أوّل المؤمنين} بأنها لا تطلب في الدنيا أو بغير الإذن، وسقط لأبي ذر: قال لن تراني الخ، وقال بعد قوله: {أرني أنظر إليك} الآية.
(قال ابن عباس) -رضي الله عنهما-: فيما وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه في تفسير قوله: (أرني) أنظر إليك أي (أعطني).
- حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه- قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- قد لطم وجهه وقال: يا محمّد إنّ رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي قال: «ادعوه» فدعوه قال: «لم لطمت وجهه؟» قال: يا رسول اللّه إنّي مررت باليهود فسمعته يقول: والّذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: وعلى محمّدٍ؟! وأخذتني غضبةٌ فلطمته قال: «لا تخيّروني من بين الأنبياء فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جزي بصعقة الطّور». المنّ والسّلوى.
وبه قال: حدّثنا محمد بن يوسف البيكندي قال: حدّثنا سفيان هو ابن عيينة عن عمرو بن يحيى -بفتح العين- المازني -بالزاي والنون- الأنصاري المدني عن أبيه يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: جاء رجل من اليهود قيل اسمه فنحاص بكسر الفاء وسكون النون وبعد الحاء المهملة ألف فصاد مهملة، وعزاه ابن بشكوال لابن إسحاق وفيه نظر سبق في الأشخاص إلى النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- قد لطم وجهه بضم اللام وكسر الطاء المهملة مبنيًّا للمفعول ووجهه رفع مفعول نائب عن الفاعل وقال: يا محمد إن رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم في وجهي وهذا يضعف قول الحافظ أبي بكر بن أبي الدنيا أن الذي لطم اليهودي في هذه القصة هو أبو بكر الصديق لأن ما في الصحيح أصح وأصرح قال عليه الصلاة والسلام:
«ادعوه» فدعوه فلما حضر قال عليه الصلاة والسلام مستفهمًا منه: «لم لطمت وجهه؟» قال) الأنصاري: يا رسول الله إني مررت باليهود الذي هذا كان فيهم فسمعته يقول: أي في حلفه والذي اصطفى موسى على البشر فقلت: ولأبي ذر عن الكشميهني قلت وعلى محمد زاد أبو ذر عن الحموي والمستملي قال: فقلت وعلى محمد وأخذتني غضبة من ذلك فلطمته قال -عليه الصلاة والسلام-، ولأبي ذر فقال على طريق التواضع أو قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم: «لا تخيروني من بين الأنبياء أو تخييرًا يؤدّي إلى تنقيص أو لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم بل بما آتاكم الله من البيان أو بالنظر إلى النبوّة والرسالة فإن شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص بل كلهم في ذلك سواء وإن اختلفت مراتبهم (فإن الناس يصعقون يوم القيامة».
قال الحافظ ابن كثير: الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القامة يحصل أمر يصعقون منه الله أعلم به وقد يكون ذلك إذا جاء الرب لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الديان كما صعق موسى من تجلي الرب عز وجل، ولذا قال نبينا -صلّى اللّه عليه وسلّم-:
«فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» اهـ.
لكن في رواية عبد الله بن الفضل ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أوّل من بعث وهو معنى قوله هنا: فأكون أوّل من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي فيكون له فضيلة ظاهرة أم جزي.
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: جوزي بإثبات الواو (بصعقة الطور) فلم يصعق لكن لفظ يفيق وأفاق إنما يستعمل في الغشي، وأما الموت فيقال فيه بعث منه وصعقة الطور لم تكن موتًا ويحتمل أن يكون اللفظ على ظاهره ويكون قاله قبل أن يعلم أنه أوّل من تنشق عنه الأرض. قال الداودي وقوله: أوّل من يفيق ليس بمحفوظ والصحيح أوّل من تنشق عنه الأرض). [إرشاد الساري: 7/ 127-129]

- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (2 ـ باب {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}
قوله: قال ابن عباس: {أرني} أعطني أي: ارزقني رؤيتك ومكني منها اهـ سندي). [حاشية السندي على البخاري: 3/ 52]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن، قال: أخبرنا سليمان بن حربٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: قرأ هذه الآية: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال حمّادٌ: هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال: فساخ الجبل {وخرّ موسى صعقًا}.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلاّ من حديث حمّاد بن سلمة.
حدّثنا عبد الوهّاب الورّاق، قال: حدّثنا معاذ بن معاذٍ، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- نحوه). [سنن الترمذي: 5/ 115]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني}.
يقول تعالى ذكره: ولمّا جاء موسى للوقت الّذي وعدنا أن يلقانا فيه، وكلّمه ربّه وناجاه، قال موسى لربّه: {أرني أنظر إليك} قال اللّه له مجيبًا: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل}.
وكان سبب مسألة موسى ربّه النّظر إليه ما:
- حدّثني به موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: إنّ موسى عليه السّلام لمّا كلّمه ربّه أحبّ أن ينظر إليه، {قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني} فحفّ حول الجبل، وحفّ حول الملائكة بنارٍ، وحفّ حول النّار بملائكةٍ، وحفّ حول الملائكة بنارٍ، ثمّ تجلّى ربّه للجبل.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {وقرّبناه نجيًّا} قال: حدّثني من لقي أصحاب النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- أنّه قرّبه الرّبّ حتّى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من الشّوق إليه: {ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثني الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي بكرٍ الهذليّ، قال: لمّا تخلّف موسى عليه السّلام بعد الثّلاثين، حتّى سمع كلام اللّه اشتاق إلى النّظر إليه، فقال: {ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني} وليس لبشرٍ أن يطيق أن ينظر إليّ في الدّنيا، من نظر إليّ مات. قال: إلهي سمعت منطقك واشتقت إلى النّظر إليك، ولأن أنظر إليك ثمّ أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا أراك، قال: فانظر إلى الجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف تراني.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {أرني أنظر إليك} قال: أعطني.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إنّي متعجّلٌ إلى ربّي، فاخلفني في قومي، ولا تتّبع سبيل المفسدين، فخرج موسى إلى ربّه متعجّلاً للقيّه شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل، ومعه السّامريّ يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. فلمّا كلّم اللّه موسى، طمع في رؤيته، فسأل ربّه أن ينظر إليه، فقال اللّه لموسى: إنّك {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني} الآية.
قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب اللّه عن خبر موسى لمّا طلب النّظر إلى ربّه. وأهل الكتاب يزعمون وأهل التّوراة أن قد كان لذلك تفسيرٌ وقصّةٌ وأمورٌ كثيرةٌ ومراجعةٌ لم تأتنا في كتاب اللّه، واللّه أعلم.
قال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأوّل بأحاديث أهل الكتاب: إنّهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربّه أنّه كان من كلامه إيّاه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، وردّ عليه ربّه منه ما ردّ، أنّ موسى كان تطهّر وطهّر ثيابه وصام للقاء ربّه فلمّا أتى طور سيناء، ودنا اللّه له في الغمام فكلّمه، سبّحه وحمده وكبّره وقدّسه، مع تضرّعٍ وبكاءٍ حزينٍ، ثمّ أخذ في مدحته، فقال: ربّ ما أعظمك وأعظم شأنك كلّه، من عظمتك أنّه لم يكن شيءٌ من قبلك، فأنت الواحد القهّار، كأنّ عرشك تحت عظمتك نارٌ توقد لك، وجعلت سرادق من دونه سرادق من نورٍ، فما أعظمك ربّ، وأعظم ملكك، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عامٍ، فما أعظمك ربّ وأعظم ملكك في سلطانك، فإذا أردت شيئًا تقضيه في جنودك الّذين في السّماء، أو الّذين في الأرض، وجنودك الّذين في البحر، بعثت الرّيح من عندك لا يراها شيءٌ من خلقك إلاّ أنت إن شئت، فدخلت في جوف من شئت من أنبيائك، فبلغوا لما أردت من عبادك، وليس أحدٌ من ملائكتك يستطيع شيئًا من عظمتك، ولا من عرشك، ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت عليّ، وأعظمت عليّ في الفضل، وأحسنت إليّ كلّ الإحسان، عظّمتني في أمم الأرض، وعظّمتني عند ملائكتك، وأسمعتني صوتك، وبذلت لي كلامك، وآتيتني حكمتك، فإن أعدّ نعماك لا أحصيها، وإن أردت شكرك لا أستطيعها. دعوتك ربّ على فرعون بالآيات العظام، والعقوبة الشّديدة، فضربت بعصاي الّتي في يدي البحر، فانفلق لي ولمن معي، ودعوتك حين جزت البحر، فأغرقت عدوّك وعدوّي، وسألتك الماء لي ولأمّتي، فضربت بعصاي الّتي في يدي الحجر، فمنه أرويتني وأمّتي، وسألتك لأمّتي طعامًا لم يأكله أحدٌ كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قبل المشرق، ومن قبل المغرب. فناديتك من شرقيّ أمّتي، فأعطيتهم المنّ من مشرقي لنفسي، وآتيتهم السّلوى من غربيّهم من قبل البحر، واشتكيت الحرّ فناديتك، فظلّلت عليهم بالغمام، فما أطيق نعماك عليّ أن أعدّها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعها. فجئتك اليوم راغبًا طالبًا سائلاً متضرّعًا، لتعطيني ما منعت غيري، أطلب إليك وأسألك يا ذا العظمة والعزّة والسّلطان أن تريني أنظر إليك، فإنّي قد أحببت أن أرى وجهك الّذي لم يره شيءٌ من خلقك قال له ربّ العزّة: فلا ترى يا ابن عمران ما تقول؟ تكلّمت بكلامٍ هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحدٌ فيحيا، أليس في السّموات معمّري، فإنّهنّ قد ضعفن أن يحملن عظمتي، وليس في الأرض معمّري، فإنّها قد ضعفت أن تسع بجندي، فلست في مكانٍ واحدٍ فأتجلّى لعينٍ تنظر إليّ. قال موسى: يا ربّ أن أراك وأموت، أحبّ إليّ من أن لا أراك ولا أحيا، قال له ربّ العزّة: يا ابن عمران تكلّمت بكلامٍ هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحدٌ فيحيا، قال: ربّ تمّم عليّ نعماك، وتمّم عليّ فضلك، وتمّم عليّ إحسانك هذا الّذي سألتك، ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحبّ أن أراك فيطمئنّ قلبي. قال له: يا ابن عمران لن يراني أحدٌ فيحيا. قال: موسى ربّ تمّم عليّ نعماك وفضلك، وتمّم عليّ إحسانك هذا الّذي سألتك، ليس لي أن أراك فأموت على إثر ذلك أحبّ إليّ من الحياة، فقال الرّحمن المترحّم على خلقه: قد طلبت يا موسى، وأعطيتك سؤلك إن استطعت أن تنظر إليّ، فاذهب فاتّخذ لوحين، ثمّ انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإنّ ما وراءه وما دونه مضيقٌ لا يسع إلاّ مجلسك يا ابن عمران، ثمّ انظر فإنّي أهبط إليك جنودي من قليلٍ وكثيرٍ. ففعل موسى كما أمره ربّه، نحت لوحين ثمّ صعد بهما إلى الجبل، فجلس على الحجر: فلمّا استوى عليه، أمر اللّه جنوده الّذين في السّماء الدّنيا، فقال: ضعي أكنافك حول الجبل، فسمعت ما قال الرّبّ ففعلت أمره، ثمّ أرسل اللّه الصّواعق والظّلمة والضّباب على ما كان يلي الجبل الّذي يلي موسى أربعة فراسخ من كلّ ناحيةٍ، ثمّ أمر اللّه ملائكة الدّنيا أن يمرّوا بموسى، فاعترضوا عليه، فمرّوا به طيران النّغر تنبع أفواههم بالتّقديس والتّسبيح بأصواتٍ عظيمةٍ كصوت الرّعد الشّديد، فقال موسى بن عمران عليه السّلام: ربّ إنّي كنت عن هذا غنيًّا، ما ترى عيناي شيئًا قد ذهب بصرهما من شعاع النّور المتصفّف على ملائكة ربّي. ثمّ أمر اللّه ملائكة السّماء الثّانية أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال الأسد، لهم لجبٌ بالتّسبيح والتّقديس، ففزع العبد الضّعيف ابن عمران ممّا رأى وممّا سمع، فاقشعرّت كلّ شعرةٍ في رأسه وجلده، ثمّ قال: ندمت على مسألتي إيّاك، فهل ينجّيني من مكاني الّذي أنا فيه شيءٌ؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت، فقليلٌ من كثيرٍ ما رأيت، ثمّ أمر اللّه ملائكة السّماء الثّالثة أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فأقبلوا أمثال النّسور لهم قصفٌ ورجفٌ ولجبٌ شديدٌ، وأفواههم تنبع بالتّسبيح والتّقديس كلجب الجيش العظيم أو كلهب النّار، ففزع موسى، وأيست نفسه، وأساء ظنّه، وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة ورأسهم: مكانك يا ابن عمران، حتّى ترى ما لا تصبر عليه؟
ثمّ أمر اللّه ملائكة السّماء الرّابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران. فأقبلوا وهبطوا عليه لا يشبههم شيءٌ من الّذين مرّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النّار، وسائر خلقهم كالثّلج الأبيض، أصواتهم عاليةٌ بالتّسبيح والتّقديس، لا يقاربهم شيءٌ من أصوات الّذين مرّوا به قبلهم. فاصطكّت ركبتاه، وأرعد قلبه، واشتدّ بكاؤه، فقال خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت، فقليلٌ من كثيرٍ ما رأيت، ثمّ أمر اللّه ملائكة السّماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى، فهبطوا عليه سبعة ألوانٍ، فلم يستطع موسى أن يتبعهم طرفه، ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفه خوفًا، واشتدّ حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه، ثمّ أمر اللّه ملائكة السّماء السّادسة أن اهبطوا على عبدي الّذي طلب أن يراني موسى بن عمران واعترضوا عليه. فهبطوا عليه في يد كلّ ملكٍ مثل النّخلة الطّويلة نارًا أشدّ ضوءًا من الشّمس، ولباسهم كلهب النّار، إذا سبّحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السّموات كلّهم يقولون بشدّة أصواتهم: سبّوحٌ قدّوسٌ ربّ العزّة أبدًا لا يموت، في رأس كلّ ملكٍ منهم أربعة أوجهٍ. فلمّا رآهم موسى رفع صوته يسبّح معهم حين سبّحوا، وهو يبكي ويقول: ربّ اذكرني، ولا تنس عبدك، لا أدري أنقلب ممّا أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أحرقت، وإن مكثت متّ.
فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتدّ بكاؤك فاصبر للّذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران وكان جبل موسى جبلاً عظيمًا، فأمر اللّه أن يحمل عرشه، ثمّ قال: مرّوا بي على عبدي ليراني، فقليلٌ من كثيرٍ ما رأى، فانفرج الجبل من عظمة الرّبّ، وغشي ضوء عرش الرّحمن جبل موسى، ورفعت ملائكة السّموات أصواتها جميعًا، فارتجّ الجبل فاندكّ، وكلّ شجرةٍ كانت فيه، وخرّ العبد الضّعيف موسى بن عمران صعقًا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل اللّه الحياة برحمته، فتغشّاه برحمته وقلب الحجر الّذي كان عليه وجعله كالمعدة، كهيئة القبّة لئلاّ يحترق موسى، فأقامه الرّوح مثل الأمّ أقامت جنينها حين يصرع، قال: فقام موسى يسبّح اللّه ويقول: آمنت أنّك ربّي، وصدّقت أنّه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك ربّ وأعظم ملائكتك، أنت ربّ الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، تأمر الجنود الّذين عندك فيطيعونك، وتأمر السّماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيءٌ ولا يقوم لك شيءٌ، ربّ تبت إليك، الحمد للّه الّذي لا شريك له، ما أعظمك وأجلّك ربّ العالمين.
القول في تأويل قوله تعالى: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا}.
يقول تعالى ذكره: فلمّا اطّلع الرّبّ للجبل جعل اللّه الجبل دكًّا: أي: مستويًا بالأرض. {وخرّ موسى صعقًا} أي: مغشيًّا عليه.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني الحسين بن عمرو بن محمّدٍ العنقزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: ما تجلّى منه إلاّ قدر الخنصر. {جعله دكًّا} قال: ترابًا. {وخرّ موسى صعقًا} قال: مغشيًّا عليه.
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، قال: زعم السّدّيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: تجلّى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكًّا، وخرّ موسى صعقًا، فلم يزل صعقًا ما شاء اللّه.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وخرّ موسى صعقًا} قال: مغشيًّا عليه.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: انقعر بعضه على بعضٍ وخرّ موسى صعقًا أي: ميّتًا.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، في قوله: {دكًّا} قال: دكّ بعضه بعضًا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {وخرّ موسى صعقًا} أي: ميّتًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان، يقول في قوله: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: ساخ الجبل في الأرض حتّى وقع في البحر، فهو يذهب معه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، عن الحجّاج، عن أبي بكرٍ الهذليّ: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة.
- حدّثنا أحمد بن سهيلٍ الواسطيّ، قال: حدّثنا قرّة بن عيسى، قال: حدّثنا الأعمش، عن رجلٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، قال: لمّا تجلّى ربّه للجبل أشار بأصبعيه فجعله دكًّا. وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السّبّابة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثني الحجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: هكذا بأصبعه ووضع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا هدبة بن خالدٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: قرأ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: وضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل فقال حميدٌ لثابتٍ: تقول هذا؟ قال: فرفع ثابتٌ يده فضرب صدر حميدٍ، وقال: يقوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويقوله أنسٌ وأنا أكتمه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا} وذلك أنّ الجبل حين كشف الغطاء ورأى النّور صار مثل دكٍّ من الدّكّات.
- حدّثنا الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: {ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه} فإنّه أكبر منك وأشدّ خلقًا. {فلمّا تجلّى ربّه للجبل} فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل يندكّ على أوّله فلمّا رأى موسى ما يصنع الجبل خرّ صعقًا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {دكًّا} فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة: {دكًّا} مقصورًا بالتّنوين، بمعنى: دكّ اللّه الجبل دكًّا أي: فتّته، واعتبارًا بقول اللّه: {كلاّ إذا دكّت الأرض دكًّا دكًّا}، وقوله: {وحملت الأرض والجبال فدكّتا دكّةً واحدةً} [الحاقة] واستشهد بعضهم على ذلك بقول حميدٍ:
يدكّ أركان الجبال هزمه ....... تخطر بالبيض الرّقاق بهمه
وقرأته عامّة قرّاء الكوفيّين: (جعله دكّاء) بالمدّ وترك الجرّ والتّنوين، مثل حمراء وسوداء.
وكان ممّن يقرؤه كذلك عكرمة، ويقول فيه بما:
- حدّثني به أحمد بن يوسف، قال: حدّثنا القاسم بن سلاّمٍ، قال: حدّثنا عبّاد بن عبّادٍ، عن يزيد بن حازمٍ، عن عكرمة، قال: دكّاء من الدّكّاوات. وقال: لمّا نظر اللّه تبارك وتعالى إلى الجبل صار صخرةً ترابًا.
واختلف أهل العربيّة في معناه إذا قرئ كذلك. فقال بعض نحويّي البصرة: العرب تقول: ناقةٌ دكّاء: ليس لها سنامٌ، وقال: الجبل مذكّرٌ، فلا يشبه أن يكون منه إلاّ أن يكون: جعله مثل دكّاء، حذف مثل، وأجراه مجرى: {واسأل القرية}.
وكان بعض نحويّي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضًا دكّاء، ثمّ حذفت الأرض وأقيمت الدّكّاء مقامها إذ أدّت عنها.
وأولى القراءتين في ذلك بالصّواب عندي قراءة من قرأ: (جعله دكّاء) بالمدّ، وترك الجرّ لدلالة الخبر الّذي روّيناه عن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- على صحّته وذلك أنّه روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:
«فساخ الجبل » ولم يقل: فتفتّت، ولا تحوّل ترابًا. ولا شكّ أنّه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة النّاقة الّتي قد ذهب سنامها، وصارت دكّاء بلا سنامٍ. وأمّا إذا دكّ بعضه فإنّما يكسر بعضه بعضًا ويتفتّت ولا يسوخ. وأمّا الدّكّاء فإنّها خلفٌ من الأرض، فلذلك أنّثت على ما قد بيّنت.
فمعنى الكلام إذن: فلمّا تجلّى ربّه للجبل ساخ، فجعل مكانه أرضًا دكّاء.
وقد بيّنّا معنى الصّعق بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى: {فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين}.
يقول تعالى ذكره: فلمّا ثاب إلى موسى عليه السّلام فهمه من غشيته، وذلك هو الإفاقة من الصّعقة الّتي خرّ لها موسى -صلّى اللّه عليه وسلّم-، قال: {سبحانك} تنزيهًا لك يا ربّ وتبرئةً أن يراك أحدٌ في الدّنيا ثمّ يعيش. {تبت إليك} من مسألتي إيّاك ما سألتك من الرّؤية. {وأنا أوّل المؤمنين} بك من قومي أن لا يراك في الدّنيا أحدٌ إلاّ هلك.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، في قوله: {تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين،} قال: كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بأنّه لا يراك أحدٌ من خلقك إلى يوم القيامة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: لمّا رأى موسى ذلك وأفاق، عرف أنّه قد سأل أمرًا لا ينبغي له، فقال: {سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين} قال أبو العالية: عنى أنّي أوّل من آمن بك أنّه لن يراك أحدٌ قبل يوم القيامة.
- حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشّارٍ، قال: قال سفيان: قال أبو سعدٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {وخرّ موسى صعقًا} فمرّت به الملائكة وقد صعق، فقالت: يا ابن النّساء الحيّض لقد سألت ربّك أمرًا عظيمًا. فلمّا أفاق قال: سبحانك لا إله إلاّ أنت، تبت إليك، وأنا أوّل المؤمنين، قال: أنا أوّل من آمن أنّه لا يراك أحدٌ من خلقك، يعني في الدّنيا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين} يقول: أنا أوّل من يؤمن أنّه لا يراك شيءٌ من خلقك.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: {سبحانك تبت إليك} قال: من مسألتي الرّؤية.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: {قال سبحانك تبت إليك} أن أسألك الرّؤية.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، عن سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: {سبحانك تبت إليك} أن أسألك الرّؤية.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {سبحانك تبت إليك} قال: تبت إليك من أن أسألك الرّؤية.
وقال آخرون: معناه قوله: {وأنا أوّل المؤمنين} بك من بني إسرائيل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني الحسين بن عمرو بن محمّدٍ العنقزيّ، قال: حدّثنا أبي، قال، حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {وأنا أوّل المؤمنين} قال: أوّل من آمن بك من بني إسرائيل.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {وأنا أوّل المؤمنين} يعني: أوّل المؤمنين من بني إسرائيل.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {وأنا أوّل المؤمنين،} أنا أوّل، قومي إيمانًا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، والمثنّى، قالا: حدّثنا أبو نعيمٍ، عن سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: {وأنا أوّل المؤمنين،} يقول: أوّل قومي إيمانًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وأنا أوّل المؤمنين} قال: أنا أوّل قومي إيمانًا.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ، قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: {وأنا أوّل المؤمنين} قال: أوّل قومي آمن.
وإنّما اخترنا القول الّذي اخترناه في قوله: {وأنا أوّل المؤمنين} على قول من قال: معناه: أنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل؛ لأنّه قد كان قبله في بني إسرائيل مؤمنون وأنبياء، منهم ولد إسرائيل لصلبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء، فلذلك اخترنا القول الّذي قلناه قبل). [جامع البيان: 10/ 418-435]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين (143)}
قوله تعالى: {ولمّا جاء موسى لميقاتنا}
- حدّثنا أبي، ثنا الهيثم بن اليمان، ثنا رجلٌ، قال السّدّيّ، حدّثني: ولمّا جاء موسى لميقاتنا: قال: الموعد.
قوله تعالى: {وكلّمه ربّه}
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا هارون الحمّال، والقاسم بن عيسى قالا: ثنا عليّ بن عاصمٍ، عن الفضل بن عيسى الرّقاشيّ، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا كلّم موسى يوم الطّور كلّمه بكلامٍ غير كلامه الأوّل، ففزع موسى لذلك فقال: يا ربّ هذا كلامك الّذي كلّمتني به؟ قال: لا يا موسى، إنّما كلّمتك بقوّة عشرة آلاف لسانٍ ولي قوّة الألسنة كلّها، وأنا أقوى من ذلك، فلمّا رجع إلى بني إسرائيل قالوا له يا موسى: صف لنا كلام الرّحمن، فقال: سبحان اللّه لا أستطيعه، قالوا فشبّه، قال: ألم تروا إلى أصوات الصّواعق الّتي تقبل في أخلا خلاوةٍ سمعتموها فإنّه قريبٌ منه وليس به، زاد هارون قال: لمّا كلّم اللّه تبارك وتعالى موسى كلّمه بكلامٍ ليّنٍ، فلمّا كلّمه يوم الطّور كلّمه بكلامٍ غير الكلام، والباقي نحوه ».
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن بكّار بن الرّيّان الرّصافيّ، ثنا أبو معشرٍ عن أبي الحويرث قال: إنّما كلّم اللّه تعالى موسى بكلامٍ يطيق موسى من كلامه ولو تكلّم بكلامه كلّه لم يطيقه، فمكث موسى أربعين ليلةً لا يراه أحدٌ إلا مات من نور ربّ العالمين.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد الأعلى، ثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرّحمن أنّه أخبره جرير بن جابرٍ الخثعميّ سمع كعب الأحبار يقول: لمّا كلّم اللّه موسى كلّمه بالألسنة كلّها قبل لسانه، فطفق يقول:
أي ربّ واللّه ما أفقه هذا حتّى كلّمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته، فقال أي ربّ هذا كلامك فقال اللّه: لو كلّمتك كلامي لم تك شيئًا قال: أي ربّ: هل من خلقك شيءٌ بشبه كلامك قال: لا وأقرب خلقي شبهًا بكلامي ما يسمع النّاس من الصّواعق.
حدّثنا أبو زرعة، ثنا عبد اللّه بن برّادٍ الأشعريّ، ثنا أبو أسامة عن ابن المبارك، حدّثني معمرٌ ويونس، عن الزّهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرّحمن، أنّه أخبره من سمع كعب الأحبار ببعض هذا الحديث.

- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأ بن وهبٍ، أخبرني بكر بن مضرٍ، عن ابن عجلان قال: كلّم اللّه موسى بالألسنة كلّها، وكان فيها كلمة لسان البربر فقال: كلمته بالبربريّة أنا اللّه الكبير.
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ عليّ بن المدينيّ، ثنا محمّد بن عمرو بن مقسمٍ قال: سمعت عطاء بن مسلمٍ يقول: سمعت وهب بن منبّهٍ يقول: إنّ اللّه كلّم موسى في ألف مقام، كان إذا كلمه رأي النّور في وجه موسى ثلاثة أيّامٍ ثمّ لم يمس موسى امرأةً بعد ما كلّمه ربه.
قوله تعالى: {قال ربّ أرني أنظر إليك}
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {قال ربّ أرني أنظر إليك} يقول: اعطني
قوله تعالى: {لن تراني}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قال: قال موسى لربّه: {ربّ أرني أنظر إليك} قال:
قال اللّه: يا موسى إنّك لن تراني، يقول: ليس تراني، لا يكون ذلك أبدًا، إنّه يا موسى لا يراني أحدٌ فيحيا قال: فقال موسى ربّ أن أراك فأموت أحبّ إليّ من أن لا أراك فأحيا.
قوله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: قال ربّ أرني أنظر إليك فقال اللّه لموسى: يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطّويل الشّديد فإن استقرّ مكانه فسوف تراني.
قوله تعالى: {فإن استقرّ مكانه}
- وبه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {فإن استقرّ مكانه} يقول: فإن ثبت مكانه يتضعضع ولم ينهد لبعض ما نزل به من عظمتي فسوف تراني.
قوله تعالى: {فسوف تراني}
- وبه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {فسوف تراني} وأنت بضعفك وذلّتك وإنّ الجبل تضعضع وانهدّ بقوته وشدته وعظمه فأنت أضعف وأذلّ.
قوله تعالى: {فلمّا تجلّى ربّه}
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا معاذ بن معاذٍ، ثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلمّا تجلّى ربّه للجبل قال:
«هكذا وأرانا معاذ بطرف أصبعه الخنصر اليسرى ».
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا عمرو بن محمّدٍ العنقزيّ ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: في قوله: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل} قال: فما تجلّى منه إلا مثل قدر الخنصر.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن سليمان حدّثني موسى بن سعيد بن أسلم أخو أبي مسلمٍ الجعفيّ، ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن مجاهدٍ في قول اللّه:
{فلمّا تجلّى ربّه للجبل} قال: كشف بعض الحجب.
قوله تعالى: {جعله دكًّا}
- حدّثنا عمر بن شيبة، ثنا الأزديّ محمّد بن يحيى أبو غسّان الكنانيّ حدّثني عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن عبد اللّه، عن الجلد بن أيّوب، عن معاوية بن قرّة عن أنس بن مالكٍ إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لمّا تجلّى اللّه للجبال طارت لعظمته ستّة أجبلٍ فوقعت ثلاثةٌ بالمدينة وثلاثةٌ بمكّة، بالمدينة أحدٌ وورقان ورضونٌ ووقع بمكّة حراءٌ وثبيرٌ وثورٌ
».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا محمّد بن كثيرٍ، ثنا حمّادٌ أنبأ ثابتٌ، عن أنسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ: فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«هكذا وصفه حمّادٌ، ووضع طرف إبهامه على طرف خنصره من المفصل. قال: فساخ الجبل ».
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا الحسين بن الأسود والهيثم بن جنّادٍ قالا، ثنا عمرو بن محمّدٍ يعنيان العنقزيّ ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ جعله دكًّا قال: ترابًا. وروي عن أبي عمران الجونيّ نحو ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد الأعلى، أنبأ محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: {جعله دكًّا} قال: دكّ بعضه بعضًا.
- ذكر عن محمّد بن عبد اللّه بن أبي الثّلج، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا عثمان بن حصين بن غلاقٍ عن عروة بن رويمٍ قال: كانت الجبال قبل أن يتجلّى الله لموسى على الطّور صمًّا ملسًا، فلمّا تجلّى اللّه لموسى على الطّور صار الطّور دكًّا وتفطّرت الجبال، فصارت الشّقوق والكهوف.
- ذكر عن ابن المبارك، عن سفيان الثّوريّ في قوله: فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا قال: ساخ الجبل فوقع في البحر فهو يذهب بعد.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو الطّاهر أنبأ بن وهبٍ أنبأ يحيى بن أيّوب عن عبيد اللّه بن زحرٍ قال: قال سليمان الأعمش، الدّكّ الأرض المستوية يعني قوله: {جعله دكًّا}
قوله تعالى: {وخر موسى صعقا}
الوجه الأول:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشرٌ عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ وخرّ موسى صعقًا يقول: قد غشي عليه إلا أنّ روحه في جسده. وروي عن السّدّيّ وسفيان نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ عن قتادة قوله: وخرّ موسى صعقًا أي ميّتًا.
قوله تعالى: {فلمّا أفاق قال سبحانك}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قال: في قوله: فلمّا أفاق قال: لعظيم ما رأى: سبحانك تنزيه اللّه عزّ وجلّ من أن يراه أحدٌ كما أخبر موسى.
قوله تعالى: {تبت إليك}
- وبه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {تبت إليك} يقول: رجعت، عن الأمر الّذي كنت عليه، وكان منّي خطأٌ، وأنا أوّل المؤمنين.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيان ، عن عيسى الجرشي يعني ابن ميمونٍ، عن رجلٍ يعني ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ {تبت إليك} أن أسألك الرّؤية.
قوله تعالى: {وأنا أوّل المؤمنين}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ، أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين} يقول: أوّل المصدّقين الآن، يقول: السّاعة أنّه لا يراك أحدٌ فلذلك قال: وأنا أوّل المؤمنين.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن عيسى الجرشيّ، عن مجاهدٍ في قوله:{تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين} قال: من سؤالي إيّاك الرّؤية.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {وأنا أوّل المؤمنين} قال: أوّل قومي إيمانًا). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1557-1562]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا عليّ بن حمشاذ العدل، ثنا محمّد بن غالبٍ، وهشام بن عليٍّ، قالا: ثنا عفّان بن مسلمٍ، ثنا حمّاد بن سلمة، وأخبرني محمّد بن عليّ بن بكرٍ العدل، واللّفظ له، ثنا الحسن بن الفضل، ثنا سليمان بن حربٍ، ثنا حمّاد بن سلمة، أنبأ ثابتٌ، عن أنسٍ رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله عزّ وجلّ: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال حمّادٌ: هكذا ووضع الإبهام على مفصل الخنصر الأيمن، قال: فقال حميد بن ثابتٍ: تحدّث بمثل هذا؟ قال: فضرب ثابتٌ صدر حميدٍ ضربةً بيده وقال: رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يحدّث به وأنا لا أحدّث به؟ هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ "). [المستدرك: 2/ 351]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكًّا} قال حماد: هكذا - وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى - قال: فساخ الجبل {وخرّ موسى صعقاً}. أخرجه الترمذي.
شرح الغريب:
(فساخ) ساخت قوائم الدابة في الأرض: إذا غاصت.
(فخرّ) خر إلى الأرض: إذا سقط لوجهه.
(صعقاً) الصعقة: الغشي والموت). [جامع الأصول: 2/ 139-140]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا}.
- عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال: «لمّا تجلّى اللّه لموسى بن عمران تطايرت سبعة أجبالٍ، ففي الحجاز منها خمسةٌ، وفي اليمن اثنان، وفي الحجاز أحدٌ وثبيرٌ وحراءٌ وثورٌ وورقان، وفي اليمن حصورٌ وصبيرٌ».
رواه الطّبرانيّ في الأوسط، وفيه طلحة بن عمرٍو المكّيّ، وهو متروكٌ). [مجمع الزوائد: 7/ 24]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {قال رب أرني} يقول: أعطني أنظر إليك.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة: {قال رب أرني أنظر إليك} قال: لما سمع الكلام طمع في الرؤية.
- وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: حين قال موسى لربه تبارك وتعالى: {رب أرني أنظر إليك} قال الله له: يا موسى إنك لن تراني، قال: يقول: ليس تراني، قال: لا يكون ذلك أبدا يا موسى إنه لا يراني أحدا فيحيا، فقال موسى: رب أن أراك ثم أموت أحب إلي من أن لا أراك ثم أحيا، فقال الله لموسى: يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد {فإن استقر مكانه} يقول: فإن ثبت مكانه
لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمى {فسوف تراني} أنت لضعفك وذلتك وإن الجبل تضعضع وانهد بقوته وشدته وعظمه فأنت أضعف وأذل.
- وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {رب أرني أنظر إليك} قال: قال الله عر وجل: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم.
- وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإنه أكبر منك وأشد خلقا، قال: {فلما تجلى ربه للجبل} فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل يندك على أوله فلما رأى موسى ما يصنع الجبل خر موسى صعقا.
- وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لما أوحى الله إلى موسى بن عمران: إني مكلمك على جبل طور سيناء صار من مقام موسى إلى جبل طور سيناء أربعة فراسخ في أربعة فراسخ رعد وبرق وصواعق فكانت ليلة قر فجاء موسى حتى وقف بين يدي صخرة جبل طور سيناء فإذا هو بشجرة خضراء الماء يقطر منها وتكاد النار تلفح من جوفها فوقف موسى متعجبا فنودي من جوف الشجرة: يا ميشا، فوقف موسى مستمعا للصوت، فقال موسى: من هذا الصوت العبراني يكلمني فقال الله له: يا موسى إني لست بعبراني إني أنا الله رب العالمين، فكلم الله موسى في ذلك المقام بسبعين لغة ليس منها لغة إلا وهي مخالفة للغة الأخرى وكتب له التوراة في ذلك المقام فقال موسى: إلهي أرني أنظر إليك، قال: يا موسى إنه لا يراني أحد إلا مات، فقال موسى: إلهي أرني أنظر إليك وأموت فأجاب موسى جبل طور سيناء: يا موسى بن عمران لقد سألت أمرا عظيما لقد ارتعدت السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن وزالت الجبال واضطربت البحار لعظم ما سألت يا ابن عمران، فقال موسى وأعاد الكلام: {رب أرني أنظر إليك}، فقال: يا موسى أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فإنك تراني {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} مقدار جمعة فلما أفاق موسى مسح التراب عن وجهه وهو يقول: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} فكان موسى بعد مقامه لا يراه أحد إلا مات واتخذ موسى على وجهه البرقع فجعل يكلم الناس بقفاه فبينا موسى ذات يوم في الصحراء فإذا هو بثلاثة نفر يحفرون قبرا حتى انتهوا إلى الضريح فجاء موسى حتى أشرفع عليهم فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر قالوا له: الرجل كأنه أنت أو مثلك أو في طولك أو نحوك، فلو نزلت فقدرنا عليك هذا الضريح، فنزل موسى فتمدد في الضريح فأمر الله الأرض فانطبقت عليه
».
- وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك، أن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: هكذا وأشار بإصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر، وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل {وخر موسى صعقا} وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة.
وأخرج أبو الشيخ ابن مردويه من طريق ثابت عن أنس عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل} قال:
«أظهر مقدار هذا» ووضع الإبهام على خنصر الإصبع الصغرى فقال حميد: يا أبا محمد ما تريد إلى هذا فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد وما أنت يا حميد يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أنت: ما تريد إلى هذا.
- وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الجبل الذي أمر الله أن ينظر إليه: الطور.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس: {فلما تجلى ربه للجبل} قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر {جعله دكا} قال: ترابا، {وخر موسى صعقا} قال: مغشيا عليه.
- وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
«لما تجلى الله لموسى كان يبصر دبيب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أنس بن مالك، أن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
«لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور».
- وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«لما تجلى الله لموسى تطايرت سبعة جبال، ففي الحجاز منها خمسة وفي اليمن اثنان في الحجاز أحد وثبير وثور وورقان وفي اليمن حصور وصير»
- وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: اسمع موسى قال له: إني أنا الله قال: وذاك عشية عرفة وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع، قطعة سقطت بين يديه وهو الذي يقوم الإمام عنده في الموقف يوم عرفة وبالمدينة ثلاثة طيبة وأحد ورضوى وطور سيناء بالشام، وإنما سمي الطور: لأنه طار في الهواء إلى الشام.
- وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: أخرج خنصره.
- وأخرج ابن مردويه عن أنس أن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قرأ: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا}: مثقله ممدودة.
- وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أنس أن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قرأ: {دكا} منونة ولم يمده.
- وأخرج أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«فلما تجلى ربه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعن بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقع بمكة ثور وثبير وحراء»
- وأخرج ابن جرير، وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس، أن موسى لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه فسأله فقال: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} قال: فحف حول الجبل بالملائكة وحف حول الملائكة بنار وحف حول النار بالملائكة وحف حولهم بنار ثم تجلى ربك للجبل تجلى منه مثل الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا فلم يزل صعقا ما شاء الله ثم إنه أفاق فقال: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} يعني أول المؤمنين من بني إسرائيل.
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل} قال: كشف بعض الحجب.
- وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه كان يقرأ هذا الحرف: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: كان حجرا أصم فلما تجلى له صار تلا ترابا دكا من الدكوات.
- وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر وأبو الشيخ عن سفيان في قوله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: ساخ الجبل إلى الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب بعد
- وأخرج أبو الشيخ عن أبي معشر قال: مكث موسى أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من نور رب العالمين ومصداق ذلك في كتاب الله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال: ترابا.
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صما ملسا ليس فيها كهوف ولا شقوق فلما تجلى الله لموسى على الطور صار الطور دكا وتفطرت الجبال فصارت فيها هذه الكهوف والشقوق.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله: {دكا} قال: الأرض المستوية.
- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة: {جعله دكا} قال: دك بعضه بعضا.
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وخر موسى صعقا} قال: غشى عليه إلا أن روحه في جسده {فلما أفاق قال} لعظم ما رأى {سبحانك} تنزيها الله من أن يراه {تبت إليك} رجعت عن الأمر الذي كنت عليه {وأنا أول المؤمنين} يقول: أول المصدقين الآن أنه لا يراك أحد.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس {وأنا أول المؤمنين} يقول: أنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وخر موسى صعقا} أي ميتا، {فلما أفاق} قال: فلما رد عليه روحه ونفسه، {قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} إنه لن تراك نفس فتحيا وإليها يفزع كل عالم.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {تبت إليك} قال: من سؤالي إياك الرؤية، {وأنا أول المؤمنين} قال: أول قومي إيمانا.
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: {وأنا أول المؤمنين} قال: قد كان أذن قبله مؤمنون ولكن يقول: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.
- وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود، وابن مردويه عن أبي سعيد عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
«لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور»). [الدر المنثور: 6/ 555-564]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 09:26 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}

تفسير قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين}
{وواعدنا موسى}: ووعدنا موسى.
{ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر}
- قيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يوما، وأن يعمل فيها بما يقربه إلى اللّه.
- وقيل في العشر أنزلت عليه التوراة وكلّم فيها.
- وقال بعضهم لما صام ثلاثين يوما أنكر خلوف فيه فاستاك بعود خرّوب، فقالت الملائكة إنا كنا نستنشئ من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فزيدت عليه عشر ليال.
وقد قال في موضع آخر: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} فهذا دليل أن المواعدة كانت أربعين ليلة كاملة، واللّه جلّ وعزّ أعلم.
وقوله: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي}
يجوز (هارونَ) بالفتح وهو في موضع جر بدلا من أخيه، ويجوز (لأخيه هارونُ) بضم النون، ويكون المعنى: وقال موسى لأخيه، يا هارون {اخلفني في قومي}). [معاني القرآن: 2/ 372]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر}
قال مجاهد: الثلاثون ذو القعدة والعشر عشر من ذي الحجة.
والفائدة في قوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة}؛ أنه قد دل على أن العشر ليال وأنها ليست بساعات
- وقيل هو توكيد.
- وقيل هو بمنزلة فذلك أي فليس بعدها شيء يذكر). [معاني القرآن: 3/ 74]

تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ({جعله دكّاً}؛ أي مستوياً مع وجه الأرض، وهو مصدرٌ جعله صفة، ويقال: ناقة دكّاء أي ذاهبة السّنام مستوٍ ظهرها أملس، وكذلك أرض دكّاء، قال الأغلب: هل غير غارٍ دكّ غاراً فانهدم). [مجاز القرآن: 1/ 228]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}
وقال: {جعله دكّاً} لأنه حين قال: {جعله} كان كأنه قال "دكّه" ويقال: {دكّاء} وإذا أراد ذا فـ[قد] أجري مجرى {وسئل القرية} لأنه يقال: "ناقةٌ دكّاء" إذا ذهب سنامها.
وقال: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل} يقول "تجلّى أمره" نحو ما يقول الناس: "برز فلان لفلان" وإنّما برز جنده.
وأمّا قوله: {ربّ أرني أنظر إليك} فإنما أراد علما لا يدرك مثله إلاّ في الآخرة فأعلم الله موسى أن ذلك لا يكون في الدنيا. وقرأها بعضهم {دكّاء} جعله "فعلاء" وهذا لا يشبه أن يكون. وهو في كلام العرب: "ناقةٌ دكّاء" أي: ليس لها سنام. والجبل مذكر إلا أن يكون "جعله مثل دكّاء" وحذف "مثل"). [معاني القرآن: 2/ 16-17]
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (أبو جعفر وشيبة ونافع {ولكن انظر} بالضم.
الحسن {جعله دكا} منون.
أبو عمرو بالتنوين.
العمش وغيره {جعله دكاء} على فعلاء؛ كأنه قال: فجعله أرضًا دكاء، أو بقعة على التأنيث، والفعل فيه: دكه يدكه دكًا؛ أي فته وديثه؛ وقالوا: هذه أرض دك، وأرضون دكوك؛ على قراءة الحسن وأبي عمرو.
قال الأعشى:
[معاني القرآن لقطرب: 572]
وإن أجلبت صهيون يوما عليكما = فإن رحى الحرب الدكوك رحاكما
وقال حميد الأرقط:
يدك أركان الجبال هزمه = يخطر بالبيض الرقاب بهمه). [معاني القرآن لقطرب: 573]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({جعله دكا}: مستويا يقال ناقة ذكاء إذا ذهب سنامها واستوى بظهرها). [غريب القرآن وتفسيره: 150]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({تجلّى ربّه} أي ظهر. أو ظهر من أمره ما شاء. ومنه يقال: جلوت العروس: إذا أبرزتها. ومنه يقال: جلوت المرآة والسيف: إذا أبرزته من الصدأ والطبع، وكشفت عنه.
{جعله دكًّا} أي ألصقه بالأرض. يقال: ناقة دكّاء: إذا لم يكن لها سنام. كأنّ سنامها دكّ - أي ألصق - ويقال: إنّ دككت، ودققت فأبدلت القاف فيه كافا. لتقارب المخرجين.
{وخرّ موسى صعقاً} أي مغشيا عليه). [تفسير غريب القرآن: 172]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه عام يراد به خاص:
كقوله سبحانه -حكاية عن النبي، صلّى الله عليه وسلم-: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، وحكاية عن موسى: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ولم يرد كل المسلمين والمؤمنين، لأن الأنبياء قبلهما كانوا مؤمنين ومسلمين، وإنما أراد مؤمني زمانه ومسلميه). [تأويل مشكل القرآن: 281](م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (الصّعق: الموت، قال تعالى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} ، وقال تعالى: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} أي ميّتا، ثم ردّ الله إليه حياته). [تأويل مشكل القرآن: 501](م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ({ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين}
{ولمّا جاء موسى لميقاتنا}؛ أي للوقت الذي وقتنا له.
{وكلّمه ربّه} كلم الله موسى تكليما. خصّه اللّه أنه لم يكن بينه وبين الله جل ثناؤه وفيما سمع أحد، ولا ملك أسمعه اللّه كلامه، فلما سمع الكلام {قال ربّ أرني أنظر إليك} أي قد خاطبتني من حيث لا أراك، والمعنى أرني نفسك.
وقوله: {أرني أنظر}؛ مجزوم جواب الأمر.
{قال لن تراني}؛ ولن نفي لما يستقبل.
{ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني}.
{فلمّا تجلّى ربّه للجبل}؛ أي ظهر وبان.
{جعله دكّا}:
يجوز "دكّا" بالتنوين، ودكاء بغير تنوين، أي جعله مدقوقا مع الأرض؛ يقال دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكّا، والدكّاء والدّكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها، لا تبلغ أن تكون جبلا.
وقوله: {وخرّ موسى صعقا}
(صعقا) منصوب على الحال، وقيل إنه خرّ ميّتا، وقيل خرّ مغشيا عليه.
{فلما أفاق}: ولا يكاد يقال للميت قد أفاق من موته، ولكن للذي غشي عليه والذي يذهب عقله قد أفاق من علته، لأن الله جلّ ثناؤه قال في الذين ماتوا: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم}.
وقوله: {قال سبحانك} أي تنزيها لك من السوء.
جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن قوله: " سبحان اللّه " تنزيه للّه من السوء.
وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة بما فيه.
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن تفسيره يجمعون عليه.
وقوله: {وأنا أوّل المؤمنين} أي أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا.
هذا معنى {أرني انظر إليك} إلى آخره الآية، وهو قول أهل العلم وأهل السنة.
وقال قوم: معنى (أرني أنظر إليك)، أرني أمرا عظيما لا يرى مثله في الدنيا مما لا تحتمله بنية موسى، قالوا فأعلمه أنّه لن يرى ذلك الأمر، وأن معنى. {فلمّا تجلّى ربّه للجبل}: تجلى أمر ربّه.
وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة، ولا في الكلام دليل أن موسى أراد أن يرى أمرا عظيما من أمر اللّه، وقد أراه اللّه من الآيات في نفسه ما لا غاية بعده.
قد أراه عصاه ثعبانا مبينا، وأراه يده تخرج بيضاء من غير سوء وكان أدم، وفرق البحر بعصاه. فأراه من الآيات العظام ما يستغنى به عن أن يطلب أمرا من أمر الله عظيما، ولكن لما سمع كلام الله قال: رب أرني أنظر إليك، سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك. فأعلمه الله جل ثناؤه إنّه لن يراه.
ثم أمره الله أن يشكره، فقال: {يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشّاكرين}). [معاني القرآن: 2/ 372-374]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): ( وقوله جل وعز: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي للميقات الذي وقتناه له.
{وكلمه ربه} أي خصه بذلك.
وقوله جل وعز: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا}
- قال قتادة: دك بعضه بعضا.
- وقال عكرمة: إنما هو جعله دكاء من الدكاوات، والتقدير على هذه القراءة: جعله أرضا دكاء؛ وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلا.
قال عكرمة: لما نظر الله جل وعز إلى الجبل صار صحراء ترابا.
ثم قال جل وعز: {وخر موسى صعقا} قيل ميتا
وقال سعيد بن عروبة عن قتادة: مغشيا عليه {فلما أفاق قال سبحانك إني تبت إليك}
قال مجاهد: أي تبت من أن أسألك الرؤيا وأنا أول المؤمنين أي أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات؛ لأن سؤاله كان في الدنيا.
قال قتادة: لما أخذ الألواح فرأى فيها وصف أمة محمد وتقريظهم فقال: يا رب اجعلهم أمتي. فقال: تلك أمة أحمد، فقالك فاجعلني منهم، قال: إنك لن تدركهم، وقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي. فرضي موسى). [معاني القرآن: 3/ 74-76]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({تَجَلَّى} ظهر. أي ظهر من أمره ما شاء الله عز وجل.
{جَعَلَهُ دَكّاً} أي ألصقه بالأرض). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 87]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({دَكًّا}: مستوياً). [العمدة في غريب القرآن: 137]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الأولى 1434هـ/12-03-2013م, 05:16 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) }

تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15 شعبان 1435هـ/13-06-2014م, 01:01 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15 شعبان 1435هـ/13-06-2014م, 01:02 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15 شعبان 1435هـ/13-06-2014م, 01:03 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15 شعبان 1435هـ/13-06-2014م, 01:08 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين (142) ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني}
قرأ أبو عمرو وأبيّ بن كعب وأبو رجاء وأبو جعفر وشيبة «ووعدنا» وقد تقدم في البقرة، وأخبر الله تعالى موسى عليه السلام أن يتهيأ لمناجاته ثلاثين ليلةً ثم زاده في الأجل بعد ذلك عشر ليال، فذكر أن «موسى» عليه السلام أعلم بني إسرائيل بمغيبه «ثلاثين ليلة» فلما زاده العشر في حال مغيبه دون أن تعلم بنو إسرائيل ذلك وجست نفوسهم للزيادة على ما أخبرهم به، فقال لهم السامري: إن «موسى» قد هلك وليس براجع وأضلهم بالعجل فاتبعوه، قاله كله ابن جريج، وقيل: بل أخبرهم بمغيبه أربعين وكذلك أعلمه الله تعالى وهو المراد بهذه الآية، قاله الحسن، وهو مثل قوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ} [البقرة: 196] وأنهم عدوا الأيام والليالي فلما تم «أربعون» من الدهر قالوا قد أخلف «موسى» فضلوا، قال مجاهد إن «الثلاثين» هي شهر ذي القعدة وإن «العشر» هي «عشر» ذي الحجة، وقاله ابن عباس ومسروق.
وروي أن «الثلاثين» إنما وعد بأن يصومها ويتهيأ فيها للمناجاة ويستعد وأن مدة المناجاة هي «العشر»، وقيل بل مدة المناجاة «الأربعون»، وإقبال «موسى» على الأمر والتزامه يحسن لفظ المواعدة، وحيث ورد أن المواعدة أربعون ليلة فذلك إخبار بجملة الأمر وهو في هذه الآية إخبار بتفصيله كيف وقع، وأربعين في هذه الآية وما بعدها في موضع الحال، ويصح أن تكون أربعين ظرفا من حيث هي عدد أزمنة، وفي مصحف أبي بن كعب «وتممناها» بغير ألف وتشديد الميم، وذكر الزجاج عن بعضهم قال: لما صام ثلاثين يوما أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خروب فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فزيدت عليه عشر ليال، وثلاثين نصب على تقدير أجلناه «ثلاثين» وليست منتصبة على الظرف لأن المواعدة لم تقع في «الثلاثين»، ثم ردد الأمر بقوله فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً قيل ليبين أن «العشر» لم تكن ساعات وبالجملة فتأكيد وإيضاح.
وقوله تعالى: {وقال موسى لأخيه ... الآية}، المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها، واخلفني معناه كن خليفتي وهذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته لا يقتضي أنه متماد بعد وفاة فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية في قولهم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- استخلف عليا بقوله أنت مني كهارون من «موسى» وقال موسى اخلفني فيترتب على هذا أن عليا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما ذكرناه يحل هذا القياس. وأمره في هذه الآية بالإصلاح ثم من الطرق الأخر في أن لا يتبع سبيل مفسد، قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه). [المحرر الوجيز: 4/ 38-39]

تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم أخبر الله تعالى عن «موسى» عليه السلام أنه لما جاء إلى الموضع الذي حد له وفي الوقت الذي عين له وكلمه ربه قال تمنيا منه أي ربّ أرني أنظر إليك وقرأ الجمهور: أرني بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير أرني بسكون الراء، والمعنى في قوله كلّمه أي خلق له إدراكا سمع به الكلام القائم بالذات القديم الذي هو صفة ذات، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أدنى الله تعالى «موسى» حتى سمع صريف الأقلام في اللوح، وكلام الله عز وجلّ لا يشبه شيئا من الكلام الذي للمخلوقين ولا في جهة من الجهات وكما هو موجود لا كالموجودات، ومعلوم لا كالمعلومات، كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه علامات الحدوث، والواو عاطفة كلّمه على جاء، ويحتمل أن تكون واو الحال والأول أبين، وقال وهب بن منبه كلم الله «موسى» في ألف مقام كان يرى نور على وجهه ثلاثة أيام إثر كل مقام، وما قرب «موسى» النساء منذ «كلمه» الله تعالى، وجواب لمّا في قوله قال، والمعنى أنه لما «كلمه» وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشوق إلى ذلك، فسأل ربه أن يريه نفسه، قاله السدي وأبو بكر الهذلي، وقال الربيع: قربناه نجيا حتى سمع صريف الأقلام، ورؤية الله عز وجل عند الأشعرية وأهل السنة جائزة عقلا، لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته، قالوا لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود، إلا أن الشريعة قررت رؤية الله تعالى في الآخرة نصا ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من الشرع، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالا وإنما سأل جائزا.
وقوله تعالى: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ... الآية} ليس بجواب من سأل محالا، وقد قال تعالى لنوح: {فلا تسئلن ما ليس لك به علمٌ إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] فلو سأل «موسى» محالا لكان في الكلام زجر ما وتبيين، وقوله عز وجل: لن تراني نص من الله -تعالى- على منعه الرؤية في الدنيا، ولن تنفي الفعل المستقبل ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه «موسى» أبدا ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى بالحديث المتواتر ان أهل الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرى برؤيته، وقال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال لموسى: لن تراني ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي فستمكنك أنت رؤيتي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فعلى هذا إنما جعل الله له الجبل مثالا وقالت فرقة: إنما المعنى سأتبدى لك على الجبل فإن استقر لعظمتي فسوف تراني، وروي في كيفية وقوف «موسى» وانتظاره الرؤية قصص طويل اختصرته لبعده وكثرة مواضع الاعتراض فيه). [المحرر الوجيز: 4/ 39-41]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين (143) قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشّاكرين (144) وكتبنا له في الألواح من كلّ شيءٍ موعظةً وتفصيلاً لكلّ شيءٍ فخذها بقوّةٍ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145)}
قال المتأولون المتكلمون كالقاضي ابن الباقلاني وغيره: إن الله -عز وجل- خلق للجبل حياة وحسا وإدراكا يرى به، ثم تجلى له أي ظهر وبدا سلطانه فاندك الجبل لشدة المطلع، فلما رأى موسى ما بالجبل صعق، وهذا المعنى هو المروي عن ابن عباس، وأسند الطبري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قرأ فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا قال: فوضع الإبهام قريبا من خنصره قال فساخ الجبل، فقال حميد لثابت: تقول هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقوله أنس، وأكتمه أنا؟ وقالت فرقة: المعنى فلما تجلى الله للجبل بقدرته وسلطانه اندك الجبل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا التأويل يتمسك به المعتزلة تمسكا شديدا لقولهم إن رؤية الله -عز وجل- غير جائزة، وقائله من أهل السنة إنما يقوله مع اعتقاده جواز الرؤية ولكنه يقول إنه أليق بألفاظ الآية من أن تحمل الآية أن الجبل خلق له إدراك وحياة، وقال الزّجاج: من قال إن التقدير فلما تجلى أمر ربه فقد أخطأ ولا يعرف أهل اللغة ذلك، ورد أبو علي في الإغفال عليه، والدك الانسحاق والتفتت، وقرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر «دكّا»، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم «دكاء» على وزن حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضا دكاء تشبيها بالناقة، فروي أنه ذهب الجبل بجملته، وقيل ذهب أعلاه وبقي أكثره، وروي أن الجبل تفتت وانسحق حتى صار غبارا تذروه الرياح، وقال سفيان: روي أنه ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر الذي تحت الأرضين، قال ابن الكلبي فهو يهوي فيه إلى يوم القيامة، وروي أنه انكسر ست فرق فوقعت منه ثلاث بمكة ثبير وغار ثور وحراء، وثلاث بالمدينة أحد وورقان ورضوى، قاله النقاش، وقال أبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، وصعقاً معناه مغشيا عليه كحال من تصيبه الصعقة وهي الصيحة المفرطة، قال الخليل: وهي الوقع الشديد من صوت الرعد قاله ابن زيد وجماعة من المفسرين، وقال قتادة: كان موتا، قال الزجّاج: وهو ضعيف، ولفظة أفاق تقتضي غير هذا، وقوله سبحانك: أي تنزيها لك كذا فسره النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقوله تبت إليك معناه من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول ما اطلع ولم يعن به التوبة من شيء معين ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال المحال كما زعمت المعتزلة، وقرأ نافع وأنا بإثبات الألف في الإدراج، قال الزهراوي والأولى حذفها في الإدراج وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس، وقوله: أوّل إما أن يريد من قومه بني إسرائيل، وهو قول ابن عباس ومجاهد أو من أهل زمانه ان كان الكفر قد طبق الآفاق وإما أن يريد أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، قاله أبو العالية).[المحرر الوجيز: 4/ 41-43]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15 شعبان 1435هـ/13-06-2014م, 01:09 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15 شعبان 1435هـ/13-06-2014م, 01:13 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,923
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين (142)}
يقول تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل، بما حصل لهم من الهداية، بتكليمه موسى، عليه السّلام، وإعطائه التّوراة، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنّه واعد موسى ثلاثين ليلةً.
قال المفسّرون: فصامها موسى، عليه السّلام، فلمّا تمّ الميقات استاك بلحاء شجرةٍ، فأمره اللّه تعالى أن يكمل بعشرٍ أربعين.
وقد اختلف المفسّرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أنّ الثّلاثين هي ذو القعدة، والعشر عشر ذي الحجّة. قاله مجاهدٌ، ومسروقٌ، وابن جريجٍ. وروي عن ابن عبّاسٍ. فعلى هذا يكون قد كمّل الميقات يوم النّحر، وحصل فيه التّكليم لموسى، عليه السّلام، وفيه أكمل اللّه الدّين لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} [المائدة:3]
فلمّا تمّ الميقات عزم موسى على الذّهاب إلى الطّور، كما قال تعالى: {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوّكم وواعدناكم جانب الطّور الأيمن} الآية [طه: 80]، فحينئذٍ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإصلاح وعدم الإفساد. وهذا تنبيهٌ وتذكيرٌ، وإلّا فهارون، عليه السّلام، نبيٌّ شريفٌ كريمٌ على اللّه، له وجاهةٌ وجلالةٌ، صلوات اللّه وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 468]

تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين (143)}
يخبر تعالى عن موسى، عليه السّلام، أنّه لمّا جاء لميقات اللّه تعالى، وحصل له التّكليم من اللّه [تعالى] سأل اللّه تعالى أن ينظر إليه فقال: {ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني}
وقد أشكل حرف "لن" هاهنا على كثيرٍ من العلماء؛ لأنّها موضوعةٌ لنفي التّأبيد، فاستدلّ به المعتزلة على نفي الرّؤية في الدّنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال؛ لأنّه قد تواترت الأحاديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ المؤمنين يرون اللّه في الدّار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: {وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ. إلى ربّها ناظرةٌ. ووجوهٌ يومئذٍ باسرةٌ} [القيامة:22، 23].
وقوله تعالى إخبارًا عن الكفّار: {كلا إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون} [المطفّفين:15]
وقيل: إنّها لنفي التّأبيد في الدّنيا، جمعًا بين هذه الآية، وبين الدّليل القاطع على صحّة الرّؤية في الدّار الآخرة.
وقيل: إنّ هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير} وقد تقدّم ذلك في الأنعام [الآية:103].
وفي الكتب المتقدّمة أنّ اللّه تعالى قال لموسى، عليه السّلام: "يا موسى، إنّه لا يراني حيٌّ إلّا مات، ولا يابسٌ إلّا تدهده"؛ ولهذا قال تعالى: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا}
قال أبو جعفر بن جريرٍ الطّبريّ في تفسير هذه الآية: حدّثنا أحمد بن سهيل الواسطيّ، حدّثنا قرّة بن عيسى، حدّثنا الأعمش، عن رجلٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال: "لما تجلّى ربّه للجبل، أشار بإصبعه فجعله دكًّا" وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السّبّابة
هذا الإسناد فيه رجلٌ مبهمٌ لم يسمّ، ثمّ قال
حدّثني المثنّى، حدّثنا حجّاج بن منهال، حدّثنا حمّاد، عن ليث، عن أنسٍ؛ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: "هكذا بإصبعه -ووضع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر-فساخ الجبل"
هكذا وقع في هذه الرّواية "حمّاد بن سلمة، عن ليثٍ، عن أنسٍ". والمشهور: "حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ"، كما قال ابن جريرٍ:
حدّثني المثنّى، حدّثنا هدبة بن خالدٍ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قال {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} قال: وضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل -قال حميدٌ لثابتٍ: تقول هذا؟ فرفع ثابتٌ يده فضرب صدر حميدٍ، وقال: يقوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ويقوله أنسٌ وأنا أكتمه؟
وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده: حدّثنا أبو المثنّى، معاذ بن معاذٍ العنبريّ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، حدّثنا ثابتٌ البنانيّ، عن أنس بن مالكٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل [جعله دكًّا]} قال: قال هكذا -يعني أنه خرج طرف الخنصر -قال أحمد: أرانا معاذٌ، فقال له حميدٌ الطّويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمّدٍ؟ قال: فضرب صدره ضربةً شديدةً وقال: من أنت يا حميد؟! وما أنت يا حميد؟! يحدّثني به أنس بن مالكٍ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فتقول أنت: ما تريد إليه؟!
وهكذا رواه التّرمذيّ في تفسير هذه الآية عن عبد الوهّاب بن الحكم الورّاق، عن معاذ بن معاذٍ به. وعن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الدّارميّ، عن سليمان بن حربٍ، عن حمّاد [بن سلمة] به ثمّ قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلّا من حديث حمّادٍ.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرقٍ، عن حمّاد بن سلمة، به. وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه
ورواه أبو محمّدٍ الحسن بن محمّدٍ الخلّال، عن محمّد بن عليّ بن سويد، عن أبي القاسم البغويّ، عن هدبة بن خالدٍ، عن حمّاد بن سلمة، فذكره وقال: هذا إسنادٌ صحيحٌ لا علّة فيه.
وقد رواه داود بن المحبّر، عن شعبة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ مرفوعًا [وهذا ليس بشيء، لأن داود ابن المحبّر كذّابٌ ورواه الحافظان أبو القاسم الطّبرانيّ وأبو بكرٍ] بنحوه
وأسنده ابن مردويه من طريقين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنسٍ مرفوعًا بنحوه، وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا، ولا يصحّ أيضًا.
وقال السّدّي، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قول اللّه تعالى: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل} قال: ما تجلّى منه إلّا قدر الخنصر {جعله دكًّا} قال: ترابًا {وخرّ موسى صعقًا} قال: مغشيًا عليه. رواه ابن جريرٍ.
وقال قتادة: {وخرّ موسى صعقًا} قال: ميّتًا.
وقال سفيان الثّوريّ: ساخ الجبل في الأرض، حتّى وقع في البحر فهو يذهب معه
وقال سنيد، عن حجّاج بن محمّدٍ الأعور، عن أبي بكرٍ الهذليّ: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا} انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.
وجاء في بعض الأخبار أنّه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عمر بن شبّة، حدّثنا محمّد بن يحيى أبو غسّان الكنانيّ، حدّثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد اللّه، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرّة، عن أنس بن مالكٍ؛ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "لمّا تجلّى اللّه للجبال طارت لعظمته ستّة أجبلٍ، فوقعت ثلاثةٌ بالمدينة وثلاثةٌ بمكّة، بالمدينة: أحدٌ، وورقان، ورضوى. ووقع بمكّة: حراءٌ، وثبير، وثورٌ".
وهذا حديثٌ غريبٌ، بل منكرٌ
وقال ابن أبي حاتمٍ: ذكر عن محمّد بن عبد اللّه بن أبي الثّلج، حدّثنا الهيثم بن خارجة، حدّثنا عثمان بن حصين بن علاق، عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلّى اللّه لموسى على الطّور صمًا ملسا، فلمّا تجلّى اللّه لموسى على الطّور دكّ وتفطّرت الجبال فصارت الشّقوق والكهوف.
وقال الرّبيع بن أنسٍ: {فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا} وذلك أنّ الجبل حين كشف الغطاء ورأى النّور، صار مثل دكٍّ من الدّكاك. وقال بعضهم: {جعله دكًّا} أي: فتّته.
وقال مجاهدٌ في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني} فإنّه أكبر منك وأشدّ خلقًا، {فلمّا تجلّى ربّه للجبل} فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدكّ على أوّله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخرّ صعقًا.
وقال عكرمة: {جعله دكًّا} قال: نظر اللّه إلى الجبل، فصار صحراء ترابًا.
وقد قرأ بهذه القراءة بعض القرّاء، واختارها ابن جريرٍ، وقد ورد فيها حديث مرفوع، رواه بن مردويه.
والمعروف أنّ "الصّعق" هو الغشي هاهنا، كما فسّره ابن عبّاسٍ وغيره، لا كما فسّره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللّغة، كقوله تعالى: {ونفخ في الصّور فصعق من في السّماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه ثمّ نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون} [الزّمر:68] فإنّ هناك قرينةٌ تدلّ على الموت كما أنّ هنا قرينةً تدلّ على الغشي، وهي قوله: {فلمّا أفاق} والإفاقة إنّما تكون من غشيٍّ.
{قال سبحانك} تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا أن يراه أحدٌ من الدّنيا إلّا مات.
وقوله: {تبت إليك} قال مجاهد: أن أسألك الرؤية.
{وأنا أوّل المؤمنين} قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ: من بني إسرائيل. واختاره ابن جريرٍ. وفي روايةٍ أخرى عن ابن عبّاسٍ: {وأنا أوّل المؤمنين} أنّه لا يراك أحدٌ. وكذا قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بك أنّه لا يراك أحدٌ من خلقك إلى يوم القيامة.
وهذا قولٌ حسنٌ له اتّجاهٌ. وقد ذكر محمّد بن جريرٍ في تفسيره هاهنا أثرًا طويلًا فيه غرائب وعجائب، عن محمّد بن إسحاق بن يسارٍ [رحمه اللّه] وكأنّه تلقّاه من الإسرائيليّات واللّه [تعالى] أعلم.
وقوله: {وخرّ موسى صعقًا} فيه أبو سعيدٍ وأبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأمّا حديث أبي سعيدٍ، فأسنده البخاريّ في صحيحه هاهنا، فقال:
حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، رضي اللّه عنه، قال: جاء رجلٌ من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه، فقال: يا محمّد، إنّ رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: "ادعوه" فدعوه، قال: "لم لطمت وجهه؟ " قال: يا رسول اللّه، إنّي مررت باليهوديّ فسمعته يقول: والّذي اصطفى موسى على البشر.
قال: قلت: وعلى محمّدٍ؟ فأخذتني غضبةٌ فلطمته، قال: "لا تخيّروني من بين الأنبياء، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطّور".
وقد رواه البخاريّ في أماكن كثيرةٍ من صحيحه، ومسلمٌ في أحاديث الأنبياء من صحيحه، وأبو داود في كتاب "السّنّة" من سننه من طرقٍ، عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازنيّ الأنصاريّ المدنيّ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ سعد بن مالك بن سنانٍ الخدريّ، به
وأمّا حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده:
حدّثنا أبو كاملٍ، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، حدّثنا ابن شهابٍ، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن وعبد الرّحمن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: استبّ رجلان: رجلٌ من المسلمين، ورجلٌ من اليهود، فقال المسلم: والّذي اصطفى محمّدًا على العالمين. وقال اليهوديّ: والّذي اصطفى موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهوديّ فلطمه، فأتى اليهوديّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسأله فأخبره، فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فاعترف بذلك، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا تخيّروني على موسى؛ فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق، فأجد موسى ممسكًا بجانب العرش، فلا أدري أكان ممّن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممّن استثناه اللّه، عزّ وجلّ". أخرجاه في الصّحيحين، من حديث الزّهريّ، به
وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدّنيا، رحمه اللّه: أنّ الّذي لطم اليهوديّ في هذه القضيّة هو أبو بكرٍ الصّدّيق، رضي اللّه عنه ولكن تقدّم في الصّحيحين أنّه رجلٌ من الأنصار، وهذا هو أصحّ وأصرح، واللّه أعلم.
والكلام في قوله، عليه السّلام: "لا تخيّروني على موسى"، كالكلام على قوله: "لا تفضّلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متّى"، قيل: من باب التّواضع. وقيل: قبل أن يعلم بذلك. وقيل: نهى أن يفضّل بينهم على وجه الغضب والتّعصّب. وقيل: على وجه القول بمجرّد الرّأي والتّشهّي، واللّه أعلم.
وقوله: "فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة"، الظّاهر أنّ هذا الصّعق يكون في عرصات القيامة، يحصل أمرٌ يصعقون منه، واللّه أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرّبّ تبارك وتعالى لفصل القضاء، وتجلّى للخلائق الملك الدّيّان، كما صعق موسى من تجلّي الرّبّ، عزّ وجلّ، ولهذا قال، عليه السّلام: "فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطّور"؟
وقد روى القاضي عياضٌ في أوائل كتابه "الشّفاء" بسنده عن محمّد بن محمّد بن مرزوقٍ: حدّثنا قتادة، حدّثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثّابٍ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "لمّا تجلّى اللّه لموسى، عليه السّلام، كان يبصر النّملة على الصّفا في اللّيلة الظّلماء، مسيرة عشرة فراسخ" ثمّ قال: "ولا يبعد على هذا أنّ يختصّ نبيًّا بما ذكرناه من هذا الباب، بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربّه الكبرى.
انتهى ما قاله، وكأنّه صحّح هذا الحديث، وفي صحّته نظرٌ، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنّما يقبل من رواية العدل الضّابط عن مثله، حتّى ينتهي إلى منتهاه، واللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 468-473]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:41 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة