العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأنعام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 12:38 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأنعام [ من الآية (21) إلى الآية (26) ]

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:55 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف



تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو كذّب بآياته إنّه لا يفلح الظّالمون}.
يقول تعالى ذكره: ومن أشدّ اعتداءً، وأخطأ فعلاً، وأخطل قولاً {ممّن افترى على اللّه كذبًا}، يعني: ممّن اختلق على اللّه قيل باطلٍ، واخترق من نفسه عليه كذبًا، فزعم أنّ له شريكًا من خلقه وإلهًا يعبد من دونه كما قاله المشركون من عبدة الأوثان، أو ادّعى له ولدًا أو صاحبةً كما قالته النّصارى {أو كذّب بآياته} يقول: أو كذّب بحججه وأعلامه وأدلّته الّتي أعطاها رسله على حقيقة نبوّتهم كذّبت بها اليهود. {إنّه لا يفلح الظّالمون} يقول: إنّه لا يفلح القائلون على اللّه الباطل، ولا يدركون البقاء في الجنان، والمفترون عليه الكذب والجاحدون بنبوّة أنبيائه). [جامع البيان: 9/ 188]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو كذّب بآياته إنّه لا يفلح الظّالمون (21) }
قوله تعالى: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا ... الآية}
- حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، أنا حفص بن عمر العوفيّ، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال النّضر وهو من بني عبد الدّار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزّى فأنزل اللّه تعالى: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو كذّب بآياته إنّه لا يفلح الظّالمون}). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1273]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر وهو من بني عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى فأنزل الله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون}). [الدر المنثور: 6/ 31]

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعًا ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون}.
يقول تعالى ذكره: إنّ هؤلاء المفترين على اللّه كذبًا، والمكذّبين بآياته، لا يفلحون اليوم في الدّنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا، يعني: ولا في الآخرة. ففي الكلام محذوفٌ قد استغنى بذكر ما ظهر عمّا حذف.
وتأويل الكلام: إنّه لا يفلح الظّالمون اليوم في الدّنيا، {ويوم نحشرهم جميعًا}؛ فقوله: {ويوم نحشرهم}، مردودٌ على المراد في الكلام، لأنّه وإن كان محذوفًا منه فكأنّه فيه لمعرفة السّامعين بمعناه.
{ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم} يقول: ثمّ نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على اللّه الكذب بادّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذّبين بآياته ورسله، فجمعنا جميعهم يوم القيامة: {أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون} أنّهم لكم آلهةٌ من دون اللّه، افتراءً وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا، فأتوا بهم إن كنتم صادقين). [جامع البيان: 9/ 188-189]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ويوم نحشرهم جميعًا ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون (22)}
قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا}
الوجه الأول:
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون عن مجاهدٍ: {ويوم نحشرهم} قال: الحشر: الموت). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1273]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر قال: أخبرني رجل عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت أشياء تختلف علي من القرآن. قال: «ما هو أشك في القرآن؟!» قال: ليس بشك ولكن اختلاف. قال: «فهات ما اختلف عليك من ذلك». قال: أسمع الله حيث يقول: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}، وقال: {ولا يكتمون الله حديثا} فقد كتموا. قال: وماذا قال؟ اسمعه يقول: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} وقال: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين حتى بلغ طائعين} وقال في الآية الأخرى: {السماء بنها رفع سمكها فسوها}، ثم قال: {والأرض بعد ذلك دحاها}، قال اسمعه يقول: {كان الله} ما شأنه يقول: وكان الله؟ فقال ابن عباس: أما قوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}؛ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحد المشركون فقالوا والله ربنا ما كنا مشركين رجاء أن يغفر لهم فختم على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا، وأما قوله: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}؛فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ثم نفخ فيه أخرى فإذا هي قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وأما قوله قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض، وأما قوله: {والأرض بعد ذلك دحها}؛ فيقول: جعل فيها جبلا جعل فيها نهرا جعل فيها شجرا جعل فيها بحورا.
أخبرني معمر قال: أخبرني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فخلق الله الأرض قبل السماء فثار من الأرض دخان ثم خلقت السماء بعد
وأما قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} فيقول: «مع ذلك دحاها و مع وبعد سواء في كلام العرب قال ابن عباس: وأما قوله: {كان الله} فإن الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك عزيز حكيم عليم قدير لم يزل كذلك فما اختلف عليك من القرآن وهو شبه ما ذكرت لك وإن الله لم ينزل شيئا إلا قد أصاب به الذي أراد ولكن الناس لا يعلمون). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 160-162]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، وقال قتادة: {لم تكن فتنتهم} قال: مقالتهم
،قال معمر: وقد سمعت من يقول: معذرتهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 206]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {والله ربّنا ما كنّا مشركين}
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن زيد، قال: شعيب ابن الحبحاب، قال: سمعت الشّعبي يقرؤها: {والله ربّنا}، فقلت له: إن أصحابنا يقرؤون: {والله ربّنا}، قال: هكذا أقرأنيها علقمة .
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن زيدٍ، عن عاصم بن بهدلة، قال: كان أصحاب عبد اللّه يقرؤونها: {واللّه ربّنا}، وكان أبو عبد الرحمن يقرؤها: {والله ربّنا} .
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الشّعبيّ، عن علقمة أنّه كان يقرؤها: {والله ربنا} ). [سنن سعيد بن منصور: 5/ 8-10]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) :(قال ابن عبّاسٍ: {ثمّ لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] : «معذرتهم»).[صحيح البخاري: 6/ 55] (م)
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: قال ابن عبّاسٍ: {ثمّ لم تكن فتنتهم}: معذرتهم وصله بن أبي حاتم، من طريق بن جريجٍ، عن عطاءٍ عنه، وقال معمرٌ ،عن قتادة: {فتنتهم}: مقالتهم، قال: وسمعت من يقول: معذرتهم. أخرجه عبد الرّزّاق، وأخرج عبد بن حميدٍ، عن يونس، عن شيبان، عن قتادة، في قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} قال: معذرتهم). [فتح الباري: 8/ 287]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فيه
وقال ابن عبّاس: {فتنتهم}: معذرتهم، {معروشات}: ما يعرش من الكرم وغير ذلك، {حمولة}: ما يحمل عليها، {وللبسنا}: لشبهنا {ينأون}: يتباعدون، تبسل: تفضح، {أبسلوا}: فضحوا، {باسطوا أيديهم}: البسط الضّرب، {استكثرتم من الإنس}: أضللتم كثيرا من الإنس، {ممّا ذرأ من الحرث}: جعلوا لله من ثمراتهم ومالهم نصيبا وللشيطان والأوثان نصيبا، أما {اشتملت} يعني: هل تشتمل إلّا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا،{مسفوحا}: مهراقا ،{صدف}: أعرض أبلسوا أويسوا، {وأبسلوا}: أسلموا ،{سرمدا}: دائما {استهوته}: أضلته، {يمترون}: يشكون، {وقر}: صمم.
قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا إبراهيم بن موسى، أنبأ هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم}، قال: معذرتهم).[تغليق التعليق: 4/ 208-209]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: {ثمّ لم تكن فتنتهم}: معذرتهم
أشار به إلى بيان تفسير قوله عز وجل: {ويوم نحشرهم جميعًا ثمّ نقول للّذي أشروا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا والله ربنا ما كنّا مشركين} [المائدة: 22] وفسرها ابن عبّاس بقوله: معذرتهم، ووصل هذا التّعليق ابن أبي حاتم، عن أبيه، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف: عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبّاس-رضي الله تعالى عنهما- وقال معمر، عن قتادة: {فتنتهم}: مقالتهم، وعن الضّحّاك، عن ابن عبّاس: أي: حجتهم).[عمدة القاري: 18/ 219]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: {فتنتهم}: معذرتهم، {معروشاتٍ}: ما يعرش من الكرم وغير ذلك، {حمولةً}: ما يحمل عليها، {وللبسنا}: لشبّهنا، {ينأون}: يتباعدون، {تبسل}: تفضح، {أبسلوا}: أفضحوا، {باسطو أيديهم}: البسط الضّرب، {استكثرتم}: أضللتم كثيرًا. {ذرأ من الحرث}: جعلوا للّه من ثمراتهم ومالهم نصيبًا وللشّيطان والأوثان نصيبًا. {أكنّةً} واحدها: كنانٌ، أمّا {اشتملت} يعني: هل تشتمل إلاّ على ذكرٍ أو أنثى؟ فلم تحرّمون بعضًا وتحلّون بعضًا؟. {مسفوحًا}: مهراقًا، {صدف}: أعرض. أبلسوا: أويسوا. {وأبسلوا}: أسلموا. {سرمدًا}: دائمًا. {استهوته}: أضلّته. {تمترون}: تشكّون، {وقرًا}: صممٌ، وأمّا الوقر الحمل. {أساطير}: واحدها أسطورةٌ وإسطارةٌ وهي التّرّهات،{ البأساء}: من البأس ويكون من البؤس. {جهرةً}: معاينةً، {الصّور}: جماعة صورةٍ كقوله: سورةٌ وسورٌ، {ملكوتٌ}: ملكٌ مثل رهبوتٍ خيرٌ من رحموتٍ ويقول ترهب خيرٌ من أن ترحم، {جنّ}: أظلم،{تعالى}: علا، {وإن تعدل}: تقسط، لا يقبل منها في ذلك اليوم، يقال: على اللّه حسبانه أي حسابه، ويقال {حسبانًا}: مرامي ورجومًا للشّياطين.{مستقرٌّ}: في الصّلب، {ومستودعٌ}: في الرّحم، {القنو}: العذق والاثنان قنوان والجماعة أيضًا قنوانٌ مثل صنوٍ وصنوانٍ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- فيما وصله ابن أبي حاتم، من طريق ابن جريج، عن عطاء عنه: {ثم لم تكن فتنتهم} [الأنعام: 23] أي: (معذرتهم) أي التي يتوهمون أنهم يتخلصون بها، وسقط {ثم لم تكن} لغير أبي ذر، وقال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا في قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات}).[إرشاد الساري: 7/ 115]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ):
(ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: يأتي يوم القيامة ساعةٌ (فيها لينٌ يرى) أهل الشّرك أهل التّوحيد يغفر لهم فيقولون: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال اللّه عزّ وجلّ: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} ثمّ يكون بعدها ساعةٌ فيها شدّةٌ تُنصب لهم الآلهة الّتي كانوا يعبدون من دون اللّه ويقال لهم: هؤلاء الّذين كنتم تعبدون من دون اللّه. ويقولون: نعم: هؤلاء الّذين كنّا نعبد، فتقول لهم الآلهة: واللّه ما كنّا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنّكم كنتم تعبدوننا قال فيقولون: بلى واللّه لإيّاكم كنّا نعبد. فتقول لهم الآلهة: {فكفى باللّه شهيدًا بيننا وبينكم إن كنّا عن عبادتكم لغافلين}).[جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 49]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}.
يقول تعالى ذكره: ثمّ لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون إجابةً منهم لنا عن سؤالنا إيّاهم ذلك إذ فتنّاهم فاختبرناهم، {إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}: كذبًا منهم في أيمانهم على قيلهم ذلك.
ثمّ اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته جماعةٌ من قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيّين: {ثمّ لم تكن فتنتهم} بالنّصب، بمعنى: لم يكن اختبارنا لهم إلاّ قيلهم {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، غير أنّهم يقرأون {تكن} بالتّاء على التّأنيث، وإن كانت للقول لا للفتنة لمجاورته الفتنة وهي خبرٌ، وذلك عند أهل العربيّة شاذٌّ غير فصيحٍ في الكلام، وقد روي بيتٌ للبيدٍ بنحو ذلك، وهو قوله:
فمضى وقدّمها وكانت عادةً ....... منه إذا هي عرّدت إقدامها
فقال: (وكانت) بتأنيث الإقدام لمجاورته قوله: (عادةً).
وقرأ ذلك جماعةٌ من قرّاء الكوفيّين: (ثمّ لم يكن) بالياء (فتنتهم) بالنّصب، {إلاّ أن قالوا} بنحو المعنى الّذي قصده الآخرون الّذين ذكرنا قراءتهم، غير أنّهم ذكروا يكون لتذكير (أن).
وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصّواب، لأنّ (أن) أثبت في المعرفة من الفتنة.
واختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} فقال بعضهم: معناه: ثمّ لم يكن قولهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: قال قتادة في قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} قال: مقالتهم. قال معمرٌ: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} قال: قولهم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا ... الآية}، فهو كلامهم، قالوا: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ الفضل بن خالدٍ، يقول: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك: {ثمّ لم تكن فتنتهم}: يعني كلامهم.
وقال آخرون: معنى ذلك معذرتهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، وابن المثنّى، قالا: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة: {ثمّ لم تكن فتنتهم} قال: معذرتهم.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.
والصّواب من القول في ذلك أن يقال معناه: ثمّ لم يكن قيلهم عند فتنتنا إيّاهم اعتذارًا ممّا سلف منهم من الشّرك باللّه، {إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السّامعين معنى الكلام.
وإنّما الفتنة: الاختبار والابتلاء، ولكن لمّا كان الجواب من القوم غير واقعٍ هنالك إلاّ عند الاختبار، وضعت الفتنة الّتي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم.
واختلفت القرّاء أيضًا في قراءة قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة وبعض الكوفيّين والبصريّين: {واللّه ربّنا} خفضًا على أنّ (الرّبّ) نعتٌ للّه. وقرأ ذلك جماعةٌ من التّابعين: (واللّه ربّنا) بالنّصب بمعنى: واللّه يا ربّنا، وهي قراءة عامّة قرّاء أهل الكوفة.
وأولى القراءتين عندي بالصّواب في ذلك قراءة من قرأ: (واللّه ربّنا) بنصب الرّبّ، بمعنى: يا ربّنا، وذلك أنّ هذا جوابٌ من المسئولين المقول لهم: {أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون}، وكان من جواب القوم لربّهم: واللّه يا ربّنا ما كنّا مشركين، فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدّنيا.
يقول اللّه تعالى لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}.
ويعني بقوله: {ما كنّا مشركين}: ما كنّا ندعو لك شريكًا ولا ندعو سواك). [جامع البيان: 9/ 189-192]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ثمّ لم تكن فتنتهم إلّا أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين (23)}
- عن عطاءٍ الخراسانيّ، عن ابن عبّاسٍ: قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} قال: معذرتهم.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم}، وكذلك كان يقرأها، يقول: حجّتهم [7177] حدّثنا أبي، ثنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام بن يوسف، عن ابن جريجٍ، وروي، عن قتادة، مثل ذلك.
والوجه الثّاني:
- أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ البيروتيّ قراءةً، أخبرني محمّد بن شعيب بن شابور، أخبرني عثمان بن عطاءٍ، عن أبيه: أمّا {لم تكن فتنتهم} فلم تكن بليّتهم حين ابتلوا إلا أن قالوا {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن منيبٍ، ثنا أبو معاذٍ النّحويّ، ثنا عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك في قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} يعني: كلامهم.
قوله تعالى: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو يحيى الرّازيّ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن مطرّفٍ، عن المنهال، عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ قال: أتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبّاسٍ. سمعت اللّه يقول: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} قال: «أمّا قوله:{واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، فإنّهم إذا رأوا أنّه لا يدخل الجنّة إلا أهل الصّلاة قالوا: تعالوا فلنجحد فيجحدون، فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون اللّه حديثًا. فهل في قلبك الآن شيءٌ؟ إنّه ليس من القرآن شيءٌ إلا وقد أنزل فيه شيءٌ، ولكن لا تعلمون وجهه».
- حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا منجابٌ، أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} إلّا أن قالوا: {واللّه ربنا ما كنّا مشركين} يعني: المنافقين المشركين، وإنّما سمّاهم اللّه منافقين لأنّهم كتموا الشّرك، وأظهروا الإيمان، فقالوا وهم في النّار: هلمّوا فلنكذب هاهنا فلعلّه أن ينفعنا كما نفعنا في الدّنيا، فإنّا كذبنا في الدّنيا فنفعنا، حقنّا دماءنا وأموالنا، فقالوا: يا ربّنا ما كنّا مشركين.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} قول أهل الشّرك، حين رأوا كلّ أحدٍ يخرج منها غير أهل الشّرك، ورأوا الذّنوب تغفر، ولا يغفر اللّه الشّرك.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبدة بن سليمان، عن حمزة الزّيّات، عن هاشمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أنّه كان يقرأ هذا الحرف، {ثمّ لم تكن فتنتهم} إلّا أن قالوا واللّه ربنا. حلفوا واعتذروا). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1273-1274]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ):
(نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال هذا قول أهل الشرك حين رأوا كل أحد يخرج من النار غير أهل الشرك ورأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الشرك ولا لمشرك فقالوا والله ربنا ما كنا مشركين يقول الله عز وجل انظر كيف كذبوا على أنفسهم يعني تكذيب الله إياهم). [تفسير مجاهد: 213]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ثم لم تكن فتنتهم} قال: معذرتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس: {ثم لم تكن فتنتهم} قال: حجتهم {إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} يعني: المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار: هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا، فقال الله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم}: في القيامة، {ما كانوا يفترون}: يكذبون في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {ثم لم تكن فتنتهم} بالنصب {إلا أن قالوا والله ربنا} بالخفض.
وأخرج عبد بن حميد عن شعيب بن الحجاب، سمعت الشعبي يقرأ (والله ربنا) بالنصب، فقلت: إن أصحاب النحو يقرأونها (والله ربنا) بالخفض، فقال: هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن علقمة أنه قرأ (والله ربنا) والله يا ربنا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين}، ثم قال: {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء الآية 42] قال: بجوارحهم
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال: قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الله لمشرك {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} قال: بتكذيب الله إياهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير، أنه كان يقرأ هذا الحرف (والله ربنا) بخفضها قال: حلفوا واعتذروا).[الدر المنثور: 6/ 31-33]

تفسير قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: يأتي يوم القيامة ساعةٌ (فيها لينٌ يرى) أهل الشّرك أهل التّوحيد يغفر لهم فيقولون: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال اللّه عزّ وجلّ: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} ثمّ يكون بعدها ساعةٌ فيها شدّةٌ تُنصب لهم الآلهة الّتي كانوا يعبدون من دون اللّه ويقال لهم: هؤلاء الّذين كنتم تعبدون من دون اللّه. ويقولون: نعم: هؤلاء الّذين كنّا نعبد، فتقول لهم الآلهة: واللّه ما كنّا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم أنّكم كنتم تعبدوننا قال فيقولون: بلى واللّه لإيّاكم كنّا نعبد. فتقول لهم الآلهة: {فكفى باللّه شهيدًا بيننا وبينكم إن كنّا عن عبادتكم لغافلين}). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 49] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم-: انظر يا محمّد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربّهم الأوثان والأصنام في الآخرة، عند لقاء اللّه، على أنفسهم بقيلهم: واللّه يا ربّنا ما كنّا مشركين، واستعملوا هنالك الأخلاق الّتي كانوا بها متخلّقين في الدّنيا من الكذب والفرية.
ومعنى النّظر في هذا الموضع: النّظر بالقلب لا النّظر بالبصر، وإنّما معناه: تبيّن، فاعلم كيف كذبوا في الآخرة.
وقال: {كذبوا}، ومعناه: يكذبون، لأنّه لمّا كان الخبر قد مضى في الآية قبلها صار كالشّيء الّذي قد كان ووجد.
{وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام وتبرّأوا منها، فسلكوا غير سبيلها لأنّها هلكت، وأعيد الّذين كانوا يعبدونها اجتزاءً، ثمّ أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على اللّه وعبادتهم إيّاه وإشراكهم إيّاها في سلطان اللّه، فضلّت عنهم، وعوقب عابدوها بفريتهم.
وقد بيّنّا فيما مضى أنّ معنى الضّلال: الأخذ على غير الهدى.
وقد ذكر أنّ هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سعة رحمة اللّه يومئذٍ.
ذكر الرّواية بذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، قال: حدّثنا عمرٌو، عن مطرّفٍ، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أتى رجلٌ ابن عبّاسٍ فقال: قال اللّه: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، وقال في آيةٍ أخرى: {ولا يكتمون اللّه حديثًا}، قال ابن عبّاسٍ: أمّا قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، فإنّه لمّا رأوا أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ أهل الإسلام فقالوا: تعالوا لنجحد، {قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، فختم اللّه على أفواههم، وتكلّمت أيديهم وأرجلهم، {ولا يكتمون اللّه حديثًا}.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، قال: قول أهل الشّرك حين رأوا الذّنوب تغفر، ولا يغفر اللّه لمشركٍ، انظر كيف كذبوا على أنفسهم بتكذيب اللّه إيّاهم.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، ثمّ قال: {ولا يكتمون اللّه حديثًا}: بجوارحهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال حدّثنا أبي، عن حمزة الزّيّات، عن رجلٍ يقال له هشامٌ، عن سعيد بن جبيرٍ: {ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، قال: حلفوا واعتذروا، قالوا: واللّه ربّنا.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا قبيصة بن عقبة قال: حدّثنا سفيان، عن سعيد بن جبيرٍ قال: أقسموا واعتذروا: واللّه ربّنا.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا وكيعٌ، عن حمزة الزّيّات، عن رجلٍ يقال له هشامٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، بنحوه.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن سفيان بن زيادٍ العصفريّ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، قال: لمّا أمر بإخراج رجالٍ من النّار من أهل التّوحيد قال من فيها من المشركين: تعالوا نقل: لا إله إلاّ اللّه، لعلّنا نخرج مع هؤلاء، قال: فلم يصدّقوا، قال: فحلفوا: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، قال: فقال اللّه: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}: أي يشركون به.
- حدّثنا الحرث قال: حدّثنا عبد العزيز قال: حدّثنا المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، قال: لمّا رأى المشركون أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ مسلمٌ قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم اللّه على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فودّ الّذين كفروا حين رأوا ذلك {لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثًا}.
- حدّثني الحرث قال: حدّثني عبد العزيز قال: حدّثنا مسلم بن خلفٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: يأتي على النّاس يوم القيامة ساعةٌ لمّا رأى أهل الشّرك أهل التّوحيد يغفر لهم، فيقولون: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}، قال: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}.
- حدّثني الحرث قال: حدّثنا عبد العزيز قال: حدّثنا سفيان، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّه كان يقول: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} يخفضها. قال: أقسموا واعتذروا.
قال الحرث: قال عبد العزيز: قال سفيان مرّةً أخرى: حدّثني هشامٌ، عن سعيد بن جبيرٍ). [جامع البيان: 9/ 192-196]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون (24)}
قوله تعالى: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم}
- حدّثنا حجّاجٌ، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم}، بتكذيب اللّه إيّاهم.
قوله: وضلّ عنهم
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: قال اللّه: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} هنا في القيامة.
قوله: {ما كانوا يفترون}.
الوجه الأول:
- وبه، عن ابن عبّاسٍ قوله: وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ما كانوا يكذبون في الدّنيا.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنا العبّاس، ثنا يزيد، ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ما كانوا يفترون، أي: يشركون).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 1275]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} قال: باعتذارهم بالباطل والكذب، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} قال: ما كانوا يشركون به).[الدر المنثور: 6/ 33]

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فاطر السموات والأرض}، قال: خالق السماوات والأرض وقال في قوله تعالى: {من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه} قال: من يصرف عنه العذاب، وقال في قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} يقول: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا كمثل البهيمة التي تسمع القول ولا تدري ما يقال لها). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 208-209] (م)
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) :(قال ابن عبّاسٍ: {ثمّ لم تكن فتنتهم}[الأنعام: 23] : «معذرتهم» {معروشاتٍ} [الأنعام: 141] : «ما يعرش من الكرم وغير ذلك» ، {حمولةً} [الأنعام: 142] : «ما يحمل عليها»، {وللبسنا} [الأنعام: 9] : «لشبّهنا» ، {لأنذركم به} [الأنعام: 19] : «أهل مكّة» {ينأون} [الأنعام: 26] : «يتباعدون» . {تبسل} [الأنعام: 70] : «تفضح» . {أبسلوا} [الأنعام: 70] : «أفضحوا» ، {باسطو أيديهم} : «البسط الضّرب» ، وقوله: {استكثرتم من الإنس} [الأنعام: 128] : «أضللتم كثيرًا»، {ممّا ذرأ من الحرث} [الأنعام: 136] : «جعلوا للّه من ثمراتهم ومالهم نصيبًا، وللشّيطان والأوثان نصيبًا» ، {أكنّةً} [الأنعام: 25] : «واحدها كنانٌ» ، {أمّا اشتملت} [الأنعام: 143] : «يعني هل تشتمل إلّا على ذكرٍ أو أنثى، فلم تحرّمون بعضًا وتحلّون بعضًا؟» {مسفوحًا}[الأنعام: 145] : مهراقًا، {صدف} [الأنعام: 157] : " أعرض، أبلسوا: أويسوا "، و {أبسلوا} [الأنعام: 70] : «أسلموا» ، {سرمدًا} [القصص: 71] : «دائمًا» ، {استهوته} [الأنعام: 71] : «أضلّته» ، {تمترون} [الأنعام: 2] : «تشكّون» ، {وقرٌ} [فصلت: 5] : " صممٌ، وأمّا الوقر: فإنّه الحمل "، {أساطير} [الأنعام: 25] : «واحدها أسطورةٌ وإسطارةٌ، وهي التّرّهات»).[صحيح البخاري: 6/ 55-56] (م)
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {أكنّةً} واحدها كنانٌ ثبت هذا لأبي ذرٍّ عن المستملي، وهو قول أبي عبيدة: قال: في قوله تعالى: {أكنة} أن يفقهوه واحدها: كنانٌ أي: أغطيةٌ ومثله: أعنّةٌ وعنانٌ وأسنّةٌ وسنانٌ). [فتح الباري: 8/ 288]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {وقرًا} صممٌ قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وفي آذانهم وقرًا} أي: الثّقل والصّمم وإن كانوا يسمعون لكنّهم صمٌّ عن الحقّ والهدى، وقال معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} قال: يسمعون بآذانهم ولا يعون منها شيئًا كمثل البهيمة تسمع القول ولا تدري مايقال لها وقرأ الجمهور بفتح الواو وقرأ طلحة بن مصرّفٍ بكسرها قوله وأمّا الوقر أي بكسر الواو فإنّه الحمل هو قول أبي عبيدة قاله متّصلًا بكلامه الّذي قبله فقال الوقر الحمل إذا كسرته وأفاد الرّاغب الوقر حمل الحمار والوسق حمل الجمل والمعنى على قراءة الكسر أنّ في آذانهم شيئًا يسدّها عن استماع القول ثقيلًا كوقر البعير). [فتح الباري: 8/ 288]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {أساطيرٌ} واحدها أسطورةٌ وإسطارةٌ وهي التّرّهات هو كلام أبي عبيدة أيضًا قال: في قوله: {إلّا أساطير الأوّلين} واحدها أسطورةٌ وإسطارةٌ ومجازها التّرّهات انتهى والتّرّهات بضمّ أوّله وتشديد الرّاء أصلها بنيات الطّريق وقيل إنّ تاءها منقلبةٌ من واوٍ وأصلها الوره وهو الحمق). [فتح الباري: 8/ 288]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (أكنّةً واحدها كنانٌ هذا ثبت لأبي ذر عن المستملي، وهو متقدم في بعض النّسخ، وأشار به إلى قوله تعالى: {أكنة أن يفقهوه} وقبله {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرأ ... الآية}، ثمّ قال: واحدها أي: أحد أكنة كنان على وزن فعال مثل: أعنّة جمع عنان وأسنة جمع سنان وفي التّفسير: أكنة أي أغطية لئلّا يفهموا القرآن {وجعلنا في آذانهم وقرأ} أي: صمما من السماع النافع لهم).[عمدة القاري: 18/ 221]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقرٌ صممٌ أشار به إلى قوله تعالى: {وفي آذانهم وقر} وفسره بقوله: {صمم} هذا بفتح الواو عند الجمهور، وقرأ طلحة بن مصرف بكسر الواو.
وأما الوقر الحمل أي: وأما الوقر، بكسر الواو فمعناه الحمل، ذكره متّصلا بما قبله لبيان الفرق بين مفتوح الواو وبين مكسورها).[عمدة القاري: 18/ 221-222]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (فإنّه أساطير واحدها أسطورةٌ وإسطارةٌ وهي التّرّهات
أشار به إلى قوله تعالى: {إلاّ أساطير الأوّلين} وذكر أن الأساطير واحدها أسطورة، بضم الهمزة وأسطارة أيضا بكسر الهمزة ثمّ فسرها بقوله وهي الترهات، بضم التّاء المثنّاة من فوق وتشديد الرّاء وهي الأباطيل، قال أبو زيد هي جمع ترهة، وقال ابن الأثير، وهي في الأصل الطّرق الصغار المتشعبة عن الطّريق الأعظم، وهي كناية عن الأباطيل، وقال الأصمعي الترهات الطّرق الصغار، وهي فارسية معربة ثمّ استعيرت في الأباطيل، فقيل: الترهات السباسب والترهات الصحاصح، وهي من أسماء الباطل وربما جاءت مضافة، وقال الجوهري: وناس يقولون ترة، والجمع: ترارية). [عمدة القاري: 18/ 222]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقال ابن عباس أيضًا في قوله تعالى: {على قلوبهم} {أكنة} أن يفقهوه (واحدها كنان) وهو ما يستر الشيء وهذا ثابت لأبي ذر عن المستملي ساقط لغيره). [إرشاد الساري: 7/ 116]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وفي قوله: {وفي آذانهم} ({وقر}) أي (صم وأما الوقر) بكسر الواو (فإنه الحمل) بكسر الحاء المهملة وسقط لغير أبي ذر فإنه). [إرشاد الساري: 7/ 116]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله: {أساطير الأولين} (واحدها أسطورة) بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء (وإسطارة) بكسر الهمزة وفتح الطاء ويعدها ألف (وهي الترهات) بضم الفوقية وتشديد الراء أي الأباطيل). [إرشاد الساري: 7/ 116]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا}.
يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربّهم الأوثان والأصنام من قومك يا محمّد {من يستمع إليك}، يقول: من يستمع القرآن منك، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربّك وأمره ونهيه، ولا يفقه ما تقول ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبّره ولا يصغي له سمعه ليتفقّهه فيفهم حجج اللّه عليه في تنزيله الّذي أنزله عليك، إنّما يسمع صوتك وقراءتك وكلامك، ولا يعقل عنك ما تقول لأنّ اللّه قد جعل على قلبه أكنّةً.
وهي جمع كنانٍ وهو الغطاء، مثل سنانٍ وأسنّةٍ، يقال منه: أكننت الشّيء في نفسي بالألف، وكننت الشّيء إذا غطّيته، ومن ذلك {بيضٌ مكنونٌ}: وهو الغطاء، ومنه قول الشّاعر:
تحت عينٍ كناننا ....... ظلّ بردٍ مرحّل
يعني غطاءهم الّذي يكنّهم.
{وفي آذانهم وقرًا} يقول تعالى ذكره: وجعل في آذانهم ثقلاً وصممًا عن فهم ما تتلو عليهم والإصغاء لما تدعوهم إليه.
والعرب تفتح الواو من (الوقر) في الأذن، وهو الثّقل فيها، وتكسرها في الحمل، فتقول: هو وقر الدّابّة، ويقال من الحمل: أوقرت الدّابّة فهي موقرةٌ، ومن السّمع: وقرت سمعه فهو موقورٌ، ومنه قول الشّاعر:
ولي هامةٌ قد وقر الضّرب سمعها
وقد ذكر سماعًا منهم: وقرت أذنه: إذا ثقلت، فهي موقورةٌ، وأوقرت النّخلة فهي موقرٌ، كما قيل: امرأةٌ طامثٌ وحائضٌ، لأنّه لا حظّ فيه للمذكّر، فإذا أريد أنّ اللّه أوقرها قيل: موقرةٌ.
وقال تعالى ذكره: {وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه} بمعنى: أن لا يفقهوه، كما قال: {يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا} بمعنى: أن لا تضلّوا، لأنّ الكنّ إنّما جعل على القلب لئلاّ يفقهه لا ليفقهه.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا}، قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة الّتي تسمع النّداء ولا تدري ما يقال لها.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا} أمّا أكنّةٌ: فالغطاء، أكنّ قلوبهم لا يفقهون الحقّ، {وفي آذانهم وقرًا}، قال: صممٌ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {ومنهم من يستمع إليك} قال: قريشٌ.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله).[جامع البيان: 9/ 196-198]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاءوك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين}.
يقول تعالى ذكره: وإنّ هؤلاء العادلون بربّهم الأوثان والأصنام، الّذين جعلت على قلوبهم أكنّةٌ أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك، {كلّ آيةٍ} يقول: كلّ حجّةٍ وعلامةٍ تدلّ أهل الحجا والفهم على توحيد اللّه وصدق قولك وحقيقة نبوّتك {لا يؤمنوا بها} يقول: لا يصدّقون بها ولا يقرّون بأنّها دالّةٌ على ما هي عليه دالّةٌ {حتّى إذا جاءوك يجادلونك}، يقول: حتّى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدّالّة على حقيقة ما جئتهم به يجادلونك، يقول: يخاصمونك {يقول الّذين كفروا} يعني بذلك الّذين جحدوا آيات اللّه وأنكروا حقيقتها، يقولون لنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سمعوا حجج اللّه الّتي احتجّ بها عليهم وبيانه الّذي بيّنه لهم: {إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين} أي ما هذا إلاّ أساطير الأوّلين.
والأساطير: جمع إسطارةٍ وأسطورةٍ مثل أفكوهةٍ وأضحوكةٍ، وجائزٌ أن يكون الواحد إسطارًا مثل أبياتٍ وأبابيت وأقوالٍ وأقاويل، من قول اللّه تعالى: {وكتابٍ مسطورٍ} من سطر يسطر سطرًا.
فإن كان من هذا، فإنّ تأويله: ما هذا إلاّ ما كتبه الأوّلون.
وقد ذكر عن ابن عبّاسٍ وغيره أنّهم كانوا يتأوّلونه بهذا التّأويل، ويقولون معناه: إن هذا إلاّ أحاديث الأوّلين
- حدّثني بذلك المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، أمّا: {أساطير الأوّلين} فأساجيع الأوّلين.
وكان بعض أهل العلم وهو أبو عبيدة معمر بن المثنّى بكلام العرب يقول: الإسطارة: لغة الخرافات والتّرّهات. وكان الأخفش يقول: قال بعضهم: واحده أسطورةٌ، وقال بعضهم: إسطارةٌ، قال: ولا أراه إلاّ من الجمع الّذي ليس له واحدٌ، نحو العبابيد والمذاكير والأبابيل. قال: وقال بعضهم: واحد الأبابيل: إبّيلٌ، وقال بعضهم: إبّولٌ، مثل عجّولٍ، ولم أجد العرب تعرف له واحدًا، وإنّما هو مثل عباديد لا واحد لها وأمّا الشّماطيط، فإنّهم يزعمون أنّ واحده شمطاطٌ، قال: وكلّ هذه لها واحدٌ، إلاّ أنّه لم يستعمل ولم يتكلّم به، لأنّ هذا المثال لا يكون إلاّ جمعًا، قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول: أرسل خيله أبابيل، تريد جماعاتٍ، فلا تتكلّم بها موحّدةً.
وكانت مجادلتهم رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- الّتي ذكرها اللّه في هذه الآية فيما ذكر، ما:
- حدّثني به محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {حتّى إذا جاءوك يجادلونك ... الآية}: قال: هم المشركون يجادلون المسلمين في الذّبيحة، يقولون: أمّا ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأمّا ما قتل اللّه فلا تأكلون، وأنتم تتّبعون أمر اللّه تعالى). [جامع البيان: 9/ 199-201]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاءوك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلّا أساطير الأوّلين (25)}
قوله: {ومنهم من يستمع إليك}.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء،، عن ابن أبي نجيحٍ،، عن مجاهدٍ قوله: ومنهم من يستمع إليك قال: قريشٌ.
قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنّةً}.
- وبه، عن مجاهدٍ أكنّةً قال: كالجعبة للنّبل.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ،، عن السّدّيّ، قوله: {أكنّةً أن يفقهوه} قال: أمّا أكنّةً فالغطاء أكنّ قلوبهم. وروي، عن مجاهدٍ، وعطيّة، والضّحّاك، نحو ذلك.
قوله:{أن يفقهوه}.
- وبه، عن السّدّيّ قوله: أن يفقهوه: لا يفقهون الحقّ.
قوله: {وفي آذانهم وقرًا}.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنا عبد الرّزّاق، أنا معمرٌ،، عن قتادة في قوله: أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا، قال: يسمعونه بآذانهم، ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة الّتي تسمع النّداء، وما تدري ما يقال لها.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّي
ّ قوله: {وفي آذانهم وقرًا} قال: صممٌ.
قوله: {وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك}.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، حدّثني أبي،، عن عطيّة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {حتّى إذا جاؤك يجادلونك} قال: هم المشركون.
قوله: {يجادلونك}.
- وبه، عن ابن عبّاسٍ. قوله: {يجادلونك} قال: هم المشركون يجادلون المسلمين في الذّبيحة.
قوله: يقول الّذين كفروا.
- وبه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {يقول الّذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأوّلين} قال: هم المشركون يقولون: أمّا ما ذبحتم وقتلتم، فتأكلون، وأمّا ما قتل اللّه، فلا تأكلون، وأنتم تتّبعون أمر اللّه.
قوله: {إن هذا إلا أساطير الأوّلين}.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: إن هذا إلا أساطير الأوّلين: أساجيع الأوّلين.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنا العبّاس، ثنا يزيد، عن سعيدٍ،، عن قتادة أساطير الأوّلين أي: أحاديث الأوّلين وباطلهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1275-1276]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ):
(نا إبراهيم قال ثنا آدم: قال ثنا ورقاء: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ومنهم من يستمع إليك يعني قريشا). [تفسير مجاهد: 213]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : ( أخرج عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {ومنهم من يستمع إليك} قال: قريش، وفي قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة} قال: كالجعبة للنبل.
- وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها.
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدى في قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة} قال: الغطاء أكن قلوبهم {أن يفقهوه} فلا يفقهون الحق {وفي آذانهم وقرا} قال: صمم، وفي قوله {أساطير الأولين} قال: أساجيع الأولين، 261.
- وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله: {أساطير الأولين} قال: أحاديث الأولين.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {أساطير الأولين} قال: كذب الأولين وباطلهم، والله أعلم). [الدر المنثور: 6/ 33-34]

تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال عطاء بن دينار في قول الله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}، إنها أنزلت في أبي طالب أنه كان ينهى الناس عن رسول الله وينأى عن ما جاء به من الهدى). [الجامع في علوم القرآن: 1/ 103]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال ينهون عن القرآن وعن النبي ويتباعدون عنه). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 205]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول: في قول الله -تبارك وتعالى-: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب قال كان ينهى المشركين أن يؤذوا محمدا وينأى عما جاء به محمد). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 206]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن حبيب بن أبي حبيبٍ، أخبرني من سمع ابن عبّاسٍ يقول: في قول اللّه: {وهم ينهون عنه وينئون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ كان ينهى عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يؤذى قال: وينا قال: يجفوا عمّا جاء به {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} يعني: أبا طالب ). [تفسير الثوري: 106-107]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [ قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن من سمع ابن عباس يقول: نزلت {وهم ينهون عنه وينأون عنه} في أبي طالب، كان ينهى أن يؤذى، وينأى عما جاء به.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معشر، عن بعض أشياخه، قال: كان أبو طالبٍ ينهى عن قتله، وينأى عنه اتّباعه).[سنن سعيد بن منصور: 5/ 10-15]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) :(قال ابن عبّاسٍ: {ثمّ لم تكن فتنتهم}[الأنعام: 23] : «معذرتهم» {معروشاتٍ} [الأنعام: 141] : «ما يعرش من الكرم وغير ذلك» ، {حمولةً} [الأنعام: 142] : «ما يحمل عليها»، {وللبسنا} [الأنعام: 9] : «لشبّهنا» ، {لأنذركم به} [الأنعام: 19] : «أهل مكّة» {ينأون} [الأنعام: 26] : «يتباعدون»). [صحيح البخاري: 6/ 55-56] (م)
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {وينأون يتباعدون} وصله بن أبي حاتم، من طريق بن جريج، عن عطاء، عن بن عبّاسٍ، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: يتباعدون وكذا قال أبو عبيد ينأون عنه أي يتباعدون عنه وكذا قال عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة وأخرجه من وجهٍ آخر عن بن عبّاسٍ نزلت في أبي طالبٍ كان ينهى المشركين عن أذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويتباعد عمّا جاء به وصحّحه الحاكم من هذا الوجه). [فتح الباري: 8/ 287]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ):
(وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا إبراهيم ثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله: {وينأون} قال: يتباعدون). [تغليق التعليق: 4/ 209] (م)
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وينأون: يتباعدون
أشار به إلى قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون} وفسّر: ينأون بقوله: يتباعدون، وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس، والمعنى: أن كفار مكّة ينهون النّاس عن اتّباع الحق ويتباعدون عنه، وقال عليّ بن أبي طلحة: ينهون النّاس عن محمّد ويتباعدون أن يؤمنوا). [عمدة القاري: 18/ 219]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وفي قوله تعالى: {وينأون عنه} (يتباعدون) عنه أي عن أن يؤمنوا به عليه الصلاة والسلام). [إرشاد الساري: 7/ 116]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلاّ أنفسهم وما يشعرون}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} فقال بعضهم: معناه: هؤلاء المشركون المكذّبون بآيات اللّه، ينهون النّاس عن اتّباع محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- والقبول منه، وينأون عنه: يتباعدون عنه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حفص بن غياثٍ، وهانئ بن سعيدٍ، عن حجّاجٍ، عن سالمٍ، عن ابن الحنفيّة: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}، قال: يتخلّفون عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- ولا يجيبونه، وينهون النّاس عنه.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} يعني: ينهون النّاس عن محمّدٍ أن يؤمنوا به {وينأون عنه} يعني: يتباعدون عنه.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} أن يتّبع محمّدٌ ويتباعدون هم منه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} يقول: لا يلقونه، ولا يدعون أحدًا يأتيه.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول في قوله: {وهم ينهون عنه} يقول: عن محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} جمعوا النّهي والنّأي. والنّأي: التّباعد.
وقال بعضهم: بل معناه: {وهم ينهون عنه}: عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: ينهون عن القرآن، وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. {وينأون عنه} ويتباعدون عنه.
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {وهم ينهون عنه} قال: قريشٌ عن الذّكر {وينأون عنه} يقول: يتباعدون.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}: قريشٌ عن الذّكر، {ينأون عنه}: يتباعدون.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: ينهون عن القرآن وعن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، ويتباعدون عنه.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ينأون عنه} قال: ينأون عنه: يبعدون.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهم ينهون عن أذى -محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم-، وينأون عنه: يتباعدون عن دينه واتّباعه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وقبيصة، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عمّن سمع ابن عبّاسٍ، يقول: نزلت في أبي طالبٍ، كان ينهى عن محمّدٍ، أن يؤذى، وينأى، عمّا جاء به أن يؤمن به.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الرّحمن قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: حدّثني من سمع ابن عبّاسٍ يقول: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ ينهى عنه أن يؤذى، وينأى عمّا جاء به.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا الثّوريّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عمّن سمع ابن عبّاسٍ: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ كان ينهى المشركين أن يؤذوا محمّدًا، وينأى عمّا جاء به.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبدة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن القاسم بن مخيمرة، قال: كان أبو طالبٍ ينهى عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- ولا يصدّقه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي ومحمّد بن بشرٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ. قال ابن وكيعٍ: قال بشرٌ: كان أبو طالبٍ ينهى عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يؤذى، ولا يصدّق به.
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن أبي محمّدٍ الأسديّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: حدّثني من سمع ابن عبّاسٍ يقول في قول اللّه تعالى: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}: نزلت في أبي طالبٍ كان ينهى عن أذى محمّدٍ، وينأى عمّا جاء به أن يتبعه.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن عبد العزيز بن سياهٍ، عن حبيبٍ، قال: ذاك أبو طالبٍ، في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني سعيد بن أبي أيّوب، قال: قال عطاء بن دينارٍ في قول اللّه: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}، أنّها نزلت في أبي طالبٍ، أنّه كان ينهى النّاس عن إيذاء رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، وينأى عمّا جاء به من الهدى.
وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويله: {وهم ينهون عنه} عن اتّباع محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- من سواهم من النّاس، {وينأون} عن اتّباعه. وذلك أنّ الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادلين به، والخبر عن تكذيبهم رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- والإعراض عمّا جاءهم به من تنزيل اللّه ووحيه، فالواجب أن يكون قوله: {وهم ينهون عنه} خبرًا عنهم، إذ لم يأتنا ما يدلّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدلّ على صحّة ما قلنا من أنّ ذلك خبرٌ عن جماعة مشركي قوم رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- دون أن يكون خبرًا عن خاصٍّ منهم.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وإن ير هؤلاء المشركون يا محمّد كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها، حتّى إذا جاءوك يجادلونك، يقولون: إن هذا الّذي جئتنا به إلاّ أحاديث الأوّلين وأخبارهم، وهم ينهون عن استماع التّنزيل وينأون عنك، فيبعدون منك ومن اتّباعك {وإن يهلكون إلاّ أنفسهم} يقول: وما يهلكون بصدّهم عن سبيل اللّه وإعراضهم عن تنزيله وكفرهم بربّهم إلاّ أنفسهم لا غيرها، وذلك أنّهم يكسبونها بفعلهم ذلك سخط اللّه وأليم عقابه وما لا قبل لها به. {وما يشعرون} يقول: وما يدرون ما هم مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم.
والعرب تقول لكلّ من بعد عن شيءٍ قد نأى عنه، فهو ينأى نأيًا، ومسموعٌ منهم: نأيتك بمعنى نأيت عنك، وأمّا إذا أرادوا: أبعدتك عنّي قالوا: أنأيتك. ومن نأيتك بمعنى نأيت عنك قول الحطيئة:
نأتك أمامة إلاّ سؤالاً ....... وأبصرت منها بطيفٍ خيالا). [جامع البيان: 9/ 201-206]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلّا أنفسهم وما يشعرون (26)}
قوله عزّ وجلّ: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}
الوجه الأول:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عمّن سمع ابن عبّاسٍ يقول في قوله: {وهم ينهون عنه}: نزلت في أبي طالبٍ، قال: كان ينهى، عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يؤذى.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {وهم ينهون عنه}، قال: ينهون النّاس، عن محمّدٍ أن يؤمنوا به.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفص بن غياثٍ، عن حجّاجٍ، عن سالمٍ المكّيّ، عن محمّد بن الحنفيّة، وهم ينهون عنه قال: كان كفّار قريشٍ لا يأتون النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، وينهون عنه.
وروي، عن الضّحّاك، وحبيب بن أبي ثابتٍ نحو ذلك.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء،، عن ابن أبي نجيحٍ،، عن مجاهدٍ وهم ينهون عنه قال: قريشٌ ينهون، عن الذّكر.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع أنا عبد الرّزّاق، أنا معمرٌ،، عن قتادة، في قوله: وهم ينهون عنه قال: ينهون، عن القرآن وعن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن خالدٍ، ثنا الوليد، عن أبي لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلالٍ في قوله: {وهم ينهون عنه}، قال: نزلت في عمومة النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، وكانوا عشرةً، فكانوا أشدّ النّاس معه في العلانية، وأشدّ النّاس عليه في السّرّ.
الوجه الخامس:
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن صالحٍ الوحاظيّ، ثنا أبو معشرٍ، عن محمّد بن كعبٍ في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: ينهون، عن قتله.
قوله تعالى: {وينأون عنه}.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ،، عن سفيان، وحدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، أنا سفيان،، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عمّن سمع ابن عبّاسٍ يقول: نزلت في أبي طالبٍ:{وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: كان ينهى، عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يؤذى، وينأى عمّا جاء به أن يؤمن به.
وفي حديث أبي حذيفة:
{وينأون عنه} قال: يجفوا عمّا جاء منه.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وينأون عنه} يقول: يتباعدون عنه.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: وينأون عنه: يبعدونه.
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن صالحٍ الوحاظيّ، ثنا أبو معشرٍ، عن محمّد بن كعبٍ في قوله: {ينأون عنه}: لا يتّبعونه.
قوله: {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان،، عن حبيب بن أبي ثابتٍ أخبرني من سمع ابن عبّاسٍ يقول: {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} قال: أبو طالبٍ). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1276-1278]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ):
(ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وهم ينهون عنه} يقول: قريش ينهون عن الذكر، {وينأون عنه} يتباعدون عنه). [تفسير مجاهد: 214]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا عليّ بن حمشاذ العدل، ثنا محمّد بن منده الأصبهانيّ، ثنا بكر بن بكّارٍ، ثنا حمزة بن حبيبٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ -رضي اللّه عنهما-، في قول اللّه عزّ وجلّ: {وهم ينهون عنه، وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول اللّه -صلّى الله عليه وسلّم-، ويتباعد عمّا جاء به).[المستدرك: 2/ 345]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو العبّاس المحبوبيّ، ثنا أحمد بن سيّارٍ، ثنا محمّد بن كثيرٍ، ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عمّن، سمع ابن عبّاسٍ، يقول في قول اللّه عزّ وجلّ: {وهم ينهون عنه، وينأون عنه} ، قال: نزلت في أبي طالبٍ كان «ينهى المشركين أن يؤذوه وينأى عنه» حديث حمزة بن حبيبٍ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه). [المستدرك: 2/ 345]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {وهم ينهون عنه}
- عن ابن عبّاسٍ: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}، نزلت في أبي طالبٍ، كان ينهى عن أذى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وينأى عن اتّباعه.
رواه الطّبرانيّ، وفيه قيس بن الرّبيع، وثّقه شعبة وغيره، وضعّفه ابن معينٍ وغيره، وبقيّة رجاله ثقاتٌ).[مجمع الزوائد: 7/ 20]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : ( أخرج الفريابي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويتباعد عما جاء به
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن القاسم بن مخيمرة في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يؤذى ولا يصدق به.
- وأخرج ابن جرير عن عطاء بن دينار في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عما جاء به من الهدى.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به {وينأون عنه} يتباعدون عنه.
- وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} يقول: لا يلقونه ولا يدعون أحدا يأتيه.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبون النّبيّ -صلى الله عليه وسلم.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وهم ينهون} قال: قريش عن الذكر {وينأون عنه} يقول: يتباعدون.
- وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: ينهون عن القرآن وعن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-، {وينأون عنه} يتباعدون عنه.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال في قوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} قال: نزلت في عمومة النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: عن قتله، {وينأون عنه} قال: لا يتبعونه). [الدر المنثور: 6/ 34-36]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 10:51 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي


{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)}
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({أين شركاؤكم} أي: أين آلهتكم التي جعلتموها لي شركاء فنسبها إليهم لما ادّعوا لها من شركته جلّ وعز). [تفسير غريب القرآن: 152]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين...} تقرأ: ربّنا وربّنا خفضا ونصبا...
- وحدثني الحسن بن عيّاش أخو أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن الشعبيّ عن علقمة أنه قرأ {واللّه ربّنا}قال: معناه والله يا ربّنا. فمن قال (ربّنا) جعله محلوفا به). [معاني القرآن:1/ 330]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا والله ربّنا} مرفوعة إذا علمت فيها {ثم لم تكن} فتجعل قولهم الخبر لتكن، وقوم ينصبون {فتنتهم} لأنهم يجعلونها الخبر، ويجعلون قولهم الاسم، بمنزلة قولك ثم لم يكن قولهم إلا فتنةً، لأن {إلاّ أن قالوا} في موضع {قولهم}.
- ومجاز (فتنتهم): مجاز كفرهم وشركهم الذي كان في أيديهم). [مجاز القرآن: 1/ 188]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}
- وقال {ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا} على الصفة.
- وقال بعضهم: {ربّنا} على "يا ربنا.
وأمّا {والله} فجره على القسم، ولو لم تكن فيه الواو نصبت فقلت {الله ربّنا}، ومنهم من يجر بغير واو لكثرة استعمال هذا الاسم وهذا في القياس رديء.
وقد جاء مثله شاذا قولهم:
* وبلدٍ عاميّةٍ أعماؤه *
[و] إنّما هو: ربّ بلدٍ وقال:
نهيتك عن طلابك أمّ عمرٍو ....... بعاقبةٍ وأنت إذٍ صحيح
- يقول: "حينئذٍ" فألقى "حين" وأضمرها. وصارت الواو عوضا من "ربّ" في "وبلدٍ". وقد يضعون "بل" في هذا الموضع. قال الشاعر:
ما بال عينٍ عن كراها قد جفت .......مسبلةً تستنّ لمّا عرفت
داراً لليلى بعد حولٍ قد عفت ....... بل جوز تيهاء كظهر الحجفت

فيمن قال "طلحت"). [معاني القرآن: 1/ 235]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({ثمّ لم تكن فتنتهم} أي مقالتهم ويقال حجّتهم.
وقد ذكرت هذا في كتاب «تأويل المشكل» في باب الفتنة. وبينت كيف هو). [تفسير غريب القرآن: 152]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (الفتنة: الاختبار.
يقال فتنت الذهب في النّار: إذا أدخلته إليها لتعلم جودته من رداءته.
وقال تعالى {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: اختبرناهم.
وقال لموسى عليه السلام: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا}.
ومنه قوله {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي: جوابهم لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال، فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار إلا هذا القول). [تأويل مشكل القرآن:472](م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم إلّا أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}
إن شئت نصبت "فتنتهم" على خبر يكن، ويكون أن قالوا هو الاسم وأنث "تكن" وهو {إلا أن قالوا} لأن " أن قالوا " ههنا هو الفتنة.
- ويجوز أن يكون: تأويل "أن قالوا" إلا مقالتهم.
- ويجوز: رفع الفتنة وتأنيث "تكن" ويكون الخبر (أن قالوا) والاسم (فتنتهم).
- ويجوز: ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا، فتذكر "يكن" لأنه معلق ب (أن قالوا)، ويجوز ثم لم يكن فتنتهم بالياء ورفع الفتنة، لأن الفتنة والافتتان في معنى واحد.
وتأويل هذه الآية تأويل حسن في اللغة لطيف لا يفهمه إلا من عرف معاني الكلام وتصرّف العرب في ذلك، واللّه جلّ وعزّ ذكر في هذه الأقاصيص التي جرت في أمر المشركين وهم مفتتنون بشركهم.
أعلم اللّه أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه إلا أن تبرأوا منه وانتفوا منه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين، ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا، فإذا وقع في هلكة تبرأ منه، فتقول له ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه.
- ويجوز: (واللّه ربّنا) على جر (ربّنا) على النعت والثناء لقوله (واللّه).
- ويجوز: (واللّه ربّنا) بنصب (ربّنا)، ويكون النصب على وجهين، على الدعاء، قالوا واللّه يا ربّنا ما كنا مشركين.
- ويجوز: نصبه على أعني: المعنى أعني (ربّنا).
وأذكر ربنا، ويجوز رفعه على إضمار هو، ويكون مرفوعا على المدح.
والقراءة الجر والنّصب، فأمّا الرفع فلا أعلم أحدا قرأ به). [معاني القرآن: 2/ 235-236]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}
قال أبو إسحاق: تأويل هذه الآية لطيف جدا أخبر الله جل وعز بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه.
فأما معنى قولهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} وقال في موضع آخر {ولا يكتمون الله حديثا} معطوف على ما قبله
- والمعنى: وودوا أن لا يكتموا الله حديثا والدليل على صحة هذا القول أنه روي عن سعيد بن جبير في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} قال اعتذروا وحلفوا.
- وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة وروي عن مجاهد أنه قال: لما رأوا الذنوب تغفر إلا الشرك والناس يخرجون من النار إلا المشركين و
قال: {الله ربنا ما كنا مشركين}.
- وقول بعض أهل اللغة: إنما قالوا هذا على أنهم صادقون عند أنفسهم ولم يكونوا ليكذبوا وقد عاينوا ما عاينوا وقطرب يذهب إلى هذا القول، وهو قول مردود لأنه قال لم يكونوا ليكذبوا وبعدها {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} ويبين لك الغلط في هذا القول قوله جل وعز: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ... الآية}،
- قال مجاهد: كذبهم الله وقيل معنى ولا يكتمون الله حديثا أنه ظاهر عنده). [معاني القرآن: 2/ 407-409]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ} أي مقالتهم وقيل معذرتهم). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 75]

تفسير قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}:
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({وضلّ عنهم ما كانوا يفترون}
أي ذهب عنهم ما كانوا يدعون ويختلقون). [تفسير غريب القرآن:152]

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ({أكنّةً أن يفقهوه} واحدها كنان، ومجازها: عطاء،
قال عمر بن أبي ربيعة:
أيّنا بات ليلةً ....... بين غصنين يوبل
تحت عينٍ كنانها ....... ظلّ بردٍ مرحّل

أي غطاؤنا الذي يكنّنا.
{وفي آذانهم وقراً} مفتوح، ومجازه: الثّقل والصمم وإن كانوا يسمعون، ولكنهم صمّ عن الحق والخير والهدى؛ والوقر هو الحمل إذا كسرته.
{أساطير الأوّلين} واحدتها أسطورة، وإسطارة لغة، ومجازها مجار الترّهات البسابس ليس له نظام، وليس بشيء). [مجاز القرآن: 1/ 188-189]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ومنهم مّن يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آيةٍ لاّ يؤمنوا بها حتّى إذا جاءوك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين}
[و] قال: {وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً}
وواحد "الأكنّة" الكنان.
و"الوقر" في الأذن [بالفتح]، و"الوقر" على الظهر بالكسر.
وقال يونس: "سألت رؤبة" فقال: "وقرت أذنه" "توقر" إذا كان فيها "الوقر".
وقال أبو زيد: سمعت العرب تقول: "أذنٌ موقورةٌ" فهذا يقول: "وقرت".
قال الشاعر:
وكلامٍ سيّئ قد وقرت ....... أذني منه وما بي من صمم
وقال: {أساطير الأوّلين} فبعضهم يزعم أنّ واحده "أسطورة" وبعضهم "إسّطارة"، ولا أراه إلاّ من الجمع الذي ليس له واحدٌ نحو: "عباديد" و"مذاكير" و"أبابيل".
وقال بعضهم: "واحد الأبابيل": إبّيل.
وقال بعضهم: "إبّول" مثل: "عجّول" ولم أجد العرب تعرف له واحدا. فأمّا "الشّماطيط" فإنهم يزعمون أنّ واحده "شمطاط" وكل هذه لها واحد إلا أنه ليس يستعمل، ولم يتكلّم به لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعاً.
وسمعت العرب الفصحاء يقولون: "أرسل إبله أبابيل" يريدون "جماعات" فلم يتكلّم لها بواحد). [معاني القرآن:1/ 236]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({في آذانهم وقرا}: ثقلا ويقال قد وقرت أذنه.
{أساطير الأولين}: أباطيلهم). [غريب القرآن وتفسيره: 135-134]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (الوَقْرُ: الصّمم.
والوِقر: الحمل على الظهر). [تفسير غريب القرآن: 152]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاءوك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلّا أساطير الأوّلين}
{أكنّة} جمع كنان وهو الغطاء، مثل عنان وأعنّة.
فأمّا {أن يفقهوه} فمنصوب على أنه مفعول له، والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنّة، لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى أن.
وقوله{وفي آذانهم وقرا}، الوقر: ثقل السمع وهو بالفتح، يقال في أذنه وقر، وقد وقرت الأذن توقر.
قال الشاعر:
وكلام سيّئ قد وقرت ....... أذني منه وما بي من صمم
والوقر - بكسر الواو - أن يحمل البعير أو غيره مقدار ما يطيق، يقال عليه وقر، ونخلة موقر وموقرة بالكسر أكثر، وموقر مثل مرضع، أي ذات وقر، كما أن تلك ذات رضاع، وإنما فعل بهم ذلك مجازاة لهم بإقامتهم على كفرهم.
وليس المعنى أنهم لم يفهموه ولم يسمعوه، ولكنهم لما عدلوا عنه وصرفوا فكرهم عما هم عليه، في سوء العاقبة كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع.
وقوله: {وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها} أي: كل علامة تدلهم على نبوتك، ثم أعلم الله عزّ وجلّ مقدار احتجاجهم وجدلهم وأنهم إنما يستعملون في الاحتجاج أن يقولوا هذا أساطير الأولين، ويقولون افترى على الله كذبا، فأعلم اللّه عزّ وجلّ أنهم ليس يعارضون ما احتج به عليهم من الحق، حيث قيل لهم: {فأتوا بسورة من مثله}، وحيث شق لهم القمر، وحيث أنزل على نبيه عليه السلام {واللّه يعصمك من النّاس}.
فما أتى أحد بسورة ولا قدر على ضر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا على قتله، وأنبأ عزّ وجلّ بما سيكون في كتابه فوجد ذلك أجمع.
فقال اللّه عزّ وجلّ: {حتّى إذا جاءوك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلّا أساطير الأوّلين}، واحدها إسطار، وأسطورة.
وتأويل السّطر في اللغة: أن تجعل شيئا ممتدا مؤلفا، فمن ذلك سطر الكتاب، يقال: سطر وسطر، فمن قال سطر جمعه أسطار.
قال رؤبة:
إني وأسطار سطرن سطرا ....... لقائل يا نصر نصرا نصرا
وجمع أسطار أساطير، فعلى هذا - عندي - أساطير الأولين.
ومن قال سطر فجمعه أسطر، وجمع الجمع أساطرة، وأساطير.
قال الشماخ في جمع سطر:
كما خط عبرانية يمنية ....... بتيماء حبر ثم عرّض أسطرا).
[معاني القرآن: 2/ 236-238]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): ( وقوله جل وعز: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} قيل فعل بهم هذا مجازاة على كفرهم وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم،
ثم خبر بعنادهم فقال: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} لأنهم لما رأوا القمر منشقا قالوا سحر فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات بغير حجة وقال {حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين فخبر} أن هذا مقدار احتجاجهم). [معاني القرآن: 2/ 409-410]

قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( (والوقر) الصمم. و(الوقر) بالكسر: الحمل على الظهر). [تفسير المشكل من غريب القرآن:75]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ((الوَقْر): الثقل في الأذن {أَسَاطِيرُ}: أباطيل). [العمدة في غريب القرآن: 126]

تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}:

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ( {وهم ينهون عنه وينأون عنه} أي يتباعدون عنه،
قال النّابغة:

فأبلغ عامراً عني رسولاً ....... وزرعة إن دنوت وإن نأيت).[مجاز القرآن:1/ 189]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلاّ أنفسهم وما يشعرون}
وأمّا قوله: {وينأون عنه} فانه من: "نأيت" "ينأى" "نأياً"). [معاني القرآن: 1/ 236]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({ينؤن عنه}: يبعدون نأيت عن الموضع). [غريب القرآن وتفسيره: 135]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({وهم ينهون عنه} أي: عن محمد.
{وينأون} أي: يبعدون). [تفسير غريب القرآن: 152]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلّا أنفسهم وما يشعرون}
أي: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتبع.
{وينأون عنه} أي: يتباعدون عنه، يقال: نأيت عن الشيء أنأى نأيا، إذا بعدت عنه، والنّؤى حاجز يجعل حول البيت لئلا يدخله الماء من خارج، تحفر حفيرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، وهو مأخوذ من النأي أي مباعد للماء من البيت.
وقال بعضهم: إنه يعنى به بعض أهل النبي -صلى الله عليه وسلم-، أي وهم ينهون عن أذى النّبي -صلى الله عليه وسلم- ويتباعدون عنه، أي لا يتّبعونه.
والكلام متصل بذكر جماعة أهل الكتاب، والمشركين.
والقول الأول أشبه بالمعنى). [معاني القرآن: 2/ 238-239]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} أكثر أهل التفسير يذهب إلى أن المعنى للكفار أي ينهون عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ويبعدون عنه.
قال مجاهد: يعني به قريش.
وكذلك قال قتادة والضحاك: يعني به الكفار.
وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال أخبرني من سمع ابن عباس يقول: «نزلت في أبي طالب كان ينهى عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعد عنه والقول الأول أشبه لأنه متصل بأخبار الكفار وقولهم»). [معاني القرآن: 2/ 410-411]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {وإن يهلكون إلا أنفسهم} أي: وبال ذلك يرجع عليهم لأن الله جل وعز يبدد جموعهم وينصره عليهم). [معاني القرآن: 2/ 412]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {وما يشعرون}
أي: وما يشعرون أن وبال ذلك يرجع عليهم). [معاني القرآن:2/ 412]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي: عن محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي: يبعدون عنه،

يعني أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع من أذى النبي صلى الله عليه وسلم، ويمتنع من الإيمان به). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 76]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({يَنْأَوْنَ}: ينفرون). [العمدة في غريب القرآن: 126]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28 ربيع الثاني 1434هـ/10-03-2013م, 10:52 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) }

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) }

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (ومثلُ قولهم ما جاءت حاجتك إذ صارت تقع على مؤنّث قراءة بعض القرّاء: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} و(تلتقطه بعض السّيّارة)
وربّما قالوا في بعض الكلام ذهبت بعض أصابعه وإنّما أنّت البعض لأنّه أضافه إلى مؤنّثٍ هو منه ولو لم يكن منه لم يؤنّثه لأنه لو قال ذهبت عبد أمّك لم يحسن). [الكتاب: 1/ 50]

تفسير قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) }

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) }

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (ومن أسماء الباطل قولهم: جاء فلان بالترهة. وهي واحدة الترهات وكذلك التهاته، قال القطامي:
ولم يكن ما أجتدينا من مواعدها ....... إلاّ التهاته والامنية السقما
ومثله " الأساطير " وقد اختلف الناس في واحدها، فقال بعضهم: أسطورة، وكان الكسائي يقول: واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير، جمع الجمع). [الأمثال: 84-85]

قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (والوقر الثقل في الأذن من قول الله -تبارك
وتعالى-: {وفي آذاننا وقر} ويقال منه قد وقرت أذنه فهي موقورة ويقال اللهم قر أذنه ويقال أيضا قد وقرت أذنه توقر وقرا والوقر الثقل يحمل على رأس أو على ظهر من قوله تبارك وتعالى (فالحاملات وقرا) ويقال جاء يحمل وقره قال الفراء ويقال هذه امرأة موقرة وموقرة إذا حملت حملا ثقيلا وهذه نخلة موقر وموقرة وموقرة وقد وقر الرجل من الوقار فهو وقور). [إصلاح المنطق: 3-4]

تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }
قال أبو فَيدٍ مُؤَرِّجُ بنُ عمروٍ السَّدُوسِيُّ (ت: 195هـ) : (الْمَنْأَى: الْمَوْضِعُ الذي يَبْعُدُ به عن الأَذَى). [شرح لامية العرب: --]
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (
ويمنع مولانا وإن كان نائيا ....... بنا جاره مما يخاف ويأنف
وإن نأى عنا أي بعد من قوله تعالى: {وهم ينأون عنه} أي يبعدون عنه). [نقائض جرير والفرزدق: 562]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (

تحمل منها أهلها فنأت بهم ....... لطيتهم مر النوى وشعوبها
نأت: بعدت). [شرح ديوان كعب بن زهير: 208]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
فإن تنأ عنها حقبة لم تلاقها ....... فإنك مما أحدثت بالمجرب
تنأ: أي تبعد، يقال: نأيته ونأيت عنه. والنأي: البعد). [شرح ديوان امرئ القيس: 368]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
أتنكرت ليلى عن الوصل ....... ونأت فرث معاقد الحبل
نأت: بعدت). [شرح ديوان امرئ القيس: 600] (م)
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (نأت: بعدت، يقال: نأى ينأى نأيًا، والنّأي: البعد، والنّأئي: البعيد، وأما ناء فنهض). [الأمالي: 2/ 240]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,363
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,363
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,363
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,363
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ومن أظلم ... الآية} من استفهام مضمنه التوقيف والتقرير، أي لا أحد أظلم ممن افترى، وافترى معناه اختلق، والمكذب بالآيات مفتري كذب، ولكنهما منحيان من الكفر، فلذلك نصا مفسرين، و «الآيات» العلامات والمعجزات ونحو ذلك، ثم أوجب إنّه لا يفلح الظّالمون والفلاح بلوغ الأمل والإرادة والنجاح، ومنه قول عبيد: [الرجز]
أفلح بما شئت فقد تبلغ بالض ....... ضعف وقد يخدع الأريب). [المحرر الوجيز: 3/ 333]

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون (22) ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون (24)}
قالت فرقة: {لا يفلح الظّالمون}كلام تام معناه لا يفلحون جملة، ثم استأنف فقال: واذكر يوم نحشرهم، وقال الطبري المعنى لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم عطفا على الظرف المقدر والكلام متصل، وقرأت طائفة «نحشرهم» و «نقول» بالنون، وقرأ حميد ويعقوب فيهما بالياء، وقرأ عاصم هنا وفي يونس قبل الثلاثين «نحشرهم ونقول» بالنون، وقرأ في باقي القرآن بالياء، وقرأ أبو هريرة «نحشرهم» بكسر الشين فيجيء الفعل على هذا حشر يحشر ويحشر، وأضاف الشركاء إليهم لأنه لا شركة لهم في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء وإنما وقع عليها اسم الشريك بمجرد تسمية الكفرة فأضيفت إليهم لهذه النسبة وتزعمون معناه تدعون أنهم لله، والزعم القول الأميل إلى الباطل والكذب في أكثر كلامهم، وقد يقال زعم بمعنى ذكر دون ميل إلى الكذب، وعلى هذا الحد يقول سيبويه زعم الخليل ولكن ذلك إنما يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله). [المحرر الوجيز: 3/ 333-334]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ثمّ لم تكن فتنتهم إلّا أن قالوا ... الآية} قرأ ابن كثير في رواية شبل عنه وعاصم في رواية حفص وابن عامر «تكن فتنتهم» برفع الفتنة وإلّا أن قالوا في موضع نصب على الخبر التقدير إلا قولهم، وهذا مستقيم لأنه أنث العلامة في الفعل حين أسنده إلى مؤنث وهي الفتنة، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن كثير أيضا «تكن فتنتهم» بنصب الفتنة، واسم كان أن قالوا، وفي هذه القراءة تأنيث أن قالوا وساغ ذلك من حيث كان الفتنة في المعنى، قال أبو علي وهذا كقوله تعالى: {فله عشر أمثالها}[الأنعام: 160] فأنث الأمثال لما كانت الحسنات بالمعنى وقرأ حمزة والكسائي «يكن» بالياء «فتنتهم» بالنصب واسم كان إلّا أن قالوا وهذا مستقيم لأنه ذكر علامة الفعل حين أسنده إلى مذكر، قال الزهراوي وقرأت فرقة «يكن فتنتهم» برفع الفتنة، وفي هذه القراءة إسناد فعل مذكر العلامة إلى مؤنث، وجاء ذلك بالمعنى لأن الفتنة بمعنى الاختبار أو المودة في الشيء والإعجاب وقرأ أبي بن وكيع وابن مسعود والأعمش «وما كان فتنتهم»، وقرأ طلحة بن مصرف، «ثم كان فتنتهم» والفتنة في كلام العرب لفظة مشتركة تقال بمعنى حب الشيء والإعجاب به كما تقول فتنت بكذا، وتحتمل الآية هنا هذا المعنى أي لم يكن حبهم للأصنام وإعجابهم بها واتباعهم لها لما سئلوا عنها ووقفوا على عجزها إلا التبري منها والإنكار لها، وهذا توبيخ لهم كما تقول لرجل كان يدعي مودة آخر ثم انحرف عنه وعاداه يا فلان لم تكن مودتك لفلان إلا أن شتمته وعاديته، ويقال الفتنة في كلام العرب بمعنى الاختبار، كما قال عز وجل لموسى -عليه السلام: {وفتنّاك فتوناً}[طه: 40]، وكقوله تعالى: {ولقد فتنّا سليمان وألقينا} [ص: 34] وتحتمل الآية هاهنا هذا المعنى لأن سؤالهم عن الشركاء وتوقيفهم اختبار، فالمعنى ثم لم يكن اختبارنا لهم إذ لم يفد ولا أثمر، إلا إنكارهم الإشراك، وتجيء الفتنة في اللغة على معان غير هذين لا مدخل لها في الآية ومن قال إن أصل الفتنة الاختبار من فتنت الذهب في النار ثم يستعار بعد ذلك في غيره فقد أخطأ لأن الاسم لا يحكم عليه بمعنى الاستعارة حتى يقطع باستحالة حقيقته في الموضع الذي استعير له كقول ذي الرمة: [الطويل]
... ... ... ... ....... ولفّ الثّريّا في ملاءته الفجر
ونحوه، والفتنة لا يستحيل أن تكون حقيقة في كل موضع قيلت عليه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والله «ربّنا» خفض على النعت لاسم الله، وقرأ حمزة والكسائي «ربّنا» نصب على النداء. ويجوز فيه تقدير المدح، وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين «والله ربّنا» برفع الاسمين وهذا على تقدير تقديم وتأخير كأنهم قالوا ما كنا مشركين والله ربنا، وما كنّا مشركين معناه جحود إشراكهم في الدنيا، فروي أنهم إذا رأوا إخراج من في النار من أهل الإيمان ضجوا فيوقفون ويقال لهم أين شركاؤكم فينكرون طماعية منهم أن يفعل بهم ما فعل بأهل الإيمان. وأتى رجل ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} وفي أخرى: {ولا يكتمون اللّه حديثاً} [النساء: 42]
فقال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن قالوا تعالوا فلنجحد، وقالوا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعبد بعض المفسرين عن الفتنة هنا بأن قالوا معذرتهم، قاله قتادة، وقال آخرون كلامهم قاله الضحاك، وقيل غير هذا مما هو كله في ضمن ما ذكرناه). [المحرر الوجيز: 3/ 334-336]

تفسير قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {انظر كيف كذبوا ... الآية}، الخطاب لمحمد -عليه السلام- والنظر نظر القلب، وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هي حكاية يوم القيامة فلا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تحقيقا ما في الفعل وإثباتا له، وهذا مهيع في اللغة، ومنه قول الربيع بن ضبع الفزاري: [المنسرح]
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ....... أملك رأس البعير إن نفرا
يريد أن ينفر وضلّ عنهم معناه ذهب افتراؤهم في الدنيا وكذبهم بادعائهم لله تبارك وتعالى الشركاء). [المحرر الوجيز: 3/ 336-337]

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاؤك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين (25)}
الضمير في قوله: ومنهم عائد على الكفار الذين تضمنهم قبل قوله: {يوم نحشرهم جميعاً} وأفرد يستمع وهو فعل جماعة حملا على لفظ من وأكنّةً جمع كنان وهو الغطاء الجامع، ومنه كنانة السهام والكنّ، ومنه قوله تعالى: {بيضٌ مكنونٌ} [الصافات: 49] ومنه قول الشاعر: [الطويل]
إذا ما انتضوها في الوغى من أكنّة ....... حسبت بروق الغيث هاجت غيومها
وفعال وأفعلة مهيع في كلامهم وأن يفقهوه نصب على المفعول من أجله أي كراهية أن يفهموه، وقيل المعنى أن لا يفقهوه، ويلزم هذا القول إضمار حرف النفي، ويفقهوه معناه يفهموه، ويقال فقه الرجل بكسر القاف إذا فهم الشيء وفقه بضمها: إذا صار فقيها له ملكة، وفقه إذا غلب في الفقه غيره، والوقر: الثقل في السمع، يقال وقرت أذنه ووقرت بكسر القاف وفتحها، ومنه قول الشاعر: [الرمل]
وكلام سيّء قد وقرت ....... أذني وما بي من صمم
وقد سمع أذن موقورة فالفعل على هذا وقرت، وقرأ طلحة بن مصرف: «وقرا» بكسر الواو كأنه ذهب إلى أن آذانهم وقرت بالصمم كما توقر الدابة من الحمل وهي قراءة شاذة، وهذا عبارة عما جعل الله في نفوس هؤلاء القوم من الغلط والبعد عن قبول الخير لا أنهم لم يكونوا سامعين لأقواله، وقوله تعالى: {وإن يروا كلّ آيةٍ ... الآية}، الرؤية هنا الرؤية العين يريد كانشقاق القمر وشبهه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ومقصد هذه الآية أنهم في أعجز درجة وحاولوا رد الحق بالدعوى المجردة والواو في قوله وجعلنا واو الحال والباب أن يصرح معها بقد، وقد تجيء أحيانا مقدرة، وإيضاح ذلك أنه -تعالى- قال: ومن هؤلاء الكفرة من يستمعك وهو من الغباوة في حد قلبه في كنان وأذنه صماء وهو يرى الآيات فلا يؤمن بها لكنه مع بلوغه الغاية من هذه القصور إذا جاء للمجادلة قابل بدعوى مجردة. والمجادلة المقابلة في الاحتجاج مأخوذ من الجدل، وهذا في قولهم إشارة إلى القرآن، والأساطير جمع أسطار كأقوال وأقاويل ونحوه، وأسطار جمع سطر وسطر، وقيل الأساطير جمع أسطارة وهي النزهات، وقيل جمع أسطورة كأعجوبة وأضحوكة، وقيل هو اسم جمع لا واحد من لفظه كعبابيد وشماميط والمعنى أخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تسطر وتحكى ولا تحقق كالتواريخ وإنما شبهها الكفار بأحاديث النضر بن الحارث وأبي عبد الله بن أبي أمية عن رستم والسندباد، ومجادلة الكفار كانت مرادّتهم نور الله بأفواههم المبطلة، وقد ذكر الطبري عن ابن عباس أنه مثل من ذلك قولهم: إنكم أيها المتبعون محمدا تأكلون ما قتلتم بذبحكم ولا تأكلون ما قتل الله، ونحو هذا من التخليط الذي لا تتركب منه حجة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا جدال في حكم، والذي في الآية إنما هو جدال في مدافعة القرآن، فلا تتفسر الآية عندي بأمر الذبح). [المحرر الوجيز: 3/ 337-339]

تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلاّ أنفسهم وما يشعرون (26) ولو ترى إذ وقفوا على النّار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين (27)}
الضمير في قوله: وهم عائد على المذكورين قبل، والضمير في عنه قال قتادة ومجاهد يعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله أن يفهموه وقال ابن عباس وابن الحنفية والضحاك هو عائد على محمد عليه السلام والمعنى أنهم ينهون غيرهم ويبعدون هم بأنفسهم و «النأي» البعد، وإن يهلكون معناه ما يهلكون إلا أنفسهم بالكفر الذي يدخلهم جهنم، وقال ابن عباس أيضا والقاسم وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار المراد بقوله: وهم ينهون عنه أبو طالب ومن كان معه على حماية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الدوام في الكفر، والمعنى وهم ينهون عنه من يريد إذايته وينأون عنه بإيمانهم واتباعهم فهم يفعلون الشيء وخلافه، ويقلق على هذا القول رد قوله وهم على جماعة الكفار المتقدم ذكرها، لأن جميعهم لم يكن ينهى عن إذاية النبي -صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويتخرج ذلك ويحسن على أن تقدر القصد ذكر ما ينعى على فريق فريق من الجماعة التي هي كلها مجمعة على الكفر، فخرجت العبارة عن فريق من الجماعة بلفظ يعم الجماعة، لأن التوبيخ على هذه الصورة أغلظ عليهم، كما تقول إذا شنعت على جماعة فيها زناة وسرقة وشربة خمر هؤلاء يزنون ويسرقون ويشربون الخمر وحقيقة كلامك أن بعضهم يفعل هذا وبعضهم يفعل هذا، فكأنه قال: من هؤلاء الكفرة من يستمع وهم ينهون عن إذايته ولا يؤمنون به، أي: منهم من يفعل ذلك، وما يشعرون معناه: ما يعلمون علم حسّ، وهو مأخوذ من الشعار الذي يلي بدن الإنسان، والشعار مأخوذ من الشعر،
ونفي الشعور مذمة بالغة إذ البهائم تشعر وتحس، فإذا قلت لا يشعر فقد نفيت عنه العلم النفي العام الذي يقتضي أنه لا يعلم ولا المحسوسات.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقرأ الحسن «وينون عنه» ألقيت حركة الهمزة على النون على التسهيل القياسي). [المحرر الوجيز: 3/ 339-341]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,363
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,363
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال: {ومن أظلم ممّن افترى على اللّه كذبًا أو كذّب بآياته} أي: لا أظلم ممّن تقوّل على اللّه، فادّعى أنّ اللّه أرسله ولم يكن أرسله، ثمّ لا أظلم ممّن كذّب بآيات اللّه وحججه وبراهينه ودلالاته، {إنّه لا يفلح الظّالمون} أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 245]

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ويوم نحشرهم جميعًا ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون (22) ثمّ لم تكن فتنتهم إلّا أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون (24) ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاءوك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا إلّا أساطير الأوّلين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلّا أنفسهم وما يشعرون (26) }
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: {ويوم نحشرهم جميعًا} يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد الّتي كانوا يعبدونها من دونه قائلًا [لهم]: {أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون} كما قال تعالى في سورة القصص: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الّذين كنتم تزعمون} [الآية: 62] ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 246]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ثمّ لم تكن فتنتهم} أي: حجّتهم. وقال عطاءٌ الخراسانيّ، عن ابن عبّاسٍ: أي: معذرتهم. وكذا قال قتادة. وقال ابن جريجٍ، عن ابن عبّاسٍ: أي قيلهم. وكذا قال الضّحّاك.
وقال عطاءٌ الخراسانيّ: ثمّ لم تكن بليّتهم حين ابتلوا {إلا أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}
وقال ابن جريرٍ: والصّواب ثمّ لم يكن قيلهم عند فتنتنا إيّاهم اعتذارًا ممّا سلف منهم من الشّرك باللّه {إلا أن قالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين}
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا أبو يحيى الرّازيّ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن مطرّف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ قال: أتاه رجلٌ فقال يا أبا عبّاسٍ. سمعت اللّه يقول: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} قال: أمّا قوله: {واللّه ربّنا ما كنّا مشركين} فإنّهم رأوا أنّه لا يدخل الجنّة إلّا أهل الصّلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون، فيختم اللّه على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون اللّه حديثًا، فهل في قلبك الآن شيءٌ؟ إنّه ليس من القرآن شيءٌ إلّا قد نزل فيه شيءٌ، ولكن لا تعلمون وجهه.
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: هذه في المنافقين.
وفي هذا نظرٌ، فإنّ هذه الآية مكّيّةٌ، والمنافقون إنّما كانوا بالمدينة، والّتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: {يوم يبعثهم اللّه جميعًا فيحلفون له [كما يحلفون لكم ويحسبون أنّهم على شيءٍ ألا إنّهم هم الكاذبون]} [المجادلة: 18]، وهكذا قال في حقّ هؤلاء: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} كما قال {ثمّ قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون اللّه قالوا ضلّوا عنّا [بل لم نكن ندعو من قبل شيئًا كذلك يضلّ اللّه الكافرين]} [غافر: 73، 74]). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 246]


تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها} أي: يجيؤوك ليسمعوا قراءتك، ولا تجزي عنهم شيئًا؛ لأنّ اللّه جعل {على قلوبهم أكنّةً} أي: أغطيةً لئلّا يفقهوا القرآن {وفي آذانهم وقرًا} أي: صممًا عن السّماع النّافع، فهم كما قال تعالى: {ومثل الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً [صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون]}[البقرة: 171].
وقوله: {وإن يروا كلّ آيةٍ لا يؤمنوا بها} أي: مهما رأوا من الآيات والدّلالات والحجج البيّنات، لا يؤمنوا بها. فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كما قال تعالى: {ولو علم اللّه فيهم خيرًا لأسمعهم [ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون]} [الأنفال: 23].
وقوله: {حتّى إذا جاءوك يجادلونك} أي يحاجّونك ويناظرونك في الحقّ بالباطل {يقول الّذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأوّلين} أي: ما هذا الّذي جئت به إلّا مأخوذٌ من كتب الأوائل ومنقولٌ عنهم). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 247]

تفسير قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وهم ينهون عنه وينأون عنه} وفي معنى {ينهون عنه} قولان:
أحدهما: أنّ المراد أنّهم ينهون النّاس عن اتّباع الحقّ، وتصديق الرّسول، والانقياد للقرآن، وينسأون عنه أي: [ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين لا ينتفعون] ولا يتركون أحدًا ينتفع [ويتباعدون] قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {وهم ينهون عنه} قال: ينهون النّاس عن -محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يؤمنوا به.

وقال محمّد بن الحنفيّة: كان كفّار قريشٍ لا يأتون النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، وينهون عنه.
وكذا قال مجاهدٌ وقتادة، والضّحّاك، وغير واحدٍ. وهذا القول أظهر، واللّه أعلم، وهو اختيار ابن جريرٍ.
والقول الثّاني: رواه سفيان الثّوريّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عمّن سمع ابن عبّاسٍ يقول في قوله: {وهم ينهون عنه} قال: نزلت في أبي طالبٍ كان ينهى [النّاس] عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- إنّ يؤذى وكذا قال القاسم بن مخيمرة، وحبيب بن أبي ثابتٍ، وعطاء بن دينارٍ: إنّها نزلت في أبي طالبٍ. وقال سعيد بن أبي هلالٍ: نزلت في عمومة النّبيّ، صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانوا عشرةً، فكانوا أشدّ النّاس معه في العلانية وأشدّ النّاس عليه في السّرّ. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقال محمّد بن كعبٍ القرظيّ: {وهم ينهون عنه} أي: ينهون النّاس عن قتله.
[و] قوله: {وينأون عنه} أي: يتباعدون منه {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} أي: وما يهلكون بهذا الصّنيع، ولا يعود وباله إلّا عليهم، وما يشعرون). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 247-248]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:48 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة