العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10 ربيع الثاني 1434هـ/20-02-2013م, 12:17 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (272) إلى الآية (274) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (272) إلى الآية (274) ]

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 07:32 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) )
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (وعن سعيدٍ قال: كان النّبيّ لا يتصدّق على المشركين فنزلت: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله}). [جزء تفسير يحيى بن اليمان: 37] [سعيد: هو ابن جبير]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ليس عليك هداهم}
- أخبرنا محمّد بن عبد الله بن عبد الرّحيم، حدّثنا الفريابيّ، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: " كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين فسألوا، فرضخ لهم، فنزلت هذه الآية {ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خيرٍ يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/38]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون}
يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمّد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التّطوّع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجةً منهم إليها، ولكنّ اللّه هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفّقهم له، فلا تمنعهم الصّدقة.
- كما: حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن أشعث، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتصدّق على المشركين، فنزلت: {وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه اللّه} فتصدّق عليهم.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا يتّقون أن يرضخوا، لقراباتهم من المشركين حتّى نزلت: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}.
[جامع البيان: 5/19]
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، وأحمد بن إسحاق، قالا: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائهم من المشركين، فنزلت: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} فرخّص لهم.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كان أناسٌ من الأنصار لهم أنسباء وقرابةٌ من قريظة والنّضير، وكانوا يتّقون أن يتصدّقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت: {ليس عليك هداهم} الآية.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، وذكر لنا أنّ رجالاً، من أصحاب نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: أنتصدّق على من ليس من أهل ديننا؟ فأنزل اللّه في ذلك القرآن: {ليس عليك هداهم}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} قال: كان الرّجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرّجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاجٌ فلا يتصدّق عليه يقول: ليس من أهل ديني، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ليس عليك هداهم} الآية.
- حدّثنى موسى ابن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم} أمّا {ليس عليك هداهم} فيعني المشركين، وأمّا النّفقة فبين أهلها.
[جامع البيان: 5/20]
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحمّانيّ، قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين، قالو: لا نعطيها إلا المسلمين فنزلت: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} قال: فكانوا بعد يعطونهم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} قال: يقول إنما لها ثواب نفقتها، وليس لها من عملها شيء لو كان خير أهل الأرض لم يكن لها من عمله شيء إنما لها أجر نفقتها، ولا تسأل عمن تريد تضع نفقتها فيه فليس لها من عمله شيء إنما لها ثواب نفقتها {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}.
- حدثنا أحمد ابن اسحاق حدثنا أحمد قال حدثنا جرير ابن عبد الحميد عن أشعث اسحاق عن جعفر بن أبى المغيره عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتصدقو الاعلى اهل دينكم فانزل الله تبارك وتعالى {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}. قوله {وأنتم لا تظلمون}
[جامع البيان: 5/21]
واماقوله {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} فانه يعنى جل ثناؤه وما تتصدقون به من مال والمال هو الخير الذى ذكر الله فى هذه الايه.
وقوله{ فلأنفسكم} تنفقون ليكون لكم ذخرا عن الحاجه اليه فى معدكم.
واما قوله{وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم} فانه يعنى جل جلاله وماتتصدقوا به من مال فانكم توفونه فيرجع اليكم جزاؤه تاما وافيا فلا تمنوا على أحد بما تصدقتم به عليه ولاتمتنعوا من اعطائها من امتعتهم من اعطائه اياها من مشركى أهل الكتاب وغيرهم من أهل الاسلام فإنكم لاتظلمون أجرها فتبخسوه ولاتنقصونه بل علي الله أن يوفيكم أجوركم وجزاءكم عليها.
- كما حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون} قال: هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تؤذيه وتمنّ عليه؟ إنّما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه اللّه، واللّه يجزيك). [جامع البيان: 5/22]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون (272)
قوله تعالى: ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ وأبو سعيد بن نحيى بن سعيدٍ القطّان، قالا ثنا أبو داود الحفريّ، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائهم، وهم مشركون، فنزلت: ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي من يشاء الآية.
- حدّثنا أحمد بن القاسم بن عطيّة، حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن الدّشتكيّ، حدّثني أبي، عن أبيه، ثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه كان يأمر بألا يصّدّق إلا على أهل الإسلام، حتّى نزلت هذه الآية: ليس عليك
[تفسير القرآن العظيم: 2/537]
هداهم
إلى آخرها، فأمر بالصّدقة بعدها على كلّ من سألك، من كلّ دينٍ.
وروي عن السّدّيّ، أنّه قال: المشركين.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو عبد الرّحمن الحارثيّ، عن جويبرٍ عن الضّحّاك: ليس عليك هداهم قال: (إن) كان من فقراء المسلمين فأعطه حقّه من الصّدقات.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، في قوله: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء لا نكلّف محمّدًا عليه السّلام بهداهم، إلا أن يبلّغ رسالته. وقال اللّه لمحمّدٍ: إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء). [تفسير القرآن العظيم: 1/538]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله:
وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم قال: أمّا النّفقة فبيّن أهلها.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، قوله: وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم قال: نفقة المؤمن نفسه.
- ذكر أبو عبد اللّه بن أحمد الدّشتكيّ، ثنا أبي، ثنا عطاء بن عزوان، ثنا محمّد بن مسعرٍ، قال: سألت سفيان بن عيينة، عن قول اللّه: وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم قال: هو الصدقة). [تفسير القرآن العظيم: 1/538]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: فلأنفسكم
- ذكر أبو عبد اللّه بإسناده، تراه في قوله: فلأنفسكم يقول: لأهل دينكم). [تفسير القرآن العظيم: 1/539]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو شيبة، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قوله: وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله قال: إذا أعطيت لوجه اللّه، فلا عليك ما كان عمله.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، في قوله: وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه قال: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق- إلا ابتغاء وجه اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 1/539]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم
- حدّثنا أحمد بن القاسم بن عطيّة، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدّشتكيّ ثنا أبي، عن أبيه، ثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه كان يأمر بألا يصّدّق إلا على أهل الإسلام، حتّى نزلت هذه الآية ليس عليك هداهم إلى قوله: وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون فأمر بالصّدقة بعدها، على كلّ من سألك من كلّ دينٍ.
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً أبنا ابن وهبٍ، أخبرني عبد الرّحمن بن شريحٍ، أنّه سمع يزيد بن أبي حبيبٍ، يقول، في قوله: وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم قال: إنّما أنزلت هذه الآية على اليهود والنّصارى). [تفسير القرآن العظيم: 1/539]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: وأنتم لا تظلمون
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ،
[تفسير القرآن العظيم: 2/539]
ثنا سلمة بن إسحاق، قوله: وأنتم لا تظلمون أي لا يضيع لكم عند اللّه أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدّنيا). [تفسير القرآن العظيم: 1/540]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو بكرٍ الشّافعيّ، ثنا محمّد بن غالبٍ، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: كانوا " يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم، وهم مشركون، فنزلت {ليس عليك هداهم، ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} [البقرة: 272] حتّى بلغ {وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272] قال: فرخّص لهم «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/313]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى:
[مجمع الزوائد: 6/323]
{ليس عليك هداهم} [البقرة: 272].
- عن ابن عبّاسٍ قال: كانوا أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخّص لهم فنزلت هذه الآية: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم} [البقرة: 272]، إلى قوله: {وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272].
رواه الطّبرانيّ عن شيخه عبد اللّه بن محمّد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيفٌ.
ورواه البزّار بنحوه، ورجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 6/324]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج الفريابي، وعبد بن حميد والنسائي والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا فنزلت هذه الآية {ليس عليك هداهم} إلى قوله {وأنتم لا تظلمون} فرخص لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه والضياء عن ابن عباس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية {ليس عليك هداهم} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين فنزلت {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله}
[الدر المنثور: 3/331]
فتصدق عليهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا إلا على أهل دينكم، فأنزل الله {ليس عليك هداهم} إلى قوله {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا على أهل الأديان.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الحنفية قال: كره الناس أن يتصدقوا على المشركين فأنزل الله {ليس عليك هداهم} فتصدق الناس عليهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان أناس من الأنصار لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت {ليس عليك هداهم} الآية.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا من الصحابة قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا فنزلت {ليس عليك هداهم} الآية.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا من الصحابة قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا فنزلت {ليس عليك هداهم}.
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج لا يتصدق عليه يقول: ليس من أهل ديني، فنزلت {ليس عليك هداهم}
[الدر المنثور: 3/332]
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: سأله رجل ليس على دينه فأراد أن يعطيه ثم قال: ليس على ديني، فنزلت {ليس عليك هداهم}.
وأخرج سفيان، وابن المنذر عن عمرو الهلالي قال: سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنتصدق على فقراء أهل الكتاب فأنزل الله {ليس عليك هداهم} الآية، ثم دلوا على الذي هو خير وأفضل فقيل (للفقراء الذين أحصروا) (البقرة الآية 273) الآية.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كانوا يعطون فقراء أهل الذمة صدقاتهم فلما كثر فقراء المسلمين قالوا: لا نتصدق إلا على فقراء المسلمين فنزلت {ليس عليك هداهم} الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أما {ليس عليك هداهم}
فيعني المشركين وأما النفقة فبين أهلها فقال (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) (البقرة الآية 273).
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} قال: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق
[الدر المنثور: 3/333]
المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} قال: هو مردود عليك فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله والله يجزيك، واخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب في قوله {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} قال: إنما أنزلت هذه الآية في النفقة على اليهود والنصارى). [الدر المنثور: 3/334]

تفسير قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله قال حصروا أنفسهم للغزو فلا يستطيعون تجارة
يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف). [تفسير عبد الرزاق: 1/109]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن مجاهد قال تعرفهم بسيماهم قال التخشع). [تفسير عبد الرزاق: 1/109]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب {لا يسألون النّاس إلحافًا} [البقرة: 273] "
[صحيح البخاري: 6/32]
يقال: ألحف عليّ، وألحّ عليّ، وأحفاني بالمسألة، {فيحفكم} [محمد: 37]: يجهدكم "
[صحيح البخاري: 6/32]
- حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثني شريك بن أبي نمرٍ، أنّ عطاء بن يسارٍ، وعبد الرّحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ، قالا: سمعنا أبا هريرة رضي اللّه عنه، يقول: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، ولا اللّقمة ولا اللّقمتان، إنّما المسكين الّذي يتعفّف، واقرءوا إن شئتم» يعني قوله: {لا يسألون النّاس إلحافًا} [البقرة: 273]). [صحيح البخاري: 6/32]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب لا يسألون النّاس إلحافا)
يقال ألحف عليّ وألحّ وأحفاني بالمسألة زاد في نسخة الصّغانيّ
[فتح الباري: 8/202]
فيحفكم يجهدكم هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا يقال أحفاني بالمسألة وألحف عليّ وألحّ عليّ بمعنًى واحدٍ واشتقاق ألحف من اللّحاف لأنّه يشتمل على وجوه الطّلب في المسألة كاشتمال اللّحاف في التّغطية وقال أبو عبيدة في قوله لا يسألون النّاس إلحافا قال إلحاحًا انتهى وانتصب إلحافًا على أنّه مصدرٌ في موضع الحال أي لا يسألون في حال الإلحاف أو مفعولٌ لأجله أي لا يسألون لأجل الإلحاف وهل المراد نفي المسألة فلا يسألون أصلًا أو نفي السّؤال بالإلحاف خاصّةً فلا ينتفي السّؤال بغير إلحافٍ فيه احتمالٌ والثّاني أكثر في الاستعمال ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافًا فلا يستلزم الوقوع ثمّ ذكر المصنّف حديث أبي هريرة ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة الحديث وقد تقدّم شرحه في كتاب الزّكاة وقوله اقرؤوا إن شئتم يعني قوله لا يسألون النّاس إلحافا ووقع عند الإسماعيليّ بيان قائل يعني فإنّه أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حميد بن زنجويه عن سعيد بن أبي مريم بسنده وقال في آخره قلت لسعيد بن أبي مريم ما تقرأ قال للفقراء الّذين أحصروا في سبيل الله الآية فيستفاد منه أنّ قائل يعني هو سعيد بن أبي مريم شيخ البخاريّ فيه وقد أخرج مسلمٌ والإسماعيليّ هذا الحديث من طريق إسماعيل بن جعفرٍ عن شريكٍ بن أبي نمر بلفظ اقرؤوا إن شئتم لا يسألون النّاس إلحافا فدلّ على صحّة ما فسّرها به سعيد بن أبي مريم وكذا أخرجه الطّبريّ من طريق صالح بن سويدٍ عن أبي هريرة لكنّه لم يرفعه وروى أحمد وأبو داود والنّسائيّ وصححه بن خزيمة وبن حبّان من طريق عبد الرّحمن بن أبي سعيدٍ عن أبيه مرفوعًا من سأل وله قيمة أوقيّة فقد ألحف وفي رواية بن خزيمة فهو ملحفٌ والأوقيّة أربعون درهمًا ولأحمد من حديث عطاء بن يسارٍ عن رجلٍ من بني أسدٍ رفعه من سأل وله أوقيّةٌ أو عدلها فقد سأل إلحافًا ولأحمد والنّسائيّ من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه رفعه من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف). [فتح الباري: 8/203]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (بابٌ: {لا يسألون النّاس إلحافا} (البقرة: 273).
[عمدة القاري: 18/129]
أي: هذا باب في قوله تعالى: {لا يسألون النّاس إلحافا} وله {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} هذه الآية نزلت في أصحاب الصّفة وهي سقيفة كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، يتعلمون القرآن باللّيل يرضخون النّوى بالنّهار، وكانوا يخرجون في كل سريّة بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان به فضل أتى به إليهم إذا أمسى. قوله: (للفقراء) أي: اجعلوا ما تنفقون (للفقراء الّذين أحصروا في سبيل الله) أي: الجهاد (لا يستطيعون) لاشتغالهم به (ضربا في الأرض) يعني سفرا للتسبب في المعاش. قوله: (يسبهم الجاهل) أي: الجاهل بحالهم (أغنياء من التعفف) أي: من أجل تعففهم عن المسألة. قوله: (تعرفهم) الخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: لكل راغب في معرفة حالهم قوله: (بسيماهم) أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم. صفرة الوجه ورثاثة الحال. قوله: (لا يسألون النّاس) أي: من صفاتهم أن لا يسألون النّاس (إلحافا) أي: إلحاحا وهو اللّزوم، وأن لا يفارق إلاّ بشيء يعطاه، وانتصابه على أنه صفة مصدر محذوف أي: سؤالاً لحاحا بمعنى: ملحا وقال بعضهم: وانتصاب: الحافا، على أنه مصدر في موضع الحال أي: لا يسألون في حال الإلحاف، أو: مفعول لأجله أي: لا يسألون لأجل الإلحاف انتهى. (قلت): ليس فيما قاله صواب إلاّ قوله: على أنه مصدر، فقط يفهمه من له ذوق من التّصرّف في الكلام. (فإن قلت) هذه الصّفة تقتضي السّؤال بالتلطف دون الإلحاح. وقوله: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) يقتضي نفي السّؤال مطلقًا. (قلت): الجواب المرضي أن يقال: لو فرض السّؤال منهم لكان على وجه التلطف فلا يقتضي وجوده لأن المحال يفرض كثيرا ولا يلزم من فرضه وجوده.
يقال الحف عليّ وألحّ عليّ وأحفاني بالمسألة فيحفكم يجهدكم
أشار به إلى أن قوله الحف عليّ وألح عليّ وأحفاني بالمسألة بمعنى واحد، وكذا فسره أبو عبيدة، والإلحاف من قولهم: ألحفني من فضل لحافه. أي: غطاني من فضل ما عنده، وقيل: اشتقاقه من اللحاف لاشتماله على وجود الطّلب في المسألة كاشتمال اللحاف في الغطية. قوله: (وأحفاني)، من قولهم: أحفى فلان بصاحبه وحفى به وحفي له إذا بالغ في السّؤال. قوله: (فيحفكم) أشار به إلى قوله تعالى: {ولا يسألكم أموالكم إن يسألوكموها فيحفكم تبخلوا} (محمّد: 37) وفسّر قوله فيحفكم بقوله: يجهدكم يعني: يجهدكم في السّؤال بالإلحاح.
- حدّثنا ابن أبي مريم حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال حدّثني شريك بن أبي نمرٍ أنّ عطاء ابن يسارٍ وعبد الرّحمان بن أبي عمرة الأنصاريّ قالا سمعنا أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الّذي تردّه الثمرة والثّمرتان ولا اللّقمة ولا اللّقمتان إنّما المسكين الّذي يتعفف واقرؤوا إن شئتم يعني قوله تعالى: {لا يسألون النّاس إلحافا}.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة وابن أبي مريم هو سعيد بن محمّد بن الحكم بن أبي مريم أبو محمّد المصريّ، ومحمّد بن جعفر بن أبي كثير أخو إسماعيل، وشريك بن أبي نمرّ بلفظ الحيوان المشهور مر في العلم، وعطاء بن يسار ضد اليمين.
والحديث مر في كتاب الزّكاة في: باب قول الله تعالى: {لا يسألون النّاس إلحافا} عن أبي هريرة من وجهين (الأول): عن حجاج بن منهال عن شعبة عن محمّد بن زياد عن أبي هريرة (والثّاني): عن إسماعيل بن عبد الله عن مالك عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: (يتعفف)، أي: يحترز عن السّؤال ويحسب الجاهل غنيا. قوله: (واقرؤوا إن شئتم)، يعني: قوله: (لا يسألون النّاس إلحافا) قائل قوله: يعني، هو سعيد بن أبي مريم شيخ البخاريّ، وذلك الإسماعيليّ في روايته فإنّه أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حميد بن زنجويه عن سعيد بن أبي مريم بسنده، وقال في آخره: (قلت): لسعيد بن أبي مريم
[عمدة القاري: 18/130]
ما يقرأ؟ يعني في قوله: (واقرؤوا إن شئتم) ؟ قال: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل الله} (البقرة: 273) الآية). [عمدة القاري: 18/131]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {لا يسألون النّاس إلحافًا} [البقرة: 273]
يقال: ألحف عليّ، وألحّ عليّ وأحفاني بالمسألة. فيحفكم: يجهدكم
({لا يسألون}) ولأبي ذر باب بالتنوين لا يسألون ({الناس إلحافًا}) [البقرة: 273] نصب على المصدر بفعل مقدر أي يلحفون إلحافًا والجملة المقدرة حال من فاعل يسألون أو مفعولًا من أجله أي لا يسألون لأجل الإلحاف أو مصدرًا في موضع الحال أي لا يسألون ملحفين (يقال:
ألحف عليّ وألحّ عليّ) سقطت عليّ هذه الأخيرة لأبي ذر (وأحفاني بالمسألة) أي بالغ فيها كل بمعنى واحد، والعرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، فإذا قلت: ما رأيت رجلًا صالحًا فالأكثر على أنك رأيت رجلًا لكن ليس بصالح، ويجوز أنك لم تر رجلًا أصلًا فقوله: {لا يسألون الناس إلحافًا} مفهومه أنهم يسألون لكن لا بالحاف، ويجوز أن يراد أنهم لا يسألون ولا يلحفون فهو كقوله: فلان لا يرجى خيره أي لا خير عنده البتة فيرجى (فيحفكم) تبخلوا أي (يجهدكم) في السؤال بالإلحاح.
- حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثني شريك بن أبي نمرٍ، أنّ عطاء بن يسارٍ، وعبد الرّحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ قالا: سمعنا أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان ولا اللّقمة ولا اللّقمتان، إنّما المسكين الّذي يتعفّف واقرءوا إن شئتم" يعني قوله تعالى: " {لا يسألون النّاس إلحافًا} [البقرة: 273] ".
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (شريك بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (أن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم):
(ليس المسكين) الكامل في المسكنة (الذي تردّه التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان) عند دوراته على الناس للسؤال لأنه قادر على تحصيل قوته وقد تأتيه الزيادة عليه فتزول حاجته ويسقط اسم المسكنة (إنما المسكين) الكامل (الذي يتعفف) عن المسألة فيحسبه الجاهل غنيًّا (واقرؤوا) ولأبي ذر اقرؤوا بحذف الواو (إن شئتم) (يعني قوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافًا}) وقائل يعني شيخ المؤلّف سعيد بن أبي مريم كما وقع مبنيًّا عند الإسماعيلي.
والحديث مرّ في باب لا يسألون الناس إلحافًا من كتاب الزكاة). [إرشاد الساري: 7/46]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {لا يسألون النّاس إلحافًا}
- أخبرنا عليّ بن حجرٍ، حدّثنا إسماعيل، حدّثنا شريكٌ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، واللّقمة واللّقمتان، إنّ المسكين المتعفّف، اقرءوا إن شئتم {لا يسألون النّاس إلحافًا} [البقرة: 273]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/38]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافًا وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ}
أمّا قوله: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} فبيانٌ من اللّه عزّ وجلّ عن سبيل النّفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، تنفقون للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه،
واللاّم الّتي في الفقراء مردودةٌ على موضع اللاّم في فلأنفسكم، كأنّه قال: {وما تنفقوا من خيرٍ} يعني به: وما تتصدّقوا به من مال فللفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه، فلمّا اعترض في الكلام بقوله: {فلأنفسكم}، فأدخل الفاء الّتي هي جواب الجزاء فيه تركت إعادتها في قوله: {للفقراء}، إذ كان الكلام مفهومًا معناه.
[جامع البيان: 5/22]
- كما: حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} أمّا {ليس عليك هداهم} فيعني المشركين، وأمّا النّفقة فبيّن أهلها، فقال: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه}
وقيل: إنّ هؤلاء الفقراء الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين خاصه دون غيرهم من الفقراء.
ذكر من قال ذلك:
حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} مهاجري قريشٍ بالمدينة مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أمر بالصّدقة عليهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قوله: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} الآية، قال: هم فقراء المهاجرين بالمدينة.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} قال: فقراء المهاجرين). [جامع البيان: 5/23]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين أحصروا في سبيل اللّه}
يعني تعالى ذكره بذلك: الّذين جعلهم جهادهم عدوّهم يحصرون أنفسهم فيحبسونها عن التّصرّف فلا يستطيعون تصرّفًا،
وقد دلّلنا فيما مضى قبل على أنّ معنى الإحصار تصيير الرّجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوّه، وغير ذلك من علله إلى حالةٍ يحبس نفسه فيها عن التّصرّف في أسبابه بما فيه الكفاية فيما مضى قبل.
وقد اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم في ذلك بنحو الّذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {الّذين أحصروا في سبيل اللّه} قال: حصروا أنفسهم في سبيل اللّه للغزو.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} قال: كانت الأرض كلّها كفرًا لا يستطيع أحدٌ أن يخرج يبتغي من فضل اللّه إذا خرج خرج في كفرٍ، وقيل: كانت الأرض كلّها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجّهون جهةً إلاّ لهم فيها عدوٌّ، فقال اللّه عزّ وجلّ: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} الآية؛ كانوا هاهنا في سبيل اللّه
[جامع البيان: 5/24]
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الّذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التّصرّف.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} حصرهم المشركون في المدينة
ولو كان تأويل الآية على ما تأوّله السّدّيّ لكان الكلام: للفقراء الّذين حصروا في سبيل اللّه ولكنّه {أحصروا}، فدلّ ذلك على أنّ خوفهم من العدوّ الّذي صيّر هؤلاء الفقراء إلى الحال الّتي حبسوا وهم في سبيل اللّه أنفسهم، لا أنّ العدوّ هم كانوا الحابسيهم، وإنّما يقال لمن حبسه العدوّ: حصره العدوّ، وإذا كان الرّجل المحبس من خوف العدوّ قيل: أحصره خوف العدوّ). [جامع البيان: 5/25]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا يستطيعون ضربًا في الأرض}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: لا يستطيعون تقلّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد، ابتغاء المعاش وطلب المكاسب، فيستغنوا به عن الصّدقات رهبة العدوّ، وخوفًا على أنفسهم منهم.
[جامع البيان: 5/25]
- كما: حدّثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {لا يستطيعون ضربًا في الأرض} حصروا أنفسهم في سبيل اللّه للغزوٍّ، فلا يستطيعون تجارةً.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لا يستطيعون ضربًا في الأرض} يعني التّجارة.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ قوله: {لا يستطيعون ضربًا في الأرض} كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فضل اللّه). [جامع البيان: 5/26]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف}
يعني بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعفّفهم عن المسألة وتركهم التّعرّض لما في أيدي النّاس صبرًا منهم على البأساء والضّرّاء.
- كما: حدّثنا بشرابن معاذ قال حدثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء} يقول: يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التّعفّف ويعني بقوله: {من التّعفّف} من ترك مسألة النّاس، وهو التّفعّل من العفّة عن الشّيء، والعفّة عن الشّيء تركه،
كما قال رؤبة:
فعفّ عن أسرارها بعد العسق
يعني ترك وتجنّب). [جامع البيان: 5/26]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: تعرفهم يا محمّد بسيماهم، يعني بعلامتهم وآثارهم من قول اللّه عزّ وجلّ: {سيماهم في وجوههم من أثر السّجود} [الفتح] هذه لغة قريشٍ، ومن العرب من يقول: بسيمائهم فيمدّها، وأمّا ثقيفٌ وبعض أسدٍ، فإنّهم يقولون: بسيميائهم؛ ومن ذلك قول الشّاعر:
غلامٌ رماه اللّه بالحسن يافعًا = له سيمياء لا تشقّ على البصر
وقد اختلف أهل التّأويل في السّيما الّتي أخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّها لهؤلاء الفقراء الّذين وصف صفتهم وأنّهم يعرفون بها، فقال بعضهم: هو التّخشّع والتّواضع.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {تعرفهم بسيماهم} قال: التّخشّع.
[جامع البيان: 5/27]
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله
- حدّثني المثنّى، قال:حد ثنااسحاق ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، قال: كان مجاهدٌ يقول: هو التّخشّع
وقال آخرون يعني بذلك: تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {تعرفهم بسيماهم} بسيما الفقر عليهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {تعرفهم بسيماهم} يقول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة
وقال آخرون: معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم، وقالوا: الجوع خفيّ.
[جامع البيان: 5/28]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {تعرفهم بسيماهم} قال: السّيما رثاثة ثيابهم، والجوع خفيّ على النّاس، ولم تستطع الثّياب الّتي يخرجون فيها تخفى على النّاس
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب: أن يقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أخبر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم، وإنّما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان، فيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك المريض فيعلم أنّه مريضٌ بالمعاينة.
وقد يجوز أن تكون تلك السّيما كانت تخشّعًا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضّرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثّياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنّما تدرك علامات الحاجة وآثار الضّرّ في الإنسان، ويعلم أنّها من الحاجة والضّرّ بالمعاينة دون الوصف، وذلك أنّ المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظر آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغنيّ ذو المال الكثير الثّياب الرّثّة، فيتزيّا بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيءٍ من ذلك دلالةٌ بالصّفة على أنّ الموصوف به مختلٌّ ذو فاقةٍ، وإنّما يدرك ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصفهم اللّه نظير ما يعرف أنّه مريضٌ عند المعاينة دون وصفه بصفته). [جامع البيان: 5/29]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا يسألون النّاس إلحافًا}
يعنى جل ثناؤه بذلك لايسالون الناس الحاحا يقال: قد ألحف السّائل في مسألته إذا ألحّ فهو يلحف فيها إلحافًا.
[جامع البيان: 5/29]
فإن قال قائلٌ: أفكان هؤلاء القوم يسألون النّاس غير إلحافٍ؟
قيل: غير جائزٍ أن يكون كانوا يسألون النّاس شيئًا على وجه الصّدقة إلحافًا أو غير إلحافٍ، وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ وصفهم بأنّهم كانوا أهل تعفّفٍ، وأنّهم إنّما كانوا يعرفون بسيماهم، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التّعفّف، ولم تكن بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى علم معرفتهم بالأدلّة والعلامة حاجةٌ، وكانت المسألة الظّاهرة تنبئ عن حالهم وأمرهم.
وفي الخبر الّذي:
- حدّثنا به بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن هلال بن حصنٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: أعوزنا مرّةٌ فقيل لي: لو أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألته، فانطلقت إليه معنقًا، فكان أوّل ما واجهني به: من استعفّ أعفّه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئًا نجده، قال: فرجعت إلى نفسي، فقلت: ألا استعفّ فيعفّني اللّه، فرجعت فما سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئًا بعد ذلك من أمر حاجةٍ حتّى مالت علينا الدّنيا فغرّقتنا إلاّ من عصم اللّه الدّلالة الواضحة على أنّ التّعفّف معنًى ينفي معنى المسألة من الشّخص الواحد وأنّ من كان موصوفًا بالتّعفّف فغير موصوفٍ بالمسألة إلحافًا أو غير إلحافٍ
[جامع البيان: 5/30]
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله: {لا يسألون النّاس إلحافًا} وهم لا يسألون النّاس إلحافًا أو غير إلحافٍ؟
قيل له: وجه ذلك أنّ اللّه تعالى ذكره لمّا وصفهم بالتّعفّف وعرّف عباده أنّهم ليسوا أهل مسألةٍ بحالٍ بقوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف} وأنّهم إنّما يعرفون بالسّيما، زاد عباده إبانةً لأمرهم، وحسن ثناءٍ عليهم بنفي الشّره والضّراعة الّتي تكون في الملحّين من السّؤال عنهم، وقد كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل: فلمّا رأيت مثل فلانٍ، ولعلّه لم يره مثله أحدًا ولاله نظيرًا
وبنحو الّذي قلنا في معنى الإلحاف قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لا يسألون النّاس إلحافًا} قال: لا يلحفون في المسألة.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {لا يسألون النّاس إلحافًا} قال: هو الّذي يلحّ في المسألة.
[جامع البيان: 5/31]
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {لا يسألون النّاس إلحافًا} ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: إنّ اللّه يحبّ الحليم الغنيّ المتعفّف، ويبغض الغنيّ الفاحش البذيّ السّائل الملحف قال: وذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ كره لكم ثلاثًا، قيل وقال، وإضاعة المال وكثرة السّؤال فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدر ليلته، حتّى يلقى جيفةً على فراشه، لا يجعل اللّه له من نهاره ولا ليلته نصيبًا، وإذا شئت رأيته ذا مالٍ ينفقه في شهوته ولذّاته وملاعبه، ويعدله عن حقّ اللّه،وكبرت بتلك فذلك إضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطًا ذراعيه، يسأل النّاس في كفّيه، فإذا أعطي أفرط في حمدهم، وإن منع أفرط في ذمّهم.
- وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا معتمر بن سليمان عن أيمن بن نابل قال حدثني صالح بن سويد عن أبي هريرة قال ليس المسكين بالطواف الذي ترده الأكله والأكلتان ولكن المسكين المتعفف في بيته لايسأل الناس شيئاً تصيبه الحاجه إقرؤا ماشئتم {لا يسألون النّاس إلحافًا}.
[جامع البيان: 5/32]
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه {وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ}.
يعنى بذلك جل ثناؤه وما تنفقوا أيها الناس من مال فتصدقوا على أهل ذمتكم تطوعا منكم اوتعطوه من أمركم ربكم بإعطائه من الفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله مما فرضه الله لهم فى أمولكم فام الله بكل ذلك عليم يحصيه لكم حتى يوفيكم على جميع ذلك أجوركم ويعظم لكم عليه فى المعاد جزاءكم). [جامع البيان: 5/33]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافًا وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ (273)
قوله تعالى: للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه
[الوجه الأول]
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ
قوله: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله قال: مهاجري قريشٍ بالمدينة مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أمر بالصّدقة عليهم.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، في قوله: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله قال: قومٌ أصابتهم الجراحات في سبيل اللّه فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقًّا.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أبنا عبد الرّزّاق، أبنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه قال: حصروا أنفسهم في سبيل اللّه للغزو.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ، قوله:
للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه حصرهم المشركون في المدينة.
والوجه الخامس:
- حدّثنا أبي، ثنا دحيمٌ، ثنا الوليد، ثنا سعيد بن بشيرٍ، عن مطرٍ عن رجاء بن حيوة في قول اللّه: للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربًا في الأرض قال: لا يستطيعون تجارةً.
وروي عن السّدّيّ، مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/540]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ، قوله:
يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التّعفّف.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، وسألته عن قوله: يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف فقال: دلّ اللّه المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم). [تفسير القرآن العظيم: 1/541]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: تعرفهم بسيماهم
[الوجه الأول]
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: تعرفهم بسيماهم قال: التّخشّع.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله:
تعرفهم بسيماهم للفقر عليهم.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: تعرفهم بسيماهم يقول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة). [تفسير القرآن العظيم: 1/541]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: لا يسألون النّاس إلحافًا
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أبنا ابن وهبٍ، أخبرني ابن أبي ذئبٍ عن الوليد، عن أبي هريرة، أن ّرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ليس المسكين بالطّوّاف عليكم، فتعطونه لقمةً لقمةً، إنّما المسكين المتعفّف الّذي لا يسأل النّاس إلحافًا.
- حدّثنا عليّ بن الحسين بن إشكاب الأخ الأكبر، ثنا أبو زيد الجزري أن
[تفسير القرآن العظيم: 2/541]
شريك بن عبد اللّه بن أبي نمرٍ، أخبره أنّه سمع عطاء بن يسارٍ يقول: قال: أبو هريرة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ليس المسكين بالّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، واللّقمة واللّقمتان، إنّ المسكين: المتعفّف اقرءوا إن شئتم لا يسئلون النّاس إلحافًا
- حدّثنا أبي، ثنا أبو الجماهر، ثنا عبد الرّحمن بن الرّجال عن عمارة بن غزيّة، عن عبد الرّحمن بن أبي سعيدٍ، قال: قال أبو سعيدٍ الخدريّ: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: من سأل وله قيمة وقيّةٍ فهو ملحفٌ، والوقيّة: أربعون درهمًا). [تفسير القرآن العظيم: 1/542]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، قال: سألت الحسن، عن قول اللّه تعالى لا يسئلون النّاس إلحافًا فقال: دلّ اللّه المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم، وقال وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المرّوذيّ، ثنا شيبان بن عبد الرّحمن، عن قتادة قوله: وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ قال محفوظٌ ذلك عن اللّه، عالمٌ به، شاكرٌ له، وأنّه لا شيء أشكر من اللّه، لا أجزأ بخيرٍ من اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 1/542]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله يعني مهاجري قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم قال أمروا بالصدقة عليهم وفي قوله تعرفهم بسيماهم يعني من التخشع). [تفسير مجاهد: 117]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (حدّثنا أبو موسى محمّد بن المثنّى، ثنا أبو أحمد الزّبيريّ، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن أبي وحشيّة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قالوا: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم وهم مشركون، فنزلت: {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] حتّى بلغ: {وما تنفقوا من خيرٍ} [البقرة: 273] فرخّص.
قال البزّار: لا نعلمه بهذا اللّفظ، إلا بهذا الإسناد). [كشف الأستار عن زوائد البزار: 3/42]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: هم أصحاب الصفة.
وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان عنده طعام اثنين ليذهب بثالث الحديث
[الدر المنثور: 3/334]
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق إلى أهل الصفة فادعهم، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يلوون على أهل ولا
مال إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها، واخرج أبو نعيم في الحلية عن فضالة بن عبيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس يخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين.
وأخرج ابن سعيد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو نعيم عن أبي هريرة قال: كان من أهل الصفة سبعون رجلا ليس لواحد منهم رداء.
وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوغلون إليها ما استطاعوا من خير وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم فيقول: السلام عليكم يا أهل الصفة، فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله، فيقول: كيف أصبحتم فيقولون: بخير يا رسول الله، فيقول: أنتم اليوم خير أم يوم يغدى على أحدكم بجفنة ويراح عليه بأخرى ويغدو في حلة ويروح في أخرى فقالوا: نحن يومئذ خير يعطينا الله فنشكر، فقال
[الدر المنثور: 3/335]
رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنتم اليوم خير.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي في قوله {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: هم أصحاب الصفة وكانوا لا منازل لهم بالمدينة ولا عشائر فحث الله عليهم الناس بالصدقة.
وأخرج سفيان، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: هم مهاجروا قريش بالمدينة مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمروا بالصدقة عليهم.
وأخرج ابن جرير عن الربيع {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: هم فقراء المهاجرين بالمدينة.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير !
[الدر المنثور: 3/336]
{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله فصاروا زمنى فجعل لهم في أموال المسلمين حقا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله {لا يستطيعون ضربا في الأرض} قال: لا يستطيعون تجارة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت الأرض كلها كفرا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله إذا خرج في كفر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} قال: حصرهم المشركون في المدينة {لا يستطيعون ضربا في الأرض} يعني التجارة {يحسبهم الجاهل} بأمرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {يحسبهم الجاهل أغنياء} قال: دل الله المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد {تعرفهم بسيماهم} قال: التخشع
[الدر المنثور: 3/337]
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع {تعرفهم بسيماهم} يقول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {تعرفهم بسيماهم} قال: رثاثة ثيابهم.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن يزيد بن قاسط السكسكي قال: كنت عند عبد الله بن عمر إذ جاءه رجل يسأله فدعا غلامه فساره وقال للرجل: اذهب معه، ثم قال لي: أتقول هذا فقير فقلت: والله ما سأل إلا من فقر، قال: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} فذلك الفقير.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف واقرأوا إن شئتم {لا يسألون الناس إلحافا}
[الدر المنثور: 3/338]
واخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بالطواف عليكم فتعطونه لقمة لقمة إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه ويستحي أن يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الله يحب الحليم الحيي الغني المتعفف ويبغض الفاحش البذي السائل الملحف.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: من تغنى أغناه الله ومن سأل الناس إلحافا فإنما يستكثر من النار.
وأخرج مالك وأحمد وأبو داود والنسائي عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا
[الدر المنثور: 3/339]
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {إلحافا} قال: هو الذي يلح في المسألة.
وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع، أنه كان لا يسأله أحد بوجه الله إلا أعطاه وكان يكرهها ويقول: هي مسألة الإلحاف.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء: أنه كره أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: من سئل بالله فأعطى فله سبعون أجرا.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي، وابن حبان عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المسائل كدوح
[الدر المنثور: 3/340]
يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا إن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا.
وأخرج أحمد عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة فمن شاء استبقى على وجهه.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل الناس في غير
فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس يرفعه قال: ما نقصت صدقة من مال وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه، وابن ماجه عن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا
[الدر المنثور: 3/341]
فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله بها عزا ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر وأحدثكم حديثا فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم ولا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم فيه لله حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء.
وأخرج النسائي عن عائذ بن عمرو أن رجلا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسأله فأعطاه فلما وضع رجله على أسكفة الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة ومسألة الغني نار
[الدر المنثور: 3/342]
إن أعطى قليلا فقليل وإن أعطى كثيرا فكثير.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ثوبان عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة.
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من
سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه.
وأخرج الحاكم وصححه عن عروة بن محمد بن عطية حدثني أبي أن أباه أخبره قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر فأتيت فلما رآني قال: ما أعناك الله فلا تسأل الناس شيئا فإن اليد العليا هي المنطية واليد السفلى هي المنطاة وإن مال الله لمسؤول ومنطى، قال: وكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا
[الدر المنثور: 3/343]
وأخرج البيهقي عن مسعود بن عمرو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أتي برجل يصلى عليه فقال: كم ترك فقالوا: دينارين أو ثلاثة، قال: ترك كيتين أو ثلاث كيات، فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر فذكرت ذلك له فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثرا.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن خزيمة والطبراني والبيهقي عن حبشي بن جنادة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الذي يسأل من غير حاجة كمثل الذي يلتقط الجمر، ولفظ ابن أبي شيبة: من سأل الناس ليثري به ماله فإنه خموش في وجهه ورضف من جهنم يأكله يوم القيامة وذلك في حجة الوداع.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم، وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني في الأوسط، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها
[الدر المنثور: 3/344]
من رضف جهنم، قالوا: وما ظهر غنى قال: عشاء ليلة.
وأخرج أحمد وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل شيئا وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله وما يغنيه قال: ما يغديه أو يعشيه.
وأخرج ابن حبان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل الناس ليثري ماله فإنما هي رضف من النار يلهبه فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى قال: جاء سائل فسأل أبا ذر فأعطاه شيئا فقيل له: تعطيه وهو موسر فقال: إنه سائل وللسائل حق وليتمنين يوم القيامة أنها كانت رضفة في يده.
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا تسعة
أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون
[الدر المنثور: 3/345]
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: علام نبايعك قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا ولا تسألوا الناس فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه.
وأخرج أحمد عن أبي ذر قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك إلى البيعة ولك الجنة قلت: نعم، فشرط علي أن لا أسأل الناس شيئا، قلت: نعم، قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه.
وأخرج أحمد عن ابن أبي مليكة قال: ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه فقالوا له: أفلا أمرتنا فنناولكه فقال: إن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أسأل أحدا شيئا.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من يبايع فقال ثوبان: بايعنا يا رسول الله، قال: على أن لا تسألوا أحدا شيئا، فقال ثوبان: فما له يا رسول الله قال: الجنة، فبايعه ثوبان، قال أبو أمامة، فلقد رأيته بمكة في أجمع ما يكون من الناكدة يسقط سوطه وهو راكب فربما وقع
[الدر المنثور: 3/346]
على عاتق الرجل فيأخذه الرجل فيناوله فما يأخذه منه حتى يكون هو ينزل فيأخذه.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم، من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة فقلت: أنا، فكان لا يسأل أحدا شيئا، ولابن ماجة فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيأخذه.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن حكيم بن حزام قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال: يا حكيم هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى، فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فلم يرزأ حكيم
[الدر المنثور: 3/347]
أحدا من الناس بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، حتى توفي رضي الله عنه.
وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثلاث
والذي نفسي بيده إن كنت لحالفا عليهن لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.
وأخرج أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال: قال عمر يا رسول الله لقد سمعت فلانا وفلانا يحسنان الثناء يذكران أنك أعطيتهما دينارين فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لكن فلانا ما هو كذلك لقد أعطيته ما بين عشرة إلى مائة فما يقول ذلك أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي يتأبطها نارا، قال عمر: يا رسول الله لم تعطيها إياهم قال: فما أصنع يأبون إلا مسألتي ويأبى الله لي البخل.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي عن قبيصة بن المخارق قال تحملت حمالة فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد
[الدر المنثور: 3/348]
ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا.
وأخرج البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك.
وأخرج البزار عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال إن الله يحب الغني الحليم المتعفف ويبغض البذي الفاجر السائل الملح.
وأخرج البزار عن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت لي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي ما وعدني فسمعته يقول:
[الدر المنثور: 3/349]
من يستغن يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله، فقلت في نفسي: لا جرم لا أسأله شيئا.
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة.
وأخرج ابن سعد عن عدي الجذامي قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها
الناس تعلموا فإنما الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا ويد المعطي الوسطى ويد المعطى السفلى فتغنوا ولو بحزم الحطب.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي ثلاث: يد الله هي العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة فاستعفف عن السؤال ما استطعت.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال جاء جبريل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك
[الدر المنثور: 3/350]
مجزى به واحبب من شئت فإنك مفارقه واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس.
وأخرج ابن حبان عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى قلت: نعم يا رسول الله، قال: أفترى قلة المال هو الفقر قلت: نعم يا رسول الله، قال: إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب.
وأخرج مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه.
وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع
[الدر المنثور: 3/351]
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والطمع فإنه الفقر وإياكم وما يعتذر منه.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الزهد عن سعد بن أبي وقاص قال أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله أوصني وأوجز، فقال: عليك بالاياس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه فقر حاضر وإياك وما يعتذر منه.
وأخرج البيهقي في الزهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القناعة كنز لا يفنى.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن أنس أن رجلا من الأنصار أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: أما في بيتك شيء قال: بلى حلس
نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال: من يشتري هذين قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما
[الدر المنثور: 3/352]
إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما للأنصاري وقال: اشتر بأحدهما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فائتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال: اذهب فاحتطب وبع فلا أرينك خمسة عشر يوما ففعل فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسالة لا تصلح إلا لثلاث: لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع، واخرج ابن أبي شيبة والبخاري، وابن ماجة عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم أحبلة فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
وأخرج مالك، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه
[الدر المنثور: 3/353]
وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب المؤمن المحترف.
وأخرج أحمد والطبراني وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: من استغنى أغناه الله ومن استعفف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف.
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلحفوا في المسألة فوالله ما يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته.
وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلحفوا في المسألة فإنه من يستخرج منا بها شيئا لم يبارك له فيه.
وأخرج ابن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل يأتيني فيسألني فأعطيه فينطلق وما يحمل في حضنه إلا النار.
وأخرج ابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم
[الدر المنثور: 3/354]
ذهبا إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله أعطني فأعطاه ثم قال: زدني، فزاده ثلاث مرات ثم ولى مدبرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتيني الرجل فيسألني فأعطيه ثم يسألني فأعطيه ثم يولي مدبرا، وقد جعل في ثوبه نارا إذا انقلب إلى أهله.
وأخرج أبو يعلى، وابن حبان عن عمر بن الخطاب، أنه دخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يود رسول الله أن فلانا يشكر يذكر أنك أعطيته دينارين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم،: لكن فلانا قد أعطيته ما بين العشرة إلى المائة فما شكره وما يقول إن أحدكم ليخرج من عندي بحاجته متأبطها وما هي إلا النار، قلت: يا رسول الله لم تعطيهم قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل.
وأخرج أحمد والبزار، وابن حبان عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال إن هذا المال خضرة حلوة فمن أعطيناه منها شيئا بطيب نفس منا وحسن طعمة منه من غير شره نفس بورك له فيه ومن أعطيناه منها شيئا بغير طيب نفس منا وحسن طعمة منه وشره نفس كان غير مبارك له فيه
[الدر المنثور: 3/355]
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر أن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله فإن شئت كله وإن شئت تصدق به وما لا فلا تتبعه نفسك، قال سالم بن عبد الله: فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه.
وأخرج مالك عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم رددته فقال: يا رسول الله أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عن المسألة فأما ما كان غير مسألة فإنما هو رزق يرزقه الله، فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل شيئا ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته.
وأخرج البيهقي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: فذكر نحوه.
وأخرج أحمد والبيهقي عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة من أعطاك شيئا بغير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه الله إليك
[الدر المنثور: 3/356]
وأخرج أبو يعلى عن واصل بن الخطاب قال قلت: يا رسول الله قد قلت: إن خيرا لك أن لا تسأل أحدا من الناس شيئا قال: إنما ذاك أن تسأل وما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله.
وأخرج أحمد وأبو يعلى، وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن خالد بن عدي الجهني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال من آتاه الله شيئا من هذا المال من غير أن يسأله فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه.
وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن عائذ بن عمرو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا إسراف فليتوسع به في رزقه فإن كان غنيا فليوجهه إلى من هو أحوج إليه منه.
وأخرج ابن شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استغن عن الناس ولو بقضمة سواك
[الدر المنثور: 3/357]
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة السلولي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأتاه أعرابي فسأله فقال: إن المسألة لا تحل إلا لفقر مدقع أو غرم مفظع.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدر ليلته حتى يلقى جيفة على رأسه لا يجعل الله له من نهاره ولا ليلته نصيبا وإذا شئت رأيته ذا مال في شهوته ولذاته وملاعبه ويعدله عن حق الله فذلك إضاعة المال وإذا شئت رأيته باسطا ذراعيه يسأل الناس في كفيه فإذا أعطي أفرط في مدحهم وإن منع أفرط في ذمهم.
وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا.
وأخرج ابن حبان في الضعفاء والطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجرا من الذي يقبل إذا كان محتاجا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} قال: محفوظ ذلك عند الله عالم به شاكر له وانه لا شيء أشكر
[الدر المنثور: 3/358]
من الله ولا أجزى لخير من الله). [الدر المنثور: 3/359]

تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى الذين ينفقون أمولهم بالليل والنهار سرا وعلانية قال نزلت في علي كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما). [تفسير عبد الرزاق: 1/108]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}.
يعنى جل ثناؤه بذلك من ينفق ماله باليل والنهار فى السر والعلانيه فيتصدق به ابتغاء الله وطلب ثوابه فله أجر صدقته مذخوا له عند ربه حتى يوفيه إياه فى فى معاده يوم بعثه ولاخوف عليه يوم القيامه من عقابه وعذابه ولا فى أهوال قيامته ولا هو حزن عند مقدمه عليه بعماينته من عظيم كرامة الله التى أعدها له على ماخلف وراءه فى الدنيا.
ثم اختلف أهل التإويل فى المعنى الذى أنزلت فيه هذه الايه فقال بعضهم أنزلت فى على بن أبى طالب رحمه الله.
[جامع البيان: 5/33]
ذكر من قال ذلك:
- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزق قال أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن بن عباس {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}.قال نزلت فى على كانت معه أربعة دراهم فأنفق باليل درهما وبانهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما.
- حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنى حجاج عن ابن جريج قوله {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} قال كان لرجل أربعة دراهم فأنفق درهما باليل ودرهما بانهار ودرهما سرا ودرهما علانية.
وقال اخرون نزلت هذه الايه فى النفقة على الخيل فى سبيل الله.
ذكر من قال ذلك:
- حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب،قال حدثنى رجال من أهل العلم منهم عبدالرحمن بن شريح عن قيس بن الحجاج عن حنش بن عبدالله قال بعضهم عن ابن عباس فى هذه الايه {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} الاية إنها فى علف الخيل.
- حدثنى حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب،قال حدثنى عبد الرحمن يعنى ابن شريح عن عبد الله بن بشر الغافقى أنه أشار إلى بعض خيل كانت فى الجبانة فأشار إلى عتاق تلك الخيل فقال أصحاب هؤلاء {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}.
قال يعنى عبد الرحمن بن شريح وحدثنى يعقوب بن عمرو المعافرى عن أبيه عن أبى ذر بنحو ذلك.
- وحدثنا على بن سهل قال حدثنا ضمره بن ربيعة عن رجاء بن أبى سلمة عن العجلان بن سهيل عن أبى أمامة فى تفسير هذه الاية {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}.قال نزلت فى أصحاب الخيل فى من لم يرتبطها لخيلاء ولامضمار.
[جامع البيان: 5/34]
- وحدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمى عن سعيد عن الحسن عن الأوزعى {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} قال هم الذين يرتبطون الخيل خاصه فى سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار
- وحدثنى المثنى قال حدثنا أبو صالح قال حدثنى أبو شريح عبد الرحمن ابن شريح المعافرى عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعانى أنه قال حدث ابن عباس فى هذه الاية {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} قال فى علف الخيل.
وحدثنى المثنى قال حدثنا سويد قال أخبرنا ابن المبارك عن رشدين ابن سعيد قال أخبرنى شيخ من غافق أن أبا الدرداء كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين البراذين والهجين فيقول أهل هذه يعنى الخيل {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}.
(زيادة) حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا معتمرٌ، عن أيمن بن نابلٍ، قال: حدّثني شيخٌ، من غافقٍ: أن أبا الدّرداء، كان ينظر إلى الخيل مربوطةً بين البراذين والهجن، فيقول: أهل هذه يعني الخيل من {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً، فلهم أجرهم عند ربّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}.
[جامع البيان: 5/35]
وقال آخرون: عنى بذلك قومًا أنفقوا في سبيل اللّه في غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {الّذين ينفقون أموالهم} إلى قوله: {ولا هم يحزنون} هؤلاء أهل الجنّة ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: المكثرون هم الأسفلون. قالوا: يا نبيّ اللّه إلاّ من؟ قال: المكثرون هم الأسفلون، قالوا: يا نبيّ اللّه إلاّ من؟ قال: المكثرون هم الأسفلون، قالوا: يا نبيّ اللّه إلاّ من؟ حتّى خشوا أن تكون قد مضت فليس لها ردٌّ، حتّى قال: إلاّ من قال بالمال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله، وهكذا بين يديه وهكذا خلفه، وقليلٌ ما هم، هؤلاء قومٌ أنفقوا في سبيل اللّه الّتي افترض وارتضى في غير سرفٍ ولا إملاقٍ ولا تبذيرٍ ولا فسادٍ
وقد قيل: إنّ هذه الآيات من قوله: {إن تبدوا الصّدقات فنعمّا هي} إلى قوله: {ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} كان ممّا يعمل به قبل نزول ما في سورة براءة من تفصيل الزّكوات، فلمّا نزلت براءة قصروا عليها.
[جامع البيان: 5/36]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {إن تبدوا الصّدقات فنعمّا هي} إلى قوله: {ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} فكان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلمّا نزلت براءة بفرائض الصّدقات وتفصيلها انتهت الصّدقات إليها). [جامع البيان: 5/37]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (274)
قوله تعالى: الّذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا سليمان بن عبد الرّحمن، ثنا محمّد بن شعيبٍ قال: سمعت سعيد بن سنانٍ، يحدّث عن يزيد بن عبد اللّه بن عريبٍ المليكيّ، عن أبيه، عن جدّه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه قال: نزلت هذه الآية: الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم في أصحاب الخيل.
[تفسير القرآن العظيم: 2/542]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا زيد بن حبابٍ، ثنا عبد الرّحمن بن شريحٍ حدّثني قيس بن الحجّاج، حدّثني حنشٌ الصّنعانيّ، قال: سمعت ابن عبّاسٍ في قوله: الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً قال: هم الّذين يعلفون الخيل في سبيل اللّه.
وروي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيّب ومكحولٍ، نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطان، ثنا عمر بن هارون يعني:
صاحب الكريّ، ثنا سفيان، عن مسعرٍ، عن عونٍ، قال: قرأ رجلٌ: الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فقال: إنّما كانت أربعة دراهمٍ، فأنفق درهمًا باللّيل ودرهمًا بالنّهار ودرهمًا في السّرّ ودرهمًا في العلانية.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا يحي بن يمانٍ، عن عبد الوهّاب بن مجاهدٍ عن أبيه، قال كان لعليٍّ أربعة دراهمٍ، أنفق درهمًا ليلا ودرهمًا نهارًا ودرهمًا سرًّا (و) درهما علانيةً، فنزلت: الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان بن الأشعث، ثنا حم بن نوحٍ، ثنا أبو معاذٍ، نثا أبو مصلحٍ، عن الضّحّاك، في قوله الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً قال: كان هذا قبل أن تفرض الزّكاة). [تفسير القرآن العظيم: 1/543]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إسحاق بن إسماعيل شيخ بصرى، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون قال: هؤلاء هم أهل الجنة). [تفسير القرآن العظيم: 1/543]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً} [البقرة: 274].
- عن يزيد بن عبد اللّه بن عريبٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم «أنّ هذه الآية نزلت: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً} [البقرة: 274] أنّها نزلت في نفقات الخيل».
رواه الطّبرانيّ في الكبير والأوسط، ويزيد بن عبد اللّه وأبوه لا يعرفان.
- وعن ابن عبّاسٍ في قوله: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً} [البقرة: 274] قال: نزلت في عليّ بن أبي طالبٍ، كانت عنده أربعة دراهم، فأنفق باللّيل واحدًا، وبالنّهار واحدًا، وفي السّرّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا.
رواه الطّبرانيّ، وفيه عبد الواحد بن مجاهدٍ وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 6/324]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن سعد في الطبقات وأبو بكر أحمد بن أبي عاصم في الجهاد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي والطبراني والشيخ في العظمة والواحدي عن يزيد بن عبد الله بن عريب المكي عن أبيه عن جده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال أنزلت هذه الآية {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في أصحاب الخيل.
وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} فيمن يربطها لا خيلاء ولضمار، واخرج ابن جرير عن أبي الدرداء أنه كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين
[الدر المنثور: 3/359]
البراذين والهجن فيقول: أهل هذه من {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم والواحدي عن أبي أمامة والباهلي قال: من ارتبط فرسا في سبيل الله لم يرتبطه رياء ولا سمعة كان من {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم} الآية، واخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حنش الصنعاني أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله.
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن أبي كبشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال الخيل معقود في نواصيها الخير وأهلها معانون عليها والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي
[الدر المنثور: 3/360]
حاتم والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} قال: نزلت في علي بن
أبي طالب كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مسعر عن عون قال: قرأ رجل {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} فقال: إنما كانت أربعة دراهم فأنفق درهما بالليل ودرهما بالنهار ودرهما في السر ودرهما في العلانية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال: لما قبض أبو بكر واستخلف عمر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق فانفقوا خيرا لأنفسكم فأين أصحاب هذه الآية {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سرف ولا إملاق ولا
[الدر المنثور: 3/361]
تبذير ولا فساد.
وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} كلها في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهما في جيش العسرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها). [الدر المنثور: 3/362]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 9 جمادى الأولى 1434هـ/20-03-2013م, 07:56 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي



تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)}
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({يوفّ إليكم} أي: توفّون أجره). [تفسير غريب القرآن: 98]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون}معناه: إنما عليك الإبلاغ كما قال - جلّ وعزّ - {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}
ومعنى {ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}أي: يوفق من يشاء للهداية، وقال قوم: لو شاء الله لهداهم أي لاضطرهم إلى أن يهتدوا - كما قال: {إن نشأ ننزّل عليهم من السّماء آية فظلّت أعناقهم لها خاضعين}، وكما قال - عزّ وجلّ - {ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى}
وهذا ليس كذلك. هذا فيه: {ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} فلا مهتدي إلا بتوفيق الله - كما قال: {وما توفيقي إلاّ باللّه}.
ومعنى {وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه اللّه}: هذا خاص للمؤمنين، أعلمهم أنه قد علم أنهم يريدون بنفقتهم ما عند اللّه جلّ وعزّ، لأنه إذا أعلمهم ذلك فقد علموا أنهم مثابون عليه، كما قال: {وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون}.
وقوله عزّ وجلّ: {فهو خير لكم ويكفّر عنكم من سيّئاتكم}.
الرفع في {يكفّر} والجزم جائزان، ويقرأ - ونكفر عنكم - بالنون والياء.
وزعم سيبويه أنه يختار الرفع في ويكفر، قال لأن ما بعد الفاء قد صار بمنزلته في غير الجزاء، وأجاز الجزم على موضع فهو خير لكم لأن المعنى يكن خيرا لكم،
وذكر أن بعضهم قرأ: {من يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم} بجزم الراء، والاختيار عنده الرفع في قوله {ويذرهم} وفي {ونكفّر} قال: فأمّا النصب فضعيف جدا، لا يجيز {ونكفّر عنكم} إلا على جهة الاضطرار، وزعم أنه نحو قول الشاعر:

سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا
إلا أن النصب أقوى قليلا: لأنه إنّما يجب به الشيء بوجوب غيره فضارع الاستفهام وما أشبهه.
هذا قول جميع البصريين وهو بين واضح). [معاني القرآن: 1/355-356]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {ليس عليك هداهم}
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس كانوا يكرهون أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين فرخص لهم في ذلك فنزلت: {ليس عليك هداهم} إلى آخر الآية). [معاني القرآن: 1/302]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): ( {ابتغاء وجه الله} أي: طلب وجه الله - عز وجل - ورضاه). [ياقوتة الصراط: 183]

تفسير قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت:207هـ): (وقوله: {لا يسألون النّاس إلحافاً...} ولا غير إلحاف. ومثله قولك في الكلام: قلّما رأيت مثل هذا الرجل؛ ولعلّك لم تر قليلا ولا كثيرا من أشباهه). [معاني القرآن: 1/181]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {إلحافاً}: إلحاحاً). [مجاز القرآن: 1/83]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({يحسبهم الجاهل أغنياء} لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة. يقول: يحسبهم من لا يخبر أمرهم.
{لا يسألون النّاس إلحافاً} أي: إلحاحا.
يقال: ألحف في المسألة: إذا ألح).
[تفسير غريب القرآن: 98]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (قوله عزّ وجلّ: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافا وما تنفقوا من خير فإنّ اللّه به عليم}
فقراء: جمع فقير مثل ظريف وظرفاء.
وقالوا في (أحصروا) قولين:
1- قالوا أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرف.

2- وقالوا أحصرهم عدوهم لأنه شغلهم بجهاده، ومعنى {أحصروا}: صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد، كما تقول رابط في سبيل اللّه.
ومعنى {لا يستطيعون ضربا في الأرض}أي: قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التصرف وليس لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا.
وهذا كقولك، أمرني المولى أن أقيم فما أقدر على أن أبرح، فالمعنى أني قد ألزمت نفسي طاعته، ليس أنه لا يقدر على الحركة " وهو صحيح سوي، ويقال ضربت في الأرض ضربا، وضرب الفحل الناقة إذا حمل عليها ضرابا، والضريب الجليد الذي يسقط على الأرض، يقال ضربت الأرض وجلدت الأرض وجلدت الأرض.

وروى الكسائي: ضربت الأرض وجلدت.
والأكثر ضربت وجلدات.
ومعنى {يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف}أي: يحسبهم الجاهل ويخالهم أغنياء من التعفف عن المسألة وإظهار التجمل.
ومعنى {لا يسألون النّاس إلحافا}:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال ((من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف)) ومعنى ألحف أي: اشتمل بالمسألة، وهو مستغن عنها، واللّحاف من هذا اشتقاقه لأنه يشمل الإنسان في التغطية.
والمعنى: أنه ليس منهم سؤال فيكون منهم إلحاف.
كما قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره... إذا سافه العود النباطيّ جرجرا
المعنى: ليس به منار فيهتدى بها، وكذلك ليس من هؤلاء سؤال فيقع فيه إلحاف). [معاني القرآن: 1/356-357]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله}
قال مجاهد: يعني مهاجري قريش الذين كانوا بالمدينة.
وقال غيره: معنى أحصروا في سبيل الله منعهم فرض الجهاد من التصرف.
وقيل شغلهم عدوهم بالقتال عن التصرف.
قال أبو جعفر: واللغة توجب إن أحصروا من المرض إلا أنه يجوز أن يكون المعنى صودفوا على هذه الحال). [معاني القرآن: 1/302]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال تعالى: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} قيل قد ألزموا أنفسهم الجهاد كما يقال لا أستطيع أن أعصيك أي قد ألزمت نفسي طاعتك). [معاني القرآن: 1/303]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} ليس الجهل ههنا ضد العقل وإنما هو ضد الخبرة). [معاني القرآن: 1/303]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال تعالى: {تعرفهم بسيماهم لا يسالون الناس إلحافا} يقال الحف في المسألة أخفى وألح بمعنى واحد
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف)).
قال أبو إسحاق معناه: فقد شمل بالمسألة ومنه اشتق إلحاف قال، ومعنى {لا يسألون الناس إلحافا}: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف كما قالي الشاعر:
على لا حب لا يهتدى بمنارة = إذا سافه العود النباطي جرجرا
أي: ليس به منار فيهتدى به). [معاني القرآن: 1/303-304]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({يحسبهم الجاهل أغنياء} الجاهل هنا: الذي لم يختبرهم، فهو جاهل بهم.
{إلحافا} أي: إلحاحا. يقال: ألحف: إذا ألح). [تفسير المشكل من غريب القرآن:44-45]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({إِلْحَافاً}: إلحاحا). [العمدة في غريب القرآن: 94]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}
وقال: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم} فجعل الخبر بالفاء إذ كان الاسم "الذي" وصلته فعل لأنه في معنى "من"، و"من" يكون جوابها بالفاء في المجازاة لأن معناها "من ينفق ماله فله كذا".
وقال: {الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل اللّه ثمّ ماتوا وهم كفّارٌ فلن يغفر اللّه لهم} وقال: {والّذين قتلوا في سبيل اللّه فلن يضلّ أعمالهم} وهذا في القرآن والكلام كثير ومثله "الذي يأتينا فله درهم").
[معاني القرآن: 1/154-155]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}
{الذين} رفع بالابتداء، وجاز أن يكون الخبر ما بعد الفاء، ولا يجوز في الكلام " زيد فمنطلق " لأن الفاء لا معنى لها -، وإنما صلح في الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء). [معاني القرآن: 1/358]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار}
حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال حدثنا سلمة قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} قال: نزلت في علي بن أبي طالب رضوان الله عليه كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما). [معاني القرآن: 1/304-305]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 3 جمادى الآخرة 1434هـ/13-04-2013م, 12:31 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) }

قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ} قال: الجاهل: الذي جهل أمور نفسه). [مجالس ثعلب: 222]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وتقول الّلذين يأتيانك فاضربهما تنصبه كما تنصب زيدا وإن شئت رفعته على أن يكون مبنيًّا على مظهر أو مضمر. وإن شئت كان مبتدأ لأنّه يستقيم أن تجعل خبره من غير الأفعال بالفاء. ألا ترى أنّك لو قلت الذي يأتيني فله درهمٌ والذي يأتيني فمكرمٌ محمودٌ كان حسناً. ولو قلت زيدٌ فله درهمٌ لم يجز. وإنّما جاز ذلك لأنّ قوله الذي يأتيني فله درهمٌ في
معنى الجزاء فدخلت الفاء في خبره كما تدخل في خبر الجزاء.
ومن ذلك قوله عزّ وجلّ: {الذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} ). [الكتاب: 1/139-140]
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وسألته عن قوله الذي يأتيني فله درهمان لم جاز دخول الفاء هاهنا والذي يأتيني بمنزلة عبد الله وأنت لا يجوز لك أن تقول عبد الله فله درهمان فقال إنما يحسن في الذي لأنه جعل الآخر جواباً للأول وجعل الأول به يجب له الدرهمان فدخلت الفاء هاهنا كما دخلت في الجزاء إذا قال إن يأتني فله درهمان وإن شاء قال الذي يأتيني له درهمان كما تقول عبد الله له درهمان غير أنه إنما أدخل الفاء لتكون العطية مع وقوع الإتيان فإذا قال له درهمان فقد يكون أن لا يوجب له ذلك بالإتيان فإذا أدخل الفاء فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك فهذا جزاء وإن لم يجزم لأنه صلةٌ
ومثل ذلك قولهم كل رجل يأتينا فله درهمان ولو قال كل رجل فله درهمان كان محالاً لأنه لم يجيء بفعل ولا بعمل يكون له جوابٌ.
ومثل ذلك: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم} وقال تعالى جده: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} ومثل ذلك: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} ). [الكتاب: 3/102-103]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وتقول: سر ما إن زيداً يحبه من هند جاريته. فوصلت ما وهي في معنى الذي بإن، وما عملت فيه لأن إن إنما دخلت على الابتداء والخبر، والمعنى كذلك، وكذلك أخواتها. قال الله عز وجل: وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة. وتقول على هذا: جاءني الذي كأن زيدا أخوه، ورأيت الذي ليته عندنا وكذلك كل شيءٍ يكون جملة. تقول: الذي إن تأته يأتك زيد، ورأيت الذي من يأته يكرمه. فإن قلت: رأيت الذي من يأتيه يكرمه جاز. تجعل من في موضع الذي. فكأنك قلت: رأيت الذي زيد يكرمه؛ لأن من صلتها: يأتيه، وخبرها: يكرمه. فأما قول الله عز وجل: {فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} فإن من الأولى في معنى الذي، ولا يكون الفعل بعدها إلا مرفوعاً. فأما الثانية فوجهها الجزم بالجزاء، ولو رفع رافع على معنى الذي كان جيداً؛ لأن تصييرها على معنى الذي لا يخرجها من الجزاء. ألا ترى أنك تقول: الذي يأتيك فله درهم. فلولا أن الدرهم يجب بالإتيان لم يجز دخول الفاء؛ كما لا يجوز: زيد فله درهم، وعبد الله فمنطلق.وقال الله عز وجل: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم}. فقد علمت أن الأجر إنما وجب بالإنفاق. فإذا قلت: الذي يأتيك له درهم لم تجعل الدرهم له بالإتيان. فإذا كانت في معنى الجزاء جاز أن تفرد لها وأنت تريد الجماعة؛ كما يكون من وما، قال الله عز وجل: {والذي جاء بالصدق وصدق به}. فهذا لكل من فعل، ولذلك قال: {وأولئك هم المتقون}. فهذه أصول، ونرجع إلى المسائل إن شاء الله). [المقتضب: 3/194-196] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قوله: "هريرةَ ودعها وإن لامَ لائمُ"
منصوب بفعل مضمر، تفسيره ودعها كأنه قال: ودع هريرة، فلما اختزل الفعل أظهر ما يدل عليه، وكان ذلك أجود من ألا يضمرَ، لأن الأمر لا يكون إلا بفعل، فأضمر الفعل إذ كان الأمر أحق به، وكذلك زيدًا اضربه وزيدًا فأكرمه وإن لم تضمر ورفعت جاز، وليس في حسن الأولِ، ترفعه على الابتداءِ وتصيرُ الأمر في موضع خبره. فأما قول الله جل وعزَّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وكذلك: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فليس على هذا، والرفعُ الوجه، لأن معناهُ الجزاءُ، كقوله: الزانيةُ أي التي تزني، فإما وجب القطع للسرق والجلد للزنا، فهذا مجازاة، ومن ثم جاز: الذي يأتيني فله درهمٌ، فدخلت الفاءُ لأنه استحق الدرهم بالإتيان، فإن لم ترد هذا المعنى قلت الذي يأتيني له درهمٌ، ولا يجوزُ: زيدٌ فله درهمٌ، أو هذا زيدٌ، فحسن جميلٌ، جازَ، على أن زيدًا خبرٌ. وليس بابتداءٍ، للإشارة دخلت الفاءُ، وفي القرآن: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، ودخلتِ الفاءُ لأن الثواب دخل للإنفاق. وقد قرأت القراءُ: {الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ فَاجْلِدُوا} {وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ فَاقْطَعُوا} بالنصبِ، على وجه الأمر، والوجه الرفعُ، والنصبُ حسنٌ في هاتين الآيتين، وما لم يكن فيه معنى جزاءِ فالنصبُ الوجهُ). [الكامل: 2/821-823] (م)
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} قال أبو العباس: في قول الخليل معناه الذين تابوا. وقال لفراء: إنما عد أصناف الكفرة، فهم اليهود. قال: وخبر إن في قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، وهو جزاء). [مجالس ثعلب: 249] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 03:46 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 03:46 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 03:46 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 03:46 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون (272)}
روي عن سعيد بن جبير في سبب هذه الآية: «أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم»، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام»، وذكر النقاش: «أن النبي عليه السلام أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك في صدقة المسلمين من شيء»، فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية: {ليس عليك هداهم} فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية {إنّما الصّدقات} [التوبة: 60]» وروي عن ابن عباس أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابات في بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وحكى بعض المفسرين أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا، فنزلت الآية في ذلك، وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله: {ليس عليك هداهم} قال أبو محمد: «وهذه الصدقة التي أبيحت عليهم حسبما تضمنته هذه الآثار إنما هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر»، وهذا الحكم متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. قال ابن المنذر: «أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك، ولم يذكر خلافا»، وقال المهدوي: «رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وهذا مردود عندي، والهدى الذي ليس على محمد صلى الله عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو عليه، وليس بمراد في هذه الآية»، ثم أخبر تعالى أنه هو: يهدي من يشاء أي يرشده، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة، ثم أخبر أن نفقة المرء تأجرا إنما هي لنفسه فلا يراعى حيث وقعت، ثم بيّن تعالى أن النفقة المعتدّ بها المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله، هذا أحد التأويلات في قوله تعالى: {وما تنفقون إلّا ابتغاء وجه اللّه} وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة، ونصب قوله ابتغاء هو على المفعول من أجله، ثم ذكر تعالى أن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين، والمعنى في الآخرة ولا يبخسون منه شيئا، فيكون ذلك أبخس ظلما لهم، وهذا هو بيان قوله: {وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم} والخير في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: {خيرٌ مستقرًّا} [الفرقان: 24] وقوله تعالى: {مثقال ذرّةٍ خيراً يره} [الزلزلة: 7] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة: كل خير في كتاب الله فهو المال). [المحرر الوجيز: 2/ 85-87]


تفسير قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون النّاس إلحافاً وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ (273)}
هذه اللام في قوله للفقراء متعلقة بمحذوف مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء، وقال مجاهد والسدي وغيرهما: «المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم»، قال الفقيه أبو محمد: «ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم»، ثم بيّن الله تعالى من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم، بقوله: {الّذين أحصروا في سبيل اللّه} والمعنى حبسوا ومنعوا وذهب بعض اللغويين إلى أن أحصر وحصر بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره، وفسر السدي هنا الإحصار بأنه بالعدو. وذهب بعضهم إلى أن أحصر إنما يكون بالمرض والأعذار. وحصر بالعدو. وعلى هذا فسر ابن زيد وقتادة ورجحه الطبري. وتأول في هذه الآية أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذرا أحصروا به.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «هذا متجه كأن هذه الأعذار أحصرتهم أي جعلتهم ذوي حصر، كما قالوا قبره أدخله في قبره وأقبره جعله ذا قبر، فالعدو وكل محيط يحصر، والأعذار المانعة «تحصر» بضم التاء وكسر الصاد أي تجعل المرء كالمحاط به»، وقوله: {في سبيل اللّه} يحتمل الجهاد ويحتمل الدخول في الإسلام، واللفظ يتناولهما، والضرب في الأرض هو التصرف في التجارة، وضرب الأرض هو المشي إلى حاجة الإنسان في البراز، وكانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة. فبقوا فقراء إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يحسبهم الجاهل بباطن أحوالهم أغنياء والتّعفّف تفعل، وهو بناء مبالغة من عفّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي «يحسبهم» بكسر السين. وكذلك هذا الفعل في كل القرآن، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «يحسبهم» بفتح السين في كل القرآن، وهما لغتان في «يحسب» كعهد ويعهد بفتح الهاء وكسرها في حروف كثيرة أتت كذلك، قال أبو علي: «فتح السين في يحسب أقيس لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة، والقراءة بالكسر حسنة بمجيء السمع به، وإن كان شاذا عن القياس»، ومن في قوله: {من التّعفّف} لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى:{لا يسئلون النّاس إلحافاً}: المعنى لا يسألون البتة. وتحتمل الآية معنى آخر من فيه لبيان الجنس، سنذكره بعد والسيما مقصورة العلامة. وبعض العرب يقول: السيمياء بزيادة ياء وبالمد، ومنه قول الشاعر:
... ... ... ... ....... له سيمياء لا تشقّ على البصر
واختلف المفسرون في تعيين هذه «السيما» التي يعرف بها هؤلاء المتعففون، فقال مجاهد: «هي التخشع والتواضع»، وقال السدي والربيع: «هي جهد الحاجة وقضف الفقر في وجوههم وقلة النعمة»، وقال ابن زيد: «هي رثة الثياب»، وقال قوم، وحكاه مكي: «هي أثر السجود». قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وهذا حسن لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبدا»، و«الإلحاف» والإلحاح بمعنى واحد، وقال قوم: هو مأخوذ من ألحف الشيء إذا غطاه وغمه بالتغطية، ومنه اللحاف، ومنه قول ابن الأحمر:
يظلّ يحفّهنّ بقفقفيه ....... ويلحفهنّ هفهافا ثخينا
يصف ذكر نعام يحضن بيضا، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، وذهب الطبري والزجاج وغيرهما: «إلى أن المعنى: لا يسألون البتة».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون التّعفّف صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون من لابتداء الغاية ويكون قوله: لا يسئلون النّاس إلحافاً لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس، كما تقول: هذا رجل خير لا يقتل المسلمين، فقولك: «خير» قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك، ثم نبهت بقولك لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل، وكثيرا ما يقال مثل هذا إذا كان المنبه عليه موجودا في القضية مشارا إليه في نفس المتكلم والسامع. وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة، وهو مما يكره، فلذلك نبه عليه. وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون التّعفّف داخلا في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل».
وبإجمال فالجاهل به مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، ف من لبيان الجنس على هذا التأويل، ثم نفى عنهم سؤال الإلحاف وبقي غير الإلحاف مقررا لهم حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي، وقال الزجّاج رحمه الله: «المعنى لا يكون منهم سؤال فلا يكون إلحاف». وهذا كما قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ....... ... ... ... ...
أي ليس ثم منار فلا يكون اهتداء.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «إن كان الزجاج أراد لا يكون منهم سؤال البتة فذلك لا تعطيه الألفاظ التي بعد لا، وإنما ينتفي السؤال إذا ضبط المعنى من أول الآية على ما قدمناه، وإن كان أراد لا يكون منهم سؤال إلحاف فذلك نص الآية، وأما تشبيهه الآية ببيت امرئ القيس فغير صحيح، وذلك أن قوله:
على لاحب لا يهتدى بمناره ....... ... ... ... ...
وقوله الآخر:
قف بالطّلول التي لم يعفها القدم ....... ... ... ... ...
وقول الشاعر:
ومن خفت من جوره في القضا ....... ء فما خفت جورك يا عافيه
وما جرى مجراه ترتيب يسبق منه أنه لا يهتدى بالمنار، وإن كان المنار موجودا، فلا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في الآية، ويجوز أن يريد الشعراء أن الثاني معدوم فلذلك أدخلوا على الأول حرف النفي إذ لا يصح الأول إلا بوجود الثاني، أي ليس ثم منار، فإذا لا يكون اهتداء بمنار، وليس ثم قدم فإذا لا يكون عفا، وليس ثم جور فإذا لا يكون خوف، وقوله تعالى: {لا يسئلون النّاس إلحافاً}، لا يترتب فيه شيء من هذا، لأن حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله: إلحافاً جزءا من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال، وبيت الشعر ينتفي فيه الأول بعدم الثاني إذ دخل حرف النفي فيه على شيء متعلق وجوده بوجود الذي يراد أنه معدوم، والسؤال ليس هكذا مع الإلحاف، بل الأمر بالعكس إذ قد يعدم الإلحاف منهم ويبقى لهم سؤال لا إلحاف فيه، ولو كان الكلام لا يلحفون الناس سؤالا لقرب الشبه بالأبيات المتقدمة، وكذلك لو كان بعد لا يسألون شيء إذا عدم السؤال، كأنك قلت تكسبا أو نحوه لصح الشبه، والله المستعان».
وقوله تعالى: {وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ} وعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب). [المحرر الوجيز: 2/ 87-93]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (274) الّذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلاّ كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ ذلك بأنّهم قالوا إنّما البيع مثل الرّبا وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا فمن جاءه موعظةٌ من ربّه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللّه ومن عاد فأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون (275)}
قال ابن عباس: «نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية»، وقال ابن جريج: «نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم عليا ولا غيره»، وقال ابن عباس أيضا: «نزلت هذه الآية في علف الخيل»، وقاله عبد الله بن بشر الغافقي وأبو ذر وأبو أمامة والأوزاعي وأبو الدرداء قالوا: «هي في علف الخيل والمرتبطة في السبيل»، وقال قتادة: «هذه الآية في المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير».
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: «والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولا محكما، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية».
وقال ابن عباس رضي الله عنه: «كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله: {إن تبدوا الصّدقات} [البقرة: 271] إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 274] فلما نزلت براءة بتفصيل الزكاة قصروا عليها»، وقد تقدم القول على نفي الخوف والحزن، والفاء في قوله: {فلهم} دخلت لما في الّذين من الإبهام، فهو يشبه بإبهامه الإبهام الذي في الشرط. فحسنت الفاء في جوابه كما تحسن في الشرط، وإنما يوجد الشبه إذا كان الذي موصولا بفعل وإذا لم يدخل على «الذي» عامل يغير معناه، فإن قلت: الذي أبوه زيد هو عمرو فلا تحسن الفاء في قولك فهو، بل تلبس المعنى، وإذا قلت ليت الذي جاءك جاءني لم يكن للفاء مدخل في المعنى، وهذه الفاء المذكورة إنما تجيء مؤكدة للمعنى، وقد يستغنى عنها إذا لم يقصد التأكيد كقوله بعد: لا يقومون). [المحرر الوجيز: 2/ 93-95]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 03:47 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 03:47 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون (272) للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون النّاس إلحافًا وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ (273) الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (274)}
قال أبو عبد الرّحمن النّسائيّ: أخبرنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد الرّحيم، أخبرنا الفريابي، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا، فرخّص لهم، فنزلت هذه الآية: {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون}» ،وكذا رواه أبو حذيفة، وابن المبارك، وأبو أحمد الزّبيريّ، وأبو داود الحفري، عن سفيان -وهو الثّوريّ -به.
وقال ابن أبي حاتمٍ: أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطيّة، حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن -يعني الدّشتكيّ -حدّثني أبي، عن أبيه، حدّثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنّه كان يأمر بألّا يتصدق إلّا على أهل الإسلام، حتّى نزلت هذه الآية: {ليس عليك هداهم} إلى آخرها، فأمر بالصّدقة بعدها على كلّ من سألك من كلّ دينٍ». وسيأتي عند قوله تعالى: {لا ينهاكم اللّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم} الآية [الممتحنة:8] حديث أسماء بنت الصّديق في ذلك إن شاء اللّه تعالى.
وقوله: {وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم} كقوله: {من عمل صالحًا فلنفسه} [فصّلت: 46، الجاثية: 15] ونظائرها في القرآن كثيرةٌ.
وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه} قال الحسن البصريّ: «نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن -إذا أنفق -إلّا ابتغاء وجه اللّه».
وقال عطاءٌ الخراسانيّ: «يعني إذا أعطيت لوجه اللّه، فلا عليك ما كان عمله» وهذا معنًى حسنٌ، وحاصله أنّ المتصدّق إذا تصدّق ابتغاء وجه اللّه فقد وقع أجره على اللّه، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: ألبرّ أو فاجرٍ أو مستحقٍّ أو غيره، هو مثابٌ على قصده، ومستند هذا تمام الآية: {وما تنفقوا من خيرٍ يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون} والحديث المخرّج في الصّحيحين، من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «قال رجلٌ: لأتصدّقنّ اللّيلة بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانيةٍ، فأصبح النّاس يتحدّثون: تصدق على زانيةٍ! فقال: اللّهمّ لك الحمد على زانيةٍ، لأتصدّقنّ اللّيلة بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيٍّ، فأصبحوا يتحدّثون: تصدق اللّيلة على غني! فقال: اللّهمّ لك الحمد على غنيٍّ، لأتصدّقنّ اللّيلة بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدّثون: تصدق اللّيلة على سارقٍ! فقال: اللّهمّ لك الحمد على زانيةٍ، وعلى غنيٍّ، وعلى سارقٍ، فأتي فقيل له: أمّا صدقتك فقد قبلت؛ وأمّا الزّانية فلعلّها أن تستعفّ بها عن زناها، ولعلّ الغنيّ يعتبر فينفق ممّا أعطاه اللّه، ولعلّ السّارق أن يستعفّ بها عن سرقته» ). [تفسير ابن كثير: 1/ 703-704]

تفسير قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {للفقراء الّذين أحصروا في سبيل اللّه} يعني: المهاجرين الّذين قد انقطعوا إلى اللّه وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم سببٌ يردّون به على أنفسهم ما يغنيهم و {لا يستطيعون ضربًا في الأرض} يعني: سفرًا للتّسبّب في طلب المعاش. والضّرب في الأرض: هو السّفر؛ قال اللّه تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصّلاة} [النّساء: 101]، وقال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه وآخرون يقاتلون في سبيل اللّه} الآية [المزّمّل: 20].
وقوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف} أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعفّفهم في لباسهم وحالهم ومقالهم. وفي هذا المعنى الحديث المتّفق على صحّته، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتّمرتان، واللّقمة واللّقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكنّ المسكين الّذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل النّاس شيئًا». وقد رواه أحمد، من حديث ابن مسعودٍ أيضًا.
وقوله: {تعرفهم بسيماهم} أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال اللّه تعالى: {سيماهم في وجوههم} [الفتح: 29]، وقال: {ولتعرفنّهم في لحن القول} [محمّدٍ: 30]. وفي الحديث الّذي في السّنن: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللّه»، ثمّ قرأ: {إنّ في ذلك لآياتٍ للمتوسّمين} [الحجر: 75].
وقوله: {لا يسألون النّاس إلحافًا} أي: لا يلحون في المسألة ويكلّفون النّاس ما لا يحتاجون إليه، فإنّ من سأل وله ما يغنيه عن السّؤال، فقد ألحف في المسألة؛ قال البخاريّ: حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شريك بن أبي نمرٍ: أنّ عطاء بن يسار وعبد الرّحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ قالا سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، ولا اللّقمة واللّقمتان، إنّما المسكين الّذي يتعفّف؛ اقرؤوا إن شئتم -يعني قوله-: {لا يسألون النّاس إلحافًا}».
وقد رواه مسلم، من حديث إسماعيل بن جعفرٍ المدينيّ، عن شريك بن عبد اللّه بن أبي نمر، عن عطاء بن يسارٍ -وحده -عن أبي هريرة، به.
وقال أبو عبد الرّحمن النّسائيّ: أخبرنا عليّ بن حجرٍ، حدّثنا إسماعيل، أخبرنا شرّيكٌ -وهو ابن أبي نمرٍ -عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ليس المسكين الّذي تردّه التّمرة والتّمرتان، واللّقمة واللّقمتان، إنّما المسكين المتعفّف؛ اقرؤوا إن شئتم: {لا يسألون النّاس إلحافًا}».
وروى البخاريّ من حديث شعبة، عن محمّد بن زيادٍ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، نحوه.
وقال ابن أبي حاتمٍ: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئبٍ، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ليس المسكين بالطّوّاف عليكم، فتطعمونه لقمةً لقمةً، إنّما المسكين المتعفّف الّذي لا يسأل النّاس إلحافًا».
وقال ابن جريرٍ: حدّثني معتمرٌ، عن الحسن بن ماتك عن صالح بن سويدٍ، عن أبي هريرة قال: «ليس المسكين الطّوّاف الّذي تردّه الأكلة والأكلتان، ولكنّ المسكين المتعفّف في بيته، لا يسأل النّاس شيئًا تصيبه الحاجة؛ اقرؤوا إن شئتم: {لا يسألون النّاس إلحافًا}».
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدّثنا أبو بكر الحنفيّ، حدّثنا عبد الحميد بن جعفرٍ، عن أبيه، عن رجلٍ من مزينة، أنّه قالت له أمّه: «ألا تنطلق فتسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه سلّم كما يسأله النّاس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائمًا يخطب، وهو يقول: «ومن استعفّ أعفّه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن يسأل النّاس وله عدل خمس أواقٍ فقد سأل النّاس إلحافًا». فقلت بيني وبين نفسي: لناقةٌ لي خيرٌ من خمس أواقٍ، ولغلامه ناقةٌ أخرى فهي خيرٌ من خمس أواقٍ فرجعت ولم أسأل».
وقال الإمام أحمد: حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي الرّجال، عن عمارة بن غزيّة، عن عبد الرّحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه قال: سرّحتني أمّي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: «استغنى أغناه اللّه، ومن استعفّ أعفّه اللّه، ومن استكفّ كفاه اللّه، ومن سأل وله قيمة أوقيّةٍ فقد ألحف». قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خيرٌ من أوقيّةٍ. فرجعت ولم أسأله.
وهكذا رواه أبو داود والنّسائيّ، كلاهما عن قتيبة. زاد أبو داود: وهشام بن عمّارٍ كلاهما عن عبد الرّحمن بن أبي الرّجال بإسناده، نحوه.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو الجماهير، حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي الرّجال، عن عمارة بن غزيّة، عن عبد الرّحمن بن أبي سعيدٍ قال: قال أبو سعيدٍ الخدريّ: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من سأل وله قيمة وقيّةٍ فهو ملحفٌ» والوقيّة: أربعون درهمًا.
وقال أحمد: حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن رجلٍ من بني أسدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من سأل وله أوقيّةٌ -أو عدلها -فقد سأل إلحافًا».
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا سفيان، عن حكيم بن جبيرٍ، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا -أو كدوحًا -في وجهه». قالوا: يا رسول اللّه، وما غناه؟ قال: «خمسون درهمًا، أو حسابها من الذّهب».
وقد رواه أهل السّنن الأربعة، من حديث حكيم بن جبيرٍ الأسديّ الكوفيّ. وقد تركه شعبة بن الحجّاج، وضعّفه غير واحدٍ من الأئمّة من جرّاء هذا الحديث.
وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الحضرميّ، حدّثنا أبو حصينٍ عبد اللّه بن أحمد بن يونس، حدّثني أبي، حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، عن هشام بن حسّان، عن محمّد بن سيرين قال: «بلغ الحارث-رجلًا كان بالشّام من قريشٍ -أنّ أبا ذرٍّ كان به عوزٌ، فبعث إليه ثلاثمائة دينارٍ، فقال: ما وجد عبد اللّه رجلًا هو أهون عليه منّي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولآل أبي ذرٍّ أربعون درهمًا وأربعون شاةً وماهنان». قال أبو بكر بن عيّاشٍ: يعني خادمين.
وقال ابن مردويه: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمّدٍ، أنبأنا عبد الجبّار، أخبرنا سفيان، عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من سأل وله أربعون درهمًا فهو ملحف، وهو مثل سفّ الملّة» يعني: الرّمل. ورواه النّسائيّ، عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان -وهو ابن عيينة -بإسناده نحوه.
قوله: {وما تنفقوا من خيرٍ فإنّ اللّه به عليمٌ} أي: لا يخفى عليه شيءٌ منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمّه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه). [تفسير ابن كثير: 1/ 704-707]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} هذا مدحٌ منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليلٍ أو نهارٍ، والأحوال من سرٍّ وجهارٍ، حتّى إنّ النّفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في الصّحيحين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لسعد بن أبي وقّاصٍ -حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي روايةٍ عام حجّة الوداع-: «وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللّه إلّا ازددت بها درجةً ورفعةً، حتّى ما تجعل في في امرأتك».
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ وبهز قالا حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابتٍ قال: سمعت عبد اللّه بن يزيد الأنصاريّ، يحدّث عن أبي مسعودٍ، رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه قال: «إنّ المسلم إذا أنفق على أهله نفقةً يحتسبها كانت له صدقةً» أخرجاه من حديث شعبة، به.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا سليمان بن عبد الرّحمن، حدّثنا محمّد بن شعيبٍ، قال: سمعت سعيد بن يسارٍ، عن يزيد بن عبد اللّه بن عريبٍ المليكيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «نزلت هذه الآية: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} في أصحاب الخيل».
وقال حنشٌ الصّنعانيّ: عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية، قال: «هم الّذين يعلفون الخيل في سبيل اللّه». رواه ابن أبي حاتمٍ، ثمّ قال: «وكذا روي عن أبي أمامة، وسعيد بن المسيّب، ومكحولٍ».
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، أخبرنا يحيى بن يمانٍ، عن عبد الوهّاب بن مجاهد بن جبرٍ، عن أبيه قال: «كان لعليٍّ أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلًا ودرهمًا نهارًا، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا علانيةً، فنزلت: {الّذين ينفقون أموالهم باللّيل والنّهار سرًّا وعلانيةً}»
وكذا رواه ابن جريرٍ من طريق عبد الوهّاب بن مجاهدٍ، وهو ضعيفٌ. ولكن رواه ابن مردويه من وجهٍ آخر، عن ابن عبّاسٍ: «أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالبٍ».
وقوله: {فلهم أجرهم عند ربّهم} أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطّاعات {ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} تقدّم تفسيره). [تفسير ابن كثير: 1/ 707-708]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:01 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة