العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم القرآن الكريم > الناسخ والمنسوخ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #2  
قديم 12 ربيع الثاني 1435هـ/12-02-2014م, 09:17 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ

قال أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:320هـ):
(
وقبل الشروع في المقصود لا بد من ذكر مقدمة تكون مدخلا إلى معرفة المطلوب يذكر فيه حقيقة النسخ ولوازمه وتوابعه:

اعلم أن النسخ له اشتقاق عند أرباب اللسان وحد عند أصحاب المعاني وشرائط عند العالمين بالأحكام، أما أصله فالنسخ في اللغة عبارة عن إبطال شيء وإقامة آخر مقامه.
وقال أبو حاتم: الأصل في النسخ هو أن يحول العسل في خلية والنحل في أخرى، ومنه نسخ الكتاب،
وفي الحديث: (ما من نبوة إلا وتنسخها فترة).
ثم إن النسخ في اللغة موضوع بإزاء معنيين أحدهما الزوال على جهة الانعدام، والثاني على جهة الانتقال.

أما الناسخ بمعنى الإزالة فهو أيضا على نسخ إلى بدل نحو قولهم نسخ الشيب الشباب، ونسخت الشمس الظل أي أذهبته وحلت محله، ونسخ إلى غير بدل، ورفع الحكم وإطالة من غير أن يقيم له بدلا يقال نسخت الريح الديار أي أبطلتها وإزالتها وأما النسخ بمعنى النقل فهو من قولك نسخت الكتاب ما فيه وليس المراد به إعدام ما فيه ومنه قوله تعالى {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. يريد نقله إلى الصحف، أو من الصحف إلى غيرها.
غير أن المعروف من النسخ في القرآن هو إبطال الحكم مع إثبات الخط وكذلك هو في السنة أو في الكتاب أن تكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة إلا أن المنسوخة لا يعمل بها مثل عدة المتوفى عنها زوجها كانت سنة لقوله {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [234 / 2 البقرة].
وأما حَدُّه؛ فمنهم من قال: إنه بيان انتهاء مدة العبادة وقيل انقضاء العبادة التي ظاهرها الدوام وقال بعضهم أنه رفع الحكم بعد ثبوته).
[الناسخ والمنسوخ لابن حزم:6-7]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب أصل النّسخ واشتقاقه
اشتقاق النّسخ من شيئين:
أحدهما أنّه يقال: نسخت الشّمس الظّلّ إذا أزالته وحلّت محلّه، ونظير هذا {فينسخ اللّه ما يلقي الشّيطان} [الحج: 52]
والآخر من نسخت الكتاب إذا نقلته من نسخةٍ، وعلى هذا النّاسخ والمنسوخ.
وأصله أن يكون الشّيء حلالًا إلى مدّةٍ ثمّ ينسخ فيجعل حرامًا أو يكون حرامًا فيجعل حلالًا أو يكون محظورًا فيجعل مباحًا أو مباحًا فيجعل محظورًا، يكون هذا في الأمر والنّهي والحظر والإطلاق والإباحة والمنع ).[الناسخ والمنسوخ للنحاس: 424-428]
قَالَ هِبَةُ اللهِ بنُ سَلامَةَ بنِ نَصْرٍ المُقْرِي (ت: 410 هـ): (اعلم أن النّسخ في كلام العرب هو الرّفع للشّيء وجاء الشّرع بما تعرف العرب إذ كان النّاسخ يرفع حكم المنسوخ) . [الناسخ والمنسوخ لابن سلامة: 20]
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) : (باب معنى النسخ
النسخ يأتي في كلام العرب على ثلاثة أوجه:
الأول: أن (يكون) مأخوذًا من قول العرب: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، فهذا لم يتغير المنسوخ منه، إنما صار له نظيرًا مثله في لفظه ومعناه. وهما باقيان.
وهذا المعنى ليس من النسخ الذي قصدنا إلى بيانه؛ (إذ) ليس في القرآن آية ناسخة لآية (أخرى) كلاهما بلفظٍ واحد ومعنىً واحدٍ وهما (باقيتان) وهذا لا معنى لدخوله فيما قصدنا إلى بيانه.
وقد غلط في هذا جماعة، وجعلوا النسخ الذي وقع في القرآن [مأخوذًا من هذا المعنى، وهو وهمٌ، وقد انتحله النّحاس] وقال في
كتابه: "أكثر النسخ في كتاب الله – عز وجل – مشتقٌ من نسخت الكتاب" مع كلام يدل على هذا المذهب.
وهذا خطأ، ليس في القرآن آية نسخت بآية مثلها (في لفظها ومعناها) وهما باقيتان؛ لأن معنى نسخت الكتاب: نقلت ألفاظه ومعانيه إلى كتاب آخر.
وهذا ليس من النسخ الذي هو إزالة الحكم وإبقاء اللفظ، ولا من النسخ الذي هو إزالة الحكم واللفظ.
وإنما هذا نظير قوله تعالى: {إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون}. فقد قال ابن عباس وغيره في معنى ذلك: إن أعمال العباد (يكتبها) الحفظة من اللوح المحفوظ قبل عملهم لها، ثم يقابل (بذلك) ما يحدث من عملهم، وحركاتهم في الدنيا فيجدون الأمر على ما استنسخوا من اللوح المحفوظ لا يزيد العباد شيئًا ولا ينقصون شيئًا – فهذا من قولهم: نسخت الكتاب –.
وقد قيل: إن معنى الآية: أن الملائكة تستنسخ من عند الحفظة في كل خميس أعمال العباد التي يجازون عليها من خير وشر، وتدع ما عدا
ذلك. فهو قوله: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقّ إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون}. فهذا أيضًا من (نسخت الكتاب).
وليس في هذا كلّه نسخ شيءٍ بشيء آخر، فإضافة النسخ في القرآن إلى هذا المعنى وهمٌ وغلط.
الثاني من معاني النسخ:
أن يكون مأخوذا من قول العرب: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وحلّت محله.
وهذا المعنى هو لأكثر الجمهور في منسوخ القرآن وناسخه.
وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يزول حكم الآية المنسوخة بحكم آية أخرى متلوةٍ، أو بخبر متواتر، ويبقى لفظ المنسوخة متلوًّا، نحو قوله تعالى في الزواني: {فأمسكوهنّ في البيوت حتى يتوفاهنّ الموت} الآية، وقوله: {واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما}.
فأمر فيهما بالسجن والضرب ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين الذي تواتر به الخبر والعمل المنسوخ لفظ تلاوته، وبالجلد مائة في
البكرين المذكورين في سورة النور. - فهذا مثال ما نسخ حكمه بحكمٍ آخر وبقي لفظه متلوًا -.
والضرب الثاني: أن تزول تلاوة الآية المنسوخة مع زوال حكمها، وتحل الثانية محلها في الحكم والتلاوة.
وهذا إنما يؤخذ من طريق الأخبار الثابتة، وذلك نحو ما تواتر به النقل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات - تريد - يحرمن. قالت عائشة: فنسخهن خمس {رضعات} معلومات يحرمن. فتوفي رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وهن مما يقرأ من القرآن ".
فهذا على قول عائشة غريبٌ في الناسخ والمنسوخ: الناسخ غير متلو، والمنسوخ غير متلو؛ و(حكم الناسخ قائم).
(ولهذا المعنى) اختلف في ذلك:
_ فالعشر رضعات عند مالك وأهل المدينة نسخ لفظهن وحكمهنّ بقوله: {وأخواتكم من الرضاعة}، فرضعة واحدة عندهم تحرّم.
فهذا قول حسن، الناسخ "فيه" متلو والمنسوخ غير متلوّ، وله نظائر كثيرة في الناسخ والمنسوخ، وليس (له) على قول عائشة - رضي الله عنها- نظير فيما علمته.
- وأخذ الشافعي بأن لا يحرم إلا خمس رضعات، على ظاهر لفظ الحديث.
وقد روى هذا الحديث عن عائشة القاسم بن محمد بن أبي بكر،
وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن عمرو بن حزم يرفعانه إلى عائشة. ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري ولم يذكر فيه يحيى: "فتوفي رسول الله وهنّ مما يقرأ".
(وهذا) هو الصحيح عند أهل العلم بالأصول إذ لا يجوز النسخ إلاّ قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وغير جائز أن يتوفى (رسول الله) صلى الله عليه وسلم وقرآنٌ يتلى، ثم يجمع المسلمون على إسقاطه من التلاوة بعده (إلاّ على قول من أجاز النسخ بالإجماع).
وعلى هذين المعنيين أكثر الناسخ والمنسوخ في القرآن.
الثالث من معاني النسخ:
أن يكون مأخوذًا من قول العرب: نسخت الريح الآثار، إذا أزالتها
فلم يبق منها عوضٌ، ولا حلّت الريح محلّ الآثار، بل زالا جميعًا.
وهذا النوع من النسخ إنما يؤخذ من جهة الأخبار، نحو ما روي أن سورة الأحزاب كانت (تعدل) سورة البقرة طولاً، فنسخ الله منها ما شاء، فأزاله بغير عوضٍ، وذهب حفظه من القلوب.
ودليل ذلك كله، قوله عز وجل: {أو ننسها}، أي ننسكها يا محمد، فأعلمه أنه ينسيه ما شاء من القرآن. وله نظائر ستراها.
وهذا النوع أيضًا على ضربين:
أحدهما: أن يزول اللفظ من الحفظ، ويزول الحكم، نحو ما ذكرنا من سورة الأحزاب وما نذكر من غيرها.
الثاني: أن تزول التلاوة واللفظ ويبقى الحكم والحفظ للفظ ولا يتلى على أنه قرآنٌ ثابت، نحو (آية) الرّجم [التي تواترت] الأخبار عنها أنها كانت مما يتلى، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به، وبقي حفظها منقولاً لم تثبت تلاوته في القرآن.
وبقي من أصناف المنسوخ صنفٌ:
وهو أن يزول حكم الآية بغير عوضٍ متلوّ ويبقى لفظها متلوًّا غير محكوم به، نحو ما فرض الله من شروط المهادنة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش المذكورة في سورة الممتحنة، فنسخها زوال حكم المهادنة لأنها إنما كانت شروطًا معلقة بعهدٍ، فلما زال العهد زال حكم الشروط. فهو زوال حكمٍ بغير عوض، وبقي لفظ الشروط متلوًّا غير محكوم به، وسنبين ذلك كله في مواضعه – إن شاء الله – بأشبع من هذا وأبين). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه:47-54]

قَالَ أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت:597هـ): (الباب الثّالث: باب بيان حقيقة النّسخ
النّسخ في اللّغة على معنيين:
أحدهما: الرّفع والإزالة، يقال: نسخت الشّمس الظّلّ إذا رفعت ظلّ الغداة بطلوعها وخلفه ضوؤها. ومنه قوله تعالى: {فينسخ اللّه ما يلقي الشّيطان}.
والثّاني: تصويرٌ مثل المكتوب في محلٍّ آخر، (يقولون) نسخت الكتاب، ومنه قوله تعالى: {إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون}.
وإذا أطلق النّسخ في الشّريعة أريد به المعنى الأوّل، لأنّه رفع الحكم الّذي ثبت تكليفه للعباد إمّا بإسقاطه إلى غير بدلٍ أو إلى بدلٍ). [نواسخ القرآن:90- 94]

قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (والنسخ في العربية: النقل، تقول: نسخت الكتاب: إذا نقلته، والإزالة يقولون: نسخت الشمس الظل: أي أزالته وحلت محله.
وتقول أيضا: نسخت الريح الأثر. فهذه إزالة لا إلى بدل. ونسخ القرآن بمعنى الإزالة ). [جمال القراء : 245]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (الناسخ: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. والمنسوخ: هو الحكم الزائل بعد ثباته بخطاب متقدم، بخطاب واقع بعده، متراخ عنه، دال على ارتفاعه على وجه لولاه لكان ثابتا.
وأما النسخ: فإنه زوال شرع بشرع متأخر عنه ). [جمال القراء : 245]

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (والنسخ يأتي بمعنى: الإزالة ومنه، قوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ} الآية [الحج: 52].
ويأتي بمعنى: التبديل، كقوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} الآية [النحل: 101] .
وبمعنى: التحويل كتناسخ المواريث- يعني تحويل الميراث من واحد إلى واحد.
ويأتي بمعنى: النقل من موضع إلى موضع ومنه: "نسخت الكتاب" إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه.
قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن، وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وإنما يأتي بلفظ آخر، وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدي يشهد لما قاله النحاس، قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الآية [الجاثية: 29]، وقال: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} الآية [الزخرف: 4]، ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، كما قال: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 78-79].
ثم اختلف العلماء فقيل: المنسوخ ما رفع تلاوة تنزيله كما رفع العمل به ورد بما نسخ الله من التوراة بالقرآن والإنجيل وهما متلوان ). [البرهان في علوم القرآن:29-44/30]

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (وفي هذا النوع مسائل:الأولى:يرد النسخ بمعنى الإزالة، ومنه قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} الآية [الحج: 52].
وبمعنى التبديل ومنه: {وإذا بدلنا آية مكان آية} الآية [النحل: 101].
وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.
وبمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه.
قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن، وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وأنه إنما يأتي بلفظ آخر.
وقال السعيدي: يشهد لما قاله النحاس، قوله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} الآية [الجاثية: 29]، وقال: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 4].
ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: {في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون} الآية [الواقعة: 78-79] ). [الإتقان في علوم القرآن: 1436-1435]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12 ربيع الثاني 1435هـ/12-02-2014م, 09:26 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

معاني النسخ في الكتاب والسنة
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ): (وأمّا النّسخ فإنّ له ثلاثة مواضع في الكتاب والسّنّة، ولكلّها شواهد ودلائل:
فأحدها: نسخ القرآن ممّا يعمل به، وهو علم النّاسخ من المنسوخ، والشّاهد عليه ما فسّره ابن عبّاسٍ في حديثه الّذي ذكرناه: أنّه إبدال الآية مكان الآية، ثمّ أوضحه مجاهدٌ، فقال: يثبت خطّها ويبدّل حكمها، فهذا هو المعروف عند العالم أنّ الآية النّاسخة والمنسوخة جميعًا ثابتتان في التّلاوة وفي خطّ المصحف، إلّا أنّ المنسوخة منهما غير معمولٍ بها، والنّاسخة هي الّتي أوجب اللّه عزّ وجلّ على النّاس اتّباعها والأخذ بها.
وأمّا النّسخ الثّاني: فأن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها، فتكون خارجةً من قلوب الرّجال، ومن ثبوت الخطّ والشّاهد عليه أحاديث عدّةٌ
- قال عبد اللّه بن صالحٍ، عن اللّيث، عن عقيلٍ , ويونس، عن ابن شهابٍ قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيفٍ، في مجلس سعيد بن المسيّب: أنّ رجلًا، كانت معه سورةٌ، فقام يقرؤها من اللّيل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقال بعضهم: يا رسول اللّه، قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا، فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول اللّه ما جئت إلّا لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول اللّه؛ فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: ((إنّها - أو قال: - نسخت البارحة)).
وزاد عقيلٌ في حديثه قال: وابن المسيّب جالسٌ لا ينكر ذلك.
قال أبو عبيدٍ: فقد تبيّن في هذا الحديث أنّ النّسخ هو رفع السّورة، وكذلك حديثه الآخر

- حدّثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمر الواسطيّ، عن سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن ذرٍّ، عن عبد الرّحمن بن أبزى قال: صلّى رسول.... موضعه، فهذا هو المستعمل في كلام العوام، وله مع هذا شاهدٌ من القرآن
- حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ
في قوله عزّ وجلّ: {إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] قال: قال ابن عبّاسٍ: «ألستم قومًا عربًا هل تكون النّسخة إلّا من أصلٍ قد كان قبل ذلك»
- حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذّكر} [الأنبياء: 105] قال: «الزّبور والتّوراة والإنجيل والقرآن، والذّكر هو الأصل الّذي نسخت منه هذه الكتب» قال أبو عبيدٍ: فهذان الحديثان لا معنى للنّسخ فيهما إلّا الاكتتاب من شيءٍ في آخر سواه، وإيّاه أراد عطاءٌ بقوله: {ما ننسخ من آيةٍ} [البقرة: 106] قال: هو ما نزل من القرآن). [الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز:14- 17]
قالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ (ت: 338 هـ): (باب النّسخ على كم يكون من ضربٍ
أكثر النّسخ في كتاب اللّه جلّ وعزّ على ما تقدّم في الباب الّذي قبل هذا أن يزال الحكم بنقل العباد عنه مشتقٌّ من نسخت الكتاب ويبقى المنسوخ متلوًّا قال أبو جعفرٍ: كما حدّثنا محمّد بن جعفرٍ الأنباريّ، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، قال: حدّثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، {ما ننسخ من آيةٍ} [البقرة: 106] قال: «نزيل حكمها ونثبت خطّها»
ونسخٌ ثانٍ قال أبو جعفرٍ: كما حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا ابن ديسمٍ، قال: حدّثنا أبو عمرٍو الدّوريّ، عن الكسائيّ، {وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍّ إلّا إذا تمنّى ألقى الشّيطان في أمنيّته} قال: " في تلاوته {فينسخ اللّه ما يلقي الشّيطان} [الحج: 52] قال: يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف " قال أبو جعفرٍ: " وهذا مشتقٌّ من نسخت الشّمس الظّلّ، وقد زعم أبو عبيدٍ أنّ هذا النّسخ الثّاني قد كان ينزل على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم السّورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب واحتجّ أبو عبيدٍ بأحاديث صحيحة السّند وخولف أبو عبيدٍ فيما قال، والّذين خالفوه على قولين
منهم من قال: لا يجوز ما قال ولا يسلب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيئًا من القرآن بعدما نزل عليه واحتجّوا بقوله جلّ وعزّ {ولئن شئنا لنذهبنّ بالّذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] .
والقول الآخر أنّ أبا عبيدٍ قد جاء بأحاديث إلّا أنّه قد غلط في تأويلها لأنّ تأويلها على النّسيان لا على النّسخ .
وقد تأوّل مجاهدٌ وقتادة {أو ننسها} [البقرة: 106] على هذا من النّسيان وهو معنى قول سعد بن أبي وقّاصٍ وفيه قولان آخران:
أحدهما: عن ابن عبّاسٍ قال {ما ننسخ من آيةٍ} [البقرة: 106] «نرفع حكمها» {أو ننسها} [البقرة: 106] نتركها فلا ننسخها.
وقيل {ننسها} [البقرة: 106] نبيح لكم تركها
وعلى قراءة البصريّين {ننسأها} أحسن ما قيل في معناه أو نتركها ونؤخّرها فلا ننسخها.
ونسخٌ ثالثٌ، وهو من نسخت الكتاب لم يذكر أبو عبيدٍ إلّا هذه الثّلاثة
وذكر غيره رابعًا فقال: تنزل الآية وتتلى في القرآن ثمّ تنسخ فلا تتلى
في القرآن ولا تثبت في الخطّ ويكون حكمها ثابتًا
كما روى الزّهريّ، عن عبيد اللّه، عن ابن عبّاسٍ، قال: خطبنا عمر بن
الخطّاب رضي اللّه عنه قال: «كنّا نقرأ الشّيخ والشّيخة إن زنيا فارجموهما البتّة بما قضيا من اللّذّة»
قال أبو جعفرٍ: وإسناد الحديث صحيحٌ إلّا أنّه ليس حكمه حكم القرآن الّذي نقله الجماعة عن الجماعة ولكنّه سنّةٌ ثابتةٌ وقد يقول الإنسان: كنت أقرأ كذا لغير القرآن والدّليل على هذا أنّه قال:
[ولولا أنّي أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن لزدتها ). [الناسخ والمنسوخ للنحاس: 1/429-439]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12 ربيع الثاني 1435هـ/12-02-2014م, 07:13 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

الفرق بين حقيقة النسخ وحقيقة التخصيص والاستثناء

قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ) : (باب الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء
اعلم أن النسخ والتخصيص والاستثناء يجتمعن في معنى أنها كلها لإزالة حكم متقدم قبلها، ويفترقن في معانٍ أخر.
والنسخ: إزالة حكم المنسوخ كله بغير حرف متوسطٍ، ببدل حكم آخر أو بغير بدل في وقت معين. فهو بيان الأزمان التي انتهى إليها العمل بالفرض الأول ومنها ابتدأ الفرض الثاني الناسخ للأول.
والتخصيص: إزالة بعض الحكم بغير حرف متوسط. فهو بيان الأعيان.
والاستثناء: مثل التخصيص إلا أنه لا يكون إلا بحرف متوسط، ولا يكون إلا متصلاً بالمستثنى منه.
والتخصيص: إنما يجوز على قول من أجاز تأخير البيان.
وهو أن يأتي لفظٌ ظاهره العموم لما وقع تحته، ثم يأتي لفظ
نص آخر، أو دليل، أو قرينة أو إجماع يدل على أن ذلك اللفظ الذي ظاهره عام ليس بعام. والتخصيص: إنما هو بيان اللفظ الأول أنه ليس بعام في كل ما تضمنه ظاهر اللفظ، فهو بيان الأعيان.
فهذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في الفرق بين النسخ والتخصيص.
النسخ: بيان الأزمان التي انتهى إليها العمل بالفرض الأول وابتدأ منها الفرض الثاني.
والتخصيص: بيان الأعيان الذين عمهم اللفظ أن بعضهم غير داخل تحت ذلك اللفظ.
فالنسخ لا يكون إلا منفصلاً من المنسوخ.
والتخصيص يكون منفصلاً ومتصلاً بالمخصص.
والاستثناء لا يكون إلا متصلاً بالمستثنى منه بحرف الاستثناء.
ولا حرف للنسخ ولا للتخصيص.
وهذا الذي ذكرنا من جواز التخصيص إنما هو مبني على قول مالك وأصحابه الذين يقولون بالعموم في كل لفظٍ أتى عامًا عاريًا من قرينة تدل على تخصيصه.
وغيرهم بخلافهم في ذلك.
ومن الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء:
أن النسخ لا يكون في الأخبار.
والاستثناء والتخصيص يكونان في الأخبار.
وسنذكر هذا الفن من الأصول في غير هذا الكتاب إن شاء الله تعالى). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 85-87]
قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ):
(وحقيقة التخصيص والاستثناء تخالف حقيقة النسخ؛ لأن التخصيص أن يجيء اللفظ عاما والمراد بعض متناولاته، فإذا أتى ما دل على أن المراد غير ظاهر اللفظ ظهر التخصيص. وقالوا في حده: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب.
ولأن الاستثناء صيغة دالة على أن المستثنى غير داخل في الخطاب فالتخصيص قريب من معنى الاستثناء، إلا أن الاستثناء لا يكون إلا بحرف دال على إخراج المستثنى. لهذا قالوا في حده: صيغة دالة، ودلالة التخصيص إما بنص آخر، أو بإجماع، أو قرينة.
فالتخصيص نحو قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} الآية [المائدة: 5] بعد قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} الآية [البقرة: 221] ولو كان هذا نسخا لكانت آية البقرة المراد بها الكتابيات.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: (آية المائدة ناسخة لآية البقرة).
وقال قائلون: لا يصح هذا إلا أن تكون آية البقرة في المشركات من أهل الكتاب.
وأقول: إن هذا الذي قالوه غير مستقيم؛ فإن قولنا: نسخ وتخصيص واستثناء اصطلاح وقع بعد ابن عباس، وكان ابن عباس يسمى ذلك نسخا، ولو وقع الاصطلاح على تسمية جميع ذلك نسخا، ويكون النسخ على ثلاثة اضرب لم يمتنع لاجتماع المعاني الثلاثة في الإزالة للحكم المتقدم ). [جمال القراء : 247]

أمثلة للتفريق بين النسخ والتخصيص
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) : (باب بيان النسخ والتخصيص وتمثيله
قال الله –عز وجل-: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}.
فعم هذا اللفظ بتحريم نكاح كل مشركة من كتابية وغيرها.
ثم خصص ذلك بقوله في المائدة: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} -الآية- فأحل نكاح الكتابية.
فخرج الكتابيات من عموم آية البقرة. وبقيت الآية مخصوصة في تحريم نكاح كل مشركة غير كتابية. فبين بالتخصيص الأعيان المحرمات.
ولا يكون هذا نسخًا، لأن حكم النسخ إزالة الحكم الأول بكليته. ولأن النسخ إنما هو بيان الزمان الذي انتهى إليه العمل بالفرض المنسوخ.
وليس ذلك في هذا.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (آية المائدة ناسخة لآية البقرة).
وهذا إنما يجوز على أن تكون آية البقرة يراد بها الكتابيات خاصة، حرّمن إلى وقت، ثم نسخت بآية المائدة في وقت آخر.
فبيّن الأزمان بالنسخ، وذهب الحكم الأول بكليته.
والاستثناء والتخصيص يزيلان بعض الحكم الأول، والنسخ يزيل الحكم كله؛ فاعْرفْهُ.
ويكون تحريم نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بالسنة؛ فكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة أولى من كونها ناسخة لها؛ ليكون تحريم نكاح المشركات من غير أهل الكتاب بنص القرآن؛ فذلك ظاهر اللفظ.
- ومن هذا أيضًا قوله تعالى في سورة الشورى إخبارًا عن الملائكة: {يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض}.
فظاهر اللفظ عموم الاستغفار لكل من في الأرض.
ثم قال تعالى ذكره في سورة غافر: {ويستغفرون للذين آمنوا}.
فعلم أن آية الشورى ليست بعامة، وأن معناها: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين.
فآية غافر خصصت آية الشورى، وبينتها أنها في بعض الأعيان دون بعض.
وقد قلنا إن التخصيص: بيان الأعيان.

وقد زعم قومٌ أن التخصيص نسخ. وليس الأمر على ذلك؛ لما بيّنا من الفرق بين النسخ والتخصيص.
وإنما يقول هذا من قال: لا عموم، ومن قال: لا يجوز تأخير البيان.
وهذه أصول تحتاج إلى بسط نذكرها –إن شاء الله في غير هذا الكتاب.
فافهم هذه المعاني التي بنى عليها أحكام النسخ والتخصيص. فبها تتحصل الأصول وتجري الأحكام على أصل ثابت.
باب:
اعلم أن هذا الذي ذكرنا من تخصيص آيةٍ لآيةٍ أخرى، إنما يجوز على قول من قال بالعموم في اللفظ المطلق –وهو مذهب مالكٍ وأصحابه-، وعلى قول من أجاز تأخير البيان.
فتكون الآية الأولى مما ذكرنا وما نذكر نزلن ولا بيان معهن يدل على المراد.
ثم نزلت الآية الثانية فبينت ما المراد بالآية الأولى.
فأما من منع تأخير البيان، وقال: لا يجوز أن يتأخر البيان.
فإنه يجعل الثانية أبدًا ناسخة للأولى؛ لأن الناسخ حقه أن يأتي بعد المنسوخ في الزمان.
وجواز النسخ في مثل هذا بعيدٌ لأنه خبرٌ والأخبار لا تنسخ. إنما تخصص وتبين ويستثنى منها.
والنسخ في هذا مروي عن وهب بن منبه وغيره.
ويدل على جواز تأخير البيان، أن هذه الآيات إذا امتنع فيها النسخ لأنها خبر وجب أن تكون مبينة ومخصصة؛ إذ لا يمتنع ذلك في الخبر. وإذا كانت مبيّنة ومخصصة بآيةٍ أخرى، وجب تأخير البيان وجوازه.
ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {فإذا قرآناه فاتّبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}. و{ثم} توجب المهلة بين الأول والثاني. فدل على جواز تأخير البيان بهذا النص.
وبين أصحاب مالكٍ في جواز تأخير البيان اختلافٌ.
ومن منعه لم يكن له بد أن يجعل آية غافر ناسخة لآية الشورى، فيجيز النسخ في الأخبار. ولا يقدر أن يدعي أن الآيات كلها نزلت في وقتٍ واحد؛ لأن المائدة نزلت بعد البقرة بسنين.
ولم يختلف أحدٌ من العلماء أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه لا يجوز.
إنما وقع الاختلاف في جواز تأخير البيان في الآية التي لم يضطر إلى معرفة بيانها في الوقت الذي نزلت فيه إلى وقت آخر. فاعرفه.
فصل من هذا الباب يزيده بيانًا
قال الله –جل ذكره-: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} -الآية-.
فظاهر هذا اللفظ العموم في كل ما عبد من دون الله، وقد عبدت الملائكة وعبد عيسى، وعبد عزير.
لكن الآية مخصصة ومبينة بقوله تعالى بعد ذلك: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} -الآيات-.
فبيّن ذلك أن الآية الأولى ليست على ظاهر عمومها في كل من عبد من دون الله تعالى. وأن معناها: وما تعبدون من دون الله ممن لم يسبق لهم من الله الحسنى.
وقد ذهب الكلبي إلى أن قوله تعالى: {إن الذين سبقت} -الآيات- نسخت قوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله} -الآية-.
وهذا لا يجوز فيه نسخٌ لأنه خبرٌ. فكلّ آية عامةٍ يجوز فيها التخصيص. وليس كل آية (عامة) يجوز فيها النسخ إذا كانت خبرًا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها}.
فعمّ. "ثم خصّصه" بقوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}.
فعلم أن إيجاب الورود إنما هو لمن لم يسبق له عند الله الحسنى. فهي في الكفار خاصة.
ومن هذا قوله: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} فعمّ. ثم قال: {وأقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون}.
فعلم أنه موطن لا يتساءلون فيه: وموطن آخر يتساءلون فيه، وقد بينت اختلاف الناس في هذه الآيات وما قيل فيها في كتاب "الهداية".
ومن هذا قوله: {لا تدركه الأبصار} فعمّ. ثم قال: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}.
فعلم أن الأولى في منع الإدراك (إنّما هو) في الدنيا خاصة.
ومن هذا قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}.
فعمّ بالإباحة ملك اليمين.
فدخل تحته الجمع بين الأختين من ملك اليمين ومن يحرم بالرضاع من ملك اليمين، وشبه ذلك.
ثم بيّن ذلك وخصصه بعموم قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} وبقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)) –(فالسنة) تخصص القرآن بلا اختلاف، لأن التخصيص بيانٌ، وقد قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} -.
وكذلك بينه وخصصه بعموم قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}.
فحرم ذلك كله تحريمًا عامًا، فدخل تحته ملك اليمين وغيره.
فصار قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} غير عام مخصصًا مبينًا بما ذكرنا؛ لأنها نزلت قبل آيات النساء، إذ هي مكية، والنساء مدنية، والآخر يبين الأول ويخصصه وينسخه.
وقد تأول قومٌ أن آية النساء مخصوصة في الحرائر غير عامة في غيرهن. واحتجوا بقول عثمان –رضي الله عنه- في الجمع بين الأختين من ملك اليمين: أحلتها آية، يعني: آية سورة قد أفلح، لظاهر عمومها، وحرمتها آيةٌ، يعني: آية النساء.
وروى مثله عن علي وابن عباس.
وقد احتج قومٌ في إباحة الجمع بين الأختين من ملك اليمين بقوله في النساء: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم} فعم ملك اليمين بالتحليل.
وهذا عند أهل المعاني والنظر مردودٌ إلى "المحصنات" خاصّة، فهو مخصوص غير عام.
ولو رجع ذلك على كل من تقدم من المحرمات المذكورات قبله لوجب تحليل جميع من ذكر من المحرمات إذا ملك ولم يعتق على مالكه.
ولجواز رجوع {إلا ما ملكت أيمانكم} إلى جميع ما تقدم من المحرمات، ولعموم آية قد أفلح والمعارج؛ أسقط مالك
–رحمه الله- الحد عن من اشترى ذات محرم منه ممن لا يعتق عليه فوطئ بعد علمه أو قبل علمه جاهلاً بالتحريم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)).
ولو كانت ممن يعتق عليه فلا حد عليه إن وطئ قبل العتق والعلم. وإن وطئ قيل بعد العلم حد على قول من قال: بعقد شرائه يجب العتق –وهو قول أكثر أصحاب مالك-.
ومن قال: لا يجب العتق بعقد الشراء حتى يعتق عليه السلطان أو إحداث عتقٍ منه.
فيجب على قياس قوله: أنه إن وطئ قبل عتق السلطان عليه وبعد علمه جاهلاً بالتحريم أن لا يحد، للشبهة التي في جواز عموم الآية في النساء، ولعموم آية قد أفلح والمعارج.
فإن وطئ في كل ما ذكرنا بعد علمه بالتحريم حد إذ لا عذر له.
ومن هذا الباب أيضًا قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}.
فظاهر حكم الآية ولفظها يقتضي أن كل مطلقة تعتد بثلاثة قروء – والأقراء: الأطهار – عند مالكٍ وأصحابه –وأصله: الوقت وهو يصلح للأطهار والحيض، لكن جعلها مالك للأطهار لدلائل كثيرة ليس هذا موضعًا لذكرها-.
فلما وقع لفظ الآية عامًّا بيّن الله –جل وعز- ذلك وخصصه:
فقال في سورة الطلاق: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} تم الكلام على معنى: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر. وحذف الثاني لدلالة الأول عليه.
ثم قال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.
فصارت بذلك آية البقرة غير عامة في جميع المطلقات إذ خرج منها اليائسة والتي لم تحض والحامل.
وبقيت الآية على عمومها في كل مطلقة بعدما خرج منها ما في سورة الطلاق.
فبين الله وخص مما بقي المطلقة غير المدخول بها فبين الله أنها لا عدة عليها، فقال في سورة الأحزاب: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} فخرجت التي لم يدخل بها من عموم آية البقرة.
فحصل في آية سورة البقرة تخصيصات من سورتين.
كذلك أيضًا آية سورة الطلاق عامة في كل من المطلقات اليائسات، والمطلقات اللواتي لم يحضن.
فخصصها وبينها آية الأحزاب، فبينت أن ذلك إنما هو في المدخول بها دون من لم يدخل بها.
فهذا كله تخصيص وبيان لا نسخ.
وقد قيل إن آية الطلاق غير مخصصة ولا مبينة لآية البقرة؛ لأن ذكر الأقراء في سورة البقرة يدل على أنها نزلت في ذوات الأقراء خاصة، فخرج من ذلك بظاهر نص آية البقرة اليائسة من الأقراء، والتي لم تحض، والحامل؛ لأنهن لسن في حالهن من ذوات الأقراء.
ففي آية البقرة إنما أريد بذكر الأقراء بيان ذلك، ولا تحتاج إلى أن تبينها وتخصصها في ذلك غيرها من الآي.
فبين في سورة البقرة حكم ذوات الأقراء في العدة، وبيّن في "الطلاق" حكم غير ذوات الأقراء في العدة فليس واحدة منهما تخصص الأخرى ولا تبيّنها.
فعلى هذا القول يكون في آية البقرة تخصيصٌ واحدٌ بآية الأحزاب، فثبت أن آية البقرة في المدخول بهن من النساء، وآية الأحزاب في غير المدخول بهن.
فهذا ما حفظته في هذه الآية من أقوال العلماء.
والذي عندي أن آية الأحزاب غير مخصصة لآية البقرة؛ لأنه تعالى قد قال: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}.
فدل هذا النص على أنها في ذوات الحيض، وأنها في المدخول بها، وأنها في غير اليائسات من المحيض، فآية البقرة قائمة في حكمها غير محتاجة إلى تخصيصٍ بغيرها.
فعلى هذا قياس التخصيص والنسخ والاستثناء، فاعرفه كله) . [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 88-100]
أقسام ما يخصص القرآن
قَالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ) : (باب أقسام ما يخصص القرآن اعلم أن القرآن إذا أتت اللفظة منه تعم ما تحتها حملت على ذلك من عمومها –عند مالك وأصحابه- حتى يأتي ما يخصصها فتحمل عليه. والذي يخصص العام من لفظ القرآن ينقسم خمسة أقسام:
الأول: هو أن يخصص الآية العامة آية أخرى. فهذا تخصيص القرآن بالقرآن- وقد مضى تمثيله وشرحه في الفصل الذي قبل هذا الباب-.
الثاني والثالث: هما أن يخصص القرآن بالسنة المتواترة، أو بخبر العدل عن العدل، لا اختلاف في ذلك، بخلاف النسخ.
وذلك نحو قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}.
فجاء الأمر بالقطع عامًا لكل من سرق أدنى شيء من أي موضع كان.
ثم خصص ذلك وبيّن بما ثبت من الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أن المراد
من ذلك من سرق ربع دينار عينًا فأكثر أو ما قيمته ربع دينار إذا كان الربع دينار في القيمة قيمة ثلاثة دراهم فأكثر. أو سرق ثلاثة دراهم عينًا فأكثر- وهو قول مالك وجماعة من الفقهاء غيره- وفيه اختلاف.
وخصصت السنة أيضًا أن السرقة من غير حرزٍ لا قطع فيها.
وخصصت السنة أيضًا من هذا العموم أشياءً كثيرة على اختلاف فيها. وهذا كثير في الأحكام. ولا اختلاف في جواز هذا التخصيص. إنما الاختلاف في التحديد. فالنبي - صلى الله عليه وسلم- مبين مفسر لمجمل القرآن.
الرابع: هو أن يخصص القرآن بالإجماع بخلاف النسخ.
وذلك نحو قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}.
فجاء هذا اللفظ عامًا في كل ولدٍ عبدٍ أو حر، على دين أبيه أو على غير دين أبيه هلك عنه أب حرٌّ أو عبدٌ.
ثم أجمع المسلمون أن الولد إذا كان عبدًا لم يرث. وكذلك الأب إذا
كان عبدًا لم يرث من ابنه الحر.
فخصّ هذا الإجماع الآية. وصار معناها: يوصيكم الله في أولادكم الأحرار مثلكم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وخصصت السنة من الآية أن لا يرث الولد إذا كان على غير دين أبيه، وكذلك الأب لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا يتوارث أهل ملتين)).
وخصصت السنة أيضًا من الآية أن لا يرث الولد إذا كان قاتلاً لأبيه عمدًا.
وهذا الباب واسعٌ كبير في كتاب الله. فقس على ما ذكرت لك.
الخامس: هو أن يخصص القرآن بالقياس، بخلاف النسخ.
وذلك نحو قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة}.
فأتى لفظ الآية عامًا في كلّ زانٍ.
ثم خصصها الله بآية الإماء فقال: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}.
فدل ذلك على أن الأمة لم تدخل في عموم الآية بجلد مائة. ولم يجر للعبد ذكرٌ ولا حكم منصوص. فقيس العبد على حكم الأمة.
فصار العبد خارجًا من حكم عموم آية الزاني والزانية بالقياس يجلد إذا زنى خمسين قياسًا على الأمة التي خرج حكمها من عموم الآية بالنص.
فصارت آية الزاني والزانية مخصصة بنصٍ وقياسٍ على النص.
وقد قيل: إن حدّ العبد كان مائة جلدةٍ لعموم الآية، ثم نسخ من حده خمسون بقوله في الإماء: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}.
والقول الأول أولى به من النسخ. وهو أن يكون مخصصًا بالقياس على الأمة التي قد نص على حدها.
فافهم هذه الأصول فإنها تنبهك –إن شاء الله- على تصاريف أحكام كتاب الله –جل ذكره- وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-.
ذكر آيات من كتاب الله جل ذكره من هذه الأبواب تبينها وتشرحها
قال الله –جل ذكره-: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين}.
فظاهر هذا اللفظ أنه أمر عامٌ لجميع الآباء والأقربين، وأمر عامٌ في جواز الوصية بما أراد الإنسان.
فنسخ الله الوصية للوالدين المسلمين الحرّين بآية المواريث.
وبقيت الوصية لهما جائزة إذا كان عبدين أو غير مسلمين. وبقيت الوصية للأقربين إذا كانوا غير وارثين، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا وصية لوارث)).
واختلف في إيجاب ذلك لهم بما سنذكره بعد –إن شاء الله تعالى-.
وبين النبي - صلى الله عليه وسلم- أنّ الوصية لا يجاوز بها الثلث.
فالآية ماضيةٌ على عمومها وظاهر لفظؤها إلا ما نسخ منها، وما بيّنه (وخصصه) النبي - صلى الله عليه وسلم- منها – على ما بينا- وما وقع فيه الاختلاف في إيجاب الوصية لمن بقي حكمه في الآية.
ومثل ذلك قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وما بعده من فرض الأبوين وفرض الزوجين وفرض بني الأم.
كلّه لفظه عامٌّ في جميعهم.
وقد بينت السنة وخصصت جميعهم.
فلا شيء لولدٍ ولا لأبوين، ولا لزوجةٍ، ولا لولد الأمّ إذا كانوا عبيدًا، أو كانوا غير مسلمين، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا يرث المسلم الكافر)).
وأجمعت الأمة على ألاّ يرث العبد الحرّ.
فحكم القرآن جارٍ أبدًا على ظاهره، إلا ما بيّنته السنة وخصصته، أو الإجماع، أو القرآن. فلا يقال في شيء خصصته السنة وبينته إنه منسوخ. إنما يقع النسخ في الحكم الذي زال بكليته.
فقس على هذا، فهو كثير في كتاب الله –جل ذكره- وسترى كل ذلك في مواضعه مشروحًا –إن شاء الله تعالى-). [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 101-106]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12 ربيع الثاني 1435هـ/12-02-2014م, 07:14 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي

الفرق بين المنسوخ والمُنسأ

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (فائدة: قيل في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} الآية [البقرة: 106] ولم يقل من القرآن؛ لأن القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب وليس يأتي بعده ناسخ له وما فيه من ناسخ ومنسوخ فمعلوم وهو قليل بين الله ناسخه عند منسوخه كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول والعدة والفرار في الجهاد ونحوه وأما غير ذلك؛ فمن تحقق علما بالنسخ علم أن غالب ذلك من المنسأ ومنه ما يرجع لبيان الحكم المجمل كالسبيل في حق الآتية بالفاحشة فبينته السنة وكل ما في القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم القرآن وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} الآية [النحل: 44].
وأما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ وإنما هو نسأ وتأخير أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به وأنه الكتاب المهيمن على غيره وهو في نفسه متعاضد وقد تولى الله حفظه فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الآية [الحجر: 9] ). [البرهان في علوم القرآن:43-44/44]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب لذلك وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسء كما قال تعالى: {أَوْ نُنْسِئُهَا} الآية [البقرة: 106] فالمنسأ: هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى.
وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا وإلى هذا أشار الشافعي في الرسالة إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الرأفة ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي.
ومن هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية [المائدة: 105] كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ))، عاد الحكم وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فإذا رأيت هوى متبعا وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك)).
وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه ورحمة إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة فلما أعز الله الإسلام وأظهره ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية إن كانوا أهل كتاب أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب.
ويعود هذان الحكمان أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة بعود سببهما وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة بل كل منهما يجب امتثاله في وقته ). [البرهان في علوم القرآن:4/42]
قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت:911هـ): ( ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال وهذا في الحقيقة ليس نسخا، بل هو من قسم المنسأ كما، قال تعالى: {أو ننسأها} الآية [البقرة: 106]، فالمنسأ: هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ أنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله.
وقال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية، مثل قوله في البقرة: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} الآية [البقرة: 109]، محكم غير منسوخ؛ لأنه مؤجل بأجل والمؤجل بأجل لا نسخ فيه ). [الإتقان في علوم القرآن: 4/1438]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:03 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة