العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة التوبة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 05:54 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي تفسير سورة التوبة [ من الآية (75) إلى الآية (80) ]

تفسير سورة التوبة
[ من الآية (75) إلى الآية (80) ]

بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 05:56 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [الآية (75 - 77) : قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ... } إلى قوله تعالى: {وبما كانوا يكذبون} ].
- حدّثنا سعيدٌ؛ قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: قال عبد اللّه : اعتبروا المنافقين بثلاثٍ: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، فأنزل اللّه عزّ وجلّ تصديق ذلك: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ} إلى آخر الآية). [سنن سعيد بن منصور: 5/262]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين (75) فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}.
يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الّذين وصفت لك يا محمّد صفتهم {من عاهد اللّه} يقوله: أعطى اللّه عهدًا {لئن آتانا من فضله} يقول: لئن أعطانا اللّه من فضله، ورزقنا مالاً، ووسّع علينا من عنده {لنصّدّقنّ} يقول: لنخرجنّ الصّدقة من ذلك المال الّذي رزقنا ربّنا {ولنكوننّ من الصّالحين} يقول: ولنعملنّ فيها بعمل أهل الصّلاح بأموالهم من صلة الرّحم به وإنفاقه في سبيل اللّه. يقول اللّه تبارك وتعالى: فرزقهم اللّه وآتاهم من فضله. {فلمّا آتاهم} اللّه {من فضله بخلوا به} بفضل اللّه الذي آتاهم فلم يصّدّقوا منه ولم يصلوا منه قرابةً ولم ينفقوا منه في حقّ اللّه {وتولّوا} يقول وأدبروا عن عهدهم الّذي عاهدوه اللّه {وهم معرضون} عنه {فأعقبهم} اللّه {نفاقًا في قلوبهم} ببخلهم بحقّ اللّه الّذي فرضه عليهم فيما آتاهم من فضله وإخلافهم الوعد الّذي وعدوا اللّه ونقضهم عهده في قلوبهم {إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه} من الصّدقة والنّفقة في سبيله {وبما كانوا يكذبون} في قيلهم وحرمهم التّوبة منه لأنّه جلّ ثناؤه اشترط في نفاقهم أنّه أعقبهموه {إلى يوم يلقونه} وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدّنيا.
واختلف أهل التّأويل في المعنيّ بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها رجلٌ يقال له ثعلبة بن حاطبٍ من الأنصار.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} الآية، وذلك أنّ رجلاً يقال له ثعلبة بن حاطبٍ من الأنصار، أتى مجلسًا فأشهدهم، فقال: لئن آتاني اللّه من فضله، آتيت منه كلّ ذي حقٍّ حقّه، وتصدّقت منه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه اللّه فآتاه من فضله، فأخلف اللّه ما وعده، وأغضب اللّه بما أخلف ما وعده، فقصّ اللّه شأنه في القرآن: {ومنهم من عاهد اللّه} الآية، إلى قوله: {يكذبون}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا هشام بن عمّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن شعيبٍ، قال: حدّثنا معاذ بن رفاعة السّلميّ، عن أبي عبد الملك عليّ بن يزيد الألهانيّ، أنّه أخبره عن القاسم بن عبد الرّحمن، أنّه أخبره عن أبي أمامة الباهليّ، عن ثعلبة بن حاطبٍ الأنصاريّ، أنّه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ادع اللّه أن يرزقني مالاً، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدّي شكره، خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه قال: ثمّ قال مرّةً أخرى، فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبيّ اللّه؟ فوالّذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضّةً لسارت قال: والّذي بعثك بالحقّ، لئن دعوت اللّه فرزقني مالاً لأعطينّ كلّ ذي حقٍّ حقّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّهمّ ارزق ثعلبة مالاً. قال: فاتّخذ غنمًا، فنمت كما ينمو الدّود، فضاقت عليه المدينة فتنحّى عنها، فنزل واديًا من أوديتها، حتّى جعل يصلّي الظّهر والعصر في جماعةٍ، ويترك ما سواهما.
ثمّ نمت وكثرت، فتنحّى حتّى ترك الصّلوات إلاّ الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدّود، حتّى ترك الجمعة. فطفق يتلقّى الرّكبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول اللّه اتّخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة قال: وأنزل اللّه: {خذ من أموالهم صدقةً} الآية. ونزلت عليه فرائض الصّدقة، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلين على الصّدقة، رجلاً من جهينة، ورجلاً من سليمٍ، وكتب لهما كيف يأخذان الصّدقة من المسلمين، وقال لهما: مرّا بثعلبة، وبفلانٍ رجلٍ من بني سليمٍ فخذا صدقاتهما فخرجا حتّى أتيا ثعلبة، فسألاه الصّدقة، وأقرأاه كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: ما هذه إلاّ جزيةٌ، ما هذه إلاّ أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتّى تفرغا ثمّ عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السّلميّ، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصّدقة ثمّ استقبلهم بها، فلمّا رأوها، قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى فخذوه، فإنّ نفسي بذلك طيّبةٌ، وإنّما هي لي فأخذوها منه. فلمّا فرغا من صدقاتهما رجعا، حتّى مرّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلاّ أخت الجزية، انطلقا حتّى أرى رأيي. فانطلقا حتّى أتيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلّمهما، ودعا للسّلميّ بالبركة، فأخبراه بالّذي صنع ثعلبة، والّذي صنع السّلميّ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيه: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين} إلى قوله: {وبما كانوا يكذبون} وعند رسول اللّه رجلٌ من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتّى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل اللّه فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتّى أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فسأله أن يقبل منه صدقته. فقال: إنّ اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحثي على رأسه التّراب، فقال له رسول لّه صلّى اللّه عليه وسلّم: هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني. فلمّا أبي أن يقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، رجع إلى منزله، وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقبل منه شيئًا. ثمّ أتى أبا بكرٍ حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكرٍ: لم يقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أقبلها؟ فقبض أبو بكرٍ ولم يقبضها. فلمّا ولي عمر أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا أبو بكرٍ، وأنا لا أقبلها منك، فقبض ولم يقبلها. ثمّ ولي عثمان رحمة اللّه عليه، فأتاه فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا أبو بكرٍ ولا عمر رضوان اللّه عليهما وأنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رحمة اللّه عليه.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} الآية: ذكر لنا أنّ رجلاً من الأنصار أتى على مجلسٍ من الأنصار، فقال لئن آتاه اللّه مالاً ليؤدّين إلى كلّ ذي حقٍّ حقّه، فآتاه اللّه مالاً، فصنع فيه ما تسمعون. قال: {فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به} إلى قوله: {وبما كانوا يكذبون} ذكر لنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حدّث أنّ موسى عليه الصّلاة والسّلام لمّا جاء بالتّوراة إلى بني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إنّ التّوراة كثيرةٌ، وإنّا لا نفرغ لها، فسل لنا ربّك جماعًا من الأمر نحافظ عليه ونتفرّغ فيه لمعايشنا، قال: يا قوم مهلاً مهلاً، هذا كتاب اللّه، ونور اللّه، وعصمة اللّه. قال: فأعادوا عليه، فأعاد عليهم، قالها ثلاثًا. قال: فأوحى اللّه إلى موسى: ما يقول عبادي؟ قال: يا ربّ يقولون: كيت وكيت. قال: فإنّي آمرهم بثلاثٍ إن حافظوا عليهنّ دخلوا بهنّ الجنّة: أن ينتهوا إلى قسمة الميراث فلا يظلموا فيها، ولا يدخلوا أبصارهم البيوت حتّى يؤذن لهم، وأن لا يطعموا طعامًا حتّى يتوضّئوا وضوء الصّلاة. قال: فرجع بهنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قومه، ففرحوا ورأوا أنّهم سيقومون بهنّ، قال: فواللّه ما لبث القوم إلاّ قليلاً حتّى جنحوا، وانقطع بهم، فلمّا حدّث نبيّ اللّه بهذا الحديث عن بني إسرائيل، قال: تكفّلوا لي بستٍّ أتكفّل لكم بالجنّة قالوا: ما هنّ يا رسول اللّه؟ قال: إذا حدّثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا اؤتمنتم فلا تخونوا، وكفّوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السّرقة وفروجكم عن الزّنا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: ثلاثٌ من كنّ فيه صار منافقًا وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلمٌ: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف.
وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك: رجلان: أحدهما ثعلبة، والآخر معتّب بن قشيرٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيدٍ، عن الحسن: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} إلى الآخر، وكان الّذي عاهد اللّه منهم ثعلبة بن حاطبٍ، ومعتّب بن قشيرٍ، هما من بني عمرو بن عوفٍ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} قال: رجلان خرجا على ملإٍ قعودٍ، فقالا: واللّه لئن رزقنا اللّه لنصّدّقنّ، فلمّا رزقهم اللّه بخلوا به.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} رجلان خرجا على ملإٍ قعودٍ، فقالا: واللّه لئن رزقنا اللّه لنصّدّقنّ، فلمّا رزقهم بخلوا به، فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم بما أخلفوا اللّه ما وعدوه حين قالوا: لنصّدّقنّ، فلم يفعلوا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} الآية، قال: هؤلاء صنفٌ من المنافقين، فلمّا آتاهم ذلك بخلوا به، فلمّا بخلوا بذلك أعقبهم بذلك نفاقًا إلى يوم يلقونه، ليس لهم منه توبةٌ ولا مغفرةٌ ولا عفوٌ، كما أصاب إبليس حين منعه التّوبة.
وقال أبو جعفرٍ: في هذه الآية الإبانة من اللّه جلّ ثناؤه عن علامة أهل النّفاق، أعني في قوله: {فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}.
وبنحو هذا القول كان يقول جماعةٌ من الصّحابة والتّابعين، ووردت به الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو السّائب، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: قال عبد اللّه: اعتبروا المنافق بثلاثٍ: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر. وأنزل اللّه تصديق ذلك في كتابه: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} إلى قوله: {يكذبون}.
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن السّمّاك، عن صبيح بن عبد اللّه بن عميرة، عن عبد اللّه بن عمرٍو، قال: ثلاثٌ من كنّ فيه كان منافقًا: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان قال: وتلا هذه الآية: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين} إلى آخر الآية.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن سماكٍ، قال: سمعت صبيح بن عبد اللّه القيسيّ يقول: سألت عبد اللّه بن عمرٍو، عن المنافق، فذكر نحوه.
- حدّثني محمّد بن معمرٍ، قال: حدّثنا أبو هشامٍ المخزوميّ، قال: حدّثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: حدّثنا عثمان بن حكيمٍ، قال: سمعت محمّد بن كعبٍ القرظيّ، يقول: كنت أسمع أنّ المنافق يعرف بثلاثٍ: بالكذب، والإخلاف، والخيانة. فالتمستها في كتاب اللّه زمانًا لا أجدها. ثمّ وجدتها في آيتين من كتاب اللّه: قوله: {ومنهم من عاهد اللّه} حتّى بلغ: {وبما كانوا يكذبون} وقوله: {إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض} هذه الآية.
- حدّثني القاسم بن بشر بن معروفٍ، قال: حدّثنا أسامة، قال: حدّثنا محمّدٌ المخرّميّ، قال: سمعت الحسن، يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ثلاثٌ من كنّ فيه فهو منافقٌ وإن صلّى وصام وزعم أنّه مسلمٌ: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان فقلت للحسن: يا أبا سعيدٍ لئن كان لرجلٍ عليّ دينٌ فلقيني، فتقاضاني وليس عندي، وخفت أن يحبسني ويهلكني، فوعدته أن أقضيه رأس الهلال فلم أفعل، أمنافقٌ أنا؟ قال. هكذا جاء الحديث. ثمّ حدّث عن عبد اللّه بن عمرٍو أنّ أباه لما حضره الموت، قال: زوّجوا فلانًا فإنّي وعدته أن أزوّجه، لا ألقى اللّه بثلث النّفاق، قال: قلت: يا أبا سعيدٍ ويكون ثلث الرّجل منافقًا وثلثاه مؤمنٌ؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال: فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباحٍ، فأخبرته الحديث الّذي سمعته من الحسن، وبالّذي قلت له وقال لي فقال: أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف عليه السّلام، ألم يعدوا أباهم فأخلفوه وحدّثوه فكذبوه وأتمنهم فخانوه، أفمنافقين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياء أبوهم نبيٌّ وجدّهم نبيٌّ؟ قال: فقلت لعطاءٍ: يا أبا محمّدٍ حدّثني بأصل النّفاق، وبأصل هذا الحديث، فقال: حدّثني جابر بن عبد اللّه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما قال هذا الحديث في المنافقين خاصّةً الّذين حدّثوا النّبيّ فكذبوه، وأتمنهم على سرّه فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه. قال: وخرج أبو سفيان من مكّة، فأتى جبريل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا قال: فكتب رجلٌ من المنافقين إليه أنّ محمّدًا يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل اللّه: {لا تخونوا اللّه والرّسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}.
وأنزل في المنافقين: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله} إلى {فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} فإذا لقيت الحسن فأقرئه السّلام، وأخبره بأصل هذا الحديث وبما قلت لك، قال: فقدمت على الحسن، فقلت: يا أبا سعيدٍ، إنّ أخاك عطاءً يقرئك السّلام، فأخبرته بالحديث الّذي حدّث وما قال لي. فأخذ الحسن بيدي فأمالها وقال: يا أهل العراق أعجزتم أن تكونوا مثل هذا؟ سمع منّي حديثًا فلم يقبله حتّى استنبط أصله، صدق عطاءٌ، هكذا الحديث، وهذا في المنافقين خاصّةً.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا يعقوب، عن الحسن، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ثلاثٌ من كنّ فيه وإن صلّى وصام وزعم أنّه مسلمٌ فهو منافقٌ فقيل له: ما هي يا رسول اللّه؟ فقال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثنا ميسرة، عن الأوزاعيّ، عن هارون بن رئابٍ، عن عبد اللّه بن عمرو بن وائلٍ أنّه لمّا حضرته الوفاة، قال: إنّ فلانًا خطب إليّ ابنتي، وإنّي كنت قلت له فيها قولاً شبيهًا بالعدّة، واللّه لا ألقى اللّه بثلث النّفاق، وأشهدكم أنّي قد زوّجته.
وقال قومٌ: كان العهد الّذي عاهد اللّه هؤلاء المنافقون شيئًا نووه في أنفسهم ولم يتكلّموا به.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: سمعت معتمر بن سليمان التّيميّ، يقول: ركبت البحر فأصابنا ريحٌ شديدةٌ، فنذر قومٌ منّا نذورًا، ونويت أنا لم أتكلّم به. فلمّا قدمت البصرة، سألت أبي سليمان، فقال لي يا بنيّ، فه به.
- قال معتمرٌ: وحدّثنا كهمسٌ، عن سعيد بن ثابتٍ، قال: قوله: {ومنهم من عاهد اللّه} الآية، قال: إنّما هو شيءٌ نووه في أنفسهم ولم يتكلّموا به، ألم تسمع إلى قوله: {ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علاّم الغيوب}). [جامع البيان: 11/576-587]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين (75)
قوله تعالى: ومنهم من عاهد اللّه.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا محبوب بن محرزٍ القواريريّ عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرّحمن بن يزيد قال: قال عبد اللّه: اعتبروا المنافق بثلاثٍ: إن حدّث كذب، وإن وعد أخلف، وإن عاهد غدر، وذلك بأنّ اللّه يقول: ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ الآية.
قوله تعالى: لئن آتانا من فضله إلى الصّالحين.
- حدّثنا أبي ثنا هشام بن عمّارٍ ثنا محمّد بن شعيب بن شابور ثنا معان بن رفاعة السّلاميّ عن أبي عبد الملك عليّ بن يزيد الهلاليّ، أنّه أخبره عن القاسم أبي عبد الرّحمن وهو مولى عبد الرّحمن بن معاوية، أنّه أخبره عن أبي أمامة الباهليّ عن ثعلبة بن حاطبٍ الأنصاريّ أنّه قال لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- ادع اللّه أن يرزقني مالا فقال: ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه، قال: ثمّ قال مرّةً أخرى، فقال: ما ترضى أن تكون مثل نبيّ اللّه؟ فو الّذي نفسي بيده لو شئت أن تسيل معي الجبال ذهبًا وفضّةً لسالت، قال: والّذي بعثك بالحقّ، لئن دعوت اللّه أن يرزقني مالا لأعطينّ كلّ ذي حقٍّ حقّه، فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- اللّهمّ ارزقه مالا، اللّهمّ ارزق ثعلبة مالا، قال: فاتّخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدّود، فأنزل اللّه فيه ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ رجلان خرجا على ملاءٍ قعودٍ، قالا: واللّه لئن رزقنا اللّه من فضله لنصّدّقنّ، فلمّا رزقهم اللّه بخلوا به). [تفسير القرآن العظيم: 6/1846-1847]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ومنهم من عاهد اللّه} [التوبة: 75].
- عن أبي أمامة «أنّ ثعلبة بن حاطبٍ أتى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يرزقني مالًا. قال: " ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه، أما تريد أن تكون مثل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لو سألت اللّه - عزّ وجلّ - أن تسيل لي الجبال ذهبًا وفضّةً لسالت ". ثمّ رجع إليه فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يرزقني مالًا، واللّه لئن آتاني اللّه مالًا لأوتينّ كلّ ذي حقٍّ حقّه. فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " اللّهمّ ارزق ثعلبة مالًا، اللّهمّ ارزق ثعلبة مالًا، اللّهمّ ارزق ثعلبة مالًا ". قال: فاتّخذ غنمًا، فنمت كما ينمو الدّود حتّى ضاقت عليه أزقّة المدينة، فتنحّى بها، وكان يشهد الصّلاة مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثمّ يخرج إليها، ثمّ نمت حتّى تعذّرت عليه مراعي المدينة، فتنحّى بها، فكان يشهد الجمعة مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثمّ يخرج إليها، ثمّ نمت فتنحّى بها، فترك الجمعة والجماعات، فيتلقّى الرّكبان فيقول: ماذا عندكم من الخبر؟ وما كان من أمر النّاس؟ وأنزل اللّه - تعالى - على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: {خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها} [التوبة: 103]، واستعمل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على الصّدقات رجلين من الأنصار ورجلًا من بني سليمٍ، فكتب لهم سنة الصّدقة وأسنانها وأمرهم أن يصدّقا النّاس، وأن يمرّا بثعلبة فيأخذا منه صدقة ماله، ففعلا حتّى دفعا إلى ثعلبة، فأقرآه كتاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: صدّقا النّاس، فإذا فرغتم فمرّوا بي، ففعلا، فقال: [واللّه] ما هذه إلّا أخيّة الجزية. فانطلقا حتّى لحقا برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فأنزل اللّه على رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم -: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين - فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون} [التوبة: 75 - 76] إلى قوله: " يكذبون " قال: فركب رجلٌ من الأنصار قريبٌ لثعلبة راحلته حتّى أتى ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة، هلكت، قد أنزل اللّه فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة وقد وضع التّراب على رأسه وهو يبكي ويقول: يا رسول اللّه يا رسول اللّه، فلم يقبل منه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -[صدقته حتّى قبض اللّه رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم -] ثمّ أتى أبا بكرٍ بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: يا أبا بكرٍ قد عرفت موضعي من قومي ومكاني من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فاقبل منّي، فأبى أن يقبل منه، ثمّ أتى عمر فلم يقبل منه، ثمّ أتى عثمان فلم يقبل منه، ثمّ مات ثعلبة في خلافة عثمان».
رواه الطّبرانيّ، وفيه عليّ بن يزيد الألهانيّ، وهو متروكٌ). [مجمع الزوائد: 7/31-32]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 75 - 78
أخرج الحسن بن سفيان، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني، وابن منده والباوردي وأبو نعيم في معرفة الصحابة، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال: ويحك يا ثعلبة، أما ترضى أن تكون مثلي فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي لسارت، قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، قال: ويحك يا ثعلبة، قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيق شكره، فقال: يا رسول الله ادع الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزقه مالا، فاتجر واشترى غنما فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها - فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى بها فكان لا يشهد الصلاة بالنهار ولا بالليل إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى به فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فأخبروه أن اشترى غنما وأن المدينة ضاقت به وأخبروه بخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويح ثعلبة بن حاطب، ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات وأنزل الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) (التوبة الآية 103)، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين رجلا من جهينة ورجلا من بني سلمة يأخذان الصدقات فكتب لهما أسنان الإبل والغنم كيف يأخذانها على وجهها وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي، قال: فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا: إنما عليك دون هذا، فقال: ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي فقبلاه فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى قدما المدينة فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن حاطب، ودعا للسليمي بالبركة وأنزل الله
{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الثلاث آيات، قال: فسمع بعض من أقارب ثعلبة فأتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة، أنزل الله فيك كذا وكذا، قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد منعني أن أقبل منك، قال: فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها فلم يقبلها أبو بكر ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي، وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا فأبى أن يقبلها ثم ولي عثمان فهلك في خلافة عثمان وفيه نزلت (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) (التوبة الآية 79) قال: وذلك في الصدقة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} وذلك أن رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فأتاه من فضله، فأخلف ما وعده فأغضب الله بما أخلفه ما وعده نقص الله شأنه في القرآن.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وذلك بأن الله تعالى يقول {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} إلى آخر الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، وتلا هذه الآية: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى آخر الآية.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان.
وأخرج أبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت بالثلاث التي تذكر في المنافق، إذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا حدث كذب فالتمستها في الكتاب زمانا طويلا حتى سقطت عليها بعد حين وجدنا الله تعالى يذكر فيه {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى قوله {وبما كانوا يكذبون} و(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض) (الأحزاب الآية 72) إلى آخر الآية (وإذا جاءك المنافقون) (المنافقون الآية 1) إلى قوله (والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) ). [الدر المنثور: 7/454-458]

تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) )
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون (76)
قوله تعالى: فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون
- حدّثنا أبي ثنا هشام بن عمّارٍ ثنا محمّد بن شعيبٍ ثنا معان بن رفاعة السّلاميّ عن أبي عبد الملك عليّ بن يزيد الهلاليّ، أنّه أخبره عن القاسم أبي عبد الرّحمن: أنّه أخبره عن أبي أمامة الباهليّ عن ثعلبة بن حاطبٍ: أنّه قال لرسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- ادع اللّه أن يرزقني مالا، فقال النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- اللّهمّ ارزقه مالا اللّهمّ ارزق ثعلبة مالا، قال: فاتّخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدّود فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عن المنزل فنزل واديًا من أوديتها حتّى جعل يصلّي الظّهر والعصر في الجماعة ويترك ما سواهما، ثمّ نمت فكثرت حتّى ترك الصّلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدّود حتّى ترك الجمعة، وطفق يتلقّى الرّكبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار، فسأل رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- عنه فقال: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول اللّه، اتّخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة، وأخبروه بأمره فقال: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، قال: وأنزل اللّه- تبارك وتعالى: خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها وأنزل اللّه عليه فرائض الصّدقة، فبعث رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- رجلين على الصّدقة رجلا من جهينة ورجلا من بني سليمٍ، وكتب لهما كيف يأخذان الصّدقة وأسنان الإبل، وأمرهما أن يخرجا فيأخذا الصّدقة، قال لهما مرّا بثعلبة وبفلانٍ رجلٌ من بني سليمٍ، فخذا صدقاتهما، فخرجا حتّى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتبا رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذه؟ انطلقا حتّى تفرغا ثمّ عودًا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السّلميّ، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلهما للصّدقة، ثمّ استقبلهم بها، فلمّا رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ منك هذا، قال: بلى فخذوا، فإنّ نفسي بذلك طيّبةٌ، وإنّما هي لي، فأخذوها منه فلمّا فرغا من صدقاتهما، رجعا حتّى مرّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال:
ما هذا إلا أخت الجزية انطلقا حتّى أرى رأيي فانطلقا حتّى أتيا النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- فلمّا رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلّمهما ودعا للسّلميّ، فأخبراه بالّذي صنع ثعلبة، والّذي صنع السّلميّ فأنزل اللّه فيه: ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون إلى قوله: يكذبون وعند رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- رجلٌ من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فانطلق حتّى أتى ثعلبة فقال: ويح يا ثعلبة قد أنزل اللّه فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتّى أتى النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إنّ اللّه قد منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التّراب، فقال له رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني فلمّا أبى أن يقبض منه شيئًا رجع إلى منزله وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقبل منه شيئًا أتى أبا بكرٍ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله وأقبلها أنا! فقبض أبو بكرٍ ولم يقبلها، فلمّا ولي عمر أتاه فقال: يا أمير المؤمنين إقبل صدقتي فقال: لم يقبلها منك رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- ولا أبو بكرٍ وأنا أقبلها منك! فلم يقبضها فقبض عمر ولم يقبلها ثمّ ولي عثمان فأتاه فسأله أن يقبض صدقته فقال: لم يقبلها منك رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- ولا أبو بكرٍ ولا عمر وأنا أقبلها منك! فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي اللّه عنهم أجمعين). [تفسير القرآن العظيم: 6/1847-1849]

تفسير قوله تعالى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) )
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77)
قوله تعالى: فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان ثنا الحسين بن عليٍّ ثنا عامر بن الفرات عن أسباطٍ عن السّدّيّ فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه. فسمّي منافقًا بغير جحودٍ باللّه ورسوله ولا شك فيهما ولا في شيء ممّا جاء به ولكنّ بخلفه وكذبه.
قوله تعالى: بما أخلفوا اللّه ما وعدوه
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ ثنا أبي ثنا عمّي عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاسٍ قوله: ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين: وذلك أنّ رجلا كان يقال له: ثعلبة بن أبي حاطبٍ من الأنصار أتى مجلسًا فأشهدهم فقال: لئن آتاني اللّه من فضله، آتيت منه كلّ ذي حقٍّ حقّه، وتصدّقت منه ووصلت القرابة فابتلاه الله ونما كانوا يكذبون فآتاه من فضله، فأخلف اللّه ما وعده فأغضب اللّه بما أخلفه ما وعده فقصّ اللّه عزّ وجلّ شأنه في القرآن.
- حدّثنا أبي ثنا أبو حذيفة ثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه حين قالوا: لنصّدّقنّ فلم يفعلوا). [تفسير القرآن العظيم: 6/1849]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلا من الأنصار هو الذي قال هذا فمات ابن عم له فورث منه مالا فبخل به ولم يف الله بما عاهد عليه فأعقبه بذلك نفاقا إلى أن يلقاه قال: ذلك {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي قلابة قال: مثل أصحاب الأهواء مثل المنافقين كلامهم شتى وجماع أمرهم النفاق ثم تلا {ومنهم من عاهد الله} {ومنهم من يلمزك} التوبة الآية 58 {ومنهم الذين يؤذون النبي} التوبة الآية 61.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} قال: اجتنبوا الكذب فإنه باب من النفاق وعليكم بالصدق فإنه باب من الإيمان وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة لبني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة وإنا لا نفرغ لها فسل لنا جماعا من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ لمعايشنا، قال: مهلا مهلا أي قوم هذا كتاب الله وبيان الله ونور الله وعصمة الله، فردوا عليه مثل مقالتهم فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرب تبارك وتعالى: فإني آمرهم إن هم حافظوا عليهن دخلوا الجنة بهن: أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها وأن لا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم وأن لا يطعموا طعاما حتى يتوضأوا كوضوء الصلاة، فرجع موسى عليه السلام إلى قومه بهن ففرحوا ورأوا أن سيقومون بهن فوالله إن لبث القوم إلا قليلا حتى جنحوا فانقطع بهم فلما حدث نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا عن بني إسرائيل قال: تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة، إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم وفروجكم، قال قتادة: شداد والله إلا من عصم الله). [الدر المنثور: 7/458-460]

تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علاّم الغيوب}.
يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الّذين يكفرون باللّه ورسوله سرًّا، ويظهرون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهرًا، أنّ اللّه يعلم سرّهم الّذي يسرّونه في أنفسهم من الكفر به وبرسوله {ونجواهم} يقول: ونجواهم إذا تناجوا بينهم بالطّعن في الإسلام وأهله وذكرهم بغير ما ينبغي أن يذكروا به، فيحذروا من اللّه عقوبته أن يحلّها بهم وسطوته أن يوقعها بهم على كفرهم باللّه وبرسوله وعيبهم للإسلام وأهله، فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه. {وأنّ اللّه علاّم الغيوب} يقول: ألم يعلموا أنّ اللّه علاّم ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسّهم ممّا أكنته نفوسهم، فلم يظهر على جوارحهم الظّاهرة فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنّفاق والكذب، ويزجرهم عن إضمار غير ما يبدونه وإظهار خلاف ما يعتقدونه). [جامع البيان: 11/587]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علّام الغيوب (78)
قوله تعالى: ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم
- حدثنا أبو سعد الأشجّ ثنا هاني بن سعيدٍ عن جويبرٍ عن الضّحّاك يعلم السر قال: يعلم ما هو أخفى من السّرّ مما لم يعمله وهو عامله). [تفسير القرآن العظيم: 6/1849]

تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (سمعت اللّيث يحدّث أن عبد الرحمن بن عوف أتى بصدقةٍ عظيمة وأتى رجلٌ من الأنصار بشيءٍ يسيرٍ من الصدقة، فقال بعض [المنافقون] لعبد الرحمن: هذا منه رياء، وقالوا للآخر: وأي شيء هذا، يسخرون بهما؛ [فأنزل] في عبد الرحمن: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات}، [فأنزل] الله في الآخر: {والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم [سخر الله منهم ولهم] عذابٌ أليمٌ}). [الجامع في علوم القرآن: 2/168-169]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات قال تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله وكان ماله ثمانية آلاف دينار فتصدق بأربعة آلاف فقال ناس من المنافقين إن عبد الرحمن لعظيم الربا فقال الله تعالى الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين بصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم وكان لرجل من الأنصار صاعان من تمر فجاء بأحدهما فقال ناس من المنافقين إن كان الله لغنيا عن صاع هذا وكان المنافقون يطعنون عليهم ويستهزؤن بهم فقال الله جل ثناؤه والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم). [تفسير عبد الرزاق: 1/283-284]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [الآية (79) : قوله تعالى: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن مغيرة، عن عيسى بن مغيرة، عن الشّعبيّ، أنّه كان يقرأ: {والّذين لا يجدون إلّا جهدهم}، قال: الجهد (في القيتة)، والجهد: الجهد). [سنن سعيد بن منصور: 5/263-264]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} [التوبة: 79]
{يلمزون} [التوبة: 79] : «يعيبون» ، و {جهدهم} [التوبة: 79] : " وجهدهم: طاقتهم "
- حدّثني بشر بن خالدٍ أبو محمّدٍ، أخبرنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ، قال: " لمّا أمرنا بالصّدقة كنّا نتحامل، فجاء أبو عقيلٍ بنصف صاعٍ، وجاء إنسانٌ بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ اللّه لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلّا رئاءً، فنزلت: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات، والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} [التوبة: 79] " الآية
- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قلت لأبي أسامة: أحدّثكم زائدة، عن سليمان، عن شقيقٍ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريّ، قال: «كان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يأمر بالصّدقة، فيحتال أحدنا حتّى يجيء بالمدّ، وإنّ لأحدهم اليوم مائة ألفٍ. كأنّه يعرّض بنفسه»). [صحيح البخاري: 6/67]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات)
يلمزون يعيبون سقط هذا لأبي ذرٍّ وقد تقدّم في الزّكاة قوله جهدهم وجهدهم طاقتهم قال أبو عبيدة في قوله والّذين لا يجدون الا جهدهم مضمومٌ ومفتوحٌ سواءٌ ومعناه طاقتهم يقال جهد المقلّ وقال الفرّاء الجهد بالضّمّ لغة أهل الحجاز ولغة غيرهم الفتح وهذا هو المعتمد عند أهل العلم باللّسان قاله الطّبريّ وحكي عن بعضهم أنّ معناهما مختلفٌ قيل بالفتح المشقّة وبالضّمّ الطّاقة وقيل غير ذلك
[4668] قوله عن سليمان هو الأعمش وأبو مسعودٍ هو عقبة بن عمرٍو البدريّ قوله لمّا أمرنا بالصّدقة تقدّم في الزّكاة بلفظ لمّا نزلت آية الصّدقة وقد تقدّم بيانه هناك قوله كنّا نتحامل أي يحمل بعضنا لبعضٍ بالأجرة وقد تقدّم في الزّكاة من وجهٍ آخر عن شعبة بلفظ تحامل أي نؤاجر أنفسنا في الحمل وتقدّم بيان الاختلاف في ضبطه وقال صاحب المحكم تحامل في الأمر أي تكلّفه على مشقّةٍ ومنه تحامل على فلانٍ أي كلّفه ما لا يطيق قوله فجاء أبو عقيلٍ بنصف صاعٍ اسم أبي عقيلٍ هذا وهو بفتح أوّله حبحابٌ بمهملتين بينهما موحّدةٌ ساكنةٌ وآخره مثلها ذكره عبد بن حميد والطبري وبن منده من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال في قوله تعالى الّذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصّدقات قال جاء رجلٌ من الأنصار يقال له الحبحاب أبو عقيلٍ فقال يا نبيّ اللّه بتّ أجرّ الجرير على صاعين من تمرٍ فأمّا صاعٌ فأمسكته لأهلي وأمّا صاعٌ فها هو ذا فقال المنافقون إن كان اللّه ورسوله لغنيّين عن صاع أبي عقيلٍ فنزلت وهذا مرسلٌ ووصله الطّبرانيّ والباروديّ والطّبريّ من طريق موسى بن عبيدة عن خالد بن يسارٍ عن بن أبي عقيلٍ عن أبيه بهذا ولكن لم يسمّوه وذكر السّهيليّ أنّه رآه بخطّ بعض الحفّاظ مضبوطًا بجيمين وروى الطّبرانيّ في الأوسط وبن منده من طريق سعيد بن عثمان البلويّ عن جدّته بنت عديٍّ أنّ أمّها عميرة بنت سهل بن رافعٍ صاحب الصّاع الّذي لمزه المنافقون خرج بزكاته صاع تمرٍ وبابنته عميرة إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فدعا لهما بالبركة وكذا ذكر بن الكلبيّ أنّ سهل بن رافعٍ هو صاحب الصّاع الّذي لمزه المنافقون وروى عبد بن حميدٍ من طريق عكرمة قال في قوله تعالى والّذين لا يجدون إلّا جهدهم هو رفاعة بن سهل ووقع عند بن أبي حاتمٍ رفاعة بن سعدٍ فيحتمل أن يكون تصحيفًا ويحتمل أن يكون اسم أبي عقيل سهل ولقبه حبحابٌ أو هما اثنان وفي الصّحابة أبو عقيل بن عبد اللّه بن ثعلبة البلويّ بدريٌّ لم يسمّه موسى بن عقبة ولا بن إسحاق وسمّاه الواقديّ عبد الرّحمن قال واستشهد باليمامة وكلام الطّبريّ يدلّ على أنّه هو صاحب الصّاع عنده وتبعه بعض المتأخّرين والأوّل أولى وقيل هو عبد الرّحمن بن سمحان وقد ثبت في حديث كعب بن مالكٍ في قصّة توبته قال وجاء رجلٌ يزول به السّراب فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة وهو صاحب الصّاع الّذي لمزه المنافقون واسم أبي خيثمة هذا عبد اللّه بن خيثمة من بني سالمٍ من الأنصار فهذا يدلّ على تعدّد من جاء بالصّاع ويؤيّد ذلك أنّ أكثر الرّوايات فيها أنّه جاء بصاعٍ وكذا وقع في الزّكاة فجاء رجل فتصدّق بصاعٍ وفي حديث الباب فجاء أبو عقيل بنصف صاعٍ وجزم الواقديّ بأنّ الّذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلانيّ والّذي جاء بالصّاع هو عليّة بن زيدٍ المحاربيّ وسمّي من الّذين قالوا إنّ هذا مراءٌ وإنّ اللّه غنيٌّ عن صدقة هذا معتّب بن قشيرٍ وعبد اللّه بن نبتلٍ وأورده الخطيب في المبهمات من طريق الواقديّ وفيه عبد الرّحمن بن نبتلٍ وهو بنونٍ ثمّ موحّدةٍ ثمّ مثنّاةٍ ثمّ لامٍ بوزن جعفرٍ وسيأتي أيضًا ما يدلّ على تعدّد من جاء بأكثر من ذلك قوله وجاء إنسانٌ بأكثر منه تقدّم في الزّكاة بلفظ وجاء رجلٌ بشيءٍ كثيرٍ وروى البزّار من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تصدّقوا فإنّي أريد أن أبعث بعثًا قال فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ فقال يا رسول اللّه عندي أربعة آلافٍ ألفين أقرضهما ربّي وألفين أمسكهما لعيالي فقال بارك اللّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت قال وبات رجلٌ من الأنصار فأصاب صاعين من تمرٍ الحديث قال البزّار لم يسنده إلّا طالوت بن عبّادٍ عن أبي عوانة عن عمر قال وحدّثناه أبو كاملٍ عن أبي عوانة فلم يذكر أبا هريرة فيه وكذلك أخرجه عبد بن حميدٍ عن يونس بن محمّدٍ عن أبي عوانة وأخرجه بن أبي حاتم والطبري وبن مردويه من طرقٍ أخرى عن أبي عوانة مرسلا وذكره بن إسحاق في المغازي بغير إسنادٍ وأخرجه الطّبريّ من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ ومن طريق سعيد عن قتادة وبن أبي حاتمٍ من طريق الحكم بن أبانٍ عن عكرمة والمعنى واحدٌ قال وحثّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الصّدقة يعني في غزوة تبوك فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعة آلافٍ فقال يا رسول اللّه مالي ثمانية آلافٍ جئتك بنصفها وأمسكت نصفها فقال بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت وتصدّق يومئذٍ عاصم بن عديٍّ بمائة وسقٍ من تمرٍ وجاء أبو عقيلٍ بصاعٍ من تمرٍ الحديث وكذا أخرجه الطّبريّ من طريق العوفيّ عن بن عبّاسٍ نحوه ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ قال جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعين أوقيّةً من ذهبٍ بمعناه وعند عبد بن حميد وبن أبي حاتمٍ من طريق الرّبيع بن أنسٍ قال جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعمائة أوقيّةٍ من ذهبٍ فقال إنّ لي ثمانمائة أوقيّةٍ من ذهبٍ الحديث وأخرجه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة فقال ثمانية آلاف دينارٍ ومثله لابن أبي حاتمٍ من طريق مجاهدٍ وحكى عياضٌ في الشّفاء أنّه جاء يومئذٍ بتسعمائة بعيرٍ وهذا اختلافٌ شديدٌ في القدر الّذي أحضره عبد الرّحمن بن عوفٍ وأصحّ الطّرق فيه ثمانية آلاف درهم وكذلك أخرجه بن أبي حاتمٍ من طريق حمّاد بن سلمة عن ثابتٍ عن أنسٍ أو غيره واللّه أعلم ووقع في معاني الفرّاء أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حثّ النّاس على الصّدقة فجاء عمر بصدقةٍ وعثمان بصدقةٍ عظيمةٍ وبعض أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعني عبد الرّحمن بن عوفٍ ثمّ جاء أبو عقيلٍ بصاعٍ من تمرٍ فقال المنافقون ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلّا رياءً وأمّا أبو عقيلٍ فإنّما جاء بصاعه ليذكر بنفسه فنزلت ولابن مردويه من طريق أبي سعيدٍ فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بصدقته وجاء المطّوّعون من المؤمنين الحديث قوله فنزلت الّذين يلمزون المطوّعين قراءة الجمهور بتشديد الطّاء والواو وأصله المتطوّعين فأدغمت التّاء في الطّاء وهم الّذين يغزون بغير استعانةٍ برزقٍ من سلطانٍ أي غيره وقوله والّذين لا يجدون إلّا جهدهم معطوفٌ على المطّوّعين وأخطأ من قال إنّه معطوف على الّذين يلمزون لاستلزامه فساد المعنى وكذا من قال معطوفٌ على المؤمنين لأنّه يفهم منه أنّ الّذين لا يجدون إلّا جهدهم ليسوا بمؤمنين لأنّ الأصل في العطف المغايرة فكأنّه قيل الّذين يلمزون المطّوّعين من هذين الصّنفين المؤمنين والّذين لا يجدون إلّا جهدهم فكأنّ الأوّلين مطّوّعون مؤمنون والثّاني مطّوّعون غير مؤمنين وليس بصحيحٍ فالحقّ أنّه معطوفٌ على المطّوّعين ويكون من عطف الخاصّ على العامّ والنّكتة فيه التّنويه بالخاصّ لأنّ السّخرية من المقلّ أشدّ من المكثر غالبا والله أعلم قوله في الحديث الثّاني فيحتال أحدنا حتّى يجيء بالمدّ يعني فيتصدّق به في رواية الزّكاة فينطلق أحدنا إلىالسوق فيحامل فأفاد بيان المراد بقوله في هذه الرّواية فيحتال قوله وإنّ لأحدهم اليوم مائة ألفٍ في رواية الزّكاة وإنّ لبعضهم اليوم لمائة ألفٍ ومائة بالنّصب على أنّها اسم إنّ والخبر لأحدهم أو لبعضهم واليوم ظرفٌ ولم يذكر مميّز المائة ألفٍ فيحتمل أن يريد الدّراهم أو الدّنانير أو الأمداد قوله كأنّه يعرّض بنفسه هو كلام شقيق الرّاوي عن أبي مسعودٍ بيّنه إسحاق بن راهويه في مسنده وهو الّذي أخرجه البخاريّ عنه وأخرجه بن مردويه من وجهٍ آخر عن إسحاق فقال في آخره وإنّ لأحدهم اليوم لمائة ألفٍ قال شقيقٌ كأنّه يعرّض بنفسه وكذا أخرجه الإسماعيليّ من وجهٍ آخر وزاد في آخر الحديث قال الأعمش وكان أبو مسعودٍ قد كثر ماله قال بن بطّالٍ يريد أنّهم كانوا في زمن الرّسول يتصدّقون بما يجدون وهؤلاء مكثرون ولا يتصدّقون كذا قال وهو بعيدٌ وقال الزّين بن المنير مراده أنّهم كانوا يتصدّقون مع قلّة الشّيء ويتكلّفون ذلك ثمّ وسّع اللّه عليهم فصاروا يتصدّقون من يسرٍ ومع عدم خشية عسرٍ قلت ويحتمل أن يكون مراده أنّ الحرص على الصّدقة الآن لسهولة مأخذها بالتّوسّع الّذي وسّع عليهم أولى من الحرص عليها مع تكلّفهم أو أراد الإشارة إلى ضيق العيش في زمن الرّسول وذلك لقلّة ما وقع من الفتوح والغنائم في زمانه وإلى سعة عيشهم بعده لكثرة الفتوح والغنائم). [فتح الباري: 8/331-333]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {الّذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصّدقات} (التّوبة: 79)
أي: هذا باب في قوله عز وجل قوله: {الّذي يلمزون} الآية. هذه الآية في صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتّى ولا المتصدقون لا يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغنيّ عن صدقة هذا. قوله: (المطوّعين) أصله المتطوعين فأبدلت التّاء طاء وأدغمت الطّاء في الطّاء.
يلمزون يعيبون
أراد أن معنى اللمز العيب، وليس هذا في رواية أبي ذر.
وجهدهم وجهدهم طاقتهم
أشار به إلى قوله تعالى: {والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} وفسّر الجهد بالطاقة، وهو بضم الجيم وبالفتح المشقّة. وعن الشّعبيّ بالعكس. وقيل: هما لغتان.
- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال قلت ل أبي أسامة أحدّثكم زائدة عن سليمان عن شقيقٍ عن أبي مسعود الأنصاريّ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالصّدقة فيحتال أحدنا حتّى يجيء بالمدّ وإنّ لأحدهم اليوم مائة ألفٍ كأنّه يعرّض بنفسه.
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من معناه لأنّه مطابق لمعنى الحديث السّابق، والمطابق للمطابق للشّيء مطابق لذلك الشّيء. وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وأبو إسامة حمّاد بن أسامة، وزائدة من الزّيادة ابن قدامة أبو الصّلت الكوفي وسليمان هو الأعمش، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل والحديث مضى في أوائل الزّكاة.
قوله: (أحدثكم) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار قوله: (فيحتال) أي: يجتهد ويسمى. قوله: (مائة ألف) بالنّصب على أنّها اسم. إن، والخبر قوله لأحدهم: (مقدما) (واليوم) نصب على الظّرف (ومائة ألف) يحتمل الدّراهم ويحتمل الدّنانير ويحتمل الأمداد من القمح أو التّمر أو نحوهما. قوله: (كأنّه يعرض بنفسه) من كلام شقيق الرّاوي، وقد صرح به إسحاق في مسنده، وقال في آخره: قال شقيق كأنّه يعرض بنفسه قلت: كأن أبا مسعود عرض بنفسه لما صار من أصحاب الأموال الكثيرة). [عمدة القاري: 18/270-272]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين} [التوبة: 79] يلمزون: يعيبون وجهدهم وجهدهم: طاقتهم
(باب قوله) عز وجل وسقط لغير أبي ذر ({الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين}) [التوبة: 79]. زاد أبو ذر في الصدقات وهذا من صفات المنافقين والذين في موضع رفع بالابتداء ومن المؤمنين حال من المطوّعين (يلمزون) أي (يعيبون) وسقط هذا لأبي ذر (وجهدهم) بضم الجيم (وجهدهم) بفتحها أي (طاقتهم) مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه.
- حدّثني بشر بن خالدٍ أبو محمّدٍ، أخبرنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ قال: لمّا أمرنا بالصّدقة، كنّا نتحامل فجاء أبو عقيلٍ بنصف صاعٍ وجاء إنسانٌ بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ اللّه لغنيٌّ عن صدقة هذا وما فعل هذا الآخر إلاّ رياءً فنزلت: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم}. الآية.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (بشر بن خالد) بسكون الموحدة وسكون المعجمة العسكري (أبو محمد) الفرائضي نزيل البصرة قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) الملقب بغندر الهذلي مولاهم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن ابن مسعود) عقبة بن عمرو البدري الأنصاري أنه (قال: لما أمرنا) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول ولأبي ذر أمر (بالصدقة) بحذف الضمير المنصوب وفي الزكاة في باب اتقوا النار ولو بشق تمرة لما نزلت آية الصدقة (كنا نتحامل) أي يحمل بعضنا لبعض بالأجرة. وقال البرماوي الكرماني أي نتكلف في الحمل من حطب وغيره زاد البرماوي وصوابه كنا نحامل كما سبق في بقية الروايات انتهى.
ومعناه نؤاجر أنفسنا في الحمل.
(فجاء أبو عقيل) بفتح العين المهملة وكسر القاف حبحاب بحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة أخرى (بنصف صاع) من تمر وفي الزكاة بصاع، فيحتمل أنه غير أبي عقيل أو هو هو ويكون أتى بنصف ثم بنصف (وجاء إنسان) قيل هو عبد الرحمن بن عوف (بأكثر منه) قيل بألفين رواه البزار من حديث أبي هريرة، وعند ابن إسحاق عن قتادة بأربعة آلاف، وعند الطبري عن ابن عباس بأربعمائة أوقية من ذهب وعند عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ثمانية آلاف دينار قال في الفتح: وأصح الطرق ثمانية آلاف درهم (فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا) الأول (وما فعل هذا الآخر) عبد الرحمن بن عوف ما فعله من العطية (إلاّ رياء) وقد كذبوا والله بل كان متطوعًا (فنزلت: {الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلاّ جهدهم} الآية). فيهما أي ما يعيبون المياسير والفقراء.
- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قلت لأبي أسامة أحدّثكم زائدة عن سليمان، عن شقيقٍ عن أبي مسعودٍ الأنصاريّ، قال: كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- يأمر بالصّدقة فيحتال أحدنا حتّى يجيء بالمدّ وإنّ لأحدهم اليوم مائة ألفٍ كأنّه يعرّض بنفسه.
وبه قال: (حدّثني) ولغير أبي ذر: حدّثنا بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال: قلت لأبي أسامة) حماد بن أسامة (أحدثكم) بهمزة الاستفهام (زائدة) بن قدامة أبو الصلت الكوفي (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن شقيق) هو أبو وائل بن سلمة (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري) البدري أنه (قال: كان رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- يأمر بالصدقة فيحتال) يجتهد ويسعى (أحدنا حتى يجيء بالمد) من التمر أو القمح أو نحوهما فيتصدق به (وإن لأحدهم اليوم مائة ألف) من الدراهم أو الدنانير لكثرة الفتوح والأموال، ومراده كما قال الزين بن المنير أنهم كانوا يتصدقون مع قلة الشيء ويتكلفون ذلك ثم وسع الله عليهم فصاروا يتصدقون من يسر مع عدم خشية عسر واليوم نصب على الظرفية. قال شقيق (كأنه) أي أبا مسعود (يعرض بنفسه) لكونه من ذوي الأموال الكثيرة.
وهذا الحديث قد سبق في أوائل الزكاة). [إرشاد الساري: 7/152-153]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين}
- أخبرنا بشر بن خالدٍ، حدّثنا غندرٌ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ، قال: لمّا أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالصّدقة تصدّق أبو عقيلٍ بنصف صاعٍ، وجاء إنسانٌ بشيءٍ أكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلّا رياءً، فنزلت {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} [التوبة: 79]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/117]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ}.
يقول تعالى ذكره: الّذين يلمزون المطّوّعين في الصّدقة على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه اللّه عليهم في أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم: إنّما تصدّقوا به رياءً وسمعةً، ولم يريدوا وجه اللّه، ويلمزون الّذين لا يجدون ما يتصدّقون به إلاّ جهدهم، وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون: لقد كان اللّه عن صدقة هؤلاء غنيًّا، سخريةً منهم بهم. {فيسخرون منهم سخر اللّه منهم}.
وقد بيّنّا صفة سخرية اللّه بمن يسخر به من خلقه في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا.
{ولهم عذابٌ أليمٌ} يقول: ولهم من عند اللّه يوم القيامة عذابٌ موجعٌ مؤلمٌ.
وذكر أنّ المعنيّ بقوله: {المطّوّعين من المؤمنين} عبد الرّحمن بن عوفٍ، وعاصم بن عديٍّ الأنصاريّ. وأنّ المعنيّ بقوله: {والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم} أبو عقيلٍ الأراشيّ أخو بني أنيفٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} قال: جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعين أوقيّةً من ذهبٍ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وجاءه رجلٌ من الأنصار بصاعٍ من طعامٍ، فقال بعض المنافقين: واللّه ما جاء عبد الرّحمن بما جاء به إلاّ رياءً، وقالوا: إن كان اللّه ورسوله لغنيّين عن هذا الصّاع.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم} وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج إلى النّاس يومًا فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع النّاس صدقاتهم. ثمّ جاء رجلٌ من أحوجهم بمنٍّ من تمرٍ، فقال: يا رسول اللّه هذا صاعٌ من تمرٍ، بتّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء حتّى نلت صاعين من تمرٍ، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينثره في الصّدقات. فسخر منه رجالٌ وقالوا: واللّه إنّ اللّه ورسوله لغنيّان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيءٍ، ثمّ إنّ عبد الرّحمن بن عوفٍ رجلٌ من قريشٍ من بني زهرة قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: هل بقي من أحدٍ من أهل هذه الصّدقات؟
فقال: لا فقال عبد الرّحمن بن عوفٍ: إنّ عندي مائة أوقيّةٍ من ذهبٍ في الصّدقات. فقال له عمر بن الخطّاب: أمجنونٌ أنت؟ فقال: ليس بي جنونٌ. فقال: أتعلم ما قلت؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلافٍ: أمّا أربعةٌ فأقرضها ربّي، وأمّا أربعة آلافٍ فلي. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت وكره المنافقون فقالوا: واللّه ما أعطى عبد الرّحمن عطيّته إلاّ رياءً، وهم كاذبون، إنّما كان به متطوّعًا. فأنزل اللّه عذره، وعذر صاحبه المسكين الّذي جاء بالصّاع من التّمر، فقال اللّه في كتابه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} الآية.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن شبلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين} قال: جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بصدقة ماله أربعة آلافٍ، فلمزه المنافقون، وقالوا: راءى {والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم} قال: رجلٌ من الأنصار، آجر نفسه بصاعٍ من تمرٍ لم يكن له غيره، فجاء به فلمزوه، وقالوا: كان اللّه غنيًّا عن صاع هذا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، نحوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، نحوه.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين} الآية، قال: أقبل عبد الرّحمن بن عوفٍ بنصف ماله، فتقرّب به إلى اللّه، فلمزه المنافقون، فقالوا: ما أعطى ذلك إلاّ رياءً وسمعةً، فأقبل رجلٌ من فقراء المسلمين يقال له: حبحابٌ أبو عقيلٍ، فقال: يا نبيّ اللّه، بتّ أجرّ الجرير على صاعين من تمرٍ: أمّا صاعٌ فأمسكته لأهلي، وأمّا صاعٌ فها هو ذا. فقال المنافقون: واللّه إنّ اللّه ورسوله لغنيّان عن هذا، فأنزل اللّه في ذلك القرآن: {الّذين يلمزون} الآية.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} قال: تصدّق عبد الرّحمن بن عوفٍ بشطر ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينارٍ، فتصدّق بأربعة آلاف دينارٍ، فقال ناسٌ من المنافقين: إنّ عبد الرّحمن بن عوفٍ لعظيم الرّياء، فقال اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} وكان لرجلٍ صاعان من تمرٍ، فجاء بأحدهما، فقال ناسٌ من المنافقين: إن كان اللّه عن صاع هذا لغنيًّا، فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم، فقال اللّه: {والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال الأنماطيّ، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: تصدّقوا فإنّي أريد أن أبعث بعثًا، قال: فقال عبد الرّحمن بن عوفٍ: يا رسول اللّه، إنّ عندي أربعة آلافٍ: ألفين أقرضهما اللّه، وألفين لعيالي. قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: بارك اللّه لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت فقال رجلٌ من الأنصار: وإنّ عندي صاعين من تمرٍ، صاعًا لربّي، وصاعًا لعيالي، قال: فلمز المنافقون، وقالوا: ما أعطى ابن عوفٍ هذا إلاّ رياءً، وقالوا: أولم يكن اللّه غنيًّا عن صاع هذا، فأنزل اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين} إلى آخر الآية.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن سعدٍ، قال: أخبرنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، في قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} قال: أصاب النّاس جهدٌ شديدٌ، فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتصدّقوا، فجاء عبد الرّحمن بأربعمائة أوقيّةٍ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّهمّ بارك له فيما أمسك فقال المنافقون: ما فعل عبد الرّحمن هذا إلاّ رياءً وسمعةً، وقال: وجاء رجلٌ بصاعٍ من تمرٍ، فقال: يا رسول اللّه أجّرت نفسي بصاعين، فانطلقت بصاعٍ منهما إلى أهلي وجئت بصاعٍ من تمرٍ. فقال المنافقون: إنّ اللّه غنيّ عن صاع هذا، فأنزل اللّه هذه الآية: {والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} الآية، وكان من المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات: عبد الرّحمن بن عوفٍ، تصدّق بأربعة آلاف دينارٍ وعاصم بن عديٍّ أخو بني عجلان. وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رغّب في الصّدقة وحضّ عليها، فقام عبد الرّحمن بن عوفٍ فتصدّق بأربعة آلاف درهمٍ، وقام عاصم بن عديٍّ فتصدّق بمائة وسقٍ من تمرٍ. فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلاّ رياءٌ، وكان الّذي تصدّق بجهده أبو عقيلٍ، أخو بني أنيفٍ الأراشيّ حليف بني عمرو بن عوفٍ، أتى بصاعٍ من تمرٍ، فأفرغه في الصّدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إنّ اللّه لغنيّ عن صاع أبي عقيلٍ.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا أبو النّعمان الحكم بن عبد اللّه، قال: حدّثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ، قال: لمّا نزلت آية الصّدقة كنّا نحامل قال أبو النّعمان: كنّا نعمل قال: فجاء رجلٌ فتصدّق بشيءٍ كثيرٍ، قال: وجاء رجلٌ فتصدّق بصاع تمرٍ، فقالوا: إنّ اللّه لغنيّ عن صاع هذا، فنزلت: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا زيد بن حبابٍ، عن موسى بن عبيدة، قال: حدّثني خالد بن يسارٍ، عن ابن أبي عقيلٍ، عن أبيه، قال: بتّ أجرّ الجرير على ظهري على صاعين من تمرٍ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلّغون به، وجئت بالآخر أتقرّب به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبرته، فقال: انثره في الصّدقة فسخر المنافقون منه وقالوا: لقد كان اللّه غنيًّا عن صدقة هذا المسكين، فأنزل اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} الآيتين.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا الجريريّ، عن أبي السّليل، قال: وقف على الحيّ رجلٌ فقال: حدّثني أبي أو عمّي، فقال: شهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقول: من يتصدّق اليوم بصدقةٍ أشهد له بها عند اللّه يوم القيامة. قال: وعليّ عمامةٌ لي، قال: فنزعت لوثًا أو لوثين لأتصدّق بهما. قال: ثمّ أدركني ما يدرك ابن آدم، فعصبت بها رأسي. قال: فجاء رجلٌ لا أرى بالبقيع رجلاً أقصر قمّةً ولا أشدّ سوادًا ولا أذمّ لعيني منه، يقود ناقةً لا أرى بالبقيع أحسن منها ولا أجمل منها، قال: أصدقةٌ هي يا رسول اللّه؟ قال: نعم قال: فدونكها، فألقى بخطامها أو بزمامها. قال: فلمزه رجلٌ جالسٌ، فقال: واللّه إنّه ليتصدّق بها ولهي خيرٌ منه، فنظر إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: بل هو خيرٌ منك ومنها. يقول ذلك نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالكٍ، يقول: الّذي تصدّق بصاع التّمر فلمزه المنافقون أبو خيثمة الأنصاريّ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن رجاء أبو سهلٍ العبّادانيّ، قال: حدّثنا عامر بن يسافٍ اليماميّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ اليماميّ، قال: جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعة آلاف درهمٍ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه مالي ثمانية آلافٍ، جئتك بأربعة آلافٍ فاجعلها في سبيل اللّه، وأمسكت أربعة آلافٍ لعيالي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: بارك اللّه فيما أعطيت وفيما أمسكت وجاء رجلٌ آخر فقال: يا رسول اللّه، بتّ اللّيلة أجرّ الماء على صاعين، فأمّا أحدهما فتركت لعيالي، وأمّا الآخر فجئتك به، اجعله في سبيل اللّه، فقال: بارك اللّه فيما أعطيت وفيما أمسكت فقال ناسٌ من المنافقين: واللّه ما أعطى عبد الرّحمن إلاّ رياءً وسمعةً، ولقد كان اللّه ورسوله غنيّين عن صاع فلانٍ، فأنزل اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} يعني عبد الرّحمن بن عوفٍ {والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم} يعني صاحب الصّاع {فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال ابن عبّاسٍ: أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرّحمن بن عوفٍ قد جاء بأربعة آلافٍ، فقال: هذا مالي أقرضه اللّه وقد بقي لي مثله فقال له: بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فقال المنافقون: ما أعطى إلاّ رياءً، وما أعطى صاحب الصّاع إلاّ رياءً، إن كان اللّه ورسوله لغنيّين عن هذا، وما يصنع اللّه بصاعٍ من شيءٍ؟.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} إلى قوله: {ولهم عذابٌ أليمٌ} قال: أمر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام المسلمين أن يتصدّقوا، فقام عمر بن الخطّاب فألقى مالاً وافرًا، فأخذ نصفه قال: فجئت أحمل مالاً كثيرًا، فقال له رجلٌ من المنافقين: ترائي يا عمر؟ فقال عمر: أرائي اللّه ورسوله، وأمّا غيرهما فلا. قال: ورجلٌ من الأنصار لم يكن عنده شيءٌ، فآجر نفسه ليجرّ الجرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعًا لعياله وجاء بصاعٍ يحمله، فقال له بعض المنافقين: إنّ اللّه ورسوله عن صاعك لغنيّان، فذلك قول اللّه تبارك وتعالى: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم} هذا الأنصاريّ {فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ}.
وقد بيّنّا معنى اللّمز في كلام العرب بشواهده وما فيه من اللّغة والقراءة فيما مضى.
وأمّا قوله: {المطّوّعين} فإنّ معناه: المتطوّعين، أدغمت التّاء في الطّاء، فصارت طاءً مشدّدةً، كما قيل: {ومن تطوّع خيرًا} يعني يتطوّع.
وأمّا الجهد فإنّ للعرب فيه لغتين، يقال: أعطاني من جهده بضمّ الجيم، وذلك فيما ذكر لغة أهل الحجاز، ومن جهدٍ بفتح الجيم، وذلك لغة نجدٍ.
وعلى الضّمّ قراءة الأمصار، وذلك هو الاختيار عندنا لإجماع الحجّة من القرّاء عليه.
وأمّا أهل العلم بكلام العرب من رواة الشّعر وأهل العربيّة، فإنّهم يزعمون أنّها مفتوحةٌ ومضمومةٌ بمعنًى واحدٍ. وإنّما اختلاف ذلك لاختلاف اللّغة فيه كما اختلفت لغاتهم في الوجد والوجد بالضّمّ والفتح من وجدت.
وروي عن الشّعبيّ في ذلك ما:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا جابر بن نوحٍ، عن عيسى بن المغيرة، عن الشّعبيّ، قال: الجهد في العمل، والجهد في القوت.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حفصٌ، عن عيسى بن المغيرة، عن الشّعبيّ مثله.
- قال: حدّثنا ابن إدريس، عن عيسى بن المغيرة، عن الشّعبيّ، قال: الجهد في العمل، والجهد في المعيشة). [جامع البيان: 11/588-598]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ (79)
قوله تعالى: الّذين يلمزون المطّوّعين
- حدّثنا عليّ بن الحسن ثنا أبو الجماهر ثنا سعيدٌ عن قتادة قوله: الّذين يلمزون المطّوّعين (من المؤمنين) في الصّدقات أي: يطعنون على المطّوّعين في الصّدقات.
- حدّثنا أبي ثنا عيسى بن يونس الرّمليّ ثنا مؤمّلٌ عن حمّاد بن سلمة عن ثابتٍ عن أنسٍ أو غيره: أنّ النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- دعا النّاس بصدقةٍ فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعة آلافٍ فقال: يا رسول اللّه، هذه صدقةٌ فلمزه بعض القوم فقال: ما جاء بهذه عبد الرّحمن إلا رياءً، وجاء أبو عقيلٍ بصاعٍ من تمرٍ فقال بعض القوم: ما كان اللّه أغنى عن صاع أبي عقيلٍ فنزلت الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات إلى قوله: فلن يغفر اللّه لهم.
قوله تعالى: من المؤمنين في الصّدقات
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ ثنا أبو يزيد الهرويّ ثنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت أبا وائلٍ عن أبي مسعودٍ قال: كنّا نحامل في الجاهليّة فجاء بنصف صاعٍ أو بصاعٍ وجاد رجلٌ بشيءٍ كثيرٍ فقالوا: إنّ اللّه لغنيّ عن هذا وهذا مرائي فنزلت الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ في قوله: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات قال: جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعين أوقيّةً من ذهب إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- وجاء رجلٌ من الأنصار بصاعٍ من طعامٍ فقال بعض المنافقين: واللّه ما جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ ما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان اللّه ورسوله لغنيّين عن هذا الصّاع.
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن عيسى بن الطّبّاع ثنا حجّاج بن محمّدٍ عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ قال: كان لعبد الرّحمن بن عوفٍ ثمانية آلاف دينارٍ فجاء بأربعة آلاف دينارٍ صدقةً، قال: وجاء رجلٌ من الأنصار بصاع تمرٍ نزع عليه ليله كلّه فلمّا أصبح جاء به إلى النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال رجلٌ من المنافقين: إنّ عبد الرّحمن بن عوفٍ لعظيم الرّياء، وقال الآخر: إنّ اللّه لغنيّ عن صاع هذا، فأنزل اللّه تعالى: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات عبد الرّحمن بن عوفٍ والّذين لا يجدون إلا جهدهم صاحب الصّاع فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ.
- حدّثنا أبي ثنا أبو سلمة ومسدّدٌ قالا: ثنا أبو عوانة ثنا عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- تصدّقوا فإنّي أريد أن أبعث بعثًا، فقال عبد الرّحمن بن عوفٍ: يا رسول اللّه، إنّ لي أربعة آلاف ألفين أقرضهما ربّي وألفين لعيالي، فقال له رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- بارك اللّه فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت، وقال رجلٌ من الأنصار: إنّي بتّ أجرّ الحرير فأصبت صاعين من تمرٍ فصاعٌ أقرضه ربّي وصاعٌ لعيالي، فلمزه المنافقون فقالوا: واللّه إن أعطى ابن عوفٍ هذا إلّا رياءً وقالوا: أولم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا؟
فأنزل اللّه تعالى: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ ثنا عبد الرّحمن الدّشتكيّ أنبأ أبو جعفرٍ الرّازيّ عن الرّبيع في قوله: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات أصاب النّاس جاهدٌ شديدٌ، فأمرهم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يتصدّقوا فقال: أيّها النّاس تصدّقوا، فجعل أناسٌ يتصدّقون، فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعمائة أوقيّةٍ من ذهبٍ، قال: يا رسول اللّه، كان لي ثمانمائة أوقيّةٍ من ذهبٍ فجئت بأربعمائة أوقيّةٍ، فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- اللّهمّ بارك له فيما أعطى وبارك له فيما أمسك.
- حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: لمّا كان يوم فطرٍ أخرج عبد الرّحمن بن عوفٍ مالا عظيمًا، وأخرج عاصم بن عديٍّ كذلك، وأخرج رجلٌ صاعين، وآخر صاعًا فقال قائلٌ من النّاس: إنّ عبد الرّحمن إنّما جاء بما جاد به فخرًا ورياءً، وأمّا صاحب الصّاع والصّاعين: فإنّ اللّه ورسوله أغنياءٌ من صاعٍ وصاعٍ، فسخروا بهم، فأنزلت فيهم هذه الآية: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات الآية.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ أنبأ أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم: أمر رسول الله المسلمين أن يتصدّقوا، فقال عمر بن الخطّاب: إنّما ذلك مالٌ وافرٌ فأخذ نصفه قال: وافرٌ. قال: فجئت أحمل مالا كثيرًا فقال له رجلٌ من المنافقين: أترائي يا عمر؟ قال: نعم، أرائي اللّه ورسوله فوجد غيرهما فلا، قال: وجاء رجلٌ من الأنصار لم يكن عنده شيءٌ فوجد نفسه يجرّ الحرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعًا لعياله وجاء بصاعٍ يحمله فقال له بعض المنافقين: إنّ اللّه ورسوله عن صاعك لغنيّ فذلك قوله: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصّدقات
قوله تعالى: والّذين لا يجدون إلا جهدهم
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن العلاء أبو كريبٍ ثنا زيد بن حبابٍ أنبأ موسى بن عبيدة حدّثنا خالد بن يسارٍ عن أبي عقيلٍ عن أبيه، أنّه بات يجرّ الجرير على ظهره على صاعين من تمرٍ فانقلب بأحدهما إلى أهله يتبلّغون به، وجاء بالآخر يتقرّب به إلى اللّه، فأتى به رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- فأخبره- صلّى اللّه عليه وسلّم-: أنثره في الصّدقة، قال: فسخر المنافقون به وقالوا: ما كان أغنى هذا أن يتقرّب إلى اللّه بصاعٍ من تمرٍ! فأنزل اللّه تعالى: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم إلى آخر الآيتين.
- حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ أنا حفص بن عمر أنبأ الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله: والّذين لا يجدون إلا جهدهم قال: هو رفاعة بن سعدٍ.
- حدّثنا أبي ثنا عمرو بن عليٍّ ثنا أبو معاوية الضّرير ثنا عيسى بن المغيرة الحراميّ عن الشّعبيّ قال: من قرأ والّذين لا يجدون إلا جهدهم قال: فالجاهد في القيتة والجاهد هو الجاهد.
- حدّثنا أبي ثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان بن عيينة في قوله: والّذين لا يجدون إلا جهدهم: الجاهد في ذات اليد، والجاهد جاهد الإنسان.
قوله تعالى: فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ
- حدّثنا أبي ثنا أبو سلمة ثنا مباركٌ ثنا الحسن قال: جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بصدقةٍ عظيمةٍ إلى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- فلمزه ناسٌ، وقالوا: ما جاء بهذا إلا رياءً، وجاء آخرون من جاهدهم بالقليل، فسخروا منهم وقالوا: انظروا ما جاء به هؤلاء، واللّه إنّ اللّه لغنيٌّ عن صدقاتهم، فأنزل اللّه تعالى: الّذين يلمزون المطّوّعين إلى قوله: فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ). [تفسير القرآن العظيم: 6/1850-1853]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك في قوله الذين يلمزون المطوعين قال أمر رسول الله بالصدقة فجاء عبد الرحمن ابن عوف بقبضة ذهب وجاء رجل من الأنصار بصاع من تمر فقال المنافقون لعبد الرحمن بن عوف ما جاء بهذا إلا رياء وقالوا للأنصاري إن كان الله لغنيا عن صاع هذا). [تفسير مجاهد: 284]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات يعني عبد الرحمن بن عوف إذ جاء بصدقة ماله والذين لا يجدون إلا جهدهم رجلا من الأنصار آجر نفسه ليلة على صاع من تمر فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال المنافقون لقد كان الله غنيا عن صاع هذا). [تفسير مجاهد: 284-285]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م س) أبو مسعود البدري [عقبة بن عامر]- رضي الله عنه - قال: لما نزلت آية الصّدقة، كنّا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدّق بشيءٍ كثير، فقالوا: مراءٍ، وجاء رجل فتصدق بصاعٍ، فقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صاع هذا، فنزلت {الذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلّا جهدهم... } الآية [التوبة: 79].
وفي رواية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السّوق، فيحامل، فيصيب المدّ، وإنّ لبعضهم اليوم لمائة ألفٍ.
زاد في رواية: كأنّه يعرّض بنفسه.
وفي أخرى: لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة كنّا نتحامل، فجاء أبو عقيلٍ بنصف صاعٍ، وجاء إنسانٌ بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
وزاد النسائي بعد قوله: لمائة ألفٍ: وما كان له [يومئذ] درهمٌ.
[شرح الغريب]
(نحامل) بمعنى الحمل، أي: نتكلف الحمل، وكذلك التحامل: تكلف الشيء على مشقة.
(بصاع) قد تقدم ذكره في هذا الكتاب.
(اللمز) : العيب
(المطوعين) المطّوّع: المتطوع: وهو الذي يفعل الشيء تبرعاً من نفسه، من غير أن يجبر عليه، فأدغمت التاء في الطاء.
(جهدهم) الجهد: بضم الجيم: الطاقة والوسع.
(المد) : قد تقدم ذكره). [جامع الأصول: 2/165-167]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين} [التوبة: 79].
- عن أبي سلمة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: «تصدّقوا فإنّي أريد أن أبعث بعثًا ". قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ فقال: يا رسول اللّه، عندي أربعة آلافٍ، ألفان أقرضتهما ربّي وألفان لعيالي؟ فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " بارك اللّه لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت ". وبات رجلٌ من الأنصار فأصاب صاعين من تمرٍ فقال: يا رسول اللّه، إنّي أصبت صاعين من تمرٍ، صاعٌ لربّي وصاعٌ لعيالي؟ قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى مثل الّذي أعطى ابن عوفٍ إلّا رياءً. أو قالوا: ألم يكن اللّه ورسوله غنيّين عن صاع هذا؟ فأنزل اللّه {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} [التوبة: 79] إلى آخر الآية».
رواه البزّار من طريقين؛ إحداهما متّصلةٌ عن أبي هريرة، والأخرى عن أبي سلمة مرسلةٌ، قال: ولم نسمع أحدًا أسنده من حديث عمر بن أبي سلمة إلّا طالوت بن عبّادٍ، وفيه عمر بن أبي سلمة، وثّقه العجليّ وأبو خيثمة وابن حبّان، وضعّفه شعبة وغيره، وبقيّة رجالهما ثقاتٌ.
- وعن أبي عقيلٍ أنّه «بات يجرّ الحرير على ظهره على صاعين من تمرٍ، فانقلب بأحدهما إلى أهله ينتفعون به، وجاء بالآخر يتقرّب به إلى اللّه - عزّ وجلّ - فأتى به رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فأخبره، فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم -: " انثره في الصّدقة ". فقال فيه المنافقون وسخروا منه: ما كان أغنى هذا أن يتقرّب إلى اللّه بصاعٍ من تمرٍ. فأنزل اللّه - عزّ وجلّ -: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} [التوبة: 79] الآيتين».
رواه الطّبرانيّ، ورجاله ثقاتٌ، إلّا أنّ خالد بن يسارٍ لم أجد من وثّقه ولا جرّحه.
- «وعن عميرة بنت سهلٍ صاحب الصّاعين الّذي لمزه المنافقون، أنّه خرج بركابه بصاعٍ من تمرٍ وبابنته عميرة حتّى أتى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فصبّه، ثمّ قال: يا رسول اللّه، إنّ لي إليك حاجةً، قال: " وما هي؟ ". قال: تدعو اللّه لي ولها بالبركة، وتمسح برأسها، فإنّه ليس لي ولدٌ غيرها. قالت: فوضع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يده عليّ، فأقسم باللّه لكأنّ برد يد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على كبدي».
رواه الطّبرانيّ في الأوسط والكبير، وفيه أنيسة بنت عديٍّ، ولم أعرفها، وبقيّة رجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/32-33]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا عمر بن محمّد بن بجيرٍ الهمدانيّ بالصغد حدثنا محمّد بن بشار حدثنا سعيد بن الرّبيع حدّثنا شعبة عن سليمان قال سمعت أبا وائل عن ابن مسعودٍ قال كنّا نتحامل على ظهورنا فيجيء الرّجل بالشّيء فيتصدّق به فجاء رجلٌ بنصف صاع وجاء آخر بشيءٍ كثيرٍ فقالوا إنّ اللّه غنيٌّ عن صدقة هذا وهذا مراءٍ فنزلت {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} الآية). [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/431]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (حدّثنا طالوت بن عبّادٍ، ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، هكذا قال طالوت (ح) وحدّثناه أبو كاملٍ، ثنا أبو عوانة، عن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «تصدّقوا عليّ أريد أن أبعث بعثًا»، قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ فقال: يا رسول اللّه عندي أربعة آلافٍ، ألفان أقرضهما ربّي، وألفان لعيالي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «بارك اللّه لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت» وثاب رجلٌ من الأنصار فأصاب صاعين من تمرٍ، فقال: يا رسول اللّه إنّي أصبت صاعين من تمرٍ، صاعٌ لي وصاعٌ لعيالي، قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الّذي أعطى ابن عوفٍ إلا رياءً، وقالوا: ألم يكن اللّه ورسوله غنيّين عن صاع هذا، فأنزل اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم} [التوبة: 79] إلى آخر الآية.
قال البزّار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم نسمع أحدًا أسنده من حديث عمر بن أبي سلمة، إلا طالوت). [كشف الأستار عن زوائد البزار: 3/51]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، أخبرني خالد بن يسارٍ، عن ابن أبي عقيلٍ، عن أبيه "أنّه بات يجرّ الجرير على ظهره على صاعين من تمرٍ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي وجئت بالآخر إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتقرّب به إلى ربّي، فأخبرت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالّذي كان. فقال لي: انثره في الصّلاة. فقال المنافقون- وسخروا به-: لقد كان الله، غنيًّا عن صاع هذا المسكين فأنزل اللّه- عزّ وجلّ-: (الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات) إلى قوله: (ولهم عذاب أليم) .
هذا إسنادٌ ضعيفٌ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/216]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة أخبرنا خالد بن (يسارٍ)، عن ابن أبي عقيلٍ، عن أبيه (رضي الله عنه): أنّه بات يجرّ الجرير على ظهره، على صاعين من تمرٍ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي، وجئت بالآخر إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتقرّب به إلى ربّي (عز وجل)، فأخبرته صلّى اللّه عليه وسلّم بما كان، (فقال): انشره في المسجد، فقال المنافقون، وسخروا، به لقد كان اللّه (عز وجل) غنيًّا عن صاع هذا المسكين، فأنزل اللّه (تبارك وتعالى): {الّذين يلمزون المطّوّعين} (الآية) ). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/716]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 79.
أخرج البخاري ومسلم، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} الآية.
وأخرج البزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا فجاء عبد الرحمن فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي، فقال: بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت وجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله إني بت أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر فصاعا أقرضه ربي وصاعا لعيالي فلمزه المنافقون قالوا: والله ما أعطى ابن عوف الذي أعطى إلا رياء، وقالوا: أو لم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين} الآية.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته وجاء المطوعون من المؤمنين وجاء أبو عقيل بصاع فقال: يا رسول الله بت أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر فجئتك بأحدهما وتركت الآخر لأهلي قوتهم فقال المنافقون: ما جاء عبد الرحمن وأولئك إلا رياء وإن الله لغني عن صدقة أبي عقيل فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين} الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أبي عقيل قال بت أجر الحرير على ظهري على صاعين من تمر فانقلبت بإحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرب به إلى ربي فأخبرته بالذي كان فقال: انثره في المسجد، فسخر القوم وقالوا: لقد كان الله غنيا عن صاع هذا المسكين فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين} الآيتين
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {الذين يلمزون المطوعين} الآية، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وقالوا: إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع.
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: الذي تصدق بصاع التمر فلمزه المنافقون: أبو خيثمة الأنصاري.
وأخرج البغوي في معجمه، وابن قانع، وابن مردويه عن سعيد بن عثمان البلوي عن جدته ليلى بن عدي، أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاعين الذي لمزه المنافقون أخبرتها أنه خرج بصاع من تمر وابنته عميرة حتى أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر فصبه.
وأخرج عبد الرزاق، وابن عساكر عن قتادة في قوله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله ثمانية آلاف دينار فقال ناس من المنافقين: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء، فقال الله عز وجل {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} وكان لرجل من الأنصار صاعان من تمر فجاء بأحدهما فقال ناس من المنافقين: إن كان الله عن صاع هذا لغني وكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون منهم فقال الله عز وجل {والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم} الآية.
وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن قتادة قال أقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له الحجاب أبو عقيل قال: يا نبي الله بت أجر الحرير الليلة على صاعين من تمر فأما صاع فأمسكته لأهلي وأما صاع فهو ذا، فقال المنافقون: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع هذا فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعا الناس للصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقال: يا رسول الله هذه صدقة، فلمزه بعض القوم فقال: ما جاء بهذه عبد الرحمن إلا رياء وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال بعض القوم: ما كان الله أغنى عن صاع أبي عقيل فنزلت {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} إلى قوله {فلن يغفر الله لهم}.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم وكان لعبد الرحمن بن عوف ثمانية آلاف دينار فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة فقال: هذا ما أفرضه الله وقد بقي مثله، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت وجاء أبو نهيك رجل من الأنصار بصاع تمر نزع عليه ليله كله لما أصبح جاء به إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال رجل من المنافقين: إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء وقال للآخر: إن الله لغني عن صاع هذا، فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} عبد الرحمن بن عوف {والذين لا يجدون إلا جهدهم} صاحب الصاع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال: أصاب الناس جهد عظيم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدقوا فقال أيها الناس تصدقوا، فجعل أناس يتصدقون فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية من ذهب فقال: يا رسول الله كان لي ثمانمائة أوقية من ذهب فجئت بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك له فيما أعطى وبارك فيما أمسك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما كان يوم فطر.
أخرج عبد الرحمن بن عوف مالا عظيما.
وأخرج عاصم بن عدي كذلك.
وأخرج رجل صاعين وآخر صاعا، فقال قائل من الناس: إن عبد الرحمن إنما جاء بما جاء به فخرا ورياء وأما صاحب الصاع أو الصاعين فإن الله ورسوله غنيان عن صاع وصاع فسخروا بهم فأنزل الله فيهم هذه الآية {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصدقوا فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ذلك مال وافر فأخذ نصفه.
قال: فجئت أحمل مالا كثيرا، فقال له رجل من المنافقين: أترائي يا عمر قال: نعم، أرائي الله ورسوله فأما غيرهما فلا، قال: وجاء رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء فأجر نفسه بجر الحرير على رقبته بصاعين ليلته فترك صاعا لعياله وجاء بصاع يحمله فقال له بعض المنافقين: إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان، فذلك قوله {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات}
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {الذين يلمزون المطوعين} أي يطعنون على المطوعين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {والذين لا يجدون إلا جهدهم} قال: هو رفاعة بن سعد.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي في قوله {والذين لا يجدون إلا جهدهم} قال: الجهد في القوت والجهد في العمل.
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في الآية قال: الجهد جهد الإنسان والجهد في ذات اليد.
وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال: كان الذي تصدق بجهده أبو عقيل واسمه سهل بن رافع أتى بصاع من تمر فأفرغها في الصدقة فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صدقة أبي عقيل.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما للناس فقال يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله راو، وابن عمه طاو ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء ألا رجل منح ناقة من إبله يغدو برفد ويروح برفد يغدو بصبوح أهل بيت ويروح بغبوقهم ألا إن أجرها لعظيم، فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي أربعة ذود، فقام آخر قصير القامة قبيح السنة يقود ناقة له حسناء جميلة فقال رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم سمعها: ناقته خير منه، فسمعها النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت هو خير منك ومنها ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت أربعة منها لعيالي وجئت بأربعة أقدمها لله فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقا جذاذ العام فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف
وجاء هذا بسبعين وسقا للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها، ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحجاب يكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله ما لي من مال غير أني أجرت نفسي من بني فلان أجر الحرير في عنقي على صاعين من تمر فتركت صاعا لعيالي وحئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وقالوا: جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتمرات يحملها فأنزل الله {الذين يلمزون المطوعين} الآية.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي السليل قال: وقف علينا شيخ في مجلسنا فقال: حدثني أبي أو عمي أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع قال من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة، فجاء رجل - لا والله ما البقيع رجل أشد سواد وجه منه ولا أقصر قامة ولا أذم في عين منه - بناقة - لا والله ما بالبقيع شيء أحسن منها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه صدقة قال: نعم يا رسول الله، فلمزه رجل فقال: يتصدق بها والله لهي خير منه، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته فقال: كذبت بل هو خير منك ومنها كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا من قال بيده هكذا وهكذا وقليل ما هم ثم قال: قد أفلح المزهد المجهد قد أفلح المزهد المجهد.
وأخرج أبو داود، وابن خزيمة والحاكم وصححه عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تعول). [الدر المنثور: 7/460-469]

تفسير قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة قال لما نزلت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فقال النبي لأزيدن عن سبعين فقال الله عز و جل سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/284]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} [التوبة: 80]
- حدّثني عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أبيٍّ، جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ليصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللّه تصلّي عليه، وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه؟ فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " إنّما خيّرني اللّه فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرّةً} [التوبة: 80] ، وسأزيده على السّبعين " قال: إنّه منافقٌ، قال: فصلّى عليه رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل اللّه: {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا، ولا تقم على قبره} [التوبة: 84]
- حدّثنا يحيى بن بكيرٍ، حدّثنا اللّيث، عن عقيلٍ، وقال غيره: حدّثني اللّيث، حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ، عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، أنّه قال: لمّا مات عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، دعي له رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ليصلّي عليه، فلمّا قام رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وثبت إليه، فقلت: يا رسول اللّه أتصلّي على ابن أبيٍّ، وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، قال: أعدّد عليه قوله، فتبسّم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وقال: «أخّر عنّي يا عمر» فلمّا أكثرت عليه قال: «إنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين يغفر له لزدت عليها» قال: فصلّى عليه رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ انصرف، فلم يمكث إلّا يسيرًا، حتّى نزلت الآيتان من براءة: {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا} [التوبة: 84] إلى قوله {وهم فاسقون} [التوبة: 84] قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم واللّه ورسوله أعلم). [صحيح البخاري: 6/67-68]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم)
كذا لأبي ذرٍّ ورواية غيره مختصرةٌ
[4670] قوله عن عبيد الله هو بن عمر قوله لمّا توفّي عبد اللّه بن أبيٍّ ذكر الواقديّ ثمّ الحاكم في الإكليل أنّه مات بعد منصرفهم من تبوك وذلك في ذي القعدة سنة تسعٍ وكانت مدّة مرضه عشرين يومًا ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوّالٍ قالوا وكان قد تخلّف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك وفيهم نزلت لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالا وهذا يدفع قول بن التّين أنّ هذه القصّة كانت في أوّل الإسلام قبل تقرير الأحكام قوله جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه وقع في رواية الطّبريّ من طريق الشّعبيّ لمّا احتضر عبد اللّه جاء ابنه عبد اللّه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا نبيّ اللّه إنّ أبي قد احتضر فأحبّ أن تشهده وتصلّي عليه قال ما اسمك قال الحباب يعني بضمّ المهملة وموحّدتين مخفّفًا قال بل أنت عبد اللّه الحباب اسم الشّيطان وكان عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي هذا من فضلاء الصّحابة وشهد بدرًا وما بعدها واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكرٍ الصّدّيق ومن مناقبه أنّه بلغه بعض مقالات أبيه فجاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يستأذنه في قتله قال بل أحسن صحبته أخرجه بن منده من حديث أبي هريرة بإسنادٍ حسنٍ وفي الطّبرانيّ من طريق عروة بن الزّبير عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي أنّه استأذن نحوه وهذا منقطعٌ لأنّ عروة لم يدركه وكأنّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام فلذلك التمس من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحضر عنده ويصلّي عليه ولا سيّما وقد ورد ما يدلّ على أنّه فعل ذلك بعهد من أبيه ويؤيّد ذلك ما أخرجه عبد الرّزّاق عن معمرٍ والطّبريّ من طريق سعيد كلاهما عن قتادة قال أرسل عبد اللّه بن أبيٍّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلمّا دخل عليه قال أهلكك حبّ يهودٍ فقال يا رسول اللّه إنّما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبّخني ثمّ سأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه فأجابه وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله ويعضّده ما أخرجه الطّبرانيّ من طريق الحكم بن أبانٍ عن عكرمة عن بن عبّاسٍ قال لمّا مرض عبد اللّه بن أبيٍّ جاءه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكلّمه فقال قد فهمت ما تقول فامنن عليّ فكفّنّي في قميصك وصلّ عليّ ففعل وكأنّ عبد اللّه بن أبيٍّ أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته فأظهر الرّغبة في صلاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليه ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف اللّه الغطاء عن ذلك كما سيأتي وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلّق بهذه القصّة قوله فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصلّي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حديث بن عبّاسٍ عن عمر ثاني حديث الباب فلمّا قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي حديث التّرمذيّ من هذا الوجه فقام إليه فلمّا وقف عليه يريد الصّلاة عليه وثبت إليه فقلت يا رسول اللّه أتصلّي على بن أبيٍّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدّد عليه قوله يشير بذلك إلى مثل قوله لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتّى ينفضوا وإلى مثل قوله ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ وسيأتي بيانه في تفسير المنافقين قوله فقال يا رسول اللّه أتصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه كذا في هذه الرّواية إطلاق النّهي عن الصّلاة وقد استشكل جدًّا حتّى أقدم بعضهم فقال هذا وهمٌ من بعض رواته وعاكسه غيره فزعم أنّ عمر اطّلع على نهيٍ خاصٍّ في ذلك وقال القرطبيّ لعلّ ذلك وقع في خاطر عمر فيكون من قبيل الإلهام ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله ما كان للنّبيّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين قلت الثّاني يعني ما قاله القرطبيّ أقرب من الأوّل لأنّه لم يتقدّم النّهي عن الصّلاة على المنافقين بدليل أنّه قال في آخر هذا الحديث
قال فأنزل اللّه ولا تصلّ على أحدٍ منهم والّذي يظهر أنّ في رواية الباب تجوّزًا بيّنته الرّواية الّتي في الباب بعده من وجهٍ آخر عن عبد اللّه بن عمر بلفظ فقال تصلّي عليه وقد نهاك اللّه أن تستغفر لهم وروى عبد بن حميدٍ والطّبريّ من طريق الشّعبيّ عن بن عمر عن عمر قال أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلّي على عبد اللّه بن أبيٍّ فأخذت بثوبه فقلت واللّه ما أمرك اللّه بهذا لقد قال إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر الله لهم ووقع عند بن مردويه من طريق سعيد بن جبيرٍ عن بن عبّاسٍ فقال عمر أتصلّي عليه وقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه قال أين قال قال استغفر لهم الآية وهذا مثل رواية الباب فكأنّ عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أنّ أو ليست للتّخيير بل للتّسوية في عدم الوصف المذكور أي أنّ الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواءٌ وهو كقوله تعالى سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لكن الثّانية أصرح ولهذا ورد أنّها نزلت بعد هذه القصّة كما سأذكره وفهم عمر أيضًا من قوله سبعين مرّةً أنّها للمبالغة وأنّ العدد المعيّن لا مفهوم له بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار فيحصل من ذلك النّهي عن الاستغفار فأطلقه وفهم أيضًا أنّ المقصود الأعظم من الصّلاة على الميّت طلب المغفرة للميّت والشّفاعة له فلذلك استلزم عنده النّهي عن الاستغفار ترك الصّلاة فلذلك جاء عنه في هذه الرّواية إطلاق النّهي عن الصّلاة ولهذه الأمور استنكر إرادة الصّلاة على عبد اللّه بن أبيٍّ هذا تقرير ما صدر عن عمر مع ما عرف من شدّة صلابته في الدّين وكثرة بغضه للكفّار والمنافقين وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدرًا وغير ذلك لكونه كاتب قريشًا قبل الفتح دعني يا رسول اللّه أضرب عنقه فقد نافق فلذلك أقدم على كلامه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره لما غلب عليه من الصّلابة المذكورة قال الزّين بن المنير وإنّما قال ذلك عمر حرصًا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومشورةً لا إلزامًا وله عوائدٌ بذلك ولا يبعد أن يكون النّبيّ كان أذن له في مثل ذلك فلا يستلزم ما وقع من عمر أنّه اجتهد مع وجود النّصّ كما تمسّك به قومٌ في جواز ذلك وإنّما أشار بالّذي ظهر له فقط ولهذا احتمل منه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل ذلك المقام حتّى ألتفت إليه متبسّمًا كما في حديث بن عبّاسٍ بذلك في هذا الباب قوله إنّما خيّرني اللّه فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً وسأزيده على السّبعين في حديث بن عبّاسٍ عن عمر من الزّيادة فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال أخّر عنّي يا عمر فلمّا أكثرت عليه قال إنّي خيّرت فاخترت أي خيّرت بين الاستغفار وعدمه وقد بين ذلك حديث بن عمر حيث ذكر الآية المذكورة وقوله

[4671] في حديث بن عبّاسٍ عن عمر لو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين يغفر له لزدت عليها وحديث بن عمر جازمٌ بقصّة الزّيادة وآكد منه ما روى عبد بن حميدٍ من طريق قتادة قال لمّا نزلت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد خيّرني ربّي فواللّه لأزيدنّ على السّبعين وأخرجه الطّبريّ من طريق مجاهدٍ مثله والطّبريّ أيضًا وبن أبي حاتمٍ من طريق هشام بن عروة عن أبيه مثله وهذه طرقٌ وإن كانت مراسيل فإنّ بعضها يعضّد بعضًا وقد خفيت هذه اللّفظة على من خرّج أحاديث المختصر والبيضاويّ واقتصروا على ما وقع في حديثي الباب ودلّ ذلك على أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم أطال في حال الصّلاة عليه من الاستغفار له وقد ورد ما يدلّ على ذلك فذكر الواقديّ أنّ مجمّع بن جارية قال ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أطال على جنازةٍ قطّ ما أطال على جنازة عبد اللّه بن أبيٍّ من الوقوف وروى الطّبريّ من طريق مغيرة عن الشّعبيّ قال قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال اللّه إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر الله لهم فأنا أستغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين وقد تمسّك بهذه القصّة من جعل مفهوم العدد حجّةً وكذا مفهوم الصّفة من باب الأولى ووجه الدّلالة أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهم أنّ ما زاد على السّبعين بخلاف السّبعين فقال سأزيد على السّبعين وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقيّة القصّة وليس ذلك بدافعٍ للحجّة لأنّه لو لم يقم الدّليل على أنّ المقصود بالسّبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا قوله قال إنّه منافقٌ فصلّى عليه أمّا جزم عمر بأنّه منافقٌ فجرى على ما كان يطّلع عليه من أحواله وإنّما لم يأخذ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله وصلّى عليه إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام كما تقدّم تقريره واستصحابًا لظاهر الحكم ولما فيه من إكرام ولده الّذي تحقّقت صلاحيته ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في أوّل الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح ثمّ أمر بقتال المشركين فاستمر صفحه وعفوه عمّن يظهر الإسلام ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التّنفير عنه ولذلك قال لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدًا يقتل أصحابه فلمّا حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام وقلّ أهل الكفر وذلّوا أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم مرّ الحقّ ولا سيّما وقد كان ذلك قبل نزول النّهي الصّريح عن الصّلاة علىالمنافقين وغير ذلك ممّا أمر فيه بمجاهرتهم وبهذا التّقرير يندفع الإشكال عمّا وقع في هذه القصّة بحمد اللّه تعالى قال الخطّابيّ إنّما فعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع عبد اللّه بن أبيٍّ ما فعل لكمال شفقته على من تعلّق بطرفٍ من الدّين ولتطييب قلب ولده عبد اللّه الرّجل الصّالح ولتألّف قومه من الخزرج لرياسته فيهم فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصّلاة عليه قبل ورود النّهي الصّريح لكان سبّةً على ابنه وعارًا على قومه فاستعمل أحسن الأمرين في السّياسة إلى أن نهي فانتهى وتبعه بن بطّالٍ وعبّر بقوله ورجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من الإسلام وتعقبه بن المنير بأنّ الإيمان لا يتبعّض وهو كما قال لكن مراد بن بطّالٍ أنّ إيمانه كان ضعيفًا قلت وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد اللّه بن أبيٍّ لكون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى عليه وذهل عن الوارد من الآيات والأحاديث المصرّحة في حقّه بما ينافي ذلك ولم يقف على جوابٍ شافٍ في ذلك فأقدم على الدّعوى المذكورة وهو محجوجٍ بإجماع من قبله على نقيض ما قال وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصّحابة مع شهرته وذكر من هو دونه في الشّرف والشّهرة بأضعافٍ مضاعفةٍ وقد أخرج الطّبريّ من طريق سعيدٍ عن قتادة في هذه القصّة قال فأنزل اللّه تعالى ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره قال فذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال وما يغني عنه قميصي من اللّه وإنّي لأرجو أن يسلم بذلك ألفٌ من قومه قوله فأنزل اللّه تعالى ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدا ولا تقم على قبره زاد عن مسدّدٍ في حديثه عن يحيى القطّان عن عبيد اللّه بن عمر في آخره فترك الصّلاة عليهم أخرجه بن أبي حاتمٍ عن أبيه عن مسدّدٍ وحمّاد بن زاذان عن يحيى وقد أخرجه البخاريّ في الجنائز عن مسدّدٍ بدون هذه الزّيادة وفي حديث بن عبّاسٍ فصلّى عليه ثمّ انصرف فلم يمكث إلّا يسيرا حتّى نزلت زاد بن إسحاق في المغازي قال حدّثني الزّهريّ بسنده في ثاني حديثي الباب قال فما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على منافقٍ بعده حتّى قبضه اللّه ومن هذا الوجه أخرجه بن أبي حاتمٍ وأخرجه الطّبريّ من وجهٍ آخر عن بن إسحاق فزاد فيه ولا قام على قبره وروى عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة قال لمّا نزلت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأزيدنّ على السّبعين فأنزل اللّه تعالى سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ورجاله ثقاتٌ مع إرساله ويحتمل أن تكون الآيتان معًا نزلتا في ذلك الحديث الثّاني قوله حدّثنا يحيى بن بكيرٍ حدّثنا اللّيث عن عقيلٍ وقال غيره حدّثني اللّيث حدّثني عقيلٌ كذا وقع هنا والغير المذكور هو أبو صالحٍ كاتب اللّيث واسمه عبد اللّه بن صالحٍ أخرجه الطّبريّ عن المثنّى بن معاذٍ عنه عن اللّيث قال حدّثني عقيلٌ قوله لمّا مات عبد اللّه بن أبيٍّ بن سلول بفتح المهملة وضمّ اللّام وسكون الواو بعدها لامٌ هو اسم امرأةٍ وهي والدة عبد اللّه المذكور وهي خزاعيّةٌ وأمّا هو فمن الخزرج أحد قبيلتي الأنصار وبن سلول يقرأ بالرّفع لأنّه صفة عبد اللّه لا صفة أبيه قوله فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال أخّر عنّي أي كلامك واستشكل الدّاوديّ تبسّمه صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الحالة مع ما ثبت أنّ ضحكه صلّى اللّه عليه وسلّم كان تبسّمًا ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك وجوابه أنّه عبّر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيسا لعمر وتطييبا لقلبه كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته قوله إن زدت على السّبعين يغفر له كذا للأكثر يغفر بسكون الرّاء جوابًا للشّرط وفي رواية الكشميهنيّ فغفر له بفاء وبلفظ الفعل الماضي وضمّ أوّله والرّاء مفتوحةٌ والأوّل أوجهٌ قوله فعجبت بعد بضمّ الدّال من جرأتي بضمّ الجيم وسكون الرّاء بعدها همزةٌ أي إقدامي عليه وقد بيّنّا توجيه ذلك قوله واللّه ورسوله أعلم ظاهره أنّه قول عمر ويحتمل أن يكون قول بن عبّاسٍ وقد روى الطّبريّ من طريق الحكم بن أبانٍ عن عكرمة عن بن عبّاس في نحو هذه القصّة قال بن عبّاسٍ فاللّه أعلم أيّ صلاةٍ كانت وما خادع محمّدٌ أحدًا قطّ وقال بعض الشّرّاح يحتمل أن يكون عمر ظنّ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين تقدّم للصّلاة على عبد اللّه بن أبيٍّ كان ناسيًا لما صدر من عبد اللّه بن أبيٍّ وتعقّب بما في السّياق من تكرير المراجعة فهي دافعةٌ لاحتمال النّسيان وقد صرّح في حديث الباب بقوله فلمّا أكثرت عليه قال فدلّ على أنه كان ذاكرًا). [فتح الباري: 8/334-337]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
- ثنا يحيى بن بكير ثنا اللّيث عن عقيل وقال غيره حدثني اللّيث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني عبيدالله بن عبد الله ثنا ابن عبّاس عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال لما مات عبد الله بن أبي سلول دعي له رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ليصلّي عليه الحديث
وقال أبو داود في النّاسخ والمنسوخ ثنا عبد الملك بن شعيب بن اللّيث أخبرني أبي عن جدي حدثني عقيل به
أخبرني بذلك أحمد بن محمّد بن راشد في كتابه إليّ من دمشق عن أبي بكر ابن محمّد بن الرضي في آخرين عن عبد الرّحمن بن مكي أنا أبو طاهر الحافظ أنا أحمد بن علّي الصّوفي من أصل سماعه أنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم أنا أحمد ابن سلمان الفقيه ثنا أبو داود فذكره). [تغليق التعليق: 4/219]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر الله لهم} (التّوبة: 80)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {استغفر لهم} إلى آخر ما ذكره في رواية أبي ذر، وعند غيره مختصرا، خبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء المنافقين اللمازين ليسوا أهلا للاستغفار، وأنه لو استغفرلهم ولو سبعين مرّة فإن الله لا يغفر لهم، وذكر السّبعين بالنّصّ عليه لحسم مادّة الاستغفار لهم لأن العرب في أساليب كلامهم تذكر السّبعين في مبالغة كلامهم ولا يراد بها التّحديد ولا أن كون ما زالد عليها بخلافها.
- حدّثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لما توفّي عبد الله بن رجاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه ثمّ سأله أن يصلّي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّما خيّرني الله) فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم سبعين مرّةً} (التّوبة: 84) وسأزيده على السّبعين قال إنّه منافقٌ قال فصلّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} .
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وعبيد، بضم العين وفتح الباء الموحدة، واسمه في الأصل عبد الله يكنى أبا محمّد الكوفي، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة، وعبيد الله بن عمر العمريّ.
والحديث مضى في كتاب الجنائز في: باب الكفن في القميص أخرجه مسلم في التّوبة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: (لما توفّي عبد الله) يعني: ابن أبي ابن سلول، ووقع في أكثر النّسخ اسم أبيه أبي، وقال الواقديّ: إنّه مات بعد منصرفهم من تبوك وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدّة مرضه عشرين يومًا وابتداؤها من ليال بقيت من شوّال، وكذا ذكره الحاكم في (الإكليل) وقالوا: وكان قد تخلف هو ومن معه عن غزوة تبوك وفيهم نزلت {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاّ خبالاً} (التّوبة: 47) قيل: هذا يدفع قول ابن التّين، إن هذه القصّة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام. قوله: (فأعطاه) . أي: أعطى النّبي صلى الله عليه وسلم، قميصه عبد الله. قال الكرماني: لم أعطي قميصه المنافق؟ ثمّ أجاب بقوله: أعطى لابنه وما أعطى لأجل أبيه عبد الله بن أبي. وقيل: كان ذلك مكافأة له على ما أعطى يوم بدر قميصًا للعبّاس لئلّا يكون للمنافق منّة عليهم. قوله: (ثمّ سأله أن يصلّي عليه) إنّما سأله بناء على أنه حمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام ولدفع العار عنه وعن عشيرته فأظهر الرّغبة في صلاة النّبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. قوله: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّي) عليه قوله: (أتصلّي عليه) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار قوله: (وقد) الواو وفيه للحال. قوله: (نهاك ربك أن تصلي عليه) قال الكرماني: أين نهاه ونزول قوله: {ولا تصل على أحد منهم} (التّوبة: 84) بعد ذلك؟ فأجاب بقوله: لعلّ عمر استفاد النّهي من قوله تعالى: {ما كان للنّبي والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} (التّوبة: 113) أو من قوله: {أن تستغفر لهم} فإنّه إذا لم يكن للاستغفار فائدة المغفرة يكون عبثا فيكون منهيّا عنه وقال القرطبيّ: لعلّ ذلك وقع في خاطر عمر، رضي الله تعالى عنه، فيكون من قبيل الإلهام. قوله: (إنّما خيرني الله) أي: بين الاستغفار وتركه. قوله: (وسأزيد) حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد السّبعين على حقيقته، وحمله عمر، رضي الله تعالى عنه، على المبالغة. وقال الخطابيّ: فيه حجّة لمن أرى الحكم بالمفهوم لأنّه جعل السّبعين بمنزلة الشّرط فإذا جاوز هذا العدد كان الحكم بخلافه، وكان رأي عمر التصلب في الدّين والشدة على المنافقين، وقصد، عليه الصّلاة والسّلام، الشّفقة على من تعلق بطرف من الدّين والتألف لابنه ولقومه، فاستعمل أحسن الأمرين وأفضلهما. قوله: (إنّه منافق) إنّما جزم بذلك جريا على ما كان اطلع عليه من أحواله ولم يأخذ النّبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: وصلى الله عليه وسلم إجراء له على ظاهر حكم الإسلام، وذهب بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي بصلاة النّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بصحيح لمخالفته الأحاديث الصّحيحة المصرحة بما ينافي في ذلك، وقد أخرج الطّبريّ من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصّة قال: فأنزل الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} قال: فذكر لنا النّبي صلى الله عليه وسلم قال: وما يغني عنه قميصي من الله وإنّي لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه، قوله: (فأنزل الله تعالى) إلى آخره: زاد مسدّد في حديثه عن يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر في آخره: فترك الصّلاة عليهم، وفي حديث ابن عبّاس: فصلى عليه ثمّ انصرف فلم يمكث إلاّ يسيرا حتّى نزلت، وزاد ابن إسحاق في (المغازي) في حديث الباب: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتّى قبضه الله تعالى.
- حدّثنا يحيى بن بكيرٍ حدّثنا اللّيث عن عقيلٍ وقال غيره حدّثني اللّيث حدّثني عقيلٌ عن ابن شهابٍ قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاسٍ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال لمّا مات عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّي عليه فلمّا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلّي على ابن أبيٍّ وقد قال يوم كذا كذا قال أعدّد عليه قوله فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أخّر عنّي يا عمر فلمّا أكثرت عليه قال إنّي خيّرت فاخترت لو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين يغفر له لزدت عليها قال فصلّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ انصرف فلم يمكث إلاّ يسيرا حتّى نزلت الآيتان من براءة {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدا} إلى قوله: {وهم فاسقون} قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم.
أخرج الحديث المذكور من وجه آخر عن ابن عبّاس عن عمر، رضي الله تعالى عنه، ومضى الحديث في الجنائز. وأخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ في التّفسير أيضا وأخرجه النّسائيّ أيضا في الجنائز.
قوله: (وقال غيره) ، الغير هو عبد الله بن صالح كاتب اللّيث. قوله: (سلول) ، بفتح السّين المهملة وضم اللّام وسكون الواو بعدها الأم اسم أم عبد الله، وهي خزاعية، وعبد الله من الخزرج أحد قبيلة الأنصار. قوله: (ابن سلول) ، بالرّفع لأنّه صفة عبد الله لا صفة أبي. قوله: (فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم) كان ذلك تعجبا من صلابة عمر، رضي الله تعالى عنه، وبغضه للمنافقين قيل: لم يكن صلى الله عليه وسلم، يتبسم عند شهود الجنائز وأجيب بأنّه كان على وجه الغلبة. قوله: (يغفر له) بجزم الرّاء لأنّه جواب الشّرط وفي رواية الكشميهني: فغفر له، بالفاء على صيغة الماضي. قوله: (بعد) بضم الدّال لأنّه قطع عن الإضافة فبنى على الضّم. قوله: (من جرأتي) بضم الجيم أي: من إقدامي عليه. (والله ورسوله أعلم) قيل: الظّاهر أنه من عمر، رضي الله تعالى عنه، ويحتمل أن يكون من قول ابن عبّاس). [عمدة القاري: 18/272-274]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر الله لهم} [التوية: 80]
(باب قوله) عز وجل، وسقط لغير أبي ذر ({استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}) اللفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر أي: إن شئت استغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه الله تعالى أنه لا يغفر لهم وإن استغفر لهم سبعين مرة فقال: ({إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}) [التوبة: 80] والسبعون للتكثير وسقط {فلن يغفر الله لهم} لغير أبي ذر.
- حدّثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد اللّه، عن نافعٍ عن ابن عمر
-رضي الله عنهما- قال: لمّا توفّي عبد اللّه جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه إلى رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه ثمّ سأله أن يصلّي عليه فقام رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ليصلّي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: يا رسول اللّه تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلّي عليه فقال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «إنّما خيّرني اللّه فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً} وسأزيده على السّبعين» قال: إنّه منافقٌ. قال: فصلّى عليه رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فأنزل اللّه تعالى: {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) بضم العين من غير إضافة واسمه عبد الله أبو محمد القرشي الهباري من ولد هبار بن الأسود (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية ابن سلول المنافق في ذي القعدة سنة تسع بعد منصرفهم من تبوك وكان قد تخلّف عنها كذا نقله في الفتح عن الواقدي وإكليل الحاكم وسقط لغير أبي ذر ابن أبيّ (جاء ابنه عبد الله بن عبد الله) وكان من المخلصين وفضلاء الصحابة (إلى رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه) قميصه ليكفن فيه أباه فالإعطاء إنما وقع لابنه العبد الصالح، وقيل إن عبد الله المنافق كان أعطى العباس يوم بدر قميصًا لما أسر العباس فكافأه النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- على ذلك لئلا يكون لمنافق منّة عليهم (ثم سأله أن يصلّي عليه فقام رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- ليصل) زاد أبوا الوقت وذر وابن عساكر والأصيلي عليه (فقام عمر) بن الخطاب -رضي الله عنه- (فأخد بثوب رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال: يا رسول الله تصلي عليه) وفي نسخة: أتصلي عليه بإثبات همزة الاستفهام الإنكاري (و) الحال أن (قد نهاك ربك أن تصلّي عليه) قيل لعله قال ذلك بطريق الإلهام وإلاّ فلم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين كما يرشد إليه قوله في آخر هذا الحديث فأنزل الله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا} [التوبة: 84].
وزعم بعضهم أن عمر اطّلع على نهي خاص في ذلك وأحسن ما قيل إنه فهم النهي من قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} من حيث إنه سوّى بين الاستغفار وعدمه في عدم النفع وعلل ذلك بكفرهم، وقد ثبت في الشرع امتناع المغفرة لمن مات كافرًا والدعاء بوقوع ما علم انتفاء وقوعه شرعًا أو عقلاً ممتنع ولا ريب أن الصلاة على الميت المشرك استغفار له ودعاء وقد نهي عنه فتكون الصلاة عليه منهيًا عنها هذا مع ما عرف من صلابة عمر -رضي الله عنه- في الدين وكثرة بغضه للمنافقين. وقال الزين بن المنير فيما حكاه عنه في الفتح: وإنما قال عمر ذلك عرضًا على النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ومشورة لا إلزامًا وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أذن له في مثل ذلك فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص كما تمسك به قوم في جواز ذلك وإنما أشار بالذي ظهر فقط، ولهذا احتمل منه –صلّى اللّه عليه وسلّم- أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل ذلك المقام حتى التفت إليه متبسمًا كما في حديث ابن عباس في هذا الباب (فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-): (إنما خيّرني الله) بين الاستغفار وعدمه (فقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة} وسأزيده على السبعين) وعند عبد بن حميد من طريق قتادة فوالله لأزيدن على السبعين، وسأل الزمخشري فقال فإن قلت: كيف خفي على رسول الله يعني أن السبعين مثل في التكثير وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته. والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار كيف وقد تلاه بقوله: {ذلك بأنهم كفروا} الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى قال: خيرني وسأزيد على السبعين. وأجاب: بأنه لم يخف عليه ذلك ولكنه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كقول إبراهيم: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] وفي إظهار النبي الرحمة والرأفة لطف لأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض اهـ.
قال في فتوح الغيب: قوله خيل أي صوّر في خياله أو في خيال السامع ظاهر اللفظ وهو العدد المخصوص دون المعنى الخفي المراد وهو التكثير كما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عدّ عصيانه في قوله: {ومن عصاني} عصيان الله المراد منه عبادة الأصنام قال: وهو من أسلوب التورية وهو أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد فيراد البعيد منهما اهـ.
وتعقب بعضهم ذلك بأنه يجب عليه الصلاة والسلام إظهار ما علم من الله في أمر الكفر وما يترتب عليه من العقاب للزجر وبأنه يستلزم جواز الاستغفار للكفار مع العلم بأنه لا يجوز، ولذلك قيل ما كان يعرف كفره وعند عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبيّ إلى النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود، فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبخني ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأجابه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل مع ثقة رجاله ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أنس جاءه النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فامتن عليّ فكفّني في قميصك وصلّ عليّ ففعل قال: وكان عبد الله بن أبيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته فأظهر الرغبة في صلاة النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- عليه ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر من حاله فالنهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام.
(قال) أي عمر جريًا على ما يعلمه من أحواله (إنه منافق قال: فصلى عليه رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- إجراء له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافًا لقومه لا سيما ولم يقع نهي صريح عن الصلاة على المنافقين فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة حتى كشف الله تعالى عنه الغطاء ونهي فانتهى (فأنزل الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره}) زاد مسدد من حديث ابن عمر فترك الصلاة عليهم وابن أبي حاتم ولا قام على قبره وعند الطبري من حديث قتادة أنه -صلّى اللّه عليه وسلّم-
قال: وما يغني عنه قميصي من الله وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه، وقد روي أن ألفًا من الخزرج أسلموا لما رأوه يستشفي بثوبه ويتوقع اندفاع العذاب عنه به.
- حدّثنا يحيى بن بكيرٍ، حدّثنا اللّيث، عن عقيلٍ وقال غيره: حدّثني اللّيث حدّثني عقيلٌ عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عبّاسٍ عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- أنّه قال: لمّا مات عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول دعي له رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ليصلّي عليه فلمّا قام رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وثبت إليه فقلت: يا رسول اللّه أتصلّى على ابن أبيٍّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ قال: «أعدّد عليه قوله» فتبسّم رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وقال: «أخّر عنّي يا عمر» فلمّا أكثرت عليه قال: «إنّي خيّرت فاخترت لو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين يغفر له لزدت عليها» قال: فصلّى عليه رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ثمّ انصرف فلم يمكث إلاّ يسيرًا، حتّى نزلت الآيتان من براءة {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا} إلى قوله: {وهم فاسقون} [التوبة: 84] قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- واللّه ورسوله أعلم.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (وقال غيره): هو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول ابن عمر بن الخطاب (عن ابن عباس) -رضي الله عنهما- (عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: لما مات عبد الله بن أبيّ ابن سلول) بفتح السين المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام اسم أم عبد الله المذكور وابن بالرفع صفة عبد الله لا صفة أبيه (دعي له رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) بضم الدال مبنيًّا للمفعول (ليصلّي عليه فلما قام رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) للصلاة عليه (وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ؟) بهمزة الاستفهام (وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ قال: أعدد عليه قوله) بفتح العين وكسر الدال الأولى، ولأبي ذر: أعدّ بضم العين والدال وإسقاط الثانية يشير بذلك إلى مثل قوله: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقوله: ليخرجن الأعز منها الأذل. (فتبسم رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) تعجبًا من صلابة عمر وبغضه للمنافقين وتأنيسًا له وتطييبًا لقلبه كالمعتذر له عن ترك قبول كلامه (وقال):
(أخّر) أي تأخر (عني يا عمر) وقيل معناه أخّر عني رأيك فاختصر إيجازًا وبلاغة (فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت) بين الاستغفار وعدمه (فاخترت) الاستغفار، وقد أشكل فهم التخيير من الآية على كثير، وقد سبق جواب الزمخشري عن ذلك. وقال صاحب الانتصاف: مفهوم الآية قد زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر الباقلاني صحة الحديث وقال: لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول قاله وقال إمام الحرمين في مختصره هذا الحديث غير مخرّج في الصحيح، وقال في البرهان: لا يصححه أهل الحديث، وقال الغزالي في المستصفى: الأظهر أن هذا الخير غير صحيح، وقال الداودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ وهذا عجيب من هؤلاء الأئمة كيف باحوا بذلك وطعنوا فيه مع كثرة طرقه واتفاق الصحيحين على تصحيحه بل وسائر الدين خرجوا في الصحيح وأخرجه النسائي وابن ماجه.
(لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له) بجزم يغفر جوابًا للشرط ولأبي ذر عن الكشميهني فغفر له بفاء وضم العين وفتح الراء بلفظ الماضي قال في الفتح: والأول أوجه (لزدت عليها) تردّد هنا وفي الرواية السابقة قال: سأزيده ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله: لأزيدن بصيغة المبالغة في التأكيد وروى الطبري من طريق مغيرة عن الشعبي قال: قال النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال الله: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين.
وأجيب: باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتاً قبل نزول الآية فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز. قال الحافظ أبو الفضل: وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع المبالغة لا يتنافيان فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين لا أنه جازم بذلك ولا يخفى ما فيه أو يكون طلب المغفر لتعظيم المدعو، فإذا تعذرت المغفرة عوّض الداعي عنها ما يليق به من الثواب أو دفع السوء كما ثبت في الخبر وقد يحصل بذلك تخفيف عن المدعو له كما في قصة أبي طالب قاله ابن المنير وفيه نظر لاستلزامه مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا.
(قال: فصلّى عليه رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم-) وذكر الواقدي أن مجمع بن حارثة قال: ما رأيت رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- أطال على جنازة قط ما أطال على جنازة عبد الله بن أبيّ من الوقوف (ثم انصرف) من صلاته (فلم يمكث إلاّ يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا} إلى قوله: {وهم فاسقون} قال) عمر رضي الله تعالى عنه (فعجبت بعد) بالبناء على الضم لقطعه عن الإضافة (من جرأتي) بضم الجيم وسكون الراء ثم همزة أي من إقدامي (على رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- والله ورسوله أعلم) ). [إرشاد الساري: 7/153-155]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرةً}
قوله: (تصلي عليه، وقد نهاك ربك) بتقدير الاستفهام، أي: أتصلي عليه فيه أنه كيف لعمر أن يقول: ذلك، أو يعتقد، وفيه اتهام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بارتكاب المنهي عنه. قلت: لعله جوّز النسيان، والسهو، فأراد أن يذكره ذلك ويمكن تنزيل الاستفهام على الجملة الحالية، كما قالوا: أن القيد الأخير في الجملة هو مناط الإثبات والنفي، فصار المطلوب هل نهاك الله أم لا ؟، ولم يقل ذلك للتردد منه بين النهي وعدمه، بل ليتوسل به إلى فهم ما ظنه نهياً، ويؤيده.
رواية الترمذي: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين، أي: بين لي أن الذي أظنه نهياً أهو نهي أم لا ؟، والله تعالى أعلم اهـ سندي). [حاشية السندي على البخاري: 3/53]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا عبيد الله، قال: أخبرنا نافعٌ، عن ابن عمر، قال: جاء عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين مات أبوه فقال: أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصلّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه وقال: إذا فرغتم فآذنوني، فلمّا أراد أن يصلّي جذبه عمر وقال: أليس قد نهى اللّه أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} فصلّى عليه، فأنزل اللّه: {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره} فترك الصّلاة عليهم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/131]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}
- أخبرنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا يحيى، حدّثنا عبيد الله، حدّثني نافعٌ، عن عبد الله بن عمر، قال: لمّا مات عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: أعطني قميصك حتّى أكفّنه، وصلّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه ثمّ قال: «إذا فرغتم فآذنوني أصلّي عليه» فجذبه عمر وقال: قد نهاك الله أن تصلّي على المنافقين؟ قال: " أنا بين خيرتين، قال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80] فصلّى عليه، فأنزل الله عزّ وجلّ {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] فترك الصّلاة عليهم). [السنن الكبرى للنسائي: 10/117]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: ادع اللّه لهؤلاء المنافقين الّذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها.
وهذا كلامٌ خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمّد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر اللّه لهم.
وقوله: {إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} يقول: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها وترك فضيحتهم بها، فلن يستر اللّه عليهم، ولن يعفو لهم عنها، ولكنّه يفضحهم بها على رءوس الأشهاد يوم القيامة. {ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله} يقول جلّ ثناؤه. هذا الفعل من اللّه بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم، من أجل أنّهم جحدوا توحيد اللّه ورسالة رسوله. {واللّه لا يهدي القوم الفاسقين} يقول: واللّه لا يوفّق للإيمان به وبرسوله من آثر الكفر به والخروج عن طاعته على الإيمان به وبرسوله.
ويروى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه حين نزلت هذه الآية، قال: لأزيدنّ في الاستغفار لهم على سبعين مرّةً رجاءً منه أن يغفر اللّه لهم، فنزلت {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنّ عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، قال لأصحابه: لولا أنّكم تنفقون على محمّدٍ وأصحابه لانفضّوا من حوله. وهو القائل: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ} [المنافقون] فأنزل اللّه: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لأزيدنّ على السّبعين فأنزل اللّه: {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} فأبى اللّه تبارك وتعالى أن يغفر لهم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن شباكٍ، عن الشّعبيّ، قال: دعا عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جنازة أبيه، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: من أنت؟ قال: حباب بن عبد اللّه بن أبيٍّ. فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: بل أنت عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، إنّ الحباب هو الشّيطان ثمّ قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: إنّه قد قيل لي {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} فأنا أستغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين وألبسه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قميصه وهو عرقٌ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إن تستغفر لهم سبعين مرّةً} فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: سأزيد على سبعين استغفارةً فأنزل اللّه في السّورة الّتي يذكر فيها المنافقون: {لن يغفر اللّه لهم} عزمًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، نحوه.
- قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشّعبيّ، قال: لمّا ثقل عبد اللّه بن أبيٍّ، انطلق ابنه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له: إنّ أبي قد احتضر، فأحبّ أن تشهده وتصلّي عليه، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما اسمك؟ قال: الحباب بن عبد اللّه، قال: بل أنت عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيٍّ، إنّ الحباب اسم شيطانٍ. قال: فانطلق معه حتّى شهده وألبسه قميصه وهو عرقٌ، وصلّى عليه، فقيل له: أتصلّي عليه وهو منافقٌ؟ فقال: إنّ اللّه قال {إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} ولأستغفرنّ له سبعين وسبعين. قال هشيمٌ: وأشكّ في الثّالثة.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} إلى قوله: {القوم الفاسقين} فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا نزلت هذه الآية: أسمع ربّي قد رخّص لي فيهم، فواللّه لأستغفرنّ أكثر من سبعين مرّةً، فلعلّ اللّه أن يغفر لهم فقال اللّه من شدّة غضبه عليهم: {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم إنّ اللّه لا يهدي القوم الفاسقين}.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} فقال نبيّ اللّه: قد خيّرني ربّي فلأزيدنّهم على سبعين فأنزل اللّه {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم} الآية.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: لمّا نزلت: {إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم} فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لأزيدنّ على سبعين فقال اللّه: {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم}). [جامع البيان: 11/598-601]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين (80)
قوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم
- حدّثنا يزيد بن سنانٍ ثنا عبد الملك بن هشامٍ ثنا زيادٌ بن عبد اللّه عن محمّد بن إسحاق ثنا الزّهريّ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عبّاسٍ قال: سمعت عمر يقول: لمّا توفّي عبد اللّه بن أبيٍّ دعى رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- للصّلاة عليه فقام إليه، فلمّا وقف على عدوّ اللّه عبد اللّه بن أبيٍّ قلت: القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ أعدّد أيّامه ورسوله اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- يبتسم، حتّى إذا أكثرت قال يا عمر، أخّر عنّي، إنّي قد خيّرت قد قيل: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين غفر له لزدت.
- حدّثنا أبي ثنا أبو سلمة ثنا حمّادٌ عن عطاء بن السّائب عن الشّعبيّ أنّ عمر بن الخطّاب قال: لقد أصبت في الإسلام هفوةٌ ما أصبت مثلها قطّ، أراد رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يصلّي على عبد اللّه بن أبيٍّ، فأخذت بثوبه فقلت: واللّه ما أمرك اللّه بهذا، لقد قال اللّه: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- قد خيّرني ربّي فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فقدم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- على شفير القبر فجعل النّاس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- الحباب اسم شيطان، أنت عبد اللّه.
- قرئ على يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهبٍ قال: سمعت عبد الرّحمن في قول اللّه استغفر لهم أو لا تستغفر لهم قال: أقلّ أو أكثر.
قوله تعالى: إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم
- حدّثنا هارون بن إسحاق ثنا عبدة يعني: ابن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أنزل اللّه استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم فقال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: لأزيدنّ على السّبعين فأنزل اللّه تعالى سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم فأبى اللّه أن يغفر لهم.
قوله تعالى: ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين الآية.
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 6/1853-1854]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم ثنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال لما نزلت إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال رسول الله سأزيد على سبعين مرة فأنزل الله عز وجل في سورة المنافقين لن يغفر الله لهم عزما). [تفسير مجاهد: 285]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م س) عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -: قال: لمّا توفّي عبد الله يعني: ابن أبيّ بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه؟ فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه؟ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلّي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تصلّي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيّرني الله عز وجل، فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً} [التوبة: 80] وسأزيد على السبعين، قال: إنه منافق، فصلّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأنزل الله عز وجل {ولا تصلّ على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} [التوبة: 84].
زاد في رواية: فترك الصلاة عليهم.
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي). [جامع الأصول: 2/167-169]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 80.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لأنفضوا من حوله وهو القائل (ليخرجن الأعز منها الأذل) (المنافقون الآية 8) فأنزل الله عز وجل {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}
قال النّبيّ لأزيدن على السبعين، فأنزل الله (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) (المنافقون الآية 6).
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال: لما نزلت {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم سأزيد على سبعين فأنزل الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون (لن يغفر الله لهم) (المنافقون الآية 6).
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم، فقال الله من شدة غضبه عليهم (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) .
وأخرج النحاس في " ناسخه " عن ابن عباس في قوله: (استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم) الآية: فنسخها: (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) (المنافقون الآية 6).
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، وابن أبي حاتم والنحاس، وابن حبان، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام عليه فلما وقف قلت أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا والقائل كذا وكذا أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال يا عمر أخر عني إني قد خيرت قد قيل لي {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة} فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه فعجبت لي ولجراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم - والله رسوله أعلم - فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (التوبة الآية 84) فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا لقد قال الله {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد خيرني ربي فقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} فقعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر فجعل الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب اسم شيطان أنت عبد الله.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {استغفر لهم} الآية، قال: نزلت في الصلاة على المنافقين قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول المنافق قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لو أعلم إن استغفرت له إحدى وسبعين مرة غفر له لفعلت فصلى عليه الله الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم فأنزل الله (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (التوبة الآية 84) ونزلت العزمة في سورة المنافقين (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) (المنافقون الآية 6) الآية). [الدر المنثور: 7/469-471]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 05:57 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين}
الأصل: لنتصدقن، ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها). [معاني القرآن: 2/462]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن}
قال قتادة هذا رجل من الأنصار قال لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه حقه ولأتصدقن فلما آتاه الله ذلك فعل ما نص عليكم فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور
وروى علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا
رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه قال ثم رجع إليه فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثل رسول الله والله لو سألت الله أن يسيل علي الجبال ذهبا وفضة لسالت ثم رجع فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فوالله لئن أتاني الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت حتى ضاقت عليها أزقة المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة فتنحى بها مكانا يشهد الجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نمت فتباعد بها فترك الجمع والجماعات فأنزل الله على رسوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} فخرج مصدقو رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعهم وقال حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله جل وعز: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى آخر الآية القصة فأخبر ثعلبة فأقبل واضعا على رأسه التراب حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبل منه ثم أتى أبا بكر فلم يقبل منه ثم أتى عمر فأبى
أن يقبل منه ثم أتى عثمان فلم يقبل منه ومات في خلافته). [معاني القرآن: 3/234-236]

تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) )

تفسير قوله تعالى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}
يجوز أن يكون " فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به ".
قال: {فأعقبهم نفاقا} أي أضلهم الله بفعلهم). [معاني القرآن: 2/462]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم}
يجوز أن يكون المعنى فأعقبهم الله نفاقا
ويجوز أن يكون المعنى فأعقبهم البخل لأن قوله: {بخلوا} يدل على البخل). [معاني القرآن: 3/236]

تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) )

تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين...}
يراد به: المتطوعين فأدغم التاء عند الطاء فصارت طاء مشددة. وكذلك {ومن يطّوّع خيرا}، {والمطّهّرين}.
ولمزهم إياهم: تنقّصهم؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ الناس على الصدقة، فجاء عمر بصدقة؛ وعثمان بن عفّان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم جاء رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر بنفسه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} يعني المهاجرين {والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم}. يعني أبا عقيل. والجهد لغة أهل الحجاز والوجد، ولغة غيرهم الجهد والوجد). [معاني القرآن: 1/447]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {إلاّ جهدهم} مضموم ومفتوح سواء، ومجازه: طاقتهم، ويقال: جهد المقل وجهده). [مجاز القرآن: 1/264]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {الّذين يلمزون المطّوّعين} أي يعيبون المتطوعين بالصدقة.
{والّذين لا يجدون إلّا جهدهم} أي طاقتهم. والجهد الطاقة، والجهد: المشقة. يقال: فعلت ذاك بجهد. أي بمشقة.
{سخر اللّه منهم} أي جزاهم جزاء السخرية). [تفسير غريب القرآن: 190]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ( {ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان:
نحو قول الله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 14- 15]، أي يجازيهم جزاء الاستهزاء.
وكذلك: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79]، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، هي من المبتدئ سيئة، ومن الله جل وعز جزاء.
وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]
فالعدوان الأول: ظلم، والثاني: جزاء، والجزاء لا يكون ظلما، وإن كان لفظه كلفظ الأول.
ومنه (قول النبي) صلّى الله عليه وسلم:
«اللهم إنّ فلانا هجاني، وهو يعلم أني لست بشاعر، اللهم والعنه عدد ما هجاني، أو مكان ما هجاني»، أي جازه جزاء الهجاء.
وكذلك قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ). [تأويل مشكل القرآن: 277-278] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذاب أليم}
يلمزون، ويلمزون - بكسر الميم وضمها - ومعناه يعيبون وكانوا عابوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدقات أتوا بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
يروى أن عبد الرحمن أتى بصرة تملأ الكف، وأن رجلا كان يقال له أبو عقيل، أتى بصاع من تمر، فعابوه بذلك وقالوا: إن محمدا غنيّ عن صاع هذا وإنما أتى بهذا ليذكر بنفسه.
فهو معنى {والذين لا يجدون إلا جهدهم} " جهدهم "، بالفتح والضم.
{فيسخرون منهم}.
{فيسخرون منهم سخر اللّه منهم}.
والسخريّ من الله المجازاة على فعلهم وقد بيّنّا ذلك). [معاني القرآن: 2/462-463]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات}
قال قتادة أي يعيبون المؤمنين قال وذلك أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله وكان ماله ثمانية آلاف دينار فتصدق منها بأربعة آلاف فقال قوم ما أعظم رياه
فأنزل الله جل وعز: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة من تمر فقالوا ما أغنى الله عن هذا فأنزل الله: {والذين لا يجدون إلا جهدهم}
قرئ {جهدهم} وجهدهم بالضم والفتح
قال أبو جعفر وهما لغتان بمعنى واحد عند البصريين
وقال بعض الكوفيين الجهد المشقة والجهد الطاقة
ثم قال جل وعز: {فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}
ومعنى سخر الله منهم جازاهم الله على سخريتهم فسمى
الثاني باسم الأول على الازدواج). [معاني القرآن: 3/236-238]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {إِلاَّ جُهْدَهُمْ} أي إلا طاقتهم. والجَهد بالفتح: المشقة.
{سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} أي جازاهم على سخرهم). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 99]

تفسير قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله جلّ وعز: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر اللّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين}
فيروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(( أستغفر لهم أكثر من سبعين مرة فنزلت)) {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم} ). [معاني القرآن: 2/463]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}
يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة فنزلت: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} فترك الاستغفار لهم). [معاني القرآن: 3/238]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 06:01 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) }

تفسير قوله تعالى: {فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) }

تفسير قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (و«النفاق» أن يسر خلاف ما يبدي، هذا أصله، وإنما أخذ من النافقاء، وهو أحد أبواب: جحر اليربوع، وذلك أنه أخفاها فإنما يظهر من غيره، ولجحره أربعة أبواب: النافقاء والراهطاء والداماء والسابياء، وكلها ممدودة، ويقال للسابياء: القاصعاء، وإنما قيل له السابياء لأنه لا ينفذه فيبقي بينه وبين إنفاذه هنة من الأرض رقيقة، وأخذ من سابياء الولد، وهي الجلدة الرقيقة التي يخرج فيها الولد من بطن أمه. قال الأخطل يضرب ذلك مثلاً ليربوع بن حنظلة لأنه سمي باليربوع:
تسد القاصعاء عليك حتى = تنفق أو تموت بها هزالاً
والعرب تزعم أنه ليس من ضب إلا وفي جحره عقرب، فهو لا يأكل ولد العقرب، وهي لا تضربه فهي مسالمة له، وهو مسالم لها). [الكامل: 1/351-352]

تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) }

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) }
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (والجَهد والجُهد قال قرئ: (والذين لا يجدون إلا جُهْدَهم)
و(جَهْدهم) قال الفراء الجُهد الطاقة يقال جُهدي أي طاقتي وتقول اجْهَد جَهْدَك). [إصلاح المنطق: 92-93]
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (وقال الفراء يقال بلغت به الجهد أي الغاية وتقول اجهد جهدك في هذا الأمر أي ابلغ غايتك وأما الجهد فالطاقة قال الله جل وعز: {والذين لا يجدون إلا جهدهم} أي طاقتهم قال ويقال اجهد جهدك). [إصلاح المنطق: 129]
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (باب نوادر
تقول سخرت من فلان فهذه اللغة الفصيحة قال الله جل ثناؤه: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} وقال: {فإن تسخروا منا فإنا نسخر منكم} ). [إصلاح المنطق: 281]
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (وتقول قد سخرت منه ولا تقل سخرت به قال الله جل وعز: {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} وقال أيضا: {والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم} ). [إصلاح المنطق: 342] (م)

تفسير قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 06:03 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 06:04 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22 شعبان 1435هـ/20-06-2014م, 09:47 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22 شعبان 1435هـ/20-06-2014م, 09:47 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين (75) فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علاّم الغيوب (78)
هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقال الحسن: وفي معتب بن قشير معه، واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعل لي مالا فإني لو كنت ذا مال لقضيت حقوقه وفعلت فيه الخير، فراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهبا لسارت، فأعاد عليه حتى دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى عنها وكثرت غنمه، فكان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيدا ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك فرض الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال: هذه أخت الجزية، ثم قال لهم: دعوني حتى أرى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه، قال «ويح ثعلبة» ثلاثا، ونزلت الآية فيه، فحضر القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك، فقد نزل كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان.
وفي قوله تعالى: فأعقبهم نص المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، وقوله: إلى يوم يلقونه يقتضي موافاتهم على النفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء رضي الله عنهم رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالموافاة، ولولا الاحتمال في أنه نفاق معصية لوجب قتله، وقرأ الأعمش «لنصدقن» بالنون الثقيلة مثل الجماعة «ولنكونن» خفيفة النون، والضمير الذي في قوله فأعقبهم يعود على الله عز وجل.
ويحتمل أن يعود على «البخل» المضمن في الآية، ويضعف ذلك الضمير في يلقونه، وقوله نفاقاً في قلوبهم، يحتمل أن يكون نفاق كفر ويكون تقرير ثعلبة بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان إظهاره الإسلام وتعلقه بما فيه احتمال.
ويحتمل أن يكون قوله نفاقاً يريد به نفاق معصية وقلة استقامة، فيكون تقريره صحيحا، ويكون ترك في أول الزكاة عقابا له ونكالا.
وهذا نحو ما روي أن عاملا كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن فلانا يمنع الزكاة، فكتب إليه أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين، يريد لما يلحقه من المقت في ذلك،
وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع وسائرهم يكذبون، قرأ أبو رجاء «يكذبون»، وذكر الطبري في هذه الآية ما يناسبها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان» وفي حديث آخر «وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» ونحو هذا من الأحاديث، ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة.
وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال زوجوا فلانا فإني قد وعدته لا ألقى الله بثلث النفاق، وهذا ظاهر كلام الحسن بن أبي الحسن، وقال عطاء بن بن أبي رباح قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء، وهذه الأحاديث إنما هي في المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، الذين شهد الله عليهم، وهذه هي الخصال في سائر الأمة معاص لا نفاق.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولا محالة أنها كانت مع التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، معاص لكنها من قبيل النفاق اللغوي، وذكر الطبري عن فرقة أنها قالت: كان العهد الذي عاهد الله عليه هؤلاء المنافقون شيئا نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا فيه نظر). [المحرر الوجيز: 4/ 367-369]

تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: ألم يعلموا الآية، لفظ به تعلق من قال في الآية المتقدمة إن العهد كان من المنافقين بالنية لا بالقول، وقرأ الجمهور «يعلموا» بالياء من تحت، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن «ألم تعلموا» بالتاء، من فوق، وهذه الآية تناسب حالهم وذلك أنها تضمنت إحاطة علم الله بهم وحصره لهم، وفيها توبيخهم على ما كانوا عليه من التحدث في نفوسهم من الاجتماع على ثلب الإسلام، وراحة بعضهم مع بعض في جهة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه، فهي تعم المنافقين أجمع، وقائل المقالة المذكورة ذهب إلى أنها تختص بالفرقة التي عاهدت). [المحرر الوجيز: 4/ 370]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلاّ جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ (79) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين (80)
قوله الّذين يلمزون رد على الضمائر في قول يكذبون [التوبة: 77] وأ لم يعلموا [التوبة: 78] وسرّهم ونجواهم [التوبة: 78] ويلمزون معناه ينالون بألسنتهم، وقرأ السبعة «يلمزون» بكسر الميم، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وابن كثير فيما روي عنه «يلمزون» بضم الميم، والمطّوّعين لفظة عموم في كل متصدق، والمراد به الخصوص فيمن تصدق بكثير دل على ذلك قوله، عطفا على المطّوّعين، والّذين لا يجدون، ولو كان الّذين لا يجدون قد دخلوا في المطّوّعين لما ساغ عطف الشيء على نفسه، وهذا قول أبي على الفارسي في قوله عز وجل: من كان عدوًّا للّه وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] فإنه قال المراد بالملائكة من عدا هذين.
وكذلك قال في قوله: فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورمّانٌ [الرحمن: 68] وفي هذا كله نظر، لأن التكرار لقصد التشريف يسوغ هذا مع تجوز العرب في كلامها، وأصل المطّوّعين المتطوعين فأبدل التاء طاء وأدغم، وأما المتصدق بكثير الذي كان سببا للآية فأكثر الروايات أنه عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف وأمسك مثلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أنفقت.
وقيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصدق بنصف ماله، وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة وسق، وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي، تصدق بصاع من تمر وقال يا رسول الله جررت البارحة بالجرير وأخذت صاعين تركت أحدهما لعيالي وأتيت بالآخر صدقة.
فقال المنافقون: الله غني عن صدقة هذا، وقال بعضهم: إن الله غني عن صاع أبي عقيل، وقيل: إن الذي لمز في القليل أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقيل بأربعمائة أوقية من فضة، وقيل أقل من هذا.
فقال المنافقون: ما هذا إلا رياء، فنزلت الآية في هذا كله، وقوله: فيسخرون معناه يستهزئون ويستخفون، وهو معطوف على يلمزون، واعترض ذلك بأن المعطوف على الصلة فهو من الصلة وقد دخل بين هذا المعطوف والمعطوف عليه قوله والّذين لا يجدون، وهذا لا يلزم، لأن قوله والّذين معمول للذي عمل في المطّوّعين فهو بمنزلة قوله جاءني الذي ضرب زيدا وعمرا فقتلهما، وقوله: سخر اللّه منهم تسمية العقوبة باسم الذنب وهي عبارة عما حل بهم من المقت والذل في نفوسهم، وقوله: ولهم عذابٌ أليمٌ معناه مؤلم، وهي آية وعيد محض، وقرأ جمهور «جهدهم» بضم الجيم، وقرأ الأعرج وجماعة معه «جهدهم» بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن الشعبي، وقوله: الّذين يلمزون يصح أن يكون خبر ابتداء تقديره هم الذين، ويصح أن يكون ابتداء وخبره سخر، وفي سخر معنى الدعاء عليهم.
ويحتمل أن يكون خبرا مجردا عن الدعاء، ويحتمل أن يكون الّذين صفة جارية على ما قبل كما ذكرت أول الترجمة). [المحرر الوجيز: 4/ 370-372]

تفسير قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى:
قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبّل منكم [التوبة: 53] وبمنزلة قول الشاعر: [كثير]
أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة = لدينا ولا مقلية إن تقلت
وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون تخييرا، كأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرّةً، وهذا هو الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيينه ذلك.
وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول الله، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم، فقال له «يا عمر إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت»، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقينا عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر.
وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من الله عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى: في سورة المنافقون سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم إنّ اللّه لا يهدي القوم الفاسقين [المنافقون: 6]،
ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله: إن المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم، «وفي سائمة الغنم الزكاة» فدليل الخطاب أن لا زكاة في غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن الله عز وجل يقول في الصيد من قتله منكم متعمّداً [المائدة: 95] فقال مالك: حكم المخطئ والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما تمثيله «السبعين» دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرا ما يجيء غاية وتحقيقا في الكثرة، ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من السين والباء والعين فهو شديد الأمر، من ذلك السبعة فإنها عدد مقنع هي في السماوات وفي الأرض وفي خلق الإنسان وفي رزقه وفي أعضائه التي بها يطيع الله وبها يعصيه، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفي سهام الميسر وفي الأقاليم وغير ذلك.
ومن ذلك السبع والعبوس والعنبس ونحو هذا من القول، وقوله ذلك إشارة إلى امتناع الغفران، وقوله: واللّه لا يهدي القوم الفاسقين إما من حيث هم فاسقون، وإما أنه لفظ عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي على كفره). [المحرر الوجيز: 4/ 372-374]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22 شعبان 1435هـ/20-06-2014م, 09:49 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 22 شعبان 1435هـ/20-06-2014م, 09:49 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين (75) فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علام الغيوب (78)}
يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى اللّه عهده وميثاقه: لئن أغناه من فضله ليصّدّقنّ من ماله، وليكوننّ من الصّالحين. فما وفّى بما قال، ولا صدق فيما ادّعى، فأعقبهم هذا الصّنيع نفاقًا سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون اللّه، عزّ وجلّ، يوم القيامة، عياذًا باللّه من ذلك.
وقد ذكر كثيرٌ من المفسّرين، منهم ابن عبّاسٍ، والحسن البصريّ: أنّ سبب نزول هذه الآية الكريمة في "ثعلبة بن حاطبٍ الأنصاريّ".
وقد ورد فيه حديثٌ رواه ابن جريرٍ هاهنا وابن أبي حاتمٍ، من حديث معان بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد، عن أبي عبد الرّحمن القاسم بن عبد الرّحمن، مولى عبد الرّحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهليّ، عن ثعلبة بن حاطبٍ الأنصاريّ، أنّه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ادع الله أن يرزقني مالًا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ويحك يا ثعلبة قليلٌ تؤدّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه". قال: ثمّ قال مرّةً أخرى، فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبيّ اللّه، فوالّذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضّةً لسارت". قال: والّذي بعثك بالحقّ لئن دعوت اللّه فرزقني مالًا لأعطينّ كلّ ذي حقٍّ حقّه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "اللّهمّ ارزق ثعلبة مالًا". قال: فاتّخذ غنمًا، فنمت كما ينمو الدّود، فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عنها، فنزل واديًا من أوديتها، حتّى جعل يصلّي الظّهر والعصر في جماعةٍ، ويترك ما سواهما. ثمّ نمت وكثرت، فتنحّى حتّى ترك الصّلوات إلّا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدّود، حتّى ترك الجمعة. فطفق يتلقّى الرّكبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما فعل ثعلبة"؟ فقالوا: يا رسول اللّه، اتّخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة. فأخبروه بأمره فقال: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة". وأنزل اللّه جلّ ثناؤه: {خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها} الآية [التّوبة: 103] قال: ونزلت عليه فرائض الصّدقة، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلين على الصّدقة: رجلًا من جهينة، ورجلًا من سليمٍ، وكتب لهما كيف يأخذان الصّدقة من المسلمين، وقال لهما: "مرا بثعلبة، وبفلانٍ -رجلٌ من بني سليمٍ -فخذا صدقاتهما". فخرجا حتّى أتيا ثعلبة، فسألاه الصّدقة، وأقرآه كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: ما هذه إلّا جزيةٌ. ما هذه إلّا أخت الجزية. ما أدري ما هذا انطلقا حتّى تفرغا ثمّ عودا إليّ. فانطلقا وسمع بهما السّلميّ، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصّدقة، ثمّ استقبلهما بها فلمّا رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوها، فإنّ نفسي بذلك طيّبةٌ، وإنّما هي له. فأخذوها منه. فلمّا فرغا من صدقاتهما رجعا حتّى مرّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما فنظر فيه، فقال: ما هذه إلّا أخت الجزية. انطلقا حتّى أرى رأيي. فانطلقا حتّى أتيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلّمهما، ودعا للسّلميّ بالبركة، فأخبراه بالّذي صنع ثعلبة والّذي صنع السّلميّ، فأنزل اللّه، عزّ وجلّ: {ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ} إلى قوله: {وبما كانوا يكذبون} قال: وعند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلٌ من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتّى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة. قد أنزل اللّه فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتّى أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: "إنّ اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك". فجعل يحثو على رأسه التّراب، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " [هذا] عملك، قد أمرتك فلم تطعني". فلمّا أبى أن يقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجع إلى منزله، فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقبل منه شيئًا. ثمّ أتى أبا بكرٍ، رضي اللّه عنه، حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول اللّه، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي. فقال أبو بكرٍ: لم يقبلها منك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكرٍ ولم يقبلها. فلمّا ولي عمر، رضي اللّه عنه، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي. فقال: لم يقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أبو بكرٍ، وأنا أقبلها منك! فقبض ولم يقبلها؛ ثمّ ولي عثمان، رضي اللّه عنه، [فأتاه] فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أبو بكرٍ ولا عمر، وأنا أقبلها منك! فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان
وقوله تعالى: {بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} أي: أعقبهم النّفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، كما جاء في الصّحيح، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" وله شواهد كثيرةٌ، واللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 183-184]

تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ألم يعلموا أنّ اللّه يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ اللّه علام الغيوب} يخبرهم تعالى أنّه يعلم السّرّ وأخفى، وأنّه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنّه إن حصل لهم أموالٌ تصدّقوا منها وشكروا عليها، فإنّه أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنّه تعالى علّام الغيوب، أي: يعلم كلّ غيبٍ وشهادةٍ، وكلّ سرٍّ ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 184]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ (79)}
وهذه أيضًا من صفات المنافقين: لا يسلم أحدٌ من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتّى ولا المتصدّقون يسلمون منهم، إن جاء أحدٌ منهم بمالٍ جزيلٍ قالوا: هذا مراءٌ، وإن جاء بشيءٍ يسيرٍ قالوا: إنّ اللّه لغنيٌّ عن صدقة هذا. كما قال البخاريّ:
حدّثنا عبيد اللّه بن سعيدٍ، حدّثنا أبو النّعمان البصريّ، حدّثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن أبي مسعودٍ قال: لمّا نزلت آية الصّدقة كنّا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجلٌ فتصدّق بشيءٍ كثيرٍ، فقالوا: مرائي. وجاء رجلٌ فتصدّق بصاعٍ، فقالوا: إنّ اللّه لغنيٌّ عن صدقة هذا. فنزلت {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم} الآية.
وقد رواه مسلمٌ أيضًا في صحيحه، من حديث شعبة به
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد، حدّثنا الجريريّ، عن أبي السّليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدّثني أبي -أو: عمّي أنّه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالبقيع، وهو يقول: "من يتصدّق بصدقةٍ أشهد له بها يوم القيامة"؟ قال: فحللت من عمامتي لوثًا أو لوثين، وأنا أريد أن أتصدّق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم، فعقدت على عمامتي. فجاء رجلٌ لم أر بالبقيع رجلًا أشدّ سوادًا [ولا] أصغر منه، ولا أدمّ ببعيرٍ ساقه، لم أر بالبقيع ناقةً أحسن منها، فقال: يا رسول اللّه، أصدقةٌ؟ قال: "نعم" فقال: دونك هذه النّاقة. قال: فلمزه رجلٌ فقال: هذا يتصدّق بهذه فواللّه لهي خيرٌ منه. قال: فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كذبت بل هو خيرٌ منك ومنها" ثلاث مرّاتٍ، ثمّ قال: "ويلٌ لأصحاب المئين من الإبل" ثلاثًا. قالوا: إلّا من يا رسول اللّه؟ قال: "إلّا من قال بالمال هكذا وهكذا"، وجمع بين كفّيه عن يمينه وعن شماله، ثمّ قال: "قد أفلح المزهد المجهد" ثلاثًا: المزهد في العيش، المجهد في العبادة
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية، وقال: جاء عبد الرّحمن بن عوفٍ بأربعين أوقيّةً من ذهبٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجلٌ من الأنصار بصاعٍ من طعامٍ، فقال بعض المنافقين: واللّه ما جاء عبد الرّحمن بما جاء به إلّا رياءً. وقالوا: إن كان اللّه ورسوله لغنيّين عن هذا الصّاع
وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج إلى النّاس يومًا فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم. فجمع النّاس صدقاتهم، ثمّ جاء رجلٌ من آخرهم بصاعٍ من تمرٍ، فقال: يا رسول اللّه، هذا صاعٌ من تمرٍ بتّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء، حتّى نلت صاعين من تمرٍ، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر. فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن ينثره في الصّدقات. فسخر منه رجالٌ، وقالوا: إنّ اللّه ورسوله لغنيّان عن هذا. وما يصنعان بصاعك من شيءٍ. ثمّ إنّ عبد الرّحمن بن عوفٍ قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: هل بقي أحدٌ من أهل الصّدقات؟ فقال "لا" فقال له عبد الرّحمن بن عوفٍ: فإنّ عندي مائة أوقيّةٍ من ذهبٍ في الصّدقات. فقال له عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه: أمجنونٌ أنت؟ قال: ليس بي جنونٌ. قال: فعلت ما فعلت؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلافٍ، أمّا أربعة آلافٍ فأقرضها ربّي، وأمّا أربعة آلافٍ فلي. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت". ولمزه المنافقون فقالوا: واللّه ما أعطى عبد الرّحمن عطيّته إلّا رياءً. وهم كاذبون، إنّما كان به متطوّعًا، فأنزل اللّه، عزّ وجلّ، عذره وعذر صاحبه المسكين الّذي جاء بالصّاع من التّمر، فقال تعالى في كتابه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} الآية.
وكذا روي عن مجاهدٍ، وغير واحدٍ.
وقال ابن إسحاق: كان المطوّعون من المؤمنين في الصّدقات: عبد الرّحمن بن عوفٍ، تصدق بأربعة آلاف درهمٍ، وعاصم بن عديٍّ أخا بني العجلان، وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رغّب في الصّدقات، وحضّ عليها، فقام عبد الرّحمن بن عوفٍ فتصدّق بأربعة آلافٍ، وقام عاصمٌ فتصدّق بمائة وسقٍ من تمرٍ، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلّا رياءٌ. وكان الّذي تصدّق بجهده: أبو عقيلٍ أخو بني أنيفٍ الإراشيّ حليف بني عمرو بن عوفٍ، أتى بصاعٍ من تمرٍ فأفرغه في الصّدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إنّ اللّه لغنيٌّ عن صاع أبي عقيل.
وقال الحافظ أبو بكرٍ البزّار: حدّثنا طالوت بن عبّادٍ، حدّثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "تصدّقوا فإنّي أريد أن أبعث بعثًا". قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوفٍ فقال: يا رسول اللّه، عندي أربعة آلافٍ، ألفين أقرضهما ربّي، وألفين لعيالي. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "بارك اللّه لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت". وبات رجلٌ من الأنصار فأصاب صاعين من تمرٍ، فقال: يا رسول اللّه، أصبت صاعين من تمرٍ: صاعٌ أقرضه لربّي، وصاعٌ لعيالي. قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الّذي أعطى ابن عوفٍ إلّا رياءً! وقالوا: ألم يكن اللّه ورسوله غنيّين عن صاع هذا؟ فأنزل اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم [سخر اللّه منهم]} الآية
ثمّ رواه عن أبي كاملٍ، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلًا قال: ولم يسنده أحدٌ إلّا طالوت.
وقال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ: حدّثنا ابن وكيعٍ، حدّثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، حدّثني خالد بن يسارٍ، عن ابن أبي عقيلٍ، عن أبيه قال: بتّ أجرّ الجرير على ظهري، على صاعين من تمرٍ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلّغون به، وجئت بالآخر أتقرّب [به] إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته، فقال: "انثره في الصّدقة". قال: فسخر القوم وقالوا: لقد كان اللّه غنيًّا عن صدقة هذا المسكين. فأنزل اللّه: {الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات} الآيتين
وكذا رواه الطّبرانيّ من حديث زيد بن الحباب به. وقال: اسم أبي عقيلٍ: حبابٌ. ويقال: عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن ثعلبة.
وقوله: {فيسخرون منهم سخر اللّه منهم} وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأنّ الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر بهم، انتصارًا للمؤمنين في الدّنيا، وأعدّ للمنافقين في الآخرة عذابًا أليما). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 184-188]

تفسير قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّةً فلن يغفر اللّه لهم ذلك بأنّهم كفروا باللّه ورسوله واللّه لا يهدي القوم الفاسقين (80)}
يخبر تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنّه لو استغفر لهم، ولو سبعين مرّةً فإنّ اللّه لا يغفر لهم.
وقد قيل: إنّ السّبعين إنّما ذكرت حسمًا لمادّة الاستغفار لهم؛ لأنّ العرب في أساليب كلامها تذكر السّبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التّحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها.
وقيل: بل لها مفهومٌ، كما روى العوفيّ عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمّا نزلت هذه الآية: "أسمع ربّي قد رخّص لي فيهم، فواللّه لأستغفرنّ أكثر من سبعين مرّةً، لعلّ اللّه أن يغفر لهم! فقال اللّه من شدّة غضبه عليهم: {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم إنّ اللّه لا يهدي القوم الفاسقين} [المنافقون:6]
وقال الشّعبيّ: لمّا ثقل عبد اللّه بن أبيٍّ، انطلق ابنه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: إنّ أبي قد احتضر، فأحبّ أن تشهده وتصلّي عليه. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "ما اسمك". قال الحباب بن عبد اللّه. قال: "بل أنت عبد اللّه بن عبد اللّه، إنّ الحباب اسم شيطانٍ". قال: فانطلق معه حتّى شهده وألبسه قميصه وهو عرقٌ، وصلّى عليه، فقيل له: أتصلّي عليه [وهو منافقٌ] ؟ قال: "إنّ اللّه قال: {إن تستغفر لهم سبعين مرّةً} ولأستغفرنّ له سبعين وسبعين وسبعين".
وكذا روي عن عروة بن الزّبير ومجاهد بن جبير، وقتادة بن دعامة. رواها ابن جرير بأسانيده). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 188]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:41 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة