العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة مسائل الفقه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 1 ربيع الأول 1434هـ/12-01-2013م, 11:50 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,333
افتراضي معالم فقه الحنفية من مقدمة اللكنوي

هذه المقدمة الحافلة عن فقه الأحناف كتبها الفقيه الحنفي عبد الحي اللكنوي (ت:1304هـ) في مقدمة شرحه للجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني، وسمّاها:

النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير
(مقدمة الجامع الصغير)
لشيخ الإسلام عبد الحي اللكنوي

خير الأمالي إملاء حمد الرب المتعالي وشكره على التوالي، على أن بسط شرعا مبسوطا جامعا لكل صغير وكبير، وبعث لنشره أئمة علماء وسادات فقهاء ذوات العدد الكثير، أشهد أنه لا إله إلا هو منه البداية والهداية وبه الكفاية وإليه المصير، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله صدر أصحاب النبوة والرسالة، وفخر أرباب الفتوة والجلالة، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه الذين استقام بهم رحى الباطن والظاهر لا يبطله جور جائر ولا كيد ساحر ما دامت خيام العلم ممدودة، وأسرة الجهل منكوسة مطرودة.

أما بعد فيقول العبد الراجي رحمة ربه القوي أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي: لما وفقني الله لتحشية الكتاب عزيز الوجود، معتمد الفقهاء الأعلام، مستند الأئمة الكرام مبدء المسائل الفقهية مرجع الأفاضل الحنفية تراهم ممتدي الأعناق إليه، جاثي ركبهم لديه اسمه الجامع الصغير، والحق أنه جامع كبير لكل نقير، وقطمير نافع لكل صغير وكبير من تصانيف الإمام الرباني النعمان الثاني محمد بن الحسن الشيباني غبط يوم الحشر بالفضل الرحماني، فزينته بالحواشي المفيدة من الكتب القديمة والجديدة مع ما سنح للخاطر الفاتر بالنظر القاصر، طلب مني بعض الأصحاب خير الأحباب أن أكتب له مقدمة تنفع من يدرسه ويعلمه، وتفيد من يطالعه ويتعلمه، يشتمل على ذكر طبقته وطبقة مؤلفه وشيخيه وطبقات الفقهاء، ودرجاتهم وطبقات تصانيفهم، وتفاوت مؤلفاتهم وتراجم شراحه الأئمة العظام وغيرهم من الفقهاء الأعلام، فأجبته إلى ذلك وأدرجت في هذا المجموع كل ذلك في فصول هي للمهمات أصول مع الفوائد التي لا يسع جهلها للمفتي، والفرائد التي يجب علمها للمستفتي مسميا ب (النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير) ليكون اسمه مطابقا لمعناه، ورسمه مخبرا عن فحواه، وأسال الله تعالى أن ينفع به كل كبير وصغير، ويعمم نفعه الكثير، ويجعله ذخيرة لي في يوم عبوس قمطرير إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وأرجو ممن ينتفع به وبسائر تصانيفي أن لا ينساني في دعواته في خلواته وجلواته، وأن يستر بستر الكرم إن وجد زلة القدم أو طغيان القلم، فإن الإنسان ملازم للسهو والنسيان.
[النافع الكبير:1/5-6]


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 1 ربيع الأول 1434هـ/12-01-2013م, 11:53 PM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,333
افتراضي

الفصل الأول:
في ذكر طبقات الفقهاء، والكتب وكيفية شيوع العلم خلفا وسلفا، وذكر بعض الفقهاء المعتمدين وغير المعتمدين، وبعض الكتب المعتمدة وغير المعتمدة، مع فوائد نفيسة، وفرائد لطيفة تنشط بسمعها الآذان وتفرح بمطالعتها طبائع الكسلان، وهذا أمر لا بد للمفتي من معرفته لينزل الناس منازلهم ويضعهم في مواضعهم، فإن من لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم يقع في الخبط بتقديم من لا يستحق التقديم، وتأخير من يليق بالتقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومن قبلنا لم يعلم بطبقات فقهائنا، فرجح أقوال من هو أدنى، وهجر تصريحات من هو أعلى، وكم من فاضل ممن عاصرنا ومن سبقنا اعتمد على جامعي الرطب واليابس، واستند بكاتبي المسائل الغريبة والروايات الضعيفة كالناعس، أعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد شرع الشرائع وبين الأحكام، وأظهر لنا الحلال والحرام، ثم الصحابة المهديون - لاسيما الخلفاء الراشدون - صرفوا سعيهم في إقامة المشروعات، وإيضاح الأحكام بالحجج الواضحات، ثم انتقل إرث العلم إلى طبقة التابعين - ومنهم إمامنا الأقوم أبو حنيفة الأعظم - ثم إلى من بعدهم إلى زماننا هذا.

وممن اشتهر مذهبهم ودونت الكتب على مسلكهم الأئمة الأربعة:
أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، ومذاهب باقي المجتهدين قد اندرست لا يوجد لها أثر ولا يرى بها خبير يستفسر، إلا أن الناس تفرقوا في السلوك على هذه المذاهب، وتفرقت البلاد في شيوع المشارب، فشاع مذهب مالك في بلاد المغرب، ومذهب الشافعي في بلاد الحجاز، ومذهب أبي حنيفة في بلاد الهند والسند، ثم إن علم إمامنا قد انتقل بواسطة تلامذته ومن بعدهم إلى بلاد شاسعة، وتفرقت فقهاء مذهبنا في مدن واسعة فمنهم أصحابنا المتقدمون في العراق، ومنهم مشايخ بلخ ومشايخ خراسان، ومشايخ سمرقند ومشايخ بخارا، ومشايخ بلاد آخر: كإصبهان وشيراز وطوس وزنجان وهمدان واسترآباد وبسطام ومرغينان وفرغانة ودامغان، وغير ذلك من المدن الداخلة في أقاليم ما وراء النهر، وخراسان وآذربيجان وخوارزم وغزنة وكرمان إلى جميع بلاد الهند، وغير ذلك من بلاد العرب والعجم وكلهم نشروا علم أبي حنيفة إملاء وتذكيرا وتصنيفا، وكانوا يتفقهون ويجتهدون ويفيدون ويصنفون، فبقي نظام العلم وأهاليه على أحسن النظام على ممر الدهور والأعوام، إلى حين قدر الله خروج جنكيزخان فوضع السيف وقتل العباد وخرب العلم وأهلك البلاد، ثم تلاه بنوه وأولاده وأحفاده، فسارت الفقهاء الحنفية الذين نجوا من ظلمهم بأهاليهم إلى دمشق وحلب وديار مصر والروم، فانتشر العلم هناك كذا ذكره الكفوي في أعلام الأخيار.

واعلم أن لأصحابنا الحنفية خمس طبقات:
الأولى: طبقة المتقدمين من أصحابنا: كتلامذة أبي حنيفة نحو أبي يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهم كانوا يجتهدون في المذهب ويستخرجون الأحكام من الأدلة الأربعة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم، فإنهم وإن خالفوه في بعض الفروع لكنهم قلدوه في الأصول بخلاف مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنهم يخالفونه في الفروع غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد.
والثانية: طبقة أكابر المتأخرين: كأبي بكر الخصاف والطحاوي، وأبي الحسن الكرخي والحلوائي، والسرخسي وفخر الإسلام البزدوي، وقاضيخان وصاحب الذخيرة، والمحيط البرهاني الصدر برهان الدين
محمود، والشيخ طاهر أحمد صاحب النصاب، وخلاصة الفتاوى وأمثالهم، فإنهم يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على مخالفته لا في الفروع ولا في الأصول.
والثالثة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين: كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا لكنهم لإحاطتهم بالأصول يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن أبي حنيفة أو أصحابه، وما وقع في الهداية في بعض المواضع: كذا في تخريج الرازي من هذا القبيل.
والرابعة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين: كأبي الحسن أحمد القدوري وشيخ الإسلام برهان الدين صاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض بقولهم: هذا أولى وهذا أصح رواية وهذا أوضح دراية، وهذا أوفق بالقياس وهذا أرفق بالناس.
والخامسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية، ورواية النادرة كشمس الأئمة محمد الكردري وجمال الدين الحصيري، وحافظ الدين النسفي وغيرهم مثل أصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين: كصاحب المختار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع، وشأنهم أن لا ينقل في كتابهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة، وهذه الطبقة هي أدنى طبقات المتفقهين، وأما الذين هم دون ذلك فإنهم كانوا ناقصين عامين، يلزمهم تقليد علماء عصرهم لا يحل لهم أن يفتوا إلا بطريق الحكاية كذا ذكره الكفوي أيضا.
وقال ابن كمال باشا الرومي صاحب الإصلاح والإيضاح وغيره - المتوفي سنة أربعين وتسعمائة - في بعض رسائله:


الفقهاء على سبع طبقات:
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع: كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط الأحكام والفروع عن الأدلة الأربعة من غير تقليد لأحد لا في الفروع ولا في الأصول.
والثانية: طبقة المجتهدين في المذهب: كأبي يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب.
والثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب: كالخصاف والطحاوي، وأبي الحسن الكرخي والسرخسي، والحلوائي والبزدوي وقاضيخان وأمثالهم، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ لا في الفروع ولا في الأصول، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها وقواعد بسطها.
والرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين: كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب، أو عن واحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع.
والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين: كأبي الحسين القدروي، وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض.
والسادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب وظاهر الرواية والرواية النادرة: كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة من المتأخرين مثل: صاحب الكنز وصاحب المختار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع.
والسابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال عن اليمين بل يجمعون ما يجدون، كحاطب الليل انتهى ملخصا وكذا ذكره عمر بن عمر الأزهري المصري المتوفى سنة تسع وسبعين وألف في آخر كتابه الجواهر النفيسة شرح الدرة المنيفة في مذهب أبي حنيفة، وكذا ذكره من جاء بعده مقلدا له إلا أن فيه أنظارا شتى من جهة إدخال من في الطبقة الأعلى في الأدنى، قد أبداها الفاضل هارون بن بهاء الدين بن شهاب الدين المرجاني الحنفي.

ولا بأس بسرد عبارته لتضمنها فوائد شريفة وفوائد لطيفة وهي هذه:
ليت شعري ما معنى قولهم: إن أبا يوسف ومحمدا وزفر وإن خالفوا أبا حنيفة في بعض الأحكام لكنهم يقلدونه في الأصول ما الذي يريد به ؟ فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب الأصول فهي قواعد عقلية، وضوابط برهانية يعرفها المرء من حيث أنه ذو عقل وصاحب فكر، ونظر سواء كان مجتهدا أو غير مجتهد، ولا تعلق لها بالاجتهاد قط، وشأن الأئمة الثلاثة أرفع وأجل من أن لا يعرفوا بها، كما هو اللازم من تقليدهم غيرهم فيها، فحاشاهم ثم حاشاهم عن هذه النقيصة، وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف وجرى مجرى الأمثال قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف.

وقال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل أفقه أهل عصره لم يتقدمه أحد في زمانه، وكان على النباهة في العلم والحكم، والعلم والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، وكذلك محمد بن الحسن قد بالغ الشافعي في مدحه والثناء عليه، وقد ذكر القاضي عبد الرحمن بن خلدون المالكي في مقدمته: إن الشافعي رحل إلى العراق، ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، وكذلك أحمد بن حنبل أخذ عن أصحاب أبي حنيفة مع وفور بضاعته في الحديث انتهى، ولكل واحد منهم أصول مختصة تفردوا بها عن أبي حنيفة وخالفوه فيها بل قال الغزالي: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، ونقل النووي في تهذيب الأسماء عن أبي المعالي الجويني: أن كل ما اختاره المزني أرى أنه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما، وأحمد بن حنبل لم يذكره الإمام أبو جعفر الطبري في عداد الفقهاء وقال: إنما هو من حفاظ الحديث، فكيف يكون من المجتهدين في الشرع دون أبي يوسف ومحمد ؟ كما أفاده في قضاء البحر بل صرح بعض معاصريه أنه من أهل الاجتهاد انتهى.

ومن أصحاب التخريج الفقيه أبو عبدالله الجرجاني، وقد أبدى بعض معاصرينا (سلمه الله تعالى) في بعض تحريراته الواقعة في مسألة من مسائل الرضاع احتمال أن يكون هو من الطبقة السابقة، وأخرجه من الطبقات السابقة وهو أمر منشأه قلة التتبع وعدم وسعة النظر، وقد رددت عليه في تحريراتي الواقعة ردا لتحريره، أنه أو لم ينظر إلى كلام صاحب الهداية في باب صفة الصلاة: ثم القومة والجلسة سنة عندهما وكذا الطمأنينة في تخريج الجرجاني، وفي تخريج الكرخي واجبة حتى تحب سجدتا السهو بتركها عنده انتهى.

قال العيني في البناية شرح الهداية: هو الشيخ أبو عبدالله الجرجاني تلميذ أبي بكر الرازي تلميذ الكرخي انتهى وفي أعلام الأخيار: للشيخ الإمام أوحد الأعلام أبو عبدالله الفقيه الجرجاني محمد بن يحيى بن مهدي عده صاحب الهداية من أصحاب التخريج، وهو تلميذ أبي بكر الرازي تلميذ الكرخي، وتفقه عليه أبو الحسين أحمد بن محمد القدوري والإمام أحمد بن محمد الناطفي مات سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة انتهى.

واعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة أكثره مأخوذ عن الصحابة الذين نزلوا بالكوفة، ومن بعدهم من علمائها، وكان ألزم بمذهب إبراهيم عظيم الشأن في التخريج على مذهبه، وكان أشهر أصحابه أبو يوسف تولى قضاء القضاة زمن هارون الرشيد، فكان سببا لشيوع مذهبه في أقطار العراق وبلاد ما وراء النهر وغيرها، وكان أحسنهم تصنيفا وجمعا محمد بن الحسن، وجمع في تصانيفه رأيه ورأي شيخيه، فتوجه أصحاب أبي حنيفة إلى تلك التصانيف تلخيصا وتقريبا وتخريجا وتأسيسا، وإنما عد مذهب أبي يوسف ومحمد مع مذهب أبي حنيفة مذهبا واحدا، مع أنهما مجتهدان مستقلان لأنهما مع مخالفتهما له في الأصول والفروع لم يتجاوزا عن محجة إبراهيم وغيره من علماء الكوفة، كذا قال المحدث ولي الله الدهلوي في رسالته الإنصاف في بيان سبب الاختلاف.

واعلم أن المجتهد على أقسام ثلاثة:
أحدها: المجتهد المطلق المستقل: ومن شروطه فقه النفس وسلامة الذهن، وصحة التصرف والاستنباط والتيقظ، ومعرفة الأدلة وآلاتها المذكورة في الأصول وشروطها ومع الفقه، والضبط لأمهات المسائل.
وثانيها: المجتهد المطلق المنتسب: وهو أن ينتسب إلى إمام متين من الأئمة المجتهدين، لكن لا يقلده لا في المذهب ولا في الدليل لاتصافه بآلات الاجتهاد، وإنما انتسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد.
وثالثها: المجتهد في المذهب: وهو أن يكون مقيدا بمذهب إمام مستقلا بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، وشرطه كونه عالما بالمذهب وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا، وكونه بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج، والاستنباط بقياس غير المنصوص عليه على المنصوص، لعلمه بأصول إمامه ولا يعرى عن تقليد لإمامه لإخلاله ببعض أدوات الاجتهاد المستقل كالنحو والحديث، ونحو ذلك كذا ذكره ابن حجر المكي في رسالته شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحنا وعواره.

أما القسم الأول فاتصف به الأئمة الأربعة ومن بعدهم وقال ابن حجر: قال ابن الصلاح: إن هذه المرتبة قد انقطعت من نحو ثلاث مائة سنة، ولابن الصلاح نحو ثلاث مائة فيكون قد انقطعت من نحو ستمائة سنة، بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل انتهى.

وفي الميزان لعبد الوهاب الشعراني: قد نقل الجلال السيوطي: أن الاجتهاد المطلق على قسمين: مطلق غير منتسب كما عليه الأئمة الأربعة، ومطلق منتسب كما عليه أكابر أصحابهم قال: ولم يدع الاجتهاد المطلق غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمد بن جرير الطبري، ولم يسلم له ذلك انتهى وفي الميزان أيضا: فإن قلت: هل يصح لأحد الآن الوصول إلى مقام أحد من الأئمة المجتهدين ؟ فالجواب نعم لأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولم يرد لنا دليل على منعه وقد قال بعضهم: إن الناس الآن يصلون إلى ذلك من طريق الكشف لا من طريق النظر والاستدلال، فإن ذلك مقام لم يدعه بعد الأئمة الأربعة أحد إلا ابن جرير، ولم يسلموا له وجميع من ادعى الاجتهاد المطلق إنما مراده المطلق المنتسب الذي لا يخرج عن قواعد إمامه كابن القاسم، وأصبغ مع مالك، وكمحمد وأبي يوسف مع أبي حنيفة، وكالمزني والربيعة مع الشافعي، إذ ليس في قوة أحد بعد الأئمة الأربعة أن يبتكر الأحكام، ويستخرجها من الكتاب والسنة في ما نعلم أبدا ومن ادعى له قلنا له: فاستخرج لنا شيئا لم يسبق لأحد من الأئمة استخراجه، فليتأمل ذلك مع ما قدمناه آنفا من سعة قدرة الله لا سيما، والقرآن لا تنقضي عجائبه ولا أحكامه في نفس الأمر فاعلم ذلك انتهى.

وقال بحر العلوم اللكنوي في شرح تحرير الأصول: اعلم أن بعض المتعصبين قالوا: اختتم الاجتهاد المطلق على الأئمة الأربعة، ولم يوجد مجتهد مطلق بعدهم، والاجتهاد في المذهب اختتم على العلامة النسفي صاحب الكنز، ولم يوجد مجتهد في المذهب وهذا غلط ورجم بالغيب، فإن سئل من أين علمتم هذا ؟ لا يقدرون على إبداء دليل أصلا، ثم هو تحكم على قدرة الله تعالى فمن أين يحصل علم أن لا يوجد إلى يوم القيامة أحد يتفضل الله عليه مقام الاجتهاد، فاجتنب عن مثل هذه التعصبات انتهى.

وقال هو أيضا في شرح مسلم الثبوت: من الناس من حكم بوجوب خلو الزمان عن المجتهد بعد العلامة النسفي، وعنوا به الاجتهاد في المذهب، وأما الاجتهاد المطلق فقالوا: إنه اختتم بالأئمة الأربعة حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء على الأئمة، وهذا كله هوس من هوساتهم لم يأتوا بدليل ولا يعبأ بكلامهم، وإنما هم من الذين حكم الحديث عليهم: أنهم أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ولم يفهموا أن هذا إخبار بالغيب في خمس لا يعلمهن إلا الله انتهى.

والحاصل أن من ادعى بأنه قد انقطعت مرتبة الاجتهاد المطلق المستقل بالأئمة الأربعة انقطاعا لا يمكن عوده فقد غلط وخبط، فإن الاجتهاد رحمة من الله سبحانه، ورحمة الله لا تقتصر على زمان دون زمان، ولا على بشر دون بشر، ومن ادعى انقطاعها في نفس الأمر مع إمكان وجودها في كل زمان، فإن أراد أنه لم يوجد بعد الأربعة مجتهد اتفق الجمهور على اجتهاده، وسلموا استقلاله كاتفاقهم على اجتهادهم فهو مسلم، وإلا فقد وجد بعدهم أيضا أرباب الاجتهاد المستقل: كأبي ثور البغدادي وداؤد الظاهري ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغيرهم على ما لا يخفى على من طالع كتب الطبقات.

وأما القسم الثاني فاتصف به أبو يوسف ومحمد، وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، وفي الشافعية كثيرون بلغوا هذه المرتبة: كالنووي وابن الصلاح وابن دقيق العيد، وتقي الدين السبكي وابنه تاج الدين السبكي، والسراج البلقيني وابن الزملكاني والسيوطي، وغيرهم ممن عاصرهم أو تقدمهم على ما ذكره السيوطي في حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة وغيره.
وفي الإنصاف: انقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب أبي حنيفة بعد المائة الثالثة، وذلك لأنه لا يكون إلا محدثا جيدا، واشتغالهم بعلم الحديث قليل قديما وحديثا، وإنما كان فيه المجتهدون في المذهب. وهذا الاجتهاد أراد من قال: أدنى الشروط للمجتهد أن يحفظ المبسوط، وقل المجتهد المنتسب في مذهب مالك، وكل من كان منهم بهذه المنزلة فإنه لا يعد تفرده وجها في المذهب: كابن عبد البر وأبي بكر بن العربي، وأما مذهب أحمد فكان قليلا قديما وحديثا، وكان فيه المجتهدون طبقة بعد طبقة إلى أن انقرض في المائة التاسعة، واضمحل في أكثر البلاد اللهم إلا ناس قليلون بمصر وبغداد، وأما مذهب الشافعي فأكثر المذاهب مجتهدا مطلقا، ومجتهدا في المذهب وأكثر المذاهب أصوليا ومتكلما، وأوفرها مفسرا للقرآن وشارحا للحديث، وأسندها إسنادا ورواية وكان أوائل أصحابه مجتهدين بالاجتهاد المطلق ليس فيهم من يقلده في جميع مجتهداته حتى نشأ ابن شريح، فأسس قواعد التقليد والتخريج، ثم جاء أصحابه يمشون في سبيله وينسحبون على منواله، ولذلك يعد من المجددين على رأس المائتين انتهى.

وأما القسم الثالث فاتصف به كثيرون من الأصحاب الحنفية، كما مر ذكره مفصلا وفي باقي المذاهب أيضا كثيرون بلغوا هذه المرتبة، واعلم أنهم كما قسموا الفقهاء على طبقات كذلك قسموا المسائل أيضا على درجات ليختار المفتي عند التعارض ما هو من الدرجة الأعلى، ولا يرجح الأدنى على الأعلى قال الكفوي في أعلام الأخيار:

إن مسائل مذهبنا على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول، وهي مسائل ظاهر الرواية وهي مسائل المبسوط لمحمد (ولها نسخ أشهرها وأظهرها نسخة أبي سليمان الجوزجاني ويقال له: الأصل) ومسائل الجامع الصغير والجامع الكبير والسير والزيادات، كلها تأليف محمد بن الحسن، ومن مسائل ظاهر الروية مسائل كتاب المنتقى للحاكم الشهيد، وهو للمذهب أصل أيضا بعد كتب محمد بن الحسن، ولا يوجد في هذه الأعصار في هذه الأمصار وكتاب الكافي للحاكم أيضا أصل من أصول المذهب، وقد شرحه المشايخ منهم السرخسي والإسبيجابي.
والطبقة الثانية: هي مسائل غير ظاهر الرواية، وهي المسائل التي رويت عن الأئمة في غير الكتب المذكورة إما في كتب آخر لمحمد: كالكيسانيات والرقيات والجرجانيات والهارونيات، وإما في كتب غير محمد: كالمجرد للحسن بن زياد، ومنها كتب الأمالي والإملاء أن يقعد العالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتب التلامذة مجلسا مجلسا، ثم يجمعون ما كتبوا وكان هذا عادة أصحابنا المتقدمين ومنها الروايات المتفرقة: كروايات ابن سماعة وغيره من أصحاب محمد، وغيره من مسائل مخالفة للأصول، فإنها غير ظاهر الرواية وتعد من النوادر كما يقال: نوادر ابن سماعة ونوادر هشام ونوادر ابن رستم وغيره.
والطبقة الثالثة: وتسمى الواقعات، وهي مسائل استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد وأصحاب أصحابه ونحوهم، فمن بعدهم إلى انقراض عصر الاجتهاد في الواقعات التي لم توجد فيها رواية الأئمة الثلاثة وأول كتاب جمع فيه مما علم النوازل، فإنه كتاب ألفه الفقيه أبو الليث السمرقندي المعروف بإمام الهدى، وجمع فيه فتاوى المتأخرين المجتهدين من مشايخه وشيوخ مشايخه: كمحمد بن مقاتل الرازي ومحمد بن سلمة ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضا، ثم جمع المشايخ فيه كتبا، كمجموع النوازل والوقعات للناطفي والصدر الشهيد، ثم جمع من بعدهم من المشايخ هذه الطبقات في فتاواهم غير ممتازة كما في جامع قاضيخان، وكتاب الخلاصة وغيرها من الفتاوى انتهى كلامه.
وفي رد المحتار على الدر المختار لمحمد أمين الشهير بابن عابدين الشامي نقلا عن شرح البيري على الأشباه، وشرح إسماعيل النابلسي على الدر:

اعلم أن مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول وتسمى ظاهر الرواية أيضا، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ويلحق بهم زفر والحسن بن زياد، وغيرهما ممن أخذ عن الإمام لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة، وكتب ظاهر الرواية كتب محمد الستة.
والثانية: مسائل النوادر وهي المروية عن أصحابنا المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة بل إما في كتب أخر لمحمد: كالكيسانيات، وإما في كتب غير محمد: كالمجرد للحسن وغيره، ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف، وإما برواية مفردة كرواية ابن سماعة والمعلى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة.
والثالثة: الوقعات وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدو فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما وهلم جرا، وهم كثيرون فمن أصحابهما مثل: عصام بن يوسف وابن رستم، ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجورجاني، وأبي حفص البخاري ومن بعدهم مثل: محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل، ونصير بن يحيى وأبي النصر القاسم بن سلام، وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم، وأول كتاب جمع في فتاواهم في ما بلغنا كتاب النوازل لأبي الليث، ثم جمع المشايخ بعده كتبا آخر، كمجموع الغوازل والواقعات للناطفي، والواقعات للصدر الشهيد، ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة كما في فتاوى قاضيخان وغيره، وميز بعضهم كما في محيط رضي الدين السرخسي، فإنه ذكر أولا مسائل الأصول، ثم النوادر ثم الفتاوى، ونعم ما فعل انتهى ملخصا.
وقد تقسم المسائل بوجه آخر، وهو ما ذكره شاه ولي بن عبد الرحيم المحدث الدهلوي في رسالته عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد بقوله: اعلم أن القاعدة عند محققي الفقهاء أن

المسائل على أربعة أقسام:
قسم تقرر في ظاهر المذهب وحكمه أنهم يقبلونه في كل حال وافقت الأصول أو خالفت؛
وقسم هو رواية شاذة عن أبي حنيفة وصاحبيه وحكمه أنهم لا يقبلونه إلا إذا وافق الأصول؛
وقسم هو تخريج المتأخرين اتفق عليه جمهور الأصحاب وحكمه أنه يفتون به على كل حال؛ وقسم هو تخريج منهم لم يتفق عليه جمهور الأصحاب وحكمه أن يعرض المفتي على الأصول والنظائر من كلام السلف فإن وجده موافقا لها أخذ به وإلا تركه انتهى كلامه.

فائدة: لعلك تتفطن من هذا البحث أنه ليس كل ما في الفتاوى المعتبرة المختلطة، كالخلاصة والظهيرية، وفتاوى قاضيخان وغيرها من الفتاوى التي لم يميز أصحابها بين المذهب والتخريج، وغيره قول أبي حنيفة وصاحبيه، بل منها ما هو منقول عنهم، ومنها ما هو مستنبط الفقهاء، ومنها ما هو مخرج الفقهاء، فيجب على الناظر فيها أن لا يتجاسر على نسبة كل ما فيها إليهم، بل يميز بين ما هو قولهم، وما هو مخرج من بعدهم، ومن لم يتميز بين ذلك وبين هذا أشكل الأمر عليه ألا ترى في مسألة العشر في العشر في بحث الحياض، فإن الفتاوى مملوءة من اعتباره، والفتوى عليه مع أنه ليس مذهب صاحب المذهب، إنما مذهبه كما صرح به محمد في الموطأ، وقدماء أصحابنا هو أنه لو كان الحوض بحيث لا يتحرك أحد جوانبه بتحريك الجانب الآخر لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه، وإلا يتنجس ومن لم يتقنه وظن أنه مذهب صاحب المذهب تعسر عليه الأمر في تأصيله على أصل شرعي معتمد عليه، وقد حققت هذا البحث بما لا مزيد عليه في شرح شرح الوقاية، فليراجع وكذلك مسألة الإشارة في التشهد، فإن كثيرا من كتب الفتاوى متواردة على منعها وكراهتها، فيظن الناظرون فيها أنه مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، فيشكل عليهم الأمر بورود أحاديث متعددة قولية وفعلية، تدل على جوازها وسنيتها قال علي القاري المكي في رسالته تزيين العبارة، لتحسين الإشارة بعدما ذكر الأخبار الدالة على الإشارة، لم يعلم من الصحابة ولا من علماء السلف خلاف في هذه المسألة، ولا في جواز الإشارة، بل قال به إمامنا الأعظم وصاحباه، وكذا مالك والشافعي وأحمد، وسائر علماء الأمصار والأعصار، وقد نص عليه مشايخنا المتقدمون والمتأخرون، فلا اعتداد لما ترك هذه السنة الأكثرون من سكان ما وراء النهر، وأهل خراسان والعراق وبلاد الهند ممن غلب عليهم التقليد، وفاتهم التحقيق والتأييد من التعلق بالقول السديد، وقد ذكر محمد في موطئه حديثا في ذلك ثم قال: وبصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، ونقل الشمني في شرح النقاية أنه قال أبو يوسف في الأمالي: إنه يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق بالوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة انتهى كلامه ملخصا، ثم قال علي القاري: وقد أغرب الكيداني حيث قال: والعاشر من المحرمات الإشارة بالسبابة، كأهل الحديث أي مثل إشارة جماعة يجمعهم العلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا منه خطأ عظيم، وجرم جسيم منشأه الجهل عن قواعد الأصول، ومراتب الفروع من النقول، ولو لا حسن الظن به وتأويل كلامه بسبب لكان كفره صحيحا، وارتداده صريحا فهل يحل لمؤمن أن يحرم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما كاد أن يكون متواترا في نقله ويمنع جواز ما عليه عامة العلماء كابرا عن كابر ؟ انتهى فظهر منه أن قول النهي المذكور في الفتاوى، إنما هو من مخرجات المشايخ لا من مذهب صاحب المذهب وقس عليه أمثاله، وهي كثيرة لا تخفى على المحقق.

وإذا عرفت هذا فحينئذ يسهل الأمر في دفع طعن المعاندين على الإمام أبى حنيفة وصاحبيه، فإنهم طعنوا في كثير من المسائل المدرجة في فتاوى الحنفية أنها مخالفة للأحاديث الصحيحة، أو أنها ليست متأصلة على أصل شرعي ونحو ذلك، وجعلوا ذلك ذريعة إلى طعن الأئمة الثلاثة ظنا منهم أنها مسائلهم ومذاهبهم، وليس كذلك بل هي من تفريعات المشايخ استنبطوها من الأصول المنقولة عن الأئمة، فوقعت مخالفة للأحاديث الصحيحة، فلا طعن بها على الأئمة الثلاثة، بل ولا على المشايخ أيضا، فإنهم لم يقرروها مع علمهم بكونها مخالفة للأحاديث، إذ لم يكونوا متلاعنين في الدين، بل من كبراء المسلمين بهم وصل ما وصل إلينا من فروع الدين، بل لم يبلغهم تلك الأحاديث، ولو بلغتهم لم يقرروا على خلافها فهم في ذلك معذورون ومأجورون، والحاصل أن المسائل المنقولة عن أئمتنا الثلاثة قلما يوجد منها ما لم يكن له أصل شرعي أصلا، أو يكون مخالفا للأخبار الصحيحة الصريحة، وما وجد عنهم على سبيل الندرة كذلك، فالعذر عنهم العذر، فاحفظ هذا ولا تكن من المتعسفين، واعلم أنه قد كثر النقل عن الإمام أبي حنيفة وأصحابه، بل وعن جميع الأئمة في الاهتداء إلى ترك آرائهم إذا وجد نص صحيح صريح مخالف لأقوالهم، كما ذكره الخطيب البغدادي والسيوطي في تبييض الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة، وعبد الوهاب الشعراني في الميزان وغيرهم، وسيأتي ذكر نبذ من ذلك في الفصل الثالث، وقال علي القاري في تزيين العبارة: قال إمامنا الأعظم: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذه من الكتاب والسنة، أو إجماع الأمة أو القياس الجلي في المسألة، وإذا عرفت هذا فاعلم أنه لو لم يكن للإمام نص على المرام لكان من المتعين على أتباعه الكرام - فضلا عن العوام - أن يعملوا بما صحح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذا لو صح عن الإمام، ففي الإشارة وصح إثباتها عن صاحب البشارة فلا شك في ترجيح المثبت المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ؟ وقد طابق نقله الصريح مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسناد الصحيح انتهى، فبناء على هذا أمكن لنا أن نورد تقسيما آخر للمسائل فنقول:

الفروع المذكورة في الكتب على طبقات:
الأولى: المسائل الموافقة للأصول الشرعية المنصوصة في الآيات، أو السنن النبوية، أو الموافقة لإجماع الأمة، أو قياسات أئمة الملة من غير أن يظهر على خلافها نص شرعي جلي أو خفي.
والثانية: المسائل التي دخلت في أصول شرعية، ودلت عليها بعض آيات، أو أحاديث نبوية مع ورود بعض آيات دالة على عكسه، وأحاديث ناصة على نقضه لكن دخولها في الأصول من طريق أصح وأقوى وما يخالفها وروده من سبيل أضعف وأخفى، وحكم هذين القسمين هو القبول كما دل عليه المعقول والمنقول.
والثالثة: التي دخلت في أصول شرعية مع ورود ما يخالفها بطرق صحيحة قوية، والحكم فيه لمن أوتي العلم، والحكمة اختيار الأرجح بعد وسعة النظر ودقة الفكرة، ومن لم يتيسر له ذلك فهو مجاز في ما هنالك.
والرابعة: التي لم يستخرج إلا من القياس، وخالفه دليل فوقه غير قابل للاندراس، وحكمة ترك الأدنى واختيار الأعلى، وهو عين التقليد في صورة ترك التقليد.
والخامسة: التي لم يدل عليها دليل شرعي لا كتاب ولا حديث ولا إجماع ولا قياس مجتهد جلي، أو خفي لا بالصراحة ولا بالدلالة، بل هي من مخترعات المتأخرين الذين يقلدون طرق آبائهم ومشايخهم المتقدمين، وحكمه الطرح والجرح، فاحفظ هذا التفصيل، فإنه قل من اطلع عليه وبإهماله ضل كثير عن سواء السبيل.
واعلم أن المتأخرين قد اعتمدوا على المتون الثلاثة: الوقاية ومختصر القدوري والكنز ومنهم من اعتمد على الأربعة: الوقاية والكنز والمختار ومجمع البحرين وقالوا: العبرة لما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ.

أما الوقاية: فهو للإمام تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة أحمد بن عبيد الله جمال الدين العبادي المحبوبي البخاري أخذ العلم عن أبيه ؟ صدر الشريعة الأكبر أحمد عن أبيه كان عالما فاضلا، ونحريرا كاملا محققا مدققا ألف كتاب الوقاية الذي انتخبه من الهداية، صنفه لأجل ابن ابنه صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة كذا في أعلام الأخيار.
وفيه أيضا: عبيد الله صدر الشريعة بن مسعود بن محمود تاج الشريعة، صاحب شرح الوقاية حافظ قوانين الشرع ملخص مشكلات الأصل والفرع عالم المعقول، والمنقول فقيه أصولي محدث مفسر أخذ العلم عن جده تاج الشريعة محمود، وكان ذا عناية بتقييد نفائس جده، وجمع فوائده شرح الوقاية من تصانيف جده تاج الشريعة، ثم اختصره وسماه النقاية، وألف في الأصول متنا سماه التنقيح، ثم صنف شرحا سماه التوضيح مات سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ومرقد والديه وأولاده وأجداد والديه في شرع آبار بخارا، وأما جده أبو أبيه تاج الشريعة، وأبو والدته برهان الدين، فإنهما ماتا في الكرمان ودفنا فيه كذا ذكره عبد الباقي الخطيب بالمدينة المنورة انتهى.
وفي مدينة العلوم: من شروح الهداية نهاية الكفاية لتاج الشريعة، وهو محمود كان عالما فاضلا كاملا، وله مختصر الهداية المسمى بالوقاية انتهى.

أقول: هذا كله نص على أن مصنف الوقاية هو شارح الهداية تاج الشريعة، وأن اسمه محمود بن صدر الشريعة الأكبر، وأنه جد صدر الشريعة شارح الوقاية من قبل أبيه، والمشهور أن مصنف الوقاية جد فاسد لشارح الوقاية، وبه صرح القهستاني في جامع الرموز حيث ذكر: أن شارح الوقاية صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة عمر بن صدر الشريعة، وأن صاحب الوقاية برهان الشريعة محمود بن صدر الشريعة أخو تاج الشريعة، وكذا ذكره صاحب كشف الظنون.
أن الوقاية للإمام برهان الشريعة محمود بن صدر الشريعة صنفه لأجل ابن بنته صدر الشريعة والله أعلم بحقيقة الحال، وقد حققت الأمر بتصريحات الثقات في مقدمة شرحي لشرح الوقاية فلتطالع.

وأما مختصر القدوري: فهو لأبي الحسين أحمد بن محمد بن جعفر القدوري (بالضم) قال السمعاني في كتاب الأنساب: كان من أهل بغداد فقيها صدوقا انتهت إليه رياسة أصحاب مذهب أبي حنيفة، وارتفع جاهه مات في رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد انتهى.

وأما الكنز: فهو لأبي البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، نسبة إلى مدينة نسف من بلاد السغد في بلاد ما وراء النهر، كان إماما فاضلا عديم النظير في زمانه، فقيد المثيل في الأصول والفروع تفقه على شمس الأئمة الكردري - تلميذ صاحب الهداية - ومن تصانيفه الكنز والوافي وشرحه الكافي، والمصفى شرح المنظومة النسفية، والمستصفى شرح النافع ومنار الأصول، وشرحه كشف الأسرار ومدارك التنزيل في التفسير، وغير ذلك ومن تلامذته ابن الساعاتي صاحب مجمع البحرين، والسغناقي صاحب النهاية شرح الهداية، وغيرهما كذا في أعلام الأخيار وذكر صاحب كشف الظنون: أن وفاته كانت سنة سبع مائة وعشرة.

وأما المختار: فهو لأبي الفضل مجد الدين عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود الموصلي، كان شيخا فقيها عارفا بالمذهب من أفراد الدهر في الفروع والأصول، حافظا لمسائل مشاهير الفتاوى، ولد بالموصل سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وحصل عند أبيه أبي الثناء محمود مباني العلوم ورحل إلى دمشق، فأخذ عن جمال الدين الحصيري، ثم رجع إلى بلاده وتولى القضاء بالكوفة، ثم عزل ورجع إلى بغداد ورتب الدرس بمشهد أبي حنيفة، ولم يزل يدرس إلى أن مات سنة ثلاث وثمانين وستمائة صنف المختار في عنفوان شبابه، ثم شرحه وسماه الاختيار كذا في أعلام الأخيار.

وأما مجمع البحرين: فهو لمظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب الساعاتي البعلبكي أصلا، والبغدادي منشأ وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة ببغداد، واشتهر بعلم النحو والهيئة، وعمل الساعات وابنه هذا نشأ ببغداد، وبلغ رتبة الكمال وصار إمام العصر في العلوم الشرعية، كان ثقة حافظا متقنا، أقر له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه، أخذ العلم عن تاج الدين علي عن ظهير الدين صاحب الفتاوى الظهيرية عن قاضيخان، وكانت وفاته سنة أربع وتسعين وستمائة كذا في أعلام الأخيار.

واعلم أنه إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة ثم للفتاوى إلا إذا وجد التصحيح، ونحو ذلك في ما في الشروح والفتاوى، ولم يوجد ذلك في المتون
فحينئذ يقدم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى قال ابن عابدين في رد المحتار: صرحوا أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين أو عدم التصريح أصلا، أما لو ذكرت مسألة في المتون ولم يصرحوا بتصحيحها، بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني لأنه تصحيح صريح، وما في المتون تصحيح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح انتهى.

واعلم أنه ينبغي للمفتي أن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كل كتاب لا سيما الفتاوى التي هي كالصحاري، ما لم يعلم حال مؤلفه وجلالة قدره، فإن وجد مسألة في كتاب لم يوجد لها أثر في الكتب المعتمدة ينبغي أن يتصفح ذلك فيها، فإن وجد فيها وإلا لا يجترأ على الإفتاء بها، وكذا لا يجترأ على الإفتاء من الكتب المختصرة، وإن كانت معتمدة ما لم يستعن بالحواشي والشروح، فلعل اختصاره يوصله إلى الورطة الظلماء قال في رد المحتار: في شرح الأشباه لشيخنا المحقق هبة الله البعلي: قال شيخنا العلامة صالح الجينيني: إنه لا يجوز الإفتاء من الكتب المختصرة، كالنهر وشرح الكنز للعيني والدر المختار شرح تنوير الأبصار، أو لعدم الاطلاع على حال مؤلفيها، كشرح الكنز لمنلا مسكين، وشرح النقاية للقهستاني أو لنقل الأقوال الضعيفة فيها، كالقنية للزاهدي فلا يجوز الإفتاء من هذه إلا إذا علم المنقول عنه وأخذه منه هكذا سمعته منه، وهو علامة في الفقه مشهور والعهدة عليه أقول، وينبغي إلحاق الأشباه والنظائر بها، فإن فيها من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم معناه إلا بعد الاطلاع على مأخذه، بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخل يظهر ذلك لمن مارس مطالعتها مع الحواشي، فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بد له من مراجعة ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها انتهى كلامه.

وتفصيل ذلك أن اعتبار المؤلف يكون لوجوه: فمنها إعراض أجلة العلماء وأئمة الفقهاء عن كتاب، فإنه آية واضحة على كونه غير معتبر عندهم، ومنها عدم الاطلاع على حال مؤلفه، هل كان فقيها معتمدا أم كان جامعا بين الغث والسمين (وإن عرف اسمه واشتهر رسمه) كجامع الرموز للقهستاني فإنه له، وإن تداوله الناس لكنه لما لم يعرف حاله أنزله من درجة الكتب المعتمدة إلى حيز الكتب الغير المعتبرة، قال صاحب كشف الظنون عند ذكر شراح النقاية: والمولى شمس الدين محمد الخراساني القهستاني نزيل بخارا ومرجع الفتوى بها، وجميع ما وراء النهر المتوفي سنة اثنين وستين وتسعمائة، وهو أعظم الشروح نفعا وأدقها إشارة ورمزا كثير النفع، عظيم الوقع سماه جامع الرموز فرغ من تأليفه سنة إحدى وأربعين وتسعمائة وقيل: إنه مات في حدود سنة خمسين وتسعمائة ببخارا، وقال المولى عصام الدين في حق القهستاني: إنه لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الهروي لا من أعاليهم ولا أدانيهم، وإنما كان دلال الكتب في زمانه، ولا كان يعرف الفقه ولا غيره بين أقرانه، ويؤيده أنه يجمع في شرحه هذا بين الغث والسمين والصحيح، والضعيف من غير تصحيح ولا تدقيق، فهو كحاطب الليل جامع بين الرطب واليابس في النيل، وهو العوارض في ذم الروافض انتهى.

ومنها: أن يكون مؤلفه قد جمع فيه الروايات الضعيفة، والمسائل الشاذة من الكتب الغير المعتبرة، وإن كان في نفسه فقيها جليلا، كالقنية فإن مؤلفه مختار بن محمود بن محمد أبو الرجاء نجم الدين الزاهدي الغزميني نسبة ! لى غزمين (بفتح الغين) قصبة من قصبات خوارزم كان من كبار الأئمة وأعيان الفقهاء، له اليد الباسطة في المذهب والباع الطويل في الكلام والمناظرة، وله التصانيف التي سارت بها الركبان، كالقنية وشرح مختصر القدوري المسمى بالمجتبى والرسالة الناصرية، وغير ذلك أخذ العلوم عن برهان الأئمة شمس الدين محمد بن عبد الكريم التركستاني عن الدهقاني الكاساني عن نجم الدين النسفي عن أبي اليسر البزدوي، وأخذ أيضا عن ناصر الدين المطرزي صاحب المغرب وعن صدر القراء يوسف بن محمد الخوازمي، وعن القاضي بديع القزيني صاحب البحر المحيط وغيرهم، ومن تصانيفه كتاب زاد الأئمة والجامع في الحيض، وكتاب في الفرائض والحاوي وغير ذلك مات سنة ثمان وخمسين وستمائة كذا في أعلام الأخيار وغيره.

وهو مع جلالته متساهل في نقل الروايات ولذا قال المولى بركلي على ما نقله صاحب كشف الظنون: القنية وإن كانت فوق الكتب الغير المعتبرة (وقد نقل عنها بعض العلماء في كتبهم) لكنها مشهورة عند العلماء بضعف الرواية، وأن صاحبها معتزلي الاعتقاد حنفي الفروع انتهى.

وقال الطحطاوي في حواشي الدر المختار في باب ما يفسد الصوم، ما في القنية من أن الكحل وجب تركه يوم عاشوراء، لا يعول عليه لأن القنية ليست من كتب المذهب المعتمدة انتهى.
وقال ابن عابدين صاحب رد المحتار في تنقيح الفتاوى الحامدية في كتاب الإجارة: الحاوي للزاهدي مشهور بنقل الروايات الضعيفة، ولذا قال ابن وهبان وغيره: إنه لا عبرة بما يقوله الزاهدي مخالفا لغيره انتهى.
وقال أيضا في موضع آخر منه: قد ذكر ابن وهبان وغيره بأنه لا عبرة لما يقوله الزاهدي إذا خالف غيره انتهى.

ومن هذا القسم: المحيط البرهاني فإن مؤلفه وإن كان فقيها جليلا معدودا في طبقة المجتهدين في المسائل (كما مر وستأتي ترجمته في الفصل الرابع) لكنهم نصوا على أنه لا يجوز الإفتاء منه لكونه مجموعا للرطب واليابس، قال زين العابدين بن نجيم المصري في رسالته المصنفة في بعض صور الوقف ردا على بعض معاصريه نقله عن المحيط البرهاني، كذب لأن المحيط البرهاني مفقود كما صرح به ابن أمير الحاج الحلبي في شرح منية المصلي، وعلى تقدير أنه ظفر به دون أهل عصره لم يجز الإفتاء منه، ولا النقل منه كما صرح في فتح القدير من كتاب القضاء انتهى.

ومن هذا القسم: السراج الوهاج شرح مختصر القدوري كما قال في كشف الظنون: عده المولى البركلي من الكتب المتداولة الضعيفة الغير المعتبرة انتهى.
مع أن مؤلفه جليل القدر وهو أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي قال علي القاري في طبقات الحنفية: كان عالما عاملا ناسكا فاضلا زاهدا كان يقرأ في كل يوم خمسة عشر درسا، وله مصنفات كثيرة منها التفسير المسمى بكشف التنزيل، والجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري في أربع مجلدات، والسراج الوهاج شرح مختصر القدوري في ثمانية مجلدات وغير ذلك، وسارت بمؤلفاته الركبان مات سنة ثمانمائة وله كرامات كثيرة انتهى.

ومن الكتب الغير المعتبرة: مشتمل الأحكام لفخر الدين الرومي ألفه للسلطان محمد الفاتح قال صاحب كشف الظنون: عده المولى بركلي من جملة الكتب المتداولة الواهية انتهى.
وكذا: كنز العباد فإنه مملوء من المسائل الواهية، والأحاديث الموضوعة لا عبرة له لا عند الفقهاء ولا عند المحدثين، قال علي القاري في طبقات الحنفية: علي بن أحمد الغوري له كتاب جمع فيه مكروهات المذهب سماه مفيد المستفيد، وله كنز العباد في شرح الأوراد قال العلامة جمال الدين المرشدي: فيه أحاديث سمجة موضوعة لا يحل سماعها انتهى.
وكذا: مطالب المؤمنين نسبة ابن عابدين في تنقيح الفتاوى الحامدية إلى الشيخ بدر الدين بن تاج بن عبد الرحيم اللاهوري، وخزانة الروايات نسبه صاحب كشف الظنون إلى القاضي جكن الحنفي الهندي الساكن بقصبة كن من الكجرات، وشرعة الإسلام لمحمد بن أبي بكر الجوغي، نسبة إلى جوغ قرية من قرى سمرقند الشهير بركن الإسلام إمام زاده المتوفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، فإن هذه الكتب مملؤة من الرطب واليابس مع ما فيها من الأحاديث المخترعة والأخبار المختلفة.
وكذا: الفتاوى الصوفية لفضل الله محمد بن أيوب المنتسب إلى ماجو تلميذ صاحب جامع المضمرات شرح القدوري يوسف بن عمر الصوفي قال صاحب كشف الظنون: قال المولى البركلي: الفتاوى الصوفية ليست من الكتب المعتبرة، فلا يجوز العمل بما فيها إلا إذا علم موافقتها للأصول انتهى.
وكذا: فتاوى الطوري وفتاوى ابن نجيم كما ذكره صاحب رد المحتار وغيره.

والحكم في هذه الكتب الغير المعتبرة، أن لا يؤخذ منها ما كان مخالفا لكتب الطبقة الأعلى، ويتوقف في ما وجد فيها ولم يوجد في غيرها ما لم يدخل ذلك في أصل شرعي.
وأما الكتب المختصرة بالاختصار المخل، فلا يفتى منها إلا بعد نظر غائر وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها، بل لأن اختصاره يوقع المفتي في الغلط كثيرا كما مر الإشارة إليه.

واعلم أنه ليس تفاوت المصنفات في الدرجات إلا بحسب تفاوت درجات مؤلفيها، أو تفاوت ما فيها لا بحسب التأخر الزماني والتقدم الزماني، فليس أن تصنيف كل متأخر أدنى من تصنيف المتقدم، بل قد يكون تصنيف المتأخر أعلى درجة من تصنيف المتقدم بحسب تفوقه عليه في الصفات الجليلة، كما لا يخفى على من نظر بعين البصيرة، ولذا قال الدماميني في شرح التسهيل: قال المبرد: ليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحداثته يهضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق، وكثير من الناس من تحرى هذه البلية الشنعاء، فتراهم إذا سمعوا شيئا من النكت الحسنة غير معزو إلى معين استحسنوه بناء على أنه للمتقدمين، فإذا علموا أنه لبعض أبناء عصرهم نكصوا على الأعقاب واستقبحوه، أو ادعوا أن صدور ذلك عن عصري مستبعد، وما الحامل لذلك إلا حسد ذميم انتهى.
ويعجبني في هذا قول خير الدين الرملي أستاذ صاحب الدر المختار:
قل لمن لم ير المعاصــر شيئا ... ويـــــــــــــرى للأوائــــــــــــــل التقديما
إنَّ ذاك القديمَ كان حديـــــــثا ... وسيبقى هذا الحديثُ قديمـــــا
تتمة: كل ما ذكرنا من ترتيب المصنفات إنما هو بحسب المسائل الفقهية، وأما بحسب ما فيها من الأحاديث النبوية فلا، فكم من كتاب معتمد اعتمد عليه أجلة الفقهاء مملوء من الأحاديث الموضوعة، ولا سيما الفتاوى فقد وضح لنا بتوسيع النظر أن أصحابهم، وإن كانوا من الكاملين لكنهم في نقل الأخبار من المتساهلين، وهذا هو الذي فتح فم الطاعنين فزعموا أن مسائل الحنفية مستندة إلى الأحاديث الواهية والموضوعة، وأن أكثرها مخالفة للأخبار المثبتة في كتب أئمة الدين، وهذا ظن فاسد ووهم كاسد.
[النافع الكبير:1/7-31]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 2 ربيع الأول 1434هـ/13-01-2013م, 12:15 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 17,920
افتراضي

الفصل الثاني
في ذكر فضائل الجامع الصغير الحميدة وصفاته الجليلة

قد مر أنه من الطبقة الأولى من طبقات مصنفات الحنفيين، وأن مؤلفه من ثاني طبقات المجتهدين، وأول طبقات المقلدين، وكفاك به فضلا وشرفا وقال شمس الأئمة أبو بكر محمد السرخسي في شرحه للجامع الصغير: كان سبب تأليف محمد أنه لما فرغ من تأليف الكتب، طلب منه أبو يوسف أن يؤلف كتابا يجمع فيما حفظ عنه مما رواه له عن أبي حنيفة، فجمع ثم عرضه عليه فقال: نعما حفظ إلا أنه أخطا في ثلاث مسائل فقال محمد: أنا ما أخطات، ولكنك نسيت الرواية وذكر علي القمي، أن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا في سفر، وكان علي الرازي يقول: من فهم هذا الكتاب فهو أفهم أصحابنا، ومن حفظ كان أحفظ أصحابنا، وأن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحدا القضاء حتى يمتحنونه، فإن حفظه قلدوه القضاء، وإلا أمروه بحفظه وكان شيخنا الحلوائي يقول: إن أكثر مسائله مذكورة في المبسوط.

وهذا لأن مسائل هذا الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يوجد لها رواية إلا ههنا؛ وقسم يوجد ذكرها في الكتب ولكن لم ينص فيها أن الجواب قول أبي حنيفة أم غيره، وقد نص ههنا في جواب كل فصل على قول أبي حنيفة؛ وقسم أعاده ههنا بلفظ آخر، واستفيد من تغيير اللفظ فائدة لم تكن مستفادة باللفظ المذكور في الكتب، ومراده بالقسم الثالث ما ذكره الفقيه أبو جعفر الهندواني في مصنف سماه كشف الغوامض انتهى.

وقال قاضيخان في شرحه: اختلفوا في مصنف الجامع الصغير قال بعضهم: من تأليف أبي يوسف ومحمد وقال بعضهم: هو من تأليف محمد فإنه حين فرغ من تصنيف المبسوط أمره أبو يوسف أن يصنف كتابا، ويروي عنه فصنف ولم يرتب، وإنما رتبه أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني الفقيه الحنفي انتهى.

وقال فخر الإسلام البزدوي في شرحه: كان أبو يوسف يتوقع من محمد أن يروي كتابا عنه فصنف هذاه الكتاب، وأسنده عن أبي يوسف عن أبي حنيفة فلما عرض على أبي يوسف استحسنه وقال: حفظ أبو عبد الله إلا في مسائل أخطأ في روايتها فلما بلغ ذلك محمدا قال: حفظتها ونسي وهي ست مسائل منها رجل صلى التطوع أربعا، وقرأ في إحدى الأوليين وإحدى الآخريين لا غير روى محمد أنه يقضي أربعا، وقال أبو يوسف: إنما رويت له ركعتين واعتمد مشايخنا رواية محمد انتهى.

وفي غاية البيان شرح الهداية لأمير كاتب الأتقاني في (باب الأذان): ذكر محمد في الجامع الصغير أبا يوسف باسمه دون كنيته حتى لا يكون، وهم التسوية في التعظيم بين الشيخين لأن الكنية للتعظيم، وكان محمد مأمورا من جهة أبي يوسف بأن يذكره باسمه حيث يذكر أبا حنيفة، فعن هذا قال مشايخنا ببخارا: من الأدب أن لا يدعو بعض الطلبة بعضهم بلفظ مولانا عند أستاذهم احترازا عن التسوية في التعظيم بين الأستاذ والتلميذ انتهى.

وفيه: إنما سمي المبسوط أصلا لأنه صنفه محمد أولا، ثم صنف الجامع الصغير، ثم الجامع الكبير، ثم الزيادات انتهى.
وفي شرح شمس الأئمة السرخسي السير الكبير: إن آخر تصانيفه هو السير الكبير وقبله صنف السير الصغير.

[النافع الكبير:1/32-33]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 2 ربيع الأول 1434هـ/13-01-2013م, 12:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 17,920
افتراضي

الفصل الثالث
في نشر فضائل الأئمة الثلاثة: محمد وأبي يوسف وأبي حنيفة

وقد ذكرت تراجمهم في مقدمة الهداية، ثم في مقدمة شرحي لشرح الوقاية، وأورد ههنا أزيد من الموضعين تنشيطا للماهرين من الثقلين.

أما محمد: فهو ابن الحسن الشيباني نسبة إلى شيبان (بفتح الشين المعجمة) قبيلة معروفة في بكر بن وائل ولد بواسط، ونشأ بالكوفة وتلمذ لأبي حنيفة، وسمع الحديث عن مسعر بن كدام وسفيان الثوري ومالك بن دينار ومالك بن أنس والأوزاعي وربيعة، والقاضي أبي يوسف، وسكن بغداد وحدث بها وروى عنه محمد بن إدريس الشافعي وهشام بن عبيدالله الرازي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وكان الرشيد ولاه إلى قضاء الرقة فصنف هناك كتابا سماه بالرقيات، ثم عزله فرجع إلى بغداد، ولما خرج هارون الرشيد إلى الري أمره، فخرج معه فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة كذا في كتاب الأنساب للسمعاني.

أقول: هكذا ذكره النووي أيضا في تهذيب الأسماء واللغات نقلا عن تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وهو نص صريح على أن الشافعي من تلامذة محمد، وقد أنكر ابن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي ذلك، فإنه لما ذكر الحسن بن يوسف الحلي الشيعي في كتابه منهاج الكرامة: أن الشافعي قرأ على محمد الحسن رد عليه ابن تيمية في منهاج السنة قائلا: ليس ذلك بل جالسه وعرف طريقته، وأول من أظهر الخلاف لمحمد والرد عليه هو الشافعي، فإن محمدا أظهر الرد على مالك وأهل المدينة، فنظر الشافعي في كلامه انتهى.

ولا يخفى ما فيه فإنه إن أراد أنه لم يقرأ عليه، كقراءة طلبة زمانه على أساتذتهم، فيمكن أن يكون مسلما لكنه لا ينفي التلمذ مطلقا، وإن أراد أنه لم يرو عنه شيئا فكلام الخطيب، ثم السمعاني والنووي يكذبه، وأما كون الشافعي أول من أظهر الخلاف والرد على محمد، فهو غير مناف للتلمذ، فإن الشافعي قد صنف في الرد على مالك كتابا مع أنه تلميذه، وكذلك ادعى الحلي: أن أبا حنيفة قرأ على جعفر الصادق، وأنكره ابن تيمية قائلا: هذا من الكذب الذي يعرفه من له أدنى علم، فإن أبا حنيفة من أقران جعفر الصادق، وكان أبو حنيفة يفتي في حياة محمد بن علي والد الصادق، وما يعرف أن أبا حنيفة أخذ عن جعفر الصادق ولا من أبيه مسألة واحدة، بل أخذ عمن كان أسن منهما، كعطاء بن أبي رباح وحماد وغيرهما انتهى.

وفيه أيضا ما فيه فقد أثبت ما أنكره صاحب مشكاة المصابيح حيث قال في كتاب أسماء رجال المشكاة في ترجمة جعفر الصادق: سمع منه الأئمة الأعلام نحو: يحيى بن سعيد وابن جريج ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة انتهى.

وقال علي القاري في طبقاته عند ذكر مشايخ أبي حنيفة: ومن أهل المدينة الإمام جعفر بن محمد الصادق، وكان يسأله ويطارحه وهو تابعي من أكابر أهل البيت انتهى.
وأما كون أبي حنيفة من أقران جعفر فهو لا يقدح في التلميذ كما لا يخفى.

وكذلك ادعى الحلي: أن أحمد بن حنبل من تلامذة الشافعي، وأنكره ابن تيمية قائلا: أحمد لم يقرأ على الشافعي، ولكن جالسه كما جالس الشافعي محمد بن الحسن انتهى.
وفيه أيضا ما فيه فإنه أمر مشهور في التواريخ وكتب أسماء الرجال، قد ذكره صاحب المشكاة وغيره، فلا يضر إنكاره وذكر الكفوي في أعلام الأخيار: في التقدمة شرح المقدمة: إنما ظهر علوم أبي حنيفة بتصانيف محمد حتى قيل: إنه صنف تسعمائة وتسعين كتابا كلها في العلوم الدينية وقيل: رأى محمدا في المنام بعد وفاته فقيل له:
كيف كنت في حال النزع فقال: كنت متأملا في مسألة من مسائل المكاتب فلم أشعر بخروج روحي وقيل لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقيقة ؟ قال: من كتب محمد بن الحسن وعن ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين، وسمعت منه سبعمائة حديث ونيفا وروى أن الشافعي بات عند محمد، وقام إلى الصباح واضطجع محمد فاستكثر الشافعي ذلك فلما طلع الفجر قام وصلى بلا تجديد وضوء فقال الشافعي لمحمد فقال: إنك عملت لنفسك حتى الصباح، وأنا عملت للأمة استخرجت من كتاب الله نيفا وألف مسألة، وقيل لعيسى بن أبان: أبو يوسف أفقه أم محمد ؟ فقال: اعتبروا بكتبهما يعني أن محمدا أفقه.

وذكر النووي في تهذيب الأسماء: أنه روى الخطيب بإسناده عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان محمد يجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة، وبإسناده عن الشافعي قال: ما رأيت أعقل من محمد وعن محمد بن سماعة قال: قال محمد لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي وعن أبي رجاء عن محمويه قال: رأيت محمدا في المنام فقلت: يا أبا عبد الله إلى ما صرت ؟ قال: قال لي ربي: إني لم أجعلك وعاء للعلم، وأنا أريد أن أعذبك قلت: ما فعل أبو يوسف ؟ قال: فوقي قلت: ما فعل أبو حنيفة ؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات.

وأما أبو يوسف: فهو القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي سمع أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي ويحي بن سعد وسيلمان الأعمش، وهشام بن عروة وعبيد الله بن عمر العمري، وعطاء بن السائب ومحمد بن إسحاق بن يسار وليث بن سعد وغيرهم، وتلمذ لأبي حنيفة وروى عنه محمد بن الحسن وبشر بن الوليد الكندي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأحمد بن منيع وغيره، وكان قد سكن بغداد وولي القضاء وهو أول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام، ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني في كونه ثقة في الحديث، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، ونشر عمله في أقطار الأرض، وكانت وفاته ببغداد سنة اثنين وثمانين ومائة كذا في أنساب السمعاني.

وفي الجواهر للشيخ الإمام طاهر الشهير بسعد غدبوش الخوارزمي، تلميذ السيد جلال الدين الكرلالي الخوارزمي صاحب الكفاية شرح الهداية نقلا عن منية المفتي ليوسف بن أبي سعد السجستاني عن أبي يوسف أنه قال: اختلفت إلى أبي حنيفة تسعا وعشرين سنة ما فاتتني صلاة الغداة، ومن تلامذة أبي يوسف محمد بن سماعة ومعلى بن منصور، وبشر بن الوليد الكندي وبشر بن غياث المريسي، وخلف بن أيوب وعصام ابن يوسف، وهشام بن عبد الله والحسن بن أبي مالك، وأبو علي الرازي وهلال الرائي، وعلي بن الجعد وغيرهم، وله حكايات نادرة تدل على قوة راسخة، وملكة شامخة في الفقه مذكورة في كتب الطبقات لا يليق إيرادها بهذا المختصر، ومن تصانيفه كتاب الخراج والأمالي وغيرها.

وأما أبو حنيفة: وما أدراك ما أبو حنيفة ؟ إمام يعجز اللسان عن تقرير محامده، ويقصر الجنان عن إدراك مناقبه، قد صنف جمع من العلماء في فضائله كتبا نفيسة، وألف جم من الفضلاء في فواضله زبرا شريفة منهم الإمام أبو جعفر الطحاوي ألف مجلدا سماه عقود المرجان، ثم اختصره وسماه قلائد عقود الدرر، والعقيان في مناقب النعمان، ومرفق الدين بن أحمد المكي الخوارزمي المتوفى سنة ثمان وستين وخمسمائة، والشيخ محيي الدين عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي صاحب الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ألف كتابا سماه البستان في مناقب النعمان، وجار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ألف شقائق النعمان في مناقب النعمان، وعبد الله بن محمد الحارثي ألف مجلدا سماه كشف الآثار، وظهير الدين المرغيناني، والمؤرخ يوسف بن فرغلي سبط بن الجوزي صنف الانتصار لإمام أئمة الأمصار، وأبو عبد الله حسين بن علي الصيمري المتوفى سنة أربع وأربعمائة، وأبو العباس أحمد بن الصلت الجماني المتوفى سنة ثمان وثلاث مائة، ومحمد بن محمد الكردري البزازي المتوفى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وأبو القاسم عبد الله بن محمد بن أحمد السعدي المعروف بابن أبي العوام، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة، ألف كتابا سماه تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة، وابن كاس ألف تحفة السلطان في مناقب النعمان، وأبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي الصالحي (نزيل البرقوقية بالقاهرة) ألف عقود الجمان في مناقب النعمان فرغ منه سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، وأبو يحيى زكريا بن يحيى النيسابوري، وأبو أحمد محمد بن أحمد الشعيبي النيسابوري المتوفى سنة سبع وخمسين ثلاث ومائة، والشيخ شمس الدين أحمد السيواسي ألف بالتركية الحياض من صوب غمام الفياض فرغ منه سنة إحدى وألف، والقاضي الإمام أبو جعفر أحمد بن عبد الله الشنرا ساري البلخي الحنفي ألف مختصرا في رد المشنعين على أبي حنيفة سماه الإبانة وغيرهم.

وأما الذين ذكروا مناقبه في كتبهم، فجمع عظيم منهم أبو الحسين بن أحمد القدوري ذكر مناقبه في أول شرحه لمختصر الكرخي، ومحمد بن عبد الرحمن الغزنوي تلميذ السغناتي في كتابه جامع الأنوار، وأحمد بن سليمان بن سعيد في آخر كتابه الدر، وشمس الدين يوسف بن عمر الصوفي الكماروري في أول كتابه جامع المضمرات شرح مختصر القدوري، والإمام ابن عمر بن عبد البر المالكي المتوفى سنة اثنين وستين وأربعمائة، وشمس الدين يوسف بن سعيد السجستاني في آخر منية المفتي، وشرف الدين اسماعيل بن عيسى الأوغاني المكي المتوفى سنة اثنين وتسعين وثمانمائة في مختصر المسند، وأبو عبد الله محمد بن خسرو البلخي في أول كتابه المسند، وأبو البقا أحمد بن أبي الضياء القرشي المكي في مختصر المسند، وأبو العباس أحمد بن محمد الغزنوي في مقدمته وعثمان بن علي بن محمد الشيرازي في كتابه الإيضاح لعلوم النكاح، وأبو إسحاق الشيرازي في طبقات الشافعية، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، وحسام الدين الصدر الشهيد في آخر الفتاوى الكبرى، وابن خلكان في وفيات الأعيان وغيرهم هذا ما في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.

أقول: ومن مادحيه مجد الدين محمد يعقوب الشيرازي الشافعي المتوفى سنة سبع عشرة وثمانمائة صاحب القاموس كما قال عبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، دسوا على شيخ الإسلام مجد الدين الفيروز آبادي كتابا في الرد على أبي حنيفة وتكفيره، ودفعوه إلى أبي بكر بن الخياط اليمني، فأرسل يلوم مجد الدين فكتب إليه: إن كان بلغك هذا الكتاب فأحرقه، فإنه افتراء علي من الأعداء، وأنا من أعظم المعتقدين في أبي حنيفة، وذكرت مناقبه في مجلد انتهى.
ومنهم أبو عبد الله الذهبي الشافعي كما قال في الكاشف في ترجمة أبي حنيفة، أفردت سيرته في جزء انتهى.
ومنهم أحمد بن حجر المكي الشافعي ألف الخيرات الحسان في مناقب النعمان.
ومنهم يوسف بن عبد الهاد الحنبلي ألف تنوير الصحيفة بمناقب أبي حنيفة.
ومنهم صاحب الهداية في آخر مختارات النوازل وصاحب السراجية فيها وعلي القاري المكي في طبقاته ورسائله، وصاحب المشكاة في أسماء رجال المشكاة، والذهبي في العبر بأخبار من غبر وغيره من تصانيفه، واليافعي في مرآة الجنان، وعبد الوهاب الشعراني في الميزان، والإمام الغزالي في إحياء العلوم وغيرهم من أصحاب المذاهب المختلفة، وأرباب المشارب المتفرقة لا يمكن عدهم وإحصاهم، وأما الطاعنون عليه فلم يطعنوا إلا لشبه عرضت لخاطرهم الفاتر، أو لتعصبهم الوافر، وليس لهم سعة المقابلة بهؤلاء المادحين، فلا يقبل كلامهم معارضا لكلام طائفة من أئمة الدين، فهم في جنب هؤلاء مطعونون خامدون، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكارهون، وأنا أذكر ههنا قدرا من أحواله لأن ما لا يدرك كله لا يترك أيضا بكماله.

أما نسبه فهو النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي كذا نسبه الصغاني وصاحب القاموس، وذكر صاحب الكافي أنه: نعمان بن ثابت بن طاؤس بن هرمز ملك بني شيبان وقيل: إن جده زوطا من أهل كابل أو بابل كان مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولد أبوه ثابت على الإسلام، والأصح أنه من الأحرار ما وقع عليه الرق قط في جميع الأعصار، كما هو منقول عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كذا قال علي القاري، وأما ولادته فقيل: سنة إحدى وستين وقيل: سنة ثمانين وهو الأشهر وقيل غير ذلك.

وأما طبقته فقيل: إنه من أتباع التابعين، وأنه أدرك زمان الصحابة لكنه لم يلق أحدا منهم، وقال جماعة: إنه لقي منهم وأخذ عنهم، وهو الذي صححه علي القاري في سند الأنام شرح مسند الإمام، وأثبت جماعة من المحدثين، كالخطيب وابن سعد والدارقطني، والذهبي وابن حجر، والولي العراقي والسيوطي وغيرهم، أنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه لكن لم يثبت روايته فعلى هذا هو من طبقة التابعين، وهو الأرجح كما حققته في رسالتي إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة، وأما مشايخه في العلم فهم كثيرون: منهم إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وإسماعيل بن عبد الملك، وأبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني، وحماد بن سليمان وخالد بن علقمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن وزياد بن علاقة، وسعيد بن مسروق الثوري، وسلمة بن كهيل وسماك بن حرب، وشداد بن عبد الرحمن القشيري وشيبان بن عبد الرحمن، وطاؤس بن كيسان في ما قيل، وعبد الله بن دينار وعبد الكريم بن أبي أمية البصري، وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن السائب، وعكرمة مولى ابن عباس ونافع مولى ابن عمر، وعلقمة بن مرثد وعون بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقابوس بن أبي ظبيان وقتادة بن دعامة، ومحمد بن السائب النكبي وأبو جعفر محمد بن علي، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وهشام بن عروة وأبو سعيد مولى ابن عباس وغيرهم مما ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال.

وأما الرواة عنه فذكر المزي كثيرين: منهم إبراهيم بن طهمان والأبيض بن الأغر، وشعيب بن إسحاق الدمشقي، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد وعامر بن فرات، وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقري، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وعبد الرزاق بن همام، وعبد العزيز بن أبي رواد وعبد الوارث بن سعيد، وعبيد الله بن يزيد القرشي وعبيد الله بن عمرو الرقي، وعلي بن أبي ظبيان الكوفي والفضل بن دكين، ومكي بن إبراهيم البلخي، وقد بسط السيوطي في تبييض الصحيفة وعلي القاري في طبقاته ذكر مشايخه، وتلامذه بسطا حسنا فليطالع.

وذكر الكفوي من تلامذته جماعة: منهم أبو يوسف ومحمد وزفر المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائة، والحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي المتوفى في السنة التي مات فيها الإمام الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين ووكيع بن الجراح المتوفى بعد سنة سبع وتسعين ومائة، وحفص بن غياث النخعي الكوفي المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة، وأسد بن عمرو البجلي المتوفى سنة ثمان وثمانين ومائة، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، ويوسف بن خالد السمتي المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة، وحماد بن أبي حنيفة وغيرهم.

وأما ثناء الناس له فروى الخطيب البغدادي عن عبد الله بن المبارك قال: لو لا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس، وروى عن الشافعي قال: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال: نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته، وروى عن روح بن عبادة قال: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة، وأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وقال: أي علم ذهب، وروى عن يزيد بن هارون أنه سئل أيهما أفقه: أبو حنيفة وسفيان ؟ قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه، وروى عن محمد بن بشر: كنت أختلف إلى أبي حنيفة وسفيان فآتي أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئت ؟ فأقول: من عند سفيان فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا مثله، وآتي سفيان فيقول: من أين جئت ؟ فأقول: من عند أبي حنيفة فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض، وروى عن محمد بن سعد الكاتب قال: سمعت عبد الله بن داود الجويني يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لأبي حنيفة في صلاتهم، وذكر حفظه عليهم السنن والآثار، وروى عن محمد بن أحمد البلخي قال: سمعت شداد بن حكيم يقول: ما رأيت أعلم من أبي حنيفة، وروى عن إسماعيل بن محمد الفارسي قال: سمعت مكي بن إبراهيم ذكر أبا حنيفة فقال: كان أعلم أهل الأرض في زمانه، وروى عن يحيى بن معين قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله وروى عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وروى عن حماد بن يونس قال: سمعت أسد بن عمرو قال: صلى أبو حنيفة في ما أحفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ جميع القرآن في ركعة، وكان يسمع بكاءه في الليل حتى يرحمه جيرانه وروى عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، وسمع رجلا يقول له: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال أبو حنيفة: سبحان الله ! والله لا يتحدث الناس بما لا أفعل، فكان يحيي الليل كله صلاة ودعاء وتضرعا، وروى عن يزيد بن هارون قال: أدركت الناس فما رأيت أحدا أعقل ولا أورع من أبي حنيفة، وروى عن عبد العزيز بن رواد قال: الناس في أبي حنيفة رجلان: جاهل به وحاسد، وروى عن محمد بن حفص عن الحسن عن سليمان أنه قال في تفسير حديث: [ لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم ] قال: علم أبي حنيفة، وروى عن ابن المبارك قال: قلت للثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة ما سمعته يغتاب عدوا له قال: هو والله أعقل من أن يسلط أحدا على حسناته يذهب بها هذا ما أورده السيوطي مع أقوال كثيرة أخر لا يتحملها هذا المختصر، وقد أوردت أخبار تعبده في رسالتي إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة فلتراجع.

وأما اتباعه للأحاديث والآثار خلاف ما يظنه الظانون أنه يقيس على خلاف الحديث فيدل عليه على ما أورده السيوطي عن الخطيب أنه أخرج عن أبي حمزة اليشكري قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم نذهب عنه إلى غيره، وأخذنا به وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم، وأخرج أيضا عن ابن المبارك قال: قال أبو حنيفة: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا كان عن الصحابة اخترنا من قولهم، وإذا كان عن التابعين زاحمناهم، وفي الميزان لعبد الوهاب الشعراني: قد أطال الإمام أبو جعفر الكلام في تبرئة أبي حنيفة من القياس بغير ضرورة ورد على من نسب إلى الإمام تقديم القياس على النص وقال: إنما الرواية الصحيحة عنه تقديم الحديث، ثم الآثار ثم يقيس بعد ذلك، ولا خصوصية للإمام في القياس بشرطه المذكور، بل جميع العلماء يقيسون في مذائق الأحوال إذا لم يجدوا في المسألة نصا انتهى.

وفيه أيضا: اعتقادنا واعتقاد كل مصنف في أبي حنيفة أنه لو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة، وبعد رحيل الحفاظ في جمعها من البلاد والثغور، وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس كان قاسه، وكان القياس قل في مذهبه كما قل في مذهب غيره، لكن لما كانت أدلة الشريعة متفرقة في عصره مع التابعين، وتبع التابعين في المدائن والقرى كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلى غيره من الأئمة، ضرورة لعدم وجود النص في تلك المسائل التي قاس فيها بخلاف غيره من الأئمة انتهى.

أقول: تفرق الناس من قديم الزمان إلى هذا الأوان في هذا الباب إلى الفرقتين: فطائفة قد تعصبوا في الحنفية تعصبا شديدا، والتزموا بما في الفتاوى التزاما سديدا، وإن وجدوا حديثا صحيحا أو أثرا صريحا على خلافه وزعموا أنه لو كان هذا الحديث صحيحا لأخذ به صاحب المذهب ولم يحكم بخلافه، وهذا جهل منهم بما روته الثقات عن أبي حنيفة من تقديم الأحاديث والآثار على أقواله الشريفة فترك ما خالف الحديث الصحيح رأي سديد، وهو عين تقليد الإمام لا ترك التقليد.

وطائفة زعموا أن الإمام قاس على خلاف الأخبار، وهجر ما ورد به الشرع والآثار فظنوا في حقه ظنونا سيئة، واعتقدوا عقائد قبيحة ومطالعة الميزان لهم نافع ولأوها مهم دافع، فليتخذ العاقل مسلك البين ويهجر طريق الطائفتين.

وأما وفاته فكانت سنة خمسين ومائة وهي السنة التي ولد فيها الشافعي فكره النووي وغيره.

[النافع الكبير:34/1-45]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 2 ربيع الأول 1434هـ/13-01-2013م, 12:28 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 17,920
افتراضي

الفصل الرابع


في ذكر شراح الجامع الصغير ومرتبيه وناظميه وغيرهم



أعلم أنه لم يزل هذا الكتاب مطمحا لأنظار الفقهاء، ومنظرا لأفكار الفضلاء فلا يدري كم من شرح له ومحش ومرتب له ومنظم، فأذكر تراجمهم لأن بذكرهم تنزل الرحمة، وتندفع الزحمة، وألخص فيه ما أورده محمود بن سليمان الكفوي في أعلام الأخيار، وما أذكره عن غيره أصرح باسمه.

فمنهم: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، إمام جليل القدر مشهور في الآفاق ذكره مملوء في بطون الأوراق، ولد سنة تسع وعشرين وقيل: تسع وثلاثين ومائتين ومات سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، أخذ الفقه عن أبي جعفر أحمد بن عمران عن محمد سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، ثم خرج إلى الشام فلقي عبد الحميد قاضي القضاة بالشام، فأخذ عنه عن عيسى بن أبان عن محمد عن أبي حنيفة، وعن عبد الحميد عن بكر بن محمد العمي عن محمد بن سماعة، وكان إماما في الأحاديث والأخبار، أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم، وله تصانيف جليلة معتبرة منها أحكام القرآن وكتاب معاني الآثار، ومشكل الآثار وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير، وكتاب الشروط الكبير وكتاب الشروط الصغير والأوسط، وكتاب المحاضر والسجلات والوصايا، والفرائض وكتاب مناقب أبي حنيفة والنوادر الفقهية، واختلاف الروايات على مذهب الكوفيين، وكتاب حكم أراضي مكة، وقسم الغنائم والرد على عيسى بن أبي أبان، والرد على أبي عبيد في ما أخطاه من النسب وغير ذلك.

وفي كتاب الأنساب للسمعاني: الطحاوي (بفتح الطاء) نسبة إلى طحا قرية بأسفل أرض مصر من الصعيد، والمشهور بالانتساب إليها أبو جعفر أحمد بن حمد بن سلامة الأزدي صاحب شرح معاني الآثار كان إماما ثقة فقيها عاقلا لم يخلف مثله انتهى.
وفي حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة لجلال الدين السيوطي: كان ثقة ثبتا فقيها لم يخلف بعده مثله انتهى.

وفي غاية البيان شرح الهداية لأمير كاتب الأتقاني في كتاب الصوم: أبو جعفر الطحاوي مؤتمن لأمتهم مع غزارة عمله واجتهاده، وورعه وتقدمه في معرفة المذاهب وغيرها، فإن شككت في أمر فانظر في كتاب شرح معاني الآثار هل ترى له نظيرا في سائر المذاهب فضلا عن مذهبنا هذا انتهى.

وفي مرآة الجنان لليافعي: برع في الحديث والفقه، وصنف التصانيف المفيدة قال الشيخ أبو إسحاق: انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر وقال غيره: كان شافعي المذاهب يقرأ على المزني فقال يوما: والله لا جاء منك شئ فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى الحنفية، واشتغل على أبي جعفر بن عمران فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم (يعني المزني) لو كان حيا لكفر عن يمينه انتهى.

قلت: لو جعل الطحاوي من مجددي الأمة المحمدية على رأس المائة الثالثة، ومصداقا لحديث: [ إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ] أخرجه أبو داؤد وغيره لم يبعد ذلك بناء على شهرة أمره ورفعة ذكره، وانتفاع الناس بتصانيفه، ولئن أمهلني الله في هذه الدار إلى رأس المائة الآتية لأصنف (إنشاء الله تعالى) رسالة جامعة لأحوال المجددين على رأس المئين من المائة الأولى إلى المائة الآتية.

ومنهم: الجصاص الرازي: وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي، إمام الحنفية في عصره أخذه عن أبي سهل الزجاج، عن أبي الحسن الكرخي عن أبي سعيد البردعي، عن موسى بن نصر الرازي عن محمد عن أبي حنيفة، وتفقه على أبي الحسن الكرخي وبه انتفع واستقر التدريس له ببغداد، وانتهت الرحلة إليه ورياسة الحنفية، وسئل ولاية القضاء فامتنع، وكان على طريق من تقدمه في الزهد والورع، وله تصانيف منها أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي وشرح مختصر الطحاوي وشرح الجامع الصغير والكبير والصغير، وشرح الأسماء الحسنى وكتاب في أصول الفقه، وأدب القضاء مات سنة سبعين وثلاث مائة، وقال علي القاري المكي في طبقات الحنفية: ذكره بعض الأصحاب بلفظ الرازي، وبعضهم بلفظ الجصاص وهما واحد خلافا لمن توهم أنهما اثنان كما صرح به صاحب القاموس في طبقات الحنفية قال الخطيب: هو إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، وروى الحديث عن عبد الباقي بن قانع وأكثر عنه في أحكام القرآن انتهى.

ومنهم: الإمام أبو عمرو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الطبري، تفقه على أبي سعيد البردعي عن إسماعيل عن حماد بن أبي حنيفة عنه، وكان فقيها ببغداد درس في حياة أبي الحسن الكرخي، وكانت وفاته سنة أربعين وثلاث مائة وله شرح الجامعين.

ومنهم: الظهير البلخي: وهو الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز البلخي، إمام فاضل في الفروع والأصول، وعالم كامل في المعقول والمنقول، أخذ العلم عن الإمام الزاهد نجم الدين أبي حفص عمر النسفي، عن صدر الإسلام أبي اليسر محمد بن محمد البزدوي، عن أبي يعقوب يوسف السياري عن أبي إسحاق النوقدي، عن أبي جعفر الهندواني عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإسكاف عن محمد بن سلمة عن أبي سليمان الجوزجاني، عن محمد عن أبي حنيفة، ودرس بمراغة وقدم حلب، ثم توجه إلى دمشق ودرس، وله شرح الجامع الصغير، ووقف كتبه بحلب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ومات في هذه السنة بدمشق.

ومنهم: قاضيخان صاحب الفتاوى المشهورة: وهو الإمام المجتهد والحبر الفهامة سلطان الشريعة برهان الطريقة فخر الدين قاضيخان الحسن بن منصور بن محمود الأوز جندي الفرغاني، كان إماما كبيرا بحرا عميقا فارسا في الأصول والفروع، أخذ عن ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني عن برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازة، ومحمد بن عبد العزيز جد قاضيخان، وهما أخذا عن شمس الأئمة السرخسي، عن شمس الأئمة الحلوائي عن أبي علي النسفي، عن أبي بكر محمد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السبذموني، عن أبي عبد الله بن أبي حفص، عن أبيه أبي حفص الكبير عن محمد، عن أبي حنيفة، وله الفتاوى المشهورة بقاضيخان المعمولة المتداولة والواقعات، والأمالي والمحاضر، وشرح الزيادات وشرح الجامع الصغير، وشرح أدب القضاء للخصاف وغير ذلك، توفي ليلة الإثنين خامس عشر رمضان سنة اثنين وتسعين وخمسمائة.

ومنهم: الصدر برهان الدين محمود، بن الصدر السعيد تاج الدين أحمد، بن الصدر برهان الدين الكبير عبد العزيز، بن عمر بن مازة، كان من كبار الأئمة وأعيان فقهاء الأمة مجتهدا متواضعا عالما عاملا له اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في حسن الكلام، ومعرفة الأدب أخذ العلم عن أبيه الصدر السعيد، وعن عمه الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز، وهما أخذا عن أبيهما عبد العزيز بن عمر عن شمس الأئمة السرخسي، عن الحلوائي، عن أبي علي النسفي، عن أبي بكر محمد بن الفضل، عن عبد الله السبذموني، ومن تصانيفه المحيط البرهاني والذخيرة البرهانية والتجريد، وتتمة الفتاوى وشرح الجامع الصغير، وشرح الزيادات وشرح أدب القاضي والواقعات وغير ذلك.

ومنهم: شرف القضاة أبو المفاخر عبد الغفور بن لقمان بن محمد الملقب بتاج الدين الكردري (بفتح الكاف) نسبة إلى كردر قرية بخوارزم إمام الحنفية تفقه على أبي الفضل عبد الرحمن، بن محمد بن أميرويه الكرماني المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، عن فخر القضاة محمد بن الحسين الأرسابندي، عن أبي منصور السمعاني، عن المستغفري، عن أبي علي النسفي، عن محمد بن الفضل، عن السبذموني، وتولى قضاء حلب للسلطان العامل نور الدين محمود، ومات بها سنة اثنين وستين وخمسمائة، له تصنيف في أصول الفقه وشرح تجريد الكرماني سماه المفيد والمزيد، وشرح الجامع الصغير والجامع الكبير وحيرة الفقهاء وغير ذلك.

ومنهم: بدر الدين عمر بن عبد الكريم الورسكي البخاري: أخذ عن أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني له شرح الجامع الصغير، ومن تلامذته شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، ومات ببلخ سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وذكر صاحب كشف الظنون: أن شرح الورسكي على شرح الصدر حسام الدين للجامع الصغير المعروف بجامع الصدر.

ومنهم: محمد بن أحمد بن عمر القاضي ظهير الدين البخاري المحتسب ببخارا صاحب الفتاوى المعروفة بالظهيرية، والفوائد الظهيرية شرح الجامع الصغير الحسامي كان أوحد عصره في العلوم الدينية فروعا وأصولا، أخذ العلم عن أبيه أحمد بن عمر الشيرازي، ووصل إلى خدمة ظهير الدين أبي المحاسن الحسن بن علي المرغيناني، وصار من كبار العلماء، وانتهت إليه رياسة العلم بعد الست مائة ومات سنة تسع عشرة وستمائة.

ومنهم: جمال الدين المحبوبي عبيد الله بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: كان يشتهر بأبي حنيفة الثاني وينتهي نسبه إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أخذ العلم عن إمام زاده ركن الإسلام محمد بن أبي بكر الواعظ صاحب شرعة الإسلام، وعماد الدين عمر بن بكر بن محمد بن علي الزرنجري، وهما عن شمس الأئمة بكر بن محمد بن علي الزرنجري، عن شمس الأئمة السرخسي، عن الحلوائي وله تصانيف منها شرح الجامع الصغير، وكتاب الفروق مات سنة ثلاثين وستمائة، ودفن في مقبرة تسمى شرع آبار ببخارا، وممن تفقه عليه ابنه شمس الدين أحمد والد تاج الشريعة صاحب الوقاية محمد بن أحمد جد شارح الوقاية عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي، والظهير أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز البلخي، وحافظ الدين الكبير محمد بن محمد بن نصر البخاري وغيرهم، وفي العبر بأخبار من غير لأبي عبد الله الذهبي في وقائع سنة ثلاثين وستمائة: فيها توفي جمال الدين عبيد الله بن إبراهيم العبادي المحبوبي البخاري شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب أخذ عن أبي العلاء عمر بن بكر بن محمد الزرنجري، وعن قاضيخان الأوزجندي انتهى.

ومنهم: أحمد بن محمد بن عمر أبو نصر العتابي: (بفتح العين وتشديد التاء) نسبة إلى العتابية محلة ببخارا كان من العلماء الزاهدين، وكانت الطلبة من أقطار الأرض ترحل إليه، ومن تصانيفه شرح الزيادات وشرح الجامع الكبير، وجوامع الفقه المعروف بالفتاوى العتابية وتفسير القرآن، أخذ الفقه عن شمس الأئمة الكردري تلميذ صاحب الهداية، ومات سنة ثمانين وخمسمائة ببخارا.

ومنهم: ظهير الدين أحمد بن إسماعيل التمرتاشي الخوارزمي أبو العباس: إمام جليل القدر عالي الإسناد مطلع على حقائق الشريعة الحنفية، له شرح الجامع الصغير وكتاب التواريخ وغير ذلك.

ومنهم: الإمام محمد بن محمد نزيل مرغينان: جامع العلوم ضابط الفنون له الباع الممتد في الفروع والأصول، وله شرح الجامع الكبير، ونظم الجامع الصغير مات سنة ست وعشرين وسبعمائة.

ومنهم: سراج الدين أبو حفص عمر بن إسحاق بن إسحاق بن أحمد الغزنوي الهندي: كان إماما علامة نظارا فارسا في البحث عديم النظير أخذ عن شمس الدين الخطيب الدهلوي، والزاهد وجيه الدين الدهلوي، وملك العلماء بدهلي سراج الدين الثقفي، وهم من تلامذة أبي القاسم التنوخي تلميذ حميد الدين الضرير عن شمس الأئمة الكردري عن صاحب الهداية، ومن تصانيفه شرح الهداية المسمى بالتوشيح، والشامل في الفقه وزبدة الأحكام في اختلاف الأئمة الأعلام، وشرح البديع وشرح المغني، وشرح الجامع الصغير والكبير، ولم يكملهما وغير ذلك مات سنة ثلاث وستين وسبعمائة.

ومنهم: الصدر الشهيد أبو محمد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازة: إمام الفروع والأصول المبرز في المعقول والمنقول، كان من كبار الأئمة وأعيان الفقهاء، تفقه على أبيه برهان الدين الكبير عبد العزيز عن شمس الأئمة السرخسي عن الحلوائي، واجتهد وبالغ إلى أن صار أوحد زمانه، وناظر الفقهاء، وفاق الفضلاء بخراسان، وغلب عليهم بحسن الكلام، ثم صار أمره إلى ما وراء النهر حتى أن السلطان والموالي كانوا يعظمونه، وعاش مدة محترما إلى أن رزقه الله الشهادة في صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة بسمرقند، وذكره صاحب الهداية في معجم شيوخه، وله الفتاوى الصغرى والكبرى، وشرح أدب القضاء للخصاف، وشرح الجامع الصغير وكتاب الواقعات.

قلت: قد انتفعت بشرحه عند تحشية الجامع الصغير، فوجدته جامعا وسطا فاتحا للمشكلات قال فيه بعد الحمد والصلاة: أما بعد فإن مشايخنا كانوا يعظمون مسائل هذا الكتاب تعظيما، ويقدمونه على سائر الكتب تقديما وكانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يتقلد القضاء والفتوى ما لم يحفظ مسائل هذا الكتاب، فإن مسائله من أمهات مسائل أصحابنا وعيونها، وكثير الواقعات وفنونها، فمن حوى معانيها ووعى مبانيها صار من علية الفقهاء، ومن زمرة الفضلاء وصار أهلا للفتوى والقضاء، وقد سألني بعض أصحابي أن أذكر لكل مسألة من مسائله على الترتيب الذي رتبه القاضي أبو طاهر الدباس نكتة وجيزة، وأحذف الزوايا من الروايات وأطرح الأحاديث والمعاني، فأجبتهم إلى ذلك، ثم سألني من لم يكفه هذا القدر أن أكتب لهم ثانيا وأزيد الروايات والأحاديث، وشيئا من المعاني، فأجبتهم إلى ذلك أيضا انتهى.

ومنهم: أبو الليث الفقيه نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي: كان يعرف بإمام الهدى تفقه على أبي جعفر الهندواني، عن أبي القاسم الصفار، عن نصير بن يحيى، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وصنف تفسير القرآن والنوازل والعيون والفتاوى وخزانة الفقه، وبستان العارفين، وتنبيه الغافلين، وتأسيس النظائر ومختلف الرواية، وشرح الجامع الصغير وغير ذلك مات سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة.

ومنهم: فخر الإسلام أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم البزدوي: إمام الدنيا في الأصول والفروع له تصانيف كثيرة معتبرة منها المبسوط أحد عشر مجلد، وشرح الجامع الكبير والصغير، وكتاب أصول الفقه مشهور بأصول البزدوي، وتفسير القرآن، وغناء الفقهاء وغير ذلك مات سنة اثنين وثمانين وأربعمائة، وحمل تابوته إلى سمرقند.

ومنهم: أخو فخر الإسلام صدر الإسلام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي: نسبة إلى بزدة قلعة على ستة فراسخ من نسف، أخذ عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم بن موسى البزدوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجوزجاني، عن أبي سليمان الجوزجاني، عن محمد عن أبي حنفية برع في العلوم أصلا وفرعا، وجمع الفنون عقلا وشرعا، انتهت إليه رياسة الحنفية بما وراء النهر توفي ببخارا سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ذكر صاحب كشف الظنون: أن له ترتيب الجامع الصغير.

ومنهم: القاضي أبو نصر أحمد بن منصور الإسبيجابي أحد شراح مختصر الطحاوي: كان إماما متبحرا تفقه على علماء بلده، ثم رحل إلى سمرقند، وناظر الأئمة والعلماء، وصار الرجوع إليه بعد السيد أبي شجاع ذكر صاحب كشف الظنون أن له شرح الجامع الصغير، وذكر في الأعلام اسبيجابيا آخر، وهو علي بن محمد بن إسماعيل بن علي بن أحمد، المعروف شيخ الإسلام الإسبيجابي ولد يوم الإثنين من الجمادي الأولى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، ولم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة ويعرفه مثله غيره، وعمر العمر الطويل مات بسمرقند سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وله شرح مختصر الطحاوي، والمبسوط وتفقه عليه جماعة منهم صاحب الهداية، وذكر صاحب كشف الظنون: أن وفات الاسبيجابي الأول سنة ثمانين وأربعمائة.

ومنهم: الفقيه أبو جعفر الهندواني: ذكر صاحب كشف الظنون أن له مرتب الجامع الصغير، وهو محمد بن عبدالله بن محمد بن عمر أبو جعفر البلخي، وإمام جليل القدر يقال له أبو حنيفة الصغير تفقه على أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإسكاف، عن محمد بن سلمة، عن أبي سليمان، عن محمد، عن أبي حنيفة توفي ببخارا سنة اثنين وستين وثلاث مائة، وفي أنساب السمعاني: الهندواني (بكسر الهاء وسكون النون وضم الدال) نسبة لأبي جعفر محمد بن عبد الله الفقيه من أهل بلخ، كان إماما فاضلا عارفا حدث بالحديث، وأفتى بالمشكلات وشرح المعضلات، وإنما قيل له الهندواني لأنه من محلة ببلخ يقال لها: باب هندوان ينزل بها الغلمان والجواري يجلب من الهند انتهى.

ومنهم: الكرخي: ذكره صاحب الكشف من مرتبي الجامع الصغير، وهو الإمام الكبير المجتهد أبو الحسن عبيد الله بن حسين بن دلال الكرخي، انتهت إليه رياسة الحنفية بعد أبي حازم القاضي، أخذ الفقه عن أبي سعيد البردعي، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه عن أبي حنيفة، وكان له طبقة عالية عدوه من المجتهدين في المسائل القادرين على استنباط الأحكام التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب حسب أصولهم، وله المختصر والجامع الكبير والصغير مات سنة أربعين وثلاث مائة، وذكر السمعاني: أن الكرخي (بفتح الكاف) منسوب إلى كرخ قرية بنواحي العراق، ومنها أبو الحسين عبيدالله بن الحسين الفقيه سكن بغداد، وحدث بها عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وحدث عنه أبو حفص بن شاهين.

ومنهم: الفقيه أبو طاهر الدباس: وهو من مرتبي الجامع الصغير، وهو القاضي محمد بن محمد بن سفيان قال ابن النجار: كان أبو طاهر إمام أهل الرأي بالعراق تخرج به جماعة من الأئمة، وأخذ عن القاضي أبي حازم عن عيسى ابن أبان عن محمد عن أبي حنيفة، وكان من أقران أبي الحسن الكرخي، وكان يوصف بالحفظ، ومعرفة الروايات ولي القضاء بالشام، ثم خرج منها إلى مكة فمات بها.

ومنهم: أبو عبد الله الفقيه الحسين بن أحمد بن مالك الزعفران: كان شيخا إماما ثقة رتب الجامع الصغير ترتيبا حسنا، وميز خواص مسائل محمد عما رواه عن أبي يوسف، وجمعها على أحسن ترتيب، وجعله مبوبا، ولم يكن الجامع قبل ذلك مبوبا مرتب المسائل وله كتاب الأضاحي.

ومنهم: شمس الأئمة الحلوائي: ذكره صاحب كشف الظنون من مرتبي الجامع الصغير، وهو الإمام عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلوائي (بفتح الحاء نسبة لبيع الحلواء) البخاري تفقه على أبي علي حسين النسفي، عن أبي بكر محمد بن الفضل، عن السبذموني، وانتفع به شمس الأئمة السرخسي وغيره، وقد بسطت في ترجمته، وتحقيق نسبته في مقدمة الهداية، ومقدمة شرح الوقاية.

فائدة: شمس الأئمة لقب جماعة من الفقهاء الكبار مثل: الحلوائي، والسرخسي، ومحمد بن عبد الستار الكردري، ومحمود الأوزجندي، وبكر بن أبو بكر محمد السرخسي، وفي ما عداه يطلق مقيدا بالاسم أو النسبة أو بهما: كشمس الأئمة الحلوائي، وشمس الأئمه الكردري، وشمس الأئمة الزرنجري، وشمس الأئمة محمود الأوزجندي وغير ذلك كذا ذكره الكفوي في ترجمة بكر الزرنجري.

فائدة: كثيرا ما يطلقون في كتبهم: هذا قول السلف، وهذا قول الخلف، وهذا قول المتقدمين، وهذا قول المتأخرين، فيريدون بالسلف من أبي حنيفة إلى محمد، وبالخلف من محمد إلى شمس الأئمة الحلوائي، وبالمتأخرين من الحلوائي إلى حافظ الدين محمد بن محمد البخاري المتوفى سنة ثلاثين وستمائة، كذا في جامع العلوم لعبد النبي الأحمد نكري نقلا عن صاحب الخيالات اللطيفة، وظني أن هذا بحسب الأكثر لا على الإطلاق.

ومنهم: قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين البخاري، والد صاحب الخلاصة أخذ الفقه عن أبيه وصنف شرح الجامع الصغير.

ومنهم: جمال الدين قاضي القضاة أبو سعد المطهر بن الحسين بن سعد بن علي بن بندار اليزدي، كان أوحد الزمان ومفتي العصر، وكان من بيت العلم أبوه وجده وجد أبيه كلهم أئمة الدهر، وله شرح الجامع الصغير الذي رتبه الزعفراني سماه التهذيب، ولخص مشكل الآثار للطحاوي والنوادر لأبي الليث.

ومنهم: قاضي القضاة علي بن بندار اليهزدي (بفتح الياء) نسبة إلى يزد من أعمال اصطخر فارس، وهو جد والد المطهر صاحب التهذيب، أخذ عن أبي جعفر النسفي، عن الجصاص، عن الكرخي، عن البردعي، عن أبي علي الدقاق وأبي حازم، وله شرح الجامع الصغير الذي رتبه الزعفراني، ونقل عنه المطهر في التهذيب في مواضع.

ومنهم: شمس الدين أحمد بن محمد العقيلي (بفتح العين نسبة إلى عقيل بن أبي طالب) البخاري كان شيخا عالما فاضلا روى عن جده شرف الدين عمر بن محمد بن عمر العقيلي وتفقه عليه؛ وهو أخذ عن الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز، عن أبيه الصدر الكبير برهان الدين الكبير عبد العزيز، عن شمس الأئمة السرخسي، عن الحلوائي مات ببخارا سنة سبع وخمسين وستمائة، وكان مخصوصا بشرح الجامع الصغير نظمه نظما حسنا.

ومنهم: مفتي الثقلين نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن لقمان النسفي، كان إماما فاضلا أصوليا مفسرا محدثا فقيها أحد الأئمة المشهورين بالحفظ الوافر، أخذ الفقه عن صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، ومن تصانيفه التيسير في التفسير والمنظومة، وكتاب المواقيت، وعن السمعاني أنه قال: فقيه فاضل عارف بالمذاهب صنف التصانيف في الفقه والحديث، ونظم الجامع الصغير، وله شيوخ كثيرة أخذ الفقه عن أبيه محمد بن أحمد تلميذ أبي العباس جعفر المستغفري، عن أبي علي النسففي، عن أبي بكر الفضلي، عن السبذموني، ومن تلامذته صاحب الهداية وغيره مات سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بسمرقند.

ومنهم: أبو الفضل الكرماني ذكره صاحب الكشف من مرتبي الجامع الصغير، وهو ركن الدين عبد الرحمن بن محمد بن أميرويه، انتهت إليه رياسة المذهب بخراسان، تفقه على فخر القضاة محمد بن الحسين الأرسابندي، عن أبي منصور السمعاني، عن المستغفري، عن النسفي، عن الفضلي، عن السبذموني، وله التصانيف المقبولة منها شرح الجامع الكبير، والتجريد في الفقه وشرحه سماه بالإيضاح والفتاوى وغير ذلك مات بمرو سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.

ومنهم: جمال الدين أبو المحامد محمد بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان البخاري الحصيري: ذكره صاحب كشف الظنون من الشراح، كان إماما فاضلا انتهت إليه رياسة الحنفية تفقه علي قاضيخان، وكانت ولادته ببخارا سنة ست وأربعين وخمسمائة، ووالده يعرف بالتاجر كان ساكنا بمحلة يعمل فيها الحصير، ومن تصانيفه شرحان للجامع الكبير: أحدهما مختصر والآخر مطول سماه التحرير وشرح السير الكبير وقدم الشام، ودرس وأفتى، ومات سنة ست وثلاثين وستمائة.

ومنهم: شمس الأئمة السرخي عده أبو المحامد محمود بن محمد اللؤلؤي البخاري: المتوفى سنة إحدى وسبعين وستمائة، في شرح منظومة النسفي المسمى بحقائق المنظومة من جملة من شرح الجامع الصغير، وهو شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل كان إماما علامة مجتهدا، لازم شمس الأئمة الحلوائي، وصار أوحد زمانه وصنف شرح المبسوط، وشرح السير الكبير وكتاب أصول الفقه وغير ذلك، مات في حدود تسعين وأربعمائة وقيل: في حدود خمسمائة.

ومنهم: أبو المعين النسفي: المتوفى سنة ثمان وخمسمائة ذكره صاحب كشف الظنون، وهو ميمون بن محمد بن محمد بن معتمد بن أحمد بن محمد بن مكحول بن أبي الفضل المكحولي، صاحب كتاب تبصرة الأدلة، وتمهيد قواعد التوحيد إمام فاضل جامع الأصول والفروع، وله شرح الجامع الكبير تفقه عليه علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي.

ومنهم: حيدرة بن عمرو بن الحسن الصغاني: كان من أعيان الفقهاء على مذهب داؤد الظاهري، وله مختصر في مذهبه، ثم ولع بكتب محمد وبكلامه، ووضع علي الجامع الصغير كتابا كذا في طبقات الحنفية لعلي القاري.

ومنهم: الإمام حسين بن محمد: المعروف بالنجم المتوفى سنة ثمانين وخمسمائة وصدر القضاة، ومحمد بن علي: المعروف بعبدك الجرجاني المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، والقاضي مسعود بن حسين اليزدي: المتوفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، سماه: التقسيم والتشجير، والإمام أبو الأزهر الخجندي: المتوفى سنة خمسمائة تقريبا، وهو على ترتيب الزعفراني، وأبو محمد بن العدي المصري، والشيخ علاء الدين علي السمرقندي، وأبو سعيد عبد الرحمن بن محمد القزمي المتوفى سنة أربع وسبعين وثلاث مائة له مرتب، وأبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الله: المعروف بابن أبي موسى المتوفى سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة له مرتب والأفطس، والشيخ بدر الدين أبو نصر محمود بن أبي بكر الفراء: له نظم الجامع الصغير سماه لمعة البدر أتمه في الجمادي الآخرة سنة سبع عشرة وستمائة، وشرح هذا المنظوم علاء الدين محمد بن عبد الرحمن الخجندي: سماه ضوء اللمعة كذا في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.

ومنهم: ابن هشام النحوي الحنبلي: صاحب مغني اللبيب ذكره صاحب كشف الظنون، وأظن أن شرحه على الجامع الصغير في فروع الحنابلة للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، لا على الجامع الصغير لمحمد والعلم عند الله، وقال جلال الدين السيوطي في بغية الوعاة في طبقات النحاة: عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري الشيخ جمال الدين النحوي، قال ابن حجر في الدرر: ولد في ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة، ولزم الشهاب عبد اللطيف، وتلى على ابن السراج، وأبي حيان، وقرأ على التاج الفاكهاني، وتفقه للشافعي، ثم تحنبل وأتقن العربية، ففاق الأقران، بل الشيوخ قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له: ابن هشام أنحى من سيبويه صنف مغني اللبيب، واشتهر في حياته والتوضيح على الألفية، ورفع الخصاصة عن قراءة الخلاصة، وعمدة الطالب في تصريف ابن الحاجب، وشرح التسهيل وقطر الندا وشرحه والجامع الصغير في النحو، وشرح اللمحة لابن حيان، وشرح البردة وشرح بانت سعاد وغير ذلك، توفي في ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبعمائة انتهى ملخصا.

[النافع الكبير:1/46-60]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 2 ربيع الأول 1434هـ/13-01-2013م, 12:30 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 17,920
افتراضي

خاتمة


نختم بها الرسالة راجيا حسن الخاتمة في ذكر نبذ من أخباري، وقدر من أحوالي اقتداء بالأئمة الأعلام حيث ذكروا تراجمهم في طبقاتهم بعد تراجم الكرام، ولما وفقني الله تعالى بتحشية الجامع الصغير، ودخلت في عداد من علق عليه، وإن لم أكن بالنسبة إلى السابقين ممن يعتمد عليه، فناسب ذكر ترجمتي عقيب تراجمهم رجاء أن أكون معهم، وإن كنت لست منهم، ولا أذكر ههنا إلا على سبيل الاختصار، وأما التطويل فمفوض إلى كتاب تراجم الحنفية الذي أنا مشتغل في هذا الأيام بجمعها.

فأقول: أنا العبد الراجي رحمة ربه القوي كنيتي أبو الحسنات، واسمي عبد الحي، تجاوز الله عن ذنبي الجلي والخفي، ابن صاحب التصانيف الكثيرة، والتآليف الشهيرة مولانا محمد عبد الحليم المتوفى سنة خمس وثمانين بعد الألف والمائتين من الهجرة، ابن مولانا أمين الله بن مولانا أكبر بن المفتي أحمد أبي الرحم، ابن المفتي محمد يعقوب بن مولانا عبد العزيز، بن مولانا محمد سعيد بن ملا قطب الدين الشهيد ،وينتهي نسبه إلى سيدنا أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) كما سقته في رسالتي حسرة العالم، وقد انتقل بعض آبائنا من المدينة الطيبة إلى هراة، ثم منها إلى دهلي، ثم منها إلى سهالي (بكسر السين) قصبة من قصبات لكنؤ، وهناك قبر القطب الشهيد، ثم انتقل أبناؤه إلى لكنؤ (بفتح اللام وسكون الكاف وفتح النون وسكون الواو وقد يزاد الهمزة المضمومة بعد النون، وقد يزاد الهاء الساكنة بعد الكاف الساكنة) بلدة عظيمة ممتازة بين البلاد الهندية، وسكنوا في محلة فيها مسماة بفرنكي محل قد وهبها لهم السلطان أورنك زيب عالمكير (نور الله مرقده) ووجه اشتهارها بفرنكي محل أنها كانت في السبق مسكنا لتاجر نصراني، ولم يزل هذه المحلة معمورة بالعلماء والأولياء والصلحاء إلى هذا الأوان، وكلهم من أولاد الأبناء الأربعة للقطب الشهيد: ملا محمد أسعد وملا محمد سعيد، وملا نظام الدين (والد ملك العلماء بحر العلوم مولانا عبد العلي) وملا محمد رضا (رحمهم الله تعالى) وهذا كله ببركة دعاء سلطان الأولياء نظام الدين (رحمه الله) المدفون بدهلي لبعض أجداد القطب: أنه لا يزال العلم في نسله، وببركة دعاء بعض الأبدال للقطب مثله.

وكانت ولادتي في بلدة معروفة بباندا في العشرة الأخيرة من ذي القعدة سنة أربع وستين بعد الألف والمائتين عن الهجرة، حين كان والدي المرحوم مدرسا بها في مدرسة النواب ذو الفقار الدولة المرحوم، ولما وصلت إلى خمس سنين اشتغلت بحفظ القرآن المجيد، وحصلت في أثنائه بعض الكتب الفارسية، وتعلمت الخط، وفرغت من الحفظ حين كان عمري عشر سنين، وصليت إماما في التراويح حسب العادة عند ذلك، وكان ذلك في جونفرز حين كان والدي المرحوم مدرسا بها بمدرسة الحاج إمام بخش المرحوم رئيس تلك البلدة، ومن بدو السنة الحادية عشر شرعت في تحصيل العلوم، ففرغت من قراءة الكتب الدراسية في الفنون الرسمية: الصرف والنحو والمعاني والبيان، والحكمة والطب والفقه وأصول الفقه، وعلم الكلام والحديث والتفسير وغير ذلك، حين كان عمري سبع عشرة سنة مع فترات وقعت في أثناء التحصيل وطفرات واقعة في أو أن التكميل، وكلما فرغت من تحصيل كتاب شرعت في تدريسه، فحصل لي الاستعداد التام في جميع العلوم بعون الحي القيوم، ولم يبق علي تعسر أي كتاب كان من أي فن كان حتى أني درست ما لم أقرأه حضرة الأستاذ: كشرح الإشارات للطوسي، والأفق المبين وقانون الطب، ورسائل العروض وغير ذلك، ورضيت من درسي طلبة العلوم إلا أن علم الرياضي لم أقرأ فيه حضرة الأستاذ إلا شيئا من التشريح، وشرح الجغميني حتى تشرفت بملازمة إمام الرياضيين مقدام المحققين خال والدي، وأستاذه مولانا محمد نعمت الله المتوفى سنة تسعين، فقرأت عليه في سنة ثمان وثمانين شرح الجغميني مع مواضع من حواشي البرجندي، وإمام الدين الرياضي والفصيح وغيرها عليه، ورسالة الأسطرلاب للطوسي، وقدرا كثيرا من شرح التذكرة للسيد، وشرحها للخفري، وشرحها للبرجندي والتحفة وزيج ألغ بيك مع شرح البرجندي، ورسائل الأكر والتسطيح وغير ذلك مع تحقيق تام بحيث كان مولانا الممدوح يثنى علي كثيرا بين أحبابه، ورأيت في المنام في تلك الأيام المحقق الطوسي، كأنه يبشرني بتكميل هذا الفن ويسر مني باشتغالي فيه.

وألقى الله في روعي من بدء التحصيل لذة التدريس والتصنيف، فصنفت الدفاتر الكثيرة في الفنون العديدة، ففي علم الصرف صنفت: متحان الطلبة في الصيغ المشكلة، وهو أول تصانيفي والتبيان في شرح الميزان صنفا في أيام الصبا، وفي علم النحو: خير الكلام في تصحيح كلام الملوك ملوك الكلام، وإزالة الحمد عن إعراب الحمد لله أكمل الحمد، وفي المنطق والحكمة: تعليقا قديما على حواشي غلام يحيى المتعلقة بالحواشي الزاهدية المتعلقة بالرسالة القطبية مسمى بهداية الورى إلى لواء الهدى، وتعليقا جديدا مسمى بمصباح الدجى في لواء الهدى، وتعليقا أجد مسمى بنور الهدى لحملة لواء الهدى، وحل المعلق في بحث المجهول المطلق، والكلام المتين في تحرير البراهين أي براهين إبطال اللاتناهي، وميسر العسير في مبحث المثناة بالتكرير، والإفادة الخطيرة في بحث نسبة سبع عرض شعيرة، والتعليق العجيب بحل حاشية الجلال على التهذيب، وتكملة حاشية الوالد المرحوم علي النفيسي، وفي علم المناظرة: الهدية المختارية شرح الرسالة العضدية، وفي علم الفقه: القول الأشرف في الفتح عن المصحف، والقول المنشور في هلال خير الشهور، وزجر أرباب الريان عن شرب الدخان، والإنصاف في حكم الاعتكاف، والإفصاح عن حكم شهادة المرأة في الرضاع، وتحفة الطلبة في حكم مسح الرقبة، وساحة الفكر في الجهر بالذكر، وأحكام القنطرة في أحكام البسملة 4، وغاية المقال فيما يتعلق بالنعال، والهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة، وخير الخبر بأذان خير البشر، وحسرة العالم بوفات مرجع العالم (في ترجمة الوالد المرحوم) ورفع الستر عن كيفية إدخال الميت، وتوجيهه إلى القبلة في القبر، وقوة المغتذين بفتح المقتدي، وإفادة الخير في الاستياك بسواك الغير، ومقدمة الهداية، ومذيلة الدراية لمقدمة الهداية، والتحقيق العجيب في التثويب، والكلام الجليل في ما يتعلق بالمنديل، وتحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار، وإقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة، والكلام المبرور في القول المنصور، ودافع الوسواس في أثر ابن عباس، وهداية المعتدين في فتح المقتدين هذه الرسائل الثلاثة باللسان الهندية، وهذه الرسالة التي نحن في جمعها هذه تصانيف مدونة قد طبع أكثرها، وسينطبع إنشاء الله تعالى ما بقي منها.

وأما تلعيقاتي المتفرقة فكثيرة على الكتب المتشتة: كشرح التهذيب لليزدي، وشرح التهذيب للدواني، وحواشي على شرح التهذيب، وحواشية على شرح المواقف، وحواشية على الرسالة القطبية، وشرح الصدر لهداية الحكمة، وشرح الميبذي لهداية الحكمة والشمس البازغة، وشرح المواقف، والرشيدية شرح الشريفية، والفرائض الشريفية والهداية، وشرح الوقاية والحصن الحصين، والجامع الصغير والتوضيح والتلويح، وشرح عقائد النسفي، وحواشي الخيالي وغير ذلك من الكتب المتداولة.

وأما تصانيفي التي لم تتم إلى الآن، وأنا مشتغل بجمعها وإتمامها فكثيرة منها: المعارف بما في حواشي شرح المواقف، ودفع الكلال عن طلاب تعليقات الكمال، وتعليق الحمائل على حواشي الزاهد على شرح الهياكل، وحاشية بديع الميزان، وطبقات الحنفية، وتدويرا الفلك في حصول الجماعة بالملك، ورسالة في السبحة، ورسالة في تفضيل اللغات بعضها على بعض، ورسالة في الأحكام المتعلقة باللسان الفارسية، ورسالة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ورسالة بتبصرة البصائر في الأواخر، ورسالة في الزجر عن غيبة الناس، وشرح شرح الوقاية المسمى بالسعاية في كشف ما في شرح الوقاية، وهو أجل تصانيفي قد التزمت فيه لبسط الكلام في إثبات الأحكام بأدلتها، وإيراد المذاهب المختلفة في كل مسألة مع الأحاديث التي استندوا بها، وذكر ما يرد عليها، وما يجاب عنها مع ترجيح بعضها على بعض، وذكر الفروع المناسبة للمقام، وقد شرحت إلى هذا الحين من باب الأذان إلى فصل الجماعة، ومن كتاب الطهارة إلى باب التيمم، وبلغت الأجزاء إلى مائة أرجو من ربنا الذي وفقنا ابتداؤه أن ييسر لنا اختتامه، وهذا كله من منح (ربي) تعالى علي.

ومن منحه على أني رزقت قوة الحفظ من زمان الصبا، حتى أني أحفظ ما كان حين كان عمري خمس سنين، بل أحفظ ضربة وقعت في حين كان عمري ثلاث سنين، ومن منحه على أنه ألقى محبة العلم في قلبي، وأخرج ألفة أمور الرياسة مني حتى أن الوالد العلام (أدخله الله في دار السلام) لما توفي في حيدر آباد من مملكة الدكن، وكان ناظما للعدالة أصرمني جميع الأحباب إيثار عهدة القضاء، فتنفرت منها ظنا مني أن إيثاره مع ما فيه من خطر الحساب يعوقني عن الاشتغال بالتدريس والتصنيف، فقنعت باليسير وتركت الكثير، والله على ما نقول شهيد.

ومن منحه أني رزقت التوجه إلى فن الحديث وفقه الحديث، ولا أعتمد على مسألة ما لم يوجد أصلها من حديث أو آية، وما كان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه، وأظن المجتهد فيه معذورا، بل مأجورا، ولكني لست ممن يشوش العوام الذين هم كالأنعام، بل أتكلم بالناس على قدر عقولهم.

ومن منحه أني رزقت الاشتغال بالمنقول أكثر من الاشتغال بالمعقول، وما أجد في تدريس المنقول والتصنيف فيه لا سيما في الحديث وفقه الحديث من لذة وسرور لا أجد في غيره.
ومن منحه أنه جعلني سالكا بين الإفراط والتفريط لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يدي إلا ألهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممن يختار طريق التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء، وإن خالفته الأدلة الشرعية، ولا ممن يطعن عليهم ويهجر الفقه بالكلية.

ومن منحه أنه جعلني ذا رؤيا صادقة لا تقع حادثة من الحوادث إلا أخبرت في المنام بها إشارة أو صراحة، وقد تشرفت في المنام بزيارة سيدنا أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وفاطمة وعائشة، وأم حبيبة ومعاوية (رضي الله عنهم) وبملاقات الإمام مالك، وشمس الدين السخاوي، وجلال الدين السيوطي وغيرهم من الأئمة والعلماء، واستفدت منهم أشياء على ما هو مبسوط في رسالة عليحدة.

ومن منحه أنه شرفني بحج البيت الحرام مع الوالد العلام في السنة التاسعة والسبعين، وبزيارة قبر النبي (عليه وعلى آله الصلاة والسلام) في السنة الثمانين، وأجازني شيخ الشافعية بمكة السيد أحمد دخلان (لا زال في حفظ الرحمن) بجميع ما حصل له من شيوخه، ووصفني بالشاب الصالح، وأجازني والدي المرحوم قبيل وفاته بشهر بجميع ما حصل له من شيوخ الحرمين وغيرهم.

هذا نبذ من منح ربنا علينا ذكرتها تحديثا بالنعمة لا على سبيل الفخر، وأي فخر لمن لا يدري ما يمضي عليه في القبر والحشر، ولا أحصي كم من نعم أفيضت علي، وكم من فضائل ألقيت لدي فله الحمد حمدا كبيرا، وله الشكر شكرا كثيرا (اللهم يا من أفاض إلينا سجال اللطف والعناية، وأسال علينا بحار الفضل والكرامة أسألك أن تجعلني ممن يجدد الدين، ويؤيد الشرع المبين، ويقطع أعناق المبتدعين، ويملك سبيل المهتدين، وأن تجعلني مشتغلا تمام عمري بالتدريس، والتصنيف والإفتاء والتأليف مع الاطمينان التام بما ألزمت على نفسك للأنام، وأن تشهر تصانيفي في العالمين، وتنفع بها الكاملين، وأن تختتم لي بالخير كخاتمة الصالحين، وتحشرني في زمرة الأنبياء، والصديقين وتدخلني في دار السلام من غير مناقشة مع الآمنين، واغفر لنا وللمسلمين أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه أجمعين).

وكان الفراغ من تحرير هذه الرسالة في يوم السبت السادس والعشرين من الجمادي الأولى من شهور السنة الحادية والتسعين بعد الألف والمائتين من هجرة سيد الثقلين عليه وعلى آله صلاة رب المشرقين حين إقامتي بالوطن حفظه الله عن شرور الزمن.

[النافع الكبير:1/60-66]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:58 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة