العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة فصلت

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 02:32 PM
أم القاسم أم القاسم غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,449
افتراضي تفسير سورة فصلت[ من الآية 19 إلى الآية 24]

تفسير سورة فصلت[ من الآية 19 إلى الآية 24]


{وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 02:33 PM
أم القاسم أم القاسم غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,449
افتراضي

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني جرير بن حازم عن ابن عمارة عن سليمان بن أبي وائل عن ابن [مسعود .. .. ] بمكة حين أسلمت أكون تحت أستار الكعبة بالنهار، فإذا كان [الليل (؟) .. .. ] فخرجت ليلة فجعلت أطوف بالبيت، فإذا ثلاثة رهطٍ [يطوفون .... رجلٌ من] ثقيف ورجلان من قريش، أو رجلٌ من قريش ورجلان من ثقيف؛ فقال [أحدهم: ....... ] يسمع ما نقول، فقال أحدهم: أما ما جهرنا به فيسمعه، وأما [خـ ....... ] يسمعه، قال الآخر: لئن كان يسمع ما نجهر به إنه ليسمع ما نخافت به، وقال الآخر: ما يسمع شيئا من ذلك؛ فأنزل الله: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون}، إلى قوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم}). [الجامع في علوم القرآن: 2/87-88]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ( {يوزعون} [فصلت: 19] : يكفّون). [صحيح البخاري: 6/128]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله يوزعون يكفّون قال أبو عبيدة في قوله فهم يوزعون أي يدفعون وهو من وزعت وأخرج الطّبريّ من طريق السّدّيّ في قوله فهم يوزعون قال عليهم وزعةٌ تردّ أولاهم على أخراهم). [فتح الباري: 8/560]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (يوزعون: يكفّون
أشار به إلى قوله تعالى: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النّار فهم يوزعون} (فصلت: 19) وفسره بقوله: (يكفون) ، وعن أبي عبيدة: يدفعون، من وزعت إذا كففت ومنعت، وقيل: معناه يساقون ويدفعون إلى النّار). [عمدة القاري: 19/153]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({يوزعون}) في قوله تعالى: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} [فصلت: 19] أي (يكفون) بفتح الكاف بعد الضم أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم
وهو معنى قول السدّي يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا). [إرشاد الساري: 7/328]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النّار فهم يوزعون (19) حتّى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون}.
يقول تعالى ذكره: ويوم يجمع هؤلاء المشركون، {أعداء اللّه إلى النّار} إلى نار جهنّم، فهم يحبس أوّلهم على آخرهم.
- كما حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {فهم يوزعون} قال: يحبس أوّلهم على آخرهم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {فهم يوزعون} قال: عليهم وزعةٌ تردّ أولاهم على أخراهم). [جامع البيان: 20/405]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (عن ابن عبّاسٍ {ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النّار فهم يوزعون} [فصلت: 19] قال: يحشر أوّلهم على آخرهم.
رواه الطّبرانيّ، وفيه محمّد بن أبي ليلى وهو سيّئ الحفظ، وبقيّة رجاله ثقاتٌ). [مجمع الزوائد: 7/102]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 19 - 24.
أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} قال: يحبس أولهم على آخرهم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وأبي رزين رضي الله عنه، مثله). [الدر المنثور: 13/97-98]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يوزعون} قال: يدفعون). [الدر المنثور: 13/98]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} قال الوزعة الساقة من الملائكة عليهم السلام يسوقونهم إلى النار ويردون الآخر على الأول). [الدر المنثور: 13/98]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: عليهم وزعة ترد أولهم على آخرهم). [الدر المنثور: 13/98]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {فهم يوزعون} قال: يحبسون بعضا على بعض قال: عليهم وزعة ترد أولهم على آخرهم). [الدر المنثور: 13/98]

تفسير قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني حرملة بن عمران التجيبي أنه سمع عبيد الله بن أبي جعفر يقول: يوم {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم}، قال: جلودهم الفروج). [الجامع في علوم القرآن: 2/57]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {حتّى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم} يقول: حتّى إذا ما جاءوا النّار شهد عليهم سمعهم بما كانوا يصغون به في الدّنيا إليه، ويستمعون له، وأبصارهم بما كانوا يبصرون به وينظرون إليه في الدّنيا {وجلودهم بما كانوا يعملون}.
وقد قيل: عني بالجلود في هذا الموضع: الفروج.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن الحكم الثّقفيّ، عن رجلٌ من آل أبي عقيلٍ رفع الحديث، {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} إنّما عني فروجهم، ولكن كنى عنها.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثنا حرملة، أنّه سمع عبيد اللّه بن أبي جعفرٍ، يقول {حتّى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم} قال: جلودهم: الفروج.
وهذا القول الّذي ذكرناه عمّن ذكرنا عنه في معنى الجلود، وإن كان معنى يحتمله التّأويل، فليس بالأغلب على معنى الجلود ولا بالأشهر، وغير جائزٍ نقل معنى ذلك المعروف على ألسن العرب إلى غيره، إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها). [جامع البيان: 20/406]

تفسير قوله تعالى: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ وهو خلقكم أوّل مرّةٍ وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون}.
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الّذين يحشرون إلى النّار من أعداء اللّه سبحانه لجلودهم إذ شهدت عليهم بما كانوا في الدّنيا يعملون من معاصي اللّه: {لم شهدتم علينا} بما كنّا نعمل في الدّنيا؟ فأجابتهم جلودهم: {أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ} فنطقنا؛ وذكر أنّ هذه الجوارح تشهد على أهلها عند استشهاد اللّه إيّاها عليهم، إذا هم أنكروا الأفعال الّتي كانوا فعلوها في الدّنيا ممّا يسخط اللّه، وبذلك جاء الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر الأخبار الّتي رويت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
- حدّثنا أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال: أخبرنا عليّ بن قادمٍ الخزاعيّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن عبيدٍ المكتب، عن الشّعبيّ، عن أنسٍ، قال: ضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يومٍ حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ ضحكت؟ قالوا: ممّ ضحكت يا رسول اللّه؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة قال: يقول: يا ربّ أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: فإنّ لك ذلك، قال: فإنّي لا أقبل عليّ شاهدًا إلاّ من نفسي، قال: أوليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال فيختم على فيه، وتتكلّم أركانه بما كان يعمل، قال: فيقول لهنّ: بعدًا لكنّ وسحقًا، عنكنّ كنت أجادل.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا مهران، عن سفيان، عن عبيدٍ المكتب، عن فضيل بن عمرٍو، عن الشّعبيّ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثني عبّاس بن أبي طالبٍ، قال: حدّثنا يحيى بن أبي بكرٍ، عن شبلٍ، قال: سمعت أبا قزعة يحدّث عمرو بن دينارٍ، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال، وأشار بيده إلى الشّام، قال: هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانًا ومشاةً على وجوهكم يوم القيامة، على أفواهكم الفدام، توفّون سبعين أمّةً أنتم آخرها وأكرمها على اللّه، وإنّ أوّل ما يعرب من أحدكم فخذه.
- حدّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا الجريريّ، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: تجيئون يوم القيامة على أفواهكم الفدام، وإنّ أوّل ما يتكلّم من الآدميّ فخذه وكفّه.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما لي أمسك بحجزكم من النّار؟ ألا إنّ ربّي داعي وإنّه سائلي هل بلّغت عباده؟ وإنّي قائلٌ: ربّ قد بلغتهم، فيبلّغ شاهدكم غائبكم، ثمّ إنّكم مدعوّون مفدّمةً أفواهكم بالفدام، ثمّ إنّ أوّل ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفّه.
- حدّثني محمّد بن خلفٍ، قال: حدّثنا الهيثم بن خارجة، عن إسماعيل بن عيّاشٍ، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيدٍ، عن عقبة، سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: إنّ أوّل عظمٍ تكلّم من الإنسان يوم يختم على الأفواه فخذه من الرّجل الشّمال.
وقوله: {وهو خلقكم أوّل مرّةٍ} يقول تعالى ذكره: واللّه خلقكم الخلق الأوّل ولم تكونوا شيئًا {وإليه ترجعون} يقول: وإليه مصيركم من بعد مماتكم). [جامع البيان: 20/406-409]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لابن الأزرق: أن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم فيختصمون فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهودا من أنفسهم جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم ثم تفتح الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} فتقر الألسنة بعد). [الدر المنثور: 13/98-99]

تفسير قوله تعالى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني جرير بن حازم عن ابن عمارة عن سليمان بن أبي وائل عن ابن [مسعود .. .. ] بمكة حين أسلمت أكون تحت أستار الكعبة بالنهار، فإذا كان [الليل (؟) .. .. ] فخرجت ليلة فجعلت أطوف بالبيت، فإذا ثلاثة رهطٍ [يطوفون .... رجلٌ من] ثقيف ورجلان من قريش، أو رجلٌ من قريش ورجلان من ثقيف؛ فقال [أحدهم: ....... ] يسمع ما نقول، فقال أحدهم: أما ما جهرنا به فيسمعه، وأما [خـ ....... ] يسمعه، قال الآخر: لئن كان يسمع ما نجهر به إنه ليسمع ما نخافت به، وقال الآخر: ما يسمع شيئا من ذلك؛ فأنزل الله: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون}، إلى قوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم}). [الجامع في علوم القرآن: 2/87-88] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي في قوله أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم قال إنكم تدعون يفدم على أفواهكم بالفدام فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه). [تفسير عبد الرزاق: 2/185]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر قال تلا الحسن وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم قال: قال رسول الله قال الله عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ثم أفتن ينطق الحسن بهذا فقال ألا وإنما أعمال الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن فأحسن العمل وأما الكافر والمنافق فأساء بالله الظن فأساء العمل قال الله تعالى وما كنتم تستترون حتى الخاسرين). [تفسير عبد الرزاق: 2/185]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن الثوري عن الأعمش عن عمارة عن وهب بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود قال إني لمستتر بأستار الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر ثقفي وختناه قرشيان كثيرة شحوم بطونهم قليل فقه قلوبهم فتحدثوا بينهم بحديث فقال أحدهم أترى الله يسمع ما قلنا فقال الآخر أراه يسمع إذا رفعنا ولا يسمع إذا خفضنا فقال الآخر لئن كان يسمع شيئا منه إنه ليسمعه كله قال فذكرت ذلك لرسول الله قال فأنزل الله وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم إلى الخاسرين). [تفسير عبد الرزاق: 2/185-186]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن الأعمش عن عمارة بن عميرٍ عن وهب بن ربيعة قال: قال ابن مسعودٍ: إنّي لمستقرٌّ بأستار الكعبة إذا جاء ثلاثة نفرٍ ثقفيٌّ وختناه من قريشٍ كثيرةٌ شحم بطونهم قليلةٌ فقه قلوبهم فتحدّثوا بينهم بحديثٍ فقال أحدهم: أترون اللّه يسمع ما نقول؟ فقال بعضهم: يسمع إذا رفعنا ولا يسمع إذا خفضنا فقال الآخر: إن كان يسمع بعضه فإنّه يسمع أجمع فأتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته فنزلت: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} إلى آخر الآية [الآية: 22]). [تفسير الثوري: 265-266]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون} [فصلت: 22]
- حدّثنا الصّلت بن محمّدٍ، حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن روح بن القاسم، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن ابن مسعودٍ، {وما كنتم تستترون أن يشهد، عليكم سمعكم ولا أبصاركم} [فصلت: 22] الآية، قال: " كان رجلان من قريشٍ وختنٌ لهما من ثقيف - أو رجلان من ثقيف وختنٌ لهما من قريشٍ - في بيتٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: أترون أنّ اللّه يسمع حديثنا؟ قال: بعضهم يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كلّه، فأنزلت: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} [فصلت: 22] الآية). [صحيح البخاري: 6/128-129]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم الآية)
قال الطّبريّ اختلف في معنى قوله تستترون ثمّ أخرج من طريق السّدّيّ قال تستخفون ومن طريق مجاهدٍ قال تتّقون ومن طريق شعبة عن قتادة قال ما كنتم تظنّون أن يشهد عليكم إلخ
- قوله عن ابن مسعود وما كنتم تستترون أي قال في تفسير قوله تعالى وما كنتم تستترون قوله كان رجلان من قريشٍ وختنٌ لهما من ثقيفٍ أو رجلان من ثقيفٍ وختنٌ لهما من قريشٍ هذا الشّك من أبي معمر رواية عن بن مسعودٍ وهو عبد اللّه بن سخبرة وقد أخرجه عبد الرّزّاق من طريق وهب بن ربيعة عن بن مسعودٍ بلفظ ثقفيٍّ وختناه قرشيّان ولم يشكّ وأخرج مسلمٌ من طريق وهبٍ هذه ولم يسق لفظها وأخرجه التّرمذيّ من طريق عبد الرّحمن بن يزيد عن بن مسعودٍ قال ثلاثة نفرٍ ولم ينسبهم وذكر بن بشكوال في المبهمات من طريق تفسير عبد الغنيّ بن سعيد الثّقفيّ أحد الضّعفاء بإسناده عن ابن عبّاسٍ قال القرشيّ الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ والثّقفيّان الأخنس بن شريقٍ والآخر لم يسمّ وراجعت التّفسير المذكور فوجدته قال في تفسير قوله تعالى أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم ونجواهم قال جلس رجلان عند الكعبة أحدهما من ثقيفٍ وهو الأخنس بن شريقٍ والآخر من قريشٍ وهو الأسود بن عبد يغوث فذكر الحديث وفي تنزيل هذا على هذا ما لا يخفى وذكر الثّعلبيّ وتبعه البغويّ أنّ الثّقفيّ عبد يا ليل بن عمرو بن عميرٍ والقرشيّان صفوان وربيعة ابنا أميّة بن خلفٍ وذكر إسماعيل بن محمّدٍ التّيميّ في تفسيره أنّ القرشيّ صفوان بن أميّة والثّقفيّان ربيعة وحبيبٌ ابنا عمرٍو فالله أعلم). [فتح الباري: 8/561-562]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً ممّا تعلمون} (فصلت: 22)
حديث الباب يوضح معنى الآية. قوله: (تستترون) ، أي: تستخفون، قاله أكثر العلماء، وعن مجاهد: تتّقون، وعن قتادة: تظنون. قوله: (أن يشهد) أي: لأن يشهد، وفي تفسير النّسفيّ: وما كنتم تستترون، وتستخفون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا.
- حدّثنا الصّلت بن محمّدٍ حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي معمرٍ عن ابن مسعودٍ: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم} الآية. كان رجلان من قريشٍ وختنٌ لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختنٌ لهما من قريشٍ في بيتٍ فقال بعضهم لبعضٍ أترون أنّ الله يسمع حديثنا فقال بعضهم يسمع بعضه وقال بعضهم لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كلّه فأنزلت: {وما كنتم تسترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} الآية.
(مطابقته للتّرجمة ظاهرة. والصلت، بفتح الصّاد المهملة وسكون اللّام وبالتاء المثنّاة من فوق: ابن محمّد الخاركي، بالخاء المعجمة وبالراء المفتوحة والكاف: نسبة إلى خارك، اسم موضع من ساحل فارس يرابط فيه، وروح بفتح الرّاء، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة الكوفي.
والحديث أخرجه البخاريّ أيضا في التّوحيد عن الحميدي عن سفيان بن عيينة وعن عمرو بن عليّ. وأخرجه مسلم في التّوبة عن ابن أبي عمر وعن أبي بكر بن خلاد. وأخرجه التّرمذيّ في التّفسير عن ابن أبي عمر به. وأخرجه النّسائيّ فيه عن محمّد بن منصور وعن محمّد بن بشار.
قوله: (عن ابن مسعود وما كنتم تستترون) ، أي: قال في تفسير قوله تعالى: {وما كنتم تستترون} قوله: (رجلان من قريش وختن لهما) ، الختن كل من كان من قبل المرأة. قوله: (أو رجلان من ثقيف) ، شكّ من أبى معمر الرّاوي عن ابن مسعود، وأخرجه عبد الرّزّاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود، بلفظ ثقفي وختنان قرشيان، ولم يشك. وقال ابن بشكوال في (المبهمات) عن ابن عبّاس قال: القرشي الأسود بن عبد يغوث الزّهريّ، والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم، وذكر الثّعلبيّ وتبعه البغويّ: أن الثّقفيّ عبديا ليل بن عمرو بن عمير، والقرشيان: صفوان وربيعة ابنا أميّة بن خلف، وذكر إسماعيل بن محمّد التّيميّ في تفسيره: إن القرشي صفوان بن أميّة والثقفيان: ربيعة وحبيب ابنا عمرو، والله أعلم. قوله: (يسمع بعضه) أي: ما جهرنا قوله: (لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله) بيان الملازمة أن نسبة جميع المسموعات إليه واحدة والتخصيص تحكم). [عمدة القاري: 19/154-155]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون}
(باب قوله: {وما كنتم}) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: {وما كنتم (تستترون}) تستخفون عند ارتكاب القبائح خيفة أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم لأنكم تنكرون البعث والقيامة ولكن ذلك الاستتار لأجل أنكم ({ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون}) [فصلت: 22] من الأعمال التي تخفونها فلذلك اجترأتم على ما فعلتم وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمرّ عليه حال إلا وعليه رقيب وسقط قوله ولا أبصاركم الخ للأصيلي ولأبي ذر ولا جلودكم الخ وقالا الآية.
- حدّثنا الصّلت بن محمّدٍ، حدّثنا يزيد بن زريعٍ عن روح بن القاسم، عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي معمرٍ عن ابن مسعودٍ {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم} [فصلت: 22] الآية، كان رجلان من قريشٍ وختنٌ لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختنٌ لهما من قريشٍ في بيتٍ، فقال بعضهم لبعضٍ: أترون أنّ اللّه يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كلّه، فأنزلت: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} [فصلت: 22] الآية. [الحديث 4816 - طرفاه في 4817، 7521].
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة مثناة فوقية الخاركي بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين والكاف قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا ابن الحارث البصري (عن روح بن القاسم) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة العنبري بالنون والموحدة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن سخبرة الكوفي (عن ابن مسعود) رضي الله عنه أنه قال في تفسير قوله تعالى: ({وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم} الآية) وزاد أبو ذر بعد قوله سمعكم ولا أبصاركم وسقط للأصيلي أن يشهد الخ (كان) ولأبوي ذر والوقت قال بدل كان وللأصيلي وقال في نسخة قال: كان (رجلان من قريش) صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف ذكره الثعلبي وتبعه البغوي (وختن لهما) بفتح الخاء المعجمة والفوقية بعدها نون كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ وهم الأختان (من ثقيف) وفي نسخة من ثقيف بالخفض منوّنًا وهو عبد ياليل بن عمرو بن عمير رواه البغوي في تفسيره وقيل حبيب بن عمرو حكاه ابن الجوزي وقيل الأخنس بن شريق حكاه ابن بشكوال (أو رجلان من ثقيف) وفي نسخة ثقيف بالجر والتنوين (وختن لهما من قريش في بيت) الشك من أبي معمر الراوي عن ابن مسعود، وأخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود بلفظ ثقفي وختناه قرشيان فلم يشك، وأخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود فقال ثلاثة نفر ولم ينسبهم، وعند ابن بشكوال القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم (فقال بعضهم لبعض: أترون) بضم المثناة الفوقية (أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم): ولأبي ذر فقال بزيادة فاء وللأصيلي وابن عساكر وقال بالواو بدل الفاء (يسمع بعضه) أي ما جهرنا به (وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله) وبيان الملازمة كما قاله الكرماني أن نسبة جميع المسموعات إليه واحدة فالتخصيص تحكم (فأنزلت {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} الآية).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والترمذي في التفسير وكذا النسائي). [إرشاد الساري: 7/329]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: اختصم عند البيت ثلاثة نفرٍ قرشيّان وثقفيٌّ، أو ثقفيّان وقرشيٌّ، قليلٌ فقه قلوبهم كثيرٌ شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون أنّ اللّه يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل اللّه {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم}.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/228]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفرٍ كثيرٌ شحوم بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم، قرشيٌّ وختناه ثقفيّان أو ثقفيٌّ وختناه قرشيّان، فتكلّموا بكلامٍ لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أنّ اللّه يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنّا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه.
فقال الآخر: إن سمع منه شيئًا سمعه كلّه، فقال عبد الله: فذكرت ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم}، إلى قوله: {فأصبحتم من الخاسرين}.
هذا حديثٌ حسنٌ.
حدّثنا محمود بن غيلان، قال: حدّثنا وكيعٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله، نحوه). [سنن الترمذي: 5/228-229]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم}
- أخبرنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله، وأخبرنا محمّد بن منصورٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله، قال: " اجتمع ثقفيّان وقرشيٌّ عند البيت، فقال بعضهم: أترى الله يعلم ما نقول؟، قال بعضهم: إذا أخفينا لم يعلم، وإذا جهرنا علم، فأنزل الله {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم} [فصلت: 22]، واللّفظ لابن منصورٍ
- أخبرنا محمّد بن رافعٍ، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: حدّثنا معمرٌ، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: {يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} [فصلت: 22], قال: «إنّكم تدعون مفدمًا على أفواهكم بالفدام، فأوّل شيءٍ يبين على أحدكم فخذه وكفّه»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/246-247]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : ( {وما كنتم تستترون} في الدّنيا {أن يشهد عليكم} يوم القيامة {سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم}.
واختلف أهل التّأويل في معنى قوله: {وما كنتم تستترون}، فقال بعضهم: معناه: وما كنتم تستخفون.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {وما كنتم تستترون} أي تستخفون منها.
وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتّقون.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {وما كنتم تستترون} قال: تتّقون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنّون.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {وما كنتم تستترون} يقول: وما كنتم تظنّون {أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} حتّى بلغ: {كثيرًا ممّا تعملون}، واللّه إنّ عليك يا ابن آدم لشهودًا غير متّهمةٍ من بدنك، فراقبهم واتّق اللّه في سرّ أمرك وعلانيتك، فإنّه لا يخفى عليه خافيةٌ، الظّلمة عنده ضوءٌ، والسّرّ عنده علانيةٌ، فمن استطاع أن يموت وهو باللّه حسن الظّنّ فليفعل، ولا قوّة إلاّ باللّه.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تستخفون، فتتركوا ركوب محارم اللّه في الدّنيا، حذار أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.
وإنّما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصّواب، لأنّ المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.
فإن قال قائلٌ: وكيف يستخفي الإنسان عن نفسه بما يأتي؟
قيل: قد بيّنّا أنّ معنى ذلك إنّما هو ألاّ يأتي الذّنب، وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه.
وقوله: {ولكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا كنتم تعملون} يقول جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدّنيا من معاصي اللّه أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون من أعمالكم الخبيثة، فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم، فتتركوا ركوب ما حرّم اللّه عليكم.
وذكر أنّ هذه الآية نزلت من أجل نفرٍ تدارءوا بينهم في علم اللّه بما يقولونه ويتكلّمون سرًّا.
ذكر الخبر بذلك:
- حدّثني محمّد بن يحيى القطعيّ، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا قيسٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ الأزديّ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفرٍ، ثقفيّان وقرشيٌّ، أو قرشيّان وثقفيٌّ، كثيرٌ شحوم بطونهما، قليلٌ فقه قلوبهما، فتكلّموا بكلامٍ لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أنّ اللّه يسمع ما نقول؟ فقال الرّجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم} الآية.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن وهب بن ربيعة، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، قال: إنّي لمستترٌ بأستار الكعبة، إذ دخل ثلاثة نفرٍ، ثقفيٌّ وختناه قرشيّان، قليلٌ فقه قلوبهما، كثيرٌ شحوم بطونهما، فتحدّثوا بينهم بحديثٍ، فقال أحدهم: أترى اللّه يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إنّه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا خفضنا. وقال الآخر: إذا كان يسمع منه شيئًا فهو يسمعه كلّه، قال: فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الآية: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} حتّى بلغ {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد اللّه بنحوه). [جامع البيان: 20/410-412]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وما كنتم تستترون قال يقول ما كنتم تتقون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم). [تفسير مجاهد: 570]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو بكرٍ محمّد بن إبراهيم البزّاز ببغداد، ثنا محمّد بن سلمة، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ سعيد بن إياسٍ الجريريّ، عن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «يجيئون يوم القيامة وعلى أفواههم الفدام، وإنّ أوّل ما يتكلّم من الآدميّ فخذه وكفّه» هذا حديثٌ مشهورٌ ببهز بن حكيمٍ، عن أبيه، وقد تابعه الجريريّ، فرواه عن حكيم بن معاوية وصحّ به الحديث ولم يخرّجاه " وقد رواه أبو قزعة الباهليّ أيضًا، عن حكيم بن معاوية). [المستدرك: 2/477]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثناه أبو بكرٍ محمّد بن أحمد بن بالويه، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحسن بن موسى الأشيب، ثنا حمّاد بن سلمة، أنبأ أبو قزعة الباهليّ، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «تحشرون ها هنا وأومأ بيده إلى الشّام مشاةً، وركبانًا وعلى وجوهكم، وتعرضون على اللّه وعلى أفواهكم الفدام، وإنّ أوّل من يعرب عن أحدكم فخذه» ، وتلا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم، ولا أبصاركم ولا جلودكم} [فصلت: 22] ). [المستدرك: 2/478]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفرٍ: ثقفيّان، وقرشيٌّ، أو قرشيّان، وثقفيٌّ، كثيرٌ شحم بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم... } الآية [فصّلت: 22]. أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي.
وللترمذي أيضاً، قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفرٍ، كثيرٌ شحم بطونهم، قليلٌ فقه قلوبهم: قرشيٌّ، وختناه ثقفيّان، أو ثقفيٌّ وختناه قرشيّان، فتكلّموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر: إنّا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كلّه، قال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن اللّه لا يعلم كثيراً مما تعملون (22) وذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصّلت: 22، 23] ). [جامع الأصول: 2/343-344]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور وأحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان أو ثقفي وقرشيان كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمع، فقال الآخران: سمع منه شيئا سمعه كله قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} إلى قوله {من الخاسرين} ). [الدر المنثور: 13/99-100]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحشرون ههنا - وأوما بيده إلى الشام - مشاة وركبانا على وجوهكم وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ما كنتم تظنون). [الدر المنثور: 13/100-101]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه {وما كنتم تستترون} قال: تستخفون.
وأخرج أحمد والطبراني، وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، وابن مردويه، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله عز وجل قال الله عز وجل {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} ). [الدر المنثور: 13/101]

تفسير قوله تعالى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر قال تلا الحسن وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم قال: قال رسول الله قال الله عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ثم أفتن ينطق الحسن بهذا فقال ألا وإنما أعمال الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن فأحسن العمل وأما الكافر والمنافق فأساء بالله الظن فأساء العمل قال الله تعالى وما كنتم تستترون حتى الخاسرين). [تفسير عبد الرزاق: 2/185] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر قال لي رجل إنه يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول يا رب ما كذا هذا طني بك قال وما ظنك بي قال كان ظني بك أن تغفر لي لا تعذبني قال فإني عند ظنك بي). [تفسير عبد الرزاق: 2/186]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 23]
- حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد اللّه رضي اللّه عنه، قال: " اجتمع عند البيت قرشيّان وثقفيٌّ - أو ثقفيّان وقرشيٌّ - كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أنّ اللّه يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنّه يسمع إذا أخفينا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} [فصلت: 22] الآية وكان سفيان يحدّثنا بهذا، فيقول: حدّثنا منصورٌ، أو ابن أبي نجيحٍ، أو حميدٌ أحدهم أو اثنان منهم، ثمّ ثبت على منصورٍ وترك ذلك مرارًا غير مرّةٍ واحدةٍ، حدّثنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا يحيى، حدّثنا سفيان الثّوريّ، قال: حدّثني منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد اللّه بنحوه). [صحيح البخاري: 6/129]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين)
الإشارة في قوله وذلكم لما تقدّم من صنيع الاستتار ظنًّا منهم أنّهم يخفى عملهم عند اللّه وهو مبتدأٌ والخبر أرداكم وظنّكم بدلٌ من ذلكم ثمّ ذكر فيه الحديث الّذي قبله من طريقٍ أخرى
- قوله اجتمع عند البيت أي عند الكعبة قوله كثيرةٌ شحم بطونهم قليلةٌ فقه قلوبهم كذا للأكثر بإضافة بطونٍ لشحمٍ وإضافة قلوبٍ لفقهٍ وتنوين كثيرةٍ وقليلةٍ وفي رواية سعيد بن منصورٍ والتّرمذيّ من طريق عبد الرّحمن بن يزيد عن بن مسعودٍ كثيرٌ شحم بطونهم قليلٌ فقه قلوبهم وذكره بعض الشّرّاح بلفظ إضافة شحمٍ إلى كثيرةٍ وبطونهم بالرّفع على أنّه المبتدأ أي بطونهم كثيرة الشّحم والآخر مثله وهو محتملٌ وقد أخرجه بن مردويه من وجهٍ آخر بلفظ عظيمةٌ بطونهم قليلٌ فقههم وفيه إشارةٌ إلى أنّ الفطنة قلّما تكون مع البطنة قال الشّافعيّ ما رأيت سمينًا عاقلًا إلّا محمّد بن الحسن قوله لئن كان يسمع بعضه لقد سمع كلّه أي لأنّ نسبة جميع المسموعات إليه واحدةٌ فالتّخصيص تحكّمٌ وهذا يشعر بأنّ قائل ذلك كان أفطن أصحابه وأخلق به أن يكون الأخنس بن شريقٍ لأنّه أسلم بعد ذلك وكذا صفوان بن أميّة قوله وكان سفيان يحدّثنا بهذا فيقول حدّثنا منصور أو بن أبي نجيحٍ أو حميدٌ أحدهم أو اثنان منهم ثمّ ثبت على منصورٍ وترك ذلك مرارًا غير واحدةٍ هذا كلام الحميديّ شيخ البخاريّ فيه وقد أخرجه عنه في كتاب التّوحيد قال حدّثنا سفيان حدّثنا منصورٌ عن مجاهدٍ فذكره مختصرًا ولم يذكر مع منصورٍ أحدًا وأخرجه مسلمٌ والتّرمذيّ والنّسائيّ من طرقٍ عن سفيان بن عيينة عن منصورٍ وحده به
- قوله حدثنا يحيى هو بن سعيدٍ القطّان قوله حدّثنا سفيان هو الثّوريّ قوله عن منصورٍ لسفيان فيه إسنادٌ آخر أخرجه مسلمٌ عن أبي بكر بن خلّادٍ عن يحيى القطّان عن سفيان الثّوريّ عن سليمان وهو الأعمش عن عمارة بن عميرٍ عن وهب بن ربيعة عن بن مسعودٍ وكأنّ البخاريّ ترك طريق الأعمش للاختلاف عليه قيل عنه هكذا وقيل عنه عن عمارة بن عميرٍ عن عبد الرّحمن بن يزيد عن بن مسعود أخرجه التّرمذيّ بالوجهين). [فتح الباري: 8/562-563]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {وذلكم ظنّكم} (فصلت: 23)
أي: هذا باب في قوله عز وجل: {وذلكم ظنكم الّذي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين} ، وفي بعض النّسخ ساق الآية بتمامها. قوله: (ذلكم) إشارة إلى قوله: {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ممّا تعملون} (فصلت: 22) وذلكم رفع على الابتداء وظنكم خبره. قوله: {الّذي ظننتم بربكم} صفة: لظنكم، قوله: {أراداكم} ، خبر يعد خبر أي: أهلككم، وقيل: ظنكم بدل من ذلكم، وأرادكم هو الخبر.
- حدّثنا الحميديّ حدثنا سفيان حدثنا منصورٌ عن مجاهدٍ عن أبي معمرٍ عن عبد الله رضي الله عنه قال اجتمع عند البيت قرشيّان وثقفيٌّ أو ثقفيّان وقرشيٌّ كثيرةٌ شحم بطونهم قليلةٌ فقه قلوبهم فقال أحدهم أترون أنّ الله يسمع ما نقول قال الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع إذا جهرنا فإنّه يسمع إذا أخفينا فأنزل الله عزّ وجلّ: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} (فصلت: 22) .
وكان سفيان يحدّثنا بهاذا فيقول حدّثنا منصورٌ أو ابن أبي نجيحٍ أو حميدٌ أحدهم أو اثنان منهم ثمّ ثبت على منصورٍ وترك ذالك مرارًا غير واحدةٍ. (انظر الحديث 4816 وطرفه) .
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن عبد الله بن الزبي رالحميدي عن سفيان بن عيينة عن منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
قوله: (عند البيت) أي: عند الكعبة. قوله: (كثيرة شحم بطونهم) ، بإضافة بطونهم إلى شحم، وكذا إضافة قلوبهم إلى قوله: (فقه) ، وكثيرة وقليلة منونتان هكذا عند الأكثرين، ويروى: كثير وقليل، بدون التّاء وقال الكرماني: وجه التّأنيث إمّا أن يكون الشّحم مبتدأ واكتسب التّأنيث من المضاف إليه، وكثيرة خبره، وإمّا أن تكون التّاء للمبالغة نحو: رجل علامة، وفي رواية ابن مردويه: عظيمة بطونهم قليل فقههم. قوله: (إن أخفينا) ويروى: إن خافتنا، وهو نحوه لأن المخافتة والخفت إسرار النّطق.
قوله: (وكان سفيان يحدثنا)
إلى آخره من كلام الحميدي شيخ البخاريّ فيه وتردده أولا والقطع آخرا ظاهر لا يقدح لأنّه تردد أولا في أي هؤلاء الثّقات وهم: منصور بن المعتمر وعبد الله بن أبي نجيح وحميد بضم الحاء ابن قيس أبو صفوان الأعرج مولى عبد الله بن الزبير، ولما ثبت له اليقين استقر عليه). [عمدة القاري: 19/155]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم}) أنه لا يعلم كثيرًا مما تعملون ({أرداكم}) أي أهلككم أو طرحكم في النار ({فأصبحتم من الخاسرين}) [فصلت: 23] سقط لغير الأصيلي قوله الذي ظننتم الخ.
- حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان حدّثنا منصورٌ عن مجاهدٍ عن أبي معمرٍ، عن عبد اللّه -رضي الله عنه- قال: اجتمع عند البيت قرشيّان وثقفيٌّ أو ثقفيّان وقرشيٌّ كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم. فقال أحدهم: أترون أنّ اللّه يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنّه يسمع إذا أخفينا. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} [فصلت: 22] الآية. وكان سفيان يحدّثنا بهذا فيقول: حدّثنا منصورٌ أو ابن أبي نجيحٍ أو حميدٌ، أحدهم أو اثنان منهم، ثمّ ثبت على منصورٍ، وترك ذلك مرارًا غير واحدةٍ. قوله: {فإن يصبروا فالنّار مثوًى لهم} [فصلت: 24] الآية.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) هو ابن مسعود (-رضي الله عنه-) أنه (قال: اجتمع عند البيت) الحرام (قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي) بالشك وتقدم قريبًا أسماؤهم (كثيرة) بالتنوين (شحم بطونهم) بإضافة بطون لشحم (قليلة) بالتنوين (فقه قلوبهم) بإضافة قلوب لفقه والتاء في كثيرة وقليلة. قال الكرماني: إما أن يكون الشحم مبتدأ واكتسب التأنيث من المضاف إليه وكثيرة خبره وإما أن تكون التاء للمبالغة نحو رجل علاّمة وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة (فقال أحدهم: أترون) بضم التاء (أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا) قال في الفتح: فيه إشعار بأن هذا الثالث أفطن أصحابه وأخلق به أن يكون الأخنس بن شريق لأنه أسلم بعد ذل وكذا صفوان بن أمية (فأنزل الله عز وجل: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} الآية) إلى آخرها. قال الحميدي عبد الله بن الزبير (وكان سفيان) بن عيينة (يحدّثنا بهذا) الحديث (فيقول: حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (أو ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة مهملة عبد الله (أو حميد) بضم الحاء مصغرًا ابن قيس أبو صفوان الأعرج مولى عبد الله بن الزبير (أحدهم أو اثنان منهم ثم ثبت على منصور وترك ذلك مرارًا غير واحدة) وللأصيلي غير مرة واحدة). [إرشاد الساري: 7/329-330]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}.
يقول تعالى ذكره: وهذا الّذي كان منكم في الدّنيا من ظنّكم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون من قبائح أعمالكم ومساوئها، هو ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم في الدّنيا، {أرداكم} يعني أهلككم. يقال منه: أردى فلانًا كذا وكذا. إذا أهلكه، وردي هو: إذا هلك، فهو يردى ردًى؛ ومنه قول الأعشى:
أفي الطّوف خفت عليّ الرّدى = وكم من ردٍ أهله لم يرم
يعني: وكم من هالكٍ أهله لم يرم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {أرداكم} قال: أهلككم.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا الحسن: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم} قال اللّه جلّ ثناؤه: عبدي أنا عند ظنّه بي، وأنا معه إذا دعاني، ثمّ نطق الحسن فقال: إنّما عمل ابن آدم على قدر ظنّه بربّه؛ فأمّا المؤمن فأحسن باللّه الظّنّ، فأحسن العمل؛ وأمّا الكافر والمنافق فأساءا الظّنّ فأساءا العمل، قال ربّكم: {وما كنتم تستترون} حتّى بلغ: {الخاسرين}.
- قال معمرٌ: وحدّثني رجلّ: أنّه يؤمر برجلٍ إلى النّار، فيلتفت فيقول: يا ربّ ما كان هذا ظنّي بك، قال: وما كان ظنّك بي؟ قال: كان ظنّي أن تغفر لي ولا تعذّبني، قال: فإنّي عند ظنّك بي.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: الظّنّ ظنّان، فظنٌّ منجٍ، وظنٌّ مردٍ؛ قال: {الّذين يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم}، قال {إنّي ظننت أنّي ملاقٍ حسابيه} وهذا الظّنّ المنجي؛ ظنّ ظنًّا يقينًا، وقال هاهنا: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم} هذا ظنٌّ مردٍ.
وقوله: {وقال الكافرون إن نظنّ إلاّ ظنًّا وما نحن بمستيقنين} وذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول ويروي ذلك عن ربّه: عبدي عند ظنّه بي، وأنا معه إذا دعاني وموضع قوله: {ذلكم} رفعٌ بقوله ظنّكم، وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: {أرداكم} في موضع نصبٍ بمعنى: مرديًا لكم وقد يحتمل أن يكون في موضع رفعٍ بالاستئناف، بمعنى: مردٍ لكم، كما قال: {تلك آيات الكتاب الحكيم هدًى ورحمةً} في قراءة من قرأه بالرّفع فمعنى الكلام: هذا الظّنّ الّذي ظننتم بربّكم من أنّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون هو الّذي أهلككم، لأنّكم من أجل هذا الظّنّ اجترأتم على محارم اللّه فتقدّمتم عليها، وركبتم ما نهاكم اللّه عنه، فأهلككم ذلك وأرداكم {فأصبحتم من الخاسرين} يقول: فأصبحتم اليوم من الهالكين، قد غبنتم ببيعكم منازلكم من الجنّة بمنازل أهل الجنّة من النّار). [جامع البيان: 20/412-414]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه {وما كنتم تستترون} قال: تستخفون.
وأخرج أحمد والطبراني، وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، وابن مردويه، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله عز وجل قال الله عز وجل {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} ). [الدر المنثور: 13/101] (م)

تفسير قوله تعالى: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) )

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فإن يصبروا فالنّار مثوًى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}.
يقول تعالى ذكره: فإن يصبر هؤلاء الّذين يحشرون إلى النّار على النّار، فالنّار مسكنٌ لهم ومنزلٌ {وإن يستعتبوا} يقول: وإن يسألوا العتبى، وهي الرّجعة لهم إلى الّذي يحبّون بتخفيف العذاب عنهم {فما هم من المعتبين} يقول: فليسوا بالقوم الّذين يرجع بهم إلى الجنّة، فيخفّف عنهم ما هم فيه من العذاب، وذلك كقوله جلّ ثناؤه مخبرًا عنهم: {قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا} إلى قوله {ولا تكلّمون} وكقولهم لخزنة جهنّم: {ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يومًا من العذاب} إلى قوله: {وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلالٍ} ). [جامع البيان: 20/414-415]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( ( {فإن يصبروا فالنّار مثوًى لهم} (فصلت: 24)
تمام الآية: {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} أي: فإن يصبروا على أعمال أهل النّار فالنّار مثوى لهم، أي: منزل إقامة لهم وإن يستعتبوا أي: وإن يسترضوا ويطلبوا العتبى فما هم من المعتبين أي: المرضيين، والمعتب الّذي قد قبل عتابه، وأجيب إلى ما سأل، وقرئ بضم أوله وكسر التّاء لأنهم فارقوا دار العمل.
حدّثنا عمرو بن عليّ حدثنا يحيى حدثنا سفيان الثّوريّ قال حدّثني منصورٌ عن مجاهدٍ عن معمرٍ عن عبد الله بنحوه.
عمرو بن عليّ بن بحر أبو حفص البصريّ الصّيرفي وهو شيخ مسلم أيضا ويحيى هو ابن سعيد القطّان. قوله: (نحوه) أي بنحو الحديث المذكور). [عمدة القاري: 19/155-156]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (قوله) تعالى: ({فإن يصبروا فالنار مثوى لهم}) [فصلت: 24] (الآية) أي سكن لهم أي إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقامًا لهم وسقطت الآية كلها لأبي ذر.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا يحيى حدّثنا سفيان الثّوريّ، قال: حدّثني منصورٌ عن مجاهدٍ عن أبي معمرٍ عن عبد اللّه بنحوه.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الصيرفي البصري قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان الثوري قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) هو ابن مسعود (بنحوه) أي بنحو الحديث السابق ولأبي ذر والأصيلي نحوه بإسقاط حرف الجر). [إرشاد الساري: 7/330]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 02:55 PM
أم القاسم أم القاسم غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,449
افتراضي

التفسير اللغوي


تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فهم يوزعون...}.
فهي من وزعت، ومعنى وزعته: حبسته وكففته، وجاء في التفسير: يحبس أولهم على آخرهم حتى يدخلوا النار.
قال: وسمعت بعض العرب يقول: لأبعثن عليكم من يزعكم , ويحكمكم من الحكمة التي للدابة.
قال: وأنشدني أبو ثروان العكلي:
فإنكما إن تحكماني وترسلا =عليّ غواة الناس إيبا وتضلعاً
فهذا من ذلك، إيب: من أبيت وآبي).
[معاني القرآن: 3/15-16]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({ يوزعون } : يدفعون مجازها يفعلون من وزعت). [مجاز القرآن: 2/197]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({يوزعون}: يحبس أولهم عل آخرهم). [غريب القرآن وتفسيره: 329]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
: ({ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النّار فهم يوزعون (19)}
يقرأ إلى النار - بفتح النون والتفخيم - , وقراءة أبي عمرو - إلى النار - على الإمالة إلى الكسر - , وإنّما يختار ذلك مع الراء - يعني الكسر - لأنها حرف فيه تكرير، فلذلك آثر أبو عمر الكسر.
{فهم يوزعون} : جاء في التفسير يحبس أوّلهم على آخرهم، وأصله من وزعته إذا كففته، وقال الحسن البصري حين ولي القضاء: لا بدّ للناس من وزعة.
أي: لا بد لهم من أعوان يكفّون الناس عن التعدّي).
[معاني القرآن: 4/383]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون}
قال أبو الأحوص , وأبو رزين , ومجاهد , وقتادة , أي: يحبس أولهم على آخرهم .
قال أبو الأحوص : فإذا تكاملت العدة , بدئ بالأكابر , فالأكابر جرما
قال أبو جعفر يقال: وزعه, يزعه , ويزعه إذا كفه , ومنه لما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن , ومنه لا بد للناس من وزعة.).
[معاني القرآن: 6/256-257]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {يُوزَعُونَ}: أولهم على آخرهم). [العمدة في غريب القرآن: 264]

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {سمعهم وأبصارهم وجلودهم...}.
الجلد ها هنا - والله أعلم - الذّكر، وهو ما كنى عنه كما قال:
{ولكن لا تواعدوهنّ سرًّا} : يريد: النكاح, وكما قال: {أو جاء أحدٌ منكم من الغائط} : والغائط: الصحراء، والمراد من ذلك: أو قضى أحد منكم حاجةً). [معاني القرآن: 3/16]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {وجلودهم} : كناية عن الفروج). [تفسير غريب القرآن: 389]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ({حتّى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20)}
جاء في التفسير :
{جلودهم}: كناية عن الفرج، المعنى شهدت فروجهم بمعاصيهم.). [معاني القرآن: 4/384]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون}
قال الفراء الجلد ههنا والله أعلم الذكر كني عنه كما قال تعالى:
{أو جاء أحد منكم من الغائط} , والغائط : الصحراء.
قال أبو جعفر , وقال غيره : هو الجلد بعينه .
وروى أبو الأحوص ,عن عبد الله بن مسعود قال :
(يجادل المنافق عند الميزان , ويدفع الحق , ويدعي الباطل , فيختم على فيه , ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه , ثم يطلق عنه , فيقول بعدا لكن , وسحقا , إنما كنت أجادل عنكن). ). [معاني القرآن: 6/257-258]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({والجلود} : كناية عن الفروج). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 217]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({وقالوا لجلودهم لم شهدتّم علينا قالوا أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ وهو خلقكم أول مرّةٍ وإليه ترجعون}
وقال:
{قالوا أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ} : فجاء اللفظ بهم مثل اللفظ في الإنس لما خبّر عنهم بالنطق والفعل كما قال: {يا أيّها النّمل ادخلوا مساكنكم} لما عقلن , وتكلمن صرن بمنزلة الإنس في لفظهم, وقال الشاعر:
فصبّحت والطّير لم تكلّم = جابيةً طمّت بسيلٍ مفعم).
[معاني القرآن: 4/7]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (
{وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيء وهو خلقكم أوّل مرّة وإليه ترجعون (21)}:أي: جعلنا اللّه شهودا.). [معاني القرآن: 4/384]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} : هذا تمام الكلام , ثم قال: {وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} .).[معاني القرآن: 6/258]

تفسير قوله تعالى:{ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وما كنتم تستترون...}.
يقول: لم تكونوا تخافون أن تشهد عليكم جوارحكم فتستتروا منها، ولم تكونوا لتقدروا على الاستتار، , ويكون على التعبير: أي لم تكونوا تستترون منها.
وقوله:
{ولكن ظننتم...}.
في قراءة عبد الله : مكان
{ولكن ظننتم}، ولكن زعمتم، والزعم، والظن في المعنى واحد، وقد يختلفان). [معاني القرآن: 3/16]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وروى ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله تعالى: {وما كنتم تستترون} :قال: تتقون
قال أبو جعفر : المعنى وما كنتم تستترون من أن يشهد عليكم سمعكم.
قال عبد الله بن مسعود:
(كنت مستترا بأستار الكعبة , فجاء ثقفي , وقرشيان , كثير شحم بطونهم , قليل فقه قلوبهم , فتحدثوا بينهم بحديث ,فقال أحدهم : أترى الله يسمع ما نقول ؟.
فقال الآخران: يسمعنا إذا جهرنا , ولا يسمعنا إذا خافتنا.
وقال الآخر: إن كان يسمعنا إذا جهرنا , فهو يسمعنا إذا خافتنا.فأنزل الله جل وعز: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم إلى قوله وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين})
وروى بهز بن حكيم, عن أبيه , عن جده , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
{أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم}: قال: ((تدعون يوم القيامة مفدمة أفواهكم بفدام , فأول ما يبين عن الإنسان فخذه, وكفه)).). [معاني القرآن: 6/259-260]

تفسير قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):وقوله: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم...}.
"ذلكم" في موضع رفع بالظن، وجعلت "أرداكم" في موضع نصب، كأنك قلت: ذلكم ظنكم مردياً لكم.
وقد يجوز أن تجعل الإرداء هو الرافع في قول من قال: هذا عبد الله قائم , يريد: عبد الله هذا قائم، وهو مستكره، ويكون أرداكم مستأنفا لو ظهر اسما لكان رفعا , مثل قوله في لقمان:
{الم، تلك آيات الكتاب الحكيم، هدًى ورحمةٌ}، قد قرأها حمزة كذلك، وفي قراءة عبد الله: {أألد وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخٌ} ، وفي ق: {هذا ما لديّ عتيدٌ} : كل هذا على الاستئناف؛ ولو نويت الوصل كان نصبا، قال: وأنشدني بعضهم:
من يك ذا بتٍّ فهذا بتّي
=
مقيّظٌ مصيّف مشتّي
=
جمعته من نعجات ست)
[معاني القرآن: 3/17]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ)
: ( {وأرداكم}: أهلككم.). [تفسير غريب القرآن: 389]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23)}
{وذلكم ظنّكم} : مرفوع بخبر الابتداء، و {أرداكم}: خبر ثان.
ويجوز أن يكون :
{ظنّكم} , بدلا من (ذلكم), ويكون المعنى : وظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم, ومعنى {أرداكم} : أهلككم.). [معاني القرآن: 4/384]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} : أي, حين ظننتم أنه لا يسمعكم
وفي الحديث , عن النبي صلى الله عليه وسلم :(( قال الله : أنا عند ظن عبدي بي )).
ومعنى :
{أرداكم} : أهلككم.). [معاني القرآن: 6/260]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({أَرْدَاكُمْ}: أي, أهلككم). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 217]

تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)}
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} : والنار مثوى لهم , صبروا أو لم يصبروا , ففي هذا جوابان.
أحدهما : أن المعنى فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار , كما قال سبحانه:
{فما أصبرهم على النار} , {فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا في النار}
وقيل : وإن يستعتبوا في الدنيا , وهم مقيمون على كفرهم.
والجواب الآخر : فإن يصبروا في النار , أو يجزعوا, فالنار مثوى لهم , ويكون
قوله: {وإن يستعتبوا} : يدل على الجزع , لأن المستعتب جزع). [معاني القرآن: 6/260-261]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26 جمادى الأولى 1434هـ/6-04-2013م, 02:57 PM
أم القاسم أم القاسم غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,449
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)}
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224هـ): (الأصمعي: وزعته فأنا أزعه إذا كففته قال وقال الحسن: لا بد للناس من وزعة يعني قومًا يكفونهم وزعته فأنا أزوعه مثله ويقال قدمته ومنه قول ذي الرمة:
زع بالزمام وجوز الليل مركوم
أي ادفعه إلى قدامه. غيره: أوزعت بالشيء مثل ألهمته وأولعت به ومنه قول الله تبارك وتعالى: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي} ووزعت الشيء بين القوم قسمته). [الغريب المصنف: 3/994] (م)
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (



فغدا يشرق متنه فبدا له أولى سوابقها قريبا توزع

...
...
«تُوزَع» تكف وتحبس على ما تخلف منها ليجتمع بعضها إلى بعض. وقال أيضا: (توزع) أي تغري به، (أوزعه) أي أغره. و(قريبا) يريد قريبا من الثور. الباهلي: (توزع)، يحبس آخرهن على أولهن، لكي لا يخلو بواحد من الكلاب فيقتله، من قوله جل وعز: {فهم يوزعون} يحبس آخرهم على أولهم. وقال معمر: (توزع) تغري به، يقال: (أوزع به، وألذم به) أي أغري به وأولع به). [شرح أشعار الهذليين: 1/27-28] (م)

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)}

تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)}
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واحدة المهيرات مهيرة، وهي الحرّة الممهورة، و"مفعول" يخرج إلى "فعيل" كمقتولٍ وقتيل، ومجروح وجريح، قال الأعشى:


ومنكوحةٍ غير ممهورةٍ وأخرى يقال لها فادها

فهذا المعروف في كلام العرب، مهرت المرأة فهي ممهورةٌ، ويقال وليس بالكثير أمهرتها فهي ممهرةٌ، أنشدني المازنيّ:


أخذن اغتصابًا خطبةً عجرفيّة وأمهرن أرماحًا من الخط ذبّلا

وأهل الحجاز يرزن النكاح العقد دون الفعل، ولا ينكرونه في الفعل ويحتجّون بقول الله عزّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}، فهذا الأشيع في كلام العرب، قال الأعشى:


وأمتنعت نفسي من الغانيات إمّا نكاحًا وإمـا أزن
ومن كل بيضاء رعبوبـةٍ لها بشرٌ ناصـعٌ كاللّبـن

ويكون النّكاح الجماع، وهو في الأصل كناية، قال الراجز:


إذا زنيت فأجد نكاحًا وأعمل الغدوّ والرّواحا

والكناية تقع عن هذا الباب كثيرًا، والأصل ما ذكرنا لك، وفال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أنا من نكاح لا من سفاح". ومن خطب المسلمين: "إن الله عز وجل أحلّ النّكاح وحرم السّفاح".
والكناية تقع على جماع، قال الله عزّ وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، فهذه كناية عن الجماع، قال أكثر الفقهاء في قوله تبارك وتعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، قالوا: كناية عن الجماع، وليس الأمر عندنا كذلك، وما أصف مذهب أهل المدينة، قد فرغ من النكاح تصريحًا، وإنما الملامسة أن يلمسها الرجل بيد أو بإدناء جسدٍ من جسد، فذلك ينقض الوضوء في قول أهل المدينة، لأنه قال تبارك وتعالى بعد ذكر الجنب: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}.
وقوله عزّ وجل: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}، كنايةٌ بإجماع عن قضاء الحاجة، لأن كلّ من يأكل الطعام في الدنيا أنجى، يقال: نجا وأنجى، إذا قام لحاجة الإنسان. وكذلك: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا}. كناية عن الفروج، ومثله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}، فإنما الغائط كالوادي، وقال عمرو بن معدي كرب:


وكم من غائط من دون سلمى قليل الإنس ليس به كتيـع).

[الكامل: 2/655-657] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ويروى أن عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة قال شعرًا، وكتب به إلى امرأةٍ محرمةٍ بحضرة ابن أبي عتيق، وهو:


ألما بذاتِ الخالِ فاستطلعا لنـا على العهد باقٍ ودها أم تصرما
وقولاَ لها إن النـوى أجنبيـةٌ بنا وبكر قد خفت أن تتيممـا

قال: فقال له ابن أبي عتيقٍ: ماذا تريد إلى امرأةٍ مسلمةٍ محرمة تكتبُ إليها بمثل هذا الشعر! قال: فلما كان بعد مديدةٍ قال له ابن أبي ربيعة.
أعلمتَ أن الجوابَ جاء من عندِ ذاك الإنسان? فقال له: ما هو? فقال: كتبت:


أضحى قريضكَ بالهوى نماما فاقصد هديتَ وكن له كتاما
واعلم بأن الخال حين ذكرته قعد العدو به عليك وقامـا

ويكن من الكناية - وذاك أحسنها- الرغبةُ عن اللفظ الخسيس المفحش إلى ما يدل على معناه من غيره، قال الله - وله المثل الأعلى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وقال: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} والملامسة في قول أهل المدينة - مالكٍ وأصحابه - غير كنايةٍ، إنما هو اللمسُ بعينه، يقولون في الرجلِ تقع يده على امرأته أو على جاريتهِ بشهوةٍ: إن وضوءه قد انتقض.
وكذلك قولهم في قضاء الحاجةِ: جاء فلان من الغائطِ، وإنما الغائط الوادي، وكذلك المرأةُ، قال عمروُ بن معدي كرِب الزبيديُّ:


وكم من غائطٍ من دون سلمى قليل الإنس ليس بـه كتيـعُ

وقال الله جل وعزَّ في المسيح ابن مريمَ وأمهِ صلى الله عليهما: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}، وإنما هو كنايةٌ عن قضاء الحاجة. وقال: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا}؛ وإنما هي كناية عن الفروج. ومثل هذا كثيرٌ). [الكامل: 2/855-857] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وقوله: * نفسي فداؤك من سار على ساق *، والخيال لا يمشي على ساق، ولكنه لما قال: يسري، وقال محتفيًا: فوصفه بما يوصف به ذو الساق، قال: * نفسي فداؤك من سار على ساق *، فجعله ممن له ساق، وكذلك قول الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين}، وإنما تدخل هذه النون والياء في جمع ذكران الإنس والجن، وما أشبههم، فيقال: الجن والإنس والملائكة ساجدون، فإذا عدوت هذا، صار المؤنث والمذكر إلى التأنيث، فيقال: الغنم، والبقر مذبحة، ومذبحات، وقد ذبحن، ولا يجوز مذبحون.
قال الفراء: وإنما ذلك لأنها وصفت بأفاعيل الآدميين، وقال: ألا ترى أن الركوع والسجود لا يكون إلا من الآدميين، فأخرجت على أفعال الآدميين لما وصفت بصفتهم، ومثله {وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا}، وكأنهم خاطبوا رجالًا إذا كلمتهم وكلموها، ومثله {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}، وكل ما ورد عليك موافقًا لفعل الآدميين، وليس من الآدميين، فأجره على هذا، ويجوز أن يكون جعل الخيال ذا ساق، يذهب إلى معناه، يريد: صاحب الخيال. أحمد). [شرح المفضليات: 4] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)}

تفسير قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}

تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)}
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224هـ): (لك العتبي بأن لا رضيت.
وهذا مثل مبتذل في الناس، وهو مثل محول عن موضعه، لأن أصل " العتبى " الرجوع المستعتب إلى محبة صاحبه، وهذا على ضده، يقول: أعاتبك

بخلاف رضاك، ومنه قول بشر بن أبي حازم الأسدي:


غضبت تميم أنَّ تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصليم

أي أعتبناهم بالقتل. ومن أمثالهم في ترك العتاب قول الشاعر:


وليس عتاب الناس للمرء نافعاً إذا لم يكن للمرء لب يعاتبـه

وقال آخر:


فدع العتاب فرب شر هاج أوله العتـاب).

[الأمثال: 182-183]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328هـ): (وثوى: أقام يثوي ثواءً فهو ثاوٍ وأنكر أحمد

أثوى يثوي واحتج بقول الله تعالى: {وما كنت ثاويًا في أهل مدين} وبقوله جل وعلا: {فالنار مثوىً لهم}.
قال يعقوب بن السكيت: يقال ثوى وأثوى وأنشد بيت الأعشى:


أثوى وقصـر ليلـه ليـزودا فمضى وأخلف من قتيلة موعدا

أنشده بسكون الثاء على الخبر، وأنشده أحمد بن عبيد عن أبي عمرو وغيره: أثوى بفتح الثاء على الاستفهام). [شرح المفضليات: 730-731] (م)
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ): (والعتبى: الإعتاب، يقال: عاتبني فلان فأعتبته إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى: الاسم والإعتاب المصدر). [الأمالي: 2/110]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15 صفر 1440هـ/25-10-2018م, 12:48 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15 صفر 1440هـ/25-10-2018م, 12:48 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15 صفر 1440هـ/25-10-2018م, 12:52 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون}
[ويوم] نصب بإضمار فعل تقديره: واذكر يوم. وقرأ نافع وحده، والأعرج، وأهل المدينة: "نحشر" بالنون [أعداء] بالنصب، إلا أن الأعرج كسر الشين. وقرأ الباقون: "يحشر" بالياء المرفوعة "أعداء" رفعا، وهي قراءة الأعمش، والحسن، وأبي رجاء، وأبي جعفر، وقتادة، وعيسى، وطلحة، ونافع - فيما روي عنه -، وحجتها [يوزعون]. وأعداء الله هم الكفار المخالفون لأمره، و[يوزعون] قال قتادة وأهل اللغة: يكف أولهم حبسا على آخرهم، وفي حديث أبي قحافة يوم الفتح: "ذلك الوازع"، وقال الحسن البصري: لا بد للقاضي من وزعة، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إني لا أقيد من وزعة الله تعالى.
و[حتى] غاية لهذا الحشر المذكور، وهذا وصف حال من أحوالهم في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جهنم، فإن الله تعالى سيقررهم عند ذلك على أنفسهم، ويسألون سؤال توبيخ عن كفرهم، فينكرون ذلك ويحسبون أن لا شاهد، ويظنون السؤال سؤال استفهام واستخبار، فينطق الله تعالى جوارحهم بالشهادة عليهم، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما ينطق من الإنسان فخذه الأيسر، ثم تنطق الجوارح، فيقول الكافر: تبا لك أيها الأعضاء، فعنك كنت أدافع"، وفي حديث آخر "يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام فيتكلم الفخذ والكف").[المحرر الوجيز: 7/ 473-474]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم ذكر الله تعالى محاورتهم لجلودهم في قولهم: {لم شهدتم علينا}، أي: وعذابنا عذاب لكم، واختلف الناس، ما المراد بالجلود؟ فقال جمهور الناس: هي الجلود المعروفة، وقال عبد الله بن أبي جعفر: كنى بالجلود عن الفروج، وإياها أراد، وأخبر تعالى أن الجلود ترد جوابهم بأن الله تعالى الخالق المبدئ المعيد هو الذي أنطقهم، وقوله تعالى: {أنطق كل شيء} يريد: كل شيء ناطق، مما هي فيه عادة أو خرق عادة). [المحرر الوجيز: 7/ 474-475]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله تعالى: {وما كنتم تستترون} يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها، ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل لهم، أو من كلام ملك يأمره، وأما المعنى فيحتمل وجهين:
أحدهما أن يريد: وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر، خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله سبحانه لا يعلم فانهمكتم وجاهرتم، وهذا هو منحى مجاهد، والستر قد يتصرف على هذا المعنى ونحوه، ومنه قول الشاعر:
والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
والمعنى الثاني أن يريد: وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد، وهذا هو منحى السدي، كأن المعنى: وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن تشهد; لأن الجوارح لزيمة لكم، وفي إلزامه إياهم الظن بأن الله تعالى لا يعلم إلزامهم الكفر والجهل بالله تعالى، وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل، واحتقار قدرة الله تعالى لا رب غيره، وفي مصحف ابن مسعود رضي الله عنه: [ولكن زعمتم أن الله]، وحكى الطبري عن قتادة أنه عبر بـ"تستترون" عن "تظنون"، وذلك تفسير لم ينظر فيه إلى اللفظ ولا ارتباط فيه معه، وذكر الطبري وغيره حديثا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ دخل ثلاثة نفر، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ قال الآخر: إنه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع شيئا منه، فإنه يسمعه كله، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فنزلت: {وما كنتم تستترون} الآية، فقرأ حتى بلغ: {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}، وذكر الثعلبي أن الثقفي عبد ياليل، والقرشيان ختناه: ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة، فالآية مدنية، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية متمثلا بها عند إخبار عبد الله إياه، والله أعلم).[المحرر الوجيز: 7/ 475-476]

تفسير قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين * وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}
[ذلكم] رفع بالابتداء، والإشارة به إلى قوله تعالى: {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم}، قال قتادة: الظن ظنان، ظن منج، وظن مهلك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فالمنجي هو أن يظن الموحد العارف بربه أن الله تعالى يرحمه، والمهلك: ظنون الكفرة الجاهلين على اختلافها، وفي هذا المعنى ليحيى بن أكثم رؤيا حسنة مؤنسة، و[ظنكم] خبر ابتداء.
وقوله تعالى: {[أرداكم]} يصح أن يكون خبرا بعد خبر، وجوز الكوفيون أن يكون في موضع الحال، والبصريون لا يجيزون وقوع الماضي حالا إذا اقترن بقد، تقول: رأيت زيدا قد قام، وقد يجوز تقديرها عندهم وإن لم تظهر، ومعنى: [أرداكم]: أهلككم، والردى: الهلاك). [المحرر الوجيز: 7/ 476-477]

تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {فإن يصبروا} مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فإن يصبروا أو لا يصبروا، واقتصر لدلالة الظاهر على ما ترك، و"المثوى": موضع الإقامة. وقرأ جمهور الناس: "وإن يستعتبوا" بفتح الياء وكسر التاء الأخيرة على إسناد الفعل إليهم، "فما هم من المعتبين" بفتح التاء، على: وإن طلبوا العتبى - وهي الرضى - فما هم ممن يعطاها ويستوجبها، وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد، وموسى الأسواري: "يستعتبوا" بضم الياء وفتح التاء الثانية، "فما هم من المعتبين" بكسر التاء، على معنى: وإن طلب منهم خير أو إصلاح، فما هم ممن يوجد عندهم; لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال، كما قال عليه الصلاة والسلام: "ليس بعد الموت مستعتب"، ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه). [المحرر الوجيز: 7/ 477]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16 صفر 1440هـ/26-10-2018م, 04:44 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16 صفر 1440هـ/26-10-2018م, 04:47 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النّار فهم يوزعون (19) حتّى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ وهو خلقكم أوّل مرّةٍ وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون (22) وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنّار مثوًى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) }
يقول تعالى: {ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النّار فهم يوزعون} أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النّار {يوزعون}، أي: تجمع الزّبانية أوّلهم على آخرهم، كما قال تعالى: {ونسوق المجرمين إلى جهنّم وردًا} [مريم: 86]، أي: عطاشًا). [تفسير ابن كثير: 7/ 170]

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :(وقوله: {حتّى إذا ما جاءوها} أي: وقفوا عليها، {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} أي: بأعمالهم ممّا قدّموه وأخّروه، لا يكتم منه حرفٌ). [تفسير ابن كثير: 7/ 170]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :({وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: {قالوا أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ وهو خلقكم أوّل مرّةٍ} أي: فهو لا يخالف ولا يمانع، وإليه ترجعون.
قال الحافظ أبو بكرٍ البزّار: حدّثنا محمّد بن عبد الرّحيم، حدّثنا عليّ بن قادمٍ، حدّثنا شريكٌ، عن عبيدٍ المكتب، عن الشّعبيّ، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، قال: ضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يومٍ وتبسّم، فقال: "ألا تسألوني عن أيّ شيءٍ ضحكت؟ " قالوا: يا رسول اللّه من أيّ شيءٍ ضحكت؟ قال: "عجبت من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: أي ربّي، أليس وعدتني ألّا تظلمني؟ قال: بلى فيقول: فإنّي لا أقبل عليّ شاهدًا إلّا من نفسي. فيقول اللّه تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال: فيردّد هذا الكلام مرارًا". قال: "فيختم على فيه، وتتكلّم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدًا لكنّ وسحقا، عنكنّ كنت أجادل".
ثمّ رواه هو وابن أبي حاتمٍ، من حديث أبي عامرٍ الأسديّ، عن الثّوريّ، عن عبيد المكتب، عن فضيل بن عمرٍو، عن الشّعبيّ ثمّ قال: "لا نعلم رواه عن أنسٍ غير الشّعبيّ". وقد أخرجه مسلمٌ والنّسائيّ جميعًا عن أبي بكر بن أبي النّضر، عن أبي النّضر، عن عبيد اللّه بن عبد الرّحمن الأشجعيّ، عن الثّوريّ به. ثمّ قال النّسائيّ: "لا أعلم أحدًا رواه عن الثّوريّ غير الأشجعيّ". وليس كما قال كما رأيت، واللّه أعلم.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن علّية، عن يونس ابن عبيد، عن حميد بن هلالٍ قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربّه -عزّ وجلّ-عمله، فيجحد ويقول: أي ربّ، وعزّتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل! فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزّتك، أي ربّ ما عملته. [قال] فإذا فعل ذلك ختم على فيه -قال الأشعريّ: فإنّي لأحسب أوّل ما ينطق منه فخذه اليمنى.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا زهير حدّثنا حسنٌ، عن ابن لهيعة: قال درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ الخدريّ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إذا كان يوم القيامة عرّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك، يشهدون عليك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك [و] عشيرتك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا فيحلفون، ثمّ يصمتهم اللّه وتشهد عليهم ألسنتهم، ويدخلهم النّار".
وقال ابن أبي حاتمٍ: وحدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن إبراهيم، حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث: سمعت أبي: حدّثنا عليّ بن زيدٍ، عن مسلم بن صبيح أبي الضّحى، عن ابن عبّاسٍ: أنّه قال لابن الأزرق: إنّ يوم القيامة يأتي على النّاس منه حينٌ، لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلّمون حتّى يؤذن لهم، ثمّ يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه باللّه، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث اللّه عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثمّ يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح، فتقول: {أنطقنا اللّه الّذي أنطق كلّ شيءٍ وهو خلقكم أوّل مرّةٍ وإليه ترجعون} فتقرّ الألسنة بعد الجحود.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عبدة بن سليمان، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا صفوان بن عمرٍو، عن عبد الرّحمن بن جبيرٍ الحضرميّ، عن رافعٍ أبي الحسن -وصف رجلًا جحد-قال: فيشير اللّه إلى لسانه، فيربو في فمه حتّى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمةٍ، ثمّ يقول لآرابه كلّها: تكلّمي واشهدي عليه. فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده، وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا، عملنا، فعلنا.
وقد تقدّم أحاديث كثيرةٌ، وآثارٌ عند قوله تعالى في سورة يس: {اليوم نختم على أفواههم وتكلّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} [يس: 65]، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال ابن أبي حاتمٍ -رحمه اللّه-: حدّثنا أبي، حدّثنا سويد بن سعيدٍ، حدّثنا يحيى بن سليم الطّائفيّ، عن ابن خثيم، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللّه قال: لمّا رجعت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مهاجرة البحر قال: "ألا تحدّثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ " فقال فتيةٌ منهم: بلى يا رسول اللّه، بينا نحن جلوسٌ إذ مرّت علينا عجوزٌ من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلّةً من ماءٍ، فمرّت بفتًى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثمّ دفعها فخرّت على ركبتيها، فانكسرت قلّتها. فلمّا ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر، إذا وضع اللّه الكرسيّ، وجمع الأوّلين والآخرين، وتكلّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا؟ قال: يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "صدقت [و] صدقت، كيف يقدس اللّه قومًا لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ ".
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه. ورواه ابن أبي الدّنيا في كتاب الأهوال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا يحيى بن سليمٍ، به). [تفسير ابن كثير: 7/ 170-172]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشّهادة عليهم: ما كنتم تتكتّمون منّا الّذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون اللّه بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنّكم كنتم لا تعتقدون أنّه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال: {ولكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم} أي: هذا الظّنّ الفاسد -وهو اعتقادكم أنّ اللّه لا يعلم كثيرًا ممّا تعملون-هو الّذي أتلفكم وأرداكم عند ربّكم، {فأصبحتم من الخاسرين} أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.
قال الإمام أحمد -رحمه اللّه-: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرّحمن ابن يزيد، عن عبد اللّه قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفرٍ: قرشيٌّ، وختناه ثقفيّان -أو ثقفيٌّ وختناه قرشيّان-كثيرٌ شحم بطونهم قليلٌ فقه قلوبهم، فتكلّموا بكلامٍ لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أنّ اللّه يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنّا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئًا سمعه كلّه. قال: فذكرت ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} إلى قوله: {من الخاسرين}
وكذا رواه التّرمذيّ عن هنّادٍ، عن أبي معاوية، بإسناده نحوه. وأخرجه أحمد ومسلمٌ والتّرمذيّ أيضًا، من حديث سفيان الثّوريّ، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن وهب بن ربيعة، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، رضي اللّه عنه، بنحوه. ورواه البخاريّ ومسلمٌ أيضًا، من حديث السّفيانين، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ عبد اللّه بن سخبرة، عن ابن مسعودٍ به.
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمرٌ، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} قال: "إنّكم تدعون مفدّمًا على أفواهكم بالفدام، فأوّل شيءٍ يبين عن أحدكم فخذه وكفّه ".
قال معمرٌ: وتلا الحسن: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم} ثمّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "قال اللّه أنا مع عبدي عند ظنّه بي، وأنا معه إذا دعاني" ثمّ أفترّ الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنّما عمل النّاس على قدر ظنونهم بربّهم، فأمّا المؤمن فأحسن الظّنّ بربّه فأحسن العمل، وأمّا الكافر والمنافق فأساءا الظّنّ باللّه فأساءا العمل. ثمّ قال: قال اللّه تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} إلى قوله: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}
وقال الإمام أحمد: حدّثنا النّضر بن إسماعيل القاصّ -وهو أبو المغيرة-حدّثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: "لا يموتنّ أحدٌ منكم إلّا وهو يحسن باللّه الظّنّ، فإنّ قومًا قد أرداهم سوء ظنّهم باللّه، فقال اللّه تعالى: {وذلكم ظنّكم الّذي ظننتم بربّكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}). [تفسير ابن كثير: 7/ 172-173]

تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {فإن يصبروا فالنّار مثوًى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} أي: سواءٌ عليهم أصبروا أم لم يصبروا هم في النّار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارًا فما لهم أعذارٌ، ولا تقال لهم عثراتٌ.
قال ابن جريرٍ: ومعنى قوله: {وإن يستعتبوا} أي: يسألوا الرّجعة إلى الدّنيا، فلا جواب لهم -قال: وهذا كقوله تعالى إخبارًا عنهم: {قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قومًا ضالّين ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلّمون} [المؤمنون: 106 -108]).[تفسير ابن كثير: 7/ 173]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:43 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة