العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم الاعتقاد > جمهرة شرح أسماء الله الحسنى

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #2  
قديم 29 ربيع الأول 1435هـ/30-01-2014م, 03:44 PM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

أدلّة هذا الاسم

الأول والآخر والظّاهر والباطن
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت:303هـ): (قوله جلّ ثناؤه {الأول والآخر والظّاهر والباطن} أخبرنا محمّد بن عبد الله بن المبارك قال ثنا أبو هشام قال ثنا وهيب قال ثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه يقول (اللّهمّ رب السّماوات ورب الأرض ورب كل شيء فالق الحبّ والنوى منزل التّوراة والإنجيل والقرآن نعوذ بك من شرّ كل ذي شرّ أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدّين وأغنني من الفقر)
- أخبرني هلال بن العلاء قال ثنا حسين قال ثنا زهير عن سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة قال أتت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا فقال لها (الّذي جئت تطلبين أحب إليك أو خير منه قال فحسبت أنّها سألت عليا فقال قولي ما هو خير قالت ما هو خير قال فقولي اللّهمّ رب السّماوات السّبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء منزل التّوراة والإنجيل والفرقان وفالق الحبّ والنوى نعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنّا الدّين وأغننا من الفقر). [النعوت الأسماء والصفات:224- 1/222]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24 شعبان 1438هـ/20-05-2017م, 10:25 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

شرح ابن القيم (ت:751هـ) [الشرح المطول]

قال ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت:751هـ) كما في المرتبع الأسنى:
( ( الأوَّلُ والآخرُ والظاهرُ والباطِنُ):
(الأَوَّلُ الذي لَيْسَ قَبْلَهُ شيءٌ، الآخرُ الذي ليسَ بعدَهُ شيءٌ، الظاهرُ الذي ليسَ فوقَهُ شيءٌ، الباطنُ الذي ليسَ دونَهُ شيءٌ، سَبَقَ كلَّ شيءٍ بِأَوَّلِيَّتِهِ. وَبَقِيَ بعدَ كلِّ شيءٍ بِآخِرِيَّتِهِ. وَعَلا فَوْقَ كلِّ شيءٍ بِظُهُورِهِ، وَأَحَاطَ بكلِّ شيءٍ بِبُطُونِهِ)([1]).
(فأوَّلِيَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سَابِقَةٌ على أَوَّلِيَّةِ كلِّ ما سِوَاهُ، وَآخِرِيَّتُهُ ثابتةٌ بعدَ آخِرِيَّةِ كلِّ ما سِوَاهُ، فَأَوَّلِيَّتُهُ سَبْقُهُ لكلِّ شيءٍ، وآخِرِيَّتُهُ بَقَاؤُهُ بعدَ كلِّ شيءٍ، وَظَاهِرِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ فَوْقِيَّتُهُ وَعُلُوُّهُ على كلِّ شيءٍ، وَمَعْنَى الظهورِ يَقْتَضِي العُلُوَّ، وظاهِرُ الشيءِ هوَ ما عَلا مِنْهُ وَأَحَاطَ بِبَاطِنِهِ، وَبُطُونُهُ سُبْحَانَهُ إِحَاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إليهِ منْ نفسِهِ، وهذا قُرْبٌ، غيرُ قُرْبِ المُحِبِّ مِنْ حَبِيبِهِ، هذا لونٌ وهذا لونٌ.
((فهذهِ الأسماءُ الأربعةُ مُتَقَابِلَةٌ: اسْمَانِ لأَزَلِ الربِّ تَعَالَى وَأَبَدِهِ، وَاسْمَانِ لِعُلُوِّهِ وَقُرْبِهِ))([2]).
[وَمَدَارُهَا]... على الإحاطةِ، وهي إِحَاطَتَانِ: زَمَانِيَّةٌ ومكانيَّةٌ، فَأَحَاطَتْ أَوَّلِيَّتُهُ وَآخِرِيَّتُهُ بِالقَبْلِ والبَعْدِ، فكلُّ سَابِقٍ انْتَهَى إلى أَوَّلِيَّتِهِ، وكلُّ آخِرٍ انْتَهَى إِلَى آخِرِيَّتِهِ، فَأَحَاطَتْ أَوَّلِيَّتُهُ وَآخِرِيَّتُهُ بالأوائلِ والأواخرِ، وَأَحَاطَتْ ظَاهِرِيَّتُهُ وَبَاطِنِيَّتُهُ بكلِّ ظاهرٍ وباطنٍ، فما مِنْ ظَاهِرٍ إِلاَّ وَاللهُ فوقَهُ، وما مِنْ بَاطِنٍ إلاَّ واللهُ دُونَهُ، وما مِنْ أَوَّلٍ إلاَّ واللهُ قَبْلَهُ، وما مِنْ آخِرٍ إلاَّ واللهُ بَعْدَهُ: فالأوَّلُ قِدَمُهُ، والآخِرُ دَوَامُهُ وَبَقَاؤُهُ، والظاهرُ عُلُوُّهُ وَعَظَمَتُهُ، والباطنُ قُرْبُهُ وَدُنُوُّهُ. فَسَبَقَ كلَّ شيءٍ بأَوَّلِيَّتِهِ، وَبَقِيَ بعدَ كلِّ شيءٍ بآخريَّتِهِ، وَعَلا على كلِّ شيءٍ بِظُهُورِهِ، وَدَنَا مِنْ كلِّ شيءٍ ببطونِهِ، فلا تُوَارِي منهُ سَمَاءٌ سَمَاءً، ولا أَرْضٌ أَرْضاً، ولا يَحْجُبُ عنهُ ظاهرٌ بَاطِناً، بل الباطنُ لهُ ظاهرٌ، والغيبُ عندَهُ شهادةٌ، والبعيدُ منهُ قريبٌ، والسرُّ عندَهُ عَلانِيَةٌ.
فهذهِ الأسماءُ الأربعةُ تَشْتَمِلُ على أركانِ التوحيدِ، فهوَ الأوَّلُ في آخِرِيَّتِهِ، والآخِرُ في أَوَّلِيَّتِهِ، والظاهرُ في بطُونِهِ، والباطنُ في ظهورِهِ، لم يَزَلْ أَوَّلاً وآخِراً وظاهِراً وباطِناً. ([3])
والتَّعَبُّدُ بِهَذِهِ الأسماءِ رُتْبَتَانِ:
- الرتبةُ الأولى: أنْ تَشْهَدَ الأَوَّلِيَّةَ مِنْهُ تَعَالَى في كلِّ شيءٍ، والآخِرِيَّةَ بعدَ كلِّ شيءٍ، والعُلُوَّ والفوقيَّةَ فوقَ كلِّ شيءٍ، والقُرْبَ والدُّنُوَّ دونَ كلِّ شيءٍ، فالمخلوقُ يَحْجُبُهُ مِثْلُهُ عمَّا هوَ دونَهُ، فَيَصِيرُ الحاجبُ بَيْنَهُ وبينَ المحجوبِ، والربُّ جلَّ جلالُهُ ليسَ دونَهُ شيءٌ أَقْرَبُ إلى الخلقِ منهُ.
- والمَرْتَبَةُ الثانيَةُ من التَّعَبُّدِ: أنْ يُعَامِلَ كلَّ اسمٍ بِمُقْتَضَاهُ:
فَيُعَامِلَ سَبْقَهُ تَعَالَى بأوَّليَّتِهِ لكلِّ شيءٍ، وَسَبْقَهُ بفضلِهِ وإحسانِهِ الأسبابَ كلَّها بما يَقْتَضِيهِ ذلكَ منْ إفرادِهِ، وعدمِ الالتفاتِ إلى غيرِهِ، والوثوقِ بسواهُ، والتَّوَكُّلِ على غيرِهِ، فمَنْ ذا الذي شَفَعَ لكَ في الأَزَلِ حيثُ لم تَكُنْ شَيْئاً مذكوراً، حَتَّى سَمَّاكَ باسمِ الإسلامِ، وَوَسَمَكَ بِسِمَةِ الإيمانِ، وَجَعَلَكَ منْ أهلِ قبضةِ اليمينِ، وَأَقْطَعَكَ في ذلكَ الغيبِ عَمَالاتِ المُؤْمِنِينَ، فَعَصَمَكَ عن العبادةِ للعبيدِ، وَأَعْتَقَكَ من الْتِزَامِ الرقِّ لِمَنْ لهُ شَكْلٌ ونَدِيدٌ. ثُمَّ وَجَّهَ وِجْهَةَ قَلْبِكَ إليهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى دونَ ما سواهُ، فَاضْرَعْ إلى الذي عَصَمَكَ من السجودِ للصَّنَمِ، وَقَضَى لكَ بِقَدَمِ الصدقِ في القِدَمِ أنْ يُتِمَّ عَلَيْكَ نعمةً هوَ ابْتَدَأَهَا وَكَانَتْ أَوَّلِيَّتُهَا منهُ بلا سَبَبٍ مِنْكَ.
وَاسْمُ بِهِمَّتِكَ عنْ ملاحظةِ الاختيارِ، ولا تَرْكَنَنَّ إِلَى الرسومِ والآثارِ، ولا تَقْنَعْ بالخسيسِ الدونِ، وعليكَ بالمطالبِ العاليَةِ والمراتبِ الساميَةِ التي لا تُنَالُ إلاَّ بطاعةِ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى أنْ لا يُنَالَ ما عِنْدَهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، ومَنْ كانَ للهِ كَمَا يُرِيدُ كانَ اللهُ لهُ فوقَ ما يُرِيدُ، فَمَنْ أَقْبَلَ تَلَقَّاهُ منْ بعيدٍ، ومَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ أَلانَ لهُ الحديدَ، ومَنْ تَرَكَ لأَجْلِهِ أَعْطَاهُ فوقَ المزيدِ، وَمَنْ أَرَادَ مُرَادَهُ الدِّينِيَّ أَرَادَ ما يُرِيدُ. ثُمَّ اسْمُ بِسِرِّكَ إِلَى المَطْلَبِ الأَعْلَى، وَاقْصُرْ حُبَّكَ وَتَقَرُّبَكَ على مَنْ سَبَقَ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إليكَ كلَّ سببٍ منكَ، بلْ هوَ الذي جَادَ عليكَ بالأسبابِ، وَهَيَّأَ لكَ وصَرَفَ عَنْكَ مَوَانِعَهَا، وَأَوْصَلَكَ بها إلى غَايَتِكَ المحمودةِ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَعَامِلْهُ وَحْدَهُ، وَآثِرْ رِضَاهُ وَحْدَهُ، وَاجْعَلْ حُبَّهُ وَمَرْضَاتَهُ هوَ كَعْبَةَ قَلْبِكَ الَّتِي لا تَزَالُ طَائِفاً بِهَا، مُسْتَلِماً لأَرْكَانِهَا، وَاقِفاً بِمُلْتَزَمِهَا.
فَيَا فَوْزَكَ وَيَا سَعَادَتَكَ إِن اطَّلَعَ سُبْحَانَهُ على ذلكَ منْ قَلْبِكَ!! مَاذا يُفِيضُ عليكَ منْ ملابسِ نِعَمِهِ وَخِلَعِ أَفْضَالِهِ!! (( اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ منكَ الجدُّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ )).
* * *
ثُمَّ تَعَبَّدْ لَهُ بِاسْمِهِ (( الآخِرِ )) بِأَنْ تَجْعَلَهُ وَحْدَهُ غَايَتَكَ التي لا غايَةَ لكَ سواهُ. ولا مَطْلُوبَ لكَ وراءَهُ، فَكَمَا انْتَهَتْ إليهِ الأَوَاخِرُ، وكانَ بعدَ كلِّ آخرٍ فَكَذَلِكَ اجْعَلْ نِهَايَتَكَ إليهِ، فإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهَى، إليهِ انْتَهَت الأسبابُ والغاياتُ، فَلَيْسَ وَرَاءَهُ مَرْمًى يُنْتَهَى إِلَيْهِ)([4]).
(فتَأَمَّلْ عُبُودِيَّةَ هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ [الأَوَّلِ والآخِرِ] وَمَا يُوجِبَانِهِ منْ صحَّةِ الاضطرارِ إلى اللهِ وحدَهُ، وَدَوَامِ الفقرِ إليهِ دونَ كلِّ شيءٍ سواهُ، وأنَّ الأمرَ ابْتَدَأَ منهُ وإليهِ يُرْفَعُ.
فهوَ المبتَدِئُ بالفضلِ حيثُ لا سببَ ولا وسيلةَ، وإليهِ يَنْتَهِي الأمرُ حيثُ تَنْتَهِي الأسبابُ والوسائلُ.
فهوَ أَوَّلُ كلِّ شيءٍ وآخرُهُ، وكما أنَّهُ ربُّ كلِّ شيءٍ وفاعلُهُ وخالقُهُ وَبَارِئُهُ، فهوَ إِلَهُهُ وَغَايَتُهُ التي لا صلاحَ لهُ ولا فلاحَ ولا كمالَ إلاَّ بأنْ يَكُونَ هوَ غايتَهُ وَحْدَهُ، كما أنَّهُ لا وجودَ لهُ إلاَّ بكونِهِ وحدَهُ هوَ ربَّهُ وَخَالِقَهُ، وكذلكَ لا كمالَ لهُ ولا صلاحَ إلاَّ بكونِهِ تَعَالَى وحدَهُ هوَ غايتَهُ ونهايتَهُ ومقصودَهُ، فهوَ الأوَّلُ الذي ابْتَدَأَتْ منهُ المخلوقاتُ، والآخرُ الذي انْتَهَتْ إليهِ عُبُودِيَّاتُهَا وَإِرَادَاتُهَا وَمَحَبَّتُهَا، فليسَ وراءَ اللهِ شيءٌ يُقْصَدُ وَيُعْبَدُ وَيُتَأَلَّهُ، كَمَا أَنَّهُ ليسَ قبلَهُ شيءٌ يَخْلُقُ وَيَبْرَأُ؛ فكما كانَ وَاحِداً في إيجادِكَ فَاجْعَلْهُ وَاحِداً في تَأَلُّهِكَ وَعُبُودِيَّتِكَ، وَكَما ابْتَدَأَ وُجُودَكَ وَخَلْقَكَ منهُ فَاجْعَلْهُ نِهَايَةَ حُبِّكَ وَإِرَادَتِكَ وَتَأَلُّهِكَ إِلَيْهِ لِتَصِحَّ لَكَ عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ (( الأوَّلِ والآخرِ ))، وَأَكْثَرُ الخَلْقِ تَعَبَّدُوا لَهُ بِاسْمِهِ (( الأوَّلِ )). وَإِنَّمَا الشَّأْنُ في التَّعَبُّدِ لهُ باسمِهِ ((الآخرِ)) فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِم، فهوَ رَبُّ العالمِينَ وإِلَهُ المُرْسَلِينَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.
* * *
وَأَمَّا عُبُودِيَّتُهُ بِاسْمِهِ (( الظاهرِ )) فَكَمَا فَسَّرَهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ((وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)) ([5]).
((فَجَعَلَ كَمَالَ الظهورِ مُوجِباً لكمالِ الفوقيَّةِ، ولا ريبَ أنَّهُ ظاهرٌ بذاتِهِ فوقَ كلِّ شيءٍ، والظهورُ هنا العلوُّ، ومنْهُ قَوْلُهُ: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97]؛ أيْ: يَعْلُوهُ، وَقَرَّرَ هذا المَعْنَى بقولِهِ: " فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ". أيْ: أنتَ فوقَ الأشياءِ كُلِّهَا لَيْسَ لهذا اللفظِ مَعْنًى غَيْرُ ذلكَ، ولا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الظهورُ على الغَلَبَةِ؛ لأنَّهُ قَابَلَهُ بقولِهِ: ((وَأَنْتَ البَاطِنُ)) ))([6]).
فإذا تَحَقَّقَ العَبْدُ عُلُوَّهُ المُطْلَقَ عَلَى كلِّ شيءٍ بذاتِهِ، وأنَّهُ ليسَ شيءٌ فوقَهُ أَلْبَتَّةَ، وأنَّهُ قاهرٌ فوقَ عبادِهِ، يُدَبِّرُ الأمرَ من السماءِ إلى الأرضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إليهِ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، صارَ لِقَلْبِهِ أَمَماً يَقْصِدُهُ، وَرَبًّا يَعْبُدُهُ، وَإِلَهاً يَتَوَجَّهُ إليهِ، بخلافِ مَنْ لا يَدْرِي أَيْنَ رَبُّهُ، فَإِنَّهُ ضَائِعٌ مُشَتَّتُ القلبِ، ليسَ لقلبِهِ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ نَحْوَهَا، ولا معبودَ يَتَوَجَّهُ إليهِ قَصْدُهُ.
فَصَاحِبُ هذهِ الحالِ إذا سَلَكَ وَتَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ طَلَبَ قَلْبُهُ إِلَهاً يَسْكُنُ إليهِ وَيَتَوَجَّهُ إليهِ، وَقَد اعْتَقَدَ أنَّهُ ليسَ فوقَ العرشِ شيءٌ إلاَّ العدمُ، وأنَّهُ ليسَ فوقَ العالمِ إِلَهٌ يُعْبَدُ وَيُصَلَّى لهُ ويُسْجَدُ، وَأَنَّهُ ليسَ على العرشِ مَنْ يَصْعَدُ إليهِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَلا يُرْفَعُ إليهِ العملُ الصالحُ، جَالَ قَلْبُهُ في الوجودِ جميعِهِ فَوَقَعَ في الاتِّحَادِ ولا بُدَّ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بالوجودِ المُطْلَقِ السَّارِي في المُعَيَّنَاتِ، فَاتَّخَذَهُ إِلَهَهُ منْ دونِ الإِلَهِ الحقِّ، وَظَنَّ أنَّهُ قدْ وَصَلَ إلى عَيْنِ الحقيقةِ!!
وإنَّمَا تَأَلَّهَ وَتَعَبَّدَ لِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ أوْ لخيالٍ نَحَتَهُ بِفِكْرِهِ وَاتَّخَذَهُ إِلَهاً منْ دونِ اللهِ سبحانَهُ.
وَإِلَهُ الرُّسُلِ وَرَاءَ ذلكَ كُلِّهِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)}[يونس: 3-4]، وقالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة: 4-9].
فَقَدْ تَعَرَّفَ سُبْحَانَهُ إلى عبادِهِ بكلامِهِ معرفةً لا يَجْحَدُهَا إلاَّ مَنْ أَنْكَرَهُ سبحانَهُ وإنْ زَعَمَ أنَّهُ مُقِرٌّ بهِ.
والمقصودُ أنَّ التَّعَبُّدَ باسمِهِ (( الظاهرِ )) يَجْمَعُ القلبَ على المعبودِ، وَيَجْعَلُ لَهُ رَبًّا يَقْصِدُهُ وَصَمَداً يَصْمُدُ إليهِ في حوائجِهِ وَمَلْجأً يَلْجَأُ إِلَيْهِ.
فإذا اسْتَقَرَّ ذلكَ في قلبِهِ وَعَرَفَ رَبَّهُ باسْمِهِ (( الظاهرِ )) اسْتَقَامَتْ لهُ عُبُودِيَّتُهُ، وَصَارَ لهُ مَعْقِلٌ وَمَوْئِلٌ يَلْجَأُ إليهِ، وَيَهْرُبُ إليهِ، ويَفِرُّ كُلَّ وَقْتٍ إليهِ.
* * *
أمَّا تَعَبُّدُهُ باسمِهِ (( الباطنِ )) فَأَمْرٌ يَضِيقُ نِطَاقُ التعبيرِ عنْ حقيقتِهِ، وَيَكِلُّ اللسانُ عنْ وصفِهِ، وَتَصْطَلِمُ الإشارةُ إليهِ، وَتَجْفُو العبارةُ عنهُ؛ فإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةً بَرِيئَةً مِنْ شوائبِ التعطيلِ، مُخْلَصَةً منْ فَرْثِ التشبِيهِ، مُنَـزَّهَةً منْ رِجْسِ الحلولِ والاتِّحادِ، وعبارةً مُؤَدِّيَةً للمَعْنَى كاشفةً عنهُ، وذوقاً صَحِيحاً سَلِيماً منْ أذواقِ أهلِ الانحرافِ، فمَنْ رُزِقَ هذا فَهِمَ معنَى اسْمِهِ (( الباطنِ )) وَصَحَّ لهُ التَّعَبُّدُ بهِ.
وَسُبْحَانَ اللهِ!! كَمْ زَلَّتْ في هذا المقامِ أَقْدَامٌ!! وَضَلَّتْ فيهِ أفهامٌ، وَنَظَمَ فيهِ الزِّنْدِيقُ بِلِسَانِ الصِّدِّيقِ، فَاشْتَبَهَ فيهِ إخوانُ النَّصَارَى بالحُنَفَاءِ المُخْلَصِينَ، لِنُبُوِّ الأفهامِ عنهُ، وَعِزَّةِ تَخَلُّصِ الحقِّ من الباطلِ فيهِ، والْتِبَاسِ ما في الذهنِ بما في الخارجِ، إلاَّ على مَنْ رَزَقَهُ اللهُ بصيرةً في الحقِّ، وَنُوراً يُمَيِّزُ بهِ بينَ الهُدَى والضلالِ، وَفُرْقَاناً يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحقِّ والباطلِ، وَرُزِقَ معَ ذلكَ اطِّلاعاً على أسبابِ الخطأِ وَتَفَرُّقِ الطُّرُقِ ومَثَارِ الغَلَطِ. فكانَ لهُ بَصِيرَةٌ في الحقِّ والباطلِ، وذلكَ فضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ.
وَبَابُ هذهِ المعرفةِ والتَّعَبُّدِ هوَ مَعْرِفَةُ إحاطةِ الربِّ تَبَارَكَ وتَعَالَى بالعالَمِ وعظمتِهِ، وأنَّ العوالمَ كُلَّهَا في قَبْضَتِهِ، وأنَّ السَّمَاواتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي يَدِهِ كـَخَـرْدَلَـةٍ فِي يَـدِ العَـبْـدِ، قَـالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء: 60] وقالَ: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)} [البروج: 20].
ولهذا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ هذينِ الاسمَيْنِ الدالَّيْنِ على هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ: اسمِ العلوِّ الدالِّ على أنَّهُ الظاهرُ، وأنَّهُ لا شَيْءَ فوقَهُ، واسمِ العظمةِ الدَّالِّ على الإحاطةِ، وأنَّهُ لا شيءَ دونَهُ كما قالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [البقرة: 255] وقالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)} [سبأ: 23] وقالَ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} [البقرة: 115].
وهوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا أَنَّهُ العَالِي على خَلْقِهِ بِذَاتِهِ فليسَ فَوْقَهُ شيءٌ، فهوَ الباطنُ بِذَاتِهِ فليسَ دونَهُ شيءٌ، بلْ ظَهَرَ على كلِّ شيءٍ، فكانَ فوقَهُ، وَبَطَنَ فكانَ أَقْرَبَ إلى كلِّ شيءٍ منْ نفسِهِ، وهوَ مُحِيطٌ بهِ حيثُ لا يُحِيطُ الشيءُ بِنَفْسِهِ، وكلُّ شيءٍ في قَبْضَتِهِ، وليسَ شيءٌ في قبضةِ نفسِهِ، فهذا قُرْبُ الإحاطةِ العامَّةِ.
وأمَّا القُرْبُ المَذْكُورُ في القرآنِ والسُّنَّةِ فَقُرْبٌ خاصٌّ منْ عَابِدِيهِ وَسَائِلِيهِ وَدَاعِيهِ، وهوَ منْ ثمرةِ التَّعَبُّدِ باسمِهِ (( الباطنِ ))، قالَ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]. فهذا قُرْبُهُ منْ دَاعِيهِ.
وقالَ تَعَالَى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: 56].
فَذَكَّرَ الخبرَ، وهوَ " قريبٌ " عنْ لفظِ " الرحمةِ " وهيَ مُؤَنَّثَةٌ إِيذَاناً بِقُرْبِهِ تَعَالَى من المحسنِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ بِرَحْمَتِهِ قَرِيبٌ من المُحْسِنِينَ.
وفي الصحيـحِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)) ([7]). وَ ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)) ([8])، فهذا قُرْبٌ خَاصٌّ غَيْرُ قُرْبِ الإِحَاطَةِ وَقُرْبِ البُطُونِ.
وفي ( الصحيحِ ) منْ حديثِ أبي موسَى أَنَّهُم كَانُوا معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُم بالتكبيرِ، فقالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِباً، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) ([9]). فهذا قُرْبُهُ منْ دَاعِيهِ وَذَاكِرِهِ، يَعْنِي: فَأَيُّ حَاجَةٍ بِكُمْ إِلَى رَفْعِ الأَصْوَاتِ، وهوَ لِقُرْبِهِ يَسْمَعُهَا وَإِنْ خَفَضْتَ، كَمَا يَسْمَعُهَا إِذَا رَفَعْتَ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ قريبٌ.
وهذا القربُ هوَ منْ لَوَازِمِ المَحَبَّةِ، فَكُلَّمَا كَانَ الحبُّ أَعْظَمَ كَانَ القربُ أَكْثَرَ، وقد اسْتَوْلَتْ مَحَبَّةُ المحبوبِ على قلبِ مُحِبِّهِ بِحَيْثُ يَفْنَى بها عنْ غيرِهَا، وَيَغْلِبُ مَحْبُوبُهُ على قلبِهِ حتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُشَاهِدُهُ، فإنْ لم يَكُنْ عندَهُ مَعْرِفَةٌ صحيحةٌ باللهِ وما يَجِبُ لهُ وَيَسْتَحِيلُ عليهِ، وإلاَّ طَرَقَ بابَ الحلولِ إنْ لم يَلِجْهُ، وَسَبَبُهُ ضَعْفُ تَمْيِيزِهِ، وَقُوَّةُ سُلْطَانِ المَحَبَّةِ، وَاسْتِيلاءُ المَحْبُوبِ على قَلْبِهِ بحيثُ يَغِيبُ عنْ ملاحظةِ سواهُ، وفي مِـثْـلِ هـذهِ الحـالِ يَـقُـولُ: سُبـْحـَانِي، أَوْ: مَا فِي الـجُـبَّـةِ إلاَّ اللهُ، ونحوَ هذا من الشَّطَحَاتِ التي نِهَايَتُهَا أنْ يُغْفَرَ لهُ، وَيُعْذَرَ لِسُكْرِهِ، وَعَدَمِ تَمْيِيزِهِ في تلكَ الحالِ.
فَالتعَبُّدُ بهذا الاسمِ هوَ التَّعَبُّدُ بِخَالِصِ المَحَبَّةِ وصفوِ الودادِ، وأنْ يَكُونَ الإِلَهُ أَقْرَبَ إليهِ منْ كلِّ شيءٍ، وأقربَ إليهِ منْ نفسِهِ، معَ كونِهِ ظَاهِراً ليسَ فوقَهُ شيءٌ، ومَنْ كَثَفَ * ذِهْنُهُ وَغَلُظَ طَبْعُهُ عنْ فهمِ هذا فَلْيَضْرِبْ عَنْهُ صَفْحاً إلى ما هوَ أَوْلَى بهِ، فقدْ قِيلَ:

إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئاً فَدَعْهُ = وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ

فمَنْ لمْ يكُنْ لهُ ذَوْقٌ منْ قُرْبِ المحبَّةِ، ومعرفةٌ بِقُرْبِ المحبوبِ منْ مُحِبِّهِ غايَةَ القُرْبِ وإنْ كانَ بَيْنَهُمَا غَايَةُ المسافةِ - ولا سِيَّمَا إذا كانت المَحَبَّةُ من الطَّرَفَيْنِ، وهيَ مَحَبَّةٌ بريئةٌ من العِلَلِ والشوائبِ والأعراضِ القادحةِ فيها - فإنَّ المُحِبَّ كَثِيراً ما يَسْتَوْلِي مَحْبُوبُهُ على قَلْبِهِ وَذِكْرِهِ وَيَفْنَى عنْ غَيْرِهِ وَيَرِقُّ قلبُهُ وَتَتَجَرَّدُ نَفْسُهُ، فَيُشَاهِدُ مَحْبُوبَهُ كالحاضرِ معهُ القريبِ إليهِ، وَبَيْنَهُمَا مِن البعدِ ما بَيْنَهُمَا، وفي هذهِ الحالِ يكونُ في قلبِهِ وُجُودُهُ العِلْمِيُّ، وفي لسانِهِ وجودُهُ اللَّفْظِيُّ، فَيَسْتَوْلِي هذا الشهودُ عليهِ، وَيَغِيبُ بهِ، فَيَظُنُّ أنَّ في عينِهِ وُجُودَهُ الخَارِجِيَّ لِغَلَبَةِ حُكْمِ القلبِ والروحِ كما قِيلَ:

خَيَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي = وَمَثْوَاكَ في قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ

هذا، ويكونُ ذلكَ المحبوبُ بعينِهِ بينَهُ وبينَ عَدُوِّهِ من البُعْدِ ما بَيْنَهُمَا وَإِنْ قَرُبَت الأبدانُ وَتَلاصَقَتِ الدِّيَارُ.
والمقصودُ أنَّ المِثَالَ العِلْمِيَّ غيرُ الحقيقةِ الخارجيَّةِ وإنْ كانَ مُطَابِقاً لها، لكنَّ المثالَ العِلْمِيَّ مَحَلُّهُ القَلْبُ، والحقيقةَ الخارجيَّةَ مَحَلُّهَا الخَارِجُ.
((فَإِذَا شَهِدْتَ إِحَاطَتَهُ بِالعَوَالِمِ وَقُرْبَ العَبِيدِ مِنْهُ وَظُهُورَ الْبَوَاطِنِ لَهُ وَبُدُوَّ السَّرَائِرِ لَهُ وَأَنَّهُ لا شَيْءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَعَامِلْهُ بِمُقْتَضَى هَذَا الشُّهُودِ وَطَهِّرْ لَهُ سَرِيرَتَكَ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ، وَأَصْلِحْ لَهُ غَيْبَكَ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ، وَزَكِّ لَهُ بَاطِنَكَ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ ظَاهِرٌ))([10]).
فمعرفةُ هذهِ الأسماءِ الأربعةِ وهيَ: الأوَّلُ، والآخرُ، والظاهرُ، والباطنُ، هيَ أركانُ العلمِ والمعرفةِ، فَحَقِيقٌ بالعبدِ أنْ يَبْلُغَ في مَعْرِفَتِهَا إلى حيثُ يَنْتَهِي بهِ قُوَاهُ وَفَهْمُهُ)([11]).
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانتْ هذهِ الأسماءُ الأربعةُ جماعَ المعرفةِ باللهِ وجماعَ العبوديَّةِ لهُ، فَهُنَا وَقَفَتْ شهادةُ العبدِ معَ فضلِ خالقِهِ وَمِنَّتِهِ فلا يَرَى لِغَيْرِهِ شَيْئاً إلاَّ بهِ وبحولِهِ وقوَّتِهِ، وَغَابَ بِفَضْلِ مولاهُ الحقِّ عنْ جميعِ ما منهُ هوَ مِمَّا كانَ يَسْتَنِدُ إليهِ أوْ يَتَحَلَّى بهِ، أوْ يَتَّخِذُهُ عقدَةً، أوْ يَرَاهُ ليومِ فَاقَتِهِ، أوْ يَعْتَمِدُ عليهِ في مَهَمٍّ مِنْ مَهَمَّاتِهِ، فكلُّ ذلكَ منْ قصورِ نظرِهِ وانعكاسِهِ عن الحقائقِ والأصولِ إلى الأسبابِ والفروعِ، كما هوَ شأنُ الطبيعةِ والهَوَى وَمُوجَبُ الظلمِ والجهلِ، والإنسانُ ظَلُومٌ جَهُولٌ. فَمَنْ جَلَّى اللهُ سُبْحَانَهُ صَدَأَ بَصِيرَتِهِ، وَكَمَّلَ فِطْرَتَهُ، وَأَوْقَفَهُ على مَبَادِئِ الأمورِ، وَغَايَاتِهَا، وَمَنَاطِهَا، وَمَصَادِرِهَا، وَمَوَارِدِهَا أَصْبَحَ كالمُفْلِسِ حَقًّا منْ عُلُومِهِ، وَأَعْمَالِهِ، وَأَحْوَالِهِ، وَأَذْوَاقِهِ، يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ عِلْمِي ومِنْ عَمَلِي، أَيْ: مِن انْتِسَابِي إِلَيْهِمَا وَغَيْبَتِي بهما عنْ فضلِ مَنْ ذَكَرَنِي بهما وَابْتَدَأَنِي بِإِعْطَائِهِمَا مِنْ غيرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ مِنِّي يُوجِبُ ذَلِكَ.
فهوَ لا يَشْهَدُ غَيْرَ فضلِ مولاهُ وَسَبْقِ مِنَّتِهِ وَدَوَامِهَا، فَيُثِيبُهُ مَوْلاهُ على هذهِ الشهادةِ العاليَةِ بحقيقةِ الفقرِ الأوسطِ بينَ الفقرَيْنِ الأَدْنَى والأَعْلَى ثَوَابَيْنِ:
- أحدُهُمَا: الخلاصُ منْ رؤيَةِ الأعمالِ، حيثُ كانَ يَرَاهَا وَيَتَمَدَّحُ بِهَا وَيَسْتَكْثِرُهَا، فَيَسْتَغْرِقُ بِمُطَالَعَةِ الفضلِ غَائِباً عنها ذَاهِباً عنها فَانِياً عنْ رُؤْيَتِهَا.
- الثوابُ الثاني: أنْ يَقْطَعَهُ عنْ شهودِ الأحوالِ – أيْ: عنْ شهودِ نفسِهِ فيها مُتَكَثِّرَةً بِهَا – فإنَّ الحالَ مَحَلُّهُ الصدرُ، والصدرُ بيتُ القلبِ والنفسِ، فإذا نَزَلَ العطاءُ في الصدرِ للقلبِ وَثَبَتِ النفسُ لِتَأْخُذَ نَصِيبَهَا من العطاءِ فَتَتَمَدَّحُ بهِ وتُدِلُّ بهِ وَتَزْهُو وَتَسْتَطِيلُ وَتُقَرِّرُ إِنِّيَّتَهَا؛ لأَنَّهَا جاهلةٌ ظالمةٌ، وهذا مُقْتَضَى الجهلِ والظلمِ.
فإذا وَصَلَ إلى القلبِ نُورُ صفةِ المِنَّةِ، وشَهِدَ مَعْنَى اسْمِهِ (( المَنَّانِ ))، وَتَجَلَّى سبحانَهُ على قلبِ عَبْدِهِ بهذا الاسمِ معَ اسمِهِ (( الأوَّلِ )) ذَهَلَ القلبُ والنفسُ بهِ، وصارَ العبدُ فقيراً إلى مولاهُ بمطالعةِ سَبْقِ فضلِهِ الأوَّلِ، فصارَ مَقْطُوعاً عنْ شهودِ أمرٍ أوْ حالٍ يَنْسُبُهُ إلى نفسِهِ بحيثُ يكونُ بشهادتِهِ لحالِهِ مَفْصُوماً مَقْطُوعاً عَنْ رُؤْيَةَ عِزَّةِ مولاهُ وَفَاطِرِهِ وملاحظةَ صفاتِهِ.
فَصَاحِبُ شُهُودِ الأحوالِ مُنْقَطِعٌ عنْ رؤيَةِ مِنَّةِ خالقِهِ وفضلِهِ ومشاهدةِ سَبْقِ الأَوَّلِيَّةِ للأسبابِ كلِّهَا، وَغَائِبٌ بمشاهدةِ عِزَّةِ نَفْسِهِ عنْ عزَّةِ مولاهُ، فَيَنْعَكِسُ هذا الأمرُ في حقِّ هذا العبدِ الفقيرِ وَتَشْغَلُهُ رُؤْيَةُ عِزَّةِ مَوْلاهُ وَمِنَّتِهِ، ومشاهدةُ سَبْقِهِ بِالأَوَّلِيَّةِ عنْ حالٍ يَعْتَزُّ بِهَا العبدُ أوْ يَشْرُفُ بها)([12]).

[فصلٌ]:
(وَ[النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَرْشَدَ مَنْ بُلِيَ بشيءٍ منْ وسوسةِ التَّسَلْسُلِ في الفَاعِلِينَ، إذا قِيلَ لهُ: هذا اللهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ أَنْ يَقْرَأَ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} [الحديد: 3].
وكذلكَ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ لأبي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بنِ الوليدِ الحَنَفِيِّ وَقَدْ سَأَلَهُ: ما شَيْءٌ أَجِدُهُ في صَدْرِي؟ قال: ما هوَ؟ قالَ: قُلْتُ: واللهِ لا أَتَكَلَّمُ بهِ. قالَ: فقالَ لي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قُلْتُ: بَلَى، فقالَ لي: مَا نَجَا منْ ذلكَ أَحَدٌ حتَّى أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94]، قالَ: فقالَ لي: فإذا وَجَدْتَ في نَفْسِكَ شيئاً، فَقُلْ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} [الحديد: 3] ([13])
فَأَرْشَدَهُم بهذهِ الآيَةِ إلى بُطْلانِ التسلسلِ الباطلِ بِبَدِيهَةِ العقلِ، وأنَّ سلسلةَ المخلوقاتِ في ابْتِدَائِهَا تَنْتَهِي إلى أَوَّلٍ ليسَ قبلَهُ شَيْءٌ، كما تَنْتَهِي في آخرِهَا إلى آخِرٍ ليسَ بَعْدَهُ شيءٌ، كما أنَّ ظُهُورَهُ هُوَ العُلُوُّ الذي ليسَ فوقَهُ شيءٌ، وبطونَهُ هوَ الإحاطةُ التي لا يكونُ دُونَهُ فيها شيءٌ، ولوْ كانَ قَبْلَهُ شيءٌ يكونُ مُؤَثِّراً فيهِ، لكانَ ذلكَ هوَ الربَّ الخلاَّقَ، ولا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ الأمرُ إلى خالقٍ غيرِ مخلوقٍ، وغَنِيٍّ عنْ غَيْرِهِ، وكلُّ شَيْءٍ فقيرٌ إليهِ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وكلُّ شَيْءٍ قائمٌ بهِ، موجودٌ بِذَاتِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ موجودٌ بهِ، قديمٌ، لا أَوَّلَ لهُ، وكلُّ ما سِوَاهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ، بَاقٍ بِـذَاتِهِ، وَبَقَـاءُ كلِّ شـيءٍ بهِ، فـهـوَ الأوَّلُ الذي لَيْـسَ قبلَهُ شيءٌ، والآخِرُ الذي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، الظاهرُ الذي ليسَ فوقَهُ شيءٌ، الباطنُ الذي ليسَ دونَهُ شيءٌ.
وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ)) ([14]). وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)} [الأعراف: 200]) ([15])
). [المرتبع الأسنى: ؟؟]


([1]) مَدارِجُ السَّالكِينَ (3/111).
([2]) مُخْتَصَرُ الصواعقِ المرسَلَةِ (357).
([3]) وقال رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في القصيدةِ النونيةِ (240):
(هُوَ أَوَّلٌ هُوَ آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ = هُوَ بَاطِنٌ هِيَ أَرْبَعٌ بِوِزَانِ
مَا قَبْلَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا بَعْدَهُ = شَيْءٌ تَعَالَى اللهُ ذُو السُّلْطَانِ
مَا فَوْقَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا دُونَهُ = شَيْءٌ وَذَا تَفْسِيرُ ذِي الْبُرْهَانِ
فَانْظُرْ إِلَى تَفْسِيرِهِ بِتَدَبُّرٍ = وَتَبَصُّرٍ وَتَعَقُّلٍ لِمَعَانِ
وَانْظُرْ إِلَى مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ مَعْـ = ـرِفَةٍ لخالِقِنَا الْعَظِيمِ الشَّانِ)
وقال أيضًا (335):
(وَاللهُ أَكْبَرُ ظَاهِرٍ ما فَوْقَهُ = شَيْءٌ وَشَأْنُ اللهِ أَعْظَمُ شَانِ)
وقال أيضًا (113- 114):
(وَالظَّاهِرُ العَالِي الَّذِي مَا فَوْقَهُ = شَيْءٌ كَمَا قَدْ قَالَ ذُو البُرْهَانِ
حقًّا رَسُولُ اللهِ ذَا تَفْسِيرُهُ = وَلَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِضَمَانِ
فَاقْبَلْهُ لاَ تَقْبَلْ سِوَاهُ مِنَ التَّفَا = سِيرِ الَّتِي قِيلَتْ بِلاَ بُرْهَانِ
والشَّيْءُ حِينَ يَتِمُّ مِنْهُ عُلُوُّهُ = فَظُهُورُهُ فِي غَايَةِ التِّبْيَانِ
أَوَمَا تَرَى هَذِي السَّمَاءَ عُلُوَّهَا = وَظُهُورَهَا وَكَذَلِكَ القَمَرَانِ
وَالْعَكْسُ أَيضًا ثَابِتٌ فَسُفُولُه = وَخَفاؤُهُ إِذْ ذَاكَ مُصْطَحَبَانِ
فَانْظُرْ خَفَاءَ الْمَرْكَزِ الأَدْنَى وَوَصْـ = ـفَ السُّفْلِ فِيهِ وَكَوْنَهُ تَحْتَانِي
وظُهورُهُ سُبْحَانَهُ بِالذَّاتِ مِثْـ = ـلُ عُلُوِّهِ فَهُمَا لَهُ صِفَتَانِ
لاَ تَجْحَدَنَّهُمَا جُحُودَ الْجَهْمِ أَوْ = صَافَ الكَمالِ تَكُونُ ذَا بُهتانِ
وظُهُورُهُ هو مُقْتَضٍ لِعُلُوِّهِ = وَعُلُوُّهُ لِظُهُورِهِ بِبَيَانِ
وَكَذَاكَ قَدْ دَخَلَتْ هُنَاكَ الفَاءُ لِلتـ = ـتسبيبِ مُؤْذِنَةً بهَذا الشانِ
فتَأَمَّلَنْ تَفْسِيرَ أَعْلَمِ خَلْقِهِ = بِصِفَاتِهِ مَنْ جَاءَ بالقُرْآنِ
إِذْ قَالَ أَنْتَ كَذَا فَلَيْسَ لِضِدِّهِ = أَبدًا إِلَيْهِ تَطَرُّقُ الإِتيانِ)
([4]) طَرِيقُ الهِجرتَيَنِ (23-25).
([5]) سَبَقَ تَخْرِيجُه ص 300.
([6]) مُخْتَصَرُ الصواعقِ المرسَلَةِ (357).
وقال –رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى– في مَدارجِ السَّالكِينَ (1/ 55): (وكذلك اسمُهُ (الظاهِرُ) مِن لوازِمِه: أن لا يكونَ فوقَهُ شيءٌ، كما في الصحيحِ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((وَأَنْتَ الظَّاهِرُ لَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ)). بل هو سُبحانَهُ فَوقَ كُلِّ شيءٍ).
([7]) سَبَقَ تَخريجُه ص 230.
([8]) رواهُ التِّرْمِذِيُّ في كتاب الدعوات / باب (119) الحديث (3579) والنَّسَائِيُّ في كتابِ المواقيتِ / بابُ النهيِ عن الصلاةِ بعدَ العصرِ (571) من حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ رضيَ اللهُ عنه.
([9]) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (19026) والبُخَارِيُّ في كتابِ التوحيدِ / بابُ: "وَكانَ اللهُ سميعًا بَصِيرًا " (7386) ومواضعَ أُخَرَ، ومسلمٌ في كتابِ الذِّكْرِ والدعاءِ / بابُ استحبابِ خَفضِ الصوتِ بالذكرِ (6802) والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدَّعَواتِ / بابُ (3) الحديثُ (3374) وأبو داودَ في كتابِ الصلاةِ / بابٌ في الاستغفارِ (1523).
([10]) طَرِيقُ الهِجرتَيَنِ (25).
([11]) طَرِيقُ الهِجرتَيَنِ (19-23).
([12]) طَرِيقُ الهِجرتَيَنِ (25-26).
([13]) رَواه أبو داودَ في كتابِ الأدبِ / بابٌ في ردِّ الوَسْوَسَةِ (5099).
([14]) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (8176) والبُخَارِيُّ في كتابِ بَدْءِ الخلقِ / بابُ صِفةِ إِبلِيسَ وجُنودِه (3276) ومسلمٌ في كتابِ الإيمانِ / بابٌ في الأمرِ بالإيمانِ والاستعاذةِ عندَ وَسوَسَةِ الشَّيْطَانِ (343) وأبو داودَ في كتابِ السُّنَّةِ / بابٌ في الجهمِيَّةِ (4706) من حديثِ أبي هُرَيْرَة رضيَ اللهُ عنه.
([15]) زَادُ المَعادِ (1/461-462).


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 24 شعبان 1438هـ/20-05-2017م, 10:28 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

شرح ابن القيم (ت:751هـ) [الشرح المختصر]

قال ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت:751هـ) كما في المرتبع الأسنى:
(الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ:
(الأَوَّلُ: الذي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، الآخِرُ: الذي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، الظَّاهِرُ: الذي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، البَاطِنُ: الذي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ؛ سبَقَ كلَّ شيءٍ بأوَّلِيَّتِهِ، وبَقِيَ بعدَ كُلِّ شَيْءٍ بآخِريَّتِهِ، وعَلا فَوْقَ كلِّ شيءٍ بظُهورِهِ، وأحاطَ بكلِّ شيءٍ ببُطُونِهِ) ([21]).
(فأوليَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سَابِقَةٌ على أَوَّليَّةِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وآخِرِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ بعدَ آخِرِيَّةِ كُلِّ ما سِوَاهُ، فأوَّلِيَّتُهُ سَبْقُهُ لكُلِّ شَيْءٍ، وآخِرِيَّتُهُ بقَاؤُهُ بعدَ كُلِّ شَيْءٍ، وظَاهِرِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ فَوْقِيَّتُهُ وعُلُوُّهُ على كُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنَى الظُّهُورِ يَقْتَضِي العُلُوَّ، وظَاهِرُ الشَّيْءِ هوَ مَا عَلا منهُ وأَحَاطَ ببَاطِنِهِ، وبُطُونُهُ سُبْحانَهُ إِحَاطَتُهُ بكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إليهِ مِنْ نَفْسِهِ، وهذا قُرْبٌ غَيْرُ قُرْبِ المُحِبِّ مِنْ حَبِيبِهِ، هذا لَوْنٌ وهذا لَوْنٌ.
((فهذه الأسماءُ الأَرْبَعَةُ مُتَقَابِلَةٌ: اسمانِ لأَزَلِ الرَّبِّ تعالى وأَبَدِهِ، واسمانِ لعُلُوِّهِ وقُرْبِه)). ([22])، [ومَدَا رُها].. على الإحاطَةِ، وهيَ إحاطتانِ: زَمَانِيَّةٌ ومَكَانِيَّةٌ، فأَحَاطَتْ أَوَّلِيَّتُهُ، وآخِرِيَّتُهُ بالقَبْلِ والبَعْدِ، فكُلُّ سَابِقٍ انْتَهَى إلى أَوَّلِيَّتِهِ، وكُلُّ آخِرٍ انْتَهَى إلى آخِرِيَّتِهِ، فأَحَاطَتْ أَوَّلِيَّتُهُ وآخِرِيَّتُهُ بالأَوَائِلِ والأَوَاخِرِ، وأَحَاطَتْ ظَاهِرِيَّتُهُ وبَاطِنِيَّتُهُ بكُلِّ ظَاهِرٍ وبَاطِنٍ، فما مِنْ ظَاهِرٍ إلاَّ واللهُ فَوْقَهُ، ومَا مِنْ بَاطِنٍ إلاَّ واللهُ دُونَهُ، وما مِنْ أَوَّلٍ إلاَّ واللهُ قَبْلَهُ، وما مِنْ آخِرٍ إلاَّ واللهُ بَعْدَهُ: فالأَوَّلُ قِدَمُهُ، والآخِرُ دَوَامُهُ وبَقَاؤُهُ، والظَّاهِرُ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ، والبَاطِنُ قُرْبُهُ ودُنُوُّهُ، فسَبَقَ كلَّ شَيْءٍ بأَوَّلِيَّتِهِ، وبَقِيَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ بآخِرِيَّتِهِ، وعَلا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بظُهُورِهِ، ودَنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ببُطُونِهِ، فَلا تُوارِي منهُ سَماءٌ سَماءً، ولا أَرْضٌ أَرْضاً ، ولا يَحْجُبُ عنهُ ظَاهِرٌ باطناً، بل البَاطِنُ لهُ ظَاهِرٌ، والغَيْبُ عندَهُ شَهَادَةٌ، والبَعِيدُ منهُ قَرِيبٌ، والسِّرُّ عندَهُ عَلانِيَةٌ.
فهذه الأَسْماءُ الأَرْبَعَةُ تَشْتَمِلُ على أَرْكَانِ التَّوْحِيدِ فهوَ الأَوَّلُ في آخِرِيَّتِهِ والآخِرُ في أَوَّلِيَّتِهِ، والظَّاهِرُ في بُطُونِهِ، والبَاطِنُ في ظُهُورِهِ، لَمْ يَزَلْ أَوَّلاً وآخِراً وظَاهِراً وباطِناً). ([23])
). [المرتبع الأسنى: ؟؟]


([21]) مَدارِجُ السَّالكِينَ (3/111).
([22]) مُختصَرُ الصواعقِ المُرسَلةِ (357).
([23]) طَرِيقُ الهِجرتَيَنِ (23).


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24 شعبان 1438هـ/20-05-2017م, 10:28 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

شرح أبي إسحاق الزجاج (ت: 311هـ)

قالَ أبو إسحاق إِبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ الزجَّاجُ (ت:311هـ):
(الأول
هو موضوع التقدم والسبق ومعنى وصفنا الله تعالى بأنه أول هو متقدم للحوادث بأوقات لا نهاية لها.
فالأشياء كلها وجدت بعده وقد سبقها كلها وكان رسول الله يقول في دعائه ((أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء)).


الآخر هو المتأخر عن الأشياء كلها ويبقى بعدها.

الظاهر هو الذي ظهر للعقول بحججه وبراهين وجوده وأدلة وحدانيته هذا إن أخذته من الظهور وإن أخذته من قول العرب ظهر فلان فوق السطج إذا علا ومن قول الشاعر:
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
فهو من العلو والله تعالى عال على كل شيء وليس المراد بالعلو ارتفاع المحل لأن الله تعالى يجل عن المحل والمكان وإنما العلو علو الشأن وارتفاع السلطان ويؤكد الوجه الآخر قوله في دعائه: ((أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء)).


الباطن هو العالم ببطانة الشيء يقال بطنت فلانا وخبرته إذا عرفت باطنه وظاهره والله تعالى عارف ببواطن الأمور وظواهرها فهو ذو الظاهر وذو الباطن). [تفسير أسماء الله الحسنى:؟؟]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 24 شعبان 1438هـ/20-05-2017م, 10:32 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

شرح أبي القاسم الزجاجي (ت:337هـ)

قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت: 337هـ):
(الأول والآخر

الله عز وجل الأول لأنه كان قبل الأشياء كلها، فهو الأول الذي لم يتقدمه شيء، وهو الآخر لأنه الباقي بعد فنائها، وزن أول «أفعل» وفاؤه وعينه واوان، والدليل على أنه أفعل وليس «بفوعل» كما ذهب إليه بعض النحويين اتصال «من» به، ولا تتصل إلا «بأفعل»، فيقال: «أنا أول من فلان» ومؤنثه الأولى كقولك: «زيد أفضل من فلان» ومؤنثه الفضلى، فتقول في المذكر: الأول، والأولان، والأولون كقولك: الأفضل، والأفضلان، والأفضلون في جمع السلامة، وفي جمع التكسير الأوائل كقولك: الأفاضل، وأصله الأواول فأبدل الواو همزة لاجتماع واوين في الجمع. بينهما ألف بادلت العرب الواو في مثل هذا همزة.
قال أبو عثمان المازني: سألت الأصمعي عن «عيل» كيف يكسر العرب؟ فقال: «عيائل» يهمزون كما يهمزون في الواوين فيقال على هذا في جمع سيد وميت سيائد وميائت بالهمز. والأخفش لا يهمز إلا في اجتماع الواوين كما سمع من العرب، ولا يحمل عليه اجتماع الياءين، والواو والياء.
قال أبو عثمان: فأما ضيون فتقول في جمعه ضياون فلا تهمز لأن الواو في الواحد صحت فلم تعتل ولم تدغم، فلذلك صحت في الجمع وإذا كان في مثل هذا الجمع بين الياء والواو التي بعد الألف ياء تحول بينهما وبين آخر الكلمة لم تهمز وذلك نحو: طواويس ونواويس، والباقي نحو قولك: سابور وسوابير فلا تهمز في مثل هذا لأنها بعدت من الطرف. وشبهوا هذا بقولهم: «صوام» في جمع صائم حين صحيح الواو من يقول: صويم فلا يقوم «صيام» لأنها بعدت من الطرف. فأما قول الشاعر:
وكحل العينين بالعواور =
فإنما ترك الهمز لأنه أراد العواوير، ولكنه احتاج فحذف الياء فترك الواو على حالها لأن الياء منوية في التقدير كما قالوا: علبط، وعكمس، وهدبد فجمعوا بين أربع متحركات في اسم وذلك غير موجود في كلامهم، ولا هو من أبنية أسمائهم. ولكنهم أجازوه في هذه الأسماء لأن أصلها: عكامز، علابط، وهدابد. فالألف مقدرة لأنها الأصل وإن حذفت في بعض الأحوال فهي مقدرة في أصل البناء.
وفي المؤنث الأولى والأوليان والأول في جميع التكسير كقولك: الفضلى، والفضليان والفضل، والدنيا والدنييان والدنا، وكذلك الصغرى والصغر. والجلى: الأمر العظيم، والجمع الجلل. قال طرفة:
وإن ادع للجلى أكن من حماتها = فإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد
وتقول في جمع السلامة: الأوليات كقولك: الفضليات والكبريات والصغيرات وكذلك ما أشبهه.
وتقول: «زيد أولى بهذا الأمر من فلان»، «والزيدان أولى منه»، «والزيدون أولى منه». ولا يثنى ولا يجمع. وكذلك جميع الباب «أفعل» إذا صحبته «من» ولا تؤنثه. وقد مضى ذكر هذا فيما مضى من الكتاب.
فإن أدخلت عليه الألف واللام ثنيت وجمعت وأنثت كما فعلت ذلك بالأفضل، والفضلى، والأكبر والكبرى، والأول والأولى، فتقول: «زيد الأولى» «والزيدان الأوليان» كما قال: {من الذين استحق عليهم الأوليان} ردًا على {فآخران يقومان مقامهما} على تقدير: «هما الأوليان». ومن قرأ «الأولين» رد الأولين على «الذين».
وتقول في الجمع «الزيدون الأولون» بفتح اللام كما تقول: الأعلى، والأعليان، والأعلون، والوزن والبناء والتقدير واحد، قال عز وجل: {وأنتم الأعلون} وقد سقطت لام الفعل من قولك: الأولون والأعلون لأنها انقلبت ألفًا وبعدها واو الجمع فحذفت لسكونها وسكون واو الجمع كما فعل ذلك في قولك: «المصطفون» وفي قوله {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} والباب واحد. وتقول في المؤنث: الوليا، والولييان، والولييات، والولي، كقولك: الدنييان، والدنى، والكبريان، والكبريات، والكبر.
مسألة من هذا الباب:
إن قال قائل: أليس ما كان من النعوت على «أفعل» فجمعه «فعل» بضم الفاء وإسكان العين نحو: أحمر، وحمر، وأصفر، وصفر، وأخضر، وخضر. وكذلك ما كان على «فعلاء» من النعوت فجمعه كجمع ذكرانه نحو: خضراء، وخضر، وحمراء، وحمر، فلم لم يقل في جمع الأفضل الفضل، وفي جمع الأكبر الكبر، والأصفر الصفر والأول الأول على قياس الحمر والصفر؟
فالجواب في ذلك أنه يقال: ما كان من النعوت على «أفعل» قائمًا بنفسه غير متعلق «بمن» فجمعه على «فعل» نحو: أحمر وحمر، وأصفر وصفر، وما كان متعلقًا «بمن» ولم يستعمل مفردًا نحو قولك: «زيد أفضل من عمرو، وأكبر من أخيك» وما أشبه ذلك. لا يقال: «رجل أفضل» كما يقال: «رجل أشقر وأصفر» «وثوب أخضر» ولا يقال: «رجل أول ولا «امرأة أولى» لا يستعمل إلا متعلقًا «بمن» أو مضافًا معرفًا بالألف واللام كقولك: «أخوك أكرم من عمرو»، «وهند أكرم من عمرو» و«وزيد أكرم القوم»، «وهند أكرم أخواتك»، «وزيد الأكرم والأفضل والأول». فلما فارق هذا النوع باب «أفعل» في النعت جمع جمع الأسماء فقيل: الأفاضل، والأكارم، والأوائل، والأعالي. كما قيل: الأحامد، والأفاكل كما فعل ذلك بأجدل وهو الصقر، وأبطح، وأدهم حين قيل: الأجادل، والأباطح، والأداهم لأنه وإن كان نعتًا في الأصل فقد استعمل استعمال الأسماء. ولما جمع مذكره على «أفاعل» عدل بمؤنثه أيضًا عن «فعل» لأنه في هذه يجري مجرى مذكره فأجروه مجراه في العدل عن باب «أفعل» نعتًا، فغير لفظ واحده فقيل: «الفعلى» وجمع من لفظه فقيل: «الفعل» نحو: الكبرى والكبر، والصغرى والصغر».
مسألة أخرى فيه:
فإن قال: فقد زعمت أن ما كن من نعوت الأناث على «فعلى» لم يستعمل إلا بالألف واللام نحو: الصغرى والكبرى وما أشبه ذلك فلا يقال: «امرأة صغرى» ولا «امرأة كبرى»، وقد قال الله عز وجل: {تلك إذن قسمة ضيزى}: أي ناقصة جائزة. وأجمع أهل العربية على أن وزنها «فُعلى» بضم الفاء، وعدلت إلى «فِعلى» لتنقلب الواو ياء، واستدلوا على ذلك بأنه ليس في الكلام صفة بكسر الفاء وفيه «فعلى» بضم الفاء فقد رأينا «فعلى» في صفات المؤنث تستعمل بغير ألف ولام، وهذا نقض لما ادعيته؟
فالجواب في ذلك إنا لم نقل: إنه لا يكون مؤنث على «فعلى» يستعمل بغير ألف ولام، وإنما قلنا: ما كان من باب «أفعل» في التفضيل فاستوى فيه المؤنث والمذكر كقولك: «زيد أفضل من عمرو» «وهند أفضل من زينب» ثم قيل «الهندات أفضل من الزينبات»، «والزيدون أفضل من العرمين» بلفظ واحد، فيقال في مذكر هذا إذا فصل من الإضافة ولم تصحبه «من» «الأفعل» بالألف واللام، ولا يستعملان إلا كذلك فيقال: «زيد الأفضل» «وهند الفضلى» «وزيد الأكبر» «وهند الكبرى». ولا يقال: «رجل أفضل» ولا «أكبر»، كذلك لا يقال: «امرأة كبرى» ولا «صغرى» فأما «فعلى» في صفات المؤنث من غير هذا الباب فيستعمل بغير الألف واللام في حال، وبالألف واللام في حال غير مدفوع نحو: الأنثى، والبؤسى، والعمرى، والرقبى، وما أشبه ذلك. كل ذلك يستعمل بالألف واللام وبغير الألف واللام، فأما قول أبي نواس:
كأن صغرى وكبرى من فراقعها = حصباء در على أرض من الذهب
فلحن لا يؤخذ به ولا يعمل عليه، وقد رده العلماء كلهم. فأما قولهم: «الله أكبر» فتأويله: الله أكبر من كل شيء، فقد صحبته «من» ولكن أضمر لما في الكلام عليه من الدليل. وقيل تأويله: الله كبير. وقد شرحناه فيما مضى من الكتاب). [اشتقاق أسماء الله: 204-208]

قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت: 337هـ): (الباطن والظاهر
الباطن: اسم الفاعل من بطن وهو باطن إذا كان غير ظاهر، والظاهر: خلاف الباطن، فالله ظاهر باطن، هو باطن لأنه غير مشاهد كما تشاهد الأشياء المخلوقة عز عن ذلك وعلا، وهو ظاهر بالدلائل الدالة عليه وأفعاله المؤدية إلى العلم به، ومعرفته، فهو ظاهر مدرك بالعقول والدلائل، وباطن غير مشاهد كسائر الأشياء المشاهدة في الدنيا عز وجل عن ذلك [وتعالى] علوًا كبيرًا.
ويجوز في اللغة أن يكون الباطن العالم بما بطن أي خفي كقولك: «بطن فلان بفلان» أي خص به فعرف باطن أمره، و«هؤلاء بطانة فلان» أي خاصته.
ويجوز أيضًا أن يكون الظاهر، القوي كقولك: «ظهر فلان بأمره فهو ظاهر عليه» أي قوي عليه، وجمل ظهير أي قوي شديد. قال الأصمعي: يقال: «ظاهر فلان فلانًا على فلان»: إذا مالأه عليه، ويقال: «اتخذ معك بعيرًا أو بعيرين ظهريين»: أي عدة، والجمع ظهاري كما ترى). [اشتقاق أسماء الله: 137]

قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت: 337هـ): (الباطن
الله عز وجل الظاهر والباطن كما وصف نفسه بذلك، هو الظاهر لظهور آياته ودلائله الدالة عليه ووضوحها وبيانها، وقد مضى القول على ذلك فيما تقدم. وهو الباطن لأنه غير مدرك بالحواس كالأشياء المخلوقات التي تدرك بالحواس نحو اللمس، والحس[1]
والباطن خلاف الظاهر، والباطن أيضًا في كلام العرب: الخبير العالم بما بطن من أمور بعض من يصحبه، ويداخله كقولك: «قد بطن فلان أمر فلان»: أي اختبر باطنه ووقف منه على ما لم يقف عليه غيره.
ويقال: «بطن الدابة فهو باطن»: إذا ضرب بطنها. قال الشاعر:
إذا ضربت موقرًا فابطن له = فوق قصيراه وتحت الجلة
ويقال: «بطن الأمر بطونًا»: خلاف ظهر ظهورًا، والبطن: المكان الغامض من الأرض، والبطن: مصدر بطنت الإنسان وغيره أبطنه بطنًا كما ذكرت لك: إذا ضربت بطنه.
والبطن: بطن الإنسان مذكر، فأما قول الشاعر:
فإن كلابًا هذه عشر أبطن = وأنت بريء من قبائلها العشر
فإنما أنث لأنه ذهب بالبطن إلى القبيلة فحمل على المعنى وبين ذلك بقوله: «وأنت بريء من قبائلها العشر». وكما قال ابن أبي ربيعة:
فكان مجنى دون من كنت أتقي = ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فقال: «ثلاث شخوص» فأنث، والشخص مذكر لأنه ذهب إلى النساء، وبين ذلك بقوله: «كاعبان ومعصر».
وباطن كل شيء: خلاف ظاهره. وتقول العرب: «نزلنا ببطن الوادي» «وبظهر الجبل». «وبطنت الثوب»: جعلت له بطانة، فالظهارة: ما ظهر واستبان وبطانته: ما بطن وفخي.
وقال الفراء في قوله عز وجل: {بطائنها من استبرق}: «قد تكون البطانة ظهارة والظهارة بطانة وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، قال: وذلك أن العرب تقول: هذا ظهر السماء، للذي تراه وتقول أيضًا: هذا بطن السماء الذي تراه.
قال: وقال ابن الزبير وذكر قتلة عثمان: «فقتلهم الله كل قتلة ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب: يعني هربوا ليلا». وهذا تعسف عظيم كيف يجوز أن يسمي ظهارة الجبة والحشية والمسورة وما أشبه ذلك بطانة وباطنتها ظهارة؟. و«البطانة»: ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، وظهارته: ما ظهر منه وكان من شأن الناس إظهاره وإبداؤه، ولذلك قيل: ظهارة وبطانة من الظهور والبطون».
ولو قال لوجه مصلى: «هذا بطانته»، ولما ولي الأرض منه: «هذا ظهارته» لكان غير بعيد من أن يقال: هذيت، وأحلت، وإنما أراد الله تبارك وتعالى أن يفهم عباده من حيث يفهمون، ويعرفهم فضل هذه الفرش، وأن ما ولي الأرض منها هو البطانة من الاستبرق وهو الغليظ من الديباج فإذا كانت البطانة كذلك، والظهارة أعلى وأشرف لأن العادة بذلك جرت عند الآدميين.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أخشن من هذه الحلة».
فذكر المناديل دون غيرها لأنها أخشن من الثياب، وكذلك البطائن أحسن من الظواهر.
فأما قولهم: ظهر السماء، وبطن السماء جميعًا لما ولينا فإن مثل هذا قد يجوز في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كقولك لحائط بينك وبين قوم: «هذا ظهر الحائط» لما وليك، ويقول الآخرون لما وليهم: «هذا ظهر الحائط» لأنه لا فرق بينهما، وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن لتساويهما. وكذلك تقول لما وليك: «هذا بطن الحائط» تريد أنه بطن لما وراءه، وتقول: «اضطرب بطن هذا الحائط» «وقد أعطى بطنًا» فهذا سائغ في ذي الوجهين المتساويين مما لم تجر العادة بأن يكون ظاهره خلاف باطنه في تفضيل وتشريف، فأما في الفرش واللباس فغير جائز. وكذلك أيضًا يقال لما ولينا من السماء: «هذا ظهرها» وهو لمن فوقها من الملائكة بطن.
وإنما ذهب الفراء في قوله: قد تكون الظهارة بطانة والباطنة ظهارة في قوله: «بطائنها من استبرق» فيما أرى إلى أن الظهارة والبطانة متساويان في الجلالة ليس لأحدهما فضل على الآخر والله أعلم بالمراد من ذلك، ولكنه قد ذكر في هذه السورة التي ذكر فيها هذا الحرف وهي السورة التي يذكر فيها الرحمن شيئًا ما أحسب له مخرجًا في تأويل ولا تفسير، ولا يصح بوجه ولا تقدير، وذلك أنه قال في قوله عز وجل: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} إنه قد يكون في العربية جنة واحدة فقيل: «كجنتان» كما قال الشاعر:
ومهمهين قذفين مرتين = قطعته بالام لا بالسمتين
قال: إنما أراد مهمنا واحدًا ولذلك قال: «قطعته»، وإنما ثنى للقافية. قال وأنشد لبعضهم:
يسعى بكبداء ولهذمين = قد جعل الأرطاة جنتين
أراد بكبداء ولهذم فثنى للقافية. قال: «وروؤس القوافي تحتمل الزيادة والنقصان»، كأنه ذهب إلى أنها جنة واحدة فقيل «جنتان» لتتفق رؤوس الآي، وهذا قبيح جدًا وتعسف عظيم. ومثله غير جائز إطلاقه على الله عز وجل أن يعد من خاف مقامه بجنتين ويصفهما {ذواتا أفنان} وفيهما كذا وكذا فيصفهما وما فيهما. ويعتقد معتقد أن المراد جنة واحدة وإنما ثنى ذلك للفاصلة وليس بينه وبيني «من» عارضه.
وقال: في خزنة النار عشرون وأكثر وإنما قال «تسعة عشر» لرأس الآية فرق بل ينشعب من هذا أشياء قبيحة جدًا والإمساك عنها أولى، وإنما يقع من الزيادة في القوافي وفي رؤوس الآي ما لا يغير المعنى بزيادته نحو هاء الاستراحة في الوقف في قوله: {ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه}. ونحو الألف للمد في مثل قوله: {ويظنون بالله الظنونا}، {فأضلونا السبيلا} وما أشبه ذلك مما يكثر في القوافي ورؤوس الآي، مما لا يغير المعنى كما يحذف فيها ما لا يفسد المعنى بحذفه نحو قوله: {والليل إذا يسر}، وحذف الواو والياء اللتين يتبعان هاء الإضمار وما أشبه ذلك مما يطول تعداده ولشهرته وكثرته أمسكنا عن ذكره.
وتقول: «رجل مبطن»: خميص البطن، «ورجل بطين»: عظيم البطن، و«مبطون»: عليل البطن، و«بطن»: منهوم كثير الأكل شره.
وكذلك يقال: «رجل مبطن»: للشديد الظهر، و«رجل ظهر»: يشتكي ظهره مثل «فقر»: إذا اشتكى فقاره، قال طرفة:
وإذا تلسنني ألسنها = إنني لست بموهون فقر
وقال أبو عمرو الشيباني: إنما أراد بالفقر من الفقر وسوء الحال. وكذلك يقال: «رجل مصدر»: شديد الصدر، و«مصدور»: يشتكي صدره ومنه قولهم:
لا بد للمصدور من أن ينفث
ويقال: «استبطن الرجل سيفه»: إذا اشتمل عليه تحت ثيابه فستره، و«تبطن الرجل المرأة » إذا غشيها، وينشد لأمرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا للذة = ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
وكذلك يقال: «تبطنت الوادي»: سرت في بطنه.
وقال امرؤ القيس:
وغيث من الوسمي حو نباته = تبطنته بشيظم صلتان
الغيث: المطر وإنما أراد هنا النبات، سماه غيثًا لأنه عنه يكون، والأحوى: الذي يضرب إلى السواد بخضرته، والشيظم: الفرس الطويل، وصلتان: صافي الوجه قليل اللحم ومنه قيل: «صلت الجبين»، وقيل: «صلتان ماض»، تبطنته: سرت في بطنه). [اشتقاق أسماء الله: 208-214]


[1] هكذا بياض بالأصل.


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 24 شعبان 1438هـ/20-05-2017م, 10:35 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

شرح الحافظ ابن مَندَه (ت:395هـ)

قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن مَنْدَهْ العَبْدي (ت: 395هـ): (
ومن أسماء الله عزّ وجلّ: الأوّل والآخر والظّاهر والباطن فهي معرفة ذاته.

قال أهل التّأويل: معنى الأوّل هو الأوّل بالأوّليّة، وهو خالق أوّل الأشياء، وسمّاه أوّل الأشياء، ومعنى الآخر هو الآخر الّذي لا يزال آخرًا دائمًا باقيًا الوارث لكلّ شيءٍ بديموميّته وبقائه، ومعنى الظّاهر ظاهرٌ بحكمته، وخلقه وصنائعه وجميع نعمه الّتي أنعم بها فلا يرى غيره، ومعنى الباطن: المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفيّة صفاته عزّ وجلّ.
223 - أخبرنا محمّد بن أيّوب ... بمصر، قال: حدثنا هلال بن العلاء، قال: حدثنا حسين بن عيّاشٍ، حدثنا زهير بن معاوية، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا، فقال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم: الّذي جئت تطلبين أحبّ إليك أو خيرٌ منه؟ فحسبت أنّها سألت عليًّا، فقال: قولي ما هو خيرٌ أو قال: قولي: اللهمّ ربّ السّماوات السّبع وربّ العرش العظيم، ربّنا وربّ كلّ شيءٍ منزّل التّوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحبّ والنّوى، أعوذ بك من شرّ كلّ شيءٍ أنت آخذٌ بناصيته، إنّك أنت الأوّل، فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر، فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظّاهر، فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن، فليس دونك شيءٌ، اقض عنّا الدّين وأغننا من الفقر.
رواه جماعةٌ عن الأعمش.
ورواه سهيلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرة.
224 - أخبرنا حمزة بن محمّدٍ الكنانيّ، قال: حدثنا أبو عبد الرّحمن النّسائيّ، قال: حدثنا محمّد بن قدامة المصّيصيّ، أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالحٍ قال: كان أبو صالحٍ يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام يضطجع على شقّه الأيمن، ثمّ يقول: اللهمّ أنت ربّ السّماوات، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم، ربّنا وربّ كلّ شيءٍ فالق الحبّ والنّوى، منزّل التّوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شرّ كلّ شيءٍ أنت آخذٌ بناصيته، أنت الأوّل، فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظّاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ، اقض عنّا الدّين وأغننا من الفقر.
وكان يروى ذلك عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
رواه وهيبٌ وخالدٌ). [التوحيد: 2/82-83]

قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن مَنْدَهْ العَبْدي (ت: 395هـ): ( ومن أسماء الله عزّ وجلّ: الطّيّب والطّهر والظّاهر.
فاسمه: الظّاهر في حديث أبي هريرة في أسماء الله عزّ وجلّ.
296 - أخبرنا أحمد بن محمّد بن عمر الورّاق، ومحمّد بن محمّدٍ الأزهر الجوزجانيّ، قالا: حدثنا الحارث بن محمّدٍ التّيميّ، قال: حدثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، قال: حدثنا فضيل بن مرزوقٍ، عن عديّ بن ثابتٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّ الله طيّبٌ لا يقبل إلاّ طيّبًا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أيّها الرّسل كلوا من الطّيّبات ...}، الآية.
وقال: {يا أيّها الّذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم}.
رواه الثّوريّ وغير واحدٍ عن فضيل.
ومن أسماء الله عزّ وجلّ: الظّاهر في سورة الحديد.
وروى عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أسماء الله الظّاهر). [التوحيد: 2/145]


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 14 رمضان 1438هـ/8-06-2017م, 09:42 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

شرح ابن سعدي (ت:1376هـ)

قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت:1376هـ):
("الأول، والآخر، والظاهر، والباطن".
قد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا جامعا واضحا، فقال: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"). [تيسير الكريم المنان: 949] (م)


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:59 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة