العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأنعام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 12:36 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأنعام [ من الآية (10) إلى الآية (13) ]

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20 ربيع الثاني 1434هـ/2-03-2013م, 11:53 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف



تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) }
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- مسلّيًا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبة ما يلقى منهم من أذى الاستهزاء به والاستخفاف في ذات اللّه: هوّن عليك يا محمّد ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك المستخفّين بحقّك في وفي طاعتي، وامض لما أمرتك به من الدّعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي فإنّهم إن تمادوا في غيّهم وأصرّوا على المقام على كفرهم، نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم من تعجيل النّقمة لهم وحلول المثلاث بهم، فقد استهزأت أممٌ من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثل الّذي أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل فعل قومك بك، {فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون}. يعني بقوله: {فحاق} فنزل وأحاط بالّذين هزئوا برسلهم و{ما كانوا به يستهزئون} يقول: العذاب الّذي كانوا يهزأون به وينكرون أن يكون واقعًا بهم على ما أنذرتهم رسلهم.
يقال منه: حاق بهم هذا الأمر يحيق بهم حيقًا وحيوقًا وحيقانًا.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فحاق بالّذين سخروا منهم} من الرّسل، {ما كانوا به يستهزئون} يقول: وقع بهم العذاب الّذي استهزأوا به). [جامع البيان: 9/ 165-166]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (10)}
قوله: {ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك}
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمّد بن إسحاق: ومرّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأميّة بن خلفٍ، وأبي جهل بن هشامٍ، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك، فأنزل اللّه تعالى عليه في ذلك من أمرهم: {ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن}.
قوله: {فحاق بالّذين سخروا منهم}
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: فحاق بالّذين سخروا منهم من الرسل.
قوله: {ما كانوا به يستهزؤن}
- وبه عن السّدّيّ، قوله: ما كانوا به يستهزؤن، يقول: وقع بهم العذاب الّذي استهزءوا به).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 1267-1268]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزؤا به فغاظه ذلك فأنزل الله {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون}.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدى في قوله: {فحاق بالذين سخروا منهم} من الرسل، {ما كانوا به يستهزؤون} يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزؤا به).[الدر المنثور: 6/ 21]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) }
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين}.
يقول تعالى ذكره: {قل} يا محمّد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأنداد المكذّبين بك الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي: {سيروا في الأرض} يقول: جولوا في بلاد المكذّبين رسلهم الجاحدين آياتي من قبلهم من ضربائهم وأشكالهم من النّاس. {ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين}، يقول: ثمّ انظروا كيف أعقبهم تكذيبهم ذلك الهلاك والعطب وخزي الدّنيا وعارها، وما حلّ بهم من سخط اللّه عليهم من البوار وخراب الدّيار وعفو الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهكم حلومكم، ولم تزجركم حجج اللّه عليكم، عمّا أنتم مقيمون عليه من التّكذيب، فاحذروا مثل مصارعهم، واتّقوا أن يحلّ بكم مثل الّذي حلّ بهم.
وكان قتادة يقول في ذلك بما:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين}: دمّر اللّه عليهم وأهلكهم ثمّ صيّرهم إلى النّار). [جامع البيان: 9/ 166-167]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين (11)}
قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين قال: بئس واللّه ما كان عاقبة المكذّبين، دمّر اللّه عليهم وأهلكهم ثمّ صيّرهم إلى النّار).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 1268]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} قال: بئس - والله - ما كان عاقبة المكذبين دمر الله عليهم وأهلكهم ثم صيرهم إلى النار). [الدر المنثور: 6/ 21]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) }
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، في قوله تعالى: كتب ربكم على نفسه الرحمة أن سلمان قال إنا نجد في التوراة أن الله خلق السماوات والأرض ثم خلق أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة قال فيها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها يتباذلون وبها يتزاورون وبها تحن الناقة وبها تثج البقرة وبها تيعر الشاة وبها تتابع الطير وبها تتابع الحيتان في البحر فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده ورحمته أوسع وأفضل.
عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن الله -تعالى- لما خلق الخلق لم يعطف شيء على شيء حتى خلق الله مائة رحمة فوضع بينهم رحمة واحدة فعطف بعض الخلق على بعض.
عن معمر، عن قتادة، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لله مائة رحمة فأهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة فتراحم بها الجن والأنس والطير والبهائم وهوام الأرض»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 203-204]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 205]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قل لمن ما في السّموات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: {قل} يا محمّد لهؤلاء العادلين بربّهم: {لمن ما في السّموات والأرض}. يقول: لمن ملك ما في السّموات والأرض. ثمّ أخبرهم أنّ ذلك للّه الّذي استعبد كلّ شيءٍ وقهر كلّ شيءٍ بملكه وسلطانه، لا للأوثان والأنداد ولا لما يعبدونه ويتّخذونه إلهًا من الأصنام الّتي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضرًّا.
وقوله: {كتب على نفسه الرّحمة} يقول: قضى أنّه بعباده رحيمٌ، لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتّوبة.
وهذا من اللّه -تعالى ذكره- استعطافٌ للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتّوبة، يقول تعالى ذكره: إنّ هؤلاء العادلين بي الجاحدين نبوّتك يا محمّد، إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم، وإنّي قد قضيت في خلقي أنّ رحمتي وسعت كلّ شيءٍ.
- كالّذي حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: «لمّا فرغ اللّه من الخلق كتب كتابًا: إنّ رحمتي سبقت غضبي».
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا داود، عن أبي عثمان، عن سليمان، قال: إنّ اللّه تعالى لمّا خلق السّماء والأرض، خلق مائة رحمةٍ، كلّ رحمةٍ ملء ما بين السّماء إلى الأرض، فعنده تسعٌ وتسعون رحمةً، وقسم رحمةً بين الخلائق فبها يتعاطفون وبها تشرب الوحش والطّير الماء، فإذا كان يوم القيامة قصرها اللّه على المتّقين وزادهم تسعًا وتسعين.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن داود، عن أبي عثمان، عن سلمان: نحوه، إلاّ أنّ ابن أبي عديٍّ لم يذكر في حديثه: وبها تشرب الوحش والطّير الماء.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، عن سليمان، قال: نجد في التّوراة عطفتين: إنّ اللّه خلق السّموات والأرض، ثمّ خلق مائة رحمةٍ أو: جعل مائة رحمةٍ قبل أن يخلق الخلق، ثمّ خلق الخلق فوضع بينهم رحمةً واحدةً، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً. قال: فبها يتراحمون، وبها يتباذلون، وبها يتعاطفون، وبها يتزاورون، وبها تحنّ النّاقة، وبها تنأج البقرة، وبها تيعر الشّاة، وبها تتابع الطّير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع اللّه تلك الرّحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النّهديّ، عن سلمان، في قوله: {كتب على نفسه الرّحمة ... الآية}، قال: إنّا نجد في التّوراة عطفتين، ثمّ ذكر نحوه، إلاّ أنّه ما قال: وبها تتابع الطّير، وبها تتابع الحيتان في البحر.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال ابن طاووسٍ، عن أبيه: إنّ اللّه -تعالى لمّا خلق الخلق- لم يعطف شيءٌ على شيءٍ حتّى خلق مائة رحمةٍ، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، فعطف بعض الخلق على بعضٍ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه بمثله.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وأخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، حسبته أسنده قال: إذا فرغ اللّه عزّ وجلّ من القضاء بين خلقه، أخرج كتابًا من تحت العرش فيه: إنّ رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الرّاحمين. قال: فيخرج من النّار مثل أهل الجنّة، أو قال مثلا أهل الجنّة، ولا أعلمه إلاّ قال: (مثلا)، وأمّا (مثل) فلا أشكّ مكتوبًا ها هنا، وأشار الحكم إلى نحره، عتقاء اللّه. فقال رجلٌ لعكرمة: يا أبا عبد اللّه، فإنّ اللّه يقول: {يريدون أن يخرجوا من النّار وما هم بخارجين منها ولهم عذابٌ مقيمٌ}، قال: ويلك أولئك أهلها الّذين هم أهلها.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة حسبت أنّه أسنده قال: إذا كان يوم القيامة أخرج اللّه كتابًا من تحت العرش، ثمّ ذكر نحوه، غير أنّه قال: فقال رجلٌ: يا أبا عبد اللّه، أرأيت قوله: {يريدون أن يخرجوا من النّار}، وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن همّام بن منبّهٍ قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لمّا قضى اللّه الخلق كتب في كتابٍ فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي سبقت غضبي».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أبي أيّوب، عن عبد اللّه بن عمرٍو، أنّه كان يقول: «إنّ للّه مائة رحمةٍ، فأهبط رحمةً إلى أهل الدّنيا يتراحم بها الجنّ والإنس وطائر السّماء وحيتان الماء ودوابّ الأرض وهوامّها وما بين الهواء، واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمةً، حتّى إذا كان يوم القيامة اختلج الرّحمة الّتي كان أهبطها إلى أهل الدّنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنّة وعلى أهل الجنّة».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: قال عبد اللّه بن عمرٍو: «إنّ للّه مائة رحمةٍ، أهبط منها إلى الأرض رحمةً واحدةً يتراحم بها الجنّ والإنس والطّير والبهائم وهوامّ الأرض».
- حدّثنا محمّد بن عوفٍ، قال: أخبرنا أبو المغيرة عبد القدّوس بن الحجّاج، قال: حدّثنا صفوان بن عمرٍو، قال: حدّثني أبو المخارق زهير بن سالمٍ قال: قال عمر لكعبٍ: ما أوّل شيءٍ ابتدأه اللّه من خلقه؟ فقال كعبٌ: «كتب اللّه كتابًا لم يكتبه بقلمٍ ولا مدادٍ، ولكنّه كتب بأصبعه يتلوها الزّبرجد واللّؤلؤ والياقوت: أنا اللّه لا إله إلاّ أنا سبقت رحمتي غضبي».

القول في تأويل قوله تعالى: {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}.
وهذه اللاّم الّتي في قوله: {ليجمعنّكم} لام قسمٍ.
ثمّ اختلف أهل العربيّة في جالبها، فكان بعض نحويّي الكوفة يقول: إن شئت جعلت {الرّحمة} غاية كلامٍ، ثمّ استأنفت بعدها: {ليجمعنّكم} قال: وإن شئت جعلته في موضع نصبٍ، يعني كتب {ليجمعنّكم} كما قال: {كتب ربّكم على نفسه الرّحمة أنّه من عمل منكم سوءًا بجهالةٍ} يريد: كتب أنّه من عمل منكم. قال: والعرب تقول في الحروف الّتي يصلح معها جواب كلام الأيمان بأنّ المفتوحة وباللاّم، فيقولون: أرسلت إليه أن يقوم، وأرسلت إليه ليقومنّ. قال: وكذلك قوله: {ثمّ بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه حتّى حينٍ}. قال وهو في القرآن كثيرٌ، ألا ترى أنّك لو قلت: بدا لهم أن يسجنوه، لكان صوابًا؟
وكان بعض نحويّي البصرة يقول: نصبت لام {ليجمعنّكم} لأنّ معنى كتابٍ كأنّه قال: واللّه ليجمعنّكم.
والصّواب من القول في ذلك عندي أن يكون قوله: {كتب على نفسه الرّحمة} غايةً، وأن يكون قوله: {ليجمعنّكم} خبر مبتدأٍ، ويكون معنى الكلام حينئذٍ: ليجمعنّكم اللّه أيّها العادلون باللّه ليوم القيامة الّذي لا ريب فيه لينتقم منكم بكفركم به.
وإنّما قلت: هذا القول أولى بالصّواب من إعمال كتب في {ليجمعنّكم} لأنّ قوله: {كتب} قد عمل في الرّحمة، فغير جائزٍ وقد عمل في الرّحمة أن يعمل في: {ليجمعنّكم}، لأنّه لا يتعدّى إلى اثنين.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في قراءة من قرأ: كتب ربّكم على نفسه الرّحمة أنّه بفتح أن؟
قيل: إنّ ذلك إذ قرئ كذلك، فإنّ (أن) بيانٌ عن الرّحمة وترجمةٌ عنها، لأنّ معنى الكلام: كتب على نفسه الرّحمة أن يرحم من تاب من عباده بعد اقتراف السّوء بجهالةٍ ويعفو، والرّحمة يترجم عنها، ويبيّن معناها بصفتها، وليس من صفة الرّحمة {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} فيكون مبيّنًا به عنها. فإن كان ذلك كذلك، فلم يبق إلاّ أن ينصب بنيّة تكرير كتب مرّةً أخرى معه، ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك فتوجّه إلى ما ليس بموجودٍ في ظاهرٍ.
وأمّا تأويل قوله {لا ريب فيه} فإنّه لا يشكّ فيه، يقول: في أنّ اللّه يجمعكم إلى يوم القيامة فيحشركم إليه جميعًا، ثمّ يؤتى كلّ عاملٍ منكم أجر ما عمل من حسنٍ أو سيّئٍ.

القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {الّذين خسروا أنفسهم}: العادلين به الأوثان والأصنام، يقول تعالى ذكره: ليجمعنّ اللّه الّذين خسروا أنفسهم، يقول: الّذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادّعائهم للّه النّدّ والعديل، فأبقوها بإيجابهم سخط اللّه وأليم عقابه في المعاد.
وأصل الخسار: الغبن، يقال منه: خسر الرّجل في البيع: إذا غبن، كما قال الأعشى:
لا يأخذ الرّشوة في حكمه ....... ولا يبالي خسر الخاسر
وقد بيّنّا ذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. وموضع (الّذين) في قوله: {الّذين خسروا أنفسهم} نصبٌ على الرّدّ على الكاف والميم في قوله: {ليجمعنّكم} على وجه البيان عنها. وذلك أنّ الّذين خسروا أنفسهم، هم الّذين خوطبوا بقوله: {ليجمعنّكم}.
وقوله: {فهم لا يؤمنون}، يقول: فهم لإهلاكهم أنفسهم وغبنهم إيّاه حظّها {لا يؤمنون}، أي لا يوحّدون اللّه، ولا يصدّقون بوعده ووعيده، ولا يقرّون بنبوّة محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم). [جامع البيان: 9/ 167-174]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({قل لمن ما في السّماوات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) }
قوله تعالى:{ قل لمن مّا في السّماوات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة}
- حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن عمرٍو الغزّيّ، ثنا الفريابيّ، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لمّا خلق اللّه الخلق كتب في كتابٍ كتبه على نفسه فهو مرفوعٌ فوق العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي».
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنا عبد الرّزّاق، أنا معمرٌ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النّهديّ، عن سلمان في قوله عزّ وجلّ: كتب على نفسه الرّحمة، قال: إنّا نجد في التّوراة عطيفتين: أنّ اللّه خلق السّموات والأرض وخلق مائة رحمةٍ، أو جعل مائة رحمةٍ قبل أن يخلق الخلق. ثمّ خلق الخلق، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً. قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تتوج البقرة، وبها تثفو الشّاة، وبها تتابع الطّير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع اللّه تلك الرّحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.
قوله تعالى: {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة}
- حدّثنا أبي، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهبٍ، ثنا عبد الرّحمن بن ميسرة الحضرميّ، عن أبي هانئٍ، عن أبي عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «كيف بكم إذا جمعكم اللّه كما يجمع النّبل في الكنانة، خمسين ألف سنةٍ لا ينظر إليكم».
قوله عزّ وجلّ: {لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم}
- حدّثنا أبي، حدّثنا أبو اليمان الحكم بن نافعٍ، ثنا حريز بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن أبي عوفٍ عن عبد الرّحمن بن مسعودٍ الفزاريّ، عن أبي الدّرداء قال: الرّيب: يعني: الشّكّ.
- وروي عن ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبي مالكٍ، ونافعٍ مولى، بن عمر، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبي العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، والسّدّيّ، وإسماعيل بن أبي خالدٍ قالوا: الرّيب: الشّكّ).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 1268-1269]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ):
(ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن بني إسرائيل قالوا لموسى سل لنا ربك هل يصلي فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى أخبرهم أني أصلي وإن صلاتي أنه سبقت رحمتي غضبي لولا ذلك لهلكوا»). [تفسير مجاهد: 212]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سلمان في قوله: {كتب على نفسه الرحمة} قال: إنا نجده في التوراة عطيفتين إن الله خلق السموات والأرض ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق ثم خلق الخلق فوضع بينهم واحدة وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة فيها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها يتباذلون وبها يتزاورون وبها تحن الناقة وبها تنتج البقرة وبها تيعر الشاة وبها تتابع الطير وبها تتابع الحيتان في البحر فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده ورحمته أفضل وأوسع.
- وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».
- وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي».
- وأخرج الترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لما خلق الله الخلق كتب كتابا بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي».
- وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتابا من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلق كثير لم يعملوا خيرا: مكتوب بين أعينهم عتقاء الله».
- وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله كتب كتابا بيده لنفسه قبل أن يخلق السموات والأرض فوضعه تحت عرشه فيه: رحمتي سبقت غضبي».
- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن طاووس: أن الله لما خلق الخلق لم يعطف شيء منه على شيء حتى خلق مائة رحمة فوضع بينهم رحمة واحدة فعطف بعض الخلق على بعض
- وأخرج ابن جرير عن عكرمة حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش فيه: إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة أو قال مثلا أهل الجنة.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال: «إن لله مائة رحمة فأهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن والإنس وطائر السماء وحيتان الماء ودواب الأرض وهوامها وما بين الهواء واختزن عنده تسعا وتسعين رحمة حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا فحواها إلى ما عنده فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة».
- وأخرج ابن جرير عن أبي المخارق زهير بن سالم قال: قال عمر لكعب: «ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه»، فقال كعب: «كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مدد ولكن كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي».
- وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عن أبي قتادة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «قال الله للملائكة: ألا أحدثكم عن عبدين من بني إسرائيل أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق والآخر أنه مسرف على نفسه، فذكر عند صاحبه فقال: لن يغفر الله له، فقال: ألم يعلم أني أرحم الراحمين ألم يعلم رحمتي سبقت غضبي وأني أوجبت لهذا العذاب »فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تألوا على الله».
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة فجعل في الأرض منها رحمة فيها تعطف الوالدة على ولدها والبهائم بعضها على بعض وأخر تسعا وتسعين إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة رحمة».
- وأخرج مسلم، وابن مردويه عن سلمان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السموات والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة»). [الدر المنثور: 6/ 22-25]

تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) }
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وله ما سكن في اللّيل والنّهار وهو السّميع العليم}.
يقول تعالى ذكره: لا يؤمن هؤلاء العادلون باللّه الأوثان، فيخلصوا له التّوحيد ويفردوا له الطّاعة ويقرّوا بالألوهيّة جهلاً {وله ما سكن في اللّيل والنّهار} يقول: وله ملك كلّ شيءٍ، لأنّه لا شيء من خلق اللّه إلاّ وهو ساكنٌ اللّيل والنّهار، فمعلومٌ بذلك أنّ معناه ما وصفنا. {وهو السّميع} ما يقول هؤلاء المشركون فيه من ادّعائهم له شريكًا، وما يقول غيرهم من خلاف ذلك. {العليم} بما يضمرونه في أنفسهم وما يظهرونه بجوارحهم، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك، فهو يحصيه عليهم، ليوفي كلّ إنسانٍ ثواب ما اكتسب وجزاء ما عمل.
وبنحو الّذي قلنا في تأويل قوله: {سكن} قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وله ما سكن في اللّيل والنّهار} يقول: ما استقرّ في اللّيل والنّهار). [جامع البيان: 9/ 174]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وله ما سكن في اللّيل والنّهار وهو السّميع العليم (13)}
قوله تعالى: {وله ما سكن في اللّيل والنّهار وهو السّميع العليم}
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: {وله ما سكن في اللّيل والنّهار} يقول: ما استقرّ في اللّيل والنّهار). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 1269]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله: {وله ما سكن في الليل والنهار} يقول: ما استقر في الليل والنهار، وفي قوله: {قل أغير الله أتخذ وليا} قال: أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية). [الدر المنثور: 6/ 26]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 10:25 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)}
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (وأما قوله {فحاق بالذين} فالمصدر: يحيق حيقا وحيوقًا؛ لزمهم وحل بهم). [معاني القرآن لقطرب: 536]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون}: الحيق في اللغة ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله.
ومنه قوله عزّ وجلّ: {ولا يحيق المكر السّيّئ إلّا بأهله} أي لا ترجع عاقبة مكروهه إلّا عليهم). [معاني القرآن: 2/ 231]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} الحيق: في اللغة ما يعود على الإنسان من مكروه فعله ومنه: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله}). [معاني القرآن: 2/ 403]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)}

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله:{كتب على نفسه الرّحمة...}
إن شئت جعلت {الرحمة} غاية كلام.
ثم استأنفت بعدها {ليجمعنّكم} وإن شئت جعلته في موضع نصب؛ كما قال: {كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم} والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جواب الأيمان بأن المفتوحة وباللام. فيقولون: أرسلت إليه أن يقوم، وأرسلت إليه ليقومنّ. وكذلك قوله: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه} وهو في القرآن كثير؛ ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أن يسجنوه كان صوابا). [معاني القرآن: 1/ 328]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ({الّذين خسروا أنفسهم} أي غبنوا أنفسهم وأهلكوها.
قال الأعشى:

لا يأخذ الرشوة في حكمه ....... ولا يبالي غبن الخاسر
أي: خسر الخاسر). [مجاز القرآن:1/ 187]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({قل لّمن مّا في السّماوات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}
وقال: {كتب على نفسه الرّحمة ليجمعنّكم}، فنصب لام: {ليجمعنّكم}؛ لأن معنى {كتب}كأنه قال "و الله ليجمعنّكم" ثم أبدل فقال: {الّذين خسروا أنفسهم}أي: ليجمعنّ الذين خسروا أنفسهم). [معاني القرآن: 1/ 234]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({كتب على نفسه الرّحمة}: أي أوجبها على نفسه لخلقه.
{ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم} هذا مردود إلى قوله: {قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين} ... {الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}). [تفسير غريب القرآن: 151]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {قل لمن ما في السّماوات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}: اللّه عزّ وجلّ تفضل على العباد بأن أمهلهم عند كفرهم وإقدامهم على كبائر ما نهاهم عنه بأن أنظرهم وعمرهم وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كتبه الرحمة على نفسه.
فأما {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} فهو احتجاج على المشركين الذين دفعوا البعث فقال عزّ وجل: {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة} أي: إلى اليوم الذي أنكرتموه، كما تقول قد جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع.
وقوله: {الّذين خسروا أنفسهم}
ذكر الأخفش أن {الذين} بدل من الكاف والميم المعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرون به، والذي عندي أن قوله: {الذين خسروا أنفسهم}في موضع رفع على الابتداء، وخبره {فهم لا يؤمنون} لأن {ليجمعنّكم} مشتمل على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم، وهذه اللام في ليجمعنّكم لام قسم.
فجائز أن يكون تمام الكلام كتب ربكم على نفسه الرحمة، ثم استأنف فقال (ليجمعنّكم)، وكأنّ المعنى: واللّه ليجمعنكم، وجائز أن يكون ليجمعنكم بدلا من الرحمة مفسّرا لها، لأنه لما قال (كتب ربكم على نفسه الرحمة)، فسّر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة، ويكون في الإمهال ما فسرنا آنفا). [معاني القرآن: 2/ 231-232]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): ( وقوله جل وعز: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} هذا احتجاج عليهم لأنهم مقرون أن ما في السموات والأرض لله فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بأن الذي خلق ما في السموات والأرض قادر على أن يحييهم بعد الموت). [معاني القرآن: 2/ 404]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} لأنه أمهلهم إلى يوم القيامة ويجوز أن يكون هذا تمام الكلام ويجوز أن تكون ما هذه تبيينا لأن قوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} معناه يمهلكم فهذا من رحمته جل وعز). [معاني القرآن: 2/ 404]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أي: أوجبها). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 75]

تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {وله ما سكن في اللّيل والنّهار وهو السّميع العليم}
هذا أيضا احتجاج على المشركين لأنهم لم ينكروا أنّ ما استقر في الليل والنّهار للّه، أي هو خالقه ومدبّره، فالذي هو كذلك قادر على إحياء الموتى.
ثم زاد في الاحتجاج والبيان فقال عزّ وجلّ: {قل أغير اللّه أتّخذ وليّا فاطر السّماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إنّي أمرت أن أكون أوّل من أسلم ولا تكوننّ من المشركين}). [معاني القرآن: 2/ 232]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله -جل وعلا-: {وله ما سكن في الليل والنهار}
أي ثبت وهذا احتجاج عليهم أيضا). [معاني القرآن: 2/ 405]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت: 345هـ): ({وله ما سكن في الليل والنهار}

أي: ما حل في الليل والنهار). [ياقوتة الصراط: 217-218]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28 ربيع الثاني 1434هـ/10-03-2013م, 10:47 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) }

تفسير قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) }

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) }

تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) }


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 10:24 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,329
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 10:24 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,329
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 10:24 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,329
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 10:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,329
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين (11)}
قرئ «ولقد» بضم الدال مراعاة للضمة بعد الساكن الذي بعد الدال، وقرئ بكسر الدال على عرف الالتقاء، وهذه تسلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالأسوة في الرسل وتقوية لنفسه على محاجّة المشركين وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه والمستهزئين، و «حاق» معناه نزل وأحاط، وهي مخصوصة في الشر، يقال حاق يحيق حيقا ومنه قول الشاعر:
فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم ....... وحاق بهم من بأس ضبة حائق
وقال قوم: أصل حاق حق فبدلت القاف الواحدة كما بدلت النون في تظننت.
قال القاضي أبو محمد -رحمه الله-: وهذا ضعيف، وما في قوله: ما كانوا يصح أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: استهزاؤهم، وهذه كناية عن العقوبة كما تهدد إنسانا فتقول سيلحقك عملك، المعنى عاقبته، وسخروا معناه استهزؤوا). [المحرر الوجيز: 3/ 318-319]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {قل سيروا ... الآية}، حض على الاعتبار بآثار من مضى ممن فعل فعلهم، وقال كان ولم يقل كانت لأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي، وهي بمعنى الآخر والمآل، ومعنى الآية سيروا وتلقوا ممن سار لأن العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين). [المحرر الوجيز: 3/ 319]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {قل لمن ما في السّماوات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن في اللّيل والنّهار وهو السّميع العليم (13)}
قال بعض أهل التأويل: في الكلام حذف تقديره: قل لمن ما في السّماوات والأرض؟ فإذا تحيروا ولم يجيبوا، قل لله، وقالت فرقة: المعنى أنه أمر بهذا السؤال فكأنهم لما لم يجيبوا ولا تيقنوا سألوا فقيل له: قل لله، والصحيح أن الله -عز وجل- أمر محمدا -عليه السلام- بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد، ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه، وجاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله: لمن ما في السّماوات والأرض والوجه في المحاجّة إذا سأل الإنسان خصمه، بأمر لا يدافعه الخصم فيه، أن يسبقه بعد التقرير إليه مبادرة إلى الحجة، كما تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه، كيف قال الله في كذا؟ ثم تسبقه أنت إلى الآية فتنصها عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: يا أيها الكافرون العادلون بربهم لمن ما في السّماوات والأرض؟ ثم سبقهم فقال: للّه، أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد، ثم ابتدأ يخبر عنه تعالى: كتب على نفسه الرّحمة معناه قضاها وأنفذها. وفي هذا المعنى أحاديث عن النبي عليه السلام تتضمن كتب الرحمة، ومعلوم من غير ما موضع من الشريعة أن ذلك للمؤمنين في الآخرة ولجميع الناس في الدنيا، منها أن الله تعالى خلق مائة رحمة فوضع منها واحدة في الأرض فيها تتعاطف البهائم وترفع الفرس رجلها لئلا تطأ ولدها. وبها تتعاطف الطير والحيتان، وعنده تسع وتسعون رحمة، فإذا كان يوم القيامة صير تلك الرحمة مع التسعة والتسعين وبثها في عباده.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات تغمدنا الله بفضل منه، ومنها حديث آخر أن الله -عز وجل- كتب عنده كتابا فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي، ويروى: نالت غضبي، ومعناه سبقت، وأنشد عليه ثابت بن قاسم:
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ....... نالا الملوك وفككا الأغلالا
ويتضمن هذا الإخبار عن الله تعالى بأنه كتب الرحمة تأنيس الكفار ونفي يأسهم من رحمة الله إذا تابوا، وأن باب توبتهم مفتوح، قال الزجاج: الرّحمة هنا إمهال الكفار وتعميرهم ليتوبوا، وحكى المهدوي: أن جماعة من النحويين قالت: إن ليجمعنّكم هو تفسير الرّحمة تقديره: أن يجمعكم فيكون ليجمعنّكم في موضع نصب على البدل من الرّحمة، وهو مثل قوله: {ثمّ بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه حتّى حينٍ} [يوسف: 35] المعنى: أن يسجنوه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يلزم على هذا القول أن تدخل النون الثقيلة في الإيجاب، وهو مردود، وإنما تدخل في الأمر والنهي وباختصاص الواجب في القسم، وقالت فرقة وهو الأظهر: إن اللام لام قسم والكلام مستأنف، ويتخرج ذلك في ليسجننّه، وقالت فرقة إلى بمعنى في وقيل على بابها غاية وهو الأرجح، ولا ريب فيه لا شك فيه، أي هو في نفسه وذاته لا ريب فيه، وقوله تعالى: {الّذين خسروا أنفسهم... الآية} قيل إن الّذين منادى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهو فاسد لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهمات، وقيل: هو نعت المكذبين الذين تقدم ذكرهم، وقيل: هو بدل من الضمير في ليجمعنّكم، قال المبرد: ذلك لا يجوز كما لا يجوز مررت بك زيد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقوله في الآية ليجمعنّكم مخالف لهذا المثال لأن الفائدة في البدل مترقبة من الثاني وإذا قلت مررت بك زيد فلا فائدة في الثاني، وقوله: ليجمعنّكم يصلح لمخاطبة الناس كافة فيفيدنا إبدال الّذين من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب هنا، وخصوا على جهة الوعيد، ويتضح فيها الوعيد إذا جعلنا اللام للقسم وهو القول الصحيح، ويجيء هذا بدل البعض من الكل، وقال الزجاج الّذين رفع بالابتداء وخبره فهم لا يؤمنون، وهذا قول حسن، والفاء في قوله: فهم جواب على القول بأن الّذين رفع بالابتداء لأن معنى الشرط حاصل تقديره، من خسر نفسه فهو لا يؤمن، وعلى القول بأن الّذين بدل من الضمير هي عاطفة جملة على جملة، وخسروا معناه غبنوا أنفسهم بأن وجب عليها عذاب الله وسخطه، ومنه قول الشاعر [الأعشى]: [السريع]
لا يأخذ الرّشوة في حكمه ....... ولا يبالي غبن الخاسر). [المحرر الوجيز: 3/ 319-323]

تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)}

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وله ما سكن ... الآية} وله عطف على قوله للّه واللام للملك، وما بمعنى الذي، وسكن هي من السكنى ونحوه أي ما ثبت وتقرر، قاله السدي وغيره وقالت فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء وذلك لا يترتب إلا أن يكون سكن بمعنى استقر وثبت وإلا فالمتحرك من الأشياء المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفلك والشمس والقمر والنجوم السابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان وهو السّميع العليم هاتان صفتان تليقان بنمط الآية من قبل أن ما ذكر قبل من الأقوال الردية عن الكفرة العادلين هو سميع لهم عليم بمواقعها مجاز عليها، ففي الضمير وعيد). [المحرر الوجيز: 3/ 323]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 10:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,329
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 19 جمادى الآخرة 1435هـ/19-04-2014م, 10:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,329
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فحاق بالّذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} هذا تسليةٌ لرسوله محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- في تكذيب من كذّبه من قومه، ووعدٌ له وللمؤمنين به بالنّصرة والعاقبة الحسنة في الدّنيا والآخرة). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 242]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال: {قل سيروا في الأرض ثمّ انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين} أي: فكّروا في أنفسكم، وانظروا ما أحلّ اللّه بالقرون الماضية الّذين كذّبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنّكال، والعقوبة في الدّنيا، مع ما ادّخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجّى رسله وعباده المؤمنون). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 242]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {قل لمن ما في السّماوات والأرض قل للّه كتب على نفسه الرّحمة ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن في اللّيل والنّهار وهو السّميع العليم (13) قل أغير اللّه أتّخذ وليًّا فاطر السّماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إنّي أمرت أن أكون أوّل من أسلم ولا تكوننّ من المشركين (14) قل إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يومٍ عظيمٍ (15) من يصرف عنه يومئذٍ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) }
يخبر تعالى أنّه مالك السّموات والأرض ومن فيهنّ، وأنّه قد كتب على نفسه المقدّسة الرّحمة، كما ثبت في الصّحيحين، من طريق الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: قال النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «إنّ اللّه لمّا خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إنّ رحمتي تغلب غضبي»
وقوله: {ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} هذه اللّام هي الموطّئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعنّ عباده لميقات يومٍ معلومٍ [وهو يوم القيامة] الّذي لا ريب فيه ولا شكّ فيه عند عباده المؤمنين، فأمّا الجاحدون المكذّبون فهم في ريبهم يتردّدون.
وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا عبيد اللّه بن أحمد بن عقبة، حدّثنا عبّاس بن محمّدٍ، حدّثنا حسين بن محمّدٍ، حدّثنا محصن بن عقبة اليمانيّ، عن الزّبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: سئل رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- عن الوقوف بين يدي ربّ العالمين، هل فيه ماءٌ؟ قال: «والّذي نفسي بيده، إنّ فيه لماءً، إنّ أولياء اللّه ليردون حياض الأنبياء، ويبعث اللّه تعالى سبعين ألف ملكٍ في أيديهم عصيّ من نارٍ، يذودون الكفّار عن حياض الأنبياء».
هذا حديثٌ غريبٌ وفي التّرمذيّ: «إنّ لكلّ نبيٍّ حوضًا، وإنّهم يتباهون أيّهم أكثر واردةً، وأرجو أن أكون أكثرهم واردةً»
ولهذا قال: {الّذين خسروا أنفسهم} أي: يوم القيامة، {فهم لا يؤمنون} أي: لا يصدّقون بالمعاد، ولا يخافون شرّ ذلك اليوم). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 242-243]

تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {وله ما سكن في اللّيل والنّهار} أي: كلّ دابّةٍ في السّموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرّفه وتدبيره، ولا إله إلّا هو، {وهو السّميع العليم} أي: السّميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 243]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:52 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة