العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم القرآن الكريم > توجيه القراءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #26  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:21 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة

[ من الآية (75) إلى الآية (80) ]
{ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }


قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)}

قوله تعالى: {فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)}

قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)}

قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)}

قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)}

قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #27  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:22 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (81) إلى الآية (83) ]

{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)}

قوله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)}

قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)}

قوله تعالى: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (معي أبدًا... (83)،.. معي عدوًّا... (83).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (معي أبدًا) محركة الياء.
وقرأ حفص عن عاصم (معي أبدًا) و(معي عدوًّا) متحركتين، وأرسلهما الباقون). [معاني القراءات وعللها: 1/462]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (27- وقوله تعالى: {معي أبدًا ...} و{معي عدوا} [83].
فتح الياء فيهما كليهما حفص عن عاصم.
وأسكنها حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وابن عامر.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {معي أبدًا} بالفتح {ومعي عدوا} ساكنًا). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/259]
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك ما يُروى عن مالك بن دينار: [فاقعُدوا مع الخَلِفين] بغير ألف.
[المحتسب: 1/298]
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون مقصورًا من {الخالفين} كقراءة الجماعة، وقد جاء نحو هذا، قال الراجز:
أصبح قلبي صَرِدَا ... لا يشتهي أن يَردا
ألا عَرَادا عَرِدا ... وصِلِّيانا برِدا
وعَنْكثا ملتبِدا
يريد: عارِدا وبارِدا، كما قال أبو النجم:
كأن في الفُرْشِ القَتَاد العاردا
وقد حذفت الألف حشوًا في غير موضع. قال:
مثل النَّقا لبده ضرب الطِّلل
يريد: الطِّلال، كقول القُحَيف:
دِيار الحي تضربها الطِّلال ... بها أَنَس من الخافي ومالُ
وروينا عن قطرب:
ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال
يريد: لا بارك الله، فحذف الألف قبل الهاء. وينبغي أن يكون ألف فعال؛ لأنها زائدة، كقوله تعالى: {إِلَهِ النَّاسِ}، ولا تكون الألف التي هي عين فَعَل في أحد قولي سيبويه: إن أصله: لاهٌ كناب؛ لأن الزائد أولى بالحذف من الأصلي. وقد
حذفوا الواو حشوًا أيضًا قالوا:
إن الفَقِير بيننا قاضٍ حَكَم ... أن تَرِد الماء إذا غاب النُّجُم
[المحتسب: 1/299]
يريد: النجوم. وقال الأخطل:
كلَمْع أيدي مثاكيل مُسلِّبَةٍ ... يندبْنَ ضَرْس بنات الدهر والْخُطُب
يريد: الخطوب. وقد حُذفت الياء أيضًا نحو قول عبيد الله بن الحر:
وبُدِّلتْ بعد الزعفران وطيبه ... صدا الدِّرع من مستحكِمات المسامر
يريد: المسامير. وقال الآخر:
والبكرات الفسج العطامسا
يريد: العطاميس.
فكما حُذفت حروف اللين من هذا ونحوه مما تركناه إجمامًا بحذفه، فكذلك تحذف الألف من {الخالفين} فيصير [الخَلِفين] ). [المحتسب: 1/300]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #28  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:26 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة

[ من الآية (84) إلى الآية (87) ]

{ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) }

قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)}

قوله تعالى: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)}

قوله تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)}

قوله تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #29  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:28 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ الآيتين (88) ، (89) ]
{لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)}

قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)}

قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #30  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:29 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (90) إلى الآية (92) ]

{ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) }

قوله تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (وجاء المعذّرون من الأعراب... (90).
قرأ يعقوب وحده (وجاء المعذرون) ساكنة العين خفيفة.
وقرأ الباقون (وجاء المعذّرون) بتشديد الذال.
قال أبو منصور: من قرأ (المعذرون) بالتخفيف فهم الذين أعذروا، أي: جاءوا بعذر، يقال: أعذر الرجل، إذا جاء بعذر ولم يقصر.
ومن قرأ (المعذّرون) بتشديد الذال فله وجهان:
أحدهما: المتعذرون، أدغمت التاء في الذال، كأنهم يعتذرون، كأنّ لهم عذر ولم يكن.
وشبيهٌ أن يكون المعنى أن يكون لهم عذر، كما قال لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
المعنى فقد أعذر، أي: جاء بعذر.
وجائز أن يكون (المعذّرون) الذين توهّموا أن لهم عذرًا ولا عذر لهم. والعرب تقول للمقصّر: معذّر.
والله أعلم بما أراد). [معاني القراءات وعللها: 1/460]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم}
قرأ الكسائي في رواية قتيبة (وجاء المعذرون) بالتّخفيف أي الّذين أعذروا وجاؤوا بعذر وكان ابن عبّاس يقرؤها كذلك ويقول هم أهل العذر أي جاؤوا معذرين ولهم عذر والمعذر الّذي قد بلغ أقصى العذر والعرب تقول أعذر من أنذر أي بالغ في العذر
وقرأ الباقون {وجاء المعذرون} بالتّشديد أي المعتذرون إلّا أن التّاء أدغمت في الذّال لقرب المخرجين قال الزّجاج ومعنى المعتذرين الّذين يعتذرون كان لهم عذر أو لم يكن لهم عذر وهو ها هنا أشبه بأن يكون لهم عذر وأنشدوا:
إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
يريد قد أعذر وقد يكون لا عذر له قال الله تعالى {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} ثمّ قال {لا تعتذروا} أي لا عذر لكم وكان ابن عبّاس يقول رحم الله المعذرين ولعن الله المعذرين ذهب إلى من يعتذر بغير عذر وقال آخرون المعذرون المقصرون أي الّذين يوهمون أن لهم عذرا ولا عذر لهم). [حجة القراءات: 321]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (18- {وجَاءَ المُعْذِرُونَ} [آية/ 90] بسكون العين وتخفيف الذال:
قرأها يعقوب وحده.
والوجه أن المعنى فيه: هم الذين أعذروا أي جاءوا بالعذر، يقال أعذر فلان: إذا جاء بالعذر ولم يقصر، قال جرير:
46- أعذرت في طلب النوال إليكم = لو كان من ملك النوال ينيل
وقرأ الباقون {المُعَذِّرُونَ} بفتح العين وتشديد الذال.
والوجه أن الأصل: المعتذرون، فنقلت فتحة التاء إلى العين فأدغمت التاء في الذال فبقي {المُعَذِّرُونَ}.
ويجوز أن يكون المعذرون من عذر يعذر بوزن فعل، وهم الذين يوهمون أن لهم عذراً ولا عذر لهم وهم المقصرون). [الموضح: 600]

قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)}

قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #31  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:31 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (93) إلى الآية (96) ]

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}

قوله تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)}

قوله تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)}

قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95)}

قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #32  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:32 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة

[ من الآية (97) إلى الآية (99) ]

{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)}

قوله تعالى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)}

قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (عليهم دائرة السّوء واللّه سميعٌ عليمٌ (98).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (دائرة السّوء) بضم السين والمد، وكذلك في سورة الفتح.
وقرأ الباقون بفتح السين في السورتين.
قال الفراء: من قرأ (دائرة السّوء) بفتح السين فإنه أراد المصدر، من سؤته سوءًا ومساءة.
ومن رفع السين جعله اسمًا كقولهم: عليهم دائرة البلاء والعذاب.
قال: ولا يجوز ضم السين في قوله: (ما كان أبوك امرأ سوءٍ)، ولا في قوله: (وظننتم ظنّ السّوء)؛ لأنه ضدٌّ لقولك: هذا رجلٌ صدقٌ، وثوب صدقٍ.
فليس للسوء ها هنا معنى في البلاء ولا عذاب فيضم.
والقراء كلهم قرأوا (وظننتم ظنّ السّوء) بفتح السين، وكذلك (ما كان أبوك امرأ سوءٍ) ). [معاني القراءات وعللها: 1/461]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (13- وقوله تعالى: {دائرة السوء} [98].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو {السوء} بضم السين، على معنى دائرة الشر.
وقرأ الباقون {السوء} بفتح السين مثل: {ظن السوء} أي: السيء، وهو مصدر، يقال: سؤت زيدًا أسوؤه سوءًا ومساءة ومساية). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/252]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في ضمّ السين وفتحها من قوله تعالى: دائرة السوء [التوبة/ 98] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: دائرة السوء* بضمّ السّين، وكذلك في سورة الفتح [الآية: 6].
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: السوء بفتح السين فيهما، ولم يختلف في غيرهما.
حدثني الصوفيّ عن روح بن عبد المؤمن عن محمّد بن صالح عن شبل عن ابن كثير: دائرة السوء بفتح السّين، وكذلك في سورة الفتح بالنصب.
وقرأ ابن محيصن: السوء* بضم السين.
قال أبو علي: الدائرة لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون صفة قد غلبت، أو تكون بمنزلة العافية، والعاقبة،
[الحجة للقراء السبعة: 4/206]
والصفة أكثر في الكلام، وينبغي أن [يكون] يحمل عليها؛ فالمعنى فيها أنها خلّة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له عنها مخلص، يبيّن ذلك أن ما جاء في التنزيل منه يدلّ على هذا المعنى، فمن ذلك قوله سبحانه: نخشى أن تصيبنا دائرة [المائدة/ 52] وقال تعالى: الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء [الفتح/ 6] وقال: ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء [التوبة/ 98].
فإن قلت: فما معنى إضافته إلى السّوء أو إلى السّوء؟
فإنّه على وجه التأكيد، والزيادة في التبيين، ولو لم يضف لعلم هذا المعنى منها، كما أن نحو قوله: لحيي رأسه، وشمس النّهار، كذلك، ولو لم يضافا عرف منهما هذا المعنى الذي فهم بالإضافة.
وأما إضافتهما إلى السّوء أو إلى السّوء، فالقول فيه:
إن السّوء يراد به الرداءة والفساد، فهو خلاف الصدق الذي في قولك: ثوب صدق، وليس الصدق من صدق اللسان الذي هو خلاف الكذب، كما أن السّوء ليس من سؤته في المعنى، وإن
[الحجة للقراء السبعة: 4/207]
كان اللفظ واحدا يدلّك على ذلك أنّك تقول: ثوب صدق، فتضيفه إلى ما لا يجوز عليه الصدق والكذب في الأخبار.
فأمّا دائرة السوء بالضم فكقولك: دائرة الهزيمة ودائرة البلاء، فاجتمعا في جواز إضافة الدائرة إليهما من حيث أريد بكلّ واحدة منهما الرداءة والفساد، فمن قال:
دائرة السوء
فتقديره الإضافة إلى الرداءة والفساد.
فمن قال: دائرة السّوء فتقديره دائرة الضرر والمكروه، من ذلك: سؤته مساءة ومسائية، والمعنيان يتقاربان.
قال أبو زيد: قال العدوي: عليهم دائرة السوء [الفتح/ 6]، وأمطرت مطر السوء [الفرقان/ 40] فضمّ أوائلهما، وقال: رجل سوء، ففتح أولها.
وقال أبو الحسن: دائرة السوء، كما تقول: رجل السّوء، وأنشد:
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما* بصاحبه يوما أحال على الدّم
[الحجة للقراء السبعة: 4/208]
قال: وقرئت دائرة السوء* وفي ذا القياس تقول: رجل السّوء، قال: وذا ضعيف إلا أنك إذا قلت: كانت عليهم دائرة السّوء كان أحسن من رجل السّوء، ألا ترى أنك تقول: كانت عليهم دائرة الهزيمة؟ قال: والرجل لا يضاف إلى السّوء، كما يضاف هذا، لأن هذا تفسيره: الخير والشرّ، كما يقول:
سلكت طريق الشرّ، وتركت طريق الخير). [الحجة للقراء السبعة: 4/209]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({عليهم دائرة السوء}
قرأ ابن كثير وأبو عمرو {عليهم دائرة السوء} بضم السّين وحجتهما قوله تعالى {والسوء على الكافرين}
[حجة القراءات: 321]
وقرأ الباقون بالفتح وحجتهم قوله {وظننتم ظن السوء} السوء بالضّمّ الاسم مثل البؤس والشؤم والسوء بالفتح المصدر كذا قال الفراء سؤته سوءا أو مساءة وقال آخرون السوء بالضّمّ الشّرّ والعذاب والسوء بالفتح الفساد والهلاك قال الخليل قوله {عليهم دائرة السوء} الفساد والهلاك وقال آخرون هما لغتان مثل الضّر والضر). [حجة القراءات: 322]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (16- قوله: {دائرة السوء} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين، ومثله في الفتح، وقرأ الباقون بالفتح فيهما.
وحجة من ضم السين أنه جعل «السوء» يُراد بها الهزيمة والشر والبلاء، فتقديره: عليهم دارة الشر والهزيمة والبلاء والضرر، يقال: هو رجل سوء وسوء، أي: رجل شر، وجند هزيمة.
17- وحجة من فتح السين أن «السوء» بالفتح الرداءة والفساد، والمعنى: عليهم دائرة الفساد، وأكثر ما يقال: هو رجل سوء، بالفتح، ويبعد الضم، وقد أجمعوا على قوله: {ظن السوء} «الفتح 6» بالفتح، وأكثر العرب على فتح السين في قولهم: هو رجل سوء، وهو الاختيار؛ لأن الجماعة عليه). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/505]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (19- {دَائِرَةُ السُّوْءِ} [آية/ 98] مضمومة السين ممدودة:
قرأها ابن كثير وأبو عمور، وكذلك في سورة الفتح {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوْءِ}.
والوجه أن السوء هو المكروه من قولهم سؤته مساءة، وهو اسم لا مصدر، كأنه قال دائرة البلاء والمكروه، هذا عن الفراء، وقال غيره: هو مصدر؛ لأنه يقابل به الحسن، قال الله تعالى {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ}.
وقرأ الباقون {دَائِرَةُ السَّوْءِ} بفتح السين.
وكلهم قرأ بفتح السين من قوله {ظَنَّ السَّوْءِ}.
والوجه أنه مصدر من قوله سؤته مساءة وسوءا، وهو مصدر في معنى الصفة، يقال: هذا رجل سوء ورجل صدق، وهو بمعنى رجل سيء، فهو مضاف إلى مصدر، ويذهب به إلى مذهب الصفة، فكما أنك لو قلت رجل صدق ورجل رضى، بالرفع كان المعنى رجل ذو صدق وذو رضى أي صادق مرضي، فكذلك إذا أضفت كان المعنى رجل له صدق، كما تقول هو فتى وقار أي فتى له وقار.
وليس الصدق ههنا الذي هو ضد الكذب، وإنما هو بمعنى الحق والحقيقة، فالمعنيان في القراءتين متقاربان). [الموضح: 601]

قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (ألا إنّها قربةٌ لهم... (99).
روى إسماعيل ويعقوب ابنا جعفر وورش والأصمعي عن نافع (قربةٌ) مثقلةً.
وروى قالون والمسيبي وأبو بكر بن أبي أويس (قربةٌ) ساكنة الراء مثل سائر القراء، واتفقوا على تثقيل (قرباتٍ).
[معاني القراءات وعللها: 1/461]
قال أبو منصور: من قرأ (قربة) فهو على بناء (فعلة)، وجمعها: قربات وقربات.
ومن قرأ (قربةٌ) مثقلة فهو على مثل الجمعة والجمعة، والتخفيف أجود الوجهين). [معاني القراءات وعللها: 1/462]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (16- وقوله تعالى: {ألا إنها قربة لهم} [99].
قرأ نافع وحده: {قربة لهم} بضمتين مثل الرعب والسحب وأكثر ما تأتي الضمتان فيما لا هاء فيه نحو قول العرب والله لأوجعن قربتك يعني: الخاصرتين، ويقال لها: القرب والأطل والكشح والخاصرة بمعنى واحد، والأيطل والخوشان والناطفة أيضًا.
[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/254]
وقرأ الباقون {قربة} خفيفة، وهو الاختيار مثل غرفة وجرعة تقول العرب: قربت منك قربا وما قربتك قربانا وقربت الماء قربا). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/255]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في التخفيف والتثقيل من قوله [جلّ وعز]: ألا إنها قربة لهم [التوبة/ 99] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي: قربة لهم خفيفة.
واختلف عن نافع، فروى ابن جمّاز، وإسماعيل بن جعفر، عنه في رواية الهاشمي سليمان بن داود وغيره، وورش، والأصمعيّ، ويعقوب بن جعفر: قربة* مثقّل، وروى قالون والمسيبيّ وأبو بكر بن أبي أويس: قربة خفيفة، ولم يختلفوا في قربات أنها مثقّلة.
قال أبو علي: لا تخلو قربة من أن يكون الأصل فيه التخفيف أو التثقيل، ولا يجوز أن يكون التخفيف في الواحد الأصل ثم يثقّل، لأنّ ذلك يجيء على ضربين: أحدهما في
[الحجة للقراء السبعة: 4/209]
الوقف، والآخر أن يتبع الحركة التي قبلها، فما كان من ذلك في الوقف فنحو قوله.
أنا ابن مأويّة إذ جدّ النّقر وإنما هو النّقر، فحرك القاف بالحركة التي كانت تكون للّام في الإدراج، وما كان من إتباع ما قبلها، فنحو قول الشاعر:
إذا تجرّد نوح قامتا معه... ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
فالكسر في اللام إنما هو لاتباع حركة فاء الفعل، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون كالبيت الأول، لأنّ حرف الإعراب الذي [هو] في هذا البيت قد تحرك بحركته التي يستحقّها، فظهر ذلك في اللفظ، والحركة التي حركت بها اللام التي هي عين في الجلد من قوله: الجلدا ليست كالضمة في النّقر، وعلى هذا يكون قوله:
[الحجة للقراء السبعة: 4/210]
فيد أوركك أتبع العين حركة الفاء التي هي فتحة الراء. فأمّا قول الأعشى:
أذاقتهم الحرب أنفاسها... وقد تكره الحرب بعد السّلم
فيجوز فيه أن يكون أتبع حركة العين الفاء [حرك العين] على حدّ ما حرك الجلدا. ويجوز أن يكون ألقى حركة الإعراب التي كانت تستحقها اللام على العين، وهذا أولى. وعلى قولهم: الجلدا، قالوا: رأيت الحجر، فحرّكوا العين اتباعا لحركة ما قبلها في الوقف، وليس قوله: قربة* في الآية موقوفا عليه، ولا ينبغي أن يحمل على التحريك اتباعا لحركة
ثم استمروا وقالوا إنّ موعدكم... ماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك
وفي رواية: «إن مشربكم».
وسلمى: أحد جبلي طيء- وفيد: نجد قريب منهما. وركك: ماء قريب منها.
انظر شرح ديوانه/ 167، والمحتسب 1/ 87 - 2/ 27 ومعجم ما استعجم 1/ 150 أسنمة وفي المنصف 2/ 309: قال أبو عثمان: وزعم الأصمعي قال: قلت لأعرابي، ونحن بالموضع الذي ذكره زهير فقال: ثم استمروا... البيت: هل تعرف رككا؟ فقال: قد كان هنا ماء يسمى:
ركّا. فهذا مثل: فكك، حين احتاج إلى تحريكه بناه على: فعل. اه.
وانظر شرح ابن جني لكلام أبي عثمان فيه.
[الحجة للقراء السبعة: 4/211]
ما قبلها، لأن ذلك أيضا يكون في الوقف، أو في الضرورة؛ فإذا لم يجز حملها على واحد من الأمرين، علمت أن الحركة هي الأصل في قربه* وأنّ الإسكان تخفيف، كما أسكنوا الرسل، والكتب، والطنب، والأذن، ونحو ذلك.
فأما إذا جمعت فينبغي أن يكون قربات لأنه لا يخلو من أن يكون: كغرفة، أو كبسرة ومن أي الوجهين كان، فينبغي أن يثقّل في الجمع، ألا ترى أنه إذا ثقل ما أصله التخفيف نحو: الظلمات، والغرفات، فاجتلبت في الجمع الضمة، فأن تقرّ الحركة الثابتة في الكلمة أجدر، وينبغي في قول من خفّف فقال في الواحد: قربة إذا جمع أن يعيد الضمّة التي هي الأصل، و [وقع التخفيف فيها]، لأنها أولى من المجتلبة، كما رددت الضمّة في نحو ضربتهم الآن، ومذ اليوم الذي كان لها في الأصل، ولم تجتلب حركة غريبة في الكلمة لالتقاء الساكنين.
والقربة: ما تقرّب به إلى الله تعالى من فعل خير، أو إسداء عرف، ومثل قولهم: قربة، وقربة، بسرة وبسرة، وهدبة وهدبة. حكاه محمد بن يزيد). [الحجة للقراء السبعة: 4/212]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({ألا إنّها قربة لهم}
قرأ نافع في رواية ورش وإسماعيل {ألا إنّها قربة} برفع الرّاء مثل الرعب والسحت
وقرأ الباقون {قربة لهم} بإسكان الرّاء مثل جرعة). [حجة القراءات: 322]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (18- قوله: {قربة لهم} «99» قرأ ورش بضم الراء، وأسكن الباقون، والضم هو الأصل، والإسكان للتخفيف، كما يخفف في: كتب ورسل). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/505]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (20- {أَلا إنَّهَا قُرُبَةٌ} [آية/ 99] بضم الراء:
قرأها نافع- ش- و- ل-، وقرأ الباقون {قُرْبَةٌ} بسكون الراء، وكذلك- ن- عن نافع.
والوجه أن الأصل {قُرُبَةٌ} بضم الراء، وما سكن راؤه مخفف منه، كما قالوا جمعه وجمعه بالتحريك والتسكين، فالأصل هو المحرك). [الموضح: 602]


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #33  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:33 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ الآية (100) ]
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)}

قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (من المهاجرين والأنصار... (100).
قرأ يعقوب وحده (من المهاجرين والأنصار) بالرفع، وقرأ الباقون بالخفض.
قال أبو منصور: من قرأ (والأنصار) عطفه على قوله: (والسّابقون الأوّلون).
ومن قرأ بالخفض عطفه على (المهاجرين).
وهو أجود الوجهين، والأولى صحيحة في العربية، والله أعلم). [معاني القراءات وعللها: 1/462]
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (تجري تحتها الأنهار... (100).
[معاني القراءات وعللها: 1/462]
قرأ ابن كثير وحده (وأعدّ لهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من)، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة خاصة.
وقرأ الباقون (تحتها الأنهار) بغير (من).
قال أبو منصور: (من) تزاد في الكلام توكيدًا، وتخذف اختصارًا، والمعنى واحد). [معاني القراءات وعللها: 1/463]
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب والحسن وقتادة وسلام وسعيد بن أسعد ويعقوب بن طلحة وعيسى الكوفي: [مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ].
قال أبو الفتح: الأنصار معطوف على قوله: [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ].
[المحتسب: 1/300]
فأما قوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} فيجوز أن يكون معطوفًا على "الأنصار" في رفعه وجره، ويجوز أن يكون معطوفًا على "السابقون"، وأن يكون معطوفًا على "الأنصار" لقربه منه). [المحتسب: 1/301]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({وأعد لهم جنّات تجري تحتها الأنهار}
قرأ ابن كثير (وأعد لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار) بزيادة من وكذلك في مصاحفهم
وقرأ الباقون {تحتها} من غير من وهكذا في مصاحفهم). [حجة القراءات: 322]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (19- قوله: {تحتها} قرأ ابن كثير بزيادة «من» وذلك في رأس المائة الآية، وكذلك هي في مصحف أهل مكة، وقرأ الباقون بغير «من»، وكذلك هي في جميع المصاحف، غير مصحف أهل مكة). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/505]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (21- {مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنصَارُ} [آية/ 100] بالرفع:
قرأها يعقوب وحده.
والوجه أنه عطف على قوله تعالى {والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ فهو رفع، كما أن المعطوف عليه رفع.
وقرأ الباقون {والأَنصَارِ} بالخفض.
والوجه أنه عطف على قوله تعالى {المُهَاجِرِينَ} وهو جر كالمعطوف عليه). [الموضح: 602]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (22- {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الأَنْهَارُ} [آية/ 100] بزيادة {مِنْ}:
قرأها ابن كثير وحده، عند المائة، وقرأ الباقون {تَجْرِي تَحْتَهَا} بغير {مِنْ}.
والوجه أن من أدخل {مِنْ} فقد جعل {تحت} اسمًا ولم يجعله ظرفًا، كما أن فوق قد يأتي ويُراد به الاسم، قال الله تعالى {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}. والمراد من أعلاهم ومن أسفلهم، فإذا دخل {مِنْ} خرج عن كونه ظرفًا؛ لأن دخول الجار منع من تقديم جار آخر.
ومن نصب {تَحْتَهَا} ولم يدخل {مِنْ} جعل {تحت} ظرفًا، وقدر معنى في، وجعلها مفعولاً فيه.
والفرق بين القراءتين في المعنى أنه إذا ألحق {مِنْ} أفاد أن {الأَنْهَارُ} مبتدأ جريها من أسفل الجنات؛ لأن {مِنْ} لابتداء الغاية، ومن نصب ولم يلحق {مِنْ} أفاد أن الأنهار جارية من جهة أسفلها). [الموضح: 603]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #34  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:35 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (101) إلى الآية (106) ]

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) }

قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)}

قوله تعالى: {وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)}

قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (إنّ صلاتك سكنٌ لهم واللّه سميعٌ عليمٌ (103)
قرأ حمزة والكسائي (إنّ صلاتك)، وفي هود (أصلاتك)، وفي المؤمنين (على صلاتهم) على التوحيد.
وقرأ حفص (إنّ صلاتك) و(أصلاتك) على التوحيد، و(على صلواتهم) جماعة.
وقرأ الباقون كلهن على الجمع.
قال الأزهري: الصلاة في قولك (إن صلاتك) دعاء، أما قوله (أصلاتك تأمرك) فمعناها: أعبادتك، وكله جائز، صلاتك وصلواتك). [معاني القراءات وعللها: 1/463]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (15- وقوله تعالى: {إن صلواتك سكن لهم} [103].
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتوحيد، وكذلك في (هود) و(قد أفلح) إلا حفصًا.
وقرأ الباقون بالجمع. فأما التي في (سأل سآئل) فلم يختلف القراء فيها؛ لأنها كتبت في المصحف على التوحيد. فمن وحد اجتزأ بالواحد عن الجمع؛ لأن الصلاة هاهنا بمعنى الدعاء، والتقدير في قوله: {وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم} أي: ادع لهم يا محمد إن دعاءك يسكن قلوبهم، قال الشاعر:
[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/252]
* وصلى على دنها وارتسم *
إن والصلاة من الله: المغفرة والرحمة، ومن المخلوقين: الاستغفار كقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} والصلاة: بيت النصارى، قال الشاعر:
اتق الله والصلاة فدعها = إن في الصوم والصلاة فسادا
والصلاة: مغرز عجب الذنب، ومنه يقال للفرس إذا جاء بعد السابق: المصلى؛ لأن رأسه عند صلا السابق، ومنه قول علي رضي الله عنه: «سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر رضي الله عنه» والصلاة: الصلوات الخمس نحو قوله تعالى: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} المغرب والعشاء وقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} أي: زوالها، قال الراجز:
[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/253]
واضحة الغرة غراء الضحك
تبلج الزهراء في قرن الدلك
فأما قوله تعالى: {والصلاة الوسطى} فقيل: العصر، وقيل: الظهر، وقيل: الغداة، وقيل المغرب، وقيل الصلاة: كل الصلوات، والاختيار أن تكون العصر لعشر حجج ذكرناها في بابٍ على حدة). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/254]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله [جل وعز]: إن
[الحجة للقراء السبعة: 4/212]
صلاتك [التوبة/ 103] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونافع وابن عامر: إن صلواتك جماعة. وفي سورة هود: أصلواتك تأمرك [الآية/ 87] وفي سورة المؤمنين: على صلواتهم [الآية/ 9] جماعة كلهم.
وروى حفص عن عاصم: إن صلاتك على التوحيد، وفي سورة هود على التوحيد أيضا: أصلاتك فيهما، وفي سورة المؤمنين: على صلواتهم هذه جماع وحدها.
وقرأ حمزة والكسائيّ في الثلاثة المواضع في سورة التوبة وهود والمؤمنين على التوحيد، ولم يختلفوا في سورة الأنعام [الآية/ 92]، وسأل سائل [23، 34].
قال أبو علي: الصلاة في اللغة: الدّعاء، قال الأعشى في الخمر:
وقابلها الريح في دنّها... وصلّى على دنّها وارتسم
[الحجة للقراء السبعة: 4/213]
فكأن معنى: وصل عليهم أدع لهم، فإن دعاءك لهم تسكن إليه نفوسهم، وتطيب به، فأمّا قولهم: صلى الله على رسوله وعلى أهله وملائكته، فلا يقال فيه: إنّه دعاء لهم من الله. كما لا يقال في نحو: ويل يومئذ للمكذبين [الطور/ 11] إنّه دعاء عليهم، ولكنّ المعنى فيه: أن هؤلاء ممن يستحقّ عندكم أن يقال فيهم هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله سبحانه: بل عجبت ويسخرون [الصافات/ 12] فيمن ضمّ التاء، وهذا مذهب سيبويه. وإذا كان الصلاة مصدرا وقع على الجميع والمفرد على لفظ واحد، كقوله: لصوت الحمير [لقمان/ 19] فإذا اختلف جاز أن يجمع لاختلاف ضروبه، كما قال: إن أنكر الأصوات ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله سبحانه: وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان/ 14] وممّا جاء من الصلاة مفردا يراد به الجمع قوله: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء [الأنفال/ 35] وقال: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [البقرة/ 43] والزكاة في هذا كالصلاة، وكأن الرّكعات
[الحجة للقراء السبعة: 4/214]
المفروضة والمتنفّل بها سميت صلاة لما فيها من الدعاء إلا أنّه اسم شرعي، فلا يكون الدعاء على الانفراد، حتى ينضم إليها خلال أخر جاء بها الشرع، كما أن الحجّ: القصد في اللغة، فإذا أريد به النّسك، لم يتمّ بالقصد وحده دون خصال أخرى تنضمّ إلى القصد، وكما أن الاعتكاف لبث وإقامة، والشرعي ينضم إليه معنى آخر، وكذلك الصوم، وحسّن ذلك جمعها حيث جمعت لأنه صار بالتسمية بها وكثرة الاستعمال لها كالخارجة عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت في قوله: إن أنكر الأصوات [لقمان/ 19] فأن تجمع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر، ألا ترى أنّ سيبويه جعل درّا من قولهم: لله درّك، بمنزلة: لله بلادك، وجعله خارجا من حكم المصادر، فلم يعمله إعمالها، مع أنه لم يختص بالتسمية به شيء. وجعله بكثرة الاستعمال خارجا عن حكم المصادر، ولم يجز أن نضيف درّا إلى اليوم في قوله:
[الحجة للقراء السبعة: 4/215]
لله درّ اليوم من لامها على حدّ قوله: بل مكر الليل والنهار [سبأ/ 33] فهذا يقوّي قول من جمع في نحو حافظوا على الصلوات [البقرة/ 238].
فإن قلت: هلّا جعل بمنزلة درّ، فلم يجز فيه إلا الإفراد، إلا أن تختلف ضروبه، كما لم يجز في درّ الإعمال؟
قيل له: ليس كلّ شيء كثر استعماله يغيّر عن أحوال نظائره، فلم تغيّر الصلاة عما كان عليه في الأصل من كونه مصدرا، وإن كان قد سمّي به لأنّه وإن كان قد انضمّ إلى كونه دعاء غيره، فلم يخرج عن أن يكون الدعاء مرادا بها.
ومثل ذلك في كلامهم قولهم: أرأيت زيدا ما فعل، لم يخرجه عمّا كان عليه دخول معنى آخر فيه، فالتسمية به مما يقوي الجمع فيه إذا عنى به الرّكعات، لأنها جارية مجرى الأسماء والإفراد له في نحو: وما كان صلاتهم عند البيت- يجوّزه أنه في الأصل مصدر، فلم يجعل التسمية مزيلة له عما كان عليه في الأصل.
[الحجة للقراء السبعة: 4/216]
و من أفرد فيما يراد به الرّكعات كان جوازه على ضربين:
أحدهما: على أنه في الأصل مصدر، وجنس، والمصادر لأنها أجناس مما تفرد في موضع الجميع، إلّا أن تختلف فتجمع من أجل اختلافها.
والآخر: أن الواحد قد يقع في موضع الجمع، كقوله سبحانه: يخرجكم طفلا [غافر/ 67] وقول جرير:
الواردون وتيم في ذرى سبأ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
وقال بعضهم: إن التي في التوبة، والتي في هود، وفي المؤمنين، مكتوبات في المصحف بالواو، والتي في سأل سائل، مكتوبة بغير واو وإذا اتّجه الإفراد والجمع في العربية ورجّح أحد الوجهين الموافقة لخطّ المصحف؛ كان ذلك ترجيحا يجعله أولى بالأخذ به.
فأما من زعم أن الصلاة أولى لأن الصلاة للكثرة، وصلوات للقلة، فلم يكن قوله متّجها، لأن الجمع بالتاء قد
[الحجة للقراء السبعة: 4/217]
يقع على الكثير كما يقع على القليل، كقوله سبحانه: وهم في الغرفات آمنون [سبأ/ 37] وقوله: إن المسلمين والمسلمات [الأحزاب/ 35] وإن المصدقين والمصدقات [الحديد/ 18] فقد وقع هذا الجمع على الكثير كما وقع على القليل، وإذا كان للشيء في العربية وجهان، فأخذ أحد بأحد الوجهين وآخر بالوجه الآخر كان سائغا، وكذلك: إن أخذ بأحد الوجهين في موضع، وفي موضع آخر بالوجه الآخر وقال: إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون [المعارج/ 23] وقد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون/ 2] وقال: حافظوا على الصلوات [البقرة/ 238] فأفرد في موضع وجمع في آخر). [الحجة للقراء السبعة: 4/218]
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة الحسن: [صَدَقَةً تُطْهِرُهُم] خفيفة.
قال أبو الفتح: هذا منقول من طهَر وأَطهرته كظهر وأَظهرته. وقراءة الجماعة أشبه بالمعنى لكثرة المؤمنين؛ فذلك قرأت: {تُطَهِّرهم}، من حيث كان تشديد العين هنا إنما هو للكثير، وقد يؤدي فعلت وأَفعلت عن الكثرة من حيث كانت الأفعال تفيد أجناسها، والجنس غاية الجموع، ألا ترى أن ما أنشده الحسن من قوله:
أنت الفداءُ لقِبلة هدَّمتها ... ونَقَرتها بيديك كل منقَّر
ولم يقل: كل نَقْر، وهذا واضح، وعليه قراءة من قرأ: [وَأغْلَقَتِ الْأَبْوَاب]، وهو واضح). [المحتسب: 1/301]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}
قرأ حمزة والكسائيّ وحفص {إن صلاتك سكن لهم} على التّوحيد وكذلك في هود وحجتهم في ذلك إجماع الجميع على
[حجة القراءات: 322]
التّوحيد في قوله تعالى {إن صلاتي ونسكي} فردّوا ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه
وقرأ الباقون (إن صلواتك) على الجمع وحجتهم إجماع الجميع على الجمع في قوله قبلها {وصلوات الرّسول} فلا فرق في شيء من ذلك في وجه من الوجوه). [حجة القراءات: 323]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (20- قوله: {إن صلاتك سكن} قرأه حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وفتح التاء، وقرأ الباقون بالجمع، وكسر التاء.
وحجة من وحّد أن «الصلاة» بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد،
[الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/505]
وهي مصدر، والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت} «الأنفال 35» ومثله الاختلاف والحجة في هود في قوله: {أصلواتك} «87» ومثله في الحجة في قوله: {على صواتهم} في «المؤمنين 9» إلا أن حمزة والكسائي قرآه بالتوحيد، فخرج عنهما حفص إلى الجمع.
21- وحجة من جمع أنه قدر أن الدعاء تختلف أجناسه وأنواعه، فجمع المصدر لذلك، كما قال: {إن أنكر الأصوات} «لقمان 19»). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/506]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (23- {إنَّ صَلواتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} [آية/ 103] على الوحدة:
قرأها حمزة والكسائي، وكذلك في هود {أَصَلاتُكَ وفي المؤمنين {عَلَى صَلاتِهِمْ وروى- ص- عن عاصم في المؤمنين {صَلَوَاتِهِمْ} جمع، وفي التوبة وهود {صَلاتُكَ} على الوحدة.
[الموضح: 603]
والوجه في الوحدة أنه بمعنى الدعاء وهو مصدر، والمصدر بلفظه يقع على الجمع والواحد، فلم تجمع لأن المصدر في الأصل لا يدخله التثنية والجمع، وأما الصلاة المشتملة/ على الركوع والسجود، فهي بالتسمية بها خارجة عن أحكام المصادر، فيصح فيها التثنية والجمع.
وقرأ الباقون و- ياش- عن عاصم {صَلَوَاتك} و{صَلَوَاتِهِمْ} بالجمع في الأحرف الثلاثة.
والوجه أن المصادر إذا اختلف ضروبها جاز جمعها؛ لأن المانع عن جمع المصادر هو كونها جنسًا يقع على القليل والكثير بشموله لهما، فإذا اختلف أنواعها خرج اللفظ من أن يكون مبنيًا عن اختلافها، فجاز تثنيتها وجمعها لذلك). [الموضح: 604]

قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)}

قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}

قوله تعالى: {وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (مرجون لأمر اللّه... (106) و(ترجي من تشاء منهنّ).
[معاني القراءات وعللها: 1/463]
قرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي (مرجون لأمر اللّه) و(ترجي) بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز في الموضعين.
قال أبو منصور: هما لغتان: أرجأت الأمر، وأرجيته، إذا أخرته، ورجل مرجئ ومرجٍ، وهم المرجئة والمرجية، فإذا نسبت إليهم قلت: رجلٌ مرجاءٍ. بفتح الجيم). [معاني القراءات وعللها: 1/464]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (17- وقوله تعالى: {وآخرون مرجون} [106].
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر بالهمز، والباقون بترك الهمز). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/255]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({وآخرون مرجون لأمر الله}
قرأ نافع وحمزة والكسائيّ وحفص وآخرون {مرجون} بغير همز وقرأ الباقون بالهمز وهما لغتان يقال أرجأت الأمر إذا أخّرته وأرجيته أيضا). [حجة القراءات: 323]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (22- قوله: {مرجون} قرأه نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز، وهمز الباقون، وكذلك: {ترجي} في الأحزاب «51».
وحجة من لم يهمز أنه جعله من «أرجيت الأمر» يعني أخرته، وهي لغة قريش والأنصار، وأصله «مرجيون» فلما انضمت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، وبعدها واو ساكنة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت فتحة الجيم، تدل على الألف المحذوفة، فهو مثل قوله تعالى: {وأنتم الأعلون} «آل عمران 139» اعتلالهما واحد، وقد يجوز أن يكون أصله الهمز، لكن سهلت الهمزة، فأبدل منها ياء مضمومة، ثم أعل على ما ذكرنا، والأول أحسن وأقوى.
23- وحجة من همز أنها لغة تميم وسفلى قيس، ومعناه التأخير مثل الأولى وقد قال المبرد: إن من لم يهمز جعله من «رجا يرجو» وهو قول شاذ، ومثله الحجة في همز: {ترجي من تشاء} وترك همزه). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/506]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (24- {وآخَرُونَ مُرْجَئُونَ} [آية/ 106] بالهمز:
قرأها ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم- ياش- ويعقوب، وكذلك في الأحزاب {تُرْجِيء مَن تَشَاءُ} مهموزة.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي، و- ص- عن عاصم {مُرْجَوْنَ} و{تُرْجِي} بغير همز.
وقد مضى الكلام في أرجأتُ وأرجيتُ بالهمز وبغير الهمز، وأنهما لغتان، والمعنى أخرت). [الموضح: 604]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #35  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:42 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (107) إلى الآية (110) ]

{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) }

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (والّذين اتّخذوا مسجدًا ضرارًا... (107)
قرأ نافع وابن عامر (الّذين اتّخذوا) بغير واوه وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام.
وقرأ الباقون (والّذين) بواو.
قال أبو منصور: من قرأ بالواو عطف جملة على جملة، ومن قرأ بغير الواو فهو تابع لما قبله، نعتٌ له). [معاني القراءات وعللها: 1/464]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (23- وقوله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا} [107].
قرأ نافع وابن عامر {الذين ...} بغير واو.
وقرأ الباقون بالواو {والذين ...} وكذلك في مصاحفهم {وضرارًا وكفرًا وتفريقًا} ينتصب بشيئين:
[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/256]
على المصدر: لأن اتخاذهم مسجدًا لما قدمت ذكره «ضررًا» فكأنه في التقدير: ضاروا ضرارًا، وكفروا كفرًا وفرقوا تفريقًا.
والوجه الثاني: أن تجعلها مفعولات كأنه في التقدير: والذين اتخذوا مسجدًا للضرار والكفر والتفريق، وكلا الوجهين حسن). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/257]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في إدخال الواو وإخراجها من قوله [جلّ وعزّ]: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا [التوبة/ 107].
فقرأ نافع وابن عامر: الذين اتخذوا مسجدا بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون: والذين اتخذوا وكذلك هي في مصاحفهم.
قال أبو علي: وجه قول من ألحق الواو: أنه معطوف على ما قبله من نحو قوله: ومنهم من عاهد الله [التوبة/ 75] ومنهم من يلمزك في الصدقات [التوبة/ 58] ومنهم الذين يؤذون النبي [التوبة/ 61] وآخرون مرجون
[الحجة للقراء السبعة: 4/239]
لأمر الله [التوبة/ 106] أي: منهم آخرون، ومنهم الّذين اتّخذوا مسجدا ضرارا وكفرا.
ومن لم يلحق الواو لم يجز أن يكون الذين بدلا من قوله: وآخرون مرجون كما تبدل المعرفة من النّكرة، لأنّ المرجئين لأمر الله هم غير الذين اتخذوا المسجد ضرارا وكفرا، ألا ترى أن متخذي المسجد قد أخبر عنهم أنّهم لا يؤمنون، ولا تثلج قلوبهم بالإيمان في قوله: لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم [التوبة/ 110] وإذا وقع الخبر بتاتا على أنهم لا يؤمنون حتى الممات، والمرجون لأمر الله، قد جوّز عليهم الإيمان، علمت أنهم ليسوا إياهم، فإذا لم يكونوا هم، لم يجز أن يبدلوا منهم.
ولكن من لم يلحق الواو جاز قوله على أمرين: على أن يضمر: ومنهم الذين اتخذوا، كما أضمرت المبتدأ مع الحرف الداخل عليه في قولهم: لاها الله ذا، والمعنى:
للأمر ذا، وكما أضمرت الحرف مع الفعل في قوله سبحانه:
[الحجة للقراء السبعة: 4/240]
فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم [آل عمران/ 106] أي: فيقال لهم: أكفرتم، وكذلك حذف الخبر مع الحرف اللاحق له في قول من قرأ: الذين اتخذوا بغير واو، ويجوز أن يكون أضمر الخبر بعد، كما أضمر بعد في قوله: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام [الحج/ 25] إلى قوله: والبادي [الحج/ 45] والمعنى فيه: ينتقم منهم، أو: يعذّبون، ونحو ذلك مما يليق بهذا المبتدأ، وحسن الحذف في الموضعين جميعا لطول الكلام بالمبتدإ وصلته). [الحجة للقراء السبعة: 4/241]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({والّذين اتّخذوا مسجدا ضرارًا}
قرأ نافع وابن عامر (الّذين اتّخذوا مسجدا) بغير واو وكذلك في مصاحفهم
وقرأ الباقون {والّذين} بالواو وهكذا في مصاحفهم). [حجة القراءات: 323]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (24- قوله: {والذين اتخذوا} قرأ نافع وابن عامر «الذين» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، جعلوه مستأنفا، وأضمروا الخبر، أو جعله خبرًا، وأضمروا المبتدأ، ولا يحسن أن يكون «الذين» في هذه القراءة بدلًا من «وآخرين» لأن «آخرين» تُرجى لهم التوبة، و«الذين اتخذوا» لا ترجى لهم توبة لقوله: {لا يزال بنيانهم} إلى قوله: {إلى أن تقطع قلوبهم} «110» فالقراءتان مختلفتان في المعنى، وقرأ الباقون بالواو لأنها كذلك في مصاحفهم، فهو معطوف على قوله: {ومنهم من عاهد الله} «75» أي: «منهم من عاهد الله، ومنهم من يلمزك، ومنهم الذين يؤذون النبي، ومنهم آخرون مرجون، ومنهم الذين اتخذوا مسجدًا»). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/507]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (25- {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا} [آية/ 107] بغير واو في أوله:
قرأها نافع وابن عامر.
والوجه أنه مبتدأ، وخبره مضمر فيما بعد، والتقدير: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا} إلى قوله {وإرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ الله ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ} يعذبهم الله أو ينتقم الله منهم.
ويجوز أن يكون على حذف خبرٍ مقدمٍ وهو منهم، والتقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً، فحذف الواو مع منهم.
وقرأ الباقون {والَّذِينَ اتَّخَذُوا} بالواو.
والوجه أنه معطوف على ما قبله من قولهم {ومِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} ثم قال {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} أي ومنهم آخرون، ثم قال {والَّذِينَ اتَّخَذُوا} أي ومنهم الذين اتخذوا). [الموضح: 605]

قوله تعالى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)}
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: [أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهُ رِجَالٌ] بكسر هاء "فيه" الأولى، وضم هاء "فيه" الآخرة مختَلَستين.
قال أبو الفتح: أصل حركة هذه الهاء الضم، وإنما تكسر إذا وقع قبلها كسرة أو ياء ساكنة، كقولك: مررت به، ونزلت عليه، وقد يجوز الضم مع الكسرة والياء، وقد يجوز إشباع الكسرة والضمة ومطلهما إلى أن تحدث الواو والياء بعدهما، نحو: مررت بهِي وبهُو، ونزلْتُ عليهِي وعليهُو، وهذا مشروح في أماكنه؛ لكن القول في كسر "فيه" الأولى وضم "فيه" الثانية.
والجواب أنه لو كسرهما جميعًا أو ضمهما جميعًا لكان جميلًا حسنًا، غير أن الذي سوَّغ الخلاف بينهما عندي هو تكرير اللفظ بعينه؛ لأنه لو قال: [فيهِ فيهِ]، أو [فيهُ فيهُ] لتكرَّر اللفظ عينه ألبتة، وقد عرفنا ما عليهم في استثقالهم تكرير اللفظ حتى أنهم لا يتعاطونه إلا فيما يتناهى عنايتهم به، فيجعلون ما ظهر من تَجشمهم إياه دلالة على قوة مراعاتهم له، نحو قولهم:
[المحتسب: 1/301]
ضربت زيدًا ضربت، وضربت زيدًا زيدًا، وقولهم: قم قائمًا قم قائمًا، وقولهم فيما لا محالة في توكيده؛ أعني الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.
ومما يدلك على قوة الكلفة عليهم في التكرير أنهم لما صاغوا ألفاظ التوكيد لم يُرَدِّدوها بأعيانها؛ وذلك كقولهم: جاءني القوم أجمعون أكتعون أبصعون، فخالفوا بين الحروف؛ لكن أعادوا حرفًا واحدًا منها تنبيهًا على عنايتهم وإعلانهم أنه موضع يختارون تجشم التكرير من أجله، وجعلوا الحرف المعاد منه لامَه لأنه مقطع، والعناية بالمقاطع أقوى منها بِمَدْرَج الألفاظ.
ألا تراهم يتسمحون بحشو البيت في اختلافه، فإذا وصلوا إلى القافية راعوها ووفَّقوا بين أحكامها؛ أعني: في الروي والوصل والخروج والرِّدْف والتأسيس والحركات؟ وسبب ذلك أنه مقطع، والمعول في أكثر الأمر عليه.
ومنه إجماع الناس في الدعاء على أن يقولوا: اختِم بخير، ومنه قول الله سبحانه: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي: طَعْم مقطعه في طيب رائحة المسك، وهذا ألطف معنى من أن يكون المراد به أن هناك خاتمًا عليه، وأنه من مسك.
ومن تجنب التكرير قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا}، ولم يقل: من بعد الفتح؛ تجنبًا للتكرير؛ ولهذا -في التكرير وكراهيتهم إياه إلا فيما يدُلُّون بتجشمهم تكريره على قوة اهتمامهم بما هم بسبيله- نظائر، وفيما ذكرنا كافٍ، فعلى هذا تكون هذه القراءة التي هي: [فيهِ فيهُ] اختيرت لوقوع الخلاف بين الحرفين على ما ذكرنا.
فإن قيل: فَلِمَ كُسر الأول وضُم الآخر وهلا عُكس الأمر؟ ففيه قولان؛ أحدهما: أن الكسر في نحو هذا أفشى في اللغة فقُدِّم، والضم أقل استعمالًا فأُخر، والثاني: وهو أغمض؛ وهو أن "فيه" الأولى ليست في موضع رفع؛ بل هي منصوبة الموضع بقوله تعالى: {تَقُوم} من قوله: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}، و[فيه] من قوله: {فِيهِ رِجَالٌ} في موضع الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدم عليه، والمبتدأ "رجال"، و"فيه" خبر عنه، فهو مرفوع الموضع، فلما كان كذلك سُبقت الضمة لتصور معنى الظرف.
[المحتسب: 1/302]
ومعاذ الله أن نقول: إن ضمة الهاء من "فيه" عَلَم رفع، كيف ذلك والهاء مجرورة الموضع "بفي"؟ نعم وهي اسم مضمر، والمضمر لا إعراب في شيء منه، وهي أيضًا مكسورة في أكثر اللغة، هل يجوز أن يظن أحد أن الضمة فيها علَم رفع؟ لكن الكلمة مرفوعة الموضع، وتصوُّر معنى الرفع فيها أسبق إلى اللفظ، كما ذهب بعضهم في ضمة تاء المتكلم في نحو: قمتُ وذهبتُ إلى أنها إنما بُنيت على الضم لَمْحا لموضعها من الإعراب؛ إذ هي مرفوعة، وكانت أقوى من تاء المذكر والمؤنث في نحو: قمتَ وقمتِ؛ فكانت لذلك أحق بذلك.
وليس الظرف هنا وصفًا لمسجد؛ بل هو على الاستئناف، والوقف عندنا على قوله: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}، ثم استؤنف الكلام فقيل: {فِيهِ رِجَالٌ} . وهذا أولى من أن يُجعل الظرف وصفًا "لمسجد"؛ لما فيه من الفصل بين النكرة وصفتها بالخبر الذي هو "أحق"، ولأنك إذا استأنفت صار هناك كلامان، فكان أفخر من الوصف من حيث كانت الصفة مع موصوفها كالجزء الواحد). [المحتسب: 1/303]

قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (أفمن أسّس بنيانه... (109).
[معاني القراءات وعللها: 1/464]
قرأ نافع وابن عامر (أفمن أسّس بنيانه... خيرٌ أم من أسّس بنيانه) بضم الألف في الحرفين، ورفع البنيان.
وقرأ الباقون بفتح الألف فيهما، ونصب البنيان.
قال أبو منصور: المعنى واحد في القراءتين، إلا أن الضم يدل على أنه لم يسم فاعله، والنصب يدل على الفاعل والمفعول، وكل ذلك جائز). [معاني القراءات وعللها: 1/465]
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (على شفا جرفٍ هارٍ... (109).
قرأ ابن عامر وحمزة ويحيى عن أبي بكر عن عاصم (على شفا جرفٍ) بسكون الراء، وقرأ حفص والأعشى عن أبي بكر عن عاصم (جرفٍ) مثقل، وكذلك قرأ الباقون (جرفٍ) بضمتين.
قال أبو منصور: هما لغتان: جرفٍ وجرفٍ.
والعرب تقول للرجل لا حزم له ولا عقل: فلانٌ جرف منهار.
ومن أمثالهم أيضًا: لا أحفر لك" جرفًا، معناه: لا أغشّك.
والجرف في كلام العرب: أن
[معاني القراءات وعللها: 1/465]
يجنح ماء السيل عدوة الوادي فيأكل أصلها، فإذا وطئت دابة أو إنسان الموضع الذي أكل السيل ما تحته انقطع فانهار به). [معاني القراءات وعللها: 1/466]
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (هارٍ فانهار به... (109).
قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وحمزة ويعقوب (هارٍ) مفخمًا، وقرأ نافع وابن عامر ويحيى عن أبي بكر عن عاصم والكسائي ممالاً.
قال الأزهري: هما لغتان، والتفخيم أفصح اللغتين، وفيه لغتان أخريان لم يقرأ بهما، يقال: جرف "هائر، وهارٌ.
كما يقال: كبش صائفٌ، وصافٌ). [معاني القراءات وعللها: 1/466]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (18- وقوله تعالى: {جرف هار} [109].
قرأ حمزة وابن عام روعاصم برواية أبي بكر: {جرف} بإسكان الراء والباقون بالتحريك). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/255]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (19- وقوله تعالى: {جرف هار} [109].
قرأ ابن كثير وحمزة وحفص عن عاصم {هار} بالفتح. والباقون {هار} من أجل كسرة الراء. والأصل في هارٍ: هاير، وكذلك في شاكٍ: شايكٍ، قال الشاعر:
فتعرفوني إنني أناذاكم = شاك سلاحي في الحوادث معلم). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/255]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (21- وقوله تعالى: {أفمن أسس بنيانه} [109].
قرأ نافع وابن عامر {أفمن أسس بنيانه} على ما لم يسم فاعله {أمن أسس بنيانه} [109] مثله.
وقرأ الباقون {أسس} بفتح الهمزة فيهما. والبنيان: نصب بوقوع الفعل عليه، ومعناه: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على الكفر؛ وذلك أن المنافقين بنو مسجدًا لينفض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصلاهم ويصيروا إلى ذلك المسجد.
وأجمع الناس على {تقوى} بترك التنوين إلا عيسى بن عمر فإنه نون). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/256]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في ضمّ الألف وفتحها من قوله [جلّ وعزّ]: أفمن أسس بنيانه [التوبة/ 109].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: بفتح الألف في الحرفين جميعا، وفتح النون فيهما.
وقرأ نافع وابن عامر أسس* بضم الألف بنيانه* برفع النون.
[الحجة للقراء السبعة: 4/218]
[قال أبو علي]: البنيان: مصدر، وهو جمع على حد شعيرة وشعير لأنّهم قد قالوا: بنيانه في الواحد، قال أوس:
كبنيانة القرييّ موضع رحلها... وآثار نسعيها من الدّفّ أبلق
وجاء بناء المصادر على هذا المثال في غير هذا الحرف، وذلك نحو: الغفران، وليس بنيان جمع بناء، لأن فعلانا إذا كان جمعا نحو كثبان، وقضبان، لم تلحقه تاء التأنيث، وقد يكون ذلك في المصادر نحو ضرب ضربة وأكل أكلة، ونحو ذلك مما يكثر.
قال أبو زيد: يقال: بنيت أبني بنيا، وبناء وبنية، وجماعها: البنى، وأنشد:
بنى السماء فسوّاها ببنيتها... ولم تمدّ بأطناب ولا عمد
فالبناء والبنية مصدران، ومن ثمّ قوبل به الفراش في
[الحجة للقراء السبعة: 4/219]
قوله: هو الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء [البقرة/ 22]. فالبناء لمّا كان رفعا للمبني قوبل به الفراش الذي هو خلاف البناء.
ومن ثمّ وقع على ما كان فيه ارتفاع في نصبته، وإن لم يكن مصدرا كقول الشاعر:
لو وصل الغيث أبنين امرأ... كانت له قبّة سحق بجاد
أي: جعلت بناءه بعد القبّة خلق كساء، كأنه كان يستبدل بالقباب خباء من سحق كساء لإغارة هذه الخيل عليهن.
فأما قراءة من قرأ: أفمن أسس بنيانه فبنى الفعل للفاعل، فلأنه الباني والمؤسس فأسند الفعل إليه، وبناه له، كما أضاف البنيان إليه في قوله: بنيانه فكما أن المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك يكون الفعل مبنيا له. ويدلّ على
[الحجة للقراء السبعة: 4/220]
ترجيح هذا الوجه اتفاقهم على قوله: أمن أسس بنيانه على.
ومن بنى الفعل للمفعول به لم يبعد أن يكون في المعنى كالأول، لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه هو له، وكان القول الأول أرجح لما قلنا). [الحجة للقراء السبعة: 4/221]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في التثقيل والتخفيف من قوله [جل وعز]: جرف هار [التوبة/ 109].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: شفا جرف مثقل.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة جرف مثقل.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة جرف ساكنة الراء.
وروى حفص عن عاصم جرف مثقّل مثل أبي عمرو.
قال أبو عبيدة: الشّفاء هو: الشّفير. والجرف: ما تجرّف من السيول من الأودية.
قال أبو علي: الجرف: بضم العين الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل وقال: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل [يس/ 55] وقال البعيث:
[الحجة للقراء السبعة: 4/221]
غداة لقينا من لؤيّ بن غالب... هجان الثنايا واللقاء على شغل
ومثله: الطنب والطنب، والعنق والعنق، وكلا الوجهين حسن.
وقال أبو عبيدة: على شفا جرف هار مثقّل، قال: لأن ما يبنى على التقوى فهو أثبت أساسا من بناء يبنى على شفاء جرف.
والقول في ذلك أنه يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البناءين، ويجوز أن يكون بين البانيين، فإذا عادلت بين البانيين، كان المعنى: المؤسس بنيانه متّقيا خير أم المؤسّس بنيانه غير متّق؟ لأن قوله: على شفا جرف يدلّ على أن بانيه غير متّق لله ولا خاش له، ويجوز أن يقدّر حذف المضاف كأنّه أبناء من أسّس بنيانه متّقيا خير أم بناء من أسّس بنيانه على شفا جرف؟ والبنيان: مصدر وقع على المبني مثل الخلق إذا عنيت به المخلوق، وضرب الأمير: إذا أردت به المضروب، وكذلك نسج اليمن. يدلّك على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد
[الحجة للقراء السبعة: 4/222]
به اسم الحدث، أو اسم العين، فلا يجوز أن يكون الحدث، لأنه إنّما يؤسس المبني الذي هو عين.
ويبين ذلك أيضا قوله على شفا جرف والحدث لا يعلو شفا جرف.
والجار في قوله: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسّس بنيانه متّقيا خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار؟. والمعنى:
أمّن أسّس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبا على بنائه؟ وفاعل انهار: البنيان، أي: انهار البنيان بالباني في نار جهنم، لأنه معصية، وفعل لما كرهه الله سبحانه من الضرار، والكفر، والتفريق بين المؤمنين، وعلى شفا جرف: حال كما كان قوله جلّ وعز: على تقوى من الله حالا). [الحجة للقراء السبعة: 4/223]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في الإمالة والفتح من قوله جل وعز: هار فانهار [التوبة/ 109].
فقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية هبيرة عن حفص وحمزة: هار بفتح الهاء.
[الحجة للقراء السبعة: 4/223]
الأعشى عن أبي بكر (هار) مفخّمة.
وأمال الهاء نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية يحيى عن أبي بكر، والكسائي، بالإمالة وليس عندي عن ابن عامر في هذا شيء.
وقال غير أحمد بن موسى: قراءة ابن عامر مفخّمة.
قال أبو علي: أما حجّة من لم يمل؛ فإنّ كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات، وترك الإمالة هو الأصل.
والإمالة في هار حسنة لما في الراء من التكرير، فكأنك قد لفظت براءين مكسورتين، وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة، وكذلك لو أملتها في الوقف كان أحسن من إمالتك نحو: هذا ماش وداع، لأنّك لم تلفظ هنا بكسرة، وفي الراء كأنك قد لفظت بها لما فيها من التكرير بحرف مكسور إذا وقفت عليها.
وقد يجوز أن تميل نحو: هذا ماش في الوقف، وإن زالت الكسرة التي لها كنت تميل الألف كما جاز أن تميل الفتحة من نحو القتلى الحر [البقرة/ 178] مع ذهاب ما
[الحجة للقراء السبعة: 4/224]
أملت الفتحة من أجله وهو الألف من القتلى.
ومثل هذا قولهم: صعقيّ، تركت الفاء التي كان كسرها لكسرة العين مع زوال كسرتها. وأما الهمزة من هار فمنقلبة عن الواو لأنّهم قد قالوا تهور البناء: إذا تساقط وتداعى، وفي الحديث: «حتى تهوّر الليل» فهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالبناء.
ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان:
أحدهما: أن تعلّ بالحذف كما أعلّت بالقلب، فيقال:
هار وشاك السلاح. ويجوز في قولهم: يوم راح، أن يكون فاعلا على الحذف وفعلا على غير الحذف.
والآخر: أن يعلّ بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير: فالع.
ويجوز في قولهم:
ضربت على شزن فهنّ شواعي
[الحجة للقراء السبعة: 4/225]
أن تكون فوالع من الشيء الشائع، ويكون المعنى: إنها متفرقة، ويكون فواعل من قولهم: غارة شعواء، وكذلك يجوز في قوله:
خفضوا أسنّتهم فكل ناعي ضربان: أحدهما: أن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان في قوله:
.. والأسل النيّاعا أي: العطاش إلى دماء من يغزون.
[الحجة للقراء السبعة: 4/226]
ويجوز أن يكون ناع من قولك: نعى ينعي، أي يقول: يا لثارات فلان.
ويجوز في هار التي في الآية أن يكون على قول من حذف. ويجوز أن تكون في قول من قلب.
فأما جوازه على الحذف؛ فلأن هذه الهمزة قد حذفت من نحو هذه الكلم. وجوازه على القلب أن يكون مثل:
قاض، وداع، وقد سقطت اللام لالتقاء الساكنين.
وقال أبو الحسن: يقال: هرت تهار، مثل: خفت تخاف، قال: وجعله بعضهم من الياء، وبعضهم من الواو، فقال: يتهير، فإنه كان التجويز في عين يتهور أنه ياء من أجل قولهم: يتهير، فإنه يمكن أن يكون: يتهيّر، مثل: يتحيّر، فلا دلالة حينئذ في ذلك على كونها من الياء، ولعله سمع شيئا غير هذا يعلم به أنه من الياء، فإن لم يسمع شيئا غير هذا، فإنه يجوز أن يقول:
إنّ يتهيّر: يتفعّل مثل يتبيع، لأن باب التفعّل أكثر من باب التفعيل، فيحمل على الأكثر فيجوز على هذا فيما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
[الحجة للقراء السبعة: 4/227]
خليليّ لا يبقى على الدهر فادر... بتيهورة بين الطّخاف العصائب
يجوز أن يكون تيهورة: تفعولة، مثل: تعضوضة، إلا أنه قلبه ولو كان من الواو لكان توهورة.. ويجوز أن يكون تيهورة في الأصل فيعولا، مثل: سيهوب، وعيثوم، إلا أنه قلبت الواو التي هي عين إلى موضع الفاء، ثم أبدل منها التاء، كما أبدل في قولهم: تقوى وتقيّة، ونحو ذلك، فيكون على هذا: عيفولة. ويدلك على أن الكلمة من هذا الباب قول العجاج:
[الحجة للقراء السبعة: 4/228]
إلى أراط ونقا تيهور فإنّما وصفه بالانهيار، كما وصفه الآخر به في قوله:
كمثل هيل النّقا طاف الوليد به... ينهار حينا وينهاه الثّرى حينا
والانهيار، والانهيال، يتقاربان في المعنى كما يتقاربان في اللفظ، ومثل ذلك في المعنى قول العجاج في صفة رمل:
شدّد منه وهو معطي الإسهال... ضرب السّواري متنه بالتّهتال). [الحجة للقراء السبعة: 4/229]
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم بخلاف: [أفمن أَسَسُ بُنْيانِه خيرٌ أم من أَسَسُ بُنيانِه] في وزن فَعَل، وقرأ: [أَساسُ بُنْيَانِه] بفتح الألف وألف بين السينين نصر بن علي بخلاف، ورُوي عنه أيضًا: [أُسُّ بُنْيانِه] برفع الألف وخفض النون في [بنيانه] والسين مشددة.
قال أبو الفتح: يقال: هو أس الحائط وأساسه، فُعْل وفَعَال. وقد قالوا: له أَسّ بفتح الألف، وقد أَسّ البناء يؤسه أَسًّا: إذا بناه على أساس، وقالوا في جمع أُس: آساس، كقفل وأقفال، وقالوا في جمع أساس: إساس وأُسُس، ونظير أساس وإساس ناقة هِجان ونوق هِجَان، ودرع دِلاص وأدرع دِلاص، وإن كان هذا مكسور الأول، فإن فَعَالًا وفِعَالًا تجريان مجرى المثال الواحد، ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيًّا وفيه الألف زائدة ثالثة؟ وقد اعتقبا أيضًا
[المحتسب: 1/303]
على المعنى الواحد فقالوا: أَوان وإِوان، ودَواء ودِواء، وحَصاد وحِصاد، وجَزَاز وجِزَاز، وجَرَام وجِرَام.
وقد يجوز أن يكون إِسَاس جمع أُسّ كبُرد وبِرَاد، وقد يجوز أن يكون حمع أَس كفَرخ وفراخ، وأما أُسُس فجع أساس كقُذُل وقَذَال. قال كَذَّاب بني الحِرْماز:
وأُس مجد ثابتٌ وطيد ... نال السماءَ فرعُه المديد). [المحتسب: 1/304]
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك ما حكاه ابن سلام قال: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ: [على تقوًى من الله]، قلت: على أي شيء نوَّن؟ قال: لا أدري ولا أعرفه، قلت: فهل نوَّن أحد غيره؟ قال: لا.
قال أبو الفتح: أخبرنا بهذه الحكاية أبو بكر جعفر بن علي بن الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الْحُبَاب عن محمد بن سلام. فأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث، كتَتْرًى فيمن نون وجعلها ملحقة بجعفر.
وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا أدري، ولولا أن هذه الحكاية رواها ابن مجاهد ورويناها عن شيخنا أبي بكر لتوقفت فيها. فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز؛ يعني: فيما سمعه؛ لكن لا عذر له في أن يقول: لا أدري؛ لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه للإلحاق). [المحتسب: 1/304]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار}
قرأ نافع وابن عامر {أفمن أسس} بضم الألف وكسر السّين {بنيانه} برفع النّون وكذلك {أم من أسس بنيانه} على ما لم يسم فاعله وحجتهما قوله قبلها {لمسجد أسس على التّقوى} قالوا وإنّما كان يحسن تسمية الفاعل لو كان للفاعل ذكر فأما
[حجة القراءات: 323]
إذا لم يكن للفاعل ذكر وقد تقدمه {لمسجد أسس على التّقوى} على ترك تسمية الفاعل فترك التّسمية أيضا في هذا أقرب وأولى على أن المسجد الّذي أسس على التّقوى هو المسجد الّذي بنيانه على تقوى من الله وهو مسجد الرّسول صلى الله عليه
وقرأ الباقون {أسس} بفتح الهمز ونصب {بنيانه} في الحرفين وحجتهم في ذلك أن صدر هذه القصّة هو مبنيّ على تسمية الفاعل وهو قوله {والّذين اتّخذوا مسجدا} فجعل الاتخاذ لهم فكذلك التأسيس يجعل لهم ليكون الكلام واحدًا ثمّ قال بعد ذلك {لا يزال بنيانهم الّذي بنوا ريبة} والّذين بنوا ريبة هم الّذين أسسوا فلذلك آثروا تسمية الفاعل
قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر {على شفا جرف} ساكنة الرّاء كأنّهم استثقلوا ضمتين
وقرأ الباقون {جرف} بالرّفع وإنّما يستثقل ثلاث ضمات فأما اثنتان فلا يستثقل). [حجة القراءات: 324]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (25- قوله: {أفمن أسس بنيانه}، {خير ٌ أم من أسس بنيانه} قرأهما نافع وابن عامر بضم الهمزة، وكسر السين الأولى، ورفع «البنيان» على ما لم يسم فاعله، فأضاف الفعل إلى «البنيان»، فارتفع به، وقد أجمعوا على الضم في قوله: {لمسجد أسس على التقوى} «108» فأضاف الفعل إلى المسجد، ففي «أسس» ضمير والمسجد هو البنيان بعينه، فلذلك حسن رفع البنيان، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والسين ونصب البنيان، أضافوا الفعل إلى «من» في قوله: {أفمن}، و{خير أم من} ففي الفعلين ضمير «من»، وهو صاحب البنيان، ويقوي ذلك أنه قد أضيف «البنيان» إلى ضمير، وهو الهاء في «بنيانه»، وهو صاحب «البنيان» فكما أضيف «البنيان» إلى «من» كذلك يجب أن يضاف الفعل إليه، و«البنيان» مصدر كالغفران، وهو بمعنى المبنى، كالخلق الذي هو بمعنى المخلوق، ويجوز أن يكون «البنيان» جمع
[الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/507]
بنيانه كثمرة وثمر). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/508]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (26- قوله: {على شفا جرفٍ} قرأه أبو بكر وابن عامر وحمزة بإسكان الراء تخفيفًا كـ «قرية»، وقرأ الباقون بالضم على الأصل، و«الجرف» ما تجرف من الوادي في السيل، وهو مثل، وقد ذكرنا إمالة «هار» ونحوه، وأصل «هار» «هارو» ثم قلب، فصارت الواو في موضع الراء، وانقلبت ياء؛ إذ ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها متحرك، فأذهبهما التنوين مثل «غاز وداع» ويدل على أنه من الواو قولهم: تهور البناء إذا تساقط، وقد قالوا: تهير، وحكى الأخفش: هرت تهار كـ «خفت تخاف»، وكثير من العرب يجري «هار» على الحذف مجرى السالم، فيرفعه في موضع الرفع وينصبه في موضع النصب بخلاف «قاض وغاز»، ومنهم من يجريه مجرى «قاض وغاز» مخفوضًا في الرفع والخفض، مفتوحًا في النصب منونًا، وفي الحديث: «حتى تهور الليل»). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/508]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (26- {أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانَهُ} [آية/ 109] بضم الألف من {أُسَّسَ}، ورفع البنيان:
قرأها نافع وابن عامر، وكذلك {أَمَنْ أُسَّسَ بُنْيَانَهُ} مثله.
[الموضح: 605]
والوجه أن الفعل مسند إلى المفعول به، لأن المقصود هو الإعلام بأن تأسيس البنيان إنما هو على التقوى، ولم يقصد إلى تعريف المؤسس؛ لأنه إذا كان البنيان المنسوب إليه مؤسسًا على التقوى، فسواء فعله هو أم فعله غيره.
وقرأ الباقون {أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} بفتح الهمزة ونصب البنيان.
والوجه أن الفعل مسند إلى الفاعل وهو ضمير {مَنْ} و{بُنْيَانَهُ} منصوب بأسس، وأسند الفعل إلى الفاعل؛ لأنه هو الباني والمؤسس، فكما أن المصدر الذي هو البنيان مضاف إلى الفاعل، كذلك الفعل مبني له). [الموضح: 606]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (27- {عَلَى شَفَا جُرُفٍ} [آية/ 109] بسكون الراء:
قرأها ابن عامر وحمزة وعاصم- ياش-، وقرأ الباقون {جُرُفٍ} بضم الراء.
والوجه أنهما جائزان، والأصل جرف بضم الراء، والإسكان تخفيف منه، كالشغل والشغل والعنق والعنق.
والجرف في كلام العرب ما يأكله الماء من أسفل الشاطئ، فإذا وطئه دابة أو إنسان انهار). [الموضح: 606]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (28- {هَارٍ} [آية/ 109] بالإمالة:
قرأها أبو عمرو وعاصم- ياش-، والكسائي وكان (نافع) يضجعها قليلاً.
[الموضح: 606]
والوجه في الإمالة أن الراء مكسورة، والكسرة في الراء تجري مجرى كسرتين؛ لما فيها من التكرير، ويقوي الإمالة في الكلمة أن الكسرة لازمة، وحكم الإضجاع كحكم الإمالة، وقد تقدم من أحكام الإمالة ما فيه كفاية.
وقرأ الباقون و- ص- عن عاصم {هَارٍ} بالفتح.
والوجه أن ترك الإمالة هو الأصل، ومن العرب من لا يرى من الإمالة شيئًا). [الموضح: 607]

قوله تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (إلّا أن تقطّع قلوبهم... (110).
قرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب (إلّا أن تقطّع) بفتح التاء، وقرأ الباقون (إلّا أن تقطّع) بضم التاء.
قال أبو منصور: من قرأ (إلّا أن تقطّع) فالأصل: إلا أن تتقطع، بالتاءين، فحذفت التاء الأولى استثقالاً للجمع بينهما.
[معاني القراءات وعللها: 1/466]
ومن قرأ (إلّا أن تقطّع) فهو من: قطّعت تقطّع، والمعنى فيهما: إلا أن يموتوا. وتقطع فعل لازم، وتقطّع متعدٍّ، يقال: قطّعته فتقطّع). [معاني القراءات وعللها: 1/467]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (20- وقوله تعالى: {إلا أن تقطع قلوبهم} [110].
قرأ حمزة وحفص عن عاصم وابن عامر {تقطع} فعل مضارع، والقلوب رفع بفعلها، والأصل: إلا أن تتقطع، فحذفوا إحدى التاءين.
وقرأ الباقون {تقطع} على ما لم يسم فاعله، ومعنى {إلا أن تقطع
[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/255]
قلوبهم} إلا أن يموتوا. وقال آخرون: إلا أن يتوبوا، فتقطع قلوبهم ندامةً على ما فرطوا). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/256]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في فتح التاء وضمّها من قوله جلّ وعزّ إلا أن تقطع قلوبهم [التوبة/ 110] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي تقطع* بضم التاء.
وقرأ ابن عامر وحمزة: إلا أن تقطع بفتح التاء.
واختلف عن عاصم، فروى أبو بكر عنه مثل أبي عمرو، وروى حفص عنه مثل حمزة تقطع* بفتح التاء.
قال أبو علي: قوله: لا يزال بنيانهم الذي بنوا [التوبة/ 110] البنيان: مصدر واقع على المبني، وإذا كان كذلك كان المضاف محذوفا تقديره: لا يزال بناء المبني الذي بنوا ريبة، أي: شكا في قلوبهم فيما كان من إظهار إسلامهم، وثباتا على النفاق إلا أن تقطع قلوبهم بالموت والبلاء، لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون عن النفاق.
فأما قراءة من قرأ: إلا أن تقطع فلأنه يريد: حتى تبلى وتقطّع بالبلى، أي: لا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدا، ولا يندمون على الخطيئة التي كانت منهم في بناء المسجد.
[الحجة للقراء السبعة: 4/230]
فأما قراءة من قرأ: تقطع* فهو في المعنى مثل الأول؛ إلّا أن الفعل أضيف إلى المقطّع المبلي للقلوب بالموت في المعنى. وفي الوجه الأول أسند إلى القلوب لمّا كانت هي البالية، وهذا مثل: مات زيد ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند فيه الفعل إلى من حدث فيه، وإن لم يكن له، وتقطع* نسب الفعل فيه إلى المقطّع المبلي، وإن لم يذكر في اللفظ؛ فأسند الفعل الذي هو لغير القلوب في الحقيقة إلى القلوب. وزعموا أنّ في حرف أبيّ: حتى الممات وهذا يدلّ أنهم يموتون على نفاقهم، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوا من الإيمان وأخذوا من الكفر). [الحجة للقراء السبعة: 4/231]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({لا يزال بنيانهم الّذي بنوا ريبة في قلوبهم إلّا أن تقطع قلوبهم}
قرأ ابن عامر وحفص {إلّا أن تقطع} بفتح التّاء أي إلّا أن تتقطع قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم والقلوب رفع بفعلها
وقرأ الباقون {إلّا أن تقطع} بضم التّاء على ما لم يسم فاعله أي إلّا أن يفعل ذلك بها وهما في المعنى شيء واحد). [حجة القراءات: 324]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (27- قوله: {إلا أن تقطع قلوبهم} قرأه حفص وابن عامر وحمزة بفتح التاء، وقرأ الباقون بضم التاء.
وحجة من قرأ بفتح التاء أنه جعله فعلًا لـ «القلوب»، فرفعها به، لأنها هي المتقطعة بالبلاء، فهو محمول على معنى «تبلى قلوبهم فتتقطع»، وبنى الفعل
[الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/508]
على «تنفعل»، لكن حذف إحدى التاءين لاجتماع المثلين بحركة واحدة، وماضيه «تقطعت» فهي «تنقطع».
28- وحجة من ضم التاء أنه بنى الفعل للمفعول، فرفع «القلوب» لمقامها مقام الفاعل، والفعل في الأصل مضاف إلى المقطع لها المبلي لها، فلما حذف من اللفظ ولم يسم قامت القلوب مقامه، فارتفعت بالفعل، فالمعنى: إلا أن تقطع قلوبهم بالموت والبلاء، وفي حرف أبي «حتى الممات» و«البنيان» مصدر في معنى المبني، على ما ذكرنا، وماضي الفعل في هذه القراءة «قطع» تقول: قطعت القلوب فهي تقطع، وقد ذكرنا {فيقتلون ويقتلون} «111» في آل عمران وعلته). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/509]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (29- {إلى أَن تَقَطَّعَ} [آية/ 110] بتخفيف لام {إلى} جارة غير مستثنى بها:
قرأها يعقوب وحده.
والوجه أن {إلى} جارة، وهي كحتى في المعنى، كأنه قال حتى تقطع قلوبهم، والمراد لا يزال بنيانهم ريبة في قلوبهم إلى أن تقطع قلوبهم بالموت، وأن وما بعده في تأويل المصدر، وإلى لانتهاء الغاية، والمعنى لا يزال ما اعتقدوه في بناء مسجد الضرار من الكفر لازمًا لقلوبهم حتى يموتوا.
وقرأ الباقون {إلاَّ أَن تَقَطَّعَ} بتشديد لام {إلاَّ} على أنها مستثنى بها.
والوجه أنها التي هي أداة الاستثناء، والمعنى لا يزال بناؤهم ريبة إلا وقت تقطع قلوبهم بالموت، فإنه لا تكون ريبة حينئذٍ؛ لأن الريبة تتقطع بموتهم،
[الموضح: 607]
فالاستثناء من قوله {لا يَزَالُ} ). [الموضح: 608]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (30- {تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [آية/ 110] بفتح التاء:
قرأها ابن عامر وحمزة وعاصم- ص- ويعقوب.
والوجه أنه يراد به تتقطع، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا، وإنما أسند الفعل إلى القلوب؛ لأنها هي الهالكة، كما يقال مرض زيد ومات عمرو، وإن كان الممرض والمميت هو الله تعالى، والمعنى تتقطع قلوبهم بالموت.
وقرأ الباقون {تُقَطَّعَ} بضم التاء.
والوجه أن المقطع المميت هو الله تعالى، فبنى الفعل من التقطيع لذلك، وأسند إلى المفعول به، فالقلوب في هذا الوجه اسم لما لم يسم فاعله، وهي في الوجه الأول فاعل {تَقَطَّعَ} ). [الموضح: 608]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #36  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:43 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ الآيتين (111) ، (112) ]

{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) }

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)}
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (22- وقوله تعالى: {فيقتلون ويقتلون} [111]
قرأ حمزة والكسائي {فيقتلون ويقتلون} يبدآن بالمفعول قبل الفاعلين.
والباقون يبدؤن بالفاعلين قبل المفعولين.
فإن سأل سائل في قراءة من بدأ بالمفعولين فقال: إذا قتلوا كيف يقتلون؟
فالجواب في ذلك أن العرب تقول: قتل بنو تميم بني أسد، وإنما قتل بعضهم فقتل الباقون القاتلين). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/256]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في قوله [جلّ وعزّ]: فيقتلون ويقتلون [التوبة/ 111].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر:
فيقتلون ويقتلون فاعل ومفعول. وقرأ حمزة والكسائي فيقتلون ويقتلون مفعول وفاعل.
قال أبو علي: من قال: فيقتلون ويقتلون فقدّم الفعل المسند إلى الفاعل على الفعل المسند إلى المفعول، فلأنهم يقتلون أولا في سبيل الله، ويقتلون، ولا يقتلون إذا قتلوا.
ومن قدّم الفعل المسند إلى المفعول به [على المسند
[الحجة للقراء السبعة: 4/231]
إلى الفاعل]، جاز أن يكون في المعنى مثل الذي تقدم لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم؛ فإن لم يقدّر به التقديم كان المعنى في قوله: فيقتلون بعد قوله: فيقتلون:
يقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أنّ قوله سبحانه: فما ومهنوا لما أصابهم في سبيل الله [آل عمران/ 146]: ما وهن من بقي منهم لقتل من قتل من الرّبّيّين). [الحجة للقراء السبعة: 4/232]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({بأن لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون}
قرأ حمزة والكسائيّ {فيقتلون} بضم الياء {ويقتلون} بفتح الياء يبدآن بالمفعولين قبل الفاعلين
قال أحمد بن يحيي هذا مدح لأنهم يقتلون بعد أن يقتل منهم
وقرأ الباقون {فيقتلون} بالفتح {ويقتلون} بضم الياء يبدؤون بالفاعلين قبل المفعولين وحجتهم في ذلك أن الله وصفهم بأنّهم قاتلوا أحياء ثمّ قتلوا بعد أن قاتلوا وإذا أخبر عنهم وبدأ بأنّهم قد قتلوا فمحال أن يقتلوا بعد هلاكهم هذا ما يوجبه ظاهر الكلام). [حجة القراءات: 325]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (31- {فَيُقْتَلُونَ} بضم الياء وفتح التاء {وَيَقْتُلُونَ} بفتح الياء وضم التاء [آية/ 111]، على تقديم فعل المفعولين على فعل الفاعلين:
قرأها حمزة والكسائي.
والوجه أنهم يقتلون في الغزو، ومن يبقون منهم يقتلون الكفار، كما قال
[الموضح: 608]
الله تعالى {فَمَا وهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله} أي ما وهن من بقي منهم لقتل من قتل.
ويجوز أن يكون المعنى يقتلون الكفار بعد، ثم يقتلون بعد ذلك، فقدم وأخر، وأتى بالواو؛ لأن الواو لا يقتضي ترتيبًا.
وقرأ الباقون {فَيَقْتُلُونَ} بفتح الياء وضم التاء {ويُقْتَلُونَ} بضمالياء وفتح التاء، على تقديم فعل الفاعلين على فعل المفعولين.
والوجه أنهم يقتلون الكفار أولاً ثم يستشهدون.
وهذا الوجه أظهر، والقراءة به أكثر). [الموضح: 609]

قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)}
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة الجماعة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ}، وفي قراءة أُبي وعبد الله بن مسعود، ويُروى أيضًا عن الأعمش: [التائبين العابدين].
[المحتسب: 1/304]
قال أبو الفتح: أما رفع {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} فعلى قطع واستئناف؛ أي: هم التائبون العابدون. وأما [التائبين العابدين] فيحتمل أن يكون جرًّا وأن يكون نصبًا: أما الجر فعلى أن يكون وصفًا للمؤمنين في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} [التائبين العابدين]، وأما النصب فعلى إضمار فعل لمعنى المدح؛ كأنه قال: أعني أو أمدح [التائبين العابدين]، كما أنك مع الرفع أضمرت الرافع لمعنى المدح). [المحتسب: 1/305]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #37  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:45 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة

[ من الآية (113) إلى الآية (116) ]

{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) }

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)}

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)}
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة طلحة: [وما يَسْتَغْفِرُ إبراهيمُ لأَبيه]، ورويت عنه أيضًا: [وما استَغفر إبراهيمُ لأَبيه].
قال أبو الفتح: أما [يَسْتَغْفِر] فعلى حكاية الحال، كقولك: كان زيد سيقوم، وإن كان متوقعًا منه القيام، وحكاية الحال فاشية في اللغة؛ منها قول الله عز وجل: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}، ولم يقل: أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه؛ وذلك أنه تعالى لما حكى الحال الماضية صار النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن يَسمع من بعد كالحاضرين للحال، فقال: هذا، وهذا. وقال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وهذه اللام إنمتا تدخل على فعل الحال الحاضرة، فحَكى الحال المستأنفة كما حكى السالفة). [المحتسب: 1/305]

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)}

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #38  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:46 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ الآيتين (117) ، (118) ]

{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) }

قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جل وعزّ: (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريقٍ منهم... (117)
قرأ حفص عن عاصم وحمزة (كاد يزيغ) بالياء، وقرأ الباقون (تزيغ) بالتاء.
قال أبو منصور: قد مرّ الجواب في مثل هذا في غير موضع). [معاني القراءات وعللها: 1/467]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (24- قوله تعالى: {من بعد ما كاد يزيغ قلوب} [117].
فيه ثلاث قراءات:
قرأ حمزة وحفص عن عاصم {يزيغ} بالياء، والقلوب جمع على تذكير «كاد».
وقرأ الباقون بالتاء على التقديم، والتقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق تزيغ.
وقرأ أبو عمرو {كاد تزيغ} بإدغام الدال في التاء لقرب المخرجين، يقال: زاغ قلبه وزاغ بصره وزاغ القوم وأزاغهم الله، قال الله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ومن ذلك قوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا}. قرأ عمرو بن فايد {ربنا لا تزغ قلوبنا} جعل الفعل للقلوب، وهذا لا يلتفت إليه؛ لأن الله قال في موضع آخر {أزاغ الله قلوبهم} ). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/257]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جل وعز]: كاد تزيغ [التوبة/ 117].
فقرأ حمزة وحفص عن عاصم: كاد يزيغ بالياء.
وقرأ الباقون وعاصم في رواية أبي بكر: بالتاء.
[الحجة للقراء السبعة: 4/234]
قال أبو علي: يجوز أن يكون فاعل كاد أحد ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يضمر فيه القصة أو الحديث، وتكون تزيغ الخبر.
فإن قلت: إن أصل إضمار القصة أو الحديث إنما هو في الابتداء، نحو هو الله أحد ونحو قوله [سبحانه] فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء/ 97]، ثم تدخل على الاسم المبتدأ الذي هو ضمير الحديث أو القصة العوامل التي تدخل على المبتدأ، وليس كاد من العوامل التي تدخل على المبتدأ.
قيل: جاز ذلك فيها للزوم الخبر لها، فأشبهت العوامل الداخلة على المبتدأ للزوم الخبر لها. فإن قلت: فهل يجوز أن يضمر في عسى ضمير القصة أو الحديث، لأن عسى أيضا يلزمها الخبر كما يلزم كاد.
قيل: لا يجوز ذلك لأن عسى يكون فاعله المفرد في كثير من الأمر فلا يلزمه الخبر كقوله: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [البقرة/ 216] فإذا كان فاعله المفرد في كثير من الأمر لم يحتمل الضمير الذي احتمله كاد، كما لم يحتمله سائر الأفعال التي
[الحجة للقراء السبعة: 4/235]
تسند إلى فاعليها مما لا يدخل على المبتدأ.
فأما ما يجيء في الشعر من كاد أن يفعل وعسى يفعل، فليس به اعتداد لأن هذه الأشياء التي تجيء في الضرورة غير مأخوذ بها في حال السعة، ألا ترى أنهم قالوا: إوزّ،
ومودّ، فجعلوا الأصل الإدغام ولم يقدّروا نقل الحركة فيها إلى ما قبلها، وإنما وقعت في أول أحوالها مدغمة، فدلّك هذا أنّ الإظهار في هذا النحو في الشعر لا اعتداد به، وكلّ ما أشبهه فهو على هذا الحكم، وإضمار القصة أو الحديث فيها قول سيبويه.
والوجه الثاني في فاعل كاد أن يضمّنه ذكرا مما تقدّم لمّا كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمهاجرون والأنصار قبيلا واحدا وفريقا جاز أن يضمر في كاد ما دل عليه مما تقدم ذكره من القبيل، والحزب، والفريق، ونحو ذلك من الأسماء المفردة الدالة على الجمع، وقال: منهم، فحمله على المعنى كقوله [سبحانه]:
من آمن بالله واليوم الآخر ثم قال: فلا خوف عليهم [المائدة/ 69] فكذلك فاعل كاد على هذا الوجه.
والثالث في فاعل كاد: أن يكون فاعلها القلوب، كأنه: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ولكنه قدم تزيغ
[الحجة للقراء السبعة: 4/236]
كما يقدم خبر كان في قوله تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين [الروم/ 147]، وجاز تقديمه، وإن كان فيه ذكر من القلوب، ولم يمتنع من حيث يمتنع الإضمار قبل الذكر، لما كان النية به التأخير، كما لم يمتنع: ضرب غلامه زيد، لمّا كان التقدير به التأخير، ألا ترى أن حكم الخبر أن يكون بعد الاسم، كما أن حكم المفعول به أن يكون بعد الفاعل؟
فأما من قرأ يزيغ بالياء فيجوز أن يكون ذهب إلى أنّ في كاد ضمير الحديث، فإذا اشتغل كاد بهذا الضمير ارتفع القلوب بيزيغ؛ فذكر، وإن كان فاعله مؤنثا لتقدم الفعل.
ومن قرأ بالتاء تزيغ جاز أن يكون ذهب إلى أنّ القلوب مرتفعة بكاد، فلا يكون تزيغ فعلا مقدما كما كان عند الآخرين كذلك، فإذا لم يكن مقدّما قبح التذكير لتقدّم ذكر الفاعل كما قبح:
[الحجة للقراء السبعة: 4/237]
ولا أرض أبقل إبقالها ولم يقبح: أبقل أرض، ويجوز أن يكون الفعل المسند إلى القصة والحديث يؤنث، إذا كان في الجملة التي يفسرها مؤنث، كقوله [جلّ وعز]: فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا [الأنبياء/ 97] وقوله: فإنها لا تعمى الأبصار [الحج/ 46] ألا ترى أن هي من قوله: فإذا هي شاخصة ضمير القصة، كما أن قوله [سبحانه]: هو الله في قوله:
هو الله أحد [الإخلاص/ 6] مذكر وجاز تأنيث هي* التي هي ضمير القصة لذكر الأبصار المؤنثة في الجملة التي هي التفسير، وكذلك أنّثت في قوله: فإنها لا تعمى الأبصار وكذلك يؤنّث الضمير الذي في كاد لذكر المؤنث في الجملة المفسّرة فتقول: كادت وتدغم التاء التي هي علامة التأنيث في: تاء تزيغ وتزيغ على هذا للقلوب، وهي مرتفعة به.
ويجوز إلحاق التاء في كاد من وجه آخر، وهو أن ترفع
[الحجة للقراء السبعة: 4/238]
قلوب فريق بكاد، فيلحقه علامة التأنيث من حيث كان مسندا إلى مؤنث كقوله سبحانه: قالت الأعراب [الحجرات/ 14] وتكون على هذا في تزيغ ضمير القلوب لأن النية بتزيغ التأخير). [الحجة للقراء السبعة: 4/239]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({الّذين اتّبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم}
قرأ حمزة وحفص {من بعد ما كاد يزيغ} بالياء وقرأ الباقون بالتّاء
اعلم أن فعل جماعة يتقدّم لمذكر أو مؤنث إن شئت أنثت فعله إذا قدمته وإن شئت ذكرته كما قال جلّ وعز {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} و{لا يحل لك النّساء} فإذا أنثت أردت جماعة وإذا ذكرت أردت جمعا ومن قرأ {يزيغ} بالياء جعل في كاد اسما وترتفع القلوب ب {يزيغ} والتّقدير كاد الأمر يزيغ قلوب فريق منهم وإنّما قدرنا هذا التّقدير لأن كاد فعل ويزيغ فعل والفعل لا يلي الفعل وعلى هذه القراءة لا يجوز أن يرتفع القلوب ب كاد ومن قرأ بالتّاء ارتفعت القلوب ب كاد
[حجة القراءات: 325]
فلا يجوز حينئذٍ إلّا تزيغ بالتّاء لأن فيه إضمارا للقلوب ومعناه التّأخير والتّقدير من بعدما كاد قلوب فريق منهم تزيغ ومن رفع القلوب ب تزيغ أضمر في كاد الأمر كما ذكرنا في قراءة حمزة وحجّة التّاء قوله {وتطمئن قلوبنا} ولم يقرأ أحد بالياء في هذا الموضع
مسألة فإن قيل لم أنث تزيغ ولم تؤنث كاد وهما فعلان
الجواب قال الفراء {كاد} فعل و(تزيغ) فعل فلك أن تذكرهما جميعًا ولك أن تؤنثهما جميعًا فلمّا كان لك الوجهان ذكرت الأول لأن بعده فعلا آخر ملتزما بالقلوب فذكرت الأول لأنّه تباعد من القلوب وأنثت الّذي بجنب القلوب
وقال آخرون {كاد} ليس بفعل متصرف ولا يكادون يقولون منه فاعلا ولا مفعولا به فذكرته وأنثت (تزيغ) لأنّه فعل مستقبل متصرف). [حجة القراءات: 326]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (30- قوله: {كاد يزيغ} قرأه حفص وحمزة بالياء، على تذكير الجمع، كما قال: {وقال نسوة} «يوسف 30» وفي «كاد» إضمار الحديث، فارتفعت «القلوب» بـ «يزيغ»، ولأجل هذا الإضمار جاز أن يلي «يزيغ» كاد، كأن ذلك المضمر حالًا بينهما، وصارت {يزيغ قلوب} خبر «كاد» ويجوز أن ترتفع «القلوب» بـ «كاد»، ويقدر في «يزيغ» التأخير، والتقدير: من بعد ما كادت قلوب فريق منهم تزيغ، وهذا التقدير في قراءة من قرأ بالتاء يحسن، وهم الباقون من القراء غير حمزة وحفص، لتأخير الفعل به بعد المؤنث، وجاز تقديم «تزيغ» إلى «كاد» كما جاز تقديم خبر كان في قولك: كان قائمًا زيد، لكن التقديم مع الفعل فيه قبح، لو قلت: كان يقوم زيد على أن تجعل «يقوم» خبر كان، و«زيد» اسمها قبح، لأن الفعل يقوي فيعمل في الاسم بعده، فإنما يحسن هذا على أن تضمر في «كان» الحديث أو الخبر، وتكون الجملة من الفعل والفاعل خبر كان، وقد اختلف في نحو هذا في قوله تعالى: {وأنه كان يقول سفيهنا} «الجن 4» فقيل: إن في كان اسمها، أي: كان الحديث أو الأمر أو الخبر يقول سفيهنا، فالجملة من الفعل والفاعل على الخبر، وقيل: بل «سفيهنا» اسم كان، و«يقول» خبر مقدم على الاسم، وفيه بعد.
وحجة من قرأ بالتاء أنه أنَّث لتأنيث الجماعة كما قال: {قالت الأعراب} «الحجرات 14» والكلام على «كاد وتزيغ» مثلما تقدم، وهو الاختيار،
[الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/510]
لأن الجماعة عليه). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/511]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (33- {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ} [آية/ 117] بالتاء:
قرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ويعقوب (وعاصم- ياش-).
والوجه أن في {كَادَ} ضمير الشأن أو الحديث، فالفعل مشغول بضميره، و{تَزِيغُ} فعل القلوب، وهي مؤنثة لكونها جماعة، فلهذا ذكر الفعل الأول وهو {كَادَ وأنث الفعل الثاني وهو {تَزِيغُ}.
ويجوز أن تكون القلوب فاعل {كَادَ ولم يؤنث {كَادَ} لتقدم الفعل، و{تَزِيغُ} فعل القلوب أيضًا، لكنه مؤخر عنها في التقدير؛ لأن التقدير كاد قلوب فريق منهم تزيغ، فلتأخر الفعل أنث الضمير في {تَزِيغُ}.
وقرأ حمزة و- ص- عن عاصم {كَادَ يَزِيغُ} بالياء.
والوجه أن في {كَادَ} ضمير الشأن، و{يَزِيغُ} فعل القلوب وهي مؤنثة، لكن الفعل مقدم، فجاز تذكيره لتقدمه، سيما والتأنيث غير حقيقي). [الموضح: 610]

قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)}
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة الناس: {الَّذِينَ خُلِّفُوا}، وقرأ: [خَلَفُوا] -بفتح الخاء واللام خفيفة- عكرمة وزر بن حُبيش وعمرو بن عبيد، ورُويت عن أبي عمرو، قرأ: [خالَفُوا]
[المحتسب: 1/305]
أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وأبو عبد الرحمن السلمي.
قال أبو الفتح: من قرأ: [خَلَفُوا] فتأويله: أقاموا ولم يبرحوا، ومَن قرأ: [خالَفُوا] فمعناه عائد إلى ذلك؛ وذلك أنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا هناك). [المحتسب: 1/306]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #39  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:47 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (119) إلى الآية (121) ]

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) }

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)}

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)}

قوله تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #40  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:49 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ الآيتين (122) ، (123) ]
{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) }

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (وليجدوا فيكم غلظةً... (123)
روى المفضل عن عاصم (غلظةً) بفتح الغين، وقرأ الباقون (غلظةً) بكسر الغين.
قال أبو منصور: هما لغتان: (غلظةً)، و(غلظةً). وأجودهما الكسر.
وفيه لغة ثالثة لم يقرأ بها (غلظةً) بالضم. فلا تقرأ بها.
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني ويبدأ بسورة يونس). [معاني القراءات وعللها: 1/469]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (25- وقوله تعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} [123].
قرأ عاصم وحده في رواية المفضل {غلظة} بفتح العين.
[إعراب القراءات السبع وعللها: 1/257]
وقرأ الباقون بالكسر.
وقرأ أبان بن تغلب ويكنى أبا سعد -: «غلظة» بالضم وهن لغات ثلاث غلظة وغلظة وغظلة بمعنى واحد مثل ركوة وربوة). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/258]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (قال أحمد: حدثني أحمد بن علي الخزّاز قال: حدثني محمد بن يحيى القطعيّ قال: حدثنا سعيد ابن أوس عن المفضل عن عاصم: أنه قرأ: غلظة [التوبة/ 123] بفتح الغين.
وقرأ الباقون: غلظة بكسر الغين.
قال أبو علي قوله: وليجدوا فيكم غلظة في المعنى مثل قوله سبحانه: جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [التوبة/ 73] [وقوله: والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم] [الفتح/ 29] وقوله: أذلة على المؤمنين أعزة على
[الحجة للقراء السبعة: 4/241]
الكافرين [المائدة/ 54] أي: لا ينقادون لهم ولا يخفضون لهم جناحا وأذلة على المؤمنين، أي: يذلون لهم ذل الخضوع، فيتركون الترفع عليهم؛ فهذا قريب من قوله: رحماء بينهم، ولم يرد بقوله: أذلة على المؤمنين ذلّ الهوان، ولكن الذلّ الذي يقتضيه الدين من إلانة الجانب له، وتسوّيه به.
قال أبو الحسن: غلظة: قراءة الناس بالكسر، وهي العربية، وبها نقرأ.
قال: ولا أعلم غلظة إلا لغة، وقال غيره: هي لغة). [الحجة للقراء السبعة: 4/242]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (34- {غَلْظَةً} [آية/ 123] بفتح الغين:
قرأها عاصم في رواية المفضل، وقرأ الباقون {غِلْظَةً} بكسر الغين.
والوجه أنهما لغتان بالفتح والكسر، (والكسر) أكثر). [الموضح: 611]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #41  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:51 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ من الآية (124) إلى الآية (127) ]

{ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) }

قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)}

قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)}

قوله تعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (أولا يرون أنّهم يفتنون... (126).
قرأ حمزة ويعقوب (أولا ترون) بالتاء، وقرأ الباقون (أولا يرون) بالياء.
قال أبو منصور: من قرأ بالتاء فالخطاب للنبي صلى الله عليه وأصحابه، ومن قرأ بالياء فالفعل للمنافقين الذين جرى ذكرهم، والمعنيان متقاربان). [معاني القراءات وعللها: 1/467]
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن خالويه الهمَذاني (ت: 370هـ): (26- وقوله تعالى: «أو لا يرون أنهم يفتنون» [126].
قرأ حمزة وحده {أولا ترون....} بالتاء، أي: أنتم فقط، جعل الرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعظة لهم، وقرأ الباقون: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} فيعتبروا ويقروا بالتوحيد، ومعنى الافتتان هاهنا: الاختبار وقيل معنى {يفتنون في كل عام}: يمرضون). [إعراب القراءات السبع وعللها: 1/258]
قال أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ (ت: 377هـ): (قال أحمد: قرأ حمزة وحده: أولا ترون [التوبة/ 126] بالتاء، وقرأ الباقون يرون بالياء.
قال أبو علي: أولا ترون: تنبيه، قال سيبويه عن الخليل: في قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة [الحج/ 63] المعنى: انتبه أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا وكذا، وليس قوله: فتصبح جوابا بالفاء.
ووجه قراءة حمزة: أن المؤمنين نبّهوا على إعراض المنافقين عن النظر، والتدبّر لما ينبغي أن ينظروا فيه ويتدبروه، وذلك أنهم يمتحنون بالأمراض، والأسباب التي لا يؤمن معها
[الحجة للقراء السبعة: 4/232]
الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم، ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، ولا يقدمون عملا صالحا يقدمون عليه إذا ماتوا؛ فنبّه المسلمون على قلّة اعتبارهم واتعاظهم.
ومن قال: أولا يرون كان هذا التقريع بالإعراض عما يجب ألا يعرضوا عنه من التوبة والإقلاع عمّا هم عليه من النفاق لاحقا لهم من غير أن يصرف التنبيه إلى المسلمين في الخطاب، لأنّ المسلمين قد عرفوا ذلك من أمرهم، وكان الأولى أن يلحق التنبيه فعل من يراد تنبيهه وتقريعه بتركه ما ينبغي أن يأخذ به.
ومن قال: يرون وترون* جميعا احتمل أن يكون من رؤية العين، وأن تكون المتعدّية إلى مفعولين، فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سدّ أنّ، مسدّهما، وأن يكون من رؤية العين أولى، لأنهم يستبطئون في مشاهدة ذلك، والإعراض عنه على ترك الاعتبار به وهذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المضرب عما يشاهد ويحس.
ولو قرأ قارئ: أولا يرون فبنى الفعل للمفعول به، كان أن* في موضع نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وذلك أنك تقول: رأى عمرو كذا، وتقول: أريت
[الحجة للقراء السبعة: 4/233]
عمرا كذا، فتعدّيه إلى مفعولين بالنقل، فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدى إلى مفعول واحد، كالدرهم في قولك:
أعطي زيد درهما. ولا يكون يرون* هنا التي في قولك:
أرى زيدا منطلقا، لأن المعنى ليس على: يظنون أنهم يفتنون في كل عام، إنّما المعنى على أنهم يشاهدون ذلك فيعلمونه علم مشاهدة، وليس المعنى أنهم يظنّون الفتنة في كل عام، لأن ظنّ الفتنة ليس بموضع اعتبار، وإنما قرّعوا على ترك الاعتبار بالمشاهد، وأنهم مع ذلك لا يتوبون ولا هم يتذكرون، فيعتبروا به، وينتهوا عما يلزمهم الانتهاء عنه والإقلاع فبهذا كان يكون وجه من ضمّ الياء في ترونه، ولا أدري أقرأ به أم لم يقرأ). [الحجة للقراء السبعة: 4/234]
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد ابن زنجلة (ت: 403هـ) : ({أو لا يرون أنهم يفتنون}
قراءة حمزة (أولا ترون) بالتّاء أي أنتم معشر المؤمنين أنهم يفتنون يعني المنافقين
وقرأ الباقون {أو لا يرون} بالياء أي أولا يرى المنافقون أنهم يفتنون أي يمتحنون بالمرض من كل عام مرّة أو مرّتين). [حجة القراءات: 326]
قال مكي بن أبي طالب القَيْسِي (ت: 437هـ): (29- قوله: {أولا يرون} قرأ حمزة بالتاء على المخاطبة من الله للمؤمنين، والتنبيه لهم ع لى ما يعرض للمنافقين من الفتن، وهم لا يزدجرون بها عن نفقاتهم، وقرأ الباقون بالياء على الإخبار عن المنافقين لتقدم ذكرهم، وفي الكلام معنى التوبيخ لهم، والتقريع على تماديهم على نفاقهم مع ما يرون من الفتن والمحن في أنفسهم، فلا يتوبون من نفاقهم، ويكون «يرى» من رؤية العين أو من رؤية القلب، وتسد «أن» مسد المفعولين، وكونه من رؤية العين أحسن، لأنه علم لا يدخله ريب، فذلك أقوى عليهم في الحجة، والياء الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأن رؤيتهم لما يحل بهم أعظم في الحجة عليه
[الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/509]
من رؤية غيرهم لما يحل بهم). [الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/510]
قال نصر بن علي بن أبي مريم (ت: بعد 565هـ) : (32- {أَوَلا تَرَوْنَ} [آية/ 126] بالتاء:
قرأها حمزة ويعقوب.
والوجه أنه على خطاب النبي صلى الله عليه (وسلم) وللمؤمنين، والمعنى أولا ترون أيها المؤمنون أن المنافقين يفتنون في كل عام، أي يمنحون بالأمراض والشدائد والأسباب التي يخاف معها الموت، فلا يرجعون عن كفرهم ونفاقهم، فهذا تنبيه للمؤمنين على حال المنافقين وقلة اعتبارهم واتعاظهم.
وقرأ الباقون {أَوَلا يَرَوْنَ} بالياء.
[الموضح: 609]
والوجه أن التنبيه ملحق بالمنافقين دون المؤمنين؛ لأن الأولى تنبيه من يراد توبيخه بتركه الانزجار والاتعاظ، فالمنافقون هم الموصوفون بأنهم يمتحنون فلا ينزجرون، فالأولى تنبيههم). [الموضح: 610]

قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)}
قال أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: 370هـ): (وقوله جلّ وعزّ: (وإذا ما أنزلت سورةٌ (127)
[معاني القراءات وعللها: 1/467]
و (بما أنزل إليك) و(ما أنزل على الملكين) و(كلّما أضاء لهم) و(بما أوحينا إليك) و(تلقاء أصحاب النّار) ونظائر هذه الحروف، كقوله: (لا أعبد) و(ما أعبد) و(ما أرى) و(لا أقول لكم).
فابن كثير ويعقوب لا يمدان منها شيئًا، بل يقصرانها في جميع القرآن، وكان نافع وأبو عمرو أيضًا لا يمدان حرفًا لحرفٍ إلا أنهما يقرآنها مشبعةً قليلاً لتظهر الهمزة التي تلي الحرف الذي لو سكت عليه كان قصرًا، مثل: (هؤلا) و(يا بني إسرايل) ونحوهن، فإذا وصلا هذه الحروف بما بعدها مكناها فقرآ (بما أنزل إليك وما أنزل) و(لا أقول)، و(لا أعبد)، و(ولا أنتم عابدون)، و(يا بني إسرائيل)، و(إني أراكم)، و(اتبعوني أهدكم)، وما كان من نحوهن قراءة متمكنة غير ممدودة..
[معاني القراءات وعللها: 1/468]
وأما ابن عامر والكسائي فمذهبهما في هذه الحروف التوسط والتمكين، قريبان من مذهب أبي عمرو.
وكان عاصم وحمزة يمدان حرفًا لحرف مدٍّ تامًا حسنًا غير خارج من حقه إلى الإفراط، وكل من قرأ لحمزة فأفرط في المد حتى يزول بإفراطه من وجه الصواب فقد خرج من قراءة حمزة، وخالف مذهبه ومنهاجه، فافهمه.
وقرأ يحيى عن أبي بكر عن عاصم في مدّ حرف لحرف ما يشبه قراءة الذين مكنوا الحروف ولم يمدوا المدّ التام.
قال أبو منصور: الاختيار في هذه الحروف مذهب نافع وأبي عمرو من التمكن دون المد، ومن قرأ بحرف ابن كثير فهو مصيب، وأما من قرأ بحرف حمزة فأفرط في المدّ فليس من كلام العرب). [معاني القراءات وعللها: 1/469]

روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
  #42  
قديم 8 صفر 1440هـ/18-10-2018م, 02:52 PM
جمهرة علوم القرآن جمهرة علوم القرآن غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 7,973
افتراضي

سورة التوبة
[ الآيتين (128) ، (129) ]

{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) }

قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}
قال أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت: 392هـ): (ومن ذلك قراءة عبد الله بن قُسَيْط المكي: [لقد جاءكم رسولٌ من أَنْفَسِكم].
قال أبو الفتح: معناه: من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع؛ أي: أجوده وخياره، واشتقه من النفس؛ وهي أشرف ما في الإنسان). [المحتسب: 1/306]

قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)}


روابط مهمة:
- أقوال المفسرين


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:03 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة