عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 20 شعبان 1435هـ/18-06-2014م, 11:02 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي باب آداب المتعلّم

آداب المتعلّم

قال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ):
(باب آداب المتعلّم

أمّا آدابه في نفسه ودرسه فكآداب المعلم، وقد أرضحناها وينبغي أن يطهّر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه واستثماره.
ففي الصّحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
« إنّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب ».
وقالوا
: « تطييب القلب للعلم كتطيب الأرض للزّراعة »
وينبغي أن يقطع العلائق الشّاغلة عن كمال الاجتهاد في التّحصيل ويرضى باليسير من القوت ويصبر على ضيق العيش.
قال الشّافعيّ رحمه اللّه تعالى:
« لا يطلب أحدٌ هذا العلم بالملك وعزّ النّفس فيفلح ولكن من طلبه بذلّ النّفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح ».
وقال أيضًا:
« لا يدرك العلم إلّا بالصّبر على الذّلّ ».
وقال أيضًا:
« لا يصلح طلب العلم إلّا لمفلسٍ فقيل: ولا الغنيّ المكفّى فقال: ولا الغنيّ المكفّى ».
وقال مالك بن أنسٍ رحمه اللّه:
« لا يبلغ أحدٌ من هذا العلم ما يريد حتّى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء ».
وقال أبو حنيفة رحمه اللّه:
« يستعان على الفقه بجمع الهم ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد ».
وقال إبراهيم الآجرّيّ:
« من طلب العلم بالفاقة ورث الفهم ».
وقال الخطيب البغداديّ في كتابه الجامع لآداب الرّاوي والسّامع:
يستحبّ للطّالب أن يكون عزبًا ما أمكنه لئلّا يقطعه الاشتغال بحقوق الزّوجة والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم واحتجّ بحديث، خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ وهو الّذي لا أهل له ولا ولد.
وعن إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه:
« من تعوّد أفخاذ النّساء لم يفلح يعني اشتغل بهنّ ».
وهذا في غالب النّاس لا الخواصّ.
وعن سفيان الثّوريّ:
« إذا تزوّج الفقيه فقد ركب البحر فإن ولد له فقد كسر به ».
وقال سفيان لرجلٍ:
« تزوّجت؟ فقال: لا، قال: ما تدري ما أنت فيه من العافية ».
وعن بشرٍ الحافي رحمه اللّه:
« من لم يحتج إلى النّساء فليتّق اللّه ولا يألف أفخاذهنّ »
(قلت) هذا كلّه موافقٌ لمذهبنا فإنّ مذهبنا أنّ من لم يحتج إلى النّكاح استحبّ له تركه وكذا إن احتاج وعجز عن مؤنته.
وفي الصّحيحين عن أسامة بن زيدٍ رضي اللّه عنهما عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
« ما تركت بعدي فتنةً هي أضرّ على الرّجال من النّساء » وفي صحيح مسلمٍ عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « إنّ الدّنيا حلوةٌ خضرةٌ وإنّ اللّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتّقوا الدّنيا واتّقوا النّساء فإنّ أوّل فتنة بني إسرائيل كانت في النّساء ».
وينبغي له أن يتواضع للعلم والمعلّم فبتواضعه يناله.
وقد
أمرنا بالتّواضع مطلقًا فهنا أولى.
وقد قالوا:
« العلم حربٌ للمتعالي كالسّيل حربٌ للمكان العالي ».
وينقاد لمعلّمه ويشاوره في أموره ويأتمر بأمره كما ينقاد المريض لطبيبٍ حاذقٍ ناصحٍ وهذا أولى لتفاوت
مرتبتهما.
قالوا:
« ولا يأخذ العلم إلّا ممّن كملت أهليّته وظهرت ديانته وتحقّقت معرفته واشتهرت صيانته وسيادته ».
فقد قال ابن سيرين ومالكٌ وخلائق من السّلف:
« هذا العلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم ».
ولا يكفي في أهليته التّعليم أن يكون كثير العلم بل ينبغي مع كثيرة علمه بذلك الفنّ كونه له معرفةً في الجملة بغيره من الفنون الشّرعيّة فإنّها مرتبطةٌ ويكون له دربةٌ ودينٌ وخلقٌ جميلٌ وذهنٌ صحيح واطلاع تام.
قالوا:
« ولا تأخذ العلم ممّن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءةٍ على شيوخٍ أو شيخٍ حاذقٍ فمن لم يأخذه إلّا من الكتب يقع في التّصحيف ويكثر منه الغلط والتّحريف »
وينبغي أن ينظر معلّمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليّته ورجحانه على اكثر طبقته فهو أقرب إلى انتفائه به ورسوخ ما سمعه منه في ذهنه.
وقد كان بعض المتقدّمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال اللّهمّ استر عيب معلّمي عنّي ولا تذهب بركة علمه منّي.
وقال الشّافعيّ رحمه اللّه:
« كنت أصفح الورقة بين يدي مالكٍ رحمه اللّه صفحًا رفيقًا هيبةً له لئلّا يسمع وقعها »
وقال الرّبيع: « واللّه ما اجترأت أن أشرب الماء والشّافعيّ ينظر إليّ هيبةً له ».
وقال حمدان بن الاصفهانى:
كنت عند شريكٍ رحمه اللّه فأتاه بعض أولاد المهديّ فاستند إلى الحائط وسأله عن حديثٍ فلم يلتفت إليه وأقبل علينا ثمّ عاد فعاد لمثل ذلك فقال: أتستخفّ بأولاد الخلفاء فقال شريكٌ لا ولكنّ العلم أجلّ عند الله تعالى من أن أضعه فبحثا على ركبتيه فقال شريكٌ: « هكذا يطلب العلم ».
وعن عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه تعالى عنه قال: من حقّ العالم عليك أن تسلّم على القوم عامّةً وتخصّه بالتّحيّة وأن تجلس أمامه ولا تشيرنّ عنده بيدك ولا تعمدنّ بعينك غيره ولا تقولنّ قال فلانٌ خلاف قوله ولا تغتابنّ عنده أحدًا ولا تسارّ في مجلسه ولا تأخذ بثوبه ولا تلحّ عليه إذا كسل ولا تشبع من طول صحبته فإنّما هو كالنّخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء

ومن آداب المتعلم ان يتحرى رضى المعلّم وإن خالف رأي نفسه ولا يغتاب عنده ولا يفشي له سرًّا.
وأن يردّ غيبته إذا سمعها فإن عجز فارق ذلك المجلس.
وألّا يدخل عليه بغير إذنٍ وإذا دخل جماعةٌ قدّموا أفضلهم وأسنّهم.
وأن يدخل كامل الهيبة فارغ القلب من الشّواغل متطهّرًا متنظّفًا بسواكٍ وقصّ شاربٍ وظفرٍ وإزالة كريه رائحةٍ.
ويسلّم على الحاضرين كلّهم بصوتٍ يسمعهم
إسماعًا محقّقًا.
ويخصّ الشّيخ بزيادة إكرامٍ وكذلك يسلّم إذا انصرف.
ففي الحديث الأمر بذلك ولا التفات إلى من أنكره.
وقد أوضحت هذه المسألة في كتاب الأذكار.
ولا يتخطّى رقاب النّاس ويجلس حيث انتهى به المجلس إلّا أن يصرّح له الشّيخ أو الحاضرون بالتّقدّم والتّخطّي أو يعلم من حالهم إيثار ذلك.
ولا يقيم أحدًا من مجلسه فإن آثره غيره بمجلسه لم يأخذه إلّا أن يكون في ذلك مصلحةٌ للحاضرين بأن يقرب من الشّيخ ويذاكره مذاكرةً ينتفع الحاضرون بها.
ولا يجلس وسط الحلقة إلّا لضرورةٍ.
ولا بين صاحبين إلّا برضاهما.
وإذا فسح له قعد وضمّ نفسه.
ويحرص على
القرب من الشّيخ ليفهم كلامه فهمًا كاملًا بلا مشقّةٍ وهذا بشرط أن لا يرتفع في المجلس على أفضل منه.
ويتأدّب مع رفقته وحاضري المجلس فإنّ تأدّبه معهم تأدّبٌ مع الشّيخ واحترامٌ لمجلسه.
ويقعد قعدة المتعلّمين لا قعدة المعلّمين.
ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجةٍ ولا يضحك ولا يكثر الكلام بلا حاجةٍ.
ولا يعبث بيده ولا غيرها.
ولا يلتفت بلا حاجةٍ بل يقبل على الشّيخ مصغيًا إليه ولا يسبقه إلى شرح مسألةٍ أو جواب سؤال إلّا أن يعلم من حال الشّيخ إيثار ذلك ليستدلّ به على فضيلة المتعلّم ولا يقرأ عليه شغل قلب الشيخ وملله وغمه ونعاسه واستيفازه ونحو ذلك ممّا يشقّ عليه أو يمنعه استيفاء الشرح ولا يسئله عن شيء في غير موضعه إلّا أن يعلم من حاله أنّه لا يكرهه ولا يلحّ في السّؤال إلحاحًا مضجرًا.

ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه.
ويتلطّف في سؤاله.
ويحسن خطابه ولا يستحي من السّؤال عمّا أشكل عليه بل يستوضحه أكمل استيضاحٍ فمن رقّ وجهه رقّ علمه ومن رقّ وجهه عند السّؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرّجال.
وإذا قال له الشيح أفهمت فلا يقل نعم حتّى يتّضح له المقصود إيضاحًا جليًّا لئلّا يكذب ويفوته الفهم.
ولا يستحي من قوله لم أفهم لأنّ استثباته يحصّل له مصالح عاجلةً وآجلةً.
فمن العاجلة حفظه المسألة وسلامته من كذبٍ ونفاقٍ بإظهاره فهم ما لم يكن فهمه

ومنها اعتقاد الشّيخ اعتناءه ورغبته وكمال عقله وورعه وملكه لنفسه وعدم نفاقه.
ومن الآجلة ثبوت الصّواب في قلبه دائمًا واعتياده هذه الطّريقة المرضية والأخلاق الرّضيّة.

وعن الخليل بن أحمد رحمه اللّه منزلة الجهل بين الحياء والأنفة.
وينبغي إذا سمع الشّيخ يقول مسألةً أو يحكي حكايةً وهو يحفظها أن يصغي لها إصغاء

من لم يحفظها إلّا إذا علم من حال الشّيخ إيثاره علمه بأنّ المتعلّم حافظها.
وينبغي أن يكون حريصا على التعليم مواظبًا عليه في جميع أوقاته ليلًا ونهارًا حضرا وسفرا ولا يذهب من أوقاته شيئًا في غير العلم إلّا بقدر الضّرورة لأكلٍ ونومٍ قدرًا لا بد منه ونحوهما كاستراحة يسيرة لا زالة الملل وشبه ذلك من الضّروريّات وليس بعاقلٍ من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثمّ فوّتها.

وقد قال الشّافعيّ رحمه اللّه في رسالته: « حقٌّ على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصّبر على كلّ عارضٍ دون طلبه وإخلاص النّيّة للّه تعالى في إدراك علمه نصًّا واستنباطًا والرّغبة إلى اللّه تعالى في العون عليه ».
وفي صحيح مسلمٍ عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال: « لا يستطاع العلم براحة الجسم ذكره في أوائل مواقيت الصّلاة ».
قال الخطيب البغداديّ: « أجود أوقات الحفظ الأسحار ثمّ نصف النّهار ثمّ الغداة وحفظ اللّيل أنفع من حفظ النّهار ووقت الجوع أنفع من وقت الشّبع ».
قال:
« وأجود أماكن الحفظ الغرف وكلّ موضعٍ بعد عن الملهيات »
قال:
« وليس بمحمودٍ الحفظ بحضرة النّبات والخضرة والأنهار، وقوارع الطّرق لأنّها تمنع غالبًا خلوّ القلب ».
وينبغي أن يصبر على جفوة شيخه وسوء خلقه ولا يصدّه ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله ويتأول لا فعاله الّتي ظاهرها الفساد تأويلاتٍ صحيحةً فما يعجز عن ذلك إلّا قليل التّوفيق.
وإذا جفاه الشّيخ ابتدأ هو بالاعتذار وأظهر أنّ الذّنب له والعتب عليه فذلك أنفع له دينًا ودنيا وأبقى لقلب شيخه.
وقد قالوا: من لم يصبر على ذلّ التّعلّم بقي عمره في
عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزالآخرة والدّنيا ومنه الأثر المشهور عن ابن عبّاسٍ رضى الله عنهما: « ذلك طالبًا فعزّزت مطلوبًا »
ومن آدابه الحلم والأناة وأن يكون همّته عاليةً فلا يرضى باليسير مع امكان كثير وأن لا يسوّف في اشتغاله ولا يؤخّر تحصيل فائدةٍ وإن قلّت إذا تمكّن منها وإن أمن حصولها بعد ساعةٍ لأنّ للتّأخير آفات ولا نه في الزّمن الثّاني يحصّل غيرها.
وعن الرّبيع قال:
« لم أر الشّافعيّ آكلًا بنهارٍ ولا نائما بليل لا هتمامه بالتّصنيف، ولا يحمّل نفسه ما لا تطيق مخافة الملل وهذا يختلف باختلاف النّاس، وإذا جاء مجلس الشّيخ فلم يجده انتظره ولا يفوّت درسه إلّا أن يخاف كراهة الشّيخ لذلك بأن يعلم من حاله الإقراء في وقتٍ بعينه فلا يشقّ عليه بطلب القراءة في غيره ».
قال الخطيب:
« وإذا وجده نائمًا لا يستأذن عليه بل يصبر حتّى يستيقظ أو ينصرف والاختيار الصّبر كما كان ابن عبّاسٍ والسّلف يفعلون ».
وينبغي أن يغتنم التّحصيل في وقت الفراغ والنّشاط وحال الشّباب وقوّة البدن ونباهة الخاطى وقلّة الشّواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة.
فقد روينا عن عمر رضي اللّه عنه تفقّهوا قبل أن تسودوا.
وقال الشّافعيّ:
« تفقّه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التّفقّه ».
ويعتني بتصحيح درسه الّذي يتحفّظه تصحيحًا متقنًا على الشّيخ ثمّ يحفظه حفظًا محكما ثم بعد حفظه يكرّره مرّاتٍ ليرسخ رسوخًا متأكّدًا ثمّ يراعيه بحيت لا يزال محفوظا جيدا ويبتدأ درسه بالحمد للّه والصّلاة على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والدّعاء للعلماء ومشايخه ووالديه وسائر المسلمين ويبكّر بدرسه لحديث اللّهمّ بارك لا متى في بكورها ويداوم على تكرار محفوظاته ولا يحفظ ابتداءً من الكتب استقلالًا بل يصحّح على الشّيخ كما ذكرنا فالاستقلال بذلك من أضرّ المفاسد.
وإلى هذا أشار الشّافعيّ رحمه اللّه بقوله:
« من تفقّه من الكتب ضيّع الأحكام، وليذاكر بمحفوظاته وليدم الفكر فيها ويعتني بما يحصّل فيها من الفوائد وليرافق بعض حاضري حلقة الشّيخ في المذاكرة ».
قال الخطيب:
« وأفضل المذاكرة مذاكرة اللّيل وكان جماعةٌ من السلف يفعلون ذلك وكان جماعة منهم يبدؤن من لعشاء فربّما لم يقوموا حتّى يسمعوا أذان الصّبح ».
وينبغي أن يبدأ من دروسه على المشايخ.
وفي الحفظ والتّكرار والمطالعة بالأهمّ فالأهمّ.
وأوّل ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهمّ العلوم وكان السّلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالًا يؤدّي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنّسيان.
وبعد حفظ القرآن يحفظ من كلّ فنٍّ مختصرًا ويبدأ بالأهمّ ومن أهمّها الفقه والنّحو ثمّ الحديث والأصول ثمّ الباقي على ما تيسّر ثمّ يشتغل باستشراح محفوظاته ويعتمد من الشّيوخ في كلّ فن أكملهما في الصّفات السّابقة فإن أمكنه شرح دروسٍ في كلّ يومٍ فعل وإلّا اقتصر على الممكن من درسين أو ثلاثةٍ وغيرها فإذا اعتمد شيخًا في فنٍّ وكان لا يتأذّى بقراءة ذلك الفنّ على غيره فليقرأ أيضًا على ثانٍ وثالثٍ وأكثر ما لم يتأذّوا فان تأذ المعتمد اقتصر عليه وراعى قلبه فهو أقرب إلى انتفاعه.
وقد قدّمنا أنّه ينبغي
أن لا يتأذّى من هذا.
وإذا بحث المختصرات انتقل إلى بحثٍ أكبر منها مع المطالعة المتقنة والعناية الدّائمة المحكمة وتعليق ما يراه من النّفائس.
والغرائب وحلّ المشكلات ممّا يراه في المطالعة أو يسمعه
من الشّيخ ولا يحتقرنّ فائدةً يراها أو يسمعها في أيّ فنٍّ كانت بل يبادر إلى كتابتها ثمّ يواظب على مطالعة ما كتبه وليلازم حلقة الشّيخ وليعتن بكلّ الدّروس ويعلّق عليها ما أمكن فإن عجز اعتنى بالأهمّ ولا يؤثر بنوبته فإنّ الإيثار بالقرب مكروهٌ فإن رأى الشّيخ المصلحة في ذلك في وقت فأشاربه امتثل أمره: وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم من الطّلبة إلى مواطن الاشتغال والفائدة ويذكر لهم ما استفاده على جهة النّصيحة والمذاكرة وبارشادهم يبارك له في علمه ويستنير قلبه وتتأكّد المسائل معه مع جزيل ثواب اللّه عزّ وجل ومن بخل بذلك كان بضدّه فلا يثبت معه وإن ثبت لم يثمر.
ولا يحسد أحدًا ولا يحتقره ولا يعجب بفهمه وقد قدّمنا هذا في آداب المعلّم

فإذا فعل ما ذكرناه وتكاملت أهليّته واشتهرت فضيلته اشتغل بالتّصنيف وجدّ في الجمع والتّأليف محقّقًا كلّ ما يذكره متثبّتًا في نقله واستنباطه متحرّيًا إيضاح العبارات وبيان المشكلات مجتنبا العبارات الرّكيكات.
والأدلّة الواهيات.
مستوعبًا معظم أحكام ذلك الفن غير مخل بشيء من أصوله منبّهًا على القواعد فبذلك تظهر له الحقائق وتنكشف المشكلات ويطّلع على الغوامض وحلّ المعضلات ويعرف مذاهب العلماء والرّاجح من المرجوح ويرتفع عن الجمود على محض التّقليد ويلتحق بالأئمّة المجتهدين أو يقاربهم إن وفّق لذلك وباللّه التّوفيق
فصلٌ في آدابٍ يشترك فيها العالم والمتعلّم

ينبغي لكلّ واحدٍ منهما أن لا يخلّ بوظيفته لعروض مرضٍ خفيفٍ ونحوه ممّا يمكن معه الاشتغال ويستشفي بالعلم ولا يسئل أحدًا تعنّتًا وتعجيزًا: فالسّائل تعنّتًا وتعجيزًا لا يستحق جوابا وفي الحديث النّهي عن غلوطات المسائل وأن يعتني بتحصيل الكتب شراءً واستعارةً ولا يشتغل بنسخها إن حصلت بالشّراء لأنّ الاشتغال أهمّ إلّا أن يتعذّر الشّراء لعدم الثّمن أو لعدم الكتاب مع نفاسته فيستنسخه وإلّا فلينسخه
ولا يهتم بتحسين الخط بل بتصحيحه.
ولا يرتضى مع إمكان تحصيله ملكًا فإن استعاره لم يبطئ به لئلّا يفوّت الانتفاع به على صاحبه ولئلّا يكسل عن تحصيل الفائدة منه ولئلا يمتنع من إعارته غيره وقد جاء في ذمّ الإبطاء بردّ الكتب المستعارة عن السّلف أشياء كثيرةٌ نثرًا ونظمًا.
ورويناها في كتاب الخطيب الجامع لا خلاق الرّاوي والسّامع.
منها عن الزّهريّ إيّاك وغلول الكتب وهو حبسها عن أصحابها.
وعن الفضيل ليس من أفعال أهل الورع ولا من أفعال الحكماء أن يأخذ سماع رجلٍ وكتابه فيحبسه عنه ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه.

قال الخطيب وبسبب حبسها امتنع غير واحدٍ من اعارتها.
ثم روى في ذلك
جملًا عن السّلف وأنشد فيه أشياء كثيرةً.
والمختار استحباب الإعارة لمن لا ضرر عليه في ذلك لأنّه إعانةٌ على العلم مع ما مطلق العاريّة من الفضل.
وروينا عن وكيعٍ أوّل بركة الحديث إعارة الكتب.
وعن سفيان الثّوريّ من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاثٍ أن ينساه أو يموت ولا ينتفع به أو تذهب كتبه.
وقال رجلٌ لأبي العتاهية أعرني كتابك قال إنّي أكره ذلك فقال أما علمت ان المكارم موصولة بالمكارم فأعاره.
ويستحب شكر المعير لا حسانه.
فهذه نبذ من آداب المعلم والمتعلم وهى وان كانت طويلةً بالنّسبة إلى هذا الكتاب فهي مختصرةٌ بالنّسبة إلى ما جاء فيها وإنّما قصدت بايرادها أن يكون الكتاب جامعًا لكلّ ما يحتاج إليه طالب العلم وباللّه التّوفيق). [المجموع شرح المهذب: 1/35-40]


رد مع اقتباس