عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 11 جمادى الآخرة 1435هـ/11-04-2014م, 08:11 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {شهد اللّه أنّه لا إله إلّا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلّا هو العزيز الحكيم (18) إنّ الدّين عند اللّه الإسلام وما اختلف الّذين أوتوا الكتاب إلّا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات اللّه فإنّ اللّه سريع الحساب (19) فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتّبعن وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ واللّه بصيرٌ بالعباد (20) }
شهد تعالى -وكفى به شهيدًا، وهو أصدق الشّاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين- {أنّه لا إله إلا هو} أي: المتفرد بالإلهيّة لجميع الخلائق، وأنّ الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغنيّ عمّا سواه كما قال تعالى: {لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى باللّه شهيدًا} الآية [النّساء: 166].
ثمّ قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: {شهد اللّه أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} وهذه خصوصيّةٌ عظيمةٌ للعلماء في هذا المقام.
{قائمًا بالقسط} منصوبٌ على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك.
{لا إله إلا هو} تأكيدٌ لما سبق {العزيز الحكيم} العزيز: الّذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد بن عبد ربّه، حدّثنا بقيّة بن الوليد، حدّثني جبير بن عمرو القرشيّ، حدّثنا أبو سعيد الأنصاريّ، عن أبي يحيى مولى آل الزّبير بن العوّام، عن الزّبير بن العوّام، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شهد اللّه أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} «وأنا على ذلك من الشّاهدين يا ربّ».
وقد رواه ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر، فقال: حدّثنا عليّ بن حسينٍ، حدّثنا محمّد بن المتوكّل العسقلانيّ، حدّثنا عمر بن حفص بن ثابتٍ أبو سعيدٍ الأنصاريّ، حدّثنا عبد الملك بن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن أبيه، عن جدّه، عن الزّبير قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قرأ هذه الآية: {شهد اللّه أنّه لا إله إلا هو والملائكة} قال: «وأنا أشهد أي ربّ».
وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ في المعجم الكبير: حدّثنا عبدان بن أحمد وعليّ بن سعيدٍ الرّازيّ قالا حدّثنا عمّار بن عمر بن المختار، حدّثني أبي، حدّثني غالبٌ القطّان قال: «أتيت الكوفة في تجارةٍ، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلمّا كانت ليلةٌ أردت أن أنحدر قام فتهجّد من اللّيل، فمرّ بهذه الآية: {شهد اللّه أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إنّ الدّين عند اللّه الإسلام} ثمّ قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد اللّه به، وأستودع اللّه هذه الشّهادة، وهي لي عند اللّه وديعةٌ: {إنّ الدّين عند اللّه الإسلام} قالها مرارًا. قلت: لقد سمع فيها شيئًا، فغدوت إليه فودّعته، ثمّ قلت: يا أبا محمّدٍ، إنّي سمعتك تردد هذه الآية. قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهرٍ لم تحدّثني. قال: واللّه لا أحدّثك بها إلى سنةٍ. فأقمت سنةً فكنت على بابه، فلمّا مضت السّنة قلت: يا أبا محمّدٍ، قد مضت السّنة. قال: حدّثني أبو وائلٍ، عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول اللّه عزّ وجلّ: عبدي عهد إليّ، وأنا أحقّ من وفّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنّة»). [تفسير القرآن العظيم: 2/ 24-25]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {إنّ الدّين عند اللّه الإسلام} إخبارٌ من اللّه تعالى بأنّه لا دين عنده يقبله من أحدٍ سوى الإسلام، وهو اتّباع الرّسل فيما بعثهم اللّه به في كلّ حينٍ، حتّى ختموا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، الّذي سدّ جميع الطّرق إليه إلّا من جهة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فمن لقي اللّه بعد بعثته محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبّلٍ. كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران:85] وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدّين المتقبّل عنده في الإسلام: {إنّ الدّين عند اللّه الإسلام}
وذكر ابن جريرٍ أنّ ابن عبّاسٍ قرأ: {شهد اللّه أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إنّ الدّين عند اللّه الإسلام} بكسر إنّه وفتح {إنّ الدّين عند اللّه الإسلام} أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأنّ الدّين عند اللّه الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيحٌ. ولكنّ هذا على قول الجمهور أظهر واللّه أعلم.
ثمّ أخبر تعالى بأنّ الّذين أوتوا الكتاب الأوّل إنّما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجّة، بإرسال الرّسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: {وما اختلف الّذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم} أي: بغى بعضهم على بعضٍ، فاختلفوا في الحقّ لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقًّا، ثمّ قال: {ومن يكفر بآيات اللّه فإنّ اللّه سريع الحساب} أي: من جحد بما أنزل اللّه في كتابه فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه). [تفسير القرآن العظيم: 2/ 25-26]

تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {فإن حاجّوك} أي: جادلوك في التّوحيد {فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتّبعن} أي: فقل أخلصت عبادتي للّه وحده، لا شريك له ولا ندّ له ولا ولد ولا صاحبة له {ومن اتّبعن} على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين} [يوسف: 108].
ثمّ قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو إلى طريقته ودينه، والدّخول في شرعه وما بعثه اللّه به الكتابيّين من الملّتين والأمّيّين من المشركين فقال: {وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ} أي: واللّه عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الّذي يهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجّة البالغة؛ ولهذا قال: {واللّه بصيرٌ بالعباد} أي: هو عليمٌ بمن يستحقّ الهداية ممّن يستحقّ الضّلالة، وهو الّذي {لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 33] وما ذاك إلّا لحكمته ورحمته.
وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدّلالات على عموم بعثته، صلوات اللّه وسلامه عليه، إلى جميع الخلق، كما هو معلومٌ من دينه ضرورةً، وكما دلّ عليه الكتاب والسّنّة في غير ما آيةٍ وحديثٍ، فمن ذلك قوله تعالى: {قل يا أيّها النّاس إنّي رسول اللّه إليكم جميعًا} [الأعراف: 158] وقال تعالى: {تبارك الّذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} [الفرقان: 1] وفي الصّحيحين وغيرهما، ممّا ثبت تواتره بالوقائع المتعدّدة، أنّه بعث كتبه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو إلى اللّه ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابيّهم وأمّيّهم، امتثالًا لأمر اللّه له بذلك. وقد روى عبد الرّزّاق، عن معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «والّذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالّذي أرسلت به، إلّا كان من أهل النّار» رواه مسلمٌ.
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال: «كان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّةً وبعثت إلى النّاس عامّةً». وقال الإمام أحمد: حدّثنا مؤمّل، حدّثنا حمّاد، حدّثنا ثابتٌ عن أنسٍ، رضي اللّه عنه: أنّ غلامًا يهوديًّا كان يضع للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وضوءه ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل عليه وأبوه قاعدٌ عند رأسه فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا فلان، قل: لا إله إلّا اللّه» فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام:: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول الله، فخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يقول: «الحمد لله الّذي أخرجه بي من النّار» أخرجه البخاريّ في الصّحيح إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث). [تفسير القرآن العظيم: 2/ 26-27]


رد مع اقتباس