عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 20 شعبان 1435هـ/18-06-2014م, 11:01 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي باب أقسام العلم الشّرعيّ

أقسام العلم الشرعي

قال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ت: 676هـ):
(باب أقسام العلم الشّرعيّ

هي ثلاثةٌ:
الأوّل فرض العين وهو تعلم المكلف مالا يتأدّى الواجب الّذي تعيّن عليه فعله إلّا به ككيفية الوضؤ والصّلاة ونحوهما وعليه حمل جماعاتٌ الحديث المرويّ في مسند أبي يعلى الموصليّ عن أنسٍ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم طلب العلم فريضةٌ على كلّ مسلمٍ وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتًا فمعناه صحيحٌ.
وحمله آخرون على فرض الكفاية.
وأمّا أصل واجب الإسلام وما يتعلّق بالعقائد فيكفي فيه التّصديق بكلّ ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واعتقاده اعتقادًا جازمًا سليمًا من كلّ شكٍّ ولا يتعيّن على من حصل له هذا تعلّم أدلّة المتكلّمين هذا هو الصّحيح الّذي أطبق عليه السّلف والفقهاء والمحقّقون من المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يطالب
أحدا بشيء سوى ما ذكرناه.
وكذلك الخلفاء الرّاشدون ومن سواهم من الصّحابة فمن بعدهم من الصّدر الأوّل بل الصّواب للعوامّ وجماهير المتفقّهين والفقهاء الكفّ عن الخوض في دقائق الكلام مخافةً من اختلالٍ يتطرّق إلى عقائدهم يصعب عليهم إخراجه بل الصّواب لهم الاقتصار على ما ذكرناه من الاكتفاء بالتّصديق الجازم.
وقد نصّ على هذه الجملة جماعاتٌ من حذّاق أصحابنا وغيرهم.
وقد بالغ إمامنا الشّافعيّ رحمه اللّه تعالى في تحريم الاشتغال بعلم الكلام أشدّ مبالغةٍ وأطنب في تحريمه وتغليظ العقوبة لمتعاطيه وتقبيح فعله وتعظيم الإثم فيه فقال لأن يلقى اللّه العبد بكلّ ذنبٍ ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام.
وألفاظه بهذا المعنى كثيرةٌ مشهورةٌ.
وقد صنّف الغزاليّ رحمه اللّه في آخر أمره كتابه المشهور الّذي سمّاه إلجام العوامّ عن علم الكلام وذكر أنّ النّاس كلّهم عوامّ في هذا الفنّ من الفقهاء وغيرهم إلّا الشّاذّ النّادر الّذي لا تكاد الأعصار تسمح بواحدٍ منهم واللّه أعلم

ولو تشكّك والعياذ بالله في شيء من أصول العقائد ممّا لا بدّ من اعتقاده ولم يزل شكّه إلّا بتعليم دليلٍ من أدلة المتكلمين وجب تعلم ذلك لا زالة الشك وتحصيل ذلك الأصل
(فرعٌ).
اختلفوا في آيات الصّفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتّأويل أم لا فقال قائلون تتأوّل على ما يليق بها وهذا أشهر المذهبين للمتكلّمين.
وقال آخرون لا تتأوّل بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى اللّه تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه اللّه تعالى وانتفاء صفات الحادث عنه.
فيقال مثلًا نؤمن بأنّ الرّحمن على العرش استوى ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به مع أنّا نعتقد أنّ اللّه تعالى (ليس كمثله شيء) وأنّه منزّهٌ عن الحلول وسمات الحدوث وهذه طريقة السّلف أو جماهيرهم وهي أسلم إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك فإذا اعتقد التّنزيه فلا حاجة إلى الخوض في ذلك والمخاطرة فيما لا ضرورة بل لا حاجة إليه فإن دعت الحاجة إلى التّأويل لردّ مبتدعٍ ونحوه تأوّلوا حينئذٍ.
وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا والله أعلم

(فرع)
لا يلزم الإنسان تعلّم كيفيّة الوضوء والصّلاة وشبههما إلا بعد وجوب ذلك الشيء فإن كان بحيث لو صبر إلى دخول الوقت لم يتمكّن من تمام تعلّمها مع الفعل في الوقت فهل يلزمه التّعلّم قبل الوقت تردّد فيه الغزاليّ والصّحيح ما جزم به غيره أنّه يلزمه تقديم التّعلّم كما يلزم السّعي إلى الجمعة لمن بعد منزله قبل الوقت ثمّ إذا كان الواجب على الفور كان تعلّم الكيفيّة على الفور وإن كان على التّراخي كالحجّ فعلى التّراخي.
ثمّ الّذي يجب من ذلك كلّه ما يتوقّف أداء الواجب عليه غالبًا دون ما يطرأ نادرًا فإن وقع وجب التّعلّم حينئذٍ.
وفي تعلّم أدلّة القبلة أوجهٌ أحدها فرض عينٍ والثّاني كفايةٌ وأصحّهما فرض كفايةٍ إلّا أن يريد سفرًا فيتعيّن لعموم حاجة المسافر إلى ذلك

(فرعٌ)
أمّا البيع والنّكاح وشبههما ممّا لا يجب أصله فقال إمام الحرمين والغزاليّ وغيرهما يتعيّن على من أراده تعلّم كيفيّته وشرطه وقيل لا يقال يتعيّن بل يقال يحرم الإقدام عليه إلّا بعد معرفة شرطه وهذه العبارة أصحّ.
وعبارتهما محمولةٌ عليها.
وكذا يقال في صلاة النّافلة يحرم التّلبّس بها على من لم يعرف كيفيّتها ولا يقال يجب تعلم كيفيتها

(فرعٌ)
يلزمه معرفة ما يحلّ وما يحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ممّا لا غنًى له عنه غالبًا.
وكذلك أحكام عشرة النّساء إن كان له زوجةٌ وحقوق المماليك إن كان له مملوكٌ ونحو ذلك

(فرعٌ)
قال الشّافعيّ والأصحاب رحمهم اللّه على الآباء والأمّهات تعليم أولادهم الصّغار ما سيتعيّن عليهم بعد البلوغ فيعلّمه الوليّ الطّهارة والصّلاة والصّوم ونحوها ويعرّفه تحريم الزّنا واللّواط والسّرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة وشبهها.
ويعرّفه أنّ بالبلوغ يدخل في التّكليف ويعرّفه ما يبلغ به.
وقيل هذا التّعليم مستحبٌّ والصّحيح وجوبه وهو ظاهر نصّه وكما يجب عليه النّظر في ماله وهذا أولى وإنّما المستحبّ ما زاد على هذا من تعليم القرآن وفقهٍ وأدبٍ.
ويعرّفه ما يصلح به معاشه ودليل وجوب تعليم الولد الصّغير والمملوك قول الله عزوجل {يا أيّها الّذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} قال عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه ومجاهدٌ وقتادة معناه علّموهم ما ينجون به من النّار وهذا ظاهرٌ.
وثبت في الصّحيحين عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال كلّكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيّته ثمّ أجرة التّعليم في النّوع الأوّل في مال الصّبيّ فإن لم يكن له مالٌ فعلى من تلزمه نفقته

وأمّا الثّاني فذكر الإمام أبو محمّدٍ الحسين بن مسعودٍ البغويّ صاحب التّهذيب فيه وجهين وحكاهما غيره أصحّهما في مال الصّبيّ لكونه مصلحةً له: والثّاني في مال الوليّ لعدم الضّرورة إليه
واعلم أنّ الشّافعيّ والأصحاب إنّما جعلوا للأمّ مدخلًا في وجوب التّعليم لكونه من التّربية وهي واجبةٌ عليها كالنفقة والله أعلم
(فرعٌ)

أمّا علم القلب وهو معرفة أمراض القلب كالحسد والعجب وشبههما فقال الغزاليّ معرفة حدودها وأسبابها وطبّها وعلاجها فرض عينٍ: وقال غيره إن رزق المكلّف قلبًا سليمًا من هذه الأمراض المحرّمة كفاه ذلك ولا يلزمه تعلّم دوائها وإن لم يسلم نظر إن تمكّن من تطهير قلبه من ذلك بلا نعلم لزمه التّطهير كما يلزمه ترك الزّنا ونحوه من غير تعلّم أدلّة التّرك وإن لم يتمكّن من التّرك إلّا بتعلّم العلم المذكور تعيّن حينئذٍ واللّه أعلم (القسم الثّاني) فرض الكفاية وهو تحصيل ما لا بدّ للنّاس منه في إقامة دينهم من العلوم الشّرعيّة كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما والأصول والفقه والنّحو واللّغة والتّصريف.
ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف.
وأمّا ما ليس علمًا شرعيًّا ويحتاج إليه في قوام أمر الدّنيا كالطّبّ والحساب ففرض كفايةٍ أيضًا نصّ عليه الغزاليّ.
واختلفوا في تعلّم الصّنائع الّتي هي سبب قيام مصالح الدّنيا كالخياطة والفلاحة ونحوهما واختلفوا أيضًا في أصل فعلها فقال إمام الحرمين والغزاليّ ليست فرض كفايةٍ.
وقال الإمام أبو الحسن عليّ بن محمّد بن عليٍّ الطّبريّ المعروف بالكيا الهرّاسيّ صاحب إمام الحرمين هي فرض كفايةٍ وهذا أظهر.
قال أصحابنا وفرض الكفاية المراد به تحصيل ذلك الشيء من المكلّفين به أو بعضهم ويعمّ وجوبه جميع المخاطبين به فإذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين وإذا قام به جمعٌ تحصل الكفاية ببعضهم فكلّهم سواءٌ في حكم القيام بالفرض في الثّواب

وغيره فإذا صلّى على جنازة جمعٌ ثمّ جمعٌ ثمّ جمعٌ فالكلّ يقع فرض كفايةٍ ولو أطبقوا كلّهم على تركه أثم كلّ من لا عذر له ممّن علم ذلك وأمكنه القيام به أو لم يعلم وهو قريبٌ أمكنه العلم بحيث ينسب إلى تقصيرٍ ولا يأثم من لم يتمكّن لكونه غير أهلٍ أو لعذرٍ.
ولو اشتغل بالفقه ونحوه وظهرت نجابته فيه ورجي فلاحه وتبريزه فوجهان أحدهما يتعيّن عليه الاستمرار لقلّة من يحصّل هذه المرتبة فينبغي ألّا يضيّع ما حصّله وما هو بصدد تحصيله.

وأصحّهما لا يتعيّن لأنّ الشّروع لا يغيّر المشروع فيه عندنا إلّا في الحجّ والعمرة.
ولو خلت البلدة من مفتٍ فقيل يحرم المقام بها والأصحّ لا يحرم إن أمكن الذّهاب إلى مفتٍ وإذا قام بالفتوى إنسانٌ في مكان سقط به فرض الكفاية إلى مسافة القصر من كلّ جانبٍ

واعلم أنّ للقائم بفرض الكفاية مزيّةً على القائم بفرض العين لأنّه أسقط الحرج عن الأمّة وقد قدّمنا كلام إمام الحرمين في هذا في
فصل ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة القاصرة (القسم الثّالث)
النّفل وهو كالتّبحّر في أصول الأدلّة والإمعان فيما وراء القدر الّذي يحصل به فرض الكفاية.
وكتعلّم العامّيّ نوافل العبادات لغرض العمل لا ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النّفل فإنّ ذلك فرض كفايةٍ في حقّهم واللّه أعلم

فصلٌ قد ذكرنا أقسام العلم الشّرعيّ: ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه ومباح.
فالمحرّم كتعلّم السّحر فإنّه حرامٌ على المذهب الصّحيح وبه قطع الجمهور وفيه خلافٌ نذكره في الجنايات حيث ذكره المصنّف إن شاء اللّه تعالى.
وكالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعبين وكل ما كان سببا لا ثارة الشّكوك ويتفاوت في التّحريم.
والمكروه كأشعار المولّدين الّتي فيها الغزل والبطالة

والمباح كأشعار المولّدين التي ليس فيها سخف ولا شيء ممّا يكره ولا ما ينشّط إلى الشّرّ ولا ما يثبط عن الخير ولا ما يحثّ على خيرٍ أو يستعان به عليه
فصلٌ تعليم الطّالبين وإفتاء المستفتين فرض كفايةٍ فإن لم يكن هناك من يصلح إلّا واحدٌ تعيّن عليه وإن كان جماعةٌ يصلحون فطلب ذلك من أحدهم فامتنع فهل يأثم ذكروا وجهين في المفتي والظّاهر جريانهما في المعلّم وهما كالوجهين في امتناع أحد الشّهود والأصحّ لا يأثم.
ويستحبّ للمعلّم أن يرفق بالطّالب ويحسن إليه ما أمكنه فقد روى الترمذي باسناده عن أبي هرون العبديّ قال كنّا نأتي أبا سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه فيقول مرحبًا بوصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
« إنّ النّاس لكم تبعٌ وإنّ رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقّهون في الدّين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا »). [المجموع شرح المهذب: 1/24-26]


رد مع اقتباس