عرض مشاركة واحدة
  #37  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:07 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 793
افتراضي

الحكمة من الأمر بالاستعاذة بهذه الصفات الجليلة {رب الناس . ملك الناس . إله الناس}

وذكر هذه الصفات الجليلة (رب الناس) ، (ملك الناس) ، (إله الناس) دليل على إرشاد العبد إلى استحضار ما تتضمنه من المعاني الجليلة.
فيقوم في قلب المستعيذ عند استعاذته من المعاني التعبّدية الجليلة ما يدلّ على صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وتعظيمه ومحبته وإجلاله، فهي مظهر من مظاهر العبودية، وعلامة من علاماتها.
وأنت إذا تأملت أحوال العباد وجدتهم محتاجون بل مضطرون إلى من يلجؤون إليه ويستعيذون به؛ فلا يخلو عبد من الحاجة إلى الاستعاذة بمن يعيذه.
فأما المؤمنون فيخلصون هذه العبادة لله تعالى ليلاً ونهاراً؛ فلا تلتجئ قلوبهم لغير الله جلّ وعلا.
فتكون هذه العبادة في قلوبهم عبادة دائمة لأنهم ما بين استصحابها واستصحاب حكمها.

الفرق بين استعاذة المؤمنين واستعاذات المشركين
وأما المشركون فاستعاذتهم فيها شرك بالله جل وعلا؛ لأنهم يستعيذون بالله وبغير الله، كما هو حال من يستعيذ بالأوثان والأولياء فيشركهم مع الله جل وعلا في هذه العبادة العظيمة.
فلذلك تجد كثيراً منهم تتعلق قلوبهم بأوليائهم ليدفعوا عنهم الضر ويحموهم من العين والحسد والأذى ويعلّقون التمائم الشركية لدفع البلاء، وهم بذلك مشركون متعرضون لسخط الله جل وعلا.
فلذلك تتسلط عليهم الشياطين بسبب شركهم فتزيدهم عذاباً ورهقاً وضلالاً بعيداً؛ لأنهم خرجوا من النور إلى الظلمات باتباعهم للطواغيت والتجائهم لغير الله تعالى، وإعراضهم عن ذكر الله جل وعلا.
وقد قال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}.
وقال تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}.
وقال: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}.

سبب تسلّط الشيطان على العبد

وتسلط الشيطان على العبد سببه اتباعه وتولّيه والإشراك به؛ فإن من اتبع الشيطان أرداه الشيطان؛ كما قال الله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير}.
فهذا أمر مكتوب على من تولّى الشيطان.
وتولي الشيطان هو مرتبة في اتباعه من وصل إليها فهو قد عبد الشيطان من دون الله جلّ وعلا.
فشر الشيطان يبدأ بالوسوسة وما يتبعها من النزغ والهمز والنفخ والنفث وغيرها؛ يريد بذلك أن يستزل العبد ليتبع خطواته؛ فإذا اتبع الإنسانُ خطوات الشيطان كان للشيطان نصيب من التسلط عليه بسبب هذا الاستزلال، وخرَق الإنسان من جُنَّته ووقايته بمقدار ما مكّن للشيطان من التسلط عليه.
فإذا أراد الله به خيراً عصمه وقذف في قلبه التوبة والإنابة إليه فيتذكر ويستبصر؛ كما قال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغيّ ثم لا يقصرون}.
فالمتقي إذا مسه {طائف من الشيطان} وفي القراءة الأخرى {طيف من الشيطان} أي: ألمّ به شيء من كيد الشيطان استزله به، فإنه يتذكّر، فإذا تذكر أبصر وعرف طريق الهداية، وعرف ما يجب عليه أن يفعله ، وما يجب عليه أن يتركه، فيتبع رضوان الله جل وعلا؛ وهذا هو حال المؤمن المتقي.
وبهذا تعلم أن التذكر نجاة للعبد من كيد الشيطان:
- فيتذكر العبد ما ينبغي لله تعالى من المحبة والطاعة والتسليم؛ فينفعه هذا التذكر، ويترك ما يُسخِط اللهَ محبةً لله تعالى.
- ويتذكر ما أعدَّ الله من الثواب لمن أطاعه واتبع رضوانه؛ فينفعه هذا التذكر؛ فيترك معصية الله رجاء ثواب الله وعوضه.
- ويتذكر ما أعد الله لمن عصاه وأعرض عن ذكره من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ فينفعه هذا التذكر فيترك معصية الله خوفاً من عذاب الله.
وكلما كان تذكر العبد أحسن وأسرع كان نصيبه من البصيرة أكمل وأعظم.
وبهذا يتبيّن أن مدار التذكر على العبادات القلبية الثلاث: المحبة والخوف والرجاء.
فهذا هو حال المؤمن، يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، وأحسن بصيرة، وأعظم هداية.
وأما إخوان الشيطان الذين لازموا اتباع خطواتهم وتمادوا في صحبتهم حتى عُدّوا إخوانهم، فإن شياطين الإنس والجن تمدّهم أي: تزيدهم من مدد الضلال والطغيان والغواية حتى لا ينتهوا في ذلك عن حد من حدود الله جل وعلا؛ بل يكونوا من أولياء الشيطان.
وسنأتي بإذن الله تعالى على بيان درجات كيد الشيطان ، وأنواعه، وأسباب العصمة من كيده بعد تمام تفسير السورة بإذن الله تعالى.

الخلاصة:
والخلاصة مما تقدّم أن الاستعاذة عبادة عظيمة يجب إخلاصها لله جل وعلا، وأنها تستلزم ما تستلزم من الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العليا فالمستعيذ يؤمن بسعة علم الله عز وجل وسمعه وبصره وقدرته ورحمته وعزته وملكه وغيرها من الصفات الجليلة التي يجد المؤمن الذي يحسن الاستعاذة أن الإيمان بها ضروري لتحقيق معنى الاستعاذة.
وهي تقتضي من العبد محبة الله تعالى وحسن الظن به والإنابة إليه والتوكل عليه واعتقاد أن النفع والضر بيده وحده جل وعلا؛ فيحصل للعبد بذلك من السكينة والطمأنينة والثقة بالله جل وعلا ما لا تقوم له وساوس الشيطان ولا الشرورُ كلها؛ لأن الله تعالى مع عباده المؤمنين المتقين، وهو وليّهم الذي ينصرهم ويؤيدهم ويحفظهم، ويحبهم ويحبونه؛ فلا يخذلهم ولا يتخلى عنهم، ولا يعجز عن نصرهم، ولا يُشقيهم بعبادته وتوحيده.
بل يريهم أن السعادة والفوز والفلاح في الإيمان به واتباع رضوانه.




رد مع اقتباس