العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة التفاسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28 شوال 1442هـ/8-06-2021م, 08:14 PM
عبد العزيز بن داخل المطيري عبد العزيز بن داخل المطيري غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,179
افتراضي عيون مسائل التفسير

عيون مسائل التفسير

تمهيد.
تفسير سورة الفاتحة.
- المراد بالصراط المستقيم.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28 شوال 1442هـ/8-06-2021م, 10:07 PM
عبد العزيز بن داخل المطيري عبد العزيز بن داخل المطيري غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,179
افتراضي

تمهيد:
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد:
فإنّ مسائل التفسير على أربعة أصناف:
الصنف الأول: مسائل الخلاف القوي.
والصنف الثاني: مسائل الخلاف المتوسّط.
والصنف الثالث: مسائل الخلاف الضعيف.
والصنف الرابع: مسائل الإجماع.

وطالب العلم الذي يريد التخصص في علم التفسير والتوسّع في دراسته ينبغي له أن يكون على معرفة حسنة بتحرير مسائل الخلاف القويّ في التفسير وبعض مسائل الخلاف المتوسّط والضعيف، وأن يدرسها بإشراف علميّ، حتى يتعرّف طرق العلماء في دراسة المسائل التفسيرية وتحريرها، ويتبيّن مسالكهم في الجمع والترجيح، والنقد والإعلال، والاختيار والإهمال، ويتمرّن على محاكاتهم في تلك دراسة مسائل التفسير وتحريرها وعرضها.
فإذا أحسن طالب العلم ضبط تلك المسائل، وتمرّن على دراسة نظائرها، كان ما بعدها من مسائل التفسير أيسر عليه، وانفتح له باب دراستها وتحريرها.

ولذلك كان من المسالك المعتبرة في تدريس التفسير انتخاب جملة من المسائل وتدريسها لطلاب العلم تدريساً مفصّلاً يُراعي فيه المعلّم الوفاء بما ما يحتاجه الطالب ليتدرّب على دراسة أمثالها من المسائل.

وهذه الدراسة التطبيقية قد تكون أنفع لطالب العلم من كثير من الدروس النظرية.
وهذا المسلك قد أفردت فيه مؤلفات، وبرع فيه مفسّرون، وممن اتّخذه طريقة لتدريس علم التفسير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فلما لم يكن له كتاب جامع في تفسير القرآن اختار أن يكتب في "تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء"، وقد طبع كتابه بهذا الاسم.
- قال ابن رشيّق المغربي وهو من أخصّ تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وأبصرهم بخطّه: (رأيت له سورًا وآيات يفسرها ويقول في بعضها: كتبته للتذكّر، ونحو ذلك.
ثم لما حُبِس في آخر عمره كتبتُ له: أن يكتب على جميع القرآن مرتبًا على السور، فكتب يقول: "إن القرآن فيه ما هو بيِّن في نفسه، وفيه ما بيَّنه المفسرون في غير كتاب؛ ولكن بعض الآيات أشكلت على جماعة من العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدّة كتب ولا يَبِيْن له تفسيرها، وربما كتب المصنف الواحد في آيةٍ تفسيرًا، ويفسّر نظيرها بغيره، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل؛ لأنّه أهم من غيره، وإذا تبين معنى آية تبين معاني نظائرها")ا.هـ.
ثمّ سرد ابن رشيّق مما وقف عليه أكثر من سبعين رسالة مفردة في تفسير بعض الآيات لشيخ الإسلام ابن تيمية، بعضها في مجلّد، وبعضها في بضع ورقات.

ومن المفسّرين الذين لهم تفاسير مرتبة على سور القرآن من إذا وقف على مسألة من مسائل الخلاف القويّ أسهب في بيانها إسهاباً طويلاً.
وقد جمعت جملة من هذه المسائل وعنيت بدراستها وتحريرها رجاء أن أنتفع بها وينتفع بها طلاب العلم.

ومما ينبغي أن يُعلم أنّ مسائل الخلاف القوي في التفسير على أنواع:
النوع الأول: المسائل التي يكون فيها اختلاف على قولين أو أكثر، لكن هذه الأقوال لها حجج وأدلة يتنازع فيها العلماء، فهذه تعدّ من مسائل الخلاف القويّ وإن لم يحكَ فيها إلا قولان.
والنوع الثاني: المسائل التي تكثر فيها الأقوال، ويكون في تحريرها وتخليص المعنى شيء من الصعوبة والخفاء وإن لم يكن فيها نزاع قوي بين المفسرين.
والنوع الثالث: المسائل التي تفسّرها طائفة لها غلبة على بلد من البلدان بما يوافق أهواءها ويتفشّى ذلك في العامّة؛ فيحتاج العلماء إلى تفصيل القول فيها وتحريره بما يكشف الشبهة ويبيّن الحقّ فيها بياناً جليّاً.

وهذا أوان الشروع في نشر هذه المسائل، والله والمستعان عليه التكلان، وبه التوفيق، وإياه نسأل القبول والبركة في القول والعمل.


التوقيع :

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 28 شوال 1442هـ/8-06-2021م, 10:10 PM
عبد العزيز بن داخل المطيري عبد العزيز بن داخل المطيري غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,179
افتراضي

من مسائل تفسير سورة الفاتحة

المسألة الأولى: تفسير الصراط المستقيم
وهي من المسائل التي كثر كلام المفسّرين فيها، ومنهم من أفردها بتأليف مستقل كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة له في معنى الصراط المستقيم، وأفرد ابن القيم فصلاً طويلاً في بدائع الفوائد في تفسير قول الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} ذكر فيه عشرين مسألة.
هذا غير المؤلفات المفردة في تفسير الفاتحة وهي كثيرة جداً، وما أطال به بعض المفسّرين في تفسير سورة الفاتحة في تفاسيرهم حتى إنّ منهم من فسّرها في مجلد كبير، وكان لهذه المسألة عناية ظاهرة في تفاسيرهم.
وقد كثرت الأقوال فيها واتّسع الحديث عنها بما يحتاج معه طالب العلم إلى تلخيص وتقريب، وقد لخّصت الكلام فيها في كتاب "تفسير سورة الفاتحة" ولله الحمد.




الصراط في لغة العرب: الطريق الواضح الواسع السهل المستقيم الموصل للمطلوب.
قال ابن جرير: ( أجمعت الحجة من أهل التّأويل جميعًا على أنّ الصّراط المستقيم هو الطّريق الواضح الّذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطيّة بن الخطفى:
أمير المؤمنين على صراطٍ.......إذا اعوجّ الموارد مستقيم)ا.هـ.
وأصل الصاد في الصراط منقلبة عن السين، وفي قراءة ابن كثير المكّي (السِّراط) بالسين، وفي قراءةٍ لأبي عمرو (الزِّرَاط) بالزّاي الخالصة، ومن القُرّاء من يشمّ الزاي بالصاد.
قال ابن الجزري: (ووجه ذلك أن حروف الصفير يبدل بعضها من بعض).
وكلّها متفقة في المعنى، وإنما اختلف النطق بها لاختلاف لغات العرب، وقد رُسمت في المصحف صاداً على خلاف الأصل لتحتمل هذه الأوجه كلها.
والمقصود أنَّ الأصل هو السين، وقد نَقَل أبو منصور الأزهري عن بعض أهل اللغة أنَّ السِّرَاط إنما سُمّي سِراطاً؛ لأنه يسترط المارّة، أي يسعهم.
ومن أمثال العرب: لا تكن حلواً فتُسترَط أي: تُبتَلع.
وقال ابن القيّم رحمه الله: (الصراط ما جمع خمسة أوصاف: أن يكون طريقاً مستقيماً سهلاً مسلوكاً واسعاً موصلاً إلى المقصود؛ فلا تسمّي العربُ الطريقَ المعوجَّ صراطاً ولا الصعب المُشِقّ ولا المسدودَ غير الموصول).
قال: (وبنوا "الصراط" على زِنَةِ فِعَال لأنَّه مُشْتَمِلٌ على سالكِهِ اشتمالَ الحلقِ على الشيءِ المسرُوط)ا.هـ.
والمقصود أنَّ اختيار لفظ "الصراط" على غيره من الألفاظ كالطريق والسبيل والمنهج وغيرها له حِكَمٌ ودلائل.

لا ريب أنَّ المراد بالصراط المستقيم ما فسّره الله به في الآية التي تليها بقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، وهو وصف جامع مانع لما يوصل إلى رضوان الله وجنّته، وينجّي من سخط الله وعقوبته.
ولذلك سُمّي صراطاً لوضوحه واستقامته ويسره وسعته، فإنّ الله تعالى قد يسّر الدين ووسّع على عباده فلم يجعل عليهم فيه من حرج، وجعله شريعته سمحة بيّنة مستقيمة لا اعوجاج فيها، ولا تناقض ولا اختلاف؛ فمن أطاع الله ورسوله فقد اتّبع الهدى وسلك الصراط المستقيم؛ فهو صراط يُسار فيه بالإيمان والأعمال الصالحة؛ وكلما عمل العبد حسنة ازداد بها قرباً إلى الله تعالى واستقامة على صراطه.
وهذا الصراط له (سَواءٌ) هو أوسطه وأعدله، قال الله تعالى: {واهدنا إلى سواء الصراط} أي أعدله وأوسطه، وللصراط مراتب يتفاضل فيها السالكون، وله حدود من خرج عنها انحرف عن الصراط المستقيم وسلك سبيلاً من السبل المعوجة عن يمينه أو شماله يضلّ بها عن الصراط المستقيم وتفضي به إلى النار والعياذ بالله.
ومن كان انحرافه بقدْرٍ لا يخرجه عن حدود هذا الصراط، وإنما يصرفه عن مراتبه العليا فهو في المرتبة التي ارتضاها لنفسه في سلوك هذا الصراط.
وبهذا يتبيّن أنَّ السالكين للصراط المستقيم يتفاضلون في سلوكهم تفاضلاً كبيراً من أوجه متعددة؛ فيتفاضلون في مراتب السلوك، وفي الاستباق في هذا السلوك، وفي الاحتراز من العوارض التي تعرض لهم عند سلوكهم.
وعلم السلوك مبناه على فقه هذه المسائل الكبيرة.

تنوّع عبارات السلف في المراد بالصراط المستقيم:
تنوعت عبارات السلف في التعريف بالصراط المستقيم بعبارات لا اختلاف في مدلولها، وإن اختلفت مسالكهم في الدلالة على هذا الصراط، والمحفوظ عن الصحابة والتابعين في هذه المسألة خمسة أقوال:
القول الأول: دين الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله، ورواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول محمّد بن الحنفية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورواية عن أبي العالية الرياحي، وهو قول جمهور المفسّرين.
وهذا القول هو أشهر الأقوال وأصلها، والإسلام إذا أطلق شمل مراتب الدين كلها؛ فكلّ ما أمر الله به ونهى عنه فهو من شريعة الإسلام، وكل عبادة صحيحة يتقرّب بها العبد إلى الله تعالى فهي من اتّباع دين الإسلام، ومن سلوك الصراط المستقيم.
واستدلّ بعض المفسّرين لهذا القول بحديث النوَّاس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا، ولا تتعرجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم)). رواه أحمد وابن نصر المروزي وابن أبي عاصم والطحاوي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم من طريق معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان الأنصاري مرفوعاً، ولهذا الحديث طرق أخرى بألفاظ مقاربة.
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم مختصراً.
والشاهد فيه قوله: (والصراط الإسلام). وهذا اللفظ تفرّد بروايته معاوية بن صالح الليثي.
- وروى الحسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: « {الصراط المستقيم} هو الإسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض» رواه الحاكم وصححه، ورواه ابن جرير في تفسيره من طريق علي والحسن ابنا صالح.
- وقال عاصم الأحول: قال أبو العالية: «تعلَّموا الإسلام؛ فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط شمالا ولا يمينا». رواه عبد الرزاق في مصنّفه وابن نصر المروزي في السنة، وابن وضاح في البدع، والآجرّي في الشريعة.

والقول الثاني: هو كتاب الله تعالى، وهو رواية صحيحة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
- روى منصور بن المعتمر عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن هذا الصراط محتضَرٌ تحضره الشياطين يقولون: يا عباد الله هذا الطريق فاعتصموا بحبل الله فإنَّ الصراط المستقيم كتاب الله). رواه الطبراني في الكبير، وابن نصر المروزي في السنة، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في شعب الإيمان، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
واستدلّ بعض المفسّرين لهذا القول بما رواه الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديث وصف القرآن المشهور وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم). رواه ابن أبي شيبة والدارمي والترمذي وغيرهم من طريق أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث عن عليّ مرفوعا، ورواه الدارمي أيضاً من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن الحارث به، والحارث هو الأعور الهمداني متروك الحديث، وكان من كبار أصحاب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، لكنَّه تغيّر بعده، وأحدث ما أحدث فترك أهل العلم حديثه، ومنهم من انتقى بعض حديثه مما لا نكارة فيه؛ كهذا الحديث ونحوه.
وهذا القول صحيح في نفسه باعتبار أنَّ من اتّبع القرآن فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم.

والقول الثالث: هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا القول رواية عن ابن مسعود.
روى الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: «الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان، ولفظه: (الصراط المستقيم تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرفه، والطرف الآخر الجنة).
- وروى ابن وهب في جامعه من طريق أبان بن أبي عياش عن مسلم ابن أبي عمران، عن عبيد الله بن عمر بن الخطاب أنه أتى ابنَ مسعود عشيةً خميس وهو يذكّر أصحابه، قال: فقلت يا أبا عبد الرحمن، ما الصراط المستقيم؟
قال: (يا ابن أخي، تركَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌّ، وعن شماله جوادٌّ، وعلى كلِّ جوادٍّ رجالٌ يدعون كلَّ من مرَّ بهم: هَلُمَّ لك، هَلُمَّ لك، فمن أخذ معهم وردوا به النار، ومن لزم الطريق الأعظم وردوا به الجنة).
وأبان ضعيف الحديث، لكن يشهد له ما قبله.

والقول الرابع: هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، ورواية عن أبي العالية الرياحي والحسن البصري.
- عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى {الصراط المستقيم} قال: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه» قال: فذكرنا ذلك للحسن فقال: «صدق والله ونصح، والله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما». رواه الحاكم موقوفاً على ابن عباس وصححه، ورواه محمد بن نصر المروزي في السنة مقطوعاً على أبي العالية.
وهذا القول له سبب، وإنما قاله ابن عباس وأبو العالية الرياحي بعد مقتل عثمان وظهور الفرق؛ فأرادا أن يبيّنا للناس أن الصراط المستقيم ما كانت الأمة مجتمعة عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ليحذرا بذلك مما أُحدثَ بعده؛ فإنَّ كلّ تلك الفرق كانت تنتسب إلى الإسلام.
قال عاصم الأحول: قال لنا أبو العالية: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط يمينا وشمالا، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي كانوا عليه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ويفعلوا الذي فعلوا، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا بخمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء).
قال: فأخبرت به الحسن فقال: (صدق ونصح).
قال: وحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت لي: (بأهلي أنت هل حدثت بهذا محمدا؟ قلت: لا، قالت: فحدّثه إياه) رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة.
ولهذا اشتهر هذا القول عن أبي العالية مع تصريحه بأنّ الصراط المستقيم هو الإسلام.

القول الخامس: هو الحقّ ، وهو قول مجاهد بن جبر رواه ابن أبي حاتم.
وهذا القول حقيقته بيان وصف هذا الصراط المستقيم بأنَّه الحقّ، لأنّ كلَّ ما اتّبع سواه فهو باطل.
فهذه الأقوال الخمسة هي المأثورة عن الصحابة والتابعين في بيان المراد بالصراط المستقيم.
قال ابن كثير: (وكلّ هذه الأقوال صحيحةٌ، وهي متلازمةٌ، فإنّ من اتّبع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، واقتدى باللّذين من بعده أبي بكرٍ وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع الحقّ فقد اتّبع الإسلام، ومن اتّبع الإسلام فقد اتّبع القرآن، وهو كتاب اللّه وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحةٌ يصدّق بعضها بعضًا، وللّه الحمد)ا.هـ.
ومما ينبغي التنبّه له أن بعض هذه الأقوال تجوّز في اختصارها وروايتها بالمعنى بعض المفسّرين؛ حتى زعم بعضهم أن الصراط المستقيم هو حبّ أبي بكر وعمر، وهذا نقل مخلّ، وإن كان حبّ الشيخين من الدين، لكن الأمانة في نقل الأقوال تقتضي الإتيان بنصّها أو التعبير عنها بما لا يخلّ بالمعنى.
ولذلك ينبغي للطالب المتقدّم في علم التفسير أن لا يكتفي بما يُنقل من أقوال السلف في التفاسير المتأخرّة، بل ينبغي له أن يرجع إلى المصادر الأصلية، فيأخذ عباراتهم بنصّها، ويميّز ما يصحّ مما لا يصحّ؛ فتندفع عنه بذلك إشكالات كثيرة سببها التجوّز في النقل، وحذف الأسانيد، والتوسّع في استخراج الروايات.

الخلاصة:

الصراط المستقيم له دلالات عظيمة لا تُحصر، ولذلك تتجدد الحاجة إلى الهداية إلى الصراط المستقيم وتتنوّع وتتفاضل إلى ما لا يخطر على بال.
وقد فسر الله عز وجلّ {الصراط المستقيم} بتفسير بديع جامع مانع في الآية التي تليها: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
فهو تفسير يجمع أحوال الهداية للصراط المستقيم وصفة المهتدين، وأحوال المحرومين من هذه الهداية وصفاتهم، وهذا التفسير يقع على معانٍ لا حصر لها:
- فالمرء يحتاج إلى الهداية في أصل أمره إلى دين الإسلام وهو الصراط المستقيم من بين جميع الأديان.
- ويحتاج إلى اتباع السنة وهي الصراط المستقيم من بين الفرق كلها.
- ويحتاج في كلّ أمر يعرض له إلى الهداية فيه إلى الصراط المستقيم وهو أحبّ المسالك فيه إلى الله، وأرشد الأمور للعبد، وأحسنها عاقبة، وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدني لأرشد أمري).
والمهتدي في كل ذلك إنما اهتدى بإنعام الله تعالى عليه كما أنعم على من قبله من عباده الصالحين.
ومن حُرم الهداية في أيّ أمرٍ من هذه الأمور فإنما حرمها لغضب أو ضلال، والضلال يتفاوت وأدناه الجهل البسيط وهو عدم العلم.
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: [ يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ]



التوقيع :

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:20 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة