العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 11:26 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (195) إلى الآية (196) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (195) إلى الآية (196) ]

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 07:15 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (قال ابن عياش: وقال زيد في قول الله: {وأنفقوا في سبيل الله
[الجامع في علوم القرآن: 1/60]
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وذلك أن رجالا كانوا يخرجون في بعوثٍ يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما يقطع بهم وإما كانوا عيالا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة؛ والتهلكة أن يهلك الرجل من الجوع أو العطش أو من المشي؛ ثم قال لمن بيده فضلٌ: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}). [الجامع في علوم القرآن: 1/61]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني أبو صخر عن القرظي أنه كان
[الجامع في علوم القرآن: 2/73]
يقول في هذه الآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل، فكان أفضل زاداً من الآخرة، أنفق الموسر حتى لا يكاد يبقى من زاده شيءٌ، أحب أن يؤاسي صاحبه، فأنزل الله: {وأنفقوا [في سبيل الله] ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}). [الجامع في علوم القرآن: 2/74]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال يقول لا تمسكوا بأيديكم عن النفقة في سبيل الله). [تفسير عبد الرزاق: 1/74]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر وأخبرني أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني قال هي في الرجل يصيب الذنب العظيم فيلقي بيديه ويرى أنه قد هلك). [تفسير عبد الرزاق: 1/74]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن أبي عمر عن أبي وائلٍ عن حذيفة في قوله جلّ وعزّ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: ألا تنفق [الآية: 195]). [تفسير الثوري: 58]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن عثمان بن الأسود عن مجاهدٍ في قوله جل وعز: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: ليس ذلك في القتال ولكن في النّفقة إذا لقيت العدو فقاتلهم). [تفسير الثوري: 59]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن منصورٍ عن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله تبارك وتعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: أنفق ولو بمشقصٍ في سبيل الله). [تفسير الثوري: 59]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن أبي يونس عن مجاهدٍ قال: إذا كان في يد أحدكم ما يقيمه فليقتصد فإنّ الرزق مقسوم ولا تناول هذه الآية {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [الآية: 195]). [تفسير الثوري: 59]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] ثنا بعض أشياخنا في قول اللّه تبارك وتعالى: {وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين} قال: أحسنوا بالله الظن [الآية: 195]). [تفسير الثوري: 59]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة - في قوله عزّ وجلّ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} -، قال: ترك النّفقة.
[سنن سعيد بن منصور: 2/710]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ أو غيره، عن مجاهدٍ، قال: بمنعكم النّفقة في سبيل اللّه مخافة العيلة). [سنن سعيد بن منصور: 2/711]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين} [البقرة: 195]
[صحيح البخاري: 6/27]
«التّهلكة والهلاك واحدٌ»
[صحيح البخاري: 6/27]
- حدّثنا إسحاق، أخبرنا النّضر، حدّثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائلٍ، عن حذيفة، {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195] قال: «نزلت في النّفقة»). [صحيح البخاري: 6/27]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة)
وساق إلى آخر الآية قوله التّهلكة والهلاك واحدٌ هو تفسير أبي عبيدة وزاد والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمّها واللّام ساكنةٌ فيهما وكلّ هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي وقيل التّهلكة ما أمكن التّحرّز منه والهلاك بخلافه وقيل التّهلكة نفس الشّيء المهلك وقيل ما تضرّ عاقبته والمشهور الأوّل ثمّ ذكر المصنّف حديث حذيفة في هذه الآية قال نزلت في النّفقة أي في ترك النّفقة في سبيل اللّه عزّ وجلّ وهذا الّذي قاله حذيفة جاء مفسّرًا في حديث أبي أيّوب الّذي أخرجه مسلمٌ والنّسائيّ وأبو داود والتّرمذيّ وبن حبّان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال كنّا بالقسطنطينيّة فخرج صفٌّ عظيمٌ من الرّوم فحمل رجلٌ من المسلمين على صفّ الرّوم حتّى دخل فيهم ثمّ رجع مقبلًا فصاح النّاس سبحان اللّه ألقى بيده إلى التّهلكة فقال أبو أيّوب أيّها النّاس إنّكم تؤوّلون هذه الآية على هذا التّأويل وإنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنّا لمّا أعزّ اللّه دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرًّا إنّ أموالنا قد ضاعت فلو أنّا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل اللّه هذه الآية فكانت التّهلكة الإقامة الّتي أردناها وصحّ عن بن عبّاسٍ وجماعةٍ من التّابعين نحو ذلك في تأويل الآية وروى بن أبي حاتمٍ من طريق زيد بن أسلم أنّها كانت نزلت في ناسٍ كانوا يغزون بغير نفقةٍ فيلزم على قوله اختلاف المأمورين فالّذين قيل لهم أنفقوا وأحسنوا أصحاب الأموال والّذين قيل لهم ولا تلقوا الغزاة بغير نفقةٍ ولا يخفى ما فيه ومن طريق الضّحّاك بن أبي جبيرة كان الأنصار يتصدّقون فأصابتهم سنة فامسكوا فنزلت وروى بن جرير وبن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن مدرك بن عوفٍ قال إنّي لعند عمر فقلت إنّ لي جارًا رمى بنفسه في الحرب فقتل فقال ناسٌ ألقى بيده إلى التّهلكة فقال عمر كذبوا لكنّه اشترى الآخرة بالدّنيا وجاء عن البراء بن عازبٍ في الآية تأويلٌ آخر أخرجه بن جرير وبن المنذر وغيرهما عنه بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي إسحاق قال قلت للبراء أرأيت قول اللّه عزّ وجلّ ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة هو الرّجل يحمل على الكتيبة فيها ألفٌ قال لا ولكنّه الرّجل يذنب فيلقي بيده فيقول لا توبة لي وعن النّعمان بن بشيرٍ نحوه والأوّل أظهر لتصدير الآية بذكر النّفقة فهو المعتمد في نزولها وأمّا قصرها عليه ففيه نظرٌ لأنّ العبرة بعموم اللّفظ على أنّ أحمد أخرج الحديث المذكور من طريق أبي بكر وهو بن عيّاشٍ عن أبي إسحاق بلفظٍ آخر قال قلت للبراء الرّجل يحمل على المشركين أهو ممّن ألقى بيده إلى التّهلكة قال لا لأنّ اللّه تعالى قد بعث محمّدًا فقال فقاتل في سبيل اللّه لا تكلّف إلّا نفسك فإنّما ذلك في النّفقة فإن كان محفوظًا فلعلّ للبراء فيه جوابين والأوّل من رواية الثّوريّ وإسرائيل وأبي الأحوص ونحوهم وكلٌّ منهم أتقن من أبي بكرٍ فكيف مع اجتماعهم وانفراده اه وأمّا مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدوّ فصرّح الجمهور بأنّه إن كان لفرط شجاعته وظنّه أنّه يرهب العدوّ بذلك أو يجرّئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصّحيحة
[فتح الباري: 8/185]
فهو حسنٌ ومتى كان مجرّد تهوّرٍ فممنوعٌ ولا سيّما إن ترتّب على ذلك وهنٌ في المسلمين والله أعلم). [فتح الباري: 8/186]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب قوله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين} (البقرة: 195)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {وأنفقوا} الخ. قوله: (وأنفقوا) عطف على قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة} (البقرة: 193) وسبب نزولها أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدّقون فأصابتهم سنة فأمسكوا، والسبيل الطّريق والمراد به طريق الخيرات. قوله: (ولا تلقوا بأيدكم) قال الزّمخشريّ الباء زائدة المعنى، أي لا تقبضوا التّهلكة أيديكم، وقيل: معناه لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التّهلكة، فالأنفس مضمرة والباء أداة والأيدي عبارة عن كل البدن، كما في قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب} (المسد: 1) أي: تب هو، قال الحسن البصريّ: التّهلكة البخل، وقال سماك بن حرب عن النّعمان بن بشير في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} (البقرة: 195) أن يذنب الرجل الذّنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله تعالى: {ولا تلقوا بأيدكم إلى التّهلكة} الآية، رواه ابن مردويه، وروى عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس التّهلكة عذاب الله قوله: (وأحسنوا) فيه أقوال. أحدها: في أداء الفرائض والثّاني: الظّن باللّه. الثّالث: تفضلوا على من ليس في يده شيء. الرّابع: صلوا الخمس.
التّهلكة والهلاك واحدٌ
يعني: كلاهما مصدران لكن التّهلكة من نوادر المصادر، يقال: هلك الشّيء يهلك هلاكًا وهلوكا ومهلك ومهلكا وتهلكةً، والاسم الهلك، بالضّمّ، والهلكة بفتح اللّام والهلاك قال الزّمخشريّ: ويجوز أن يكون أصل التّهلكة بكسر اللّام كالتجربة، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاءت الجوار في الجوار.
- حدّثنا إسحاق أخبرنا النّضر حدّثنا شعبة عن سليمان قال سمعت أبا وائلٍ عن حذيفة وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة قال نزلت في النّفقة.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة وإسحاق هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، والنضر، بفتح النّون وسكون الضّاد المعجمة ابن شميل مصغر شمل، وسليمان هو الأعمش، وأبو وائل شقيق بن سلمة. قوله: (في النّفقة) أي: في ترك النّفقة في سبيل الله). [عمدة القاري: 18/110]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين} [البقرة: 195] التّهلكة والهلاك واحدٌ
(باب قوله) تعالى، وسقط ذلك لغير أبي ذر ({وأنفقوا في سبيل الله}) في سائر وجوه القربات وخاصة الصرف في قتال الكفار والبذل فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم ({ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}) بالكف عن الغزو والإنفاق فيه فإنه يقوي العدوّ ويسلطهم على إهلاككم أو المراد الإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد والباء في بأيديكم زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه قال الله تعالى: {فألقى موسى عصاه} وقيل متعلقة بالفعل غير زائدة والمفعول محذوف أي "ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم" يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسبب لهلاكها ({وأحسنوا}) أعمالكم وأخلاقكم أو تفضلوا على المحاويج ({إن الله يحب المحسنين}) [البقرة: 195].
(التهلكة والهلاك واحد) مصدران.
- حدّثنا إسحاق أخبرنا النّضر، حدّثنا شعبة، عن سليمان قال: سمعت أبا وائلٍ، عن حذيفة {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: نزلت في النّفقة.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (إسحاق) بن راهويه قال: (حدّثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة) قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت يعني هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنّا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية الحديث. رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي والنسائي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وهو مفسر لقول حذيفة هذا). [إرشاد الساري: 7/29]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}
قوله: (قال: نزلت في النفقة) قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا: فيما بيننا لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها،
فأنزل الله هذه الآية، وهو مفسر لقول حذيفة هذا اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/40]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا الضّحّاك بن مخلدٍ، عن حيوة بن شريحٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبي عمران التّجيبيّ، قال: كنّا بمدينة الرّوم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الرّوم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامرٍ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيدٍ، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفّ الرّوم حتّى دخل فيهم، فصاح النّاس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التّهلكة. فقام أبو أيّوب الأنصاريّ فقال: يا أيّها النّاس إنّكم لتؤوّلون هذه الآية هذا التّأويل، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لمّا أعزّ اللّه الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعضٍ سرًّا دون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ اللّه قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل اللّه تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم يردّ علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}، فكانت التّهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو فما زال أبو أيّوب، شاخصًا في سبيل الله حتّى دفن بأرض الرّوم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ). [سنن الترمذي: 5/62]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله}
- أخبرنا محمّد بن حاتم بن نعيمٍ، أخبرنا حبّان، أخبرنا عبد الله، عن زائدة، عن الرّكين بن الرّبيع، عن الرّبيع بن عميلة، عن يسير بن عميلة، عن خريم بن فاتكٍ الأسديّ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أنفق نفقةً في سبيل الله كتب له بسبع مائة ضعفٍ»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/27]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}
- أخبرنا عبيد الله بن سعيدٍ، عن حديث أبي عاصمٍ، عن حيوة بن شريحٍ، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ، قال: حدّثني أسلم أبو عمران، قال: قال أبو أيّوب صاحب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " إنّا لمّا أعزّ الله الإسلام وكثّر ناصريه قال بعضنا لبعضٍ سرًّا بيننا: إنّ الله جلّ وعزّ أعزّ الإسلام وكثّر ناصريه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا منها، فأنزل الله جلّ وعزّ وردّ ذلك علينا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين} [البقرة: 195] فكانت التّهلكة الإقامة في أموالنا "
[السنن الكبرى للنسائي: 10/27]
- أخبرنا محمّد بن حاتمٍ، أخبرنا حبّان، أخبرنا عبد الله، عن حيوة، أخبرني يزيد بن أبي حبيبٍ، حدّثنا أسلم أبو عمران، قال: " كنّا بالقسطنطينة، وعلى أهل مصر عقبة بن عامرٍ، وعلى أهل الشّام فضالة بن عبيدٍ، فخرج من المدينة صفٌّ عظيمٌ من الرّوم، وصففنا لهم صفًّا عظيمًا من المسلمين، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفّ الرّوم حتّى دخل بهم، ثمّ خرج إلينا مقبلًا، فصاح النّاس فقالوا: سبحان الله، الفتى ألقى بيده إلى التّهلكة، فقال أبو أيّوب صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا أيّها النّاس، إنّكم تتأوّلون هذه الآية على هذا التّأويل، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لمّا أعزّ الله دينه وكثّر ناصريه قلنا بيننا بعضنا لبعضٍ سرًّا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ أموالنا قد ضاعت، فلو أنّا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تبارك وتعالى في كتابه يردّ علينا ما هممنا به قال: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195] فكانت التّهلكة الإقامة الّتي أردنا أن نقيم في أموالنا فنصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيّوب غازيًا في سبيل الله حتّى قبض "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/28]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل هذه الآية، ومن عنى بقوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} فقال بعضهم: عنى بذلك: {وأنفقوا في سبيل اللّه} وسبيل اللّه: طريقه الّذي أمر أن يسلك فيه إلى عدوّه من المشركين لجهادهم، وحربهم {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} يقول: ولا تتركوا النّفقة في سبيل اللّه، فإنّ اللّه يعوّضكم منها أجرًا ويرزقكم عاجلاً.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني أبو السّائب، سلم بن جنادة، والحسن بن عرفة قالا: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: يعني في ترك النّفقة فى سبيل الله.
[جامع البيان: 3/312]
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا شعبة، وحدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن حذيفة، وحدّثني محمّد بن خلفٍ العسقلانيّ قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الأعمش، وحدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد قال: حدّثنا سفيان، عن عاصمٍ جميعًا، عن شقيقٍ، عن حذيفة، قال: هو ترك النّفقة في سبيل اللّه.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ، أنّه قال في هذه الآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال تنفق في سبيل اللّه وإن لم يكن لك إلاّ مشقصٌ، أو سهمٌ، شعبة الّذي يشكّ في ذلك.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ الّذي كان يحدّث عنه الكلبيّ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إنّ لم يكن لك إلاّ سهمٌ، أو مشقصٌ أنفقه.
[جامع البيان: 3/313]
- حدّثني ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: في النّفقة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال ليس التّهلكة أن يقتل الرّجل في سبيل اللّه، ولكن الإمساك عن النّفقة في سبيل اللّه.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن عكرمة، قال نزلت في النّفقات في سبيل اللّه، يعني قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}.
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، أنّه كان يقول في هذه الآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال كان القوم في سبيل اللّه، فيتزوّد الرّجل، فكان أفضل زادًا من الآخر أنفق البائس من زاده حتّى لا يبقى من زاده شيءٌ أحبّ أن يواسي صاحبه، فأنزل اللّه: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}.
[جامع البيان: 3/314]
- حدّثني محمّد بن خلفٍ العسقلانيّ، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا شيبان، عن منصور بن المعتمر، عن أبي صالحٍ مولى أمّ هانئٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال لا يقولنّ أحدكم إنّي لا أجد شيئًا إن لم يجد إلاّ مشقصًا فليتجهّز به في سبيل اللّه.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى الصّنعانيّ، قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت داود يعني ابن أبي هندٍ، عن عامرٍ، أنّ الأنصار، كان احتبس عليهم بعض الرّزق، وكانوا قد أنفقوا نفقاتٍ، قال: فساء ظنّهم وأمسكوا. قال: فأنزل اللّه: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: وكانت التّهلكة سوء ظنّهم وإمساكهم.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال لا تمنّعكم نفقةً في حقٍّ خيفة العيلة.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: وكان قتادة يحدّث أنّ الحسن حدّثه أنّهم كانوا يسافرون ويغزون ولا ينفقون من أموالهم، أو قال: لا ينفقون في ذلك، فأمرهم اللّه أن ينفقوا في مغازيهم في سبيل اللّه.
[جامع البيان: 3/315]
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} يقول لا تمسكوا بأيديكم عن النّفقة في سبيل اللّه.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وأنفقوا في سبيل اللّه} يقول أنفق في سبيل اللّه ولو عقالاً {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} تقول: ليس عندي شيءٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو غسّان، قال: حدّثنا زهيرٌ، قال: حدّثنا خصيفٌ، عن عكرمة، في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال لمّا أمر اللّه بالنّفقة فكانوا أو بعضهم يقولون: ننفق فيذهب مالنا ولا يبقى لنا شيءٌ، قال: فقال أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة، قال: أنفقوا وأنا أرزقكم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن يونس، عن الحسن، قال نزلت في النّفقة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابو همّامٍ الأهوازيّ، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في التّهلكة. قال أمرهم اللّه بالنّفقة في سبيل اللّه. وأخبرهم أنّ ترك النّفقة في سبيل اللّه التّهلكة.
[جامع البيان: 3/316]
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: سألت عطاءً، عن قوله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: يقول أنفقوا في سبيل اللّه ما قلّ وكثر.
قال: وقال لي عبد اللّه بن كثيرٍ نزلت في النّفقة في سبيل اللّه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ. عن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال لا يقولنّ الرّجل: لا أجد شيئًا قد هلكت. فليتجهّز ولو بمشقصٍ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي. قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي عنٍ أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله. {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} يقول أنفقوا ما كان من قليلٍ أو كثيرٍ. ولا تستسلموا، ولا تنفقوا شيئًا فتهلكوا.
- حدّثني المثنّى، قال حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال التّهلكة: أن يمسك الرّجل نفسه، وماله عن النّفقة في الجهاد في سبيل اللّه.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا عبد الواحد بن زيادٍ، عن يونس، عن الحسن، في قوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: أمر أن تنفقوا في سبيل اللّه، وقال: لا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة فتدعوا النّفقة في سبيل اللّه.
[جامع البيان: 3/317]
- حدّثنا ابن سنان القزاز، قال: الحسين بن الحسن الأشقر، قال: حدّثنا أبو حذيفه، عن عطاء، عن سعيدٍ، عن ابن عبّاسٍ فى قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: ليس في القتال، ولكن حبسك النّفقة في سبيل اللّه لأنه عرضه تّهلكة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ. عن أبي صالحٍ، مولى أم هانىء، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: إن لم تجد شيئا إلا مشقصا فلتجهز به في سبيل اللّه، ولا تقولن: لا أجد شيئا قد هلكت.
وقال آخرون ممّن وجّه تأويل ذلك إلى أنّه معنيّةٌ به النّفقة: معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل اللّه، ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة. فتخرّجوا في سبيل اللّه بغير نفقةٍ، ولا قوّةٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال. أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال إذا لم يكن عندك ما تنفق فلا تخرج بنفسك بغير نفقةٍ، وقوّةٍ فتلقي بيديك إلى التّهلكة.
حدّثني يونس، قال. أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنى عبد الله بن عياش،، قال: قال زيدٍ بن أسلم، في قول الله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}،
[جامع البيان: 3/318]
وذلك أن رجالا كانوا يخرجون فى بعوث يبعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بغير نفقه فإما يقطع بهم، وإما كانوا عيالا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكه؛ والتهلكه: أن يهلك رجال من الجوع والعطش، أو من المشى، وقال لمن بيده فضل: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}.
وقال آخرون: بل معناه أنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم فيما أصبتم من الآثام إلى التّهلكة، فتيأسوا من رحمة اللّه، ولكن ارجوا رحمته واعملوا الخيرات.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عبيدٍ المحاربيّ، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ، في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال هو الرّجل يصيب الذّنوب فيلقي بيده إلى التّهلكة، يقول: لا توبة لي.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: حدّثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجلٌ أحمل على المشركين وحدي فيقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التّهلكة؟ فقال لا، إنّما التّهلكة في النّفقة بعث اللّه رسوله، فقال: {فقاتل في سبيل اللّه لا تكلّف إلاّ نفسك}.
- حدّثنا الحسن بن عرفة، وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثّوريّ، عن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن البراء بن عازبٍ، في قول اللّه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال هو الرّجل يذنب الذّنب فيقول: لا يغفر اللّه لى.
[جامع البيان: 3/319]
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجلٌ فقال يا أبا عمارة أرأيت قول اللّه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} أهو الرّجل يتقدّم فيقاتل حتّى يقتل؟ قال لا، ولكنّه الرّجل يعمل بالمعاصي، ثمّ يلقي بيده ولا يتوب.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا الحسين، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجلٌ فقال الرّجل يحمل على كتيبةٍ وحده فيقاتل، أهو ممّن ألقى بيده إلى التّهلكة؟ فقال: لا، ولكنّ التّهلكة أن يذنب الذّنب فيلقي بيده، فيقول: لا تقبل لي توبةٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن الجرّاح، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء بن عازبٍ، يا أبا عمارة، الرّجل يلقى ألفًا من العدوّ فيحمل عليهم وإنّما هو وحده، أيكون ممّن قال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} فقال لا، ليقاتل حتّى يقتل، قال اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {فقاتل في سبيل اللّه لا تكلّف إلاّ نفسك}.
- حدّثنا مجاهد بن موسى، قال: أخبرنا يزيد،
[جامع البيان: 3/320]
قال: أخبرنا هشامٌ، وحدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن هشامٍ، عن محمّدٍ، قال: وسألت عبيدة، عن قول اللّه: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} الآية. فقال عبيدة كان الرّجل يذنب الذّنب قال: حسبته قال: العظيم فيلقي بيده فيستهلك زاد يعقوب في حديثه: فنهوا عن ذلك، فقيل: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة السّلمانيّ، عن ذلك، فقال هو الرّجل يذنب الذّنب فيستسلم ويلقي بيده إلى التّهلكة، ويقول: لا توبة له. يعني قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا أيّوب، عن محمّدٍ، عن عبيدة في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال كان الرّجل يصيب الذّنب فيلقي بيده.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، عن عبيدة، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: القنوط.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن يونس، وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السّلمانيّ، قال هو الرّجل يذنب الذّنب فيستسلم، يقول: لا توبة لي، فيلقي بيده.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق،
[جامع البيان: 3/321]
قال: أخبرنا معمرٌ، قال: حدّثني أيّوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، أنّه قال هي في الرّجل يصيب الذّنب العظيم، فيلقي بيده ويرى أنّه قد هلك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تتركوا الجهاد في سبيله.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني حيوة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبي عمران، قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينيّة وعلى أهل مصر عقبة بن عامرٍ، وعلى الجماعة عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد. قال: فصففنا صفّين، لم أر صفّين قطّ أعرض ولا أطول منهما، والرّوم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجلٌ منّا على العدوّ، فقال النّاس: مه لا إله إلاّ اللّه، يلقي بيده إلى التّهلكة قال أبو أيّوب الأنصاريّ، إنّما تأوّلون هذه الآية هكذا إن حمل رجلٌ يقاتل يلتمس الشّهادة أو يبلي من نفسه إنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنّا لمّا نصر اللّه نبيّه، وأظهر الإسلام، قلنا: بيننا معشر الأنصار خفيًّا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّا قد كنّا تركنا أهلنا، وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتّى نصر اللّه نبيّه، هلمّ نقيم في أموالنا، ونصلحها فأنزل اللّه الخبر من السّماء: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} الآية، فالإلقاء بالأيدي إلى التّهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيّوب يجاهد في سبيل اللّه حتّى دفن بالقسطنطينيّة.
[جامع البيان: 3/322]
- حدّثني محمّد بن عمارة الأسديّ، وعبد اللّه بن أبي زيادٍ، قالا: حدّثنا أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن يزيد، قال: أخبرني حيوة، وابن لهيعة، قالا: حدّثنا يزيد بن أبي حبيبٍ، قال: حدّثني أسلم أبو عمران مولى تجيب، قال: كنّا بالقسطنطينيّة، وعلى أهل مصر عقبة بن عامرٍ الجهنيّ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وعلى أهل الشّام فضالة بن عبيدٍ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج من المدينة صفٌّ عظيمٌ من الرّوم، قال: وصففنا صفًّا عظيمًا من المسلمين، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفّ الرّوم حتّى دخل فيهم، ثمّ خرج إلينا مقبلاً، فصاح النّاس، وقالوا: سبحان اللّه، ألقى بيده إلى التّهلكة فقام أبو أيّوب الأنصاريّ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أيّها النّاس إنّكم تتأوّلون هذه الآية على هذا التّأويل، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار: إنّا لمّا أعزّ اللّه دينه، وكثّر ناصريه، قلنا: فيما بيننا بعضنا لبعضٍ سرًّا من رسول اللّه إنّ أموالنا قد ضاعت، فلو أنّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل اللّه في كتابه يردّ علينا ما هممنا به، فقال: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} بالإقامة الّتي أردنا أن نقيم في الأموال ونصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيّوب غازيًا في سبيل اللّه حتّى قبضه اللّه.
[جامع البيان: 3/323]
والصّواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن اللّه جلّ ثناؤه أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: {وأنفقوا في سبيل اللّه} وسبيله: طريقه الّذي شرعه لعباده وأوضحه لهم.
ومعنى ذلك: {وأنفقوا في سبيل اللّه} وأنفقوا في إعزاز ديني الّذي شرعته لكم بجهاد عدوّكم النّاصبين لكم الحرب على الكفر بي ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التّهلكة، فقال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} وذلك مثلٌ، والعرب تقول للمستسلم للأمر: أعطى فلانٌ بيديه، وكذلك يقال للممكّن من نفسه ممّا أريد به أعطى بيديه.
فمعنى قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمّتكم فتهلكوا والتّارك النّفقة في سبيل اللّه عند وجوب ذلك عليه مستسلمٌ للهلكة بتركه أداء فرض اللّه عليه في ماله. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه جعل أحد سهام الصّدقات المفروضات الثّمانية في سبيله، فقال: {إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين} إلى قوله: {وفي سبيل اللّه وابن السّبيل} فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل اللّه على ما لزمه كان للهلكة مستسلمًا وبيديه للتّهلكة ملقيًا. وكذلك الآيس من رحمة اللّه لذنبٍ سلف منه ملقٍ بيديه إلى التّهلكة؛ لأنّ اللّه قد نهى عن ذلك فقال: {ولا تيأسوا من روح اللّه إنّه لا ييأس من روح اللّه إلاّ القوم الكافرون} وكذلك التّارك غزو المشركين وجهادهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه، مضيّعٌ فرضًا، ملقٍ بيده إلى التّهلكة.
[جامع البيان: 3/324]
فإذا كانت هذه المعاني كلّها يحتملها قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} ولم يكن اللّه عزّ وجلّ خصّ منها شيئًا دون شيءٍ، فالصّواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ اللّه نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائزٍ لأحدٍ منّا الدّخول في شيءٍ يكره اللّه منّا ممّا نستوجب بدخولنا فيه عذابه. غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيّها المؤمنون في سبيل اللّه، ولا تتركوا النّفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال التّهلكة: عذاب اللّه.
فيكون ذلك إعلامًا منه لهم بعد أمره إيّاهم بالنّفقة ما لمن ترك النّفقة المفروضة عليه في سبيله من العقوبة في المعاد.
فإن قال قائلٌ: فما وجه إدخال الباء في قوله. {ولا تلقوا بأيديكم} وقد علمت أنّ المعروف من كلام العرب ألقيت إلى فلانٍ درهمًا، دون ألقيت إلى فلانٍ بدرهمٍ؟
قيل: قد قيل إنّها زيدت نحو زيادة القائل الباء في قوله: جذبت بالثّوب، وجذبت الثّوب، وتعلّقت به، وتعلّقته، و{تنبت بالدّهن} وإنّما هو تنبت الدّهن.
[جامع البيان: 3/325]
وقال آخرون: الباء في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم} أصلٌ للكلمة، لأنّ كلّ فعلٍ واقعٌ كنّي عنه فهو مضطرٌّ إليها، نحو قولك في رجلٍ: كلّمته، فأردت الكناية عن فعله، فإذا أردت ذلك قلت: فعلت به قالوا: فلمّا كان الباء هي الأصل جاز إدخال الباء وإخراجها في كلّ فعلٍ سبيله سبيل كلمته.
وأمّا التّهلكة، فإنّها التّفعلة من الهلاك). [جامع البيان: 3/326]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وأحسنوا} أحسنوا أيّها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنّب ما أمرتكم بتجنّبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي. وعود القويّ فيكم على الضّعيف ذي الخلّة، فإنّي أحبّ المحسنين في ذلك.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ من الصّحابة، في قوله {وأحسنوا إن اللّه يحبّ المحسنين} قال: أداء الفرائض.
وقال بعضهم: معناه: أحسنوا الظّنّ باللّه.
[جامع البيان: 3/326]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين} قال أحسنوا الظّنّ باللّه يبرّبكم.
وقال آخرون: أحسنوا بالعود على المحتاج.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين} عودوا على من ليس في يده شيءٌ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنى عبد الله بن عياش، قال: قال زيدٍ بن أسلم: قال لمن فى يده فضل: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}). [جامع البيان: 3/327]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين (195)
قوله: وأنفقوا في سبيل اللّه
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن منصورٍ قال سمعت أبا صالحٍ مولى أم هاني أنّه سمع ابن عبّاسٍ يقول في قول اللّه: وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة قال: أنفق في سبيل اللّه، وإن لم تجد إلّا مشقصًا.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا المسيّب بن واضحٍ، ثنا يوسف بن أسباطٍ، عن سفيان، قوله: وأنفقوا في سبيل اللّه قال: في طاعة اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 1/330]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
اختلف في تفسيره، فأحد ذلك:
[الوجه الأول]
ما قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني حيوة، وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبي عمران، قال: غزونا القسطنطينيّة، وعلى أهل مصر عقبة بن عامرٍ، وعلى الجماعة عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، فحمل رجلٌ منّا على العدوّ، فقال النّاس: مه مه، لا إله إلا اللّه، يلقي بيديه، فقال أبو أيّوب الأنصاريّ: إنّما تأوّلون هذه الآية هكذا، إن حمل رجلٌ يلتمس الشّهادة أو يبلى من نفسه. إنّما نزلت الآية فينا معشر الأنصار، إنّا لمّا نصر اللّه تعالى نبيّه، وأظهر الإسلام، قلنا بيننا خفيًّا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّا كنّا قد تركنا أهلنا وأموالنا أن
[تفسير القرآن العظيم: 1/330]
نقيم فيها ونصلحها حتّى ينصر اللّه تعالى رسوله. هل نقيم في أموالنا ونصلحها؟
فأنزل اللّه الخبر من السّماء وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة والإلقاء بالأيدي إلى التّهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. وقال أبو عمران: فلم يزل أبو أيّوب يجاهد في سبيل اللّه حتّى دفن بالقسطنطينيّة.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ ، عن حذيفة، في قول اللّه: ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة قال:
يعني: في ترك النّفقة في سبيل اللّه.
وروي، عن ابن عبّاسٍ وعكرمة والحسن ومجاهدٍ وعطاءٍ وسعيد بن جبيرٍ وأبي صالحٍ والضّحّاك والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان وقتادة، نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أخبرني ابن وهبٍ، أخبرني عبد الله ابن عيّاشٍ، عن زيد بن أسلم، في قول اللّه: وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وذلك أنّ رجالا كانوا يخرجون في بعوثٍ يبعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، بغير نفقةٍ، فإمّا يقطع بهم وإمّا كانوا عيالا. فأمرهم اللّه أن يستنفقوا ممّا رزقهم اللّه، ولا يلقوا بأيديهم إلى التّهلكة، والتّهلكة: أن يهلك رجالٌ من الجوع أو العطش أو من المشي وقال لمن بيده فضلٌ: وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين وروي، عن القاسم بن محمّدٍ، نحو ذلك.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني أبو صخرٍ، عن القرظيّ، أنّه كان يقول في هذه الآية ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة قال: كان القوم في سبيل اللّه، فيتزوّد الرّجل، فكان أفضل زادًا من الآخر. أنفق البائس حتى
[تفسير القرآن العظيم: 1/331]
لا يبقى من زاده شيءٌ، أحبّ أن يواسي صاحبه، فأنزل اللّه تعالى وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة
والوجه الخامس
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني اللّيث، حدّثنا عبد الرّحمن يعني ابن خالد بن مسافرٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ، أنّ عبد الرّحمن الأسود بن عبد يغوث أخبره، أنّهم حاصروا دمشق، فانطلق رجلٌ من أزد شنوءة فأسرع في العدوّ وحده ليستقتل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرٌو، فردّه وقال له عمرٌو: قال اللّه تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة
الوجه السّادس:
- حدّثنا محمّد بن إسماعيل الأحمس، ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة قال: فقال له رجلٌ يا أبا عمارة: هو الرّجل يلقى العدوّ فيستقتل؟ قال: لا، ولكنّه الرّجل يذنب، فيلقي بيده، فيقول لا يغفره اللّه لي. وعن النّعمان بن بشيرٍ وعبيدة السّلمانيّ والحسن وأبي قلابة ومحمّد بن سيرين نحو ذلك.
والوجه السّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة والتّهلكة: عذاب اللّه.
والوجه الثّامن:
- حدّثنا أبي، ثنا هدبة، ثنا حمّاد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشّعبيّ، عن الضّحّاك بن أبي جبيرة، قال: كانت الأنصار يتصدّقون، يعطون ما شاء اللّه، فأصابتهم سنةٌ فأمسكوا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين
[تفسير القرآن العظيم: 1/332]
والوجه التّاسع:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، عن عوفٍ، عن الحسن ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة قال: البخل). [تفسير القرآن العظيم: 1/333]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر العدنيّ، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين قال: أحسنوا الظّنّ باللّه، يبرّ بكم.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن يمانٍ وأبو أسامة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، في قوله: وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين قال: في أداء الفرائض.
وفي حديث ابن يمانٍ: في الصّلوات الخمس.
- حدّثنا الحجّاج بن حمزة، ثنا ابن أبي الحواريّ، ثنا محمّد بن ثابتٍ قال:
دخلنا على فضيل بن عياضٍ، فقال لنا: اعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كلّه وكانت له دجاجةٌ، فأساء إليها لم يكن من المحسنين). [تفسير القرآن العظيم: 1/333]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال
[تفسير مجاهد: 98]
نا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير في قوله لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني ترك النفقة في سبيل الله). [تفسير مجاهد: 99]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يقول لا يمنعكم النفقة في حق خيفة العيلة). [تفسير مجاهد: 99]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا محمّد بن صالح بن هانئٍ، ثنا محمّد بن أحمد بن أنسٍ القرشيّ، ثنا عبد اللّه بن يزيد المقرئ، أنبأ حيوة بن شريحٍ، أنبأ يزيد بن أبي حبيبٍ، أخبرني أسلم أبو عمران، مولى بني تجيب، قال: كنّا بالقسطنطينيّة وعلى أهل مصر عقبة بن عامرٍ الجهنيّ، وعلى أهل الشّام فضالة بن عبيدٍ الأنصاريّ، فخرج صفٌّ عظيمٌ من الرّوم فصففنا لهم صفًّا عظيمًا من المسلمين، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفّ الرّوم حتّى دخل فيهم، ثمّ خرج إلينا مقبلًا فصاح في النّاس، فقالوا: ألقى بيده إلى التّهلكة. فقال أبو أيّوب صاحب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: " يا أيّها النّاس، إنّكم تتأوّلون هذه الآية على هذا التّأويل، وإنّما أنزلت فينا معشر الأنصار إنّا لمّا أعزّ اللّه دينه وكثر ناصريه قال بعضنا لبعضٍ سرًّا من رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: إنّ أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها فأصلحنا منها. فردّ اللّه علينا ما هممنا به، قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195] فكانت التّهلكة في الإقامة على أموالنا الّتي أردنا، فأمرنا بالغزو «فما زال أبو أيّوب غازيًا في سبيل اللّه حتّى قبضه اللّه عزّ وجلّ» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/302]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عبد الرّحمن السّبيعيّ، ثنا أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي اللّه عنه، قال له رجلٌ: يا أبا عمارة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195] أهو الرّجل يلقى العدوّ فيقاتل حتّى يقتل؟ قال: " لا، ولكن هو الرّجل يذنب الذّنب، فيقول: لا يغفر اللّه لي «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه» ). [المستدرك: 2/302]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ) حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: نزلت في النفقة.
[جامع الأصول: 2/30]
أخرجه البخاري). [جامع الأصول: 2/31]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت د) أسلم أبو عمران رحمه الله قال: «كنّا بمدينة الرّوم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر: عقبة بن عامرٍ، وعلى الجماعة : فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صفّ الرّوم، حتّى دخل فيهم، فصاح النّاس، وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة؟! فقام أبو أيّوب الأنصاري، فقال: يا أيها النّاس، إنكم لتؤوّلون هذه الآية هذا التأويل؟! وإنما نزلت هذه الآية فينا -معشر الأنصار -: لما أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول الله صلى الله عليه وسلم -: إنّ أموالنا قد ضاعت، وإن اللّه قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله -تبارك وتعالى- على نبيه، يردّ علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} وكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله، حتى دفن بأرض الرّوم». هذه رواية الترمذي.
[جامع الأصول: 2/31]
وفي رواية أبي داود قال: «غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجلٌ على العدوّ، فقال الناس - مه مه، لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التّهلكة! فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فينا -معشر الأنصار -لما نصر الله نبيّه، وأظهر الإسلام، قلنا، هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عزّ وجلّ {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} فالإلقاء بالأيدي إلى التّهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية».
[جامع الأصول: 2/32]
[شرح الغريب]
(شاخصاً) : شخص الرجل من بلد إلى بلد: إذا انتقل إليه، والمراد به: لم يزل مسافراً). [جامع الأصول: 2/33]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195].
- عن أبي جبيرة بن الضّحّاك قال: كانت الأنصار يتصدّقون، ويعطون ما شاء اللّه، فأصابتهم سنةٌ فأمسكوا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195].
رواه الطّبرانيّ في الكبير والأوسط وزاد: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين} [البقرة: 195]. ورجالهما رجال الصّحيح.
- وعن النّعمان بن بشيرٍ في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} [البقرة: 195] قال: كان الرّجل يذنب الذّنب فيقول: لا يغفر اللّه لي! فأنزل اللّه تعالى: ولا {تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين} [البقرة: 195].
رواه الطّبرانيّ في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصّحيح). [مجمع الزوائد: 6/317]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أبو يعلى الموصليّ: ثنا هدبة، ثنا حمّاد بن سلمة، ثنا داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ، عن الضّحّاك بن أبي جبيرة قال: "كانت الأنصار يتصدّقون ويعطون ما شاء اللّه حتّى أصابتهم سنةٌ، فأمسكوا، فأنزل اللّه- عزّ وجلّ-: (وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين) .
هذا إسنادٌ رواته ثقاتٌ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/180]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.
أخرج وكيع وسفيان بن عينية وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة.
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس في قوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: ترك النفقة في سبيل الله أنفق ولو مشقصا.
وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة في قوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقات في سبيل الله.
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد عن مجاهد قال: إنما أنزلت هذه الآية {ولا
[الدر المنثور: 2/321]
تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} في النفقة في سبيل الله.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل فكان أفضل زادا من الآخر أنفق اليابس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء أحب أن يواسي صاحبه فأنزل الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: كانوا يسافرون ويقترون ولا ينفقون من أموالهم فأمرهم أن ينفقوا في مغازيهم في سبيل الله.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الشعب في قوله !
[الدر المنثور: 2/322]
{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: هو البخل.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن زيد بن الأسلم في الآية قال: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة فإما يقطع بهم وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش ومن المشي وقال لمن بيده فضل {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.
وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى، وابن جرير والبغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن قانع والطبراني عن الضحاك بن أبي جبيرة أن الأنصاركانوا ينفقون في سبيل الله ويتصدقون فأصابتهم سنة فساء ظنهم وأمسكوا عن ذلك فأنزل الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.
وأخرج سفيان بن عينية، وعبد بن حميد عن مجاهد {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: لا يمنعنكم النفقة في حق
[الدر المنثور: 2/323]
خيفة العيلة.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في "سننه" عن أسلم أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد فخرج صف عظيم من الروم فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.
وأخرج وكيع وسفيان بن عينية والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن البراء بن عازب أنه قيل له {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} هو الرجل يلقى العدو
[الدر المنثور: 2/324]
فيقاتل حتى يقتل قال: لا ولكن هو الرجل يذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله لي أبدا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر الله لي، فأنزل الله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير عن عبيدة السلماني في قوله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: القنوط.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التهلكة عذاب الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فأسرع رجل إلى العدو وحده فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص فأرسل إليه فرده فقال: قال الله {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}
[الدر المنثور: 2/325]
وأخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة في قوله {وأحسنوا} قال: أدوا الفرائض.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق، مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة في قوله {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} قال: أحسنوا الظن بالله). [الدر المنثور: 2/326]

تفسير قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال خالد بن أبي عمران: سألت القاسم وسالم بن عبد الله عن قول الله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، قال: حتى ينحر). [الجامع في علوم القرآن: 1/104]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت نافعا مولى ابن عمر سئل عن قول الله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}، أجوف مكة أم حولها، فقال: جوف مكة؛
وقال ذلك عبد الرحمن بن هرمز الأعرج). [الجامع في علوم القرآن: 2/56]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وسمعت خلاد بن سليمان يقول: اختصم عبد الواحد، وكان ممّن قد جمع القرآن على عهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، هو وعبد اللّه بن مسعودٍ، فقال عبد الواحد: أرأيت حيث يقول اللّه في كتابه: {تسعٌ وتسعون نعجةً}، أنثى، ألم يكن يعرف حين قال نعاجٌ أنّهنّ إناثٌ، قال ابن مسعودٍ: أرأيت حين يقول اللّه: {فصيام ثلاثة أيامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ}، ألم يعرف أنّ ثلاثةً وسبعةً عشرةٌ). [الجامع في علوم القرآن: 3/46] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة وعمن سمع عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله قال هما واجبتان الحج والعمرة). [تفسير عبد الرزاق: 1/74]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن مسعود في قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى قال إذا أحصر الرجل من مرض أو كسر أو شبه ذلك بعث بهديه ومكث على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله وينحر ثم قد حل ويرجع إلى أهله وعليه الحج والعمرة جميعا وهدي أيضا قال فإن وصل إلى البيت من وجهه ذلك فليس عليه إلا الحج من قابل
[تفسير عبد الرزاق: 1/74]
نا معمر عن قتادة نحو ذلك). [تفسير عبد الرزاق: 1/75]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن الزهري في قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه قال أمر النبي كعب بن عجرة أن يصوم ثلاثة أيام). [تفسير عبد الرزاق: 1/75]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر أخبرني أيوب عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال مر النبي على كعب بن عجرة وهو يوقد تحت قدر وهوام رأسه تتساقط عليه قال أتؤذيك هذه الهوام يا كعب قال نعم يا نبي الله فأمره أن يحلق رأسه وينسك نسكا أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم فرقا بين ستة مساكين). [تفسير عبد الرزاق: 1/75]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر قال أخبرني داود بن أبي هند عن الشعبي عن كعب بن عجرة أنه قال بين كل مسكين صاع أو نسك قال معمر وقال قتادة والنسك شاة). [تفسير عبد الرزاق: 1/75]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن هشام بن عروة عن أبيه في قوله تعالى فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج قال يقول إذا
[تفسير عبد الرزاق: 1/75]
أمنت حين تحصر من كسرك من وجعك فعليك أن تأتي البيت فتكون متعة لك إلى قابل ولا حل لك حتى تأتي البيت). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن أيوب عن عكرمة في قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم قال صيام ثلاثة أيام يعني أيام العشر من حين يحرم آخرها يوم عرفة). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر وقال الزهري عن سالم عن ابن عمر صوم ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة فمن فاته ذلك صام أيام التشريق فإنها من أيام الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: قال ابن عباس يا أهل مكة لا متعة لكم إنما يجعل أحدكم بينه وبين مكة واديا ثم يهل). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن ابن طاوس عن أبيه في قوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري السجد الحرام قال هي لأهل الحرم). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال الزهري من كن على يوم أو نحوه فهو كأهل مكة). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وأخبرني من سمع عطاء بن أبي رباح يقول من كان أهله دون الميقات فهو كأهل مكة يقول لا يتمتع). [تفسير عبد الرزاق: 1/76]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ في قوله جلّ وعزّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة لله} قال: إتمامهما ما أمر اللّه فيهما [الآية: 196]). [تفسير الثوري: 60]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن طاوسٍ في قوله جلّ وعزّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة لله} قال: تمامهما أن تفردهما موتنفتين من أهلك). [تفسير الثوري: 60]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (حدثنا سفيان [الثوري] عن خصيفٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله تبارك وتعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} قال: الحجّ: عرفاتٌ، والعمرة: البيت.

حدثنا سفيان [الثوري] عن محمّد بن سوقة عن سعيد بن جبيرٍ: إتمامهما أن يهلّ من بيته). [تفسير الثوري: 60]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ في قوله جلّ وعزّ: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} قال: الإحصار من كل شيء يحبسه [الآية: 196]). [تفسير الثوري: 61]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم النّخعيّ قال: الإحصار المرض والكسر والخوف
سفيان [الثوري] عن ليثٍ عن مجاهدٍ عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن أو أو نحو قوله: {ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسك} فهو فيه يخير ما كان {فمن لم يجد} فهو على الأوّل ثمّ يخيّر فيه [الآية: 196]). [تفسير الثوري: 61]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ قال: قال ابن عبّاسٍ في قوله تبارك وتعالى: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج} قال: المتعة للمحصر وحده [الآية: 196].
[تفسير الثوري: 61]
سفيان [الثوري] عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ إنّما سمّيت المتعة لأنّه يتمتّع بأهله وثيابه). [تفسير الثوري: 62]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ في قول اللّه تبارك وتعالى: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: أصومهما حلالًا في العشر أحبّ إليّ من أن أصومهما حرامًا في شوّال وذي القعدة فإن صامهما حرامًا في شوّال أو ذي القعدة أجزأه وإن صامهما حلالًا في شوّال أو ذي القعدة ذبح [الآية: 196]). [تفسير الثوري: 62]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم} ]
- حدّثنا سعيدٌ؛ قال: نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة - في قوله عزّ وجلّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة لله} -، قال: هي في قراءة عبد اللّه: (إلى البيت)، قال: لا تجاوز بالعمرة البيت، فإذا أحصرتم، فإذا أهلّ الرّجل بالحجّ، فأحصر، بعث بما استيسر من الهدي، فإن هو عجل قبل أن يبلغ الهدي محلّه، فحلق رأسه، أو مسّ طيبًا، أو تداوى بدواءٍ، كان عليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ أو نسك، والصّيام: ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة: ثلاثة آصعٍ على ستّة مساكين، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ،
[سنن سعيد بن منصور: 2/712]
والنّسك: شاة. {فإذا أمنتم}، يقول: إذا برأ، فمضى من وجهه ذلك إلى البيت، أحلّ من حجّته بعمرةٍ، وكان عليه الحجّ من قابل، فإن هو رجع، ولم يتمّ من وجهه ذلك إلى البيت، كان عليه حجّةٌ وعمرةٌ ودمٌ، لتأخيره العمرة، فإن هو رجع متمتّعًا في أشهر الحجّ، كان عليه ما استيسر من الهدي: شاةٌ، فإن هو لم يجد، {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم}.
قال إبراهيم: يجعل آخر صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ يوم عرفة.
قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبيرٍ، فقال: هكذا قال ابن عبّاسٍ في هذا الحديث كلّه.
[سنن سعيد بن منصور: 2/713]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا يحيى بن زكريّا، عن ابن عون، عن الشّعبي، أنّه كان يقرأ: (وأتموا الحج والعمرة لله).
[سنن سعيد بن منصور: 2/715]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن عبد الرّحمن الأصبهاني، عن عبد اللّه بن معقل، قال: كنّا جلوسًا في المسجد، فجلس إلينا كعب بن عجرة، فقال: فيّ نزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه}، قال: (قلت): كيف كان شأنك؟ قال: خرجنا مع رسول اللّه صلّى الله (عليه وسلّم) محرمين، فوقع القمل في رأسي ولحيتي وشاربي، حتّى وقع في حاجبيّ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ما كنت أرى (أنّ الجهد) بلغ منك هذا، ادع الحالق، فجاء الحالق، فحلق
[سنن سعيد بن منصور: 2/717]
رأسي، فقال: هل تجد من نسيكة؟ قلت: لا - وهي شاةٌ -، قال: فصم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ثلاثة آصعٍ بين ستّة مساكين، قال: وأنزلت فيّ خاصّةً، وهي للناس عامّة.
[سنن سعيد بن منصور: 2/718]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا أبو بشر، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: نزلت فيّ هذه الآية، قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوامّ تساقط على وجهي، فنزلت: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}،
[سنن سعيد بن منصور: 2/724]
فقال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق، وصم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين، أو انسك نسيكة.
[سنن سعيد بن منصور: 2/725]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، نا ابن أبي نجيح، وأيّوب، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم مرّ به وهو يوقد تحت قدرٍ له، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ فقلت: نعم، فقال: احلق رأسك، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم فرقًا بين ستّة مساكين.
حدّثنا سعيدٌ؛ قال: وقال سفيان، قال ابن أبي نجيحٍ: اذبح شاةً (وقال) أيّوب: انسك نسيكةً.
[سنن سعيد بن منصور: 2/734]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال: نا مغيرة، عن مجاهدٍ، قال: قال كعب بن عجرة: والّذي نفسي بيده، لفيّ نزلت هذه الآية، ولإيّاي عنى بها: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} ؛ كنّا مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، بالحديبية ونحن محرمون، وقد حصرنا العدوّ، وكانت (لي) وفرة، فكانت الهوامّ
[سنن سعيد بن منصور: 2/738]
تساقط على وجهي، فمرّ بي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ((كان هوامّ رأسك تؤذيك؟))، قلت: نعم، قال: ((فاحلق)) ونزلت الآية.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن أبي قلابة، قال: قال كعب بن عجرة: قملت حتّى ظننت أنّ ما بين طرف كلّ شعرةٍ من رأسي قملة وصيبان، وكنت حسن الشّعر، فقال لي
[سنن سعيد بن منصور: 2/739]
رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: ((تصدّق ثلاثة آصع على ستة مساكين)).
[سنن سعيد بن منصور: 2/740]
- حدّثنا سعيدٌ؛ قال: نا هشيمٌ، قال: نا مغيرة، عن إبراهيم، ومجاهدٍ، قالا: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة: على ستّة مساكين، والنّسك شاة فصاعدًا.
[سنن سعيد بن منصور: 2/742]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا منصورٌ، عن الحسن، قال: ((الصّيام عشرة أيّامٍ، والصّدقة على عشرة مساكين، والنّسك شاةٌ فصاعدًا)).
- حدثنا سعيد، قال: نا هشيمٌ، قال: نا ابن أبي ليلى، عن نافعٍ، قال: نا سليمان بن يسار، أنّ عمر سأل ابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك في الأذى الّذي أصابه؟ قال: ذبح بقرة.
[سنن سعيد بن منصور: 3/743]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال: نا محمّد بن خالدٍ القرشيّ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرة، أنّ كعب بن عجرة ذبح شاةً في الأذى الذي أصابه.
[سنن سعيد بن منصور: 3/748]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمّدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: {فما استيسر من الهدي}، قال: الشاة، حتى القيود.
[سنن سعيد بن منصور: 3/749]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمّدٍ، عن (عائشة، وابن عمر): {فما استيسر من الهدي} قالا: ((النّاقة دون النّاقة، والبقرة دون البقرة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/751]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: ((قد يستيسر على الرّجل الجزور والجزوران)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد العزيز بن محمّدٍ، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: {فما استيسر من الهدي} قال: ((شاة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/753]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: ((شاةٌ)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ: {فما استيسر من الهدي} قال: ((شاة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/756]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا حجّاجٌ، عن عطاءٍ.
[سنن سعيد بن منصور: 3/757]
- وأنا يونس، ومنصورٌ، عن الحسن.
- وأنا مغيرة، عن إبراهيم.
[سنن سعيد بن منصور: 3/758]
- وأنا جويبر، عن الضّحّاك.
- وأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّهم قالوا: {ما استيسر من الهدي}: ((شاة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/759]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: ((كان أصحابنا يقولون: ما استيسر من الهدي شاةٌ))
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد اللّه بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد اللّه بن أبي أسيدٍ، عن عبد اللّه بن محمّد بن أبي بكرٍ، أنّه قال: هل لك إلى هذين الشّيخين: ابن عبّاسٍ، وابن الزّبير، يختلفان في الفتيا؛ قال ابن الزّبير: إنّما الشّاة ذبحٌ، وقال ابن عبّاسٍ: هو ما استيسر من الهدي. قلت: أيّهما أصوب؟ قال: سمعت عائشة رضي اللّه عنها تقول: هي ما استيسر من الهدي.
[سنن سعيد بن منصور: 3/760]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعت مجاهدًا يحدّث، عن ابن عبّاسٍ قال: ((من الأزواج الثمانية ) ).
[سنن سعيد بن منصور: 3/763]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو الأحوص، قال: نا أبو إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاسٍ قال: ((من الأزواج الثّمانية: من الإبل، والبقر، والضّأن، والمعز، على قدر الميسرة، ما عظّمت فهو أفضل)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/765]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال أخبرني ابن عون، عن مروان بن الأصفر، عن ابن عمر قال: قيل له: أتجزئ المتمتّع شاةٌ؟ فقال ابن عمر: ((كلّكم شاةٌ؟ - مرّتين - أيسرّ أحدكم أن لا يكون له عند اللّه يوم القيامة إلّا شاةٌ؟)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/767]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا مهدي بن ميمون، عن غيلان بن جريرٍ، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجلٌ: أتجزئ المتمتّع شاةٌ؟ فقال: ((كلّكم شاةٌ - كأنّه يحكيها -، وكرهها في المتعة)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن وبرة، قال: سمعت ابن عمر يقول: ((الصّوم للمتمتّع أحبّ إليّ من الشاة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/768]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عتّاب بن بشيرٍ، عن خصيف، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر: {فما استيسر من الهدي}، قال: ((بقرةٌ)).
وقال ابن عبّاسٍ: ((شاةٌ)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال: نا الزّهري، سئل عمّا استيسر من الهدي، فقال: قال ابن عمر: ((من الإبل والبقر))، وقال ابن عبّاسٍ: ((من الغنم)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/769]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن زيدٍ، عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عبّاسٍ يقول: (( {ما استيسر من الهدي}: شاةٌ، أو: بدنة، أو: بقرةٌ، أو: شركٌ، في دم)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/770]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبّاد بن عبّاد المهلّبي، قال: نا أبو جمرة، قال: سألت ابن عبّاسٍ، عن المتعة في الحجّ، فأمرني بها، وسألته عن الذّبح، فقال: ((ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو شركٌ، في دمٍ)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/771]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال: نا حجّاج، عن عطاءٍ قال: ((الجزور والبقرة عن سبعةٍ، يشترك فيه المضحّون، والمتمتّعون، والمحصورون ) ).
[سنن سعيد بن منصور: 3/772]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، وهشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: ((من لم يصم الثّلاثة أيّامٍ الّتي في الحجّ آخرها يوم عرفة، فقد وجب عليه الهدي)).
قال أبو بشرٍ: فقلت لسعيدٍ: فإن لم يجد؟ قال: ((فليبع ثوبه)).
وزاد هشيمٌ: ((ويشتري شاةً بثلاثة دراهم ) ).
[سنن سعيد بن منصور: 3/774]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، (وعن) طاوس، قالا: في المتمتّع قال: ((إن شاء صام يومًا من شوّالٍ، ويومًا من ذي القعدة، ويومًا من ذي الحجة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/775]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ قال: ((لا يصوم إلّا في العشر، فإن فاته الصّيام، أهراق دمًا)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/777]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمرٍو، عن عكرمة قال: ((يصوم المتمتّع في السّفر، ولا يصوم إلّا في العشر، ويجعل آخرها يوم عرفة، وإن فاته، أهراق لذلك دمًا)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، نا عبد الملك، وحجّاج، عن عطاءٍ - في قوله: {وسبعةٍ إذا رجعتم} - قال: ((هي رخصةٌ، وإن شاء صام في السفر)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/781]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا يونس، عن الحسن مثل قول عطاءٍ قال: ((هي رخصةٌ)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن جابرٍ، عن الشّعبي قال: ((إذا رجعت إلى مصرك ) ).
[سنن سعيد بن منصور: 3/782]
[قوله تعالى: {الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه - في قوله عزّ وجلّ: {الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ} -، قال: ((شوال، وذو القعدة، وعشر ليالٍ من ذي الحجّة)).
عن ابن عمر قال: ((شوّالٌ، وذو القعدة، وذو الحجة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/783]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر قال: ((شوّالٌ، وذو القعدة، وذو الحجّة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/784]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا شريك، قال: نا إسماعيل بن عيّاشٍ، قال: ((شوّالٌ، وذو القعدة، وذو الحجّة)).
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا إسماعيل بن عيّاشٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: ((شوّالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجّة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/787]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، وهشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، والشّعبي، أنّهما قالا: ((شوّالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة)).
[سنن سعيد بن منصور: 3/790]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال: نا يونس، عن الحسن مثل ذلك.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد اللّه بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن نوفل، أنّه سمع عروة بن الزّبير يقول: قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: {الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ}، قال: ((شوّالٌ، وذو القعدة، وذو الحجة)) ). [سنن سعيد بن منصور: 3/791]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه} [البقرة: 196]
[صحيح البخاري: 6/27]
- حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ، قال: سمعت عبد اللّه بن معقلٍ، قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة، فسألته عن فديةٌ من صيامٍ، فقال: حملت إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى أنّ الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاةً» . قلت: لا، قال: «صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من طعامٍ، واحلق رأسك» فنزلت فيّ خاصّةً وهي لكم عامّةً). [صحيح البخاري: 6/27]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله تعالى فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه)
ذكر فيه حديث كعب بن عجرة في سبب نزول هذه الآية وقد تقدّم شرحه مستوفًى في كتاب الحجّ). [فتح الباري: 8/186]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه} [البقرة: 196]
({فمن كان منكم}) ولأبي ذر باب قوله فمن كان منكم ({مريضًا أو به أذى من رأسه}) [البقرة: 196] كجراحة وقمل.
- حدّثنا آدم حدّثنا شعبة، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ قال: سمعت عبد اللّه بن معقلٍ قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن {فديةٌ من صيامٍ}، فقال: حملت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي فقال: «ما كنت
أرى أنّ الجهد قد بلغ بك هذا أما تجد شاةً»؟ قلت: لا، قال: «صم ثلاثة أيّامٍ أو أطعم ستّة مساكين، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من طعامٍ واحلق رأسك» فنزلت فيّ خاصّةً وهي لكم عامّةً».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) أنه (قال: سمعت عبد الله بن معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبعد القاف المكسورة لام ابن مقرن المزني الكوفي التابعي (قال: قعدت إلى كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وبعد الجيم الساكنة راء مفتوحة أي انتهى قعودي إليه (في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة
[إرشاد الساري: 7/29]
فسألته عن) قوله تعالى: ({فدية من صيام} فقال: حملت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية (فقال) عليه الصلاة والسلام:
(ما كنت أرى) بضم الهمزة أظن (أن الجهد) بفتح الجيم (قد بلغ بك هذا) الذي رأيت (أما تجد شاة قلت: لا) أجدها (قال: صم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى: {أو صيام} (أو أطعم) بكسر العين (ستة مساكين) بيان لقوله تعالى: {أو صدقة} (لكل مسكين نصف صاع من طعام) بنصب نصف على المفعولية أو رفع مبتدأ مؤخر (وأحلق رأسك) قال ابن عجرة (فنزلت) أي الآية (فيّ) بكسر الفاء وتشديد التحتية (خاصة وهي لكم عامة) بالنصب ولأبي ذر عامة بالرفع.
وهذا الحديث سبق في باب الإطعام من الحج). [إرشاد الساري: 7/30]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ
[صحيح البخاري: 6/27]
- حدّثنا مسدّدٌ، حدّثنا يحيى، عن عمران أبي بكرٍ، حدّثنا أبو رجاءٍ، عن عمران بن حصينٍ رضي اللّه عنهما، قال: " أنزلت آية المتعة في كتاب اللّه، ففعلناها مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ولم ينزل قرآنٌ يحرّمه، ولم ينه عنها حتّى مات، قال: رجلٌ برأيه ما شاء "). [صحيح البخاري: 6/27]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ ذكر فيه حديث عمران بن حصينٍ أنزلت آية المتعة في كتاب اللّه يعني
(متعة الحج)
وقد تقدّم شرحه وأنّ المراد بالرّجل في
- قوله هنا قال رجلٌ برأيه ما شاء هو عمر). [فتح الباري: 8/186]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} (البقرة: 196)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا} يعني: فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق (أو به أذى من رأسه) وهو القمل أو الجراحة فعلية إذا حلق فدية، ويجيء بيان الفدية عن قريب.
- حدّثنا آدم حدّثنا شعبة عن عبد الرّحمان بن الأصبهانيّ قال سمعت عبد الله بن معقلٍ قال قعدت إلى كعب بن عجرة في المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته من صيامٍ فقال حملت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى أنّ الجهد قد بلغ بك هذا أما تجد شاةً قلت لا قال صم ثلاثة أيّامٍ أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من صعامٍ واحلق رأسك فنزلت فيّ خاصّةً وهي لكم عامّةً.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة وآدم هو ابن أبي إياس واسمه عبد الرّحمن، وعبد الرّحمن الأصبهانيّ بفتح الهمزة وكسرها وبالفاء وبالياء الموحدة، وعبد الله بن معقل، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وفي آخره لام ابن مقرن المزنيّ الكوفي التّابعيّ. والحديث مضى في الحج في باب الإطعام في الفدية، بأتم منه، ومضى الكلام فيه هناك). [عمدة القاري: 18/111]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (بابٌ: {فمن تمنّع بالعمرة إلى الحجّ} (البقرة: 196)
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: {فمن تمنع بالعمرة إلى الحج} (البقرة: 196) وأوله: (فإذا أمنتم) أي: من خوفكم وبر أتم من مرضكم وتمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتّعا بالعمرة إلى الحج (فما استيسر من الهدي) أي: فعليه ما استيسر. أي: فعليه ما تيسّر منه، يقال: يسر الأمر واستيسر. كما يقال: صعب واستصعب، ومحل كلمة ما رفع بالابتداء ويجوز أن يكون منصوبًا أي: فاهدوا ما استيسر من الهدى، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من بعير أو بقرة أو شاة). [عمدة القاري: 18/111]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} [البقرة: 196]
({فمن تمتع}) ولأبي ذر باب بالتنوين فمن تمتع ({بالعمرة إلى الحج}) [البقرة: 196] شامل لمن أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أوّلًا فلما فرغ من العمرة أحرم بالحج وهذا هو التمتع الخاص وهو المعروف في كلام الفقهاء والتمتع العام يشمل القسمين.
- حدّثنا مسدّدٌ حدّثنا يحيى، عن عمران أبي بكرٍ، حدّثنا أبو رجاءٍ عن عمران بن حصينٍ -رضي الله عنهما- قال: أنزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم ينزل قرآنٌ يحرّمه ولم ينه عنها حتّى مات قال: رجلٌ برأيه ما شاء. قال محمّدٌ: يقال إنّه عمر.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عمران) بن مسلم (أبي بكر) البصري قال: (حدّثنا أبو رجاء) بالجيم ممدودًا عمران بن ملحان العطاردي البصري (عن عمران بن حصين) بضم الحاء المهملة (رضي الله عنه) أنه (قال: أنزلت آية المتعة في كناب الله ففعلناها) أي المتعة (مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ولم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (قرآن يحرمه) أي التمتع (ولم ينه) بفتح أوّله ولأبي ذر ولم ينه بضمه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فلم ينه الفاء بدل الواو (عنها) أي المتعة فذكر الضمير باعتبار التمتع وأنثه باعتبار المتعة (حتى
مات) النبي صلّى اللّه عليه وسلّم (قال رجل): قيل هو عثمان لأنه كان يمنع التمتع (برأيه ما شاء) زاد في نسخة. قال محمد أي البخاري (يقال أنه) أي الرجل (عمر) لأنه كان ينهى عنها ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام يعني قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله تعالى عنه ينهى عنها محرّمًا لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس البيت حاجين ومعتمرين. قاله الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج والنسائي في التفسير). [إرشاد الساري: 7/30]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}
[حاشية السندي على البخاري: 3/40]
قوله: (يحرّمه) أي: التمتع. وقوله عنها، أي: المتعة، فذكر الضمير باعتبار التمتع وأنثه باعتبار المتعة). [حاشية السندي على البخاري: 3/41]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عليّ بن حجرٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن مجاهدٍ قال: قال كعب بن عجرة: والّذي نفسي بيده لفيّ أنزلت هذه الآية، ولإيّاي عنى بها {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: كنّا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون،
[سنن الترمذي: 5/62]
وكانت لي وفرةٌ فجعلت الهوامّ تساقط على وجهي، فمرّ بي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: كأنّ هوامّ رأسك تؤذيك؟ قال: قلت: نعم. قال: فاحلق، ونزلت هذه الآية. قال مجاهدٌ: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والطّعام لستّة مساكين، والنّسك شاةٌ فصاعدًا حدّثنا عليّ بن حجرٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحو ذلك.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حدّثنا عليّ بن حجرٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أشعث بن سوّارٍ، عن الشّعبيّ، عن عبد الله بن معقلٍ، عن كعب بن عجرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحو ذلك.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رواه عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ، عن عبد الله بن معقلٍ أيضًا). [سنن الترمذي: 5/63]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عليّ بن حجرٍ، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيّوب، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أوقد تحت قدرٍ والقمل يتناثر على جبهتي، أو قال: حاجبيّ، فقال: أتؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك وانسك نسيكةً أو صم ثلاثة أيّامٍ أو أطعم ستّة مساكين قال أيّوب: لا أدري بأيّتهنّ بدأ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/63]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه}
- أخبرنا عمرو بن عليٍّ، حدّثنا أزهر بن سعدٍ، عن ابن عونٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: فيّ أنزلت هذه الآية، فأتيت فقال: «ادن» فدنوت، فقال: «أيؤذيك هوامّك؟» فأمرني بصيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، قال ابن عونٍ: ففسّره لي مجاهدٌ فلم أحفظه، فسألت أيّوب فقال: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة على ستّة مساكين، والنّسك ما استيسر "
[السنن الكبرى للنسائي: 10/28]
- أخبرنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا محمّدٌ، حدّثنا شعبة، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ، عن عبد الله بن معقلٍ، قال: جلست في هذا المسجد إلى كعب بن عجرة فسألته عن هذه الآية {ففديةٌ من صيامٍ} [البقرة: 196]. قال كعبٌ: " فيّ نزلت، وكان بي أذًى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي فقال: «ما كنت أرى أنّ الجهد بلغ بك ما أرى، أتجد شاةً؟» قال: لا، فنزلت هذه الآية {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} [البقرة: 196] فالصّوم ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة على ستّة مساكين، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ، والنّسك شاةٌ "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/29]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي}
- أخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، حدّثنا بشرٌ، عن عمران بن مسلمٍ، عن أبي رجاءٍ، عن عمران، قال: نزلت آية المتعة، يعني متعة الحجّ، في كتاب الله وأمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لم تنزل آيةٌ تنسخ آية متعة الحجّ، ولم ينه عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى مات، قال رجلٌ برأيه ما شاء "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/29]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه}
اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك أتمّوا الحجّ بمناسكه، وسننه، وأتمّوا العمرة إلى البيت بحدودها، وسننها.
[جامع البيان: 3/327]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال. حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: هو في قراءة عبد اللّه: (وأتمّوا الحجّ والعمرة إلى البيت). قال لا تجاوزوا بالعمرة البيت قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: كذلك قال ابن عبّاسٍ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، أنّه قرأ: وأقيموا الحجّ والعمرة إلى البيت.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنّه قرأ وأتمّوا الحجّ والعمرة إلى البيت.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} يقول من أحرم بحجٍّ، أو بعمرةٍ فليس له أن يحلّ حتّى يتمّها تمام الحجّ يوم النّحر إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت فقد حلّ من إحرامه كلّه، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت، وبالصّفا، والمروة، فقد حلّ.
[جامع البيان: 3/328]
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: ما أمروا فيهما.
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: قال إبراهيم، عن علقمة بن قيسٍ، قال: الحجّ: مناسك الحجّ، والعمرة: لا يجاوز بها البيت.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال قال تقضى مناسك الحجّ عرفة، والمزدلفة، ومواطنها، والعمرة للبيت إنما هى تطوف بالبيت، وبين الصّفا، والمروة ثمّ يحلّ.
وقال آخرون: تمامهما أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، عن عليٍّ، أنّه قال جاء رجلٌ إلى عليٍّ فقال له في هذه الآية: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} أن تحرم من دويرة أهلك.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ رضوان اللّه عليه، فقال: أرأيت قول اللّه عزّ وجلّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: أن تحرم من دويرة أهلك.
[جامع البيان: 3/329]
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن محمّد بن سوقة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن طاووسٍ، قال تمامهما: إفرادهما مؤتنفين من أهلك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثنا سفيان، عن ثورٍ، عن سليمان بن موسى، عن طاووسٍ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال تفردهما مؤتنفين من أهلك، فذلك تمامهما.
وقال آخرون: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحجّ، وتمام الحجّ أن يؤتى بمناسكه كلّها حتّى لا يلزم عامله دمٌ بسبب قرانٍ ولا متعةٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال وتمام العمرة ما كان في غير أشهر الحجّ. وما كان في أشهر الحجّ، ثمّ أقام حتّى يحجّ فهي متعةٍ عليه فيها الهدي إن وجد، وإلاّ صام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، وسبعةٍ إذا رجع.
[جامع البيان: 3/330]
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال ما كان في غير أشهر الحجّ فهي عمرةٌ تامّةٌ، وما كان في أشهر الحجّ فهي متعةٌ وعليه الهدي.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن ابن عونٍ، قال: سمعت القاسم بن محمّدٍ، يقول إنّ العمرة في أشهر الحجّ ليست بتامّةٍ. قال: فقيل له: العمرة في المحرم؟ قال: كانوا يرونها تامّةً.
وقال آخرون: إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني رجلٌ، عن سفيان، قال هو يعني تمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد الاّ الحجّ، والعمرة، وتهلّ من الميقات ليس أن تخرج لتجارةٍ، ولا لحاجةٍ، حتّى إذا كنت قريبًا من مكّة قلت: لو حججت، أو اعتمرت. وذلك يجزئ، ولكنّ التّمام أن تخرج له لا تخرج لغيره.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتمّوا الحجّ والعمرة للّه إذا دخلتم فيهما.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ،
[جامع البيان: 3/331]
قال: قال ابن زيدٍ ليست العمرة واجبةً على أحدٍ من النّاس. قال: فقلت له: قول اللّه تعالى: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: ليس من الخلق أحدٌ ينبغي له إذا دخل في أمرٍ إلاّ أن يتمّه، فإذا دخل فيها لم ينبغ له أن يهلّ يومًا أو يومين ثمّ يرجع، كما لو صام يومًا لم ينبغ له أن يفطر في نصف النّهار.
وكان الشّعبيّ يقرأ ذلك رفعًا.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن شعبة، قال: حدّثني سعيد بن أبي بردة، أنّ الشّعبيّ، وأبا بردة، تذاكرا العمرة، قال: فقال الشّعبيّ تطوّعٌ (وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) وقال أبو بردة: هي واجبةٌ {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه}.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن عونٍ، عن الشّعبيّ، أنّه كان يقرأ {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه}.
وقد روي عن الشّعبيّ خلاف هذا القول، وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا.
وذلك ما؛
- حدّثني به المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشّعبيّ، قال العمرة واجبةٌ.
فقراءة من قال: العمرة واجبةٌ نصبها بمعنى أقيموا فرض الحجّ، والعمرة.
[جامع البيان: 3/332]
- كما حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: أخبرنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: سمعت مسروقًا، يقول: أمرتم في كتاب اللّه بأربعٍ: بإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، والعمرة؛ قال: ثمّ تلا هذه الآية: {وللّه على النّاس حجّ البيت}، {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} إلى البيت.
- حدّثني أبو السّائب، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا يروي عن الحسن، عن مسروقٍ، قال أمرنا بإقامة أربعةٍ: الصّلاة، والزّكاة، والعمرة، والحجّ، فنزلت العمرة من الحجّ منزلة الزّكاة من الصّلاة.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: أنبأنا محمّد بن بكرٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال عليّ بن حسينٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وسئلا أواجبةٌ العمرة على النّاس؟ فكلاهما قال ما نعلمها إلاّ واجبةً، كما قال اللّه: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه}.
- حدّثنا سوّار بن عبد اللّه، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سأل رجلٌ سعيد بن جبيرٍ، عن العمرة، فريضةٌ هي أم تطوّعٌ؟ قال فريضةٌ. قال: فإنّ الشّعبيّ يقول: هي تطوّعٌ. قال: كذب الشّعبيّ وقرأ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه}.
[جامع البيان: 3/333]
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عمّن، سمع عطاءً، يقول في قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال هما واجبان: الحجّ، والعمرة.
فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} فى أنّهما واجبان أمر اللّه بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصّلاة، وأنّهما فريضتان، وأوجب العمرة وجوب الحجّ. وهم عددٌ كثيرٌ من الصّحابة، والتّابعين، ومن بعدهم من الخالفين كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم، وذكر الرّوايات عنهم. وقالوا: معنى قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} وأقيموا الحجّ والعمرة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} يقول: أقيموا الحجّ، والعمرة.
- حدّثنا أحمد بن حازمٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا إسرائيل، عن ثويرٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: وأقيموا الحجّ والعمرة للبيت ثمّ هي واجبةٌ مثل الحجّ.
- حدّثنا أحمد بن حازمٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا إسرائيل، قال: حدّثنا ثويرٌ، عن أبيه، عن عبد اللّه: وأقيموا الحجّ والعمرة إلى البيت ثمّ قال عبد اللّه واللّه لولا التّحرّج وأنّي لم أسمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها شيئًا، لقلت إنّ العمرة واجبةٌ مثل الحجّ.
[جامع البيان: 3/334]
وكأنّهم عنوا بقوله: أقيموا الحجّ والعمرة: ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فرض عليكم.
وقال آخرون ممّن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة: العمرة تطوّعٌ. ورأوا أنّه لا دلالة على وجوبها في نصبهم العمرة في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبد عمله وإتمامه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداء الدّخول فيه فرضًا عليه، وذلك كالحجّ التّطوّع لا خلاف بين الجميع فيه أنّه إذا أحرم به أنّ عليه المضيّ فيه، وإتمامه ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدّخول فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غير فرضٍ واجب الدّخول فيها ابتداءً، غير أنّ على من دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدّخول فيها.
قالوا: ليس في أمر اللّه بإتمام الحجّ والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضها.
قالوا: وإنّما أوجبنا فرض الحجّ بقوله عزّ وجلّ: {وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً}.
وممّن قال ذلك جماعةٌ من الصّحابة، والتّابعين، ومن بعدهم من الخالفين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، وأبو السّائب، قالا: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيم، قال: قال عبد اللّه، الحجّ فريضةٌ، والعمرة تطوّعٌ.
[جامع البيان: 3/335]
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشرٍ، عن النّخعيّ، عن ابن مسعودٍ، مثله.
- وحدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن عثمة، قال: حدّثنا سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال العمرة ليست بواجبةٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن سماكٍ، قال: سألت إبراهيم، عن العمرة، فقال: سنّةٌ حسنةٌ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال حدّثنا حمّادٌ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عونٍ، عن الشّعبيّ، قال العمرة تطوّعٌ.
فأمّا الّذين قرءوا ذلك برفع العمرة فإنّهم قالوا: لا وجه لنصبها، فالعمرة إنّما هي زيارة البيت، ولا يكون مستحقًّا اسم معتمرٍ إلاّ وهو له زائرٌ؛ قالوا: وإذا كان لا يستحقّ اسم معتمرٍ إلاّ بزيارته، وهو متى بلغه فطاف به وبالصّفا، والمروة،
[جامع البيان: 3/336]
فلا عمل يبقى بعده يؤمر بإتمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتمامه الحاجّ بعد بلوغه والطّواف به وبالصّفا، والمروة بإتيان عرفة، والمزدلفة، والوقوف بالمواضع الّتي أمر بالوقوف بها وعمل سائر أعمال الحجّ الّذي هو من تمامه بعد إتيان البيت لم يكن لقول القائل للمعتمر أتمّ عمرتك وجهٌ مفهومٌ، قالوا: وإذا لم يكن له وجهٌ مفهومٌ. فالصّواب من القراءة في العمرة بالرّفع على أنّها من أعمال البرّ للّه، فتكون مرفوعةً بخبرها الّذي بعدها، وهو قوله: للّه.
وأولى القراءتين بالصّواب في ذلك عندنا، قراءة من قرأ بنصب العمرة على العطف بها على الحجّ، بمعنى الأمر بإتمامهما لله. ولا معنى لاعتلال من اعتلّ في رفعها بأنّ العمرة زيارة البيت، وأنّ المعتمر متى بلغه، فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه، وذلك أنّه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمام العمل الّذي أمره اللّه به في اعتماره، وزيارته البيت؛ وذلك هو الطّواف بالبيت، والسّعي بين الصّفا، والمروة، وتجنّب ما أمر اللّه بتجنّبه إلى إتمامه ذلك، وذلك عملٌ، وإن كان ممّا لزمه بإيجابه الزّيارة على نفسه غير الزّيارة. هذا مع إجماع الحجّة على قراءة العمرة بالنّصب، ومخالفة جميع قرّاء الأمصار قراءة من قرأ ذلك رفعًا، ففي ذلك مستغنًى عن الاستشهاد على خطأقرءة من قرأ ذلك رفعًا.
[جامع البيان: 3/337]
وأمّا أولى القولين اللّذين ذكرنا بالصّواب في تأويل قوله: {والعمرة للّه} على قراءة من قرأ ذلك نصبًا فقول عبد اللّه بن مسعودٍ، ومن قال بقوله من أنّ معنى ذلك: وأتمّوا الحجّ، والعمرة للّه إلى البيت بعد إيجابكم إيّاهما لا أنّ ذلك أمرٌ من اللّه عزّ وجلّ بابتداء عملهما، والدّخول فيهما، وأداء عملهما بتمامه بهذه الآية، وذلك أنّ الآية محتملةٌ للمعنيين اللّذين وصفنا من أن يكون أمرًا من اللّه عزّ وجلّ بإقامتهما بتمامهما ابتداءً، وإيجابًا منه على العباد فرضهما، وأن يكون أمرًا منه بإتمامهما بعد الدّخول فيهما، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه، فإذا كانت الآية محتملةً للمعنيين اللّذين وصفنا، فلا حجّة فيها لأحد الفريقين على الآخر، إلاّ وللآخر عليه فيها مثلها. وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبرٌ عن الحجّة للعذر قاطعًا، وكانت الأمّة في وجوبها متنازعةً، لم يكن لقول قائلٍ هي فرضٌ بغير برهانٍ دالٍ على صحّة قوله معنًى، إذ كانت الفروض لا تلزم العباد الاّ بدلالةٍ على لزومها إيّاهم واضحةً.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّها واجبةٌ وجوب الحجّ، وأنّ تأويل من تأوّل قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} بمعنى: أقيموا حدودهما وفروضهما أولى من تأويلنا لما؛
- حدّثني به، حاتم بن بكرٍ الضّبّيّ، قال: حدّثنا أشهل بن حاتمٍ الأرطبانيّ، قال: حدّثنا ابن عونٍ، عن محمّد بن جحادة، عن رجلٍ، عن زميلٍ له، عن أبيه، وكان أبوه يكنّى أبا المنتفق، قال أتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعرفة، فدنوت منه، حتّى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته،
[جامع البيان: 3/338]
فقلت: يا رسول اللّه أنبئني بعملٍ ينجيني من عذاب اللّه ويدخلني جنّته قال: اعبد اللّه ولا تشرك به شيئًا، وأقم الصّلاة المكتوبة، وأدّ الزّكاة المفروضة، وحجّ واعتمر قال أشهل، وأظنّه قال: وصم رمضان، وانظر ماذا تحبّ من النّاس أن يأتوه إليك فافعله بهم، وما تكره من النّاس أن يأتوه إليك فذرهم منه.
- وما حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، ومحمّد بن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن النّعمان بن سالمٍ، عن عمرو بن أوسٍ، عن أبي رزينٍ العقيليّ، رجلٍ من بني عامرٍ قال قلت يا رسول اللّه إنّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، ولا الظّعن، وقد أدركه الإسلام، أفأحجّ عنه؟ قال: حجّ عن أبيك واعتمر.
- وما حدّثني به يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، عن أبي قلابة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب فقال: اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وحجّوا، واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم.
[جامع البيان: 3/339]
وما أشبه ذلك من الأخبار، فإنّ هذه أخبارٌ لا يثبت بمثلها في الدّين حجّةٌ لوهي أسانيدها، وأنّها مع وهي أسانيدها لها من الأخبار أشكالٌ تنبئ عن أنّ العمرة تطوّعٌ لا فرضٌ واجبٌ وهو ما؛
- حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، ومحمّد بن عيسى الدّامغانيّ، قالا: حدّثنا عبد اللّه بن المبارك، عن الحجّاج بن أرطاة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أنّه سئل عن العمرة أواجبةٌ هي؟ فقال: لا، وأن تعتمروا خيرٌ لكم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، وحدّثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالحٍ الحنفيّ، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: الحجّ جهادٌ، والعمرة تطوّعٌ.
وقد زعم بعض أهل الغباء أنّه قد صحّ عنده أنّ العمرة واجبةٌ بأنّه لم يجد تطوّعًا إلاّ وله إمامٌ من المكتوبة، فلمّا صحّ أنّ للعمرة تطوّعٌا وجب أن يكون لها فرضٌ، لأنّ الفرض إمام التّطوّع في جميع الأعمال.
[جامع البيان: 3/340]
فيقال لقائل ذلك: فقد جعل الاعتكاف تطوّع، فما الفرض منه الّذي هو إمام تطوّعه؟ ثمّ يسأل عن الاعتكاف أواجبٌ هو أم غير واجبٍ؟ فإن قال: واجبٌ، خرج من قول جميع الأمّة، وإن قال: تطوّعٌ، قيل: فما الّذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوّعًا، والعمرة فرضًا من الوجه الّذي يجب التّسليم له؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلاّ ألزم في الآخر مثله.
وبما استشهدنا من الأدلّة، فإنّ أولى القراءتين بالصّواب في العمرة قراءة من قرأها نصبًا. وإنّ أولى التّأويلين في قوله {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} تأويل ابن عبّاسٍ الّذي ذكرنا عنه من رواية عليّ بن أبي طلحة عنه من أنّه أمرٌ من اللّه بإتمام أعمالهما بعد الدّخول فيهما، وإيجابهما على ما أمر به من حدودهما، وسننهما. وإنّ أولى القولين في العمرة بالصّواب قول من قال: هي تطوّعٌ لا فرضٌ. وإنّ معنى الآية: وأتمّوا أيّها المؤمنون الحجّ، والعمرة للّه بعد دخولكم فيهما، وإيجابكموهما على أنفسكم على ما أمركم اللّه من حدودهما.
وإنّما أنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الآية على نبيّه عليه الصّلاة والسّلام في عمرة الحديبية الّتي صدّ فيها عن البيت معرفة والمؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خلّي بينهم وبين البيت ومبيّنًا لهم فيها ما المخرج لهم من إحرامهم إن أحصروا، فصدّوا عن البيت وبذكر اللاّزم لهم من الأعمال في عمرتهم الّتي اعتمروها عام الحديبية وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم، وحجّهم، افتتح بقوله: {يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للنّاس والحجّ}.
[جامع البيان: 3/341]
وقد دلّلنا فيما مضى على معنى الحجّ والعمرة بشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته). [جامع البيان: 3/342]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}.
اختلف أهل التّأويل في الإحصار الّذي جعل اللّه على من ابتلي به في حجّه، وعمرته ما استيسر من الهدي، فقال بعضهم: هو كلّ مانعٍ، وحابسٍ منع المحرم، وحبسه عن العمل الّذي فرضه اللّه عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنّه كان يقول الحصر: الحبس كلّه. يقول: أيّما رجلٍ اعترض له في حجّته، أو عمرته فإنّه يبعث بهديه من حيث يحبس.
- قال: وقال مجاهدٌ، في قوله: {فإن أحصرتم} فإن أحصرتم يمرضٌ إنسانٌ، أو يكسر، أو يحبسه أمرٌ فغلبه كائنًا ما كان، فليرسل بما استيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولا يحلّ حتّى يوم النّحر.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال الإحصار من كلّ شيءٍ يحبسه.
[جامع البيان: 3/342]
- وحدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، أنّه قال في المحصر هو الخوف، والمرض، والحابس إذا أصابه ذلك بعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محلّه حلّ.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة، قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} قال هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو حابسٌ حبسه عن البيت يبعث بهديه، فإذا بلغ محلّه صار حلالاً.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال كلّ شيءٍ حبس المحرم فهو إحصارٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إبراهيم - قال أبو جعفرٍ: أحسبه - عن شريكٍ، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم، {فإن أحصرتم} قال: مرضٌ، أو كسرٌ، أو خوفٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فإن أحصرتم} فما استيسر من الهدي يقول من أحرم بحجٍّ، أو بعمرةٍ، ثمّ حبس عن البيت بمرضٍ يجهده، أو عذرٍ يحبسه فعليه قضاؤها.
[جامع البيان: 3/343]
وعلّة من قال بهذه المقالة أنّ الإحصار معناه في كلام العرب: منع العلّة من المرض، وأشباهه غير القهر، والغلبة من قاهرٍ أو غالبٍ إلاّ غلبة علّةٍ من مرضٍ، أو لدغٍ، أو جراحةً، أو ذهاب نفقةٍ، أو كسر راحلةٍ. فأمّا منع العدوّ، وحبس حابسٍ في سجنٍ، وغلبة غالبٍ حائلٌ بين المحرم والوصول إلى البيت من سلطانٍ، أو إنسانٍ قاهرٍ مانعٍ، فإنّ ذلك إنّما تسمّيه العرب حصرًا لا إحصارًا.
قالوا: وممّا يدلّ على ذلك قول اللّه جلّ ثناؤه: {وجعلنا جهنّم للكافرين حصيرًا} يعني به: حاصرًا: أي حابسًا.
قالوا: ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل الّتي وصفنا يسمّى إحصارًا لوجب أن يقال: قد أحصر العدوّ. قالوا: وفي اجتماع لغات العرب على حوصر العدوّ والعدوّ محاصرٌ، دون أحصر العدوّ فهم محصرون، وأحصر الرّجل بالعلّة من المرض، والخوف، أكبر الدّلالة على أنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما عنى بقوله: {فإن أحصرتم} بمرضٍ، أو خوفٍ، أو علّةٍ مانعةٍ.
قالوا: وإنّما جعلنا حبس العدوّ ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى حصر المرض قياسًا على ما جعل اللّه جلّ ثناؤه من ذلك للمريض الّذي منعه المرض من الوصول إلى البيت، لا بدلالة ظاهر قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} إذ كان حبس العدوّ والسّلطان، والقاهر علّةً مانعةً، نظيرة العلّة المانعة من المرض والكسر.
[جامع البيان: 3/344]
وقال آخرون: معنى قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} فإن حبسكم عدوٌّ عن الوصول إلى البيت، أو حابسٌ قاهرٌ من بني آدم. قالوا: فأمّا العللٌ العارضة في الأبدان كالمرض، والجراح، وما أشبهها، فإنّ ذلك غير داخلٍ في قوله: {فإن أحصرتم}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وعطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال الحصر: حصر العدوّ، فيبعث الرّجل بهديّته، فإن كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدوّ، فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكّة، فإنّه يبعث بها ويحرم قال محمّد بن عمرٍو، قال أبو عاصمٍ: لا ندري قال يحرم، أو يحلّ من يوم يواعد فيه صاحب الهدي إذا اشترى، فإذا أمن فعليه أن يحجّ، ويعتمر، فإذا أصابه مرضٌ يحبسه وليس معه هديٌ، فإنّه يحلّ حيث يحبس، فإن كان معه هديٌ فلا يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه، فإذا بعث به فليس عليه أن يحجّ قابلاً، ولا يعتمر إلاّ أن يشاء.
- حدّثت عن أبي عبيدٍ القاسم بن سلاّمٍ، قال: حدّثني يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال لا حصر إلاّ من حبس عدوٍّ.
[جامع البيان: 3/345]
- حدّثنا سعيد بن الربيع الرازى، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن ابن عبّاسٍ، وابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، وابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: الحصر حصر العدوٍّ فأما من أصابه مرض أو ضلاله أو كسر، فلا شىء عليه، إنما قال الله: {فإذا أمنتم}. فلا يكون الأمن إلا من الخوف.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وعطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، مثل حديث محمّد بن عمرٍو، عن أبي عاصم، إلاّ أنّه قال: فإنّه يبعث بها ويحرم من يومٍ واعد فيه صاحب الهديّة إذا اشترى. ثمّ ذكر سائر الحديث مثل حديث محمّد بن عمرٍو، عن أبي عاصم.
- وقال مالك بن أنسٍ: بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حلّ وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وحلّوا من كلّ شيءٍ قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثمّ لم نعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أحدًا من أصحابه ولا ممّن كان معه أن يقضوا شيئًا ولا أن يعودوا لشيءٍ.
- حدّثني بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، عنه. قال: وسئل مالكٌ، عمّن أحصر بعدوٍّ وحيل بينه وبين البيت؟ فقال يحلّ من كلّ شيءٍ، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاءٌ إلاّ أن يكون لم يحجّ قطّ، فعليه أن يحجّ حجّة الإسلام. قال: والأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدوٍّ بمرضٍ أو ما أشبهه، أن يتداوى بما لا بدّ له، ويفتدي، ثمّ يجعلها عمرةً، ويحجّ عامًا قابلاً ويهدي.
[جامع البيان: 3/346]
وعلّة من قال هذه المقالة أعنّي من قال قول مالكٍ أنّ هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عن البيت، فأمر اللّه نبيّه ومن معه بنحر هداياهم والإحلال. قالوا: فإنّما أنزل اللّه هذه الآية في حصر العدوّ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الّذي نزلت فيه قالوا: وأمّا المريض، فإنّه إذا لم يطق لمرضه السّير حتّى فاتته عرفة، فإنّما هو رجلٌ فاته الحجّ، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحجّ، وليس من معنى المحصر الّذي نزلت هذه الآية فيه في شىء.
وأولى التّأويلين بالصّواب في قوله: {فإن أحصرتم} تأويل من تأوّله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدوٍّ، أو مرضٍ، أو علّةٍ عن الوصول إلى البيت، أي صيّركم خوفكم، أو مرضكم تحصرون أنفسكم، فتحبسونها عن النّفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحجّ، والعمرة. فلذا قيل أحصرتم لمّا أسقط ذكر الخوف، والمرض. يقال منه: أحصرني خوفي من فلانٍ عن لقائك، ومرضي عن فلانٍ، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأمّا إذا كان الحابس الرّجل والإنسان، قيل: حصرني فلانٌ عن لقائك، بمعنى حبسني عنه. فلو كان معنى الآية ما ظنّه المتأوّل من قوله: {فإن أحصرتم} فإن حبسكم حابسٌ من العدوّ عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم.
وممّا يبيّن صحّة ما قلناه من أنّ تأويل الآية مرادٌ بها إحصار غير العدوّ، وأنّه إنّما يراد بها الخوف من العدوّ، قوله: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} والأمن إنّما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنّ الإحصار الّذي عنى اللّه في هذه الآية هو الخوف الّذي يكون بزواله الأمن.
[جامع البيان: 3/347]
وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن حبس الحابس الّذي ليس مع حبسه خوفٌ على النّفس من حبسه داخلاً في حكم الآية بظاهرها المتلوّ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أنّ حبس من لا خوف على النّفس من حبسه كالسّلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد، وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حبسٌ، ومنعٌ عن الشّخوص لعمل الحجّ، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام، غير داخلٍ في ظاهر قوله: {فإن أحصرتم} لما وصفنا من أنّ معناه: فإن أحصركم خوف عدوٍّ، بدلالة قوله: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} وقد بيّن الخبر الّذي ذكرنا آنفًا عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: الحصر: حصر العدوّ.
وإذ كان ذلك أولى التّأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعًا من الوصول إلى البيت، فكلّ مانعٍ عرض للمحرم فصدّه عن الوصول إلى البيت، فهو له نظيرٌ في الحكم.
ثمّ اختلف أهل العلم في تأويل قوله: {فما استيسر من الهدي} فقال بعضهم: هو شاةٌ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ القنّاد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن يونس بن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال {ما استيسر من الهدي} شاةٌ.
[جامع البيان: 3/348]
- حدّثنا بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، وحدّثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال {ما استيسر من الهدي} شاةٌ.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زيادٍ،، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنه قال {فما استيسر من الهدي} شاةٌ.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثني ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن النّعمان بن مالكٍ، قال: تمتّعت فسألت ابن عبّاسٍ، فقال {ما استيسر من الهدي} قال: قلت: شاةٌ؟ قال: شاةٌ.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: حدّثنا إسحاق، عن شريكٍ، عن أبي إسحاق، عن النّعمان بن مالكٍ، قال: سألتٌ ابن عبّاسٍ، عمّا استيسر من الهدي؟ قال من الأزواج الثّمانية من الإبل، والبقر، والمعز، والضّأن.
- حدّثنا أبو كريبٍ، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدّثنا هشيمٌ، قال الزّهريّ، أخبرنا وسئل، عن قول اللّه، جلّ ثناؤه {فما استيسر من الهدي} قال: كان ابن عبّاسٍ، يقول: من الغنم.
[جامع البيان: 3/349]
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال ما استيسر من الهدي: من الأزواج الثّمانية.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالدٌ، قال: قيل للأشعث ما قول الحسن: {فيما استيسر من الهدي} فقال: شاةٌ.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، قال: أعلاه بدنةٌ، وأوسطه بقرةٌ، وأخسّه شاةٌ
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، مثله، إلاّ أنّه قال: أعلاه بدنةٌ، وذكر سائر الحديث مثله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا همّامٌ، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن عبّاسٍ، قال: {ما استيسر من الهدي} شاةٌ
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا أيّوب، عن أبي جمرة، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، {فما استيسر من الهدي} شاةٌ.
[جامع البيان: 3/350]
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال، حدّثنا ابن يمانٍ، قال: حدّثنا محمّد بن نفيعٍ، عن عطاءٍ، مثله.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: المحصر يبعث بهدي بشاةً فما فوقه.
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا ابن نميرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهلّ الرّجل بالحجّ فأحصر، بعث بما استيسر من الهدي شاةً قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: كذلك قال ابن عبّاسٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: ما استيسر من الهدي: شاةٌ فما فوقها.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، وحدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا آدم العسقلانيّ، عن شعبة، قال: حدّثنا أبو جمرة، عن ابن عبّاسٍ، قال: ما استيسر من الهدي جزورٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو شركٌ في دمٍ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: سمعت يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعت القاسم بن محمّدٍ، يقول: إن ابن عبّاسٍ، كان يرى أنّ الشّاة، ما استيسر من الهدي.
[جامع البيان: 3/351]
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: ما استيسر من الهدي: شاةٌ.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، عن خالدٍ الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: ما استيسر من الهدي: شاةٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: شاةٌ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن دلهم بن صالحٍ، قال: سألت أبا جعفرٍ، عن قوله: ما استيسر من الهدي: فقال: شاةٌ.
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، أنّ مالك بن أنسٍ، حدّثه، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه: أنّ عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه كان يقول: ما استيسر من الهدي: شاةٌ.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا مطرّف بن عبد اللّه، قال: حدّثنا مالكٌ، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه، مثله.
[جامع البيان: 3/352]
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالكٌ أنّه بلغه، أنّ عبد اللّه بن عبّاس، كان يقول: ما استيسر من الهدي: شاةٌ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال مالكٌ: وذلك أحبّ إليّ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، فما استيسر من الهدي قال: عليه، يعني المحصر هدي إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلاّ فمن البقر، وإلاّ فمن الغنم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا آدم العسقلانيّ، قال: حدّثنا ابن أبي ذئبٍ، عن شعبة مولى ابن عبّاسٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: ما استيسر من الهدي: شاةٌ، وما عظّمت شعائر اللّه، فهو أفضل.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: أخبرنا ابن لهيعة، أنّ عطاء بن أبي رباحٍ، حدّثه: أنّ ما استيسر من الهدي: شاةٌ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا سهل بن يوسف، قال: حدّثنا حميدٌ، عن عبد اللّه بن عبيد بن عميرٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: الهدي: شاةٌ، فقيل له: لا يكون دون بقرةٍ؟ قال: فأنا أقرأ عليكم من كتاب اللّه ما تصقدون أنّ الهدي شاةٌ ما في الظّبي؟ قالوا: شاةٌ، قال: {هديًا بالغ الكعبة}.
وقال آخرون: ما استيسر من الهدي: من الإبل والبقر، سنٌّ دون سنٍّ.
[جامع البيان: 3/353]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمرٌ، قال: سمعت عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: البقرة دون البقرة، والبعير دون البعير.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أبي مجلزٍ، قال: سأل رجلٌ ابن عمر: ما استيسر من الهدي؟ قال: أترضى شاةً؟ كأنّه لا يرضاه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا أيّوب، عن القاسم بن محمّدٍ، ونافعٍ، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: ناقةٌ، أو بقرةٌ، فقيل له: ما استيسر من الهدي؟ قال: النّاقة دون النّاقة، والبقرة دون البقرة.
- حدّثني ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر، أنّه قال فيما استيسر من الهدي قال: جزورٌ، أو بقرةٌ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، ويعقوب، قالا: حدّثنا هشيمٌ، قال الزّهريّ، أخبرنا وسئل عن قول اللّه: {فما استيسر من الهدي} قال: قال ابن عمر: من الإبل، والبقر.
[جامع البيان: 3/354]
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا أيّوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، في قوله جلّ ثناؤه: {فما استيسر من الهدي} قال: النّاقة دون النّاقة، والبقرة دون البقرة.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، عن القاسم، عن ابن عمر، في قوله: {فما استيسر من الهدي} قال: الإبل، والبقر.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: سمعت يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعت القاسم بن محمّدٍ، يقول: كان عبد اللّه بن عمر، وعائشة، يقولان: ما استيسر من الهدي: من الإبل، والبقر.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا الوليد بن أبي هشامٍ، عن زياد بن جبيرٍ، عن أخيه عبد اللّه أو عبيد اللّه بن جبيرٍ، قال: سألت ابن عمر عن المتعة عن الهدي؟ فقال: ناقةٌ، قلت: ما تقول في الشّاة؟ قال: أكلكم شاةٌ، أكلكم شاةٌ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، وطاووسٍ، قالا: ما استيسر من الهدي: بقرةٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، {فما استيسر من الهدي} قال في قول ابن عمر: بقرةٌ فما فوقها.
[جامع البيان: 3/355]
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني أبو معشرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: قال: بدنةٌ، أو بقرةٌ، فأمّا شاةٌ فإنّها هي نسكٌ.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة، وإنّما الشّاة نسكٌ، قال: تكون البقرة بأربعين وبخمسين.
- حدّثنا الرّبيعٌ، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني أسامة، عن نافعٍ، عن ابن عمر، كان يقول: ما استيسر من الهدي: بقرةٌ.
- حدّثنا الرّبيع، قال: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني أسامة بن زيدٍ، أنّ سعيدًا، حدّثه قال: رأيت ابن عمر، وأهل اليمن يأتونه فيسألونه عمّا استيسر من الهدي ويقولون: الشّوه؟ الشّوه؟ قال: فيردّ عليهم: الشّوه؟ الشّوه؟ يحكيهم؛ لأنّ الجزور دون الجزور، والبقرة دون البقرة، ولكن ما استيسر من الهدي: بقرةٌ.
وأولى القولين بالصّواب قول من قال: ما استيسر من الهدي شاةٌ؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أوجب ما استيسر من الهدي، وذلك على كلّ ما تيسّر للمهدي أن يهديه كائنًا ما كان ذلك الّذي يهدي. إلاّ أن يكون اللّه جلّ ثناؤه خصّ من ذلك شيئًا، فيكون ما خصّ من ذلك خارجًا من جملة ما احتمله ظاهر التّنزيل، ويكون سائر الأشياء غيره مجزئًا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحقّ اسم هديٍ.
[جامع البيان: 3/356]
فإن قال قائلٌ: فإنّ الّذي أبوا أن تكون الشّاة ممّا استيسر من الهدي لأنه لا يستحقّ اسم هديٍ كما أنّه لو أهدى دجاجةً، أو بيضةً لم يكن مهديًا هديًا مجزئًا؟
قيل: لو كان في المهديّ الدّجاجة والبيضة من الاختلاف نحو الّذي في المهديّ الشّاة لكان سبيلهما واحدةً في أنّ كلّ واحدٍ منهما قد أدّى ما عليه بظاهر التّنزيل إذا لم يكن أحد المهدبين يخرجه من أن يكون مؤدّيًا بإهدائه ما أهدى من ذلك مّا أوجبه اللّه عليه في إحصاره. ولكن لمّا أخرج المهديّ ما دون الجذع من الضّأن، والثّنيّ من المعز، والإبل، والبقر فصاعدًا من الأسنان من أن يكون مهديًا ما أوجبه اللّه عليه في إحصاره، أو متعته الحجّة القاطعة العذر، نقلاً عن نبيّها صلّى اللّه عليه وسلّم وراثةً، كان ذلك خارجًا من أن يكون مرادًا بقوله: {فما استيسر من الهدي} وإن كان ممّا استيسر لنا من الهدايا. ولمّا اختلف في الجذع من الضّأن، والثّنيّ من المعز، كان مجزئًا ذلك عن مهديه لظاهر التّنزيل، لأنّه ممّا استيسر من الهدي.
فإن قال قائلٌ: فما محلّ ما الّتي في قوله جلّ وعزّ: {فما استيسر من الهدي}؟ قيل: رفعٌ.
[جامع البيان: 3/357]
فإن قال: بماذا؟ قيل: بمتروكٍ، وذلك فعليه لأنّ تأويل الكلام: وأتمّوا الحجّ والعمرة أيّها المؤمنون للّه، فإن حبسكم عن إتمام ذلك حابسٌ من مرضٍ أو كسرٍ أو خوف عدوٍّ فعليكم لإحلالكم إن أردتم الإحلال من إحرامكم ما استيسر من الهدي.
وإنّما اخترنا الرّفع في ذلك، لأنّ أكثر القرآن جاء برفع نظائره، وذلك كقوله: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ} وكقوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ} وما أشبه ذلك ممّا يطول بإحصائه الكتاب، تركنا ذكره استغناءً بما ذكرنا عنه.
ولو قيل: موضع ما نصبٌ بمعنى: فإن أحصرتم فأهدوا ما استيسر من الهدي، لكان غير مخطئٍ قائله.
وأمّا الهدي فإنّه جمعٌ واحدها هديّةٌ، على تقدير جديّة السّرج، والجمع الجدي مخفّفٌ.
- حدّثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، عن يونس، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لا أعلم في الكلام حرفًا يشبهه.
وبتخفيف الياء وتسكين الدّال من الهدي قرأه القرّاء في كلّ مصرٍ، إلاّ ما ذكر عن الأعرج.
- فإنّ أبا هشامٍ الرّفاعيّ، حدّثنا قال: حدّثنا يعقوب، عن بشّارٍ، عن أسدٍ، عن الأعرج، أنّه قرأ: هديًّا بالغ الكعبة بكسر الدّال مثقّلاً، وقرأ: حتّى يبلغ الهديّ محلّه بكسر الدّال مثقّلةً.
[جامع البيان: 3/358]
واختلف في ذلك عن عاصمٍ، فروي عنه موافقة الأعرج ومخالفته إلى قراءة سائر القرّاء.
والهدي عندي إنّما سمّي هديًا لأنّه تقرّب به إلى اللّه جلّ وعزّ مهديه بمنزلة الهديّة يهديها الرّجل إلى غيره متقرّبًا بها إليه، يقال منه: أهديت الهدي إلى بيت اللّه فأنا أهديه إهداءً، كما يقال في الهديّة يهديها الرّجل إلى غيره: أهديت إلى فلانٍ هديّةً، وأنا أهديها إهداءً. ويقال للبدنة هديّةٌ، ومنه قول زهير بن أبي سلمى يذكر رجلاً أسر يشبهه في حرمته بالبدنة الّتي تهدى:
فلم أر معشرًا أسروا هديًّا = ولم أر جار بيتٍ يستباء). [جامع البيان: 3/359]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن أحصرتم فأردتم الإحلال من إحرامكم، فعليكم ما استيسر من الهدي، ولا تحلّوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتّى يبلغ الهدي الّذي أوجبته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الّذي أحصرتم فيه قبل تمامه، وانقضاء مشاعره، ومناسكه محلّه، وذلك أنّ حلق الرّأس إحلالٌ من الإحرام الّذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه، فنهاه اللّه عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتّى يبلغ الهدي الّذي أباح اللّه له الإحلال جلّ ثناؤه بإهدائه محلّه.
[جامع البيان: 3/359]
ثمّ اختلف أهل العلم في محلّ الهدي الّذي عناه اللّه جلّ اسمه الّذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الّذي أحصر فيه. فقال بعضهم: محلّ هدي المحصر الّذي يحلّ به ويجوز له ببلوغه إيّاه حلق رأسه، إذا كان إحصاره من خوف عدوٍّ منعه ذبحه إن كان ممّا يذبح، أو نحره إن كان ممّا ينحر، في الحلّ ذبح، أو نحر، أو في الحرم حيث حبس، وإن كان من غير خوف عدوٍّ فلا يحلّ حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصّفا، والمروة. وهذا قول من قال: الإحصار إحصار العدوّ دون غيره.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، أخبرني مالك بن أنسٍ، أنّه بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حلّ هو، وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وحلّوا من كلّ شيءٍ قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي. ثمّ لم نعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أحدًا من أصحابه ولا ممّن كان معه أن يقضوا شيئًا، ولا أن يعودوا لشيءٍ.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن نافعٍ: أنّ عبد اللّه بن عمر، خرج إلى مكّة معتمرًا في الفتنة، فقال: إنّ صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فأهلّ بعمرةٍ من أجل أنّ النّبيّ كان أهلّ بعمرةٍ عام الحديبية. ثمّ إنّ عبد اللّه بن عمر نظر في أمره، فقال: ما أمرهما إلاّ واحدٌ. قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلاّ واحدٌ، أشهدكم أنّي قد أوجبت الحجّ مع العمرة. قال: ثمّ طاف طوافًا واحدًا، ورأى أنّ ذلك مجزٍ عنه وأهدى.
[جامع البيان: 3/360]
- قال يونس: قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدوٍّ كما أحصر نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه. فأمّا من أحصر بغير عدوٍّ فإنّه لا يحلّ دون البيت.
قال: وسئل مالكٌ، عمّن أحصر بعدوٍّ وحيل بينه وبين البيت؟ فقال: يحلّ من كلّ شيءٍ، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاءٌ إلاّ أن يكون لم يحجّ قطّ، فعليه أن يحجّ حجّة الإسلام.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا مالكٌ، قال: حدّثني يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ: أنّ عبد اللّه بن عمر، ومروان بن الحكم، وعبد اللّه بن الزّبير، أفتوا ابن حزابة المخزوميّ، وصرع في الحجّ ببعض الطّريق، أن يتداوى بما لا بدّ له ويفتدي، ثمّ يجعلها عمرةً، ويحجّ عامًا قابلاً ويهدي.
- قال يونس: قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ: وذلك الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدوٍّ.
قال: وقال مالكٌ: وكلّ من حبس عن الحجّ بعد ما يحرم إمّا بمرضٍ، أو خطأٍ من العدد، أو خفي عليه الهلال، فهو محصرٌ، عليه ما على المحصر يعني من المقام على إحرامه حتّى يطوف، ويسعى، ثمّ الحجّ من قابلٍ، والهدي.
[جامع البيان: 3/361]
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: سمعت يحيى بن سعيدٍ، يقول: أخبرني أيّوب بن موسى، أنّ داود بن أبي عاصمٍ، أخبره: أنّه، حجّ مرّةً فاشتكى، فرجع إلى الطّائف ولم يطف بين الصّفا، والمروة، فكتب إلى عطاء بن أبي رباحٍ، يسأله عن ذلك، وأنّ عطاءً كتب إليه: أنّ أهرق دمًا.
وعلّة من قال بقول مالكٍ في أنّ محلّ الهدي في الإحصار بالعدوّ نحره حيث حبس صاحبه.
- ما حدّثنا به أبو كريبٍ، ومحمّد بن عمارة الأسديّ، قالا: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة، قال: أخبرني أبو مرّة، مولى أمّ هانئٍ، عن ابن عمر، قال: لمّا كان الهدي دون الجبال الّتي تطلع على وادي الثّنيّة عرض له المشركون فردّوا وجهه قال: فنحر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الهدي حيث حبسوه، وهي الحديبية، وحلق، وتأسّى به أناسٌ فحلقوا حين رأوه حلق، وتربّص آخرون، فقالوا: لعلّنا نطوف بالبيت، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: رحم اللّه المحلّقين. قيل: والمقصّرين قال: ورحم اللّه المحلّقين قيل: والمقصّرين قال: والمقصّرين.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان،
[جامع البيان: 3/362]
قال: حدّثنا عبد اللّه بن المبارك، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: لمّا كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القضيّة بينه وبين مشركي قريشٍ، وذلك بالحديبية عام الحديبية، قال لأصحابه: قوموا فانحروا، واحلقوا. قال: فواللّه ما قام منهم رجلٌ حتّى قال ذلك ثلاث مرّاتٍ. فلمّا لم يقم منهم أحدٌ، قام فدخل على أمٍّ سلمة، فذكر ذلك لها، فقالت أمّ سلمة: يا نبيّ اللّه، اخرج، ثمّ لا تكلّم أحدًا منهم بكلمةٍ حتّى تنحر بدنك، وتدعو حلاّقك فتحلق فقام فخرج فلم يكلّم منهم أحدًا حتّى فعل ذلك. فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتّى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
قالوا: فنحر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هديه حين صدّه المشركون عن البيت بالحديبية، وحلّ هو، وأصحابه. قالوا: والحديبية ليست من الحرم، قالوا، ففي ذلك دليلٌ واضحٌ على أنّ معنى قوله: {حتّى يبلغ الهدي محلّه} حتّى يبلغ بالذّبح أو النّحر محلّ أكله، والانتفاع به في محلّ ذبحه، ونحره، كما روي عن نبيّ اللّه عليه الصّلاة والسّلام في نظيره إذ أتي بلحمٍ أهدته بريرة من صدقةٍ كان تصدّق بها عليها، فقال: قرّبوه فقد بلغ محلّه يعني: فقد بلغ محلّ طيبه وحلاله له بالهديّة إليه بعد أن كان صدقةً على بريرة.
وقال بعضهم: محلّ هدي المحصر الحرم لا محلّ له غيره.
[جامع البيان: 3/363]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن عبد الرّحمن بن يزيد: أنّ عمير بن سعيدٍ النّخعيّ، أهلّ بعمرةٍ، فلمّا بلغ ذات الشّقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلى الطّريق يتشرّفون النّاس، فإذا هم بابن مسعودٍ، فذكروا ذلك له، فقال: ليبعث بهديٍ، واجعلوا بينكم يوم أمار، فإذا ذبح الهدي فليحلّ، وعليه قضاء عمرته.
- حدّثنا تميم بن المنتصر، قال: حدّثنا إسحاق، عن شريكٍ، عن سليمان بن مهران، عن عمارة بن عميرٍ، وإبراهيم، عن عبد الرّحمن بن يزيد أنّه قال: خرجنا مهلّين بعمرةٍ فينا الأسود بن يزيد، حتّى نزلنا ذات الشّقوق، فلدغ صاحبٌ لنا، فشقّ ذلك عليه مشقّةً شديدةً، فلم ندر كيف نصنع به، فخرج بعضنا إلى الطّريق، فإذا نحن بركبٍ فيه عبد اللّه بن مسعودٍ، فقلنا له: يا أبا عبد الرّحمن رجلٌ منّا لدغ، فكيف نصنع به؟ قال: يبعث معكم بثمن هدي، فتجعلون بينكم وبينه يومًا أمارةً، فإذا نحر الهدي فليحلّ، وعليه عمرةٌ في قابلٍ.
[جامع البيان: 3/364]
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرٍ، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: بينا نحن بذات الشّقوق فلبّى رجلٌ منّا بعمرةٍ فلدغ، فمرّ علينا عبد اللّه، فسألناه، فقال: اجعلوا بينكم وبينه يومًا أمارًا، فيبعث بثمن الهدي، فإذا نحر حلّ، وعليه العمرة.
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت إبراهيم النّخعيّ، يحدّث، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: أهلّ رجلٌ منّا بعمرةٍ، فلدغ، فطلع ركبٌ فيهم عبد اللّه بن مسعودٍ، فسألوه، فقال: ابعثوا بهديٍ، واجعلوا بينكم وبينه يومًا أمارًا، فإذا كان ذلك اليوم فليحلّ. وقال عمارة بن عميرٍ: وكان حسبك به عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن عبد اللّه: وعليه العمرة من قابلٍ.
- حدّثني أبو السّائب، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: خرجنا عمّارًا، فلمّا كنّا بذات الشّقوق لدغ صاحبٌ لنا، فاعترضنا للطّريق نسأل عمّا نصنع به، فإذا عبد اللّه بن مسعودٍ، في ركبٍ، فقلنا له: لدغ صاحبٌ لنا، فقال: اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يومًا، وليرسل بالهدي، فإذا نحر الهدي فليحلّل، ثمّ عليه العمرة.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ،
[جامع البيان: 3/365]
عن الحجّاج، قال: حدّثني عبد الرّحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعودٍ: أنّ عمير بن سعيدٍ النّخعيّ أهلّ بعمرةٍ، فلمّا بلغ ذات الشّقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلى الطّريق يتشرفون النّاس، فإذا هم بابن مسعودٍ، فذكروا ذلك له، فقال: ليبعث بهديٍ، واجعلوا بينكم يوم أمار، فإذا ذبح الهدي فليحلّ، وعليه قضاء عمرته.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} يقول: من أحرم بحجٍّ، أو عمرةٍ، ثمّ حبس عن البيت بمرضٍ يجهده، أو عذرٍ يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، شاةٌ فما فوقها يذبح عنه. فإن كانت حجّة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجّةٌ بعد حجّة الفريضة، أو عمرةٌ فلا قضاء عليه. ثمّ قال: {ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه} فإن كان أحرم بالحجّ فمحلّه يوم النّحر، وإن كان أحرم بعمرةٍ فمحلّ هديه إذا أتى البيت.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} فهو الرّجل من أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحبس عن البيت فيهدي إلى البيت، ويمكث على إحرامه حتّى يبلغ الهدي محلّه، فإذا بلغ الهدي محلّه حلق رأسه، فأتمّ اللّه له حجّه والإحصار أيضًا: أن يحال بينه، وبين الحجّ، فعليه هديٌ إن كان موسرًا من الإبل، وإلاّ فمن البقر، وإلاّ فمن الغنم. ويجعل حجّه عمرةً، ويبعث بهديه إلى البيت، فإذا نحر الهدي فقد حلّ، وعليه الحجّ من قابلٍ.
[جامع البيان: 3/366]
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، حدّثنا بشر بن السّريّ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، قال: سئل عليٌّ رضي اللّه عنه، عن قول اللّه عزّ وجلّ: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} فإذا أحصر الحاجّ بعث بالهدي، فإذا نحر عنه حلّ، ولا يحلّ حتّى ينحر هديه.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: سمعت عطاءً، يقول: من حبس في عمرته، فبعث بهديّةٍ فاعترض لها فإنّه يتصدّق بشيءٍ، أو يصوم، ومن اعترض لهديّته، وهو حاجٌّ، فإنّ محلّ الهدي، والإحرام يوم النّحر، وليس عليه شيءٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، مثله.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه} الرّجل يحرم ثمّ يخرج فيحصر، إمّا بلدغٍ، وإما بمرضٍ فلا يطيق السّير، وإمّا تنكسر راحلته، فإنّه يقيم، ثمّ يبعث بهدي شاةٍ فما فوقها. فإن هو صحّ فسار فأدرك فليس عليه هديٌ، وإن فاته الحجّ فإنّها تكون عمرةً، وعليه من قابلٍ حجّةٌ. وإن هو رجع لم يزل محرمًا حتّى ينحر عنه يوم النّحر.
[جامع البيان: 3/367]
فإن هو بلغه أنّ صاحبه لم ينحر عنه عاد محرمًا وبعث بهديٍ آخر، فواعد صاحبه يوم ينحر عنه، فنحر عنه بمكّة، ويحلّ، وعليه من قابلٍ حجّةٌ وعمرةٌ ومن النّاس من يقول عمرتان. وإن كان أحرم بعمرةٍ، ثمّ رجع وبعث بهديه، فعليه من قابلٍ عمرتان، وأناسٌ يقولون: لا بل ثلاث عمر نحوٌ ممّا صنعوا في الحجّ حين صنعوا، عليه حجّةٌ، وعمرتان.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ القنّاد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن أبي بشرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وعطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إذا أحصر الرّجل بعث بهديه إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدوّ، فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكّة، فإنّه يبعث بها مكانه، ويواعد صاحب الهدي. فإذا أمن فعليه أن يحجّ، ويعتمر. فإن أصابه مرضٌ يحبسه وليس معه هديٌ، فإنّه يحلّ حيث يحبس، وإن كان معه هديٌ فلا يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه إذا بعث به، وليس عليه أن يحجّ قابلاً، ولا يعتمر إلاّ أن يشاء.
وعلّة من قال هذه المقالة، أنّ محلّ الهدايا، والبدن الحرم، إنّ اللّه عزّ وجلّ ذكر البدن، والهدايا فقال: {ومن يعظّم شعائر اللّه فإنّها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجلٍ مسمًّى ثمّ محلّها إلى البيت العتيق} فجعل محلّها الحرم، ولا محلّ للهدي دونه.
قالوا: وأمّا ما ادّعاه المحتجّون بنحر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هداياه بالحديبية حين صدّ عن البيت؛ فليس ذلك بالقول المجتمع عليه.
- وذلك أنّ الفضل بن سهلٍ، حدّثني قال: حدّثنا مخوّل بن إبراهيم،
[جامع البيان: 3/368]
قال: حدّثنا إسرائيل، عن مجزأة بن زاهرٍ الأسلميّ، عن أبيه، عن ناجية بن جندبٍ الأسلميّ، قال: أتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين صدّ الهدي، فقلت: يا رسول اللّه ابعث معي بالهدي فلننحره بالحرم قال: كيف تصنع به؟ قلت: آخذ به أوديةً فلا يقدرون عليه. فانطلقت به حتّى نحرته بالحرم.
قالوا: فقد بيّن هذا الخبر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحر هداياه في الحرم، فلا حجّة لمحتجٍّ بنحره بالحديبية في غير الحرم.
وقال آخرون: معنى هذه الآية وتأويلها على غير هذين الوجهين اللّذين وصفنا من قول الفريقين اللّذين ذكرنا اختلافهم على ما ذكرنا. وقالوا: إنّما معنى ذلك: فإن أحصرتم أيّها المؤمنون عن حجّكم فمنعتم من المضيّ لإحرامه لعائق مرضٍ، أو خوف عدوٍّ، وأداء اللاّزم لكم فى حجّكم حتّى فاتكم الوقوف بعرفة، فإنّ عليكم ما استيسر من الهدي لما فاتكم من حجّكم مع قضاء الحجّ الّذي فاتكم.
وقال أهل هذه المقالة: ليس للمحصر في الحجّ بالمرض، والعلل غيره الإحلال إلاّ بالطّواف بالبيت والسّعي بين الصّفا، والمروة إن فاته الحجّ. قالوا: فأمّا إن أطاق شهود المشاهد فإنّه غير محصرٍ. قالوا: وأمّا العمرة فلا إحصار فيها، لأنّ وقتها موجودٌ أبدًا. قالوا: والمعتمر لا يحلّ إلاّ بعملٍ آخر ما يلزمه في إحرامه. قالوا: ولم يدخل المعتمر في هذه الآية، وإنّما عنى بها الحاجّ.
[جامع البيان: 3/369]
ثمّ اختلف أهل هذه المقالة، فقال بعضهم: لا إحصار اليوم بعدوٍّ كما لا إحصار بمرضٍ يجوز لمن ناله أن يحلّ من إحرامه قبل الطّواف بالبيت والسّعي بين الصّفا، والمروة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، وطاووسٍ، قالا: قال ابن عبّاسٍ: لا إحصار اليوم.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال سمعت يحيى بن سعيدٍ، يقول: أخبرني عبد الرّحمن بن القاسم، أنّ عائشة، قالت: لا أعلم المحرم يحلّ بشيءٍ دون البيت.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: لا حصر إلاّ من حبسه عدوٌّ، فيحلّ بعمرةٍ، وليس عليه حجٌّ، ولا عمرةٌ.
وقال آخرون منهم: حصار العدوّ ثابتٌ اليوم، وبعد اليوم، على نحو ما ذكرنا من أقوالهم الثّلاثة الّتي حكينا عنهم.
[جامع البيان: 3/370]
ذكر من قال ذلك: وقال: ومعنى الآية: فإن أحصرتم عن الحجّ حتّى فاتكم، فعليكم ما استيسر من الهدي لفوته إيّاكم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ، قال: كان عبد اللّه بن عمر، ينكر الاشتراط في الحجّ، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ إن حبس أحدكم عن الحجّ طاف بالبيت، والصّفا، والمروة ثمّ حلّ من كلّ شيءٍ حتّى يحجّ عامًا قابلاً، ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا.
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: المحصر لا يحلّ من شيءٍ حتّى يبلغ البيت ويقيم على إحرامه كما هو إلاّ أن تصيبه جراحةٌ، أو جرحٌ، فيتداوى بما يصلحه، ويفتدي. فإذا وصل إلى البيت، فإن كانت عمرةٌ قضاها، وإن كانت حجّةٌ فسخها بعمرةٍ، وعليه الحجّ من قابلٍ، والهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، وسبعةٌ إذا رجع.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن عبيد اللّه، قال: أخبرني نافعٌ: أنّ ابن عمر، مرّ على ابن حزابة وهو بالسّقيا، فرأى به كسرًا فاستفتاه، فأمره أن يقف كما هو لا يحلّ من شيءٍ حتّى يأتي البيت إلاّ أن يصيبه أذًى فيتداوى وعليه ما استيسر من الهدي. وكان أهلّ بالحجّ.
[جامع البيان: 3/371]
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني سالم بن عبد اللّه، أنّ عبد اللّه بن عمر، قال: من أحصر بعد أن يهلّ بحجٍّ، فحبسه خوفٌ، أو مرضٌ، أو ضلا له ظهرٌ يحمله أو شيءٌ من الأمور كلّها، فإنّه يتعالج بحبسه ذلك بكلّ شيءٍ لا بدّ له منه، غير أنّه لا يحلّ من النّساء، والطّيب، ويفتدي بالفدية الّتي أمر اللّه بها صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ. فإن فاته الحجّ وهو بمحبسه ذلك، أو فاته أن يقف بمواقف عرفة قبل الفجر من ليلة المزدلفة، فقد فاته الحجّ، وصارت حجّته عمرةً؛ يقدم مكّة فيطوف بالبيت، وبالصّفا، والمروة. فإن كان معه هديٌ نحره بمكّة قريبًا من المسجد الحرام، ثمّ حلق رأسه، أو قصّر، ثمّ حلّ من النّساء، والطّيب وغير ذلك. ثمّ عليه أن يحجّ قابلاً، ويهدي ما تيسّر من الهدي.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني مالك بن أنسٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عمر، أنّه قال: المحصر لا يحلّ حتّى يطوف بالبيت، وبين الصّفا، والمروة. وإن اضطرّ إلى شيءٍ من لبس الثّياب الّتي لا بدّ له منها، أو الدّواء صنع ذلك، وافتدى.
فهذا ما روي عن ابن عمر في الإحصار بالمرض وما أشبهه، وأمّا في الحصر بالعدوّ فإنّه كان يقول فيه بنحو القول الّذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنسٍ أنّه كان يقوله.
[جامع البيان: 3/372]
- حدّثني تميم بن المنتصر، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ، قال: أخبرنا عبيد اللّه، عن نافعٍ: أنّ ابن عمر، أراد الحجّ حين نزل الحجّاج بابن الزّبير فكلّمه ابناه سالمٌ، وعبد اللّه، فقالا: لا يضرّك أن لا تحجّ العام، إنّا نخاف أن يكون بين النّاس قتالٌ فيحال بينك وبين البيت. قال: إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعلنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين حال كفّار قريشٍ بينه وبين البيت فحلق ورجع.
وأمّا ما ذكرناه عنهم في العمرة من قولهم إنّه لا إحصار فيها ولا حصر فإنّه؛
- حدّثني به، يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثني هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن يزيد بن عبد اللّه بن الشّخّير، أنّه أهلّ بعمرةٍ فأحصر، قال: فكتب إلى ابن عبّاسٍ، وابن عمر، فكتبا إليه أن يبعث بالهدي، ثمّ يقيم حتّى يحلّ من عمرته. قال: فأقام ستّة أشهرٍ، أو سبعة أشهرٍ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا أيوب، عن أبي العلاء بن الشّخّير، قال: خرجت معتمرًا فصرعت عن بعيري، فكسرت رجلي. فأرسلنا إلى ابن عبّاسٍ، وابن عمر، من سألهما، فقالا: إنّ العمرة ليس لها وقتٌ كوقت الحجّ، لا تحلّ حتّى تطوف بالبيت، قال: فأقمت بالدّثينة أو قريبًا منه سبعة أشهرٍ، أو ثمانية أشهرٍ.
[جامع البيان: 3/373]
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني مالكٌ، عن أيّوب بن أبي تميمة السّختيانيّ، عن رجلٍ، من أهل البصرة كان قديمًا أنّه قال: خرجت إلى مكّة، حتّى إذا كنت ببعض الطّريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكّة وبهما عبد اللّه بن عبّاسٍ، وبها عبد اللّه بن عبّاس، وعبد اللّه بن عمر، والنّاس، فلم يرخّص لي أحدٌ منهم أن أحلّ، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهرٍ حتّى أحللت بعمرةٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، في رجلٍ أصابه كسرٌ وهو معتمرٌ، قال: يمكث على إحرامه حتّى يأتي البيت ويطوف به، وبالصّفا، والمروة، ويحلق، أو يقصّر، وليس عليه شيءٌ.
وأولى هذه الأقوال بالصّواب في تأويل هذه الآية قول من قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ عنى بقوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه} كلٌّ محصرٍ في كل إحرامٍ بعمرةٍ كان إحرام المحصر أو بحجٍّ، وجعل محلّ هديه الموضع الّذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محلّه
[جامع البيان: 3/374]
وتأوّل بالمحلّ المنحر، أو المذبح، وذلك حين حلّ نحره، أو ذبحه في حرمٍ كان أو في حلٍّ، وألزمه قضاء ما حلّ منه من إحرامه قبل إتمامه إذا وجد إليه سبيلاً، وذلك لتواتر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه صدّ عام الحديبية عن البيت وهو محرمٌ وأصحابه بعمرةٍ، فنحر هو، وأصحابه بأمره الهدي، وحلّوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت، ثمّ قضوا إحرامهم الّذي حلّوا منه في العام الّذي بعده. ولم يدّع أحدٌ من أهل العلم بالسّير ولا غيرهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أحدًا من أصحابه أقام على إحرامه انتظارًا للوصول إلى البيت والإحلال بالطّواف به، وبالسّعي بين الصّفا، والمروة، ولا على وصول هديه إلى الحرم. فأولى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، إذ لم يأت بحظره خبرٌ، ولم تقم بالمنع منه حجّةٌ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين فيما اخترنا من القول في ذلك، فمن متأوّلٍ معنى الآية تأويلنا، ومن مخالفٍ ذلك، ثمّ كان ثابتًا بما قلنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّقل كان الّذي نقل عنه أولى الأمور بتأويل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلم أنّها يومئذٍ نزلت وفي حكم صدّ المشركين إيّاه عن البيت أوحيت.
وقد روي بنحو الّذي قلنا في ذلك خبرٌ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثني الحجّاج بن أبي عثمان، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، أنّ عكرمة، مولى ابن عبّاسٍ حدّثه قال: حدّثني الحجّاج بن عمرٍو الأنصاريّ، أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: من كسر، أو عرج فقد حلّ، وعليه حجّةٌ أخرى قال: فحدّثت ابن عبّاسٍ، وأبا هريرة بذلك، فقالا: صدق.
[جامع البيان: 3/375]
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا مروان، قال: حدّثنا حجّاجٌ الصّوّاف، وحدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا سفيان بن حبيبٍ، عن الحجّاج الصّوّاف، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عكرمة، عن الحجّاج بن عمرٍو، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحوه، وعن ابن عبّاسٍ، وأبي هريرة.
ومعنى هذا الخبر فى الأمر بقضاء الحجّة الّتي حلّ منها النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، نظير فعل وأصحابه في قضائهم عمرتهم الّتي حلّوا منها عام الحديبية من القابل في عام عمرة القضيّة.
ويقال لمن زعم أنّ الّذي حصره عدوٌّ إذا حلّ من إحرامه التّطوّع فلا قضاء عليه، وأنّ المحصر بالعلل عليه القضاء ما العلّة الّتي أوجبت على أحدهما القضاء وأسقطت عن الآخر، وكلاهما قد حلّ من إحرامٍ كان عليه إتمامه لولا العلّة العائقة؟
فإن قال: لأنّ الآية إنّما نزلت في الّذي حصره العدوّ، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نزلت فيه.
قيل له: قد دفعك عن ذلك جماعةٌ من أهل العلم، غير أنّا نسلّم لك ما قلت في ذلك، فهلاّ كان حكم المنع بالمرض والإحصار به حكم المنع بالعدوّ إذ هما متّفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما،
[جامع البيان: 3/376]
وإن اختلفت أسباب منعهما، فكان أحدهما ممنوعًا بعلّةٍ في بدنه، والآخر بمنع مانعٍ؟ ثمّ يسأل الفرق بين ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقول في أحدهما قولا إلاّ ألزم في الآخر مثله.
وأمّا الّذين قالوا: لا إحصار في العمرة، فإنّه يقال لهم: قد علمتم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما صدّ عن البيت، وهو محرمٌ بالعمرة، فحلّ من إحرامه؟ فما برهانكم على ألا إحصار فيها؟ أو رأيتم إن قال قائلٌ: لا إحصار في حجٍّ، وإنّما فيه فوتٌ، وعلى الفائت الحجّ المقام على إحرامه حتّى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصّفا، والمروة، لأنّه لم يصحّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه سنّ في الإحصار في الحجّ سنّةً؟ فقد قال ذلك جماعةٌ من أئمّة الدّين. فأمّا العمرة فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سنّ فيها ما سنّ، وأنزل اللّه تبارك وتعالى في حكمها ما بيّن من الإحلال والقضاء الّذي فعله صلّى اللّه عليه وسلّم، ففيها الإحصار دون الحجّ هل بينها وبينه فرقٌ؟ ثمّ يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلاّ ألزم في الآخر مثله). [جامع البيان: 3/377]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}
يعني بذلك جلّ ثناؤه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه؛ ألا أن يضطرّ إلى حلقه منكم مضطرٌّ، إمّا لمرضٍ، وإمّا لأذًى برأسه، من هوامٍّ أو غيرها، فيحلق هنالك للضّرورة النّازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محلّه، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك، فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ.
[جامع البيان: 3/377]
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ما أذًى من رأسه؟ قال: القمل وغيره، والصّداع، وما كان في رأسه.
وقال آخرون: لا يحلق إن أراد أن يفتدي بالنّسك، أو الإطعام إلاّ بعد التّكفير، وإن أراد أن يفتدي بالصّوم حلق ثمّ صام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنت عن عبيد اللّه بن معاذٍ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن، قال: إذا كان بالمحرم أذًى من رأسه فإنّه يحلق حين يبعث بالشّاة، أو يطعم المساكين، وإن كان صومٌ حلق ثمّ صام بعد ذلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ،
[جامع البيان: 3/378]
عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهلّ الرّجل بالحجّ فأحصر بعث بما استيسر من الهدي شاةً، فإن عجّل قبل أن يبلغ الهدي محلّه، فحلق رأسه، أو مسّ طيبًا أو تداوى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: كذلك قال ابن عبّاسٍ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} قال: من أحصر بمرضٍ أو كسر فليرسل بما استيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولا يحلّ حتّى يوم النّحر. فمن كان مريضًا، أو اكتحل، أو ادّهن، أو تداوى، أو كان به أذًى من رأسه، فحلق، ففديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} هذا إذا كان قد بعث بهديه، ثمّ احتاج إلى حلق رأسه من مرضٍ، وإلى طيبٍ، وإلى ثوبٍ يلبسه، قميصٍ أو غير ذلك، فعليه الفدية.
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، كاتب اللّيث، قال: حدّثني اللّيث، عن عقيلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: من أحصر عن الحجّ، فأصابه في حبسه ذلك مرضٌ أو أذًى برأسه، فحلق رأسه في محبسه ذلك، فعليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ.
[جامع البيان: 3/379]
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثنا عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني سالم بن عبد اللّه، أنّ عبد اللّه بن عمر، قال: من أحصر بعد أن يهلّ بحجٍّ، فحبسه مرضٌ أو خوفٌ، فإنّه يتعالج في حبسه ذلك بكلّ شيءٍ لا بدّ له منه، غير أنّه لا يحلّ له النّساء والطّيب، ويفتدي بالفدية الّتي أمر اللّه بها: صيامٌ، أو صدقةٌ، أو نسكٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثني بشر بن السّريّ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، قال: سئل عليٌّ، رضي اللّه عنه عن قول اللّه جلّ ثناؤه: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: هذا قبل أن ينحر الهدي، إن أصابه شيءٌ فعليه الكفّارة.
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن كان منكم مريضًا، أو به أذًى من رأسه، فعليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ قبل الحلاق إذا أراد حلاقه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} فمن اشتدّ مرضه، أو آذاه رأسه وهو محرمٌ، فعليه صيامٌ، أو إطعامٌ، أو نسكٌ، ولا يحلق رأسه حتّى يقدّم فديته قبل ذلك.
وعلّة من قال هذه المقالة ما؛
- حدّثنا به المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ،
[جامع البيان: 3/380]
قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يعقوب، قال: سألت عطاءً، عن قوله: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} فقال: إنّ كعب بن عجرة مرّ بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبرأسه من الصّئبان، والقمل كثيرٌ، فقال له النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: هل عندك شاةٌ؟ فقال كعبٌ: ما أجدها. فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إن شئت فأطعم ستّة مساكين، وإن شئت فصم ثلاثة أيّامٍ، ثمّ احلق رأسك.
فأمّا المرض الّذي أبيح معه العلاج بالطّيب، وحلق الرّأس، فكلّ مرضٍ كان صلاحه بحلقه كالبرسام الّذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه، وما أشبه ذلك، والجراحات الّتي تكون بجسد الإنسان الّتي يحتاج معها إلى العلاج بالدّواء الّذي فيه الطّيب ونحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان.
وأمّا الأذى الّذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصّةً له حلقه، فنحو الصّداع والشّقيقة، وما أشبه ذلك، وأن يكثر صئبان الرّأس، وكلّ ما كان للرّأس مؤذيًا ممّا في حلقه صلاحه، ودفع المضرّة الحالّة به، فيكون ذلك له بعموم قول اللّه جلّ وعزّ {أو به أذًى من رأسه} وقد تظاهرت الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذًى برأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية.
ذكر الأخبار الّتي ذكرت في ذلك.
- حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن أبي الشّوارب، وحميد بن مسعدة،
[جامع البيان: 3/381]
قالا: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا داود، عن الشّعبيّ، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالحديبية ولي وفرةٌ فيها هوامٌّ ما بين أصل كلّ شعرةٍ إلى فرعها قمل، وصئبانٌ، فقال: إنّ هذا لأذًى، قلت: أجل يا رسول اللّه شديدٌ، قال: أمعك دمٌ؟ قلت: لا. قال: فإن شئت فصم ثلاثة أيّامٍ، وإن شئت فتصدّق بثلاثة آصعٍ من تمرٍ على ستّة مساكين، على كلّ مسكينٍ نصف صاعٍ.
- حدّثني إسحاق بن شاهين الواسطيّ، قال: حدّثنا خالدٌ الطّحّان، عن داود، عن عامرٍ، عن كعب بن عجرة، عن النّبيّ بنحوه.
- حدّثنا محمّد بن عبيدٍ المحاربيّ، قال: حدّثنا أسد بن عمرٍو، عن أشعث، عن عامرٍ، عن عبد اللّه بن معقلٍ، عن كعب بن عجرة، قال: خرجت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زمن الحديبية ولي وفرةٌ من شعرٍ، قد قملت، وأكلني الصّئبان. فرآني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: احلق ففعلت، فقال: هل لك هدي؟ فقلت: ما أجد. فقال: إنّه ما استيسر من الهدي، فقلت: ما أجد. فقال: صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين كلّ مسكينٍ نصف صاعٍ قال: ففيّ نزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} إلى آخر الآية.
[جامع البيان: 3/382]
وهذا الخبر ينبئ عن أنّ الصّحيح من القول أنّ الفدية إنّما تجب على الحالق بعد الحلق، وفساد قول من قال: يفتدي، ثمّ يحلق؛ لأنّ كعبًا يخبر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمره بالفدية بعد ما أمره بالحلق فحلق.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، حدّثنا سفيان، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ، عن عبد اللّه بن معقلٍ، عن كعب بن عجرة أنّه قال: أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصيام ثلاثة أيّامٍ، أو فرقٍ من طعامٍ بين ستّة مساكين.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ، عن عبد اللّه بن معقلٍ، قال: قعدت إلى كعبٍ وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} فقال كعبٌ: نزلت فيّ كان بي أذًى من رأسي، فحملت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أنّ الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاةً؟ فقلت: لا، فنزلت هذه الآية: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: فنزلت فيّ خاصّةً، وهي لكم عامّةً.
[جامع البيان: 3/383]
- حدّثني تميمٌ، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريكٍ، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ، قال: سمعت عبد اللّه بن معقلٍ المزنيّ، يقول: سمعت كعب بن عجرة يقول: حججت مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقمل رأسي ولحيتي وشاربي وحاجبيّ، فذكر ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأرسل إليّ فقال: ما كنت أرى هذا أصابك، ثمّ قال: ادعوا لي حلاّقًا فدعوه، فحلقني. ثمّ قال: أعندك شيءٌ تنسكه عنك؟ قال: قلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين كلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من طعامٍ. قال كعبٌ: فنزلت هذه الآية فيّ خاصّةً: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} ثمّ كانت للنّاس عامّةً.
- حدّثني نصر بن عليٍّ الجهضميّ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثني أيّوب، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أوقد تحت قدرٍ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أتؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: قلت: نعم قال: احلقه وصم ثلاثة أيّامٍ أو أطعم ستّة مساكين، أو اذبح شاةً.
- حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا أيّوب بإسناده عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مثله، إلاّ أنّه قال: والقمل يتناثر عليّ، أو قال: على حاجبيّ. وقال أيضًا: أو انسك نسيكةً. قال أيّوب: لا أدري بأيّتهنّ بدأ.
[جامع البيان: 3/384]
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عونٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعبٍ، قال: فيّ أنزلت هذه الآية، قال: فقال لي: ادنه فدنوت، فقال لي: ادن فدنوت: أيؤذيك هوامّك؟ قال: أظنّه قال: نعم. قال: فأمرني بصيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ ما تيسّر.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن مجاهدٍ، عن كعب بن عجرة: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتى عليه زمن الحديبية وهو يوقد تحت قدرٍ له وهوامّ رأسه تتناثر على وجهه، فقال: أتؤذيك هوامّك؟ قال: نعم. قال: احلق رأسك وعليك فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، تذبح ذبيحةً أو تصوم ثلاثة أيّامٍ، أو تطعم ستّة مساكين.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: ذكر لنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتى على كعب بن عجرة، زمن الحديبية، ثمّ ذكر نحوه.
[جامع البيان: 3/385]
- حدّثني موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا زيد بن الحباب، قال: وأخبرني سيفٌ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قال قلت: نعم. قال: فاحلق قال: ففيّ نزلت هذه الآية: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيحٍ، وأيّوب السّختيانيّ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الحديبية، وأنا أوقد تحت قدرٍ، والقمل يتهافت عليّ، فقال: أتؤذيك هوامّك؟ قال: قلت: نعم قال: فاحلق، وانسك نسيكةً، أو صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم فرقًا بين ستّة مساكين قال أيّوب: انسك نسيكةً. وقال ابن أبي نجيحٍ: اذبح شاةً قال سفيان: والفرق ثلاثة آصعٍ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ،
[جامع البيان: 3/386]
قال: حدّثني عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رآه وقمله يسقط على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قال: نعم. فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ولم يتبيّن لهم أنّهم يحلّون بها، وهم على طمعٍ أن يدخلوا مكّة. فأنزل اللّه الفدية، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطعم فرقًا بين ستّة مساكين، أو يهدي شاةً، أو يصوم ثلاثة أيّامٍ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنّا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون. قال: وكانت لي وفرةٌ، فجعلت الهوامّ تسّاقط على وجهي. فمرّ بي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: قلت: نعم. قال: ونزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، عن كعب بن عجرة، قال: لفي نزلت وإيّاي عني بها: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بالحديبية، وهو عند الشّجرة، وأنا محرمٌ: أيؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم، أو كلمةً لا أحفظها عنى بها ذاك. فأنزل اللّه جلّ وعزّ: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} والنّسك: شاةٌ.
[جامع البيان: 3/387]
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن مجاهدٍ، قال: قال كعب بن عجرة: والّذي نفسي بيده، لفيّ نزلت هذه الآية، وإيّاي عنى بها، ثمّ ذكر نحوه، قال: وأمره أن يحلق رأسه.
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالك بن أنسٍ، عن عبد الكريم بن مالكٍ الجزريّ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنّه كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول اللّه عليه الصّلاة والسّلام أن يحلق رأسه وقال: صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين مدّين مدّين لكلّ إنسانٍ أو انسك بشاةٍ، أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، أنّ مالك بن أنسٍ حدّثه عن حميد بن قيسٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له: لعلّه آذاك هوامّك؟ يعني القمل، قال: فقلت: نعم يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين، أو انسك بشاةٍ.
[جامع البيان: 3/388]
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، أنّ مالك بن أنسٍ، حدّثه، عن عطاء بن عبد اللّه الخراسانيّ أنّه قال: أخبرني شيخٌ، بسوق البرم بالكوفة، عن كعب بن عجرة أنّه قال: جاءني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أنفخ تحت قدرٍ لأصحابي، قد امتلأ رأسي ولحيتي قملاً، فأخذ بجبهتي، ثمّ قال: احلق هذا، وصم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علم أنّه ليس عندي ما أنسك به.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن نافعٍ، قال: حدّثني أسامة بن زيدٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، عن كعب بن عجرة، قال كعبٌ: أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، ثمّ أصوم ثلاثة أيّامٍ أو أطعم ستّة مساكين؛ وقد علم أنّه ليس عندي ما أنسك منه.
- حدّثنا إبراهيم بن سعيدٍ الجوهريّ، قال: حدّثنا روحٌ، عن أسامة بن زيدٍ، عن محمّد بن كعبٍ، قال: سمعت كعب بن عجرة يقول: أمرني، يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أن أحلق، وأفتدي بشاةٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة،
[جامع البيان: 3/389]
عن الزّبير بن عديٍّ، عن أبي وائلٍ شقيق بن سلمة، قال: لقيت كعب بن عجرة، في هذه السّوق، فسألته عن حلق رأسه؟ فقال: أحرمت فآذاني القمل. فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأتاني وأنا أطبخ قدرًا لأصحابي، فحكّ بأصبعه رأسي فانتثر منه القمل، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: احلقه وأطعم ستّة مساكين.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان بالحديبية عام حبسوا بها، وقمل رأس رجلٍ منهم من أصحابه يقال له كعب بن عجرة، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أتؤذيك هذه الهوامّ؟ قال: نعم. قال: فاحلق، واجزز ثمّ صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين مدّين مدّين قال: قلت: أسمّى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مدّين مدّين؟ قال: نعم، كذلك بلغنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سمّى ذلك لكعبٍ، ولم يسمّ النّسك. قال: وأخبرني أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر كعبًا، بذلك بالحديبية قبل أن يؤذن للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بالحلق، والنّحر، لا يدري عطاءكم بين الحلق والنّحر.
- حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن بن وهبٍ، قال: حدّثني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ، قال: حدّثني اللّيث، عن ابن مسافرٍ، عن ابن شهابٍ، عن فضالة بن محمّدٍ الأنصاريّ، أنّه أخبره مّن لا يتّهم من قومه: أنّ كعب بن عجرة أصابه أذًى في رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدي محلّه، فأمره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بصيام ثلاثة أيّامٍ.
[جامع البيان: 3/390]
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو الأسود، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن شعيبٍ يقول: سمعت شعيبًا، يحدّث، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكعب بن عجرة: أيؤذيك دوابّ رأسك؟ قال: نعم، قال: فاحلقه، وافتد إمّا بصوم ثلاثة أيّامٍ، وإمّا أن تطعم ستّة مساكين، أو نسكٍ شاةٍ ففعل.
وقد بيّنّا قبل معنى الفدية، وأنّها بمعنى الجزاء، والبدل.
واختلف أهل العلم في مبلغ الصّيام، والطّعام اللّذين أوجبهما اللّه على من حلق شعره من المحرمين في حال مرضه، أو من أذًى برأسه، فقال بعضهم: الواجب عليه من الصّيام ثلاثة أيّامٍ، ومن الطّعام ثلاثة آصعٍ بين ستّة مساكين، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ. واعتلّوا بالأخبار الّتي ذكرناها قبل.
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: الصّيام: ثلاثة أيّامٍ، والطّعام: إطعامٌ ستّة مساكين، والنّسك: شاةٌ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، قال: حدّثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاءٍ، مثله.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهدٍ، مثله.
[جامع البيان: 3/391]
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، ومجاهدٍ، أنّهما قالا في قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قالا: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والطّعام: إطعام ستّة مساكين، والنّسك: شاةٌ فصاعدًا.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن أشعث، عن الشّعبيّ، عن عبد اللّه بن معقلٍ، عن كعب بن عجرة، أنّه قال في قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والطّعام: إطعام ستّة مساكين، والنّسك: شاةٌ فصاعدًا إلاّ أنّه قال في إطعام المساكين: ثلاثة آصعٍ من تمرٍ بين ستّة مساكين.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} إن صنع واحدًا فعليه فديةٌ، وإن صنع اثنين فعليه فديتان، وهو مخيّرٌ أن يصنع أيّ الثّلاثة شاء. أما الصّيام فثلاثة أيّامٍ. وأمّا الصّدقة فستّة مساكين لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ، وأمّا النّسك فشاةٌ فما فوقها نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاريّ كان أحصر فقمل رأسه، فحلقه.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: فمن كان مريضًا، أو اكتحل، أو ادّهن، أو تداوى، أو كان به أذًى من رأسه من قملٍ فحلق، ففديةٌ من صيامٍ ثلاثة أيّامٍ، أو صدقةٍ فرقٌ بين ستّة مساكين، أو نسكٍ، والنّسك: شاةٌ.
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، عن عبد اللّه بن أبي جعفرٍ،
[جامع البيان: 3/392]
عن أبيه، عن الرّبيع: {ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه} قال: فإن عجّل من قبل أن يبلغ الهدي محلّه فحلق، ففديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ. قال: فالصّيام ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة: إطعام ستّة مساكين، بين كلّ مسكينين صاعٌ. والنّسك: شاةٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: يصوم صاحب الفدية مكان كلّ مدّين يومًا، قال: مدًّا لطعامه، ومدًّا لإدامه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عنبسة، بإسناده مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا بشر بن السّريّ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، قال: سئل عليٌّ، رضي اللّه عنه عن قول اللّه: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، قال: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة ثلاثة آصعٍ على ستّة مساكين، والنّسك: شاةٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ، عن حرب بن قيسٍ، مولى يحيى بن طلحة، أنّه سمع محمّد بن كعبٍ وهو يذكر الرّجل الّذي نزل فيه: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه}، قال: فأفتاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أمّا الصّيام فثلاثة أيّامٍ، وأمّا المساكين فستّةٌ، وأمّا النّسك فشاةٌ.
[جامع البيان: 3/393]
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهلّ الرّجل بالحجّ فأحصر بعث بما استيسر من الهدي شاةً، فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محلّه حلق رأسه، أو مسّ طيبًا، أو تداوى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ، والصّيام: ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة: ثلاثة آصعٍ على ستّة مساكين، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ، والنّسك: شاةٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، ومجاهدٍ، قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، قالا: الصّيام ثلاثة أيّامٍ، والصّدقة ثلاثة آصعٍ على ستّة مساكين، والنّسك: شاةٌ.
وقال آخرون: الواجب عليه إذا حلق رأسه من أذًى، أو تطيّب لعلّةٍ من مرضٍ، أو فعل ما لم يكن له فعله في حال صحّته وهو محرمٌ، من الصّوم: صيام عشرة أيّامٍ، ومن الصّدقة: إطعام عشرة مساكين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن أبي عمران، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن معاذٍ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن، في قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، قال: إذا كان بالمحرم أذًى من رأسه حلق، وافتدى بأيّ هذه الثّلاثة شاء ; فالصّيام: عشرة أيّامٍ، والصّدقة على عشرة مساكين، كلّ مسكينٍ مكّوكين، مكّوكًا من تمرٍ، ومكّوكًا من برٍّ، والنّسك: شاةٌ.
[جامع البيان: 3/394]
- حدّثني عبد الملك بن محمّدٍ الرّقاشيّ، قال: حدّثنا بشر بن عمر، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، وعكرمة: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، قال: إطعام عشرة مساكين.
وقاس قائلو هذا القول كلّ صيامٍ وجب على محرمٍ، أو صدقةٍ؛ جزاءً من نقصٍ دخل في إحرامه، أو فعل ما لم يكن له فعله، بدلاً من دمٍ على ما أوجب اللّه على المتمتّع من الصّوم إذا لم يجد الهدي. وقالوا: جعل اللّه على المتمتّع صيام عشرة أيّامٍ مكان الهدي إذا لم يجده، قالوا: فكلّ صومٍ وجب مكان دمٍ فمثله، قالوا: فإذا لم يصم، وأراد الإطعام فإنّ اللّه جلّ وعزّ أقام إطعام مسكينٍ مكان صوم يومٍ لمن عجز عن الصّوم في رمضان. قالوا: فكلّ من جعل الإطعام له مكان صومٍ لزمه فهو نظيره، فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق.
وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النّسك شاةً إن كانت عنده، فإن لم تكن عنده قوّمت الشّاة دراهم، والدّراهم طعامًا، فتصدّق به، وإلاّ صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ،
[جامع البيان: 3/395]
قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبيرٍ، عن هذه الآية: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، فأجابه يقول: يحكم عليه إطعامٌ، فإن كان عنده اشترى شاةً، فإن لم تكن قوّمت الشّاة دراهم، فجعل مكانه طعامًا فتصدّق، وإلاّ صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا فقال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر. قال: لمّا قال لي سعيد بن جبيرٍ: من هذا ما أظرفه قال: قلت: هذا إبراهيم قال: ما أظرفه كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلمّا قلت: يجالسنا، انتفض منها.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: يحكم على الرّجل في الصّيد، فإن لم يجد جزاءه قوّم طعامًا، فإن لم يكن طعامٌ صام مكان كلّ مدّين يومًا، وكذلك الفدية.
وقال آخرون: بل هو مخيّرٌ بين الخلال الثّلاث يفتدي بأيّها شاء.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سيف بن سليمان، عن مجاهدٍ، قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو) فهو بالخيار، مثل الجراب فيه الخيط الأبيض، والأسود، فأيّهما خرج أخذته.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا ابن مهديٍّ قال: حدّثنا سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو) فصاحبه بالخيار، يأخذ الأول فالأول.
[جامع البيان: 3/396]
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا، عن مجاهدٍ، قال: كلّ ما كان في القرآن (كذا فمن لم يجد فكذا) فالأوّل الأوّل، وما كان في القرآن (أو كذا أو كذا) فهو فيه بالخيار.
- حدّثني نصر بن عبد الرّحمن الأوديّ قال: حدّثنا المحاربيّ، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وسئل عن قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، فقال مجاهدٌ: إذا قال اللّه تبارك وتعالى لشيءٍ: (أو أو)، فإن شئت فخذ بالأوّل، وإن شئت فخذ بالآخر.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ، وعمرو بن دينارٍ، في قوله: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}، قالا: له أيّتهنّ شاء.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو)، فلصاحبه أن يختار أيّه شاء.
- قال ابن جريجٍ: قال لي عمرو بن دينارٍ: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو)، فلصاحبه أن يأخذ بما شاء.
[جامع البيان: 3/397]
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا ليثٌ، عن عطاءٍ، ومجاهدٍ، أنّهما قالا: ما كان في القرآن (أو كذا أو كذا)، فصاحبه بالخيار، أيّ ذلك شاء فعل.
- حدّثنا عليّ بن سهلٍ، قال: حدّثنا زيد، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو)، فهو مخيّرٌ فيه، فإن كان (فمن فمن)، فالأوّل فالأوّل.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، قال: حدّثنا داود، عن عكرمة، قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو)، فليتخيّر أيّ الكفّارات شاء، فإذا كان (فمن لم يجد)، فالأوّل فالأوّل.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو النّعمان عارمٌ، قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، قال: حدّثت عن عطاءٍ، قال: كلّ شيءٍ في القرآن (أو أو) فهو خيارٌ.
والصّواب من القول في ذلك عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتظاهرت به عنه الرّواية أنّه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الّذي كان برأسه، ويفتدي إن شاء بنسك شاةٍ، أو صيام ثلاثة أيّامٍ، أو إطعام فرقٍ من طعامٍ ستّة مساكين، كلّ مسكينٍ نصف صاعٍ. وللمفتدي الخيار بين أيّ ذلك شاء ; لأنّ اللّه لم يحصره على واحدةٍ منهنّ بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها، بل جعل إليه فعل أيّ الثّلاث شاء.
[جامع البيان: 3/398]
ومن أبى ما قلنا في ذلك قيل له: ما قلت في المكفّر عن يمينه، أمخيّرٌ إذا كان موسرًا في أن يكفّر بأيّ الكفّارات الثّلاث شاء؟ فإن قال: لا، خرج من قول جميع الأمّة، وإن قال: بلى، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرمٌ من أذًى به، ثمّ لن يقول في أحدهما شيئًا إلاّ ألزم في الآخر مثله. على أنّ ما قلنا في ذلك إجماعٌ من الحجّة، ففي ذلك مستغنًى عن الاستشهاد على صحّته بغيره.
وأمّا الزّاعمون أنّ كفّارة الحلق قبل الحلق، فإنّه يقال لهم: أخبرونا عن الكفّارة للمتمتّع، قبل التّمتّع أو بعده؟ فإن زعموا أنّها قبله قيل لهم: وكذلك الكفّارة عن اليمين قبل اليمين. فإن زعموا أنّ ذلك كذلك خرجوا من قول الأمّة. وإن قالوا: ذلك غير جائزٍ، قيل: وما الوجه الّذي من قبله وجب أن تكون كفّارة الحلق قبل الحلق، وهدي المتعة قبل التّمتّع، ولم يجب أن تكون كفّارة اليمين قبل اليمين؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأمر في ذلك فأوجب كفّارة اليمين قبل اليمين، وأبطل أن تكون كفّارة الحلق كفّارةً له إلاّ بعد الحلق، فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلاّ ألزموا في الآخر مثله.
فإن اعتلّ في كفّارة اليمين قبل اليمين أنّها غير مجزئةٍ قبل الحلف بإجماع الأمّة، قيل له: فردّ الأخرى قياسًا عليها إذ كان فيها اختلافٌ.
[جامع البيان: 3/399]
وأمّا القائلون: إنّ الواجب على الحالق رأسه من أذًى من الصّيام عشرة أيّامٍ، ومن الإطعام عشرة مساكين ; فمخالفون نصّ الخبر الثّابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فيقال لهم: أرأيتم من أصاب صيدًا فاختار الإطعام أو الصّيام، أتسوّون بين جميع ما يجب عليه بقتله الصّيد صغيره وكبيره من الإطعام والصّيام، أم تفرّقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصّيد في الصّغر والكبر؟ فإن زعموا أنّهم يسوّون بين جميع ذلك سوّوا بين ما يجب على من قتل بقرةً وحشيّةً وبين ما يجب على من قتل ولد ظبيةٍ من الإطعام، والصّيام، وذلك قولٌ إن قالوه لقول الأمّة مخالفٌ.
فإن قالوا: بل نخالف بين ذلك، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطّعام، والصّيام.
قيل لهم: فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذًى من الكفّارة على الواجب على المتمتّع من الصّوم، وقد علمتم أنّ المتمتّع غير مخيّرٍ بين الصّيام، والإطعام، والهدي، ولا هو متلفٌ شيئًا وجبت عليه منه الكفّارة، وإنّما هو تاركٌ عملاً من الأعمال، وتركتم ردّ الواجب عليه وهو متلفٌ بحلق رأسه ما كان ممنوعًا من إتلافه، ومخيّرٌ بين الكفّارات الثّلاث، نظير مصيب الصّيد، الّذي هو بإصابته إيّاه له متلفٌ ومخيّرٌ في تكفيره بين الكفّارات الثّلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك وجعل الحالق قياسًا لمصيب الصّيد، وجمع بين حكميهما لاتّفاقهما في المعاني الّتي وصفنا، وخالف بين حكمه وحكم المتمتّع في ذلك لاختلاف أمرهما فيما وصفنا فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟
[جامع البيان: 3/400]
فلن يقولوا في ذلك قولاً إلاّ ألزموا في الآخر مثله، مع أنّ اتّفاق الحجّة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفايةٌ عن الاستشهاد على فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والقياس عليه بالفساد شاهدٌ؟
واختلف أهل العلم في الموضع الّذي أمر اللّه أن ينسك نسك الحلق، ويطعم فديته.
فقال بعضهم: النّسك، والإطعام بمكّة لا يجزئ بغيرها من البلدان..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يحيى بن طلحة، قال: حدّثنا فضيل بن عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسن، قال: ما كان من دمٍ أو صدقةٍ فبمكّة، وما سوى ذلك حيث شاء.
- حدّثني يحيى بن طلحة، حدّثنا فضيلٌ، عن ليثٍ، عن طاووسٍ، قال: كلّ شيءٍ من الحجّ فبمكّة، إلاّ الصّوم.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: سألت عطاءً، عن النّسك، قال: النّسك بمكّة لا بدّ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: الصّدقة، والنّسك في الفدية بمكّة، والصّيام حيث شئت.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ قال: حدّثنا ليثٌ، عن طاووسٍ، أنّه كان يقول: ما كان من دمٍ أو طعامٍ فبمكّة، وما كان من صيامٍ فحيث شاء.
[جامع البيان: 3/401]
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: النّسك بمكّة، أو بمنًى.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: النّسك بمكّة، أو بمنًى، والطّعام بمكّة.
وقال آخرون: النّسك في الحلق، والإطعام، والصّوم حيث شاء المفتدي..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن يعقوب بن خالدٍ، قال: أخبرني أبو أسماء، مولى ابن جعفرٍ، قال: حجّ عثمان، ومعه عليٌّ، والحسين بن عليٍّ، رضوان اللّه عليهم، فارتحل عثمان قال أبو أسماء، وكنت مع ابن جعفرٍ، قال: فإذا نحن برجلٍ نائمٍ وناقته عند رأسه، قال: فقلنا له: أيّها النّئوم، فاستيقظ، فإذا الحسين بن عليٍّ. قال: فحمله ابن جعفرٍ حتّى أتى به السّقيا. قال: فأرسل إلى عليٍّ، فجاء ومعه أسماء بنت عميسٍ. قال: فمرّضناه نحوًا من عشرين ليلةً. قال: فقال عليٌّ للحسين: ما الّذي تجد؟ قال: فأومأ إلى رأسه. قال: فأمر به عليٌّ فحلق رأسه، ثمّ دعا ببدنةٍ فنحرها.
[جامع البيان: 3/402]
- حدّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن يعقوب بن خالد بن عبد اللّه بن المسيّب المخزوميّ، أخبره أنّه، سمع أبا أسماء، مولى عبد اللّه بن جعفرٍ يحدّث، أنّه خرج مع عبد اللّه بن جعفرٍ يريد مكّة مع عثمان، حتّى إذا كنّا بين السّقيا، والعرج اشتكى الحسين بن عليٍّ، فأصبح في مقيله الّذي قال فيه بالأمس. قال أبو أسماء: فصحبته أنا وعبد اللّه بن جعفرٍ، فإذا راحلة حسينٍ قائمةٌ وحسينٌ مضطجعٌ، فقال عبد اللّه بن جعفرٍ: إنّ هذه لراحلة حسينٍ. فلمّا دنا منه قال له: أيّها النّائم، وهو يظنّ أنّه نائمٌ، فلمّا دنا منه وجده يشتكي، فحمله إلى السّقيا، ثمّ كتب إلى عليٍّ، فقدم إليه إلى السّقيا فمرّضه قريبًا من أربعين ليلةً. ثمّ إنّ عليًّا قيل له: هذا حسينٌ يشير إلى رأسه، فدعا عليٌّ بجزورٍ فنحرها فى الماء، ثمّ حلق رأسه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن بكرٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني يحيى بن سعيدٍ، قال: أقبل حسين بن عليٍّ، مع عثمان، حرامًا، حسبت أنّه اشتكى بالسّقيا. فذكر ذلك لعليٍّ، فجاء هو وأسماء بنت عميسٍ، فمرّضوه عشرين ليلةً، فأشار حسينٌ إلى رأسه، فحلقه ونحر عنه جزورًا قلت: فرجع به؟ قال: لا أدري.
وهذا الخبر يحتمل أن يكون ما ذكر فيه من نحر عليٍّ عن الحسين النّاقة قبل حلقه رأسه، ثمّ حلقه رأسه بعد النّحر، إن كان على ما رواه مجاهدٌ عن يزيد، كان على وجه الإحلال من الحسين من إحرامه للإحصار عن الحجّ بالمرض الّذي أصابه، وإن كان على ما رواه يعقوب عن هشيمٍ من نحر عليٍّ عنه النّاقة بعد حلقه رأسه، أن يكون على وجه الافتداء من الحلق، وأن يكون كان يرى أنّ نسك الفدية يجزئ نحره دون مكّة، والحرم.
[جامع البيان: 3/403]
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفدية حيث شئت.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجّاجٌ، عن الحكم، عن إبراهيم، في الفدية في الصّدقة، والصّوم، والدّم: حيث شاء.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم، أنّه كان يقول، فذكر مثله.
وقال آخرون: ما كان من دم نسكٍ فبمكّة، وما كان من إطعامٍ، وصيامٍ فحيث شاء المفتدي..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجّاجٌ، وعبد الملك، وغيرهما، عن عطاءٍ، أنّه كان يقول: ما كان من دمٍ فبمكّة، وما كان من طعامٍ، وصيامٍ فحيث شاء.
وعلّة من قال: الدّم والإطعام بمكّة، القياس على هدي جزاء الصّيد ; وذلك أنّ اللّه شرط في هديه بلوغ الكعبة فقال: {يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة}، قالوا: فكلّ هديٍ وجب من جزاءٍ، أو فديةٍ في إحرامٍ، فسبيله سبيل جزاء الصّيد في وجوب بلوغه الكعبة. قالوا: وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصّدقة مثله، لأنّها واجبةٌ لمن وجب عليه الهدي، وذلك أنّ الإطعام فديةٌ، وجزاءٌ كالدّم، فحكمهما واحدٌ.
[جامع البيان: 3/404]
وأمّا علّة من زعم أنّ للمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدّق ويصوم، أنّ اللّه لم يشترط على الحالق رأسه من أذًى هديًا، وإنّما أوجب عليه نسكًا، أو إطعامًا، أو صيامًا، وحيثما نسك، أو أطعم، أو صام فهو ناسكٌ، ومطعمٌ، وصائمٌ، وإذا دخل في عداد من يستحقّ ذلك الاسم كان مؤدّيًا ما كلّفه اللّه، لأنّ اللّه لو أراد من إلزام الحالق رأسه في نسكه بلوغ الكعبة لشرط ذلك عليه، كما شرط في جزاء الصّيد، وفي ترك اشتراط ذلك عليه دليلٌ واضحٌ أنّه حيث نسك أو أطعم أجزأ.
وأمّا علّة من قال: النّسك بمكّة، والصّيام والإطعام حيث شاء، فإن النّسك دمٌ كدم الهدي، فسبيله سبيل هدي قاتل الصّيد. وأمّا الإطعام فلم يشترط اللّه تعالى ذكره في أن يصرف إلى أهل مسكنة مكانٍ دون مكانٍ، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة، فليس لأحدٍ أن يدّعي أنّ ذلك لأهل مكانٍ دون مكانٍ، إذ لم يكن اللّه شرط ذلك لأهل مكانٍ بعينه، كما ليس لأحدٍ أن يدّعي أنّ ما جعله اللّه من الهدي لساكني الحرم لغيرهم، إذ كان اللّه قد خصّ أنّ ذلك لمن به من أهل المسكنة.
والصّواب من القول في ذلك، أنّ اللّه أوجب على حالق رأسه من أذًى من المحرمين فديةً من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ، ولم يشترط أنّ ذلك عليه بمكانٍ دون مكانٍ، بل أبهم ذلك وأطلقه،
[جامع البيان: 3/405]
ففي أيّ مكانٍ نسك، أو أطعم، أو صام فيجزي عن المفتدي؛ وذلك لقيام الحجّة على أنّ اللّه إذ حرّم أمّهات نسائنا فلم يحصرهنّ على أنّهنّ أمّهات النّساء المدخول بهنّ لم يجب أن يكنّ مردودات الأحكام على الرّبائب المحصورات على أنّ المحرّمة منهنّ المدخول بأمّها، فكذلك كلّ مبهمةٍ في القرآن غير جائزٍ ردّ حكمها على المفسّرة قياسًا، ولكنّ الواجب أن يحكم لكلّ واحدةٍ منهما بما احتمله ظاهر التّنزيل إلاّ أن يأتي في بعض ذلك خبرٌ عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التّسليم حينئذٍ لحكم الرّسول، إذ كان هو المبين عن مراد اللّه تعالى ذكره.
وأجمعوا على أنّ الصّيام مجزئٌ عن الحالق رأسه من أذًى حيث صام من البلاد.
واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق، وهل يجوز للمفتدي الأكل منه أم لا؟ فقال بعضهم: ليس للمفتدي أن يأكل منه، ولكن عليه أن يتصدّق بجميعه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك، عن عطاءٍ، قال: ثلاثٌ لا يؤكل منهنّ: جزاء الصّيد، وجزاء النّسك، ونذر المساكين.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا حكّامٌ وهارون، عن عنبسة، عن سالمٍ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكل من فديةٍ، ولا من جزاءٍ، ولا من نذرٍ، وكل من المتعة، ومن الهدي التّطوّع.
[جامع البيان: 3/406]
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عنبسة، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ، قال: جزاء الصّيد، والفدية، والنّذر لا يأكل منها صاحبها، ويأكل من التّطوّع، والتّمتّع.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا هارون، عن عمرٍو، عن الحجّاج، عن عطاءٍ، قال: لا تأكل من جزاءٍ، ولا من فديةٍ، وتصدّق به.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لا يأكل من بدنته الّذي يصيب أهله حرامًا، والكفّارات كذلك.
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا هشيمٌ قال: حدّثنا عبد الملك، والحجّاج، وغيرهما، عن عطاءٍ، أنّه كان يقول: لا يؤكل من جزاء الصّيد، ولا من النّذر، ولا من الفدية، ويؤكل ممّا سوى ذلك.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، وطاووسٍ، ومجاهدٍ، أنّهم قالوا: لا يؤكل من الفدية. وقال مرّةً: من هدي الكفّارة، ولا من جزاء الصّيد.
وقال بعضهم: له أن يأكل منه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى، عن عبيد اللّه، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عمر، قال: لا يؤكل من جزاء الصّيد والنّذر، ويؤكل ممّا سوى ذلك.
[جامع البيان: 3/407]
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، قال: كل من الفدية وجزاء الصّيد والنّذر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن حمّادٍ، قال: الشّاة بين ستّة مساكين، يأكل منه إن شاء، ويتصدّق على ستّة مساكين.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرني عبد الملك، قال: حدّثني من، سمع الحسن، يقول: كل من ذلك كلّه، يعني من جزاء الصّيد، والنّذر، والفدية.
- حدّثني محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالد بن الحارث، قال: حدّثنا الأشعث، عن الحسن، أنّه كان لا يرى بأسًا بالأكل من جزاء الصّيد، ونذر المساكين.
وعلّة من حظر على المفتدي الأكل من فدية حلاقه، وفدية ما لزمته منه الفدية، أنّ اللّه أوجب على الحالق، والمتطيّب ومن كان بمثل حالهم فديةً من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، فلن يخلو ذلك الّذي أوجبه عليه من الإطعام، والنّسك من أحد أمرين: إمّا أن يكون أوجبه عليه لنفسه، أو لغيره، أو له ولغيره، فإن كان أوجبه لغيره فغير جائزٍ له أن يأكل منه، لأنّ ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلاّ الخروج منه إلى من وجب له، أو يكون له وحده، وما وجب له فليس عليه لأنّه غير مفهومٍ في لغةٍ أن يقال: وجب على فلانٍ لنفسه دينارٌ، أو درهمٌ، أو شاةٌ، وإنّما يجب له على غيره، فأمّا على نفسه فغير مفهومٍ وجوبه. أو يكون وجب عليه له ولغيره، فنصيبه الّذي وجب له من ذلك غير جائزٍ أن يكون عليه لما وصفنا. وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره، وما هو لغيره بعض النّسك، وإذا كان ذلك كذلك فإنّما وجب عليه بعض النّسك لا النّسك كلّه.
[جامع البيان: 3/408]
قالوا: وفي إلزام اللّه إيّاه النّسك تامًّا ما يبين عن فساد هذا القول.
وعلّة من قال له أن يأكل من ذلك أنّ اللّه أوجب على المفتدي نسكًا، والنّسك في معاني الأضاحيّ؛ وذلك هو ذبح ما يجزي في الأضاحيّ من الأزواج الثّمانية. قالوا: ولم يأمر اللّه بدفعه إلى المساكين. قالوا: فإذا ذبح فقد نسك وفعل ما أمره اللّه، وله حينئذٍ الأكل منه، والصّدقة منه بما شاء، وإطعام ما أحبّ منه من أحبّ، كما له ذلك في أضحيّته.
والّذي نقول به في ذلك: أنّ اللّه أوجب على المفتدي نسكًا إن اختار التّكفير بالنّسك، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه دون غيره، أو ذبحه والصدّقه به. فإن كان الواجب عليه في ذلك ذبحه، فالواجب أن يكون إذا ذبح نسكًا فقد أدّى ما عليه، وإن أكل جميعه ولم يطعم مسكينًا منه شيئًا، وذلك ما لا نعلم أحدًا من أهل العلم قاله، أو يكون الواجب عليه ذبحه والصّدقة به ; فإن كان ذلك عليه فغير جائزٍ له أكل ما عليه أن يتصدّق به، كما لو لزمته زكاةٌ في ماله لم يكن له أن يأكل منها، بل كان عليه أن يعطيها أهلها الّذين جعلها اللّه لهم. ففي إجماعهم على أنّ ما ألزمه اللّه من ذلك فإنّما ألزمه لغيره، دلالةٌ واضحةٌ على حكم ما اختلفوا فيه من غيره.
ومعنى النّسك: الذّبح للّه في لغة العرب، يقال: نسك فلانٌ للّه نسيكةً، بمعنى: ذبح للّه ذبيحةً ينسكها نسكًا.
[جامع البيان: 3/409]
- كما حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: النّسك: أن يذبح، شاةً). [جامع البيان: 3/410]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا أمنتم}.
اختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا برأتم من مرضكم الّذي أحصركم عن حجّكم، أو عمرتكم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: {فإذا أمنتم} فإذا برأتم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ}، يقول: فإذا أمنت حين تحصر، إذا أمنت من كسرك من وجعك، فعليك أن تأتي البيت فيكون لك متعةً، فلا تحلّ حتّى تأتي البيت.
وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنتم من خوفكم.
[جامع البيان: 3/410]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فإذا أمنتم} لتعلموا أنّ القوم كانوا خائفين يومئذٍ.
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {فإذا أمنتم} قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.
وهذا القول أشبه بتأويل الآية، لأنّ الأمن هو خلاف الخوف، لا خلاف المرض، إلاّ أن يكون مرضًا مخوفًا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدّته، وذلك معنًى بعيدٌ.
وإنّما قلنا: إنّ معناه الخوف من العدوّ، لأنّ هذه الآيات نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أيّام الحديبية، وأصحابه من العدوّ خائفون، فعرّفهم اللّه بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوّهم عن الحجّ، وما الّذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال منهم خوفهم). [جامع البيان: 3/411]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن أحصرتم أيّها المؤمنون فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فزال عنكم خوفكم من عدوّكم أو هلاككم من مرضكم فتمتّعتم بعمرتكم إلى حجّكم، فعليكم ما استيسر من الهدي.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في صفة التّمتّع الّذي عنى اللّه بهذه الآية، فقال بعضهم: هو أن يحصره خوف العدوّ وهو محرمٌ بالحجّ، أو مرضٌ، أو عائقٌ من العلل حتّى يفوته الحجّ، فيقدم مكّة، فيخرج من إحرامه بعمل عمرته،
[جامع البيان: 3/411]
ثمّ يحلّ فيستمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلى السّنة المستقبلة، ثمّ يحجّ، ويهدي، فيكون متمتّعًا بالإحلال من لدن يحلّ من إحرامه الأوّل إلى إحرامه الثّاني من القابل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا عمران بن موسى البصريّ، قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيدٍ، قال: حدّثنا إسحاق بن سويدٍ، قال: سمعت ابن الزّبير، وهو يخطب وهو يقول: يا أيّها النّاس، واللّه ما التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ كما تصنعون، إنّما التّمتّع أن يهلّ الرّجل بالحجّ فيحصره عدوٌّ أو مرضٌ أو كسرٌ أو يحبسه أمرٌ حتّى تذهب أيّام الحجّ، فيقدم فيجعلها عمرةً، فيتمتّع بحلّه إلى العام القابل ثمّ يحجّ، ويهدي هديًا، فهذا التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان ابن الزّبير، يقول: المتعة لمن أحصر.
قال: وقال ابن عبّاسٍ: هي لمن أحصر وخلّيت سبيله.
- حدّثني ابن البرقيّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: كان ابن الزّبير، يقول: إنّما المتعة للحصر وليست لمن خلّي سبيله.
[جامع البيان: 3/412]
وقال آخرون: معنى ذلك: فإن أحصرتم في حجّكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم ولم تقضوا عمرةً تخرجون بها من إحرامكم لحجّكم، ولكن حللتم حين أحصرتم بالهدي وأخّرتم العمرة إلى السّنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحجّ ثمّ حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى حجّكم، فعليكم ما استيسر من الهدي.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: {فإن أحصرتم}، قال: إذا أهلّ الرّجل بالحجّ فأحصر. قال: يبعث بما استيسر من الهدي شاةً. قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محلّه، حلق رأسه، أو مسّ طيبًا، أو تداوى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ، أو صدقةٍ، أو نسكٍ. {فإذا أمنتم}: فإذا برأ فمضى من وجهه ذلك حتّى أتى البيت حلّ من حجّه بعمرةٍ وكان عليه الحجّ من قابلٍ. وإن هو رجع ولم يتمّ إلى البيت من وجهه ذلك، فإنّ عليه حجّةً، وعمرةً، ودمًا لتأخيره العمرة. فإن هو رجع متمتّعًا في أشهر الحجّ، فإنّ عليه ما استيسر من الهدي شاةً، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، وسبعةٍ إذا رجع قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: كذلك قال ابن عبّاسٍ في ذلك كلّه.
[جامع البيان: 3/413]
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}، قال: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو حابسٌ حبسه يبعث بهديه، فإذا بلغت محلّها صار حلالاً. فإن أمن، أو برأ ووصل إلى البيت فهي له عمرةٌ، وأحلّ، وعليه الحجّ عامًا قابلاً. وإن هو لم يصل إلى البيت حتّى يرجع إلى أهله، فعليه عمرةٌ، وحجّةٌ، وهديٌ. قال قتادة: والمتعة الّتي لا يتعاجم النّاس فيها أنّ أصلها كان هكذا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} إلى {تلك عشرةٌ كاملةٌ}، قال: هذا المحصر إذا أمن فعليه المتعة والحجّ، وهدي المتمتّع، فإن لم يجد فالصّيام، فإن عجل العمرة قبل أشهر الحجّ فعليه فيها هديٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا بشر بن السّريّ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، عن عليٍّ: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ}، فإن أخّر العمرة حتّى يجمعها مع الحجّ فعليه الهدي.
وقال آخرون: عنى بذلك المحصر وغير المحصر.
[جامع البيان: 3/414]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني ابن البرقيّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ، أنّ ابن عبّاسٍ، كان يقول: المتعة لمن أحصر، ولمن خيلت سبيله. فكان ابن عبّاسٍ يقول: أصابت هذه الآية المحصر ومن خلّي سبيله.
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فسخ حجّه بعمرةٍ، فجعله عمرةً، واستمتع بعمرته إلى حجّه، فعليه ما استيسر من الهدي.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي}، أمّا المتعة فالرّجل يحرم بحجّةٍ، ثمّ يهدمها بعمرةٍ. وقد خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المسلمين حاجًّا، حتّى إذا أتوا مكّة قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من أحبّ منكم أن يحلّ فليحلّ، قالوا: فما لك يا رسول اللّه؟ قال: أنا معي هديٌ.
وقال آخرون: بل ذلك الرّجل يقدم معتمرًا من أفقٍ من الآفاق في أشهر الحجّ، فإذا قضى عمرته أقام حلالاً بمكّة حتّى ينشئ منها الحجّ، فيحجّ من عامه ذلك، فيكون مستمتعًا بإحلالٍ إلى إحرامه بالحجّ.
[جامع البيان: 3/415]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه عزّ وجلّ: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} من يوم الفطر إلى يوم عرفة، فعليه ما استيسر من الهدي.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا أيّوب، وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا أيّوب، عن نافعٍ، قال: قدم ابن عمر، مرّةً في شوّالٍ، فأقمنا حتّى حججنا، فقال: إنّكم قد استمتعتم إلى حجّكم بعمرةٍ، فمن وجد منكم أن يهدي فليهد، ومن لا فليصم ثلاثة أيّامٍ وسبعةً إذا رجع إلى أهله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، وعبد الحميد بن بيانٍ السكرى، قال حدّثنا يزيد قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، أنّه أخبره أنّه خرج مع ابن عمر، معتمرين في شوّالٍ، فأدركهما الحجّ وهما بمكّة، فقال ابن عمر: من اعتمر معنا في شوّالٍ ثمّ حجّ فهو متمتّعٌ، عليه ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، وسبعةٍ إذا رجع.
[جامع البيان: 3/416]
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا هارون، عن عنبسة، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، في رجلٍ اعتمر في غير أشهر الحجّ، فساق هديًا تطوّعًا، فقدم مكّة في أشهر الحجّ، قال: إن لم يكن يريد الحجّ فلينحر هديه ثمّ ليرجع إن شاء، فإن هو نحر الهدي وحلّ ثمّ بدا له أن يقيم حتّى يحجّ، فلينحر هديًا آخر لمتّعته، فإن لم يجد فليصم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، مثل ذلك.
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، بأنّه كان يقول: من اعتمر في شوّالٍ، أو في ذي القعدة ثمّ أقام بمكّة حتّى يحجّ، فهو متمتّعٌ، عليه ما على المتمتّع.
- حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب مثله.
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن حجّاجٍ، عن عطاءٍ، مثل ذلك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله. {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي} يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، فما استيسر من الهدي.
[جامع البيان: 3/417]
- حدّثنا ابن البرقيّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافعٌ، قال: أخبرني ابن جريجٍ، قال: كان عطاءٌ، يقول: المتعة لخلق اللّه أجمعين: الرّجل، والمرأة، والحرّ، والعبد، هي لكلّ إنسانٍ اعتمر في أشهر الحجّ ثمّ أقام، ولم يبرح حتّى يحجّ، ساق هديًا مقلّدًا، أو لم يسق، إنّما سمّيت المتعة من أجل أنّه اعتمر في شهور الحجّ فتمتّع بعمرةٍ إلى الحجّ، ولم تسمّ المتعة من أجل أنّه يحلّ بتمتّع النّساء.
وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها: فإن أحصرتم أيّها المؤمنون في حجّكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فمن تمتّع ممّن حلّ من إحرامه بالحجّ بسبب الإحصار بعمرةٍ اعتمرها لفوته الحجّ في السّنة القابلة في أشهر الحجّ إلى قضاء الحجّة الّتي فاتته حين أحصر عنها، ثمّ حل من عمرته فاستمتع بإحلاله من عمرته إلى أن يحجّ، فعليه ما استيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متمتّعًا من أنشأ عمرةً في أشهر الحجّ، وقضاها ثمّ حلّ من عمرته وأقام حلالاً بمكه حتّى يحجّ من عامه غير أنّ الّذي هو أولى بالّذي ذكره اللّه في قوله: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} هو ما وصفنا من أجل أنّ اللّه جلّ وعزّ أخبر عمّا على المحصر عن الحجّ، والعمرة من الأحكام في إحصاره، فكان ممّا أخبر تعالى ذكره أنّه عليه إذا أمن من إحصاره إن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ، كان معلومًا بذلك أنّه معنيٌّ به اللاّزم له عند أمنه من إحصاره من العمل بسبب الإحلال الّذي كان منه من حجّه الّذي أحصر فيه دون المتمتّع الّذي لم يتقدّم عمرته، ولا حجّه إحصار مرضً، ولا خوفٍ). [جامع البيان: 3/418]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: فعليه ما استيسر من الهدي، فهديه جزاءٌ لاستمتاعه بإحلاله من إحرامه الّذي حلّ منه حين عاد لقضاء حجّته الّتي أحصر فيها وعمرته الّتي كانت لزمته بفوت حجّته، فإن لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ في حجّه، وسبعةٍ أيام إذا رجع إلى أهله.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في الثّلاثة أيّامٍ الّتي أوجب اللّه عليه صومهنّ في الحجّ، أي أيّ أيّامٍ الحجّ هنّ؟ فقال بعضهم: هنّ ثلاثة أيّامٍ من أيّام حجّه، أيّ أيّامٍ شاء بعد أن لا يتجاوز بآخرهنّ يوم عرفة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني الحسين بن محمّدٍ الذّارع، قال: حدّثنا حميد بن الأسود، قال: حدّثنا جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، رضي اللّه عنه: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، قال قبل التّروية يومًا، ويوم التّروية، ويوم عرفة.
[جامع البيان: 3/419]
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصرٍ، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: الصّيام للمتمتّع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن نافعٍ، عن ابن عمر، في قوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، قال: يومٌ قبل التّروية، ويوم التّروية، ويوم عرفة، وإذا فاته صيامها أيّام منًى.
- حدّثنا الحسين بن محمّدٍ الذّارع، قال: حدّثنا حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: المتمتّع يصوم قبل التّروية يومًا، ويوم التّروية، ويوم عرفة.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: آخرهنّ يوم عرفة.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، قال: سألت الحكم، عن صوم، ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، قال: يصوم قبل التّروية يومًا، ويوم التّروية، ويوم عرفة.
- حدّثني عبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، أنّه قال: آخرها يوم عرفة.
[جامع البيان: 3/420]
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا هشيم، قال: حدّثنا أبو بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّه قال: في المتمتّع إذا لم يجد الهدي: صام يومًا قبل التّروية، ويوم التّروية، ويوم عرفة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّام بن سلمٍ، وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: يصوم المتمتّع الثّلاثة الأيّام لمتعته في العشر إلى يوم عرفة.
قال: وسمعت مجاهدًا وطاووسًا، يقولان: إذا صامهنّ في أشهر الحجّ أجزأه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صوم ثلاثة أيّامٍ للمتمتّع، إذا لم يجد ما يهدي يصوم في العشر إلى يوم عرفة، متى ما صام أجزأه، فإن صام الرّجل في شوّالٍ أو ذي القعدة أجزأه.
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدّثنا بشر بن بكرٍ، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني يعقوب بن عطاءٍ، أنّ عطاء بن أبي رباحٍ، كان يقول: من استطاع أن يصومهنّ فيما بين أوّل يومٍ من ذي الحجّة إلى يوم عرفة فليصم.
[جامع البيان: 3/421]
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، عن يونس، عن الحسن، في قوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: آخرها يوم عرفة.
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن داود، وحدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، في هذه الآية: فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ قال: قبل يوم التّروية يومًا، ويوم التّروية، ويوم عرفة.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، آخرهنّ يوم عرفة من ذي الحجّة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: كان يقال: عرفة وما قبلها يومين من العشر.
- حدّثنا موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، قال: فآخرها يوم عرفة.
- حدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، قال: آخرها يوم عرفة.
[جامع البيان: 3/422]
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا فطرٌ، عن عطاءٍ: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: آخرها يوم عرفة.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: عرفة وما قبلها من العشر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، وإبراهيم، قالا: صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، آخرهنّ عرفة.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يزيد بن خميرٍ، قال: سألت طاووسًا، عن صيام، ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، قال: آخرهنّ يوم عرفة.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} إلى {وسبعةٍ إذا رجعتم}: وهذا على المتمتّع بالعمرة إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثّالث فقد تمّ صومه، وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله.
[جامع البيان: 3/423]
- حدّثني أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا زياد بن المنذر، عن أبي جعفرٍ: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: آخرها يوم عرفة.
وقال آخرون: بل آخرهنّ انقضاء أيام منًى.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عليّ بن سهلٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، أنّ عليًّا، كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ صامهنّ أيّام التّشريق.
- حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن ابن أخي ابن وهبٍ، قال: حدّثني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ قال: حدّثني يونس، عن الزّهريّ، عن عروة بن الزّبير، قال: قالت عائشة: يصوم المتمتّع الّذي يفوته الصّيام أيّام منًى.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا أيّوب، عن نافعٍ، قال: قال ابن عمر: من فاته صيام الثّلاثة الأيّام في الحجّ، فليصم أيّام التّشريق؛ فإنّهنّ من الحجّ.
- حدّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: أخبرنا عمر بن محمّدٍ، أنّ نافعًا حدّثه أنّ عبد اللّه بن عمر قال: من اعتمر في أشهر الحجّ فلم يكن معه هديٌ ولم يصم الثّلاثة الأيّام قبل أيّام التّشريق، فليصم أيّام منًى.
[جامع البيان: 3/424]
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت عبد اللّه بن عيسى بن أبي ليلى، يحدّث، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن سالمٍ، عن عبد اللّه بن عمر، أنّهما قالا: لم يرخّص في أيّام التّشريق أن يصوم إلاّ لمن لم يجد هديًا.
- حدّثنا ابن المثنّى قال: حدّثنا عبد الأعلى قال: حدّثنا هشامٌ، عن عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: إذا لم يصم الثّلاثة الأيّام قبل النّحر صام أيّام التّشريق؛ فإنّها من أيّام الحجّ وذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في هذه الآية: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} قال: هي أيّام التّشريق.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن يونس، بن أبي إسحاق، عن وبرة، عن ابن عمر، قال: يصوم يومًا قبل التّروية، ويوم التّروية، ويوم عرفة، قال: وقال عبيد بن عميرٍ: يصوم أيّام التّشريق
[جامع البيان: 3/425]
وعلّة من قال: آخر الثّلاثة الأيّام الّتي أوجب اللّه صومهنّ على من لم يجد الهدي من المتمتّعين يوم عرفة، أنّ اللّه جلّ ثناؤه أوجب صومهنّ في الحجّ بقوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، قالوا: وإذا انقضى يوم عرفة فقد انقضى الحجّ، لأنّ يوم النّحر، يوم إحلالٍ من الإحرام. قالوا: وقد أجمع الجميع أنّه غير جائزٍ له صوم يوم النّحر، قالوا: فإن يكن إجماعهم على أنّ ذلك له غير جائزٍ من أجل أنّه ليس من أيّام الحجّ، فأيّام التّشريق بعده أحرى أن لا تكون من أيّام الحجّ ; لأنّ أيّام الحجّ متى انقضت من سنةٍ، فلن تعود إلى سنةٍ أخرى بعدها. أو يكون إجماعهم على أنّ ذلك له غير جائزٍ من أجل أنّه يوم عيدٍ، فأيّام التّشريق الّتي بعده في معناه لأنّها أيّام عيدٍ، وأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد نهى عن صومهنّ كالذى نهى عن صوم يوم النّحر. قالوا: وإذا كان يفوت صومهنّ بمضيّ يوم عرفة لم يكن إلى صيامهنّ في الحجّ سبيلٌ ; لأنّ اللّه شرط صومهنّ في الحجّ، فلم يجزىء عنه إلاّ الهدي الّذي فرضه اللّه عليه لمتعته.
وعلّة من قال: آخر الأيّام الثّلاثة الّتي ذكرها اللّه في كتابه انقضاء آخر أيّام منًى، أنّ اللّه أوجب على المتمتّع ما استيسر من الهدي، ثمّ الصّيام إن لم يجد إلى الهدي سبيلاً. قالوا: وإنّما يجب عليه نحر هدي المتعة يوم النّحر، ولو كان له واجدًا قبل ذلك. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك؛ فإنّما رخّص له في الصّوم يوم يلزمه نحر الهدي فلا يجد إليه سبيلاً. قالوا: والوقت الّذي يلزمه فيه نحر الهدي يوم النّحر والأيّام الّتي بعده من أيّام النّحر، فأمّا قبل ذلك فلم يكّن عليه نحره. قالوا: فإذا كان النّحر لم يكن له لازمًا قبل ذلك، وإنّما لزمه يوم النّحر، فإنّما لزمه الصّوم يوم النّحر، وذلك حين عدم الهدي فلم يجده، فوجب عليه الصّوم.
[جامع البيان: 3/426]
قالوا: وإذا كان كذلك، فالصّوم إنّما يلزمه أوّله في اليوم الّذي يلي يوم النّحر، وذلك أنّ النّحر إنّما كان لزمه من بعد طلوع الفجر، ومن ذلك الوقت إذا لم يجده يكون له الصّوم. قالوا: وإذا طلع فجر يومٍ ولم يلزمه صومه قبل ذلك إذا كان الصّوم لا يكون في بعض نهار يومٍ في واجبٍ، علم أنّ الواجب عليه من الصّوم من اليوم الّذي يليه إلى انقضاء الأيّام الثّلاثة بعد يوم النّحر من أيّام التّشريق. قالوا: ولا معنى لقول القائل: إنّ أيّام منًى ليست من أيّام الحجّ ; لأنّهنّ ينسك فيهنّ بالرّمي، والعكوف على عمل الحجّ كما ينسك غير ذلك من أعمال الحجّ في الأيّام قبلها.
قالوا: هذا مع شهادة الخبر الّذي؛
- حدّثني به، محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدّثنا يحيى بن سلاّمٍ، أنّ شعبة حدّثه عن ابن أبي ليلى، عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، قال: رخّص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للمتمتّع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتّى فاتته أيّام العشر، أن يصوم أيّام التّشريق مكانها بصحّة ما قلنا في ذلك من القول وخطأ قول من خالف قولنا فيه.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثني هشيمٌ، عن سفيان بن حسينٍ، عن الزّهريّ، قال: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عبد اللّه بن حذافة بن قيسٍ، فنادى في أيّام التّشريق فقال: إنّ هذه أيّام أكلٍ، وشربٍ وذكرٍ للّه، إلاّ من كان عليه صومٌ من هديٍ.
[جامع البيان: 3/427]
واختلف أهل العلم في أوّل الوقت الّذي يجب على المتمتّع الابتداء في صوم الأيّام الثّلاثة الّتي قال اللّه عزّ وجلّ: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، والوقت الّذي يجوز له فيه صومهنّ، وإن لم يكن واجبًا عليه فيه صومهنّ. فقال بعضهم: له أن يصومهنّ من أوّل أشهر الحجّ..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وطاووسٍ، أنّهما كانا يقولان: إذا صامهنّ في أشهر الحجّ أجزأه.
قال وقال مجاهدٌ: إذا لم يجد المتمتّع ما يهدي فإنّه يصوم في العشر إلى يوم عرفة، متى ما صام أجزأه، فإن صام الرّجل في شوّالٍ، أو ذي القعدة أجزأه.
- حدّثني أحمد بن المغيرة، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، قال: حدّثنا محمّد بن مسلمٍ الطّائفيّ، عن عبد اللّه بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: من صام يومًا في شوّالٍ، ويومًا في ذي القعدة، ويومًا في ذي الحجّة، أجزأه عنه من صوم التّمتّع.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء صام أوّل يومٍ من شوّالٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه جلّ وعزّ: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ}، قال: إن شاء صامها في العشر، وإن شاء في ذي القعدة، وإن شاء في شوّالٍ.
وقال آخرون: يصومهنّ في عشر ذي الحجّة دون غيرها.
[جامع البيان: 3/428]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ قال: يصوم المتمتع الثّلاثة الأيّام للمتعة في العشر إلى يوم عرفة.
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدّثنا بشر بن بكرٍ، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني يعقوب بن عطاء، أنّ عطاء بن أبي رباحٍ، كان يقول: من استطاع أن يصومهنّ فيما بين أوّل يومٍ من ذي الحجّة إلى يوم عرفة فليصم.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: ولا بأس أن يصوم، المتمتّع في العشر وهو حلالٌ.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا أبو شهابٍ، عن الحجّاج، عن أبي جعفرٍ، قال: لا يصام إلاّ في العشر.
- حدّثني أحمد بن حازمٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا الرّبيع، عن عطاءٍ، أنّه كان يقول: في صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ قال: في تسعٍ من ذي الحجّة أيّها شئت، فمن صام قبل ذلك في شوّالٍ، وفي ذي القعدة، فهو بمنزلة من لم يصم.
وقال آخرون: له أن يصومهنّ قبل الإحرام بالحجّ.
[جامع البيان: 3/429]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا أيّوب، عن عكرمة، قال: إذا خشي أن لا، يدرك الصّوم بمكّة صام بالطّريق يومًا، أو يومين.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأس أن تصوم، الثّلاثة الأيّام في المتعة وأنت حلالٌ.
وقال آخرون: لا يجوز أن يصومهنّ إلاّ بعدما يحرم بالحجّ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: لا يصومهنّ إلاّ وهو حرامٌ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصرٍ، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: الصّيام للمتمتّع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: لا يجزيه صوم ثلاثة أيّامٍ وهو متمتّعٌ إلاّ أن يحرم وقال مجاهدٌ يجزيه إذا صام في ذي القعدة.
[جامع البيان: 3/430]
والصّواب من القول في ذلك عندي أنّ للمتمتّع أن يصوم الأيّام الثّلاثة الّتي أوجب اللّه عليه صومهنّ لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي من أوّل إحرامه بالحجّ بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجّه إلى انقضاء آخر عمل حجّه، وذلك انقضاء أيّام منًى سوى يوم النّحر، فإنّه غير جائزٍ له صومه ابتدأ صومهنّ قبله أو ترك صومهنّ فأخّره حتّى انقضاء يوم عرفة.
وإنّما قلنا: له صوم أيّام التّشريق لما ذكرنا من العلّة لقائلى ذلك قبل، فإن صامهنّ قبل إحرامه بالحجّ فإنّه غير مجزئٍ صومه ذلك من الواجب عليه من الصّوم الّذي فرضه اللّه عليه لمتعته ; وذلك أنّ اللّه جلّ وعزّ إنّما أوجب الصّوم على من لم يجد هديًا ممّن استمتع بعمرته إلى حجّه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجّه غير مستحقٍّ اسم متمتّعٍ بعمرته إلى حجّه، وإنّما يقال له قبل إحرامه: معتمرٌ، حتّى يدخل بعد إحلاله في الحجّ قبل شخوصه عن مكّة، فإذا دخل في الحجّ محرمًا به بعد قضاء عمرته في أشهر الحجّ ومقامه بمكّة بعد قضاء عمرته حلالاً حتّى يحجّ من عامه سمّي متمتّعًا. فإذا استحقّ اسم متمتّعٍ لزمه الهدي، وحينئذٍ يكون له الصّوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده. فأمّا إن صامه قبل دخوله في الحجّ وإن كان من نيّته الحجّ،
[جامع البيان: 3/431]
فإنّما هو رجلٌ صام صومًا ينوي به قضاءً عمّا عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجلٍ معسرٍ صام ثلاثة أيّامٍ ينوي بصومهنّ كفّارة ليمينٍ يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنّه غير مجزئٍ من كفّارةٍ يمينٍ إن حلف بها بعد الصّوم فحنث.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ صوم المعتمر بعد إحلاله من عمرته أو قبله وقبل دخوله في الحجّ مجزئٌ عنه من الصّوم الّذي أوجبه اللّه عليه إن تمتّع بعمرته إلى الحجّ، نظير ما أجزأ الحالف بيمينٍ إذا كفّر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظنّ خطأً ; لأنّ اللّه جلّ ثناؤه جعل لليمين تحليلاً هو غير تكفيرٍ، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفّر بعد حنثه فيها محلّلٌ غير مكفّرٍ. والمتمتّع إذا صام قبل تمتّعه صائمٌ تكفيرًا لما يظنّ أنّه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفّر عن قتل صيدٍ يريد قتله وهو محرمٌ قبل قتله، وعن تطيّبٍ قبل تطيّبه.
ومن أبى ما قلنا في ذلك ممّن زعم أنّ للمعتمر الصّوم قبل إحرامه بالحجّ، قيل له: ما قلت فيمن كفّر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيّام منًى يوم عرفة، وهو ينوي ترك رمي الجمرات، ثمّ أقام بمنًى أيّام منًى حتّى انقضت تاركًا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟ فإن زعم أنّ ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحجّ الّتي أوجب اللّه في تضييعها على المحرم أو في فعله كفّارةً، فإن سوّى بين جميع ذلك قاد قوله،
[جامع البيان: 3/432]
وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيمٌ صحيحٌ إذا كفّر قبل دخول الشّهر، ثم دخل الشّهر ففعل ما كان عازمًا عليه هل تجزيه كفّارته الّتي كفّر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسأل عمّن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن قاد قوله في ذلك خرج من قول جميع الأمّة. وإن أبى شيئًا من ذلك سئل الفرق بينه وبين الصّائم لمتعته قبل تمتّعه وقبل إحرامه بالحجّ، ثمّ عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلاّ ألزم في الآخر مثله). [جامع البيان: 3/433]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وسبعةٍ إذا رجعتم}.
يعني جلّ ثناؤه بذلك: فمن لم يجد ما استيسر من الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيّامٍ في حجّه وصيام سبعة أيّامٍ إذا رجع إلى أهله ومصره.
فإن قال لنا قائلٌ: أوما يجب عليه صوم السّبعة الأيّام بعد الأيّام الثّلاثة الّتي يصومهنّ في الحجّ إلاّ بعد رجوعه إلى مصره وأهله؟
قيل: بلى قد وجب اللّه عليه صوم الأيّام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته، ولكنّ اللّه تعالى ذكره رأفةً منه بعباده رخّص لمن أوجب ذلك عليه، أن يؤخر صوم الأيام السبعه إلى رجوعه إلى منزله؛ تيسيرا منه عليه كما رخّص للمسافر، المريض في شهر رمضان الإفطار وقضاء عدّة ما أفطر من الأيّام من أيّامٍ أخر.
[جامع البيان: 3/433]
ولو تحمّل المتمتّع فصام الأيّام السّبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه، أو صامهنّ بمكّة، كان مؤدّيًا ما عليه من فرض الصّوم في ذلك، وكان بمنزلة الصّائم شهر رمضان في سفره، أو مرضه، مختارًا للعسر على اليسر.
وبالّذي قلنا في ذلك قالت علماء الأمّة.
ذكر بعض من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: هي رخصةٌ إن شاء صامها في الطّريق.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الرّحمن قال: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: هنّ رخصةٌ إن شاء صامها في الطّريق، وإن شاء صامها بعدما يرجع إلى أهله.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، نحوه.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن منصورٍ: {وسبعةٍ إذا رجعتم}، قال: إن شاء صامها في الطّريق، وإنّما هي رخصةٌ.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق قال: حدّثنا أبو أحمد قال: حدّثنا شريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شئت صمت السّبعة في الطّريق، وإن شئت إذا رجعت إلى أهلك.
[جامع البيان: 3/434]
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن قطرٍ، عن عطاءٍ، قال: يصوم السّبعة إذا رجع إلى أهله أحبّ إليّ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم: {وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: إن شئت في الطّريق، وإن شئت بعدما تقدم.
فإن قال قائل: وما برهانك على أنّ معنى قوله: {وسبعةٍ إذا رجعتم} إذا رجعتم إلى أهليكم، وأمصاركم دون أن يكون معناه: إذا رجعتم من منًى إلى مكّة؟
قيل: إجماع جميع أهل العلم على أنّ معناه ما قلنا دون غيره..
ذكر بعض من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، في قوله: {وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: إذا رجعت إلى أهلك.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وسبعةٍ إذا رجعتم}: إذا رجعتم إلى أمصاركم.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، مثله.
[جامع البيان: 3/435]
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا إسرائيل، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: إلى أهلك). [جامع البيان: 3/436]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {تلك عشرةٌ كاملةٌ}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {كاملةٌ}، فقال بعضهم: معنى ذلك: فصيام الثّلاثة الأيّام في الحجّ والسّبعة الأيّام بعدما يرجع إلى أهله عشرةٌ كاملةٌ من الهدي..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {تلك عشرةٌ كاملةٌ} قال: كاملةٌ من الهدي.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق قال: حدّثنا أبو أحمد قال: حدّثنا هشيمٌ، عن عبّادٍ، عن الحسن، مثله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كملت لكم أجر من أقام على إحرامه ولم يحلّ ولم يتمتّع تمتّعكم بالعمرة إلى الحجّ.
وقال آخرون: معنى ذلك الأمر وإن كان مخرجه مخرج الخبر، وإنّما عنى بقوله: {تلك عشرةٌ كاملةٌ} تلك عشرة أيّامٍ فأكملوا صومها لا تقصروا عنها، لأنّه فرض عليكم صومها.
وقال آخرون: بل قوله: {كاملةٌ} توكيدٌ للكلام، كما يقول القائل: سمعته بأذنيّ، ورأيته بعينيّ، وكما قال: {فخرّ عليهم السّقف من فوقهم}، ولا يكون الخرّ إلاّ من فوقٍ، فأمّا من موضعٍ آخر فإنّما يجوز على سعة الكلام.
[جامع البيان: 3/436]
وقال آخرون: إنّما قال: {تلك عشرةٌ كاملةٌ} وقد ذكر سبعةً وثلاثةً، لأنّه إنّما أخبر أنّها مجزئةٌ وليس يخبر عن عدّتها، وقالوا: ألا ترى أنّ قوله: كاملةٌ إنّما هو وافيةٌ؟
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك تلك عشرةٌ كاملةٌ عليكم فرض إكمالها. وذلك أنّه جلّ ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم، ثمّ قال: تلك عشرة أيّامٍ عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحجّ. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها). [جامع البيان: 3/437]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ذلك} أي التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
- كما حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} يعني المتعة أنّها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكّة.
[جامع البيان: 3/437]
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: إنّما هذا، لأهل الأمصار ليكون عليهم أيسر من أن يحجّ أحدهم مرّةً، ويعتمر أخرى، فتجمع حجّته، وعمرته في سنةٍ واحدةٍ.
ثمّ اختلف أهل التّأويل فيمن عنى بقوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} بعد إجماع جميعهم على أنّ أهل الحرم معنيّون به، وأنّه لا متعة لهم. فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصّةً دون غيرهم..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، قال: قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ: هم أهل الحرم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحمّانيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن عبد الكريم، عن مجاهدٍ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: أهل الحرم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: بلغنا عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {حاضري المسجد الحرام} قال: هم أهل الحرم، والجماعة عليه.
[جامع البيان: 3/438]
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال قتادة: ذكر لنا أنّ ابن عبّاسٍ، كان يقول: يا أهل مكّة، إنّه لا متعة لكم، أحلّت لأهل الآفاق وحرّمت عليكم، إنّما يقطع أحدكم واديًا، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديًا ثمّ يهلّ بعمرةٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثنا اللّيث، قال: حدّثني يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، أنّ أهل مكّة كانوا يغزون، ويتّجرون، فيقدمون في أشهر الحجّ ثمّ يحجّون، ولا يكون عليهم الهدي، ولا الصّيام ; أرخص لهم في ذلك لقول اللّه عزّ وجلّ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
- حدّثني أحمد بن حازمٍ قال: حدّثنا أبو نعيمٍ قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قال: أهل الحرم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، قال: المتعة للنّاس، إلاّ لأهل مكّة ممّن لم يكن أهله من الحرم، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: وبلغني عن ابن عبّاسٍ، مثل قول طاووسٍ.
وقال آخرون: عنى بذلك أهل الحرم ومن كان منزله دون المواقيت إلى مكّة.
[جامع البيان: 3/439]
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن المبارك، عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن مكحولٍ فى قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: من كان دون المواقيت.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، بإسناده مثله، إلاّ أنّه قال: ما كان دون المواقيت إلى مكّة.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن رجلٍ، عن عطاءٍ، قال: من كان أهله من دون المواقيت، فهو كأهل مكّة لا يتمتّع.
وقال بعضهم: بل عنى بذلك أهل الحرم، ومن قرب منزله منه..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، في قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: عرفة، وعرنة، والرّجيع، وضجنان، ونخلتان.
[جامع البيان: 3/440]
- حدّثنا أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، والمثنّى، قالا: حدّثنا أبو نعيمٍ قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: عرفة، ومرّ، وعرنة، وضجنان، والرّجيع.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، في هذه الآية قال: اليوم واليومين.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: سمعت الزّهريّ، يقول: من كان أهله على يومٍ أو نحوه تمتّع.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: أنّه جعل أهل عرفة من أهل مكّة في قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: أهل مكّة، وفجٌّ، وذي طويٍّ، وما يلي ذلك فهو من مكّة.
[جامع البيان: 3/441]
وأولى الأقوال في ذلك بالصّحّة عندنا قول من قال: إنّ حاضري المسجد الحرام من هو حوله ممّن بينه وبينه من المسافة ما لا تقصر إليه الصّلوات ; لأنّ حاضر الشّيء في كلام العرب هو الشّاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يستحقّ أن يسمّى غائبًا إلاّ من كان مسافرًا شاخصًا عن وطنه، وكان المسافر لا يكون مسافرًا إلاّ بشخوصه عن وطنه إلى ما تقصر في مثله الصّلاة، وكان من لم يكن كذلك لا يستحقّ اسم غائبٍ عن وطنه، ومنزله، كان كذلك من لم يكن من المسجد الحرام على ما تقصر إليه الصّلاة غير مستحقٍّ أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.
وإنّما لم تكن المتعة لمن كان من حاضري المسجد الحرام من أجل أنّ التّمتّع إنّما هو الاستمتاع بالإحلال من الإحرام بالعمرة إلى الحجّ مرتفقًا في ترك العود إلى المنزل والوطن بالمقام بالحرم حتّى ينشئ منه الإحرام بالحجّ، وكان المعتمر متى قضى عمرته في أشهر الحجّ ثمّ انصرف إلى وطنه، أو شخص عن الحرم إلى ما تقصر فيه الصّلاة، ثمّ حجّ من عامه ذلك، بطل أن يكون مستمتعًا ; لأنّه لم يستمتع بالمرفق الّذي جعل للمستمتع من ترك العود إلى الميقات، والرّجوع إلى الوطن بالمقام في الحرم، وكان المكّيّ ومن هو حاضري المسجد الحرام لا مرفق له فى ذلك من أجل أنّه متى قضى عمرته أقام في وطنه بالحرم، فهو غير مرتفقٍ بشيءٍ ممّا يرتفق به من لم يكن أهله من حاضري المسجد الحرام فيكون مستمتّعًا بإحلاله من عمرته إلى حجّه). [جامع البيان: 3/442]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب}.
[جامع البيان: 3/442]
يعني بذلك جلّ اسمه: واتّقوا اللّه بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه، وحدوده، واحذروا أن تعدوا ذلك وأن تتجاوزوا ما بيّن لكم فى مناسككم، فتستحلّوا ما حرّم فيها عليكم. {واعلموا}: فتيقّنوا أنّه تعالى ذكره شديدٌ عقابه لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه). [جامع البيان: 3/443]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب (196)
قوله: وأتمّوا
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ وعمرٌو الأوديّ، قالا، ثنا وكيعٌ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة قال: سئل عليٌّ وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه قال: تحرم من دويرة أهلك.
وروي، عن ابن عبّاسٍ وطاوسٍ وسعيد بن جبيرٍ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا محمود بن خالدٍ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، ثنا ابن جابرٍ، أنّه سمع مكحولا وسأله، عن قول اللّه: وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه قال: إتمامهما:
إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
[تفسير القرآن العظيم: 1/333]
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن مادرٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: أمّا قوله: وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فيقول: أقيموا الحجّ والعمرة.
والوجه الرّابع.
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ، ثنا عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ، عن الزّهريّ، قال: بلغنا أنّ عمر قال في قول اللّه: وأتمّوا الحجّ والعمرة لله قال: من تمامهما أن يفرد كلّ واحدٍ منهما من الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحجّ، إنّ اللّه يقول: الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ). [تفسير القرآن العظيم: 1/334]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قوله: وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه قال: هي قراءة عبد اللّه، وأتمّوا الحجّ والعمرة إلى البيت، لا يجاوز بالعمرة البيت
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن قتادة، سمع زرارة، عن ابن عبّاسٍ، قال: الحجّ عرفة، والعمرة: الطّواف.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو عبد اللّه الهرويّ، ثنا غسّان الهرويّ، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاءٍ، عن صفوان بن أميّة، أنّه قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم متضمّخًا بالزّعفران، عليه جبّةٌ، فقال: كيف تأمرني يا رسول اللّه في عمرتي؟ قال: فأنزل اللّه: وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أين السّائل عن العمرة؟ فقال: ها أنا ذا. فقال له: الق عنك ثيابك ثمّ أغتسل واستنشق ما استطعت، ثمّ ما كنت- يعني صانعًا- في حجّك، فاصنعه في عمرتك.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو خالدٍ، عن فضيلٍ، يعني ابن غزوان عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: العمرة الحجّة الصّغرى.
[تفسير القرآن العظيم: 1/334]
- حدّثنا عمرو بن عبد اللّه الأوديّ، ثنا وكيعٌ عن ابن جريج بن نافعٍ، عن ابن عمر قال: العمرة واجبةٌ.
وروي عن عطاءٍ ومكحولٍ والحسن وابن سيرين وطاوسٍ ومجاهدٍ وسعيد بن جبيرٍ والضّحّاك وعبد اللّه بن شدّادٍ ومقاتل بن حيّان وقتادة، أنّهم قالوا: العمرة واجبةٌ.
من قال: إنّ العمرة تطوّعٌ
حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو خالدٍ، عن حجّاجٍ، عن محمّد بن المنكدر، قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن العمرة أواجبةٌ هي؟
قال: لا، وأن تعتمر خيرٌ لك.
- حدّثنا عمرو بن عبد اللّه الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن ابن عونٍ، عن الشّعبيّ، أنّه قرأها وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه يعني: برفع التّاء.
وروي عن الشّعبيّ وأبي بردة بن أبي موسى. أنّهم قالوا: العمرة سنّةٌ، وقال بعضهم: تطوّعٌ). [تفسير القرآن العظيم: 1/335]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فإن أحصرتم
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: فإن أحصرتم قال: إذا أهلّ الرّجل بالحجّ، فأحصرتم، بعث بما استيسر من الهدي، شاةً. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: هكذا قال ابن عبّاسٍ، في هذا كلّه من فسّر الإحصار بالمرض والكسر والحبس.
- حدّثنا الحسن بن عرفة، ثنا إسماعيل بن عليّة، عن الحجّاج بن أبي عثمان، حدّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، أنّ عكرمة مولى ابن عبّاسٍ حدّثه، حدّثني الحجّاج بن عمرٍو الأنصاريّ، أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: من كسر أو عرج فقد حلّ، وعليه حجّةٌ أخرى. فحدّثت بذلك ابن عبّاسٍ وأبا هريرة، فقالا:
صدق
وروي عن ابن مسعودٍ وابن الزّبير وعلقمة وسعيد بن المسيّب وعروة بن الزّبير ومجاهدٍ والنّخعيّ وعطاءٍ ومقاتل بن حيّان، قالوا: الإحصار: من عدوٍّ أو مرضٍ أو كسرٍ
وقال الثّوريّ: الإحصار من كل شيء آذاه.
[تفسير القرآن العظيم: 1/335]
من فسّر على أنّ الحصر من العدوّ فقط دون غيره:
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان، عن عمرو يعني بن دينارٍ، عن ابن عبّاسٍ، وابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ وابن أبي نجيحٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: لا حصر إلا حصر العدوّ فأمّا من أصابه مرضٌ أو وجعٌ أو ضلالٌ، فليس عليه شيءٌ، إنّما قال اللّه: فإذا أمنتم فليس الأمن حصرًا. وروي عن ابن عمر وطاوسٍ والزّهريّ وزيد بن أسلم، نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/336]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فما استيسر من الهدي
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفص بن غياثٍ، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه عن عليٍّ، قال: فما استيسر من الهدي شاةٌ
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ في قوله: فما استيسر من الهدي شاةٌ وروي عن أبي العالية وعطاءٍ والحسن والنّخعيّ ومحمّد بن عليٍّ ومجاهدٍ والشّعبيّ وطاوسٍ والضّحّاك وقتادة وعبد الرّحمن بن القاسم ومقاتل بن حيّان، نحو ذلك.
[الوجه الثّاني]
ومن فسّره على أنّه من الأزواج الثّمانية:
- حدّثنا جعفر بن النّضر بن حمّادٍ الواسطيّ، ثنا إسحاق الأزرق، عن شريكٍ عن أبي إسحاق، عن النّعمان بن مالكٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: الهدي من الأزواج الثّمانية، من الإبل والبقر، والمعز والضّأن.
[الوجه الثالث]
ومن فسّر على أنّه جزورٌ أو بقرةٌ:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو خالدٍ الأحمر عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر: أنّهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر.
وروي عن سالمٍ والقاسم وعروة بن الزّبير وسعيد بن جبيرٍ، نحو ذلك.
[الوجه الرّابع]
من فسر على أنه قدر ميسرته:
[تفسير القرآن العظيم: 1/336]
- حدّثني أبو عبد اللّه الطّهرانيّ، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: فما استيسر من الهدي قال: كل بقدر يسارته.
[الوجه الخامس]
ومن فسّره على الرّخص والغلاء:
- حدّثنا أبي ثنا هشام بن عمّارٍ ومحمّد بن زاذان، قالا: ثنا يحيى بن سليمٍ، ثنا هشام بن عروة عن أبيه، في قول اللّه تعالى: فما استيسر من الهدي قال: إنّما ذلك فيما بين الرّخص والغلاء). [تفسير القرآن العظيم: 1/337]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: ولا تحلقوا رؤسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن فضيلٍ، ثنا عطاءٌ يعني: ابن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّ رجلا أتاه فقال: يا ابن عبّاسٍ أذبح قبل أن أحلق؟
أو أحلق قبل أن أذبح؟ فقال ابن عبّاسٍ: خذ ذلك من قبل القرآن، قال اللّه:
ولا تحلقوا رؤسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فالذّبح قبل الحلق.
- حدّثنا يزيد بن سنانٍ، ثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان ثنا سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة ولا تحلقوا رؤسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فإن عجّل، فحلق قبل أن يبلغ الهدي محلّه، فعليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ، أو نسكٍ قال إبراهيم: فذكرته لسعيد بن جبيرٍ فقال: هذا قول ابن عبّاسٍ، وعقد بيده ثلاثين.
وروي عن إبراهيم النّخعيّ، مثل ذلك. قرأت على محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: ولا تحلقوا رؤسكم يعني بذلك: صاحب الحصر، لا يحلق رأسه ولا يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه). [تفسير القرآن العظيم: 1/337]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: حتّى يبلغ الهدي محلّه
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأ ابن وهبٍ، ثنا خلاد بن سليمان قال: قال خالد بن أبي عمران، سألت القاسم وسالمًا عن قول اللّه: حتّى يبلغ الهدي محلّه قال: حتّى ينحر الهدي وروي عن علقمة نحو ذلك.
قرأت على محمّدٍ، ثنا محمّدٌ، ثنا بكيرٌ عن مقاتلٍ، قوله حتّى يبلغ الهدي محلّه ومحلّه: مكّة، فإذا بلغ الهدي مكّة، حلّ من إحرامه وحلق رأسه، وعليه الحجّ من قابلٍ. وذلك عن عطاء بن أبي رباحٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/337]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فمن كان منكم مريضًا
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: فمن كان منكم مريضًا يعني بالمرض: أن يكون برأسه أذًى أو قرحٌ.
- أخبرني محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، ثنا أبي، ثنا عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ قوله: فمن كان منكم مريضًا قال: من اشتدّ مرضه، فعليه صيام ثلاثة أيّامٍ أو إطعام ستّة مساكين، أو نسكٌ.
- حدّثنا الحسين بن الحسن، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه الهرويّ، أنبأ حجّاجٌ، عن ابن حرّة، عن مجاهدٍ، فمن كان منكم مريضًا كائنًا مكان مرضه، فادّهن أو اكتحل أو تداوى، ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/338]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: أو به أذًى من رأسه
- حدّثنا عمرو بن عبد اللّه الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن شعبة، عن ابن الصبهاني، يعني: عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن معقلٍ، قال: جلست إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد فسألته عن هذه الآية فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فقال: فيّ نزلت حملت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والقمّل يتناثر على وجهي من الجهد. فقال: ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى. احلق رأسك واذبح شاةً، فنزلت: ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ. فنزلت فيّ خاصّةً، وكانت لكم عامّةً.
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ أو به أذًى من رأسه قال: الصّداع والقمّل وغير ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/338]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: ففديةٌ من صيامٍ
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن سيفٍ المكّيّ، سمعه من مجاهدٍ عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم
[تفسير القرآن العظيم: 1/338]
نحوه. وقبله: سألت كعب بن عجرة، عن هذه الآية: فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ ثلاثة أيّامٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/339]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: أو صدقةٍ
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ قال مجاهدٌ ، حدّثني عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رآه وقمله يسقط على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قال:
نعم، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحلق وهو بالحديبية، لم يتبيّن لهم أنّهم يحلّون بها، وهم على طمعٍ أن يدخلوا مكّة فأنزل اللّه الفدية، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطعم فرقًا بين ستّة مساكين، أو يهدي شاةً أو يصوم ثلاثة أيّامٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/339]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: أو نسكٍ
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً أنبأ عبد اللّه بن وهبٍ، أنّ مالك بن أنسٍ حدّثه، عن عبد الكريم بن مالكٍ الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أنّه كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحلق رأسه، فقال:
صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين مدّين مدّين لكلّ إنسانٍ أو نسّك بشاةٍ، أيّ ذلك فعلت، أجزأ عنك). [تفسير القرآن العظيم: 1/339]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: أو
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفصٌ والمحاربيّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ قال إذا كان أو. أو. فأيّة أخذت أجزاك.
وروي عن مجاهدٍ وعكرمة وعطاءٍ وطاوسٍ والحسن وحميد الأسعرج وإبراهيم النخعي والضحاك، نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/339]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فإذا أمنتم
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، في قوله: فإذا أمنتم يقول: إذا برأ فمضى من وجهه ذلك حتّى يأتي البيت حلّ من حجّه بعمرةٍ، وكان عليه الحجّ من قابلٍ فإن هو رجع ولم يتمّ إلى البيت من وجهه ذلك كان عليه حجّةٌ وعمرةٌ لتأخير العمرة، فقال: إبراهيم فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: هكذا قال ابن عبّاسٍ في هذا كلّه.
- حدثنا أحمد بن سنان، ثنا يحي بن سعيدٍ القطّان، ثنا سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: فإذا أمنتم فإذا أمن ممّا كان به قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ، فقال: هذا قول ابن عباس، وعقد بيده ثلاث.
- حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن سالمٍ المكّيّ، ثنا روحٌ ثنا ابن جريجٍ، قال:
قلت لعطاءٍ: أكان ابن عبّاسٍ يقول: فإذا أمنتم أمنت أيّها المحصر، وأمن النّاس، فمن تمتّع. فقال: لم يكن ابن عبّاسٍ يفسّرها كذا، ولكنّه يقول: تجمع هذه الآية- آية المتعة- كلّ ذلك، المحصر والمخلّى سبيله.
وروي عن أبي العالية وعروة بن الزّبير، وطاوسٍ أنّهم قالوا: فإذا أمن خوفه). [تفسير القرآن العظيم: 1/340]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فمن تمتّع
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، ثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحجّ.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان بن الأشعث، ثنا حم بن نوحٍ، ثنا أبو معاذٍ، ثنا أبو مصلحٍ، عن الضّحّاك، في قوله: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ قال: من انطلق حاجًّا فبدأ بالعمرة، ثمّ أقام حتّى يحجّ فعليه الهدي). [تفسير القرآن العظيم: 1/340]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأ، ابن وهبٍ، أنّ مالك بن أنسٍ حدّثه عن ابن شهابٍ، عن محمّد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن عبد المطّلب،
[تفسير القرآن العظيم: 1/340]
أنّه حدّثه أنّه سمع سعد بن أبي وقّاصٍ والضّحّاك بن قيسٍ عام حجّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضّحّاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر اللّه. فقال سعدٌ: بئس ما قلت يا ابن أخي. فقال الضّحّاك: فإنّ عمر بن الخطّاب قد نهى عن ذلك. فقال سعدٌ: قد صنعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وصنعناها معه.
- حدّثنا العبّاس بن يزيد العبديّ، ثنا بشر بن المفضّل، ثنا عمران بن مسلمٍ، عن أبي رجاءٍ قال عمران بن حصينٍ: نزلت آية المتعة، يعني متعة الحجّ في كتاب اللّه، وأمر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم تنزل آيةٌ تنسخ متعة الحجّ، ولم ينه عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى مات، قال رجلٌ بعد برأيه ما شاء
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فإن هو خرج متمتّعًا في أشهر الحجّ، كان عليه ما استيسر من الهدي شاة. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبيرٍ فقال: هذا قول ابن عبّاسٍ
- حدّثنا أبي، ثنا عثمان بن الهيثم، ثنا ابن جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: كان ابن الزّبير يقول: إنّما المتعة للمحصر، وليس لمن خلّي سبيله. وكان ابن عبّاسٍ يقول:
المتعة للمحصر، ولمن خلّيت سبيله.
- حدّثنا أبي ثنا دحيمٌ ثنا أبو مسهرٍ، ثنا سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مالكٍ في قول اللّه: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ قال: منسوخةٌ، نسختها:
الحجّ أشهرٌ معلومات). [تفسير القرآن العظيم: 1/341]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فما استيسر من الهدي
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 1/341]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فمن لم يجد
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفصٌ عن ليثٍ، حدّثني مجاهدٌ، عن ابن عبّاسٍ، مثل حديثٍ قبله: كلّ شيءٍ في القرآن، فإن لم يجد فالذي يليه، فإن لم يجد، فالذي يليه.
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ، ثنا الحسين بن حفصٍ، ثنا سفيان، عن ليثٍ عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ فمن لم يجد فهو الأوّل، فالأوّل.
[تفسير القرآن العظيم: 1/341]
وروي عن عكرمة ومجاهدٍ والحسن نحو ذلك.
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: فمن لم يجد يعني: الهدي إذا كان متمتّعًا. وروي عن مقاتل بن حيّان والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/342]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ
اختلف في تفسيره على أقوال،
[القول الأول]
فأحدها:
- حدّثنا أبي، ثنا داود بن عبد اللّه حدّثني حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، أنّه كان يقول: فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ قبل التّروية بيومٍ، ويوم التّروية ويوم عرفة.
وروي عن الشّعبيّ والنّخعيّ والحكم وحمّادٍ وأبيّ بن الزّبير، قال: كانت عائشة تقول: إنّما اللغو في المزاحة يث،
والقول الثّاني:
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأ ابن وهبٍ، أنّ مالك بن أنسٍ حدّثه، عن ابن شهابٍ، عن عروة عن عائشة أنّها كانت تقول: الصّيام لمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، لمن لم يجدها ما بين أن يهلّ بالحجّ إلى يوم عرفة، فمن لم يصمه، صام أيّام منًى.
- أخبرنا يونس قراءةً، أنبأ ابن وهبٍ، أنّ مالكًا أخبره، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد اللّه، عن أبيه، مثل ذلك.
وكذا روي عن عكرمة والحسن وروي عن ابن عبّاسٍ والمسيّب بن رافعٍ وأبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ وروي عن الرّبيع بن أنسٍ ومقاتل بن حيّان، وأحد قولي عطاءٍ وطاوسٍ، أنّه يصوم الثّلاثة الأيّام في العشر، يكون آخرها يوم عرفة.
القول الثّالث:
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن يونس بن أبي إسحاق، قال: قال عبيد بن عميرٍ: يصوم أيّام التّشريق، يعني قوله: فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وروي عن عروة بن الزّبير مثل ذلك.
[تفسير القرآن العظيم: 1/342]
والقول الرّابع:
- حدّثنا ابن المقرئ، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ، قالا: لا بأس للمتمتّع أن يصوم يومًا من شوال ويوما من ذي القعدة، وآخرها يوم عرفة). [تفسير القرآن العظيم: 1/343]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: وسبعة إذا رجعتم
[الوجه الأول]
- حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن زنجويه، ثنا عبد الرزاق أنبأ الثوري، عن نحيى بن سعيدٍ، أخبرني سالمٌ قال: سمعت ابن عمر يقول: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم قال: إذا رجع إلى أهله. وروى سعيد بن جبيرٍ وأبي العالية ومجاهدٍ وعطاءٍ وعكرمة والحسن والزّهريّ وقتادة والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا حفصٌ، عن حجّاجٍ، عن عطاءٍ: وسبعةٍ إذا رجعتم قال إن شاء صامها إذا رجع، وإن شاء بمكّة.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن، عن سفيان، عن عبد الكريم الجزري، سعيد بن جبيرٍ: وسبعةٍ إذا رجعتم قال: وإن أقام بمكّة، إن شاء صامه.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، وعمرو بن عبد اللّه، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: وسبعةٍ إذا رجعتم قال: إن شاء صامها في الطّريق، إنّما هي رخصةٌ. وروي عن عطاءٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/343]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: تلك عشرةٌ كاملةٌ
- حدّثنا أبي، ثنا أبو معمرٍ إسماعيل بن إبراهيم بن معمرٍ، ثنا هشيمٌ، عن عبّاد بن راشدٍ، عن الحسن، في قوله: تلك عشرةٌ كاملةٌ قال: من الهدى). [تفسير القرآن العظيم: 1/343]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام
- حدّثنا أبي، ثنا عبيد اللّه بن الحارث بن محمّد بن زيادٍ، ثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة، قال: سئل ابن عمر وأنا شاهدٌ، عن امرأةٍ صرورةٍ أتعتمر في حجّتها؟ قال: نعم إنّ اللّه جعلها رخصة لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يقول: المتعة لأهل الأمصار ولأهل الآفاق، وليس على أهل مكّة متعةٌ.
وروي عن ابن عبّاسٍ وابن عمر وطاوسٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ والحسن والزهري ونافع وإبراهيم والربيع بن أنسٍ وميمون بن مهران، أنّهم قالوا: ليس على أهل مكّة متعةٌ). [تفسير القرآن العظيم: 1/344]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: حاضري المسجد الحرام واتقوا الله
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، أخبرني ابن عطاءٍ قال: قلت لأبي: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: مرّ ونخلة وشبههما.
- حدّثنا عمرو بن عبد اللّه الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: عرفة وعرنة والرّجيح وضجنان، ونخلتان. وروي عن ابن شهابٍ ومكحولٍ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عمرو بن عبد اللّه الأوديّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: هم أهل الحرم.
وروي عن نحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ، قال: من كان أهله على مسيرة يوم أو دون ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/344]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبدة، ثنا حمّاد بن زيدٍ، عن عليّ بن زيدٍ قال:
تلا مطرّفٌ هذه الآية: شديد العقاب قال: لو يعلم النّاس قدر عقوبة اللّه، ونقمة اللّه، وبأس اللّه، ونكال اللّه، لما رقأ لهم دمعٌ، وما قرّت أعينهم بشيءٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/345]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأتموا الحج والعمرة لله يعني أمروا به فيهما فإن أحصرتم يعني بمرض أو حبس أو كسر أو بأمر يعذر به ولا يحلق رأسه ولا يحل إلى يوم النحر). [تفسير مجاهد: 99]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فمن كان منكم مريضا فادهن أو تداوى أو اكتحل أو كان به أذى من رأسه أو غيره فحلق ففدية من صيام وهو ثلاثة أيام أو صدقة وهو
[تفسير مجاهد: 99]
فرق بين ستة مساكين أو نسك وهو شاة بمكة أو بمنى). [تفسير مجاهد: 100]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه والقمل يسقط على وجهه فقال له أيؤذيك هوامك قال نعم فأمره أن يحلق قال وهم بالحديبية لم يتبين لهم أنهم يحلقون بها وهم على طمع من دخول مكة فأنزل الله عز وجل الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام أو ينسك بشاة). [تفسير مجاهد: 100]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال الحصر حصر العدو فيبعث بهديه إن كان لا يصل إلى البيت من العدو فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة بعثها وأقام مكانه على إحرامه وواعده فان أمن فعليه أن يحج ويعتمر فإن أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي حل حيث حبس وإن كان معه هدي لا يحل حتى يبلغ محله وليس عليه أن يحج من
[تفسير مجاهد: 100]
قابل ولا يعتمر إلا أن يشاء قال ابن أبي نجيح وسمعت عطاء بن أبي رباح يقول من حبس في عمرته فبعث بهديه فعرض لها فإنه يتصدق ويصوم ومن اعترض لهديه وهو حاج فإن محل الهدي يوم النحر). [تفسير مجاهد: 101]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله فمن تمتع بالعمرة إلى الحج يقول من اعتمر من يوم الفطر إلى يوم عرفة فما استيسر من الهدي). [تفسير مجاهد: 101]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فمن لم يجد يعني الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج آخرهن يوم عرفة وسبعة إذا رجع حيث كان وذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يقول على من حج الهدي من الغرباء وليس على أهل مكة هدي إذا اعتمروا). [تفسير مجاهد: 101]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني عبد الرّحمن بن الحسن القاضي، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياسٍ، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، سئل عليٌّ عن قول اللّه عزّ وجلّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} [البقرة: 196] قال: «أن تحرم من دويرة أهلك» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/303]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن يعقوب الحافظ، ثنا محمّد بن عبد الوهّاب بن حبيبٍ العبديّ، ثنا جعفر بن عونٍ، أنبأ أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعبٍ رضي اللّه عنه، أنّه كان " يقرؤها: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ متتابعاتٍ» هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه "). [المستدرك: 2/303]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ط ت د س) عبد الله بن معقل رضي الله عنهما قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فسألته عن «فديةٍ من صيامٍ؟ فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أنّ الجهد بلغ بك هذا؟ أما تجد شاة؟ قلت: لا. قال: صم ثلاثة أيام واحلق رأسك، فنزلت فيّ خاصّة، وهي لكم عامة» أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
وللبخاري ومسلمٍ رواياتٌ أخر ترد في كتاب الحجّ من حرف الحاء.
وأخرجه الموطأ وأبو داود والنسائي بمعناه، وترد ألفاظ رواياتهم هناك.
[جامع الأصول: 2/33]
[شرح الغريب]
(الجهد) بالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة.
(الصّاع) : مكيال يسع أربعة أمداد، والمدّ بالحجاز: رطل وثلث، وبالعراق: رطلان). [جامع الأصول: 2/34]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل، وابن عبد البر في التمهيد عن يعلى بن أمية قال جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق
فقال: كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي فأنزل الله {وأتموا الحج والعمرة لله} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل عن العمرة فقال: هذا أناذا، قال: اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك.
وأخرج الشافعي وأحمد، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن يعلى بن أمية قال جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في
[الدر المنثور: 2/326]
عمرتي قال: فأنزل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فتستر بثوب وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: أيسرك أن تنظر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط كغطيط البكر فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة اغسل عنك أثر الخلوق واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك.
وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن علي {وأتموا الحج والعمرة لله} قال: أن تحرم من دويرة أهلك.
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} إن تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك
[الدر المنثور: 2/327]
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} قال: من تمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة إذا حل.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: تمامهما ما أمر الله فيهما.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري عن علقمة وابراهيم قالا: في قراءة ابن مسعود (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت) لا يجاوز بالعمرة البيت الحج المناسك والعمرة البيت والصفا والمروة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن علي أنه قرأ (وأقيموا الحج
[الدر المنثور: 2/328]
والعمرة للبيت) ثم قال: هي واجبة مثل الحج.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في "سننه" والأصبهاني في الترغيب عن ابن مسعود قال: أمرتم بأقامة أربع، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، والحج الحج الأكبر والعمرة الحج الأصغر.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن يزيد بن معاوية قال: إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة حلقة فيها حذيفة وليس إذ ذاك حجزة ولا جلاوزة إذ هتف هاتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاويه التي عند أبواب كنده ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله واختلفا في آية في سورة البقرة قرأ هذا (وأتموا الحج والعمرة للبيت) وقرأ هذا {وأتموا الحج والعمرة لله} فغضب حذيفة واحمرت عيناه ثم قام - وذلك في زمن عثمان - فقال: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين وإما أن أركب فهكذا كان من قبلكم ثم أقبل فجلس فقال: إن الله بعث محمدا فقاتل بمن أقبل من أدبر حتى أظهر الله دينه ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد ثم إن الله استخلف أبا بكر وكان ما شاء الله ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد ثم إن الله استخلف عمر فنزل وسط الإسلام ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد ثم إن الله استخلف عثمان، وأيم الله ليوشكن أن تطعنوا فيه طعنة
[الدر المنثور: 2/329]
تحلقونه كله.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم والبيهقي عن الشعبي أنه قرأها {وأتموا الحج} ثم قطع ثم قال {والعمرة لله} يعني برفع التاء وقال: هي تطوع.
وأخرج سفيان بن عينية والشافعي والبيهقي في "سننه"، عن طاووس قال: قيل لابن عباس أتأمر بالعمرة قبل الحج والله تعالى يقول {وأتموا الحج والعمرة لله} فقال ابن عباس: كيف تقرؤون (من بعد وصية يوصى بها أو دين) (النساء الآية 11) فبأيهما تبدؤون قالوا: بالدين، قال: فهو ذلك.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا.
وأخرج سفيان بن عينية والشافعي في الأم والبيهقي عن ابن عباس
[الدر المنثور: 2/330]
قال: والله إنها لقرينتها في كتاب الله {وأتموا الحج والعمرة لله}.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة كلاهما في المصنف، وعبد بن حميد عن مسروق قال: أمرتم في القرآن بإقامة أربع: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقيموا الحج والعمرة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العمرة الحجة الصغرى.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه قرأ (وأقيموا الحج والعمرة للبيت) ثم قال: والله لولا التحرج أني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لقلنا أن العمرة واجبة مثل الحج.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: العمرة واجبة ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا
[الدر المنثور: 2/331]
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن طاووس قال: العمرة على الناس كلهم إلا على أهل مكة فإنها ليست عليهم عمرة إلا أن يقدم أحد منهم من أفق من الآفاق.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء قال: ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا كما قال الله حتى أهل بوادينا إلا أهل مكة فإن عليهم حجة وليست عليهم عمرة من أجل أنهم أهل البيت وإنما العمرة من أجل الطواف.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة فإن عمرتهم طوافهم فمن جعل بينه وبين الحرم بطن واد فلا يدخل مكة إلا بالإحرام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: ليس على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به وأهل مكة يطوفون متى شاؤوا.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن ابن مسعود قال: الحج فريضة والعمرة تطوع
[الدر المنثور: 2/332]
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن أبي صالح ماهان الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج جهاد والعمرة تطوع.
وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحج جهاد والعمرة تطوع.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والترمذي وصححه، عن جابر بن عبد الله أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي قال: لا وأن تعتمروا خير لكم.
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن ابن سيرين أن زيد بن ثابت سئل عن العمرة قبل الحج قال: صلاتان، وفي لفظ نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت
[الدر المنثور: 2/333]
وأخرج الشافعي في الأم عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم إن العمرة هي الحج الأصغر.
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتسمع وتطيع وعليك بالعلانية وإياك والسر.
وأخرج ابن خزيمة، وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه وغزو لا غلول فيه وحج مبرور.
وأخرج مالك في الموطأ، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن كاجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
وأخرج أحمد عن عامر بن ربيعة مرفوعا، مثله
[الدر المنثور: 2/334]
وأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سبح الحاج من تسبيحة ولا هلل من تهليلة ولا كبر من تكبيرة إلا بشر بها تبشيرة.
وأخرج مسلم، وابن خزيمة عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الإسلام يهدم ما قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها وإن الحج يهدم ما كان قبله.
وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي قال جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان وضعيف، فقال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن حسين قال سأل رجل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال: ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه الحج.
وأخرج عبد الرزاق عن عبد الكريم الجزري قال جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني رجل جبان ولا أطيق لقاء العدو، فقال: ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه قال: بلى يا رسول الله، قال: عليك بالحج
[الدر المنثور: 2/335]
والعمرة.
وأخرج البخاري عن عائشة قالت قلت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي داود في المصاحف، وابن خزيمة عن عائشة قالت قلت: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد قال: عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة.
وأخرج النسائي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة.
وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الهه وأن محمدا رسول الله وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء وتصوم رمضان.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه عن أم سلمة قالت: قال رسول
[الدر المنثور: 2/336]
الله صلى الله عليه وسلم الحج جهاد كل ضعيف.
وأخرج أحمد والطبراني عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال حجة مبرورة أو عمرة مبرورة.
وأخرج أحمد والطبراني عن ماعز عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس ومغربها.
وأخرج أحمد، وابن خزيمة والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي، عن جابر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، قيل: وما بره قال: إطعام الطعام وطيب الكلام وفي لفظ وإفشاء السلام.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن
[الدر المنثور: 2/337]
وأخرج البزار عن أبي موسى رفعه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته ويخرج من ذنوبه كما ولدته أمه.
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء يؤم البيت الحرام فركب بعيره فما يرفع خفا ولا يضع خفا إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة حتى إذا انتهى إلى البيت فطاف وطاف بين الصفا والمروة ثم حلق أو قصر خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فليستأنف العمل.
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج المعتمر.
وأخرج البزار، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم
[الدر المنثور: 2/338]
وأخرج ابن ماجة، وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم لأنهم وفد الله من جميع الناس.
وأخرج البزار، وابن خزيمة والطبراني في الصغير والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يغفر للحجاج ولمن استغفر له الحاج، وفي لفظ: اللهم اغفر للحجاج ولمن استغفر له الحاج.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسدد في مسنده عن عمر قال: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرا من ربيع الأول.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه خطب عند باب الكعبة فقال: ما من أحد
[الدر المنثور: 2/339]
يجيء إلى هذا البيت لا ينهزه غير صلاة فيه حتى يستلم الحجر إلا كفر عنه ما كان قبل ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: من حج هذا البيت لا يريد غيره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وأخرج الحاكم وصححه عن أم معقل أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى عليها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيها وقال: إن الحج والعمرة لمن سبيل الله وإن عمرة في رمضان تعدل حجة أو تجزى ء بحجة.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج فقالت امرأة لزوجها: حج بي، قال: ما عندي ما أحج بك عليه، قالت: فحج بي على ناضحك، قال: ذاك نعتقبه أنا وولدك، قالت: فحج بي على جملك فلان، قال: ذاك احتبس في سبيل الله قالت: فبع تمر رفك، قال: ذلك
[الدر المنثور: 2/340]
قوتي وقوتك، فلما رجع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة أرسلت إليه زوجها فقالت: أقرى ء رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وسله ما يعدل حجة معك فأتى زوجها النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أما أنك لو كنت حججت بها على الجمل الحبيس كان في سبيل الله وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا من حرصها على الحج وقال: أقرءها مني السلام ورحمة الله وأخبرها أنها تعدل حجة معي عمرة في رمضان.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عائشة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتها: إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب، أن قوما مروا بأبي ذر بالربذة فقال له: ما أنصبكم إلا الحج استأنفوا العمل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم: أن ابن مسعود قال لقوم ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن الزبير قال: قلت لعطاء: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استقبلوا العمل بعد الحج قال: لا ولكن عثمان وأبو ذر
[الدر المنثور: 2/341]
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب أنه رأى قوما من الحجاج فقال: لو يعلم هؤلاء ما لهم بعد المغفرة لقرت عيونهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إذا كبر الحاج والمعتمر والغازي كبر المرتفع الذي يليه ثم الي يليه حتى ينقطع في الأفق.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من أراد الحج فليتعجل فإنه قد تضل الضالة ويمرض المريض وتكون الحاجة.
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له.
وأخرج الأصبهاني عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يدع الحج لحاجة من حوائج
[الدر المنثور: 2/342]
الدنيا إلا رأى المخلفين قبل أن يقضي تلك الحاجة وما من عبد يدع المشي في حاجة أخيه قضيت أو لم تقض إلا ابتلى بعونه من يأثم عليه ولا يؤجر فيه.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي ذر أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن داود عليه السلام قال: إلهي ما لعبادك إذا هم زوارك في بيتك قال: لكل زائر حق على المزور يا داود إن لهم أن أعافيهم في الدنيا وأغفر لهم إذا لقيتهم.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها.
وأخرج البيهقي في الشعب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحجاج والعمار وفد الله سألوا أعطوا وإن دعوا أجيبوا وإن أنفقوا أخلف لهم والذي نفس أبي القاسم بيده ما كبر مكبر على نشز ولا أهل مهل على شرف إلا أهل ما بين يديه وكبر
[الدر المنثور: 2/343]
حتى ينقطع منه منقطع التراب.
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج والعمار وفد الله يعطيهم ما سألوا ويستجيب لهم ما دعوا ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم بألف ألف.
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي، عن جابر بن عبد الله يرفعه قال: ما أمعر حاج قط، قيل لجابر: وما الأمعار قال: ما افتقر.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة وما من مؤمن يظل يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة، وابن جرير والبيهقي عن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر
[الدر المنثور: 2/344]
والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد.
وأخرج البزار، عن جابر مرفوعا، مثله.
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عمر مرفوعا، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عامر بن ربيع مرفوعا، مثله.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر، قيل: يا رسول الله بالجنة قال: نعم.
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أهل مهل قط إلا آبت الشمس بذنوبه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: ما أتى هذا البيت طالب حاجة لدين أو دنيا إلا رجع بحاجته.
وأخرج أبو يعلى والدارقطني والبيهقي عن عائشة
[الدر المنثور: 2/345]
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرج في هذا الوجه لحج أو عمرة فمات فيه لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يباهي بالطائفين.
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والأصبهاني في الترغيب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات في طريق مكة ذاهبا أو راجعا لم يعرض ولم يحاسب.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أهل بالحج والعمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم وما تأخر ووجبت له الجنة.
وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا خرج الحاج من أهله فسار ثلاثة أيام أو ثلاث ليال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكان سائر أيامه درجات ومن كفن ميتا كساه الله من ثياب الجنة ومن غسل
[الدر المنثور: 2/346]
ميتا خرج من ذنوبه ومن حثى عليه التراب في قبره كانت له بكل هباة أثقل من ميزانه من جبل من الجبال.
وأخرج البيهقي عن ابن عمر سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول ما ترفع إبل الحاج رجلا ولا تضع يدا إلا كتب له الله بها حسنة أو محا عنه سيئة أو رفعه بها درجة.
وأخرج البيهقي عن حبيب بن الزبير الأصبهاني قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستأنفون العمل يعني الحجاج قال: لا ولكن بلغني عن عثمان بن عفان وأبي ذر الغفاري أنهما قالا: يستقبلون العمل.
وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن رجلا مر بعمر بن الخطاب وقد قضى نسكه فقال له عمر: أحججت قال: نعم، فقال له: أجتنبت ما نهيت عنه فقال: ما ألوت، قال عمر: استقبل عملك.
وأخرج البيهقي، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة نفر الجنة: الميت والحاج عنه والمنفذ ذلك
[الدر المنثور: 2/347]
يعني الوصي.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تبارك وتعالى: إن عبدا صححت له جسمه وأوسعت له في رزقه يأتي عليه خمسين سنين لا يفد إلي لمحروم.
وأخرج أبو يعلى عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يقول: إن عبدا أصححت له جسمه وأوسعت له في الرزق يأتي عليه خمس حجج لم يأت إلي فيهن لمحروم.
وأخرج الشافعي عن ابن عباس قال: في كل شهر عمرة.
وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال: إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمره فإنهما أحد الجهادين.
وأخرج ابن أبي شيبه، عن جابر بن زيد قال: الصوم والصلاة يجهدان البدن
[الدر المنثور: 2/348]
ولا يجهدان المال والصدقة تجهد المال ولا تجهد البدن وإني لا أعلم شيئا أجهد للمال والبدن من الحج.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس {فإن أحصرتم} يقول: من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي شاة فما فوقها فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وإن كانت بعد حجة الفريضه فلا قضاء عليه {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} فإذا كان أحرم بالحج فمحله يوم النحر وإن كان أحرم بعمرة فمحل هدبه إذا أتى البيت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {فإن أحصرتم} قال:
هو الرجل من أصحاب محمد كان يحبس عن البيت فيهدي إلى البيت ويمكث على إحرامه حتى
[الدر المنثور: 2/349]
يبلغ الهدي محله فإن بلغ الهدي محله حلق رأسه.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في قوله {فإن أحصرتم} الآية، يقول: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي فإن هو عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه أو مس طيبا أو تداوى بدواء كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك والصيام ثلاثة أيام والصدقة ثلاثة أصوع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع والنسك {فإذا أمنتم} يقول: فإذا برى ء فمضى من وجهه ذلك البيت كان عليه حجة وعمرة فإن رجع متمتعا في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من الهدي شاة فإن هو لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الحصر حبس كله.
وأخرج مالك وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن علي في قوله {فما استيسر من الهدي} قال: شاة
[الدر المنثور: 2/350]
وأخرج وكيع وسفيان بن عينية وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عمر {فما استيسر من الهدي} قال: بقرة أو جزور، قيل: أو ما يكفيه شاة قال: لا.
وأخرج وكيع وسفيان بن عينية وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن ابن عباس {فما استيسر من الهدي} قال: ما يجد قد يستيسر على الرجل والجزور والجزوران.
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز على قدر الميسرة وما عظمت فهو أفضل.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فما استيسر من
[الدر المنثور: 2/351]
الهدي} قال: عليه هدي إن كان موسرا فمن الإبل وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم.
وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق القاسم عن عائشة يقول: ما استيسر من الهدي الشاة.
وأخرج سفيان بن عينية والشافعي في الأم وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله {فإذا أمنتم} فلا يكون الأمن إلا من الخوف.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا إحصار إلا من عدو.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: لا إحصار إلا من الحرب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار
[الدر المنثور: 2/352]
وأخرج البخاري والنسائي عن نافع، أن عبيد الله بن عبد الله وسلام بن عبد الله أخبراه: أنهما كلما عبد الله بن عمر ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقال: لا يضرك ان لا تحج العام إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت فنحر النّبيّ صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه.
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر علما قابلا). [الدر المنثور: 2/353]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}.
أخرج البخاري عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك.
وأخرج البخاري تعليقا عن ابن عباس قال: إنما البدل على من نقص حجة بالتذاذ وأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه لا يحل ولا يرجع وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به وإن استطاع أن
[الدر المنثور: 2/353]
يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: إن أهل الحديبية أمروا بإبدال الهدي في العام الذي حلوا فيه فأبدلوا وعزت الإبل فرخص لهم فيمن لا يجد بدنة في اشتراء بقرة.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي حاصر الحميري قال: خرجت معتمرا عام حوصر ابن الزبير ومعي هدي فمنعنا أن ندخل الحرم فنحرت الهدي مكاني وأحللت فلما كان العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي أتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إذا حلق قبل أن يذبح أهرق لذلك دما ثم قرأ {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}.
وأخرج ابن جرير عن الأعرج أنه قرأ {حتى يبلغ الهدي محله} {هديا بالغ الكعبة} (المائدة الآية 95) بكسر الدال مثقلا). [الدر المنثور: 2/354]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}.
أخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي، وابن جرير والطبراني والبيهقي في "سننه" عن كعب بن عجرة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي فمر بي النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أيؤذيك هوام رأسك قلت: نعم، فأمرني أن أحلق قال: ونزلت هذه الآية {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو انسك مما تيسر.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ثم استثنى فقال {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}.
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان والبيهقي عن عبد الله بن مغفل قال: قعدت إلى كعب بن
[الدر المنثور: 2/355]
عجره فسألته عن هذه الآية {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فقال: نزلت في كان بي أذى من رأسي فحملت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ
بك هذا أما تجد شاة قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك، فنزلت في خاصة وهي لكم عامة.
وأخرج الترمذي، وابن جرير عن كعب بن عجرة قال لفي نزلت وإياي عنى بها {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} قال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية وهو عند الشجرة: أيؤذيك هوامك قلت: نعم، فنزلت.
وأخرج ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس قال لما نزلنا الحديبية جاء كعب بن عجرة ينتر هوام رأسه على وجهه فقال: يا رسول الله هذا القمل قد أكلني فأنزل الله في ذلك الموقف {فمن كان منكم مريضا} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النسك شاة والصيام ثلاثة أيام والطعام فرق بين ستة مساكين
[الدر المنثور: 2/356]
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فمن كان منكم مريضا} يعني من اشتد مرضه.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فمن كان منكم مريضا} يعني بالمرض أن يكون برأسه أذى أو قروح أو به أذى من رأسه، قال: الأذى هو القمل.
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما أذى من رأسه قال: القمل وغيره الصداع وما كان في رأسه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: النشك أن يذبح شاة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: أيؤذيك هوام رأسك قال: نعم، قال: فاحلقه وافتد إما صوم ثلاثة أيام وإما أن تطعم ستة مساكين أو نسك شاة.
وأخرج ابن جرير عن علي أنه سئل عن هذه الآية فقال: الصيام ثلاثة أيام والصدقة ثلاثة أصوع على ستة مساكين والنسك شاة
[الدر المنثور: 2/357]
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن (أو أو) فصاحبه مخير فإذا ان {فمن لم يجد} فهو الأول فالأول.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كل شيء في القرآن (أو أو) فهو خيار.
وأخرج الشافعي في الأم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: كل شيء في القرآن (أو أو) له أية شاء، قال ابن جريج: إلا قوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) (المائدة الآية 33) فليس بمخير فيها.
وأخرج الشافعي، وعبد بن حميد عن عطاء قال: كل شيء في القرآن (أو أو) يختار منه صاحبه ما شاء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة وابراهيم، مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد والضحاك، مثله
[الدر المنثور: 2/358]
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: التمتع الاعتمار في أشهر الحج.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن الزبير أنه خطب فقال: يا أيها الناس والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدو أو مرض أو كسر أو يحبسه أمر حتى يذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة فيتمتع تحلة إلى العام المقبل ثم يحج ويهدي هديا فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطاء قال: كان ابن الزبير يقول: إنما المتعة لمن أحصر وليست لمن خلي سبيله، وقال ابن عباس: وهي لمن أحصر وليست لمن خلي سبيله، وقال ابن عباس: وهي لمن أحصر ومن خليت سبيله.
وأخرج ابن جرير عن علي في قوله {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} قال: فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج فعليه الهدي.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عطاء قال: إنما سميت المتعة لأنهم
[الدر المنثور: 2/359]
كانوا يتمتعون بالنساء والثياب، وفي لفظ: يتمتع بأهله وثيابه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان أهل اجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا
عفا الوبر وتولى الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر، فأنزل الله التمتع بالعمرة تغييرا لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصا للناس.
وأخرج ابن المنذر عن أبي جمرة، أن رجلا قال لابن عباس: تمتعت بالعمرة إلى الحج ولي أربعون درهما فيها كذا وفيها كذا وفيها نفقة، فقال: صم.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي عن علي بن أبي طالب {فصيام ثلاثة أيام في الحج} قال: قبل التروية يوم ويوم التروية ويوم عرفة فإن فاتته صامهن أيام التشريق.
وأخرج وكيع وعبد الراق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عمر في قوله {فصيام ثلاثة أيام في الحج} قال: قبل التروية يوم ويوم التروية ويوم عرفة فإن فاته صيامها صامها أيام منى فإنهن من الحج
[الدر المنثور: 2/360]
وأخرج ابن أبي شيبة عن علقمة ومجاهد وسعيد بن جبير، مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: إذا لم يجد المتمتع بالعمرة هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة وإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وأخرج مالك والشافعي عن عائشة قالت: الصيام لمن يتمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فإن لم يصم صام أيام منى.
وأخرج مالك والشافعي عن ابن عمر، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري، وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمتمتع لم يجد هديا.
وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال رخص
[الدر المنثور: 2/361]
النبي صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها.
وأخرج الدارقطني عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر ومن لم يكن صام تلك الثلاثة أيام فليصم أيام التشريق أيام منى.
وأخرج مالك، وابن جرير عن الزهري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذاقة بن قيس فنادى في أيام التشريق فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدي.
وأخرج الدارقطني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذاقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع فينادوا أن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله فلا صوم فيهن إلا صوما في هدي.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: لا يجزئه صوم ثلاثة أيام وهو متمتع إلا أن يحرم
[الدر المنثور: 2/362]
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: لا يصوم متمتع إلا في العشر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي نجيح قال: قال مجاهد يصوم المتمتع إن شاء يوما من شوال وإن شاء يوما من ذي القعدة قال: وقال طاووس وعطاء: لا يصوم الثلاثة إلا في العشر، وقال مجاهد، لا بأس أن يصومهن في أشهر الحج.
وأخرج البخاري والبيهقي عن ابن عباس، أنه سئل عن متعة الحاج فقال أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية الترويه أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروه وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} إلى أمصاركم والشاة تجزى ء فجمعوا نسكين في
[الدر المنثور: 2/363]
عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} وأشهر الحج التي ذكر الله شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم والرفث الجماع والفسوق المعاصي والجدال المراء.
وأخرج مالك، وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عمر: من اعتمر في أشهر
الحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع ووجب عليه الهدي أو الصيام إن لم يجد هديا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: من اعتمر في شوال أو في ذي القعدة ثم قام حتى يحج فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ومن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمتمتع ذاك من أقام ولم يرجع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا اعتمروا في أشهر الحج ثم لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: قال عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن رجع فليس بمتمتع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: من اعتمر في أشهر الحج
[الدر المنثور: 2/364]
ثم أقام فهو متمتع فإن رجع فليس بمتمتع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ثم حج من عامه فليس بمتمتع ذاك من أقام ولم يرجع، وأخر الحاكم عن أبي أنه كان يقرؤها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن ابن عمر في قوله {وسبعة إذا رجعتم} قال: إلى أهليكم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة {وسبعة إذا رجعتم} قال: إذا رجعتم إلى أمصاركم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وسبعة إذا رجعتم} قال: إلى بلادكم حيث كانت.
وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد {وسبعة إذا رجعتم} قال: إنما هي رخصة إن شاء صامهن في الطريق وإن شاء صامها بعد ما رجع إلى أهله ولا يفرق بينهن
[الدر المنثور: 2/365]
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء والحسن {وسبعة إذا رجعتم} قال عطاء: في الطريق إن شاء، وقال الحسن: إذا رجع إلى مصره.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: إن أقام صامهن بمكة إن شاء.
وأخرج وكيع عن عطاء {وسبعة إذا رجعتم} قال: إذا قضيتم حجكم وإذا رجع إلى أهله أحب إلي.
وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، عن طاووس {وسبعة إذا رجعتم} قال: إن شاء فرق.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {تلك عشرة كاملة} قال: كاملة من الهدي.
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام
[الدر المنثور: 2/366]
في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكر ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسول الله ما شاء مما شاء وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وافصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت قلت: أهللت بإهلال النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: هل سقت من هدي قلت: لا، قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من
[الدر المنثور: 2/367]
قومي فمشطتني وغسلت رأسي فكنت
أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذا جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك قال: أن نأخذ بكتاب الله فإن الله قال {وأتموا الحج والعمرة لله} وأن نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي.
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وأحمد عن الحسن، أن عمر بن الخطاب هم أن ينهى عن متعة الحج فقام إليه أبي بن كعب فقال: ليس ذلك لك قد نزل بها كتاب الله واعتمرناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عمر.
وأخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة وكا علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة فقال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجل ولكنا كنا خائفين.
وأخرج إسحاق بن راهويه عثمان بن عفان أنه سئل عن المتعة في الحج
[الدر المنثور: 2/368]
فقال: كانت لنا ليست لكم.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأخرج مسلم عن أبي ذر قال: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن المسيب قال: اختلف علي وعثمان وهما بسعفان في المتعة فقال علي: ما تريد إلا أن تهنى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا.
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم، قال: وكان ناس كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي حج مبرور ومتعة متقبلة فأتيت ابن عباس فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد وعطاء، عن جابر قال: كثرت
[الدر المنثور: 2/369]
القالة من الناس فخرجنا حجاجا حتى إذا لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل أمرنا
بالإحلال فقلنا: أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منيا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال أبالله تعلموني أيها الناس فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا ولحللت كما أحلوا فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ومن وجد هديا فلينحر فكنا ننحر الجزور عن سبعة قال عطاء: قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنما فاصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه.
وأخرج مالك عن ابن عمر قال: لأن أعتمر قبل الحج وأهدى أحب إلي من أنا أعتمر بعد الحج في ذي الحجة). [الدر المنثور: 2/370]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
أخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عطاء في قوله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: ست قربات، عرفة وعرنة والرجيع والنخلتان ومر الظهران وضجنان، وقال مجاهد: هم أهل الحرم
[الدر المنثور: 2/370]
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {حاضري المسجد الحرام} قال: هم أهل الحرم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس قال: الحرم كله هو المسجد الحرام.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر، مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر والأزرقي عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن المسجد الحرام قال: هو الحرم أجمع.
وأخرج الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن المسجد الحرام قال: هو الحرم أجمع.
وأخرج الأزرقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزوة إلى المسعى إلى مخرج سيل جياد.
وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال: إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحزور إلى المسعى.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن الزهري قال: ليس لأحد حاضري
المسجد الحرام رخصة في الإحصار لأن الرجل إذا مرض حمل ووقف به بعرفة ويطاف به محمولا
[الدر المنثور: 2/371]
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عروة قال {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} عنى بذلك أهل مكة ليست لهم متعة وليس عليهم احصار لقربهم من المشعر.
وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من له المتعة فقال: قال الله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} فأما القرى الحاضرة المسجد الحرام التي لا تتمتع أهلها فالمطمئنة بمكة المطلة عليها نخلتان ومر الظهران وعرفة وضجنان والرجيع وأما القرى التي ليست بحاضرة المسجد الحرام التي يتمتع أهلها إن شاؤوا فالسفر والسفر ما يقصر إليه الصلاة عسفان وجدة ورهاط وأشباه ذلك.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: المتعة للناس إلا لأهل مكة هي لمن لم يكن أهله في الحرم وذلك قول الله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقول: يا أهل مكة إنه لا متعة لكم أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم إنما
[الدر المنثور: 2/372]
يقطع أحدكم واديا ثم يهل بعمرة {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عمر، أنه سئل عن امرأة صرورة أتعتمر في حجتها قال: نعم إن الله جعلها رخصة إن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: ليس على أهل مكة هدي في متعة ثم قرأ {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاووس قال: ليس على أهل مكة هدي في متعة ثم قرأ {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: ليس على أهل مكة متعة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: ليس لأهل مكة ولا من توطن مكة متعة.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاووس قال: المتعة للناس أجمعين إلا أهل مكة
[الدر المنثور: 2/373]
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: ليس على أهل مكة متعة ولا إحصار إنما يغشون حتى يقضوا حجهم). [الدر المنثور: 2/374]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأمّا قوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب}.
أخرج ابن أبي حاتم عن مطرف أنه تلا قوله تعالى {أن الله شديد العقاب} قال: لو يعلم الناس قدر عقوبة الله ونقمة الله وبأس الله ونكال الله لما رقأ لهم دمع وما قرت أعينهم بشيء). [الدر المنثور: 2/374]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 11:44 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({التّهلكة}: والهلاك، والهلك، والهلك واحد).[مجاز القرآن: 1/68]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}
قال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} , يقول: "إلى الهلكة", والباء زائدة نحو زيادتها في قوله: {تنبت بالدّهن}, وإنما هي: تنبت الدهن, قال الشاعر:
كثيراً بما يتركن في كلّ حفرةٍ = زفير القواضي نحبها وسعالها
يقول: "كثيراً يتركن" , وجعل الباء , و"ما" زائدتين).[معاني القرآن: 1/129]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({التهلكة}: الهلاك). [غريب القرآن وتفسيره: 88]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: ({وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}
أي: في الجهاد في سبيل اللّه، وكل ما أمر اللّه به من الخير , فهو من سبيل الله، أي: من الطريق إلى اللّه عزّ وجلّ؛ لأن السبيل في اللغة: الطريق، وإنما استعمل في الجهاد أكثر ؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين.
وقوله عزّ وجلّ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}
أصل بأيديكم:بأيديكم بكسر الياء, ولكن الكسرة لا تثبت في الياء إذا كان ما قبلها مكسوراً لثقل الكسرة في الياء.
{وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}
وقوله عزّ وجلّ: {إلى التّهلكة)}, معناه: إلى الهلاك، يقال: هلك الرجل يهلك , هلاكاً, وهلكا وتهلكة , وتهلكة.
وتهلكة اسم, ومعناه: إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي : عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوية عدوكم عليكم , واللّه أعلم.
وقوله عزّ وجلّ: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}
أي: أنفقوا في سبيل الله , فمن أنفق في سبيل اللّه , فمحسن).[معاني القرآن: 1/266]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله عز وجل: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}
أصح ما قيل في هذا: أن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس, لا تمسكوا النفقة في سبيل الله, فتهلكوا.
وحدثنا محمد بن جعفر الأنباري, قال: حدثنا عبد الله بن يحيى, قال: حدثنا عاصم, قال: حدثنا قيس بن الربيع, عن الأعمش, عن شقيق,
قال حذيفة :
التهلكة ترك النفقة .

وقال البراء, والنعمان بن بشير : هو الرجل يذنب الذنب , فيلقي بيده , ثم يقول: لا يغفر لي .
وقال عبيدة: هو الرجل يعمل الذنوب والكبائر , ثم يقول: ليس لي توبة , فيلقي بيديه إلى التهلكة .
وقال أبو قلابة : هو الرجل يصيب الذنب , فيقول: ليس لي توبة , فينهمك في الذنوب.
قال أبو جعفر : والقول الأول أولى ؛ لأن أبا أيوب الأنصاري يروي قال : نزلت فينا معاشر الأنصار لما أعز الله دينه , قلنا سراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت , فلو أقمنا فيها, وأصلحنا منها ما ضاع , فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به:{أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} , فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا, ونصلحها, فأمرنا بالغزو.,
قال أبو جعفر : فدل على وجوب الجهاد على المسلمين , وقيل أيض: اً معنى : وأحسنوا , وأنفقوا.
قال أبو إسحاق : وأحسنوا في أداء الفرائض .
وقال عكرمة : أي: أحسنوا الظن بالله.
وقال ابن زيد: عودوا على من ليس في يده شيء , والمعنى في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} على ما تقدم , أي: إن امتنعتم من النفقة في سبيل الله , عصيتم الله , فهلكتم , ويجوز أن يكون المعنى: قويتم عدوكم , فهلكتم).[معاني القرآن: 1/110-112]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({التَّهْلُكَــــةِ}: الهلاك، إلحاد الأموال).[العمدة في غريب القرآن: 88]

تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه...}
وفي قراءة عبد الله :{وأتمّوا الحجّ والعمرة إلى البيت لله}, فلو قرأ قارئ :{والعمرة لله}, فرفع العمرة ؛ لأن المعتمر إذا أتى البيت, فطاف به , وبين الصفا والمروة , حلّ من عمرته, والحج يأتي فيه عرفاتٍ , وجميع المناسك؛ وذلك قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} يقول: أتموا العمرة إلى البيت في الحج إلى أقصى مناسكه.
{فإن أحصرتم} العرب تقول للذي يمنعه من الوصول إلى إتمام حجّه , أو عمرته: خوف , أو مرض، وكل ما لم يكن مقهوراً كالحبس , والسّجن .
يقال للمريض: قد أحصر، وفي الحبس , والقهر: قد حصر, فهذا فرق بينهما, ولو نويت في قهر السلطان : أنها علّة مانعة, ولم تذهب إلى فعل الفاعل, جاز لك أن تقول: قد أحصر الرجل, ولو قلت في المرض وشبهه: إن المرض قد حصره , أو الخوف، جاز أن تقول: حصرتم, وقوله:{وسيّداًوحصوراً}, يقال: إنه المحصر عن النساء؛ لأنها علّة , وليس بمحبوس, فعلى هذا , فابن). [معاني القرآن: 1/117-118]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله:{فما استيسر من الهدي...}
"ما" في موضع رفع؛ لأن أكثر ما جاء من أشباهه في القرآن مرفوع, ولو نصبت على قولك: أهدوا ما استيسر, وتفسير الهدى في هذا الموضع بدنة , أو بقرة , أو شاة.
{فمن لم يجد} الهدى , صام ثلاثة أيامٍ , يكون آخرها: يوم عرفة، واليومان في العشر، فأمّا السبعة فيصومها إذا رجع في طريقه، وإن شاء إذا وصل إلى أهله , و"السبعة" فيها الخفض على الإتباع للثلاثة, وإن نصبتها , فجائز على فعل مجدّد؛ كما تقول في الكلام: لا بدّ من لقاء أخيك , وزيدٍ , وزيداً).[معاني القرآن: 1/118]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ذلك لمن لّم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} , يقول: ذلك لمن كان من الغرباء من غير أهل مكّة، فأمّا أهل مكة , فليس ذلك عليهم, و"ذلك" في موضع رففع, وعلى تصلح في موضع اللام؛ أي: ذلك على الغرباء). [معاني القرآن: 1/118]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({وأتمّوا الحجّ والعمرة لله}, والمعنى: أن العمرة ليست بمفترضة، وإنما نصبت على ما قبلها.
قال أبو عبيدة: وأخبرنا ابن عون , عن الشّعبي : أنه كان يقرأ {وأتمّوا الحجّ والعمرة لله} يرفع العمرة، ويقول: إنها ليست بمفترضة, ومن نصبها أيضاً جعلها غير مفترضة.
{فإن أحصرتم}: أي: إن قام بكم بعير، أو مرضتم، أو ذهبت نفقتكم، أوفاتكم الحجّ، فهذاكله محصر، والمحصور: الذي جعل في بيت، أو دار، أو سجنٍ.
{الهدي}, قال يونس: كان أبو عمرو يقول في واحد الهدى: هدية، تقديرها: جدية السرج، والجميع : الجدى مخفف, قال أبو عمرو: ولا أعلم حرفاً يشبهه.
{أو نسك} : النّسك أن ينسك، يذبح لله، فالذبيحة النسيكة.
{فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ}, العرب تؤكد الشيء , وقد فرغ منه , فتعيده بلفظ غيره تفهيماً , وتوكيدا). [مجاز القرآن: 1/68-70]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مّريضاً أو به أذًى مّن رّأسه ففديةٌ مّن صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لّم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ ذلك لمن لّم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب}
أما قوله: {فإن أحصرتم}, فلأنك تقول: "أحصرني بولي" , و"أحصرني مرضي" , أي: جعلني أحصر نفسي, وتقول: "حصرت الرجل" , أي: حبسته، فهو "محصور", وزعم يونس , عن أبي عمرو أنه يقول: "حصرته إذا منعتهه عن كلّ وجهٍ" , وإذا منعته من التقدم خاصة ,فقد "أحصرته"، ويقول بعض العرب في المرض , وما أشبهه من الإعياء , والكلال: "أحصرته".
وقال: {ففديةٌ مّن صيامٍ}, أي: فعليه فدية.
وقال: {فمن لّم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ} , فإنما قال: {عشرةٌ كاملةٌ}, وقد ذكر سبعة, وثلاثة , ليخبر أنها مجزية، وليس ليخبر عن عدتها، ألا ترى أن قوله: {كاملةٌ} إنما هي "وافية".
وقد ذكروا أنّه في حرف ابن مسعودٍ :{تسعٌ وتسعون نعجةً} أنثى , وذلك أن الكلام يؤكد بما يستغنى به عنه , كما قال: {فسجد الملائكة كلّهم أجمعون},وقد يستغنى بأحدهما، ولكن تكرير الكلام كأنه أوجب ألا ترى أنك تقول: "رأيت أخويك كليهما" ,. ولو قلت: "رأيت أخويك", أستغنيت , فتجيء بـ"كليهما" توكيداً, وقال بعضهم في قول ابن مسعود :{أنثى}, أنه إنما أراد "مؤنّثة" يصفها بذلك ؛ لأن ذلك قد يستحب من النساء.
وقال: {ذلك لمن لّم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}, وإذا وقفت قلت: {حاضري}؛ لأن الياء إنما ذهبت في الوصل لسكون اللام من "المسجد"، وكذلك {غير محلّي الصّيد}, وقوله: {عمّ يتساءلون} , و{فيم أنت من ذكراها}, وأشباه هذا مما ليس هو حرف إعراب, وحرف الإعراب الذي يقع عليه الرفع, والنصب, والجر , ونحو "هو" , و"هي"، فإذا وقفت عليه , فأنت فيه بالخيار, إن شئت ألحقت الهاء , وإن شئت لم تلحق, وقد قالت العرب في نون الجميع , ونون الاثنين في الوقف بالهاء , فقالوا: "هما رجلانه" , و"مسلمونه" , و"قد قمته" إذا أرادوا: "قد قمت",
وكذلك ما لم يكن حرف إعراب إلا أن بعضه أحسن من بعض، وهو في المفتوح أكثر, فأما "مررت بأحمر" , و"يعمر" , فلا يكون الوقف في هذا بالهاء ؛ لأن هذا قد ينصرف عن هذا الوجه, وكذلك ما لم يكن حرف إعراب , ثم كان يتغير عن حاله , فإنه لا تلحق فيه الهاء إذا سكت عليه, وأما قوله:
{إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} , فإذا وقفت قلت : "تبوء" ؛ لأنها "أن تفعل" , فإذا وقفت على "تفعل" لم تحرّك.

قال: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّءا} , إذا وقفت عليه, لأنه "أن تفعّلا" , وأنت تعني فعل الاثنين , فهكذا الوقف عليه , قال: {ولقد بوّأنا بني إسرائيل مبوّأ صدقٍ} , فإذا وقفت , قلت: "مبوّأ" , ولا تقول: "مبوّءا" ؛ لأنه مضاف، فإذا وقفت عليه لم يكن ألف. ولو أثبت فيه الألف , لقلت في وقف {غير محلّي الصّيد}: "محلين", ولكنه مثل "رأيت غلامي زيد" , فإذا وقفت قلت: "غلامي".
وقال: {فلمّا تراءى الجمعان}, فإذا وقفت قلت: "تراءى" , ولم تقل: "تراءيا" ؛ لأنك قد رفعت الجمعين بذا الفعل، ولو قلت: "تراءيا" كنت قد جئت باسم مرفوع بذا الفعل , وهو الألف , ويكون قولك: "الجمعان" ليس بكلام إلا على وجه آخر).[معاني القرآن: 1/130-131]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({وأتموا الحج والعمرة لله}: قالوا العمرة الزيارة والمعتمر الزائر
{فإن أحصرتم}: الإحصار كل ما حبس عن المضي للحج من مرض أو خوف أو غيره، والحصر الحبس، وفلان محصور، وفي الأول محصر.
{النسك}: الذبح لله والنسيكة الذبيحة). [غريب القرآن وتفسيره:88-89]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({فإن أحصرتم} من الإحصار, وهو أن يعرض للرجل ما يحول بينه , وبين الحج من مرض, أو كسر , أو عدو, يقال: أحصر الرجل إحصاراً فهو محصر, فإن حبس في سجن , أو دار , قيل: قد حصر , فهو محصور.
{فما استيسر من الهدي}, أي: فما تيسّر من الهدى وأمكن, والهدي: ما أهدي إلى البيت, وأصله هديّ مشدد فخفف, وقد قرئ:{حتّى يبلغ الهدي محلّه} بالتشديد, واحده: هديّة, ثم يخفف , فيقال: هدية.
{ولا تحلقوا رؤوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه}, هو من حلّ يحل، والمحلّ: الموضع الذي يحل به نحره.
{فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه}, أراد : فحلق, {ففديةٌ من صيامٍ}, فحذف: فحلق ؛ اختصاراً على ما بينت في «تأويل المشكل» .
{أو نسكٍ}, أي: ذبح, يقال: نسكت للّه، أي: ذبحت له).[تفسير غريب القرآن: 78]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب}
يجوز في العمرة:
1-النصب
2-والرفع:
والمعنى في النصب: أتموهما.

والمعنى في الرفع: وأتموا الحج، والعمرة لله، أي: هي مما تتقرّبون به إلى اللّه عزّ وجلّ, وليس بفرض.
وقيل أيضاً في قوله عزّ وجلّ: {وأتمّوا الحجّ والعمرة} غير قول: يروى عن علي , وابن مسعود - رحمة الله عليهما - أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك.
ويروى عن غيرهما , إنّه قال : إتمامهما أن تكون النفقة حلالًا, وينتهي عما نهى الله عنه.
وقال بعضهم: إن الحج والعمرة لهما مواقف , ومشاعر، كالطواف, والموقف بعرفة , وغير ذلك، فإتمامهما تأدية كل ما فيهما، وهذا بين.
ومعنى: اعتمر في اللغة , قيل فيه قولان: قال بعضهم:اعتمر : قصد.
قال الشاعر:
لقد سما ابن معمر حين اعتمر= مغزى بعيدا من بعيد وضبر
المعنى: حين قصد مغزى بعيداً, وقال بعضهم : معنى : اعتمر: زار من الزيارة.
ومعنى العمرة في العمل: الطواف بالبيت , والسعي بين الصفا والمروة فقط، والعمرة للإنسان في كل السنة، والحج وقته وقت واحد من السنة.
ومعنى اعتمر عندي في قصد البيت, أنه إنما خص بهذا - أعني بذكر اعتمر - ؛ لأنه قصد العمل في وضع عامر , لهذا قيل معتمر.
وقوله عزّ وجلّ: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}
الرواية عند أهل اللغة: أنه يقال للرجل الذي يمنعه الخوف , أو المرض من التصرف : قد احصر , فهو محصر, ويقال للرجل الذي حبس : قد حصر , فهو محصور.
وقال الفراء: لو قيل للذي حبس أحصر لجاز، كأنه يجعل حابسه بمنزلة المرض , والخوف الذيمنعه من التصرف، وألحق في هذا ما عليه أهل اللغة من أنه يقال للذي يمنعه الخوف , والمرض : أحصر , وللمحبوس حصر، وإنما كان ذلك هو الحق ؛ لأن الرجل إذا امتنع من التصرف , فقد حبس نفسه، فكأن المرض أحبسه , أي: جعله يحبس نفسه، وقوله : حصرت فلاناً, إنما هو حبسته، لا أنه حبس نفسه، ولا يجوز فيه أحصر.
وقوله عزّ وجلّ: {فما استيسر من الهدي}
موضع " ما " رفع المعنى , فواجب عليه ما استيسر من الهدي، وقد قيل في الهدى: الهدي, والهدي جمع هدية, وهدي، كقولهم في حذية السرج حذيّة وحذي, وقال بعضهم:ما استيسر : ما تيسر من الإبل , والبقر.
وقال بعضهم : بعير , أو بقرة , أو شاة , وهذا هو الأجود.
وقوله عزّ وجلّ: {ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محله}
قالوا في محله : من كان حاجاً, محله يوم النحر، ولمن كان معتمراً: يوم بدخل مكة.
وقوله عزّ وجلّ: {فمن كان منكم مريضاص أو به أذى من رأسه ففدية}أي: فعليه فدية، ولو نصب جاز في اللغة على إضمار , فليعط فدية , أو فليأت بفدية، وإنما عليه الفدية إذا حلق رأسه, وحل من إحرامه , وقوله :{أو نسك}, أي: أو نسيكة يذبحها، والنسيكة الذبيحة..
وقوله عزّ وجلّ: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي}أي: فعليه ما استيسر من الهدي، وموضع (ما) رفع , ويجوز أن يكون نصباً على إضمار : فليهد ما استيسر من الهدي.
وقوله عزّ وجلّ:{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم}معناه: فعليه صيام، والنصب جائز على : فليصم هذا الصيام، ولكن القراءة لا تجوز بما لم يقرأ به.
وقوله عزّ وجلّ: {تلك عشرة كاملة}
قيل فيها غير قول:
1- قال بعضهم: {كاملة}, أي: تكمل الثواب.

2- وقال بعضهم :{كاملة}في البدل من الهدي.
والذي في هذا - واللّه أعلم - أنه لما قيل :{فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم}: جاز أن يتوهم المتوهم أن الفرض ثلاثة أيام في الحج , أو سبعة في الرجوع , - فأعلم اللّه عزّ وجلّ - أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى المفروض عليكم : صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع.
وقوله عزّ وجلّ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}أي: هذا الفرض على من لم يكن من أهله بمكة , و{حاضري المسجد الحرام}, أصله: حاضرين المسجد الحرام , فسقطت النون للإضافة , وسقطت الياء في الوصل لسكونها , وسكون اللام في المسجد، وأما الوقف , فتقول فيه: متى اضطررت إلى أن تقف{حاضري}). [معاني القرآن: 1/267-269]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {وأتموا الحج والعمرة لله}
يروى عن عمر: أن إتمامهما ترك الفسخ؛لأن الفسخ كان جائزا ًفي أول الإسلام
وقال عبد الله بن سلمة: سألت عليا عن قوله تعالى:{وأتموا الحج والعمرة لله},ما إتمامهما ؟، قال:إن تحرم بهما من دويرة أهلك .
قال أبو جعفر :و ذهب إلى هذا جماعة من الكوفيين, وقال:وجعل الميقات حتى لا يتجاوز,فأما الأفضل فما قال علي.
وروى علقمة,عن عبد الله قال: لا يجاور بهما البيت .
وقال مجاهد,وإبراهيم : إتمامهما أن يفعل ما أمر به فيهما , وهذا كأنه إجماع؛لأن عليه أن يأتي المشاعر وما أمر به,وبذلك يتم حجه,فأما الإحرام من بلده,فلو كان من الإتمام
لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد قال الحسن:أحرم عمران بن الحصين من البلد الذي كان فيه , فأنكر ذلك عمر عليه,وقال: أيحرم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من داره ؟!.
وقيل: إتمامهما: أن تكون النفقة حلالاً.
وقال سفيان : إتمامهما: أن يحرم لهما قاصداً, لالتجارة
وقرأ الشعبي : والعمرة لله بالرفع , وقال العمرة: تطوع, والناس جميعاً يقرؤنها بالنصب,وفي المعنى قولان:
قال ابن عمر,والحسن,وسعيد بن جبير ,و طاووس,وعطاء,وابن سيرين : هي فريضة .
وقال جابر بن عبد الله ,و الشعبي:هي تطوع .
وليس يجب في قراءة من قرأ بالنصب أنها فرض ؛ لأنه ينبغي لمن دخل في عمل هو لله أن يتمه .
قيل: معنى الحج مأخوذ من قولهم حججت كذا ,
أي :تعرفت كذا , فالحاج يأتي مواضع بتعرفها .
قال الشاعر:
يحج مأمومة في قعرها لجف = فاست الطبيب قذاها كالمغاريد). [معاني القرآن: 1/112-115]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {فإن أحصرتم},يعنني:منعتم عن إتمامهما
وفي الإحصار قولان:
أحدهما: قاله ابن عمر : وهو مذهب أهل المدينة,قال:لا يكون إلا من عدو .
قال أبو جعفر : والقول الآخر قاله ابن مسعود , وهو قول أهل الكوفة : أنه من العدو , ومن المرض , وأن من أصابه من ذينك شيء , بعث بهدي , فإذا نحر حل ., وروى سعيد بن جبير , عن ابن عباس مثله .
وروى طاووس , عن ابن عباس مثل الأول , وتلا {فإذا آمنتم} , قال : فهل الأمن إلا من خوف؟
فقد صار في الآية إشكال ؛ لأن الإحصار عند جميع أهل اللغة: إنما هو من المرض الذي يحبس عن الشيء , فأما من العدو , فلا يقال فيه إلا حصر يقال : حصر حصراً, وفي الأول أحصر إحصاراً.
والقول في الآية على مذهب ابن عمر أنه يقال: وأقتلت الرجل , عرضته للقتل , وأقبره جعل له قبراً, وأحصرته على هذا عرضته للحصر كما يقال: أحبسته , أي: عرضته للحبس , وأحصر أي : أصيب بما كان مسببا للحصر , وهو فوت الحج.

وقد روي,عن عكرمة, عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(( من عرج , أو كسر, فقد حل , وعليه حجة أخرى )), قال : فحدثت بذا ابن عباس, وأبا هريرة, فقالا : صدق , وإنما روي هذا , عن عكرمة حجاج الصواف , وروى الجلة خلاف هذا .
روى سفيان , عن عمرو بن دينار , عن ابن عباس وابن طاووس , عن أبيه , عن ابن عباس : لا حصر إلا من عدو .
وروى أبو نجيح , عن عكرمة : أن المحصر يبعث بالهدي , فإذا بلغ الهدي محله حل , وعليه الحج من قابل).
[معاني القرآن: 1/116-118]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {فما استيسر من الهدي}
قال ابن عمر, وابن الزبير, وعائشة : من الإبل , والبقر خاصة , شيء دون شيء .
وروى جعفر , عن أبيه , عن علي رضوان الله عنه : فما استيسر من الهدي شاة.
وقال ابن عباس: يكون من الغنم , ويكون شركاً في دم , وهو مذهب سعد). [معاني القرآن: 1/118]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى:{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}
قال: قال مجاهد : يعني : يوم النحر.
وقال خالد بن أبي عمران , عن القاسم بن محمد: حتى ينحر .
وقال أكثر الكوفيين : ينحر عنه الهدي في أي يوم شاء في الحرم.
وقال الكسائي في قوله: {محله}, إنما كسرت الحاء ؛ لأنه من حل يحل , حيث يحل أمره , ولو أراد حيث يحل ؛ لكان محله , وإنما هو على الحلال). [معاني القرآن: 1/119]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه}
روى مجاهد , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , عن كعب بن عجرة : أنه لما كان مع الرسول , فآذاه القمل في رأسه , فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه , وقال: ((صم ثلاثة أيام , أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين مدان, أو انسك بشاة)) .
قال أبو جعفر : أي : ذلك فعلت , أجزأ عنك
وقال عطاء : هذا لمن كان به قمل, أو صداع , و ما أشبهما .
قال أبو جعفر : وفي الكلام حذف , والمعنى : فحلق , أو اكتحل , أو تداوى بشيء فيه طيب , فعليه فدية). [معاني القرآن: 1/120]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}
قال الربيع بن أنس : إذا أمن من خوفه , وبرأ من مرضه, أي: من خوف العدو , والمرض .
وقال علقمة: إذا برأ من مرضه).[معاني القرآن: 1/121]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}
التمتع عند الفقهاء المدنيين, والكوفيين: أن يعتمر الذي ليس أهله حاضري المسجد الحرام في أشهر الحج , ويحل من عمرته, ثم يحج في تلك السنة , ولم يرجع إلى أهله بين العمرة والحج , فقد تمتع من العمرة إلى الحج , أي : انتفع بما ينتفع به الحلال , والمتعة , والمتاع في اللغة الانتفاع, ومنه قوله تعالى: {ومتعوهن}
وقال أهل المدينة: وكذلك إذا اعتمر قبل أشهر الحج , ثم دخلت عليه أشهر الحج , ولم يحل , فحل في أشهر الحج , ثم حج.
وقال الكوفيون: إن كان طاف أكثر طواف العمرة قبل دخول أشهر الحج , فليس بتمتع , وإن كان قد بقي عليه الأكثر , فهو متمتع .
وقال طاووس: من اعتمر في السنة كلها في المحرم , فما سواه من الشهور , فأقام حتى يحج , فهو متمتع .
وروى ابن أبي طلحة , عن ابن عباس : {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}, يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج.
وروى عنه عطاء : العمرة لمن أحصر , ولمن خليت سبيله , أصابتهما هذه الآية .
وروى عنه سعيد بن جبير : على من أحصر الحج في العام القابل , فإن حج , فاعتمر في أشهر الحج, فإن عليه الفدية , فهذه الأقوال , عن ابن عباس متفقة , وأصحها ما رواه سعيد بن جبير ؛ لأن اتساق الكلام على مخاطبة من أحصر , وإن كان ممن لم يحصر , فتمتع , فحكمه هذا الحكم .
فعلى هذا يصح ما رواه عطاء عنه , وكذلك ما رواه علي بن أبي طلحة غير أن نص التأويل على المخاطبة لمن أحصر .
وقال عبد الله بن الزبير : ليس التمتع الذي يصنعه الناس اليوم , يتمتع أحدهم بالعمرة قبل الحج , ولكن الحاج إذا فاته الحج ,أو ضلت راحلته, أو كسر حتى يفوته الحج , فإنه يجعله عمرة , وعليه الحج من قابل , وعليه ما استيسر من الهدي,
فتأويل ابن الزبير: أنه لا يكون إلا لمن فاته الحج ؛ لأنه تعالى قال: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}, فوقع الخطاب لمن فاته الحج بالحصر .

وخالفه في هذا الأئمة منهم عمر بن الخطاب , وعلي بن أبي طالب, وسعد, فقالوا هذا للمحصرين , وغيرهم, ويدلك على أن حكم غير المحصر غي هذا كحكم المحصر قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}, فهذا للمحصر , وغيره سواء , وكذلك التمتع). [معاني القرآن: 1/121-124]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم}
قالت عائشة, وابن عمر : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج ممن لم يجد هديًا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة , ومن لم يصم , صام أيام منى .,
وكان ابن عمر يستحب أن يصوم قبل يوم التروية ويوم عرفة .

وقال الشعبي, وعطاء وطاووس, وإبراهيم : {فصيام ثلاثة أيام في الحج} : قبل يوم التروية يوماً, ويوم التروية, ويوم عرفة). [معاني القرآن: 1/124-125]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {وسبعة إذا رجعتم}
روى شعبة , عن محمد بن أبي النور , عن حيان السلمي قال: سألت ابن عمر عن قوله تعالى:{وسبعة إذا رجعتم}, قال: إذا رجعتم إلى أهليكم .
وروى سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال : إن شاء صامها في الطريق, إنما هي رخصة, وكذا قال عكرمة والحسن.
والتقدير عند بعض أهل اللغة: إذا رجعتم من الحج , أي: إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحل.
وقال عطاء: إذا رجعتم إلى أهليكم , وهذا كأنه إجماع). [معاني القرآن: 1/126]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال عز وجل: {تلك عشرة كاملة}
وقد علم أنها عشرة, وأحسن ما قيل في هذا: أنه لو لم يقل تلك عشرة كاملة , جاز أن يتوهم السامع أنه إنما عليه أن يصوم ثلاثة في الحج , أو سبعة إذا رجع ؛ لأنه لم يقل وسبعة أخرى
كما يقول أنا آخذ منك في سفرك درهماً, وإذا قدمت إلا اثنين , أي: لا آخذ إذا قدمت إلا اثنين .
وقال محمد بن يزيد: لو لم يقل تلك عشرة , جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيئا آخر , فقوله: {تلك عشرة} , بمنزلة قولك في العدد فذلك كذا وكذا
وأما معنى:{كاملة}, فروى هشيم فيه , عن عباد بن راشد, عن الحسن قال : كاملة من الهدي, أي: قد كملت في المعنى الذي جعلت له, فلم يجعل معها غيرها, وهي كاملة الأجر ككمال الهدي).[معاني القرآن: 1/126-127]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {ذلك لمن يكن أهله حاضري المسجد الحرام}
قال مجاهد : أهل الحرم.
وقال الحسن, وإبراهيم, والأعرج, ونافع: هم أهل مكة خاصة .
وقال عطاء, وقال مكحول: هم أهل المواقيت , ومن بعدهم إلى مكة .
قال أبو جعفر, وقول الحسن , ومن معه أولى ؛لأن الحاضر للشيء هو الذي معه ,وليس كذا أهل المواقيت , وأهل منى , وكلام العرب لأهل مكة أن يقولوا : هم أهل المسجد الحرام .
قال أبو جعفر: فتبين أن معنى {حاضري المسجد}: لأهل مكة , ومن يليهم ممن بينه و بين مكة ما لا تقصر فيه الصلاة ؛لأن
الحاضر للشيء: هو الشاهد له ولنفسه,وإنما يكون المسافر مسافراًلشخوصه إلى ما يقصر فيه,وإن لم يكن كذلك لم يستحق اسم غائب). [معاني القرآن: 1/127-128]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فإن أحصرتم}الإحصار: كل ما حبس من الحاج، من مرض, أو خوف، والحصر في السجن, والأول يقال فيه: أحصر , فهو محصر, والثاني يقال فيه: حصر , فهو محصور.
{الهدي}: ما أهدي إلى البيت، وأصله التشديد للياء).[تفسير المشكل من غريب القرآن: 38]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الْعُمْرَةَ}: الزيارة. {أُحْصِرْتُمْ}: حبستم. {النُسُك}: الذبح لله). [العمدة في غريب القرآن: 88]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الآخرة 1434هـ/11-04-2013م, 10:21 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) }
[لا يوجد]


تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) }

قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقد قالت العرب: ثلاثة وثلاث، وكلاهما مؤنثان لأنهما جمع، فلو احتجت إلى جمعه أن توقع على الثلاث أو الثلاثة عددا، فاجعل ذلك العدد واقعا بتأنيث كقولك: عندي من الرجال ثلاث ثلاثات، ومن النساء ثلاث ثلائت، ثم قس على هذا كل عدد أتاك). [المذكور والمؤنث: 109]
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (وقال في ذلك عنترة:


هَدِيَُكُم خير أبا من أبيكمأعـف وأوفـى بالجـوار وأحمـد

الهَدِيّ هاهنا الأسير والهَدي الجار والهدي العروس والهدي ما أهديت إلى بيت الله الحرام. أهل العالية يخففون الهَدْيّ إلى بيت الله عز وجل وأهل نجد يحركونه ويثقلونه). [نقائض جرير والفرزدق: 101]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! إن الأنصار قد فضلونا إنهم آوونا وأنهم فعلوا بنا وفعلوا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألستم تعرفون ذلك لهم؟))
قالوا: نعم.
قال: ((فإن ذلك)).
ليس في الحديث غير هذا.
قال: حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن يرفعه.
قوله: فإن ذاك، معناه والله أعلم: فإن معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة منكم لهم.
كحديثه الآخر: ((من أزلت عليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء حسنا)).
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن ذاك)) يريد هذا المعنى.
وهذا اختصار من كلام العرب يكتفى منه بالضمير لأنه قد
علم معناه وما أراد به القائل، وهو من أفصح كلامهم.
وقد بلغنا عن سفيان الثوري قال:
جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز من قريش يكلمه في حاجة له فجعل يمت بقرابته، فقال له عمر: فإن ذاك، ثم ذكر له حاجته، فقال له: لعل ذاك.
لم يزد على أن قال: فإن ذاك ولعل ذاك.
أي إن ذاك كما قلت، ولعل حاجتك أن تقضى.
وقال ابن قيس الرقيات:


بــكــرت عــلـــي عــواذلـــييـلـحـيـنـنـي وألــــــو مــهــنـــه
ويـقـلـن شـيــب قـــد عـــلاك وقد كبرت فقلت إنه

أي إنه قد كان كما تقلن.
والاختصار في كلام العرب كثير لا يحصى، وهو عندنا أعرب الكلام وأفصحه وأكثر ما وجدناه في القرآن.
من ذلك قوله سبحانه: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} إنما معناه والله أعلم فضربه: فانفلق.
ولم يقل: فضربه، لأنه حين قال: {أن اضرب بعصاك}، علم أنه قد ضربه.
ومنه قوله سبحانه: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام}.
ولم يقل: «فحلق ففدية من صيام».
اختصر واكتفي منه بقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم} وكذلك قوله: {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} ولم يخبر عنهم في هذا الموضع أنهم قالوا: إنه سحر،
ولكن لما قال: {أسحر هذا}، علم أنهم قد قالوا: إنه سحر.
وكذلك قوله: {وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة}.
يقال في التفسير: معناه أهذا أفضل أم من هو قانت فاكتفى بالمعرفة بالمعنى.
وهذا أكثر من أن يحاط به). [غريب الحديث: 2/123-129] (م)
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (ويقال قد أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها قال الله عز وجل: {فإن أحصرتم} وقد حصره العدو يحصرونه حصرا إذا ضيقوا عليه ومنه قوله: {أو جاءوكم حصرت صدورهم} أي ضاقت ومنه:

(جرداء يحصر دونها جرامها)
أي: تضيق صدورهم من طول هذه النخلة ومنه قيل للمحبس حصير أي يضيق به على المحبوس قال الله جل وعز: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} أي محبسا ومنه رجل حصور وحصير وهو الضيق الذي لا يخرج مع القوم ثمنا إذا اشتروا الشراب وقال الأخطل:


(وشارب مربح بالكأس نادمنيلا بالحصـور ولا فيـهـا بـسـوار)

أي: بمعربد). [إصلاح المنطق: 230]
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (ويقال أهديت الهدية أهديها إهداء فهي مهداة وأهديت الهدي إلى بيت الله هديا والهدي لغتان بالتشديد والتخفيف وقرأ بهما جميعا القراء {حتى يبلغ الهَدْيُ محله} و{الهَدِيُّ محلَّه} والواحدة هدية وهدية وهديته الطريق هداية وهديته إلى الدين وللدين هدى وهديت العروس إلى زوجها أهديها هداء فهي مهدية وهدي ويقال أهدأت الصبي أهدئه
إهداء إذا جعلت تضرب عليه بكفك وتسكنه لينام ويقال قد هدأت إذا سكنت). [إصلاح المنطق: 275-276]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فإذا أردت أن تجمع المذكر ألحقته اسماً من العدة فيه علامة التأنيث. وذلك نحو: ثلاثة أثواب، وأربعة رجال. فدخلت هذه الهاء على غير ما دخلت عليه في ضاربة وقائمة، ولكن كدخولها في علامة، ونسابة، ورجل ربعة، وغلام يفعة.
فإذا أوقعت العدة على مؤنث أوقعته بغير هاءٍ فقلت: ثلاث نسوة، وأربع جوار، وخمس بغلات. وكانت هذه الأسماء مؤنثة بالبنية، كتأنيث عقرب، وعناق، وشمس، وقدر.
وإن سميت رجلاً ب ثلاث التي تقع على عدة المؤنث لم تصرفه؛ لأنه اسم مؤنث بمنزلة عناق.
وإن سميته ب ثلاث من قولك: ثلاثة التي تقع على المذكر صرفته.
فكذلك يجري العدد في المؤنث والمذكر بين الثلاثة إلى العشرة في المذكر. وفيما بين الثلاث إلى العشر في المؤنث. قال الله عز وجل: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام} وقال: {في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين} وقال: {على أن تأجرني ثماني حججٍ فإن أتممت عشراً فمن عندك}؛ لأن الواحدة حجة. وقال: {فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ}.
فإذا كان في الشيء ما يقع لأدنى العدد أضفت هذه الأسماء إليه فقلت: ثلاثة أغلمة، وأربعة أحمرةٍ، وثلاثة أفلسٍ، وخمسة أعدادٍ.
فإن قلت: ثلاثة حميرٍ، وخمسة كلابٍ جاز ذلك. على أنك أردت: ثلاثة من الكلاب، وخمسة من الحمير؛ كما قال الله عز وجل: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ}.
و قال الشاعر:


قد جعلت ميٌّ على الظرارخمس بنانٍ قانىء الأظفار

يريد: خمساً من البنان). [المقتضب: 2/155-157]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وقال أبو العباس في قول الله عز وجل: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} قال: يكون من علة ويكون من عدو، ويكون من حبس. وأنشد:
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت = عليك، ولا أن أحصرتك شغول
ولا أن تكون النفس عنها نحيحة = بشيء ولا أن ترتضى ببديل). [مجالس ثعلب: 27]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (ويقال: هو هدىٌّ لبيت الله. وأهل الحجاز يخففون، وتميم تثقله.
وواحد الهدى هدية. وقد قرئ بالوجهين: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} و{الْهَدْيُ}. ويقال. فلانٌ هديُّ بني فلانٍ، وهدى بني فلانٍ، أي جارهم يحرم عليهم منه ما يحرم " من الهدى " . " وهديت العروس إلى زوجها " هداءً، ويقال: أهديتها بالألف. ويقال: قطر فلانٌ هدية أمره، أي جهة أمره. وما أحسن هدية، أي سمته وسكونه. وأتيته بعد هدءٍ من الليل، ساكن العين. وجاء حين هذأ الناس وحين هدأت الرجل، وحين هدأت العيون. وقد هدئ الرجل هدأ على فعل، إذا جني وأجنأته وأهدأته أنا. ويقال: هديت الضالة أهديها هداية، وهديت الرجل في الدين أهديه هدى. ويقال: .......... على تهديته، أي على حاله.ورجل مهداءٌ: كثير الهدايا، والمهدي مقصور: الطبق الذي يهدي عليه. وحكى الكسائي: هدايا وهداوي. قال أبو العبَّاس: وحكى أبو زيد أيضًا: هداوي). [مجالس ثعلب: 578-579]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (

ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهـمبالعيكتين لدى معدى ابن براق

روى أبو عمرو الشيباني: وأغروا بي كلابهم بالجلهتين، وروي بالعيثتين، وقوله: لدى معدى ابن براق، أي: حيث عدا، وروي: وأغروا بي خيارهم، وروي ليلة خبت الجو، وهذه كلها مواضع، ومعدى ابن براق حيث عدا، يقال: عدا الفرس، وأعديته، وجرى وأجريته، ولا يقال: ركض وأركضته، وإنما ركضه: ضربه الأرض بحوافره، وركضته ركلته بأعقابك في جنبيه، ومعدى موضع ومصدر وإذا كانت العين من يفعل مضمومة نحو: يقتل، ويحشر، فالعين من مفعل مفتوحة من مصدر، وموضع نحو مقتل، ومحشر إلا إحدى عشر حرفًا نوادر تحفظ حفظًا: من ذلك المشرق، والمغرب، والمسجد، والمنبت، والمجزر، والمفرق، والمسكن، والمطلع، والمنسك، والمسقط، والمثبر، وهو الموضع الذي تضع فيه الناقة ولدها، وكذلك المضاعف إن كان على يفعل، ويفعل المفعل منه مفتوح كقولك إنه لطيب المشم من شممت تشم، وأما المضموم فمثل قولك الممر والمكر من قولك مر يمر، وكر يكر، وإن كان من المضاعف، وكان على فعل يفعل إن كان اسمًا كسرت كما كنت فاعلًا في غير المضاعف، وقد مضى شرحه، وإن كان مصدرًا فتحت مثل قاع المضل، وما في ثوبه مصح، و{حتى يبلغ الهدي محله}، فهذه أسماء، وكذلك المدب والمدب، والمفر والمفر، وقول الله عز وجل: {أين المفر} فهو مصدر، وإن كان من ذوات الياء كان مصدره بالألف، واسمه بالياء مثل المعاب، والمعيب، والمسار والمسير، وإن كان من ذوات الواو كان بالألف مثل مقام ومنام). [شرح المفضليات: 7]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 07:08 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 07:08 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 07:09 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 07:09 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين (195) وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب (196)}
سبيل اللّه هنا الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله.
وقال أبو عبيدة وقوم: «الباء في قوله بأيديكم زائدة، التقدير تلقوا أيديكم».
وقال الجمهور: «ذلك ضرب مثل، تقول ألقى فلان بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب: «والله إن إلقاءنا بأيدينا إلى الموت لعجز».
وقال قوم: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول لا تفسد حالك برأيك، و «التهلكة» بضم اللام مصدر من هلك، وقرأ الخليل التّهلكة بكسر اللام، وهي تفعلة من «هلّك» بشد اللام.
وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: «لا إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا لما ظهر الإسلام أن يتركوا الجهاد ويعمروا أموالهم، وأما هذا فهو الذي قال الله فيه: {ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللّه} [البقرة: 207] ».
وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وجمهور الناس: «المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل ليس عندي ما أنفق».
وقال قوم: المعنى لا تقنطوا من التوبة.
وقال البراء بن عازب وعبيدة السلماني: «الآية في الرجل يقول قد بالغت في المعاصي فلا فائدة في التوبة فينهمك بعد ذلك»، وقال زيد بن أسلم: «المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق أو الكون عالة على الناس»، وقوله: {وأحسنوا}، قيل: معناه في أعمالكم بامتثال الطاعات، وروي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل: «المعنى وأحسنوا في الإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات»، قاله زيد بن أسلم.
وقال عكرمة: «المعنى وأحسنوا الظن بالله» ). [المحرر الوجيز: 1/ 468-469]

تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه}، قال ابن زيد والشعبي وغيرهما: «إتمامهما أن لا تفسخ وأن تتمهما إذا بدأت بهما».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك»، وفعله عمران بن حصين.
وقال سفيان الثوري: «إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويؤيد هذا قوله: للّه».
وقال قتادة والقاسم بن محمد: «إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم»، وهذا مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص، وهو قول مالك وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن كثرة الدم كمال وزيادة، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو أفضل، واحتجوا بأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أفضل الحج؟ فقال: «العج والثج»، ومالك ومن قال بقوله يراه ثج التطوع.
وقالت فرقة: إتمامهما أن تفرد كل واحدة من حجة وعمرة ولا تقرن، وهذا على أن الإفراد أفضل.
وقالت فرقة: القرآن أفضل، وذلك هو الإتمام عندهم.
وقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم: «إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء».
وفروض الحج: النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا والمروة عندنا خلافا لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن الماجشون، وأما أعمال العمرة فنية وإحرام، وطواف، وسعي.
واختلف في فرض العمرة فقال مالك رحمه الله: «هي سنة واجبة لا ينبغي أن تترك كالوتر»، وهي عنده مرة واحدة في العام، وهذا قول جمهور أصحابه، وحكى ابن المنذر في الإشراف عن أصحاب الرأي أنها عندهم غير واجبة، وحكى بعض القرويين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يوجبها كالحج، وبأنها سنة.
قال ابن مسعود وجمهور من العلماء، وأسند الطبري النص على ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق والشعبي وجماعة تابعين: «أنها واجبة كالفرض»، وقاله ابن الجهم من المالكيين.
وقال مسروق: «الحج والعمرة فرض، نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة»، وقرأ الشعبي وأبو حيوة «والعمرة لله» برفع العمرة على القطع والابتداء، وقرأ ابن أبي إسحاق «الحج» بكسر الحاء، وفي مصحف ابن مسعود «وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله»، وروي عنه: «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت»، وروي غير هذا مما هو كالتفسير.
وقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}، قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما: «الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو».
وقال ابن عباس وغيره «بعكس ذلك»، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس حصر بالمرض وأحصر بالعدو.
وقال الفراء: «هما بمعنى واحد في المرض والعدو».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «والصحيح أن حصر إنما هي فيما أحاط وجاور فقد يحصر العدو والماء ونحوه ولا يحصر المرض»، وأحصر معناه جعل الشيء ذا حصر كأقبر وأحمى وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون محصرا لا حاصرا، ألا ترى أن العدو كان محصرا في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهور الناس على أن المحصر بالعدو يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه.
وقال قتادة وإبراهيم: «يبعث بهديه إن أمكنه فإذا بلغ محله صار حلالا ولا قضاء عليه عند الجميع إلا أن يكون صرورة فعليه حجة الإسلام».
وقال ابن الماجشون: «ليست عليه حجة الإسلام وقد قضاها حين أحصر».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وهذا ضعيف لا وجه له».
وقال أشهب: «يهدي المحصر بعدو هديا من أجل الحصر».
وقال ابن القاسم: «لا يهدي شيئا إلا إن كان معه هدي فأراد نحره»، ذكره ابن أبي زيد.
وقال عطاء وغيره: «المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو».
وقال مالك وجمهور من العلماء: «المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق، وإن أقام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة، ثم تكون عليه حجة قضاء وفيها يكون الهدي»، وقيل: إن الهدي يجب في وقت الحصر أولا، ولم ير ابن عباس من أحصره المرض داخلا في هذه الآية، وقال: «إن المريض إن لم يكن معه هدي حل حيث حبس، وإن كان معه هدي لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم لا قضاء عليه، قال: وإنما قال الله: {فإذا أمنتم} والأمن إنما هو من العدو فليس المريض في الآية».
و «ما» في موضع رفع، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر، ويحتمل أن تكون في موضع نصب أي فانحروا أو فاهدوا، وفما استيسر عند جمهور أهل العلم: شاة.
وقال ابن عمر وعروة بن الزبير: {ما استيسر}«جمل دون جمل وبقرة دون بقرة».
وقال الحسن: «أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسّه شاة»، والهدي جمع هدية كجدية السرج وهي البراد جمعها جدى، ويحتمل أن يكون الهدي مصدرا سمي به كالرهن ونحوه فيقع للإفراد وللجمع.
وقال أبو عمرو بن العلاء: «لا أعرف لهذه اللفظة نظيرا».
وقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤسكم} الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أحصر بعدو حيث أحصر إذا لم يمكن إرساله، وأما المريض فإن كان له هدي فيرسله إلى محله.
والترتيب أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة، فإن نحر رجل قبل الرمي أو حلق قبل النحر فلا حرج حسب الحديث ولا دم.
وقال قوم: لا حرج في الحج ولكن يهرق دما.
وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا: «إذا حلق قبل أن ينحر فليهد، وإن حلق رجل قبل أن يرمي فعليه دم قولا واحدا في المذهب».
قال ابن المواز عن مالك: «ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي»، ولا دم في ذلك عند أبي حنيفة وجماعة معه.
وقرأ الزهري والأعرج وأبو حيوة «الهديّ» بكسر الدال وشد الياء في الموضعين واحدته هدية، ورويت هذه القراءة عن عاصم.
وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً} الآية، المعنى فحلق لإزالة الأذى ففديةٌ، وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين، ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يتناثر قملا، فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة، و «فدية» رفع على خبر الابتداء، والصيام عند مالك وعطاء ومجاهد وإبراهيم وغيرهم وجميع أصحاب مالك: ثلاثة أيام، والصدقة: ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدّان بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، والنسك: شاة بإجماع، ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل.
وقال الحسن بن أبي الحسن وعكرمة: «الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين».
وقرأ الزهري «أو نسك» بسكون السين.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد: «النسك شاة، فإن لم يجدها فقيمتها يشترى بها طعام فيطعم منه مدّان لكل مسكين، فإن لم يجد القيمة عرفها وعرف ما يشترى بها من الطعام وصام عن كل مدين يوما».
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ذلك كله حيث شاء»، وقاله إبراهيم وهو مذهب مالك وأصحابه إلا ابن الجهم، فإنه قال: «لا يكون النسك إلا بمكة».
وقال عطاء في بعض ما روي عنه وأصحاب الرأي: «النسك بمكة، والصيام والإطعام حيث شاء».
وقال الحسن بن أبي الحسن وطاوس وعطاء أيضا ومجاهد والشافعي: «النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء»، وكذلك قال مالك وغيره في كل ما في القرآن أو فإنه على التخيير.
وقوله تعالى: {فإذا أمنتم}، قال علقمة وعروة: «المعنى إذا برأتم من مرضكم». وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: «إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر»، وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه.
وقوله تعالى: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ} الآية، قال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم: «الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم»، وصورة المتمتع عند ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء، وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه.
وقال ابن عباس وجماعة من العلماء: «الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله»، وصورة المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط: أن يكون معتمرا في أشهر الحج، وهو من غير حاضري المسجد الحرام، ويحل وينشىء الحج من عامه ذلك دون رجوع إلى وطنه أو ما ساواه بعدا. هذا قول مالك وأصحابه، واختلف لم سمي متمتعا، فقال ابن القاسم: «لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج»، وقال غيره: سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفرة وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:«هذه شدة على القادم مكة من سائر الأقطار لما أسقط سفرا»، والمكي لا يقتضي حاله سفرا في عمرة ولا حج لأنه في بقعة الحج فلم يلزم شيئا لأنه لم يسقط شيئا، ومن قال إن اسم التمتع وحكمه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك فيرد عليه أنه يستغرق قوله: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ المكي وغيره على السواء في القياس، فكيف يشتد مع ذلك على الغريب الذي هو أعذر ويلزم هديا، ولا يفعل ذلك بالمكي، فيترجح بهذا النظر أن التمتع إنما هو من أجل إسقاط أحد السفرين، إلا أن أبا عبيد قال في كتاب الناسخ والمنسوخ له: «إن العمرة في أشهر الحج ممنوعة للمكي لا تجوز له، ورخص الله تعالى للقادم لطول بقائه محرما وقرن الرخصة بالهدي».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «فهذه شدة على أهل مكة»، وبهذا النظر يحسن أن يكون التمتع من جهة استباحة ما لا يجوز للمحرم، لكنه قول شاذ لا يعول عليه، وجل الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي ولا دم عليه، وذكر أبو عبيد القولين عن ابن عمر واستند إليه في الذي وافقه، وقد حكاه الطبري عن ابن عباس وقال: «إنه قال يا أهل مكة لا متعة لكم، إن الله قد أحلها لأهل الآفاق وحرمها عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا ثم يحرم بعمرة».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «فمعنى هذا أنهم متى أحرموا داموا إلى الحج»، وقال السدي: «المتمتع هو الذي يفسخ الحج في العمرة»، وذلك لا يجوز عند مالك، وفي صحيح مسلم حديث سراقة بن مالك قال: قلت يا رسول الله: فسخ الحج في العمرة ألنا خاصة أم للأبد؟ فقال: «بل لأبد أبد، بل لأبد أبد».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وإنما شرط في التمتع أن يحل في أشهر الحج لأنها مدة يملكها الحج فمن كان فيها محرما فحقه أن يصل الإحرام إلى الحج»، وفي كتاب مسلم إيعاب الأحاديث في هذا المعنى، ومذهب عمر وقول أبي ذر إن متعة النساء ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال طاوس: «من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه فهو متمتع».
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري «من اعتمر بعد يوم النحر في بقية العام فهو متمتع»، وهذان قولان شاذان لم يوافقهما أحد من العلماء، وتقدم القول فيما استيسر من الهدي.
قوله: {لم يجد} إما بعدم المال وإما بعدم الحيوان، وفي الحجّ قال عكرمة وعطاء: «له أن يصومها في أشهر الحج وإن كان لم يحرم بالحج».
وقال ابن عباس ومالك بن أنس: «له أن يصومها منذ يحرم بالحج».
وقال عطاء أيضا ومجاهد: «لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة».
وقال ابن عمر والحسن والحكم: «يصوم يوما قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة»، وكلهم يقول: «لا يجوز تأخيرها عن عشر ذي الحجة لأن بانقضائه ينقضي الحج».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عمر ومالك بن أنس وجماعة من أهل العلم: «من فاته صيامها قبل يوم النحر فله صيامها في أيام التشريق، لأنها من أيام الحج».
وقال قوم: له ابتداء تأخيرها إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بأن لا يجد يوم النحر.
وقوله تعالى: {وسبعةٍ إذا رجعتم} قال مجاهد وعطاء وإبراهيم: «المعنى إذا رجعتم من منى فمن بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق».
وقال قتادة والربيع: «هذه رخصة من الله تعالى، والمعنى إذا رجعتم إلى أوطانكم فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدد أحدكما يفعل من يصوم في السفر في رمضان»، وقرأ زيد بن علي «وسبعة» بالنصب، أي وصوموا سبعة، ولما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع أزيل ذلك بالجملة من قوله تعالى: {تلك عشرةٌ كاملةٌ} قال الحسن بن أبي الحسن: «المعنى كاملة في الثواب كمن أهدى»، وقيل كاملة في الثواب كمن لم يتمتع، وهذا على أن الحج الذي لم تكثر فيه الدماء أخلص وأفضل خلافا لأبي حنيفة، وقيل: كاملةٌ توكيد كما تقول كتبت بيدي، وكقوله تعالى: {فخرّ عليهم السّقف من فوقهم} [النحل: 6]، وقيل: لفظها الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها.
وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن علي بن أحمد: «المعنى تلك كاملة، وكرر الموصوف تأكيدا كما تقول زيد رجل عاقل».
وقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله} الآية، الإشارة إلى التمتع وهديه وحكمه، وهذا على قول من يرى أن المكي لا تجوز له المتعة في أشهر الحج، فكان الكلام ذلك الترخيص، ويتأيد هذا بقوله لمن، لأن اللام أبدا إنما تجيء مع الرخص، تقول لك إن تفعل كذا، وأما مع الشدة فالوجه أن تقول عليك، وأما من يرى أن المكي يعتمر ولا دم عليه لأنه لم يسقط سفرا فالإشارة بذلك- على قوله- هي إلى الهدي، أي ذلك الاشتداد والإلزام.
واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها، وقال الطبري: «بعد الإجماع على أهل الحرم»، وليس كما قال: فقال بعض العلماء: من كان حيث تجب الجمعة عليه بمكة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة»، وقال بعضهم: من كان بحيث لا تقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي شاهد، ومن كان أبعد من ذلك فهو غائب، وقال عطاء بن أبي رباح: «مكة وضجنان وذو طوى وما أشبهها حاضر والمسجد الحرام».
وقال ابن عباس ومجاهد: «أهل الحرم كله حاضر والمسجد الحرام»، وقال مكحول وعطاء: «من كان دون المواقيت من كل جهة حاضر والمسجد الحرام».
وقال الزهري: «من كان على يوم أو يومين فهو من حاضري المسجد الحرام»، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذر من شديد عقابه).[المحرر الوجيز: 1/ 470-480]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 07:09 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30 جمادى الأولى 1435هـ/31-03-2014م, 07:09 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين (195)}
قال البخاريّ: حدّثنا إسحاق، أخبرنا النّضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائلٍ، عن حذيفة: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: «نزلت في النّفقة».
ورواه ابن أبي حاتمٍ، عن الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، عن أبي معاوية عن الأعمش، به مثله. قال: وروي عن ابن عبّاسٍ، ومجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، وعطاءٍ، والضّحّاك، والحسن، وقتادة، والسّدّيّ، ومقاتل بن حيّان، نحو ذلك.
وقال اللّيث بن سعدٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبي عمران قال: «حمل رجلٌ من المهاجرين بالقسطنطينيّة على صفّ العدوّ حتّى خرقه، ومعنا أبو أيّوب الأنصاريّ، فقال ناسٌ: ألقى بيده إلى التّهلكة. فقال أبو أيّوب: «نحن أعلم بهذه الآية إنّما نزلت فينا، صحبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلمّا فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيا، فقلنا: قد أكرمنا اللّه بصحبة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونصره، حتّى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنّا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما. فنزل فينا: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} فكانت التّهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد».
رواه أبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتمٍ، وابن جريرٍ وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلّهم من حديث يزيد بن أبي حبيبٍ، به.
وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وقال الحاكم: على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: «كنّا بالقسطنطينيّة -وعلى أهل مصر عقبة بن عامر؛ وعلى أهل الشام رجل، يريد بن فضالة بن عبيد -فخرج من المدينة صف عظيمٌ من الرّوم، فصففنا لهم فحمل رجلٌ من المسلمين على الرّوم حتّى دخل فيهم: ثمّ خرج إلينا فصاح النّاس إليه فقالوا: سبحان اللّه، ألقى بيده إلى التّهلكة. فقال أبو أيّوب: يا أيّها النّاس، إنّكم لتتأوّلون هذه الآية على غير التّأويل، وإنّما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنّا لمّا أعزّ اللّه دينه، وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها. فأنزل اللّه هذه الآية».
وقال أبو بكر بن عيّاشٍ، عن أبي إسحاق السّبيعي قال: قال رجلٌ للبراء بن عازبٍ: «إن حملت على العدوّ وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التّهلكة؟ قال: لا قال اللّه لرسوله: {فقاتل في سبيل اللّه لا تكلّف إلا نفسك} [النّساء: 84]، إنّما هذا في النّفقة». رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، به. وقال: صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه. ورواه الثّوريّ، وقيس بن الرّبيع، عن أبي إسحاق، عن البراء -فذكره. وقال بعد قوله: {لا تكلّف إلا نفسك} ولكنّ التّهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التّهلكة ولا يتوب.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو صالحٍ -كاتب اللّيث -حدّثني اللّيث، حدّثنا عبد الرّحمن بن خالد بن مسافرٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ: أنّ عبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره: «أنّهم حاصروا دمشق، فانطلق رجلٌ من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدوّ وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرٌو فردّه، وقال عمرٌو: قال الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}».
وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} «ليس ذلك في القتال، إنّما هو في النّفقة أن تمسك بيدك عن النّفقة في سبيل اللّه. ولا تلق بيدك إلى التّهلكة».
وقال حمّاد بن سلمة، عن داود، عن الشّعبيّ، عن الضّحّاك بن أبي جبيرة قال: «كانت الأنصار يتصدّقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النّفقة في سبيل اللّه فنزلت: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة}».
وقال الحسن البصريّ: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: «هو البخل».
وقال سماك بن حربٍ، عن النّعمان بن بشيرٍ في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} «أن يذنب الرّجل الذّنب، فيقول: لا يغفر لي، فأنزل اللّه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}»رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن عبيدة السّلمانيّ، والحسن، وابن سيرين، وأبي قلابة -نحو ذلك. يعني: نحو قول النّعمان بن بشيرٍ: «إنّها في الرّجل يذنب الذّنب فيعتقد أنّه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التّهلكة، أي: يستكثر من الذّنوب فيهلك». ولهذا روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: «التّهلكة: عذاب اللّه».
وقال ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ جميعًا: حدّثنا يونس، حدّثنا ابن وهبٍ، أخبرني أبو صخرٍ، عن القرظي: أنّه كان يقول في هذه الآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} قال: «كان القوم في سبيل اللّه، فيتزوّد الرّجل. فكان أفضل زادًا من الآخر، أنفق البائس من زاده، حتّى لا يبقى من زاده شيءٌ، أحبّ أن يواسي صاحبه، فأنزل اللّه: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} ».
وقال ابن وهبٍ أيضًا: أخبرني عبد اللّه بن عيّاشٍ عن زيد بن أسلم في قول الله: {وأنفقوا في سبيل اللّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التّهلكة} «وذلك أنّ رجالًا كانوا يخرجون في بعوثٍ يبعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، بغير نفقةٍ، فإمّا يقطع بهم، وإمّا كانوا عيالًا فأمرهم اللّه أن يستنفقوا ممّا رزقهم اللّه، ولا يلقوا بأيديهم إلى التّهلكة»، والتّهلكة أن يهلك رجالٌ من الجوع أو العطش أو من المشي. وقال لمن بيده فضلٌ: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}
ومضمون الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل اللّه في سائر وجوه القربات ووجوه الطّاعات، وخاصّةً صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنّه هلاكٌ ودمارٌ إن لزمه واعتاده. ثمّ عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطّاعة، فقال: {وأحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين}). [تفسير ابن كثير: 1/ 528-530]

تفسير قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتّقوا اللّه واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب (196)}
لمّا ذكر تعالى أحكام الصّيام وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحجّ والعمرة، وظاهر السّياق إكمال أفعالهما بعد الشّروع فيهما ؛ ولهذا قال بعده: {فإن أحصرتم} أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما. ولهذا اتّفق العلماء على أنّ الشّروع في الحجّ والعمرة ملزمٌ، سواءٌ قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء. وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا "الأحكام" مستقصًى وللّه الحمد والمنّة.
وقال شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد اللّه بن سلمة، عن عليٍّ: أنّه قال في هذه الآية: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: «أن تحرم من دويرة أهلك».
وكذا قال ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وطاوسٌ. وعن سفيان الثّوريّ أنّه قال في هذه الآية: «إتمامهما أن تحرم من أهلك، لا تريد إلّا الحجّ والعمرة، وتهلّ من الميقات ليس أن تخرج لتجارةٍ ولا لحاجةٍ، حتّى إذا كنت قريبًا من مكّة» قلت: «لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكنّ التّمام أن تخرج له، ولا تخرج لغيره».
وقال مكحولٌ: «إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات».
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمر عن الزّهريّ قال: بلغنا أنّ عمر قال في قول اللّه: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: «من تمامهما أن تفرد كلّ واحدٍ منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحجّ؛ إنّ اللّه تعالى يقول: {الحجّ أشهرٌ معلوماتٌ}».
وقال هشيم عن ابن عونٍ قال: سمعت القاسم بن محمّدٍ يقول: «إن العمرة في أشهر الحجّ ليست بتامّةٍ» فقيل له: «العمرة في المحرّم؟» قال: «كانوا يرونها تامّةً». وكذا روي عن قتادة بن دعامة، رحمهما اللّه.
وهذا القول فيه نظرٌ؛ لأنّه قد ثبت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اعتمر أربع عمرٍ كلّها في ذي القعدة: عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبعٍ، وعمرة الجعرّانة في ذي القعدة سنة ثمانٍ، وعمرته التي مع حجّته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشرٍ، ولا اعتمر قطّ في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأمّ هانئٍّ «عمرة في رمضان تعدل حجّةً معي». وما ذاك إلّا لأنّها كانت قد عزمت على الحجّ معه، عليه السّلام، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطّهر، كما هو مبسوطٌ في الحديث عند البخاريّ، ونصّ سعيد بن جبيرٍ على أنّه من خصائصها، واللّه أعلم.
وقال السّدّيّ في قوله: «{وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} أي: أقيموا الحجّ والعمرة». وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} يقول: «من أحرم بالحجّ أو بالعمرة فليس له أن يحلّ حتّى يتمّهما، تمام الحجّ يوم النّحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف بالبيت، وبالصّفا، والمروة، فقد حلّ».
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: «الحجّ عرفة، والعمرة الطّواف». وكذا روى الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة في قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} قال: «هي في قراءة عبد الله: "وأقيموا الحجّ والعمرة إلى البيت" لا تجاوز بالعمرة البيت». قال إبراهيم: «فذكرت ذلك لسعيد ابن جبيرٍ، فقال: كذلك قال ابن عبّاسٍ».
وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنّه قال: «"وأقيموا الحجّ والعمرة إلى البيت"»وكذا روى الثّوريّ أيضًا عن إبراهيم، عن منصورٍ، عن إبراهيم أنّه قرأ: "وأقيموا الحجّ والعمرة إلى البيت".
وقرأ الشّعبيّ: "وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه" برفع العمرة، وقال: ليست بواجبةٍ. وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرةٌ من طرقٍ متعدّدةٍ، عن أنسٍ وجماعةٍ من الصّحابة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جمع في إحرامه بحجٍّ وعمرةٍ، وثبت عنه في الصّحيح أنّه قال لأصحابه:«من كان معه هدي فليهلّ بحجٍّ وعمرةٍ».
وقال في الصّحيح أيضًا: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة».
وقد روى الإمام أبو محمّد بن أبي حاتمٍ في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال: حدّثنا عليّ بن الحسين، حدّثنا أبو عبد اللّه الهرويّ، حدّثنا غسّان الهرويّ، حدّثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاءٍ، عن صفوان بن أميّة أنّه قال: «جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم متضمّخٌ بالزّعفران، عليه جبّةٌ، فقال: كيف تأمرني يا رسول اللّه في عمرتي؟ قال: فأنزل اللّه: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أين السّائل عن العمرة؟» فقال: ها أنا ذا. فقال له: «ألق عنك ثيابك، ثمّ اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثمّ ما كنت صانعًا في حجّك فاصنعه في عمرتك» هذا حديثٌ غريبٌ وسياقٌ عجيبٌ، والذي ورد في الصّحيحين، عن يعلى بن أميّة في قصّة الرّجل الذي سأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بالجعرّانة فقال: «كيف ترى في رجلٍ أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق؟ فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ جاءه الوحي، ثمّ رفع رأسه فقال: «أين السّائل؟» فقال: ها أنا ذا، فقال: «أمّا الجبّة فانزعها، وأمّا الطّيب الذي بك فاغسله، ثمّ ما كنت صانعًا في حجّك فاصنعه في عمرتك». ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق ولا ذكر نزول الآية، وهو عن يعلى بن أميّة، لا عن صفوان بن أميّة، واللّه أعلم.
وقوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ستٍّ، أي عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين الوصول إلى البيت، وأنزل اللّه في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصةً: أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنةً، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السّلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحلّلوا. فلم يفعلوا انتظارًا للنّسخ حتّى خرج فحلق رأسه، ففعل النّاس وكان منهم من قصّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «رحم اللّه المحلّقين». قالوا: والمقصّرين يا رسول اللّه؟ فقال في الثّالثة: «والمقصّرين». وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك، كلّ سبعةٍ في بدنة، وكانوا ألفًا وأربعمائةٍ، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فاللّه أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختصّ الحصر بالعدوّ، فلا يتحلّل إلّا من حصره عدو، لا مرضٌ ولا غيره؟ على قولين:
فقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابن عبّاسٍ، وابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، وابن أبي نجيح ومجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال: «لا حصر إلّا حصر العدوّ، فأمّا من أصابه مرضٌ أو وجعٌ أو ضلالٌ فليس عليه شيءٌ، إنّما قال اللّه تعالى: {فإذا أمنتم} فليس الأمن حصرًا».
قال: وروي عن ابن عمر، وطاوسٍ، والزّهريّ، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
والقول الثّاني: أنّ الحصر أعمّ من أن يكون بعدوّ أو مرضٍ أو ضلالٍ -وهو التّوهان عن الطّريق أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، حدّثنا حجّاج بن الصوّاف، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عكرمة، عن الحجّاج بن عمرٍو الأنصاريّ، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «من كسر أو عرج فقد حلّ، وعليه حجّةٌ أخرى». قال: فذكرت ذلك لابن عبّاسٍ وأبي هريرة فقالا صدق.
وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثيرٍ، به. وفي روايةٍ لأبي داود وابن ماجه: «من عرج أو كسر أو مرض -فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتمٍ، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عليّة، عن الحجّاج بن أبي عثمان الصّوّاف، به. ثمّ قال: وروي عن ابن مسعودٍ، وابن الزّبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، ومجاهدٍ، والنّخعيّ، وعطاءٍ، ومقاتل بن حيّان، أنّهم قالوا: «الإحصار من عدوٍّ، أو مرضٍ، أو كسرٍ».
وقال الثّوريّ: «الإحصار من كلّ شيءٍ آذاه». وثبت في الصّحيحين عن عائشة: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطّلب، فقالت: يا رسول اللّه، إنّي أريد الحجّ وأنا شاكيةٌ. فقال: «حجّي واشترطي: أنّ محلّي حيث حبستني». ورواه مسلمٌ عن ابن عبّاسٍ بمثله. فذهب من ذهب من العلماء إلى صحّة الاشتراط في الحجّ لهذا الحديث. وقد علّق الإمام محمد بن إدريس الشّافعيّ القول بصحّة هذا المذهب على صحّة هذا الحديث. قال البيهقيّ وغيره من الحفّاظ: فقد صحّ، وللّه الحمد.
وقوله: {فما استيسر من الهدي} قال الإمام مالكٌ، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن علي ابن أبي طالبٍ أنّه كان يقول: «{فما استيسر من الهدي} شاةٌ». وقال ابن عبّاسٍ: «الهدي من الأزواج الثّمانية: من الإبل والبقر والمعز والضّأن».
وقال الثّوريّ، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فما استيسر من الهدي} قال: «شاةٌ». وكذا قال عطاءٌ، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، وأبو العالية، ومحمّد بن عليّ بن الحسين، وعبد الرّحمن بن القاسم، والشّعبيّ، والنّخعيّ، والحسن، وقتادة، والضّحّاك، ومقاتل بن حيّان، وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمّة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر: «أنّهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلّا من الإبل والبقر».
قال: وروي عن سالمٍ، والقاسم، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن جبيرٍ -نحو ذلك.
قلت: والظّاهر أنّ مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضيّة الحديبية، فإنّه لم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه ذبح في تحللّه ذاك شاةً، وإنّما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصّحيحين عن جابرٍ قال: «أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن نشترك في الإبل والبقر كلّ سبعةٍ منّا في بقرةٍ».
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فما استيسر من الهدي} قال: «بقدر يسارته».
وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: «إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلّا فمن البقر، وإلّا فمن الغنم». وقال هشام بن عروة، عن أبيه: {فما استيسر من الهدي} قال: «إنّما ذلك فيما بين الرّخص والغلاء».
والدّليل على صحّة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشّاة في الإحصار: أنّ اللّه أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسّر ممّا يسمّى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عمّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم. وقد ثبت في الصّحيحين عن عائشة أمّ المؤمنين، رضي اللّه عنها، قالت: «أهدى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرة غنمًا».
وقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه} معطوفٌ على قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} وليس معطوفًا على قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} كما زعمه ابن جريرٍ، رحمه اللّه؛ لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه عام الحديبية لمّا حصرهم كفّار قريشٍ عن الدّخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأمّا في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق {حتّى يبلغ الهدي محلّه} ويفرغ النّاسك من أفعال الحجّ والعمرة، إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردًا أو متمتّعًا، كما ثبت في الصّحيحين عن حفصة أنّها قالت: «يا رسول اللّه، ما شأن النّاس حلّوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟» فقال: «إنّي لبّدت رأسي وقلّدت هديي، فلا أحلّ حتّى أنحر».
وقوله: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال البخاريّ: حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، عن عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ: سمعت عبد اللّه بن معقل، قال: فعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة -فسألته عن {ففديةٌ من صيامٍ} فقال: حملت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي. فقال: «ما كنت أرى أنّ الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاةً؟» قلت: لا. قال: «صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ من طعامٍ، واحلق رأسك». فنزلت فيّ خاصّةً، وهي لكم عامّةً.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل، حدّثنا أيّوب، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى عليّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أوقد تحت قدرٍ، والقمل يتناثر على وجهي -أو قال: حاجبي -فقال: «يؤذيك هوامّ رأسك؟ ». قلت: نعم. قال: «فاحلقه، وصم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين، أو انسك نسيكةً». قال أيّوب: لا أدري بأيّتهنّ بدأ.
وقال أحمد أيضًا: حدّثنا هشيم، أخبرنا أبو بشرٍ عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالحديبية، ونحن محرمون وقد حصره المشركون وكانت لي وفرة، فجعلت الهوامّ تساقط على وجهي، فمرّ بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «أيؤذيك هوامّ رأسك؟» فأمره أن يحلق. قال: ونزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ}.
وكذا رواه عفّان، عن شعبة، عن أبي بشرٍ، وهو جعفر بن إياسٍ، به. وعن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، به. وعن شعبة، عن داود، عن الشّعبيّ، عن كعب بن عجرة، نحوه.
ورواه الإمام مالكٌ عن حميد بن قيسٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب ابن عجرة -فذكر نحوه.
وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: «فذبحت شاةً». رواه ابن مردويه. وروي أيضًا من حديث عمر بن قيسٍ، سندلٌ -وهو ضعيفٌ -عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «النّسك شاةٌ، والصّيام ثلاثة أيّام، والطّعام فرق، بين ستّةٍ».
وكذا روي عن عليٍّ، ومحمّد بن كعبٍ، وعكرمة وإبراهيم النّخعيّ ومجاهدٍ، وعطاءٍ، والسّدّيّ، والرّبيع بن أنسٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد اللّه بن وهبٍ: أنّ مالك بن أنسٍ حدّثه عن عبد الكريم بن مالكٍ الجزري، عن مجاهدٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن كعب ابن عجرة: أنّه كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحلق رأسه، وقال: «صم ثلاثة أيّامٍ، أو أطعم ستّة مساكين، مدّين مدّين لكلّ إنسانٍ، أو انسك شاةً، أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك».
وهكذا روى ليث بن أبي سليمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: «إذا كان "أو" فأيّه أخذت أجزأ عنك».
قال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن مجاهدٍ، وعكرمة، وعطاءٍ، وطاوسٍ، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضّحّاك، نحو ذلك.
قلت: وهو مذهب الأئمّة الأربعة وعامّة العلماء أنّه يخيّر في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدّق بفرق، وهو ثلاثةٌ آصعٍ، لكلّ مسكينٍ نصف صاعٍ، وهو مدّان، وإن شاء ذبح شاةً وتصدّق بها على الفقراء، أيّ ذلك فعل أجزأه. ولمّا كان لفظ القرآن في بيان الرّخصة جاء بالأسهل فالأسهل: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} ولمّا أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل، فالأفضل فقال: «انسك شاةً، أو أطعم ستّة مساكين أو صم ثلاثة أيّامٍ». فكلٌّ حسنٌ في مقامه. وللّه الحمد والمنّة.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا أبو كريب، حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبيرٍ عن هذه الآية: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} فأجابه يقول: «يحكم عليه طعامٌ، فإن كان عنده اشترى شاةً، وإن لم يكن قوّمت الشّاة دراهم، وجعل مكانها طعامٌ فتصدّق، وإلّا صام بكلّ نصف صاعٍ يومًا»، قال إبراهيم: «كذلك سمعت علقمة يذكر». قال: لمّا قال لي سعيد بن جبيرٍ: من هذا؟ ما أظرفه! قال: قلت: هذا إبراهيم. فقال: ما أظرفه! كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت: "يجالسنا" انتفض منها.
وقال ابن جريرٍ أيضًا: حدّثنا ابن أبي عمران، حدّثنا عبيد اللّه بن معاذٍ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: «إذا كان بالمحرم أذًى من رأسه، حلق وافتدى بأيّ هذه الثّلاثة شاء، والصّيام عشرة أيّامٍ، والصّدقة على عشرة مساكين، كلّ مسكينٍ مكّوكين: مكّوكًا من تمرٍ، ومكّوكًا من بر، والنّسك شاةٌ».
وقال قتادة، عن الحسن وعكرمة في قوله: {ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ} قال: «إطعام عشرة مساكين».
وهذان القولان من سعيد بن جبيرٍ، وعلقمة، والحسن، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظرٌ؛ لأنّه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة بصيام ثلاثة أيّامٍ، لا عشرة ولا ستّة، أو إطعام ستّة مساكين أو نسك شاةٍ، وأنّ ذلك على التّخيير كما دلّ عليه سياق القرآن. وأمّا هذا الترتيب فإنّما هو معروفٌ في قتل الصّيد، كما هو نصّ القرآن. وعليه أجمع الفقهاء هناك، بخلاف هذا، واللّه أعلم.
وقال هشيم: أخبرنا ليثٌ، عن طاوسٍ: أنّه كان يقول: «ما كان من دمٍ أو طعامٍ فبمكّة، وما كان من صيامٍ فحيث شاء». وكذا قال عطاءٌ، ومجاهدٌ، والحسن.
وقال هشيم: أخبرنا حجّاجٌ وعبد الملك وغيرهما عن عطاءٍ: أنّه كان يقول: «ما كان من دمٍ فبمكّة، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيث شاء».
وقال هشيمٌ: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ، عن يعقوب بن خالدٍ، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفرٍ، قال: حجّ عثمان بن عفّان، ومعه عليٌّ والحسين بن عليٍّ، فارتحل عثمان. قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفرٍ، فإذا نحن برجلٍ نائمٍ وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيّها النّؤوم. فاستيقظ، فإذا الحسين بن عليٍّ. قال: فحمله ابن جعفرٍ حتّى أتينا به السّقيا قال: فأرسل إلى عليٍّ ومعه أسماء بنت عميسٍ. قال: فمرّضناه نحوًا من عشرين ليلةً. قال: قال عليٌّ للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه. قال: فأمر به عليّ فحلق رأسه، ثمّ دعا ببدنةٍ فنحرها. فإن كانت هذه النّاقة عن الحلق ففيه أنّه نحرها دون مكّة. وإن كانت عن التّحلّل فواضحٌ.
وقوله: {فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي} أي: إذا تمكّنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتّعًا بالعمرة إلى الحجّ، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أوّلًا فلمّا فرغ منها أحرم بالحجّ وهذا هو التّمتّع الخاصّ، وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتّمتّع العامّ يشمل القسمين، كما دلّت عليه الأحاديث الصّحاح، فإنّ من الرواة من يقول: تمتّع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. وآخر يقول: قرن. ولا خلاف أنّه ساق الهدي.
وقال تعالى: {فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي} أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقلّه شاةٌ، وله أن يذبح البقر؛ لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذبح عن نسائه البقر. وقال الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذبح بقرةً عن نسائه، وكن متمتّعاتٍ. رواه أبو بكر بن مردويه.
وفي هذا دليلٌ على شرعيّة التّمتّع، كما جاء في الصّحيحين عن عمران بن حصين قال: «نزلت آية المتعة في كتاب اللّه، وفعلناها مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. ثمّ لم ينزل قرآنٌ يحرّمه، ولم ينه عنها، حتّى مات». قال رجلٌ برأيه ما شاء. قال البخاريّ: يقال: إنّه عمر. وهذا الذي قاله البخاريّ قد جاء مصرّحًا به أنّ عمر، رضي اللّه عنه، كان ينهى النّاس عن التّمتّع، ويقول: «إن نأخذ بكتاب اللّه فإنّ اللّه يأمر بالتّمام». يعني قوله: {وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه} وفي نفس الأمر لم يكن عمر، رضي اللّه عنه، ينهى عنها محرّمًا لها، إنّما كان ينهى عنها ليكثر قصد النّاس للبيت حاجّين ومعتمرين، كما قد صرّح به، رضي اللّه عنه.
وقوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ} يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيّامٍ في الحجّ، أي: في أيّام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاءٌ. أو من حين يحرم، قاله ابن عبّاسٍ وغيره، لقوله: {في الحجّ} ومنهم من يجوّز صيامها من أوّل شوّال، قاله طاوسٌ ومجاهدٌ وغير واحدٍ. وجوّز الشّعبيّ صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهدٌ، وسعيد بن جبير، والسّدّيّ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والحكم، والحسن، وحمّادٌ، وإبراهيم، وأبو جعفرٍ الباقر، والرّبيع، ومقاتل بن حيّان. وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: «إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثّالث فقد تمّ صومه وسبعةٌ إذا رجع إلى أهله». وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة، عن ابن عمر، قال: «يصوم يومًا قبل التّروية، ويوم التّروية، ويوم عرفة». وكذا روى عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ أيضًا.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل يوم العيد فهل يجوز أن يصومها في أيّام التّشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشّافعيّ أيضًا، القديم منهما أنّه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاريّ: «لم يرخّص في أيّام التّشريق أن يصمن إلّا لمن لا يجد الهدي». وكذا رواه مالكٌ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة. وعن سالمٍ، عن ابن عمر: «إنّما قالوا ذلك لعموم قوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ}». وقد روي من غير وجهٍ عنهما. ورواه سفيان، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ أنّه كان يقول: «من فاته صيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ صامهنّ أيام التّشريق». وبهذا يقول عبيد بن عمير اللّيثيّ وعكرمة، والحسن البصريّ، وعروة بن الزّبير؛ وإنّما قالوا ذلك لعموم قوله: {فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ} والجديد من القولين: أنّه لا يجوز صيامها أيّام التّشريق، لما رواه مسلمٌ عن نبيشة الهذليّ، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أيّام التّشريق أيّام أكلٍ وشربٍ وذكر اللّه».
وقوله: {وسبعةٍ إذا رجعتم} فيه قولان:
أحدهما: إذا رجعتم في الطّريق. ولهذا قال مجاهدٌ: «هي رخصةٌ إذا شاء صامها في الطّريق». وكذا قال عطاء بن أبي رباحٍ.
والقول الثّاني: إذا رجعتم إلى أوطانكم؛ قال عبد الرّزّاق: أخبرنا الثّوريّ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سالمٍ، سمعت ابن عمر قال: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم} قال: «إذا رجع إلى أهله»، وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهدٍ، وعطاءٍ، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزّهريّ، والرّبيع بن أنسٍ. وحكى على ذلك أبو جعفر بن جريرٍ الإجماع.
وقد قال البخاريّ: حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا اللّيث، عن عقيل، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد اللّه أنّ ابن عمر قال: «تمتّع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأهلّ بالعمرة، ثمّ أهلّ بالحجّ، فتمتّع النّاس مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالعمرة إلى الحجّ. فكان من النّاس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلمّا قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة قال للنّاس: «من كان منكم أهدى فإنّه لا يحل لشيءٍ حرم منه حتى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصّفا والمروة، وليقصّر وليحلل ثمّ ليهلّ بالحجّ، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةً إذا رجع إلى أهله». وذكر تمام الحديث.
قال الزّهريّ: وأخبرني عروة، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالمٌ عن أبيه والحديث مخرّجٌ في الصّحيحين من حديث الزّهريّ، به.
وقوله: {تلك عشرةٌ كاملةٌ} قيل: تأكيدٌ، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني وكتبت بيدي. وقال اللّه تعالى: {ولا طائرٍ يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] وقال: {ولا تخطّه بيمينك} [العنكبوت: 48]، وقال: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشرٍ فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلةً} [الأعراف: 142].
وقيل: معنى {كاملةٌ} الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جريرٍ. وقيل: معنى {كاملةٌ} أي: مجزئة عن الهدي. قال هشيم، عن عبّاد بن راشدٍ، عن الحسن البصريّ، في قوله: {تلك عشرةٌ كاملةٌ} قال: «من الهدي».
وقوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال ابن جريرٍ: «اختلف أهل التّأويل فيمن عني بقوله: {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} بعد إجماع جميعهم على أنّ أهل الحرم معنيّون به، وأنّه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عني بذلك أهل الحرم خاصّةً دون غيرهم».
حدّثنا ابن بشّارٍ، حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا سفيان -هو الثّوريّ -قال: قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ: «هم أهل الحرم». وكذا روى ابن المبارك، عن الثّوريّ، وزاد: الجماعة عليه.
وقال قتادة: ذكر لنا أنّ ابن عبّاسٍ كان يقول: «يا أهل مكّة، لا متعة لكم، أحلّت لأهل الآفاق وحرّمت عليكم، إنّما يقطع أحدكم واديًا -أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديًا -ثمّ يهلّ بعمرةٍ».
وقال عبد الرّزّاق: حدّثنا معمر، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه قال: «المتعة للنّاس -لا لأهل مكّة -من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: وبلغني عن ابن عبّاسٍ مثل قول طاوسٍ.
وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمرٌ عن رجلٍ، عن عطاءٍ، قال: «من كان أهله دون المواقيت، فهو كأهل مكّة، لا يتمتّع».
وقال عبد اللّه بن المبارك، عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن مكحولٍ، في قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: «من كان دون الميقات».
وقال ابن جريج عن عطاءٍ: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: عرفة، ومرّ، وعرنة، وضجنان، والرّجيع.
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمرٌ، سمعت الزّهريّ يقول: «من كان أهله على يومٍ أو نحوه تمتّع». وفي روايةٍ عنه: «اليوم واليومين». واختار ابن جريرٍ في ذلك مذهب الشّافعيّ أنّهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافةٍ لا تقصر منها الصّلاة؛ لأنّ من كان كذلك يعدّ حاضرًا لا مسافرًا، واللّه أعلم.
وقوله: {واتّقوا اللّه} أي: فيما أمركم وما نهاكم {واعلموا أنّ اللّه شديد العقاب} أي: لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجره). [تفسير ابن كثير: 1/ 530-540]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:04 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة