العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 07:01 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (165) إلى الآية (167) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (165) إلى الآية (167) ]


{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 09:55 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه}: يعني أضدادًا، واحدها ندٌّ.
- حدّثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيقٍ، عن عبد اللّه، قال: النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلمةً وقلت أخرى، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من مات وهو يدعو من دون اللّه ندًّا دخل النّار»، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو للّه ندًّا دخل الجنّة). [صحيح البخاري: 6/ 23]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب قوله تعالى: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ الله}:
يعني أضدادًا واحدها ندٌّ قد تقدّم تفسير الأنداد في أوائل هذه السّورة وتفسير الأنداد بالأضداد لأبي عبيدة وهوتفسير باللازم وذكر هنا أيضا حديث بن مسعودٍ من مات وهو يجعل للّه ندًّا وقد مضى شرحه في أوائل كتاب الجنائز ويأتي الإلمام بشيءٍ منه في الأيمان والنّذور). [فتح الباري: 8/ 176]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب قوله تعالى: {من النّاس من يتّخذ من دون الله أنداداً}:
أضداداً واحدها ندٌّ.
أي: هذا باب فيه ذكر قوله تعالى: {ومن النّاس} وهم المشركون، جعلوا الله أنداداً، وفسرها البخاريّ بقوله: أضداداً، وكذا فسرها أبو عبيدة، قيل: الند في اللّغة المثل لا الضّدّ، وأجيب: بأن المثل المخالف المعادي فيه معنى الضدية.
- حدّثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن شقيقٍ عن عبد الله قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم كلمةً وقلت أخرى قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النّار»، وقلت أنا من مات وهو لا يدعو لله ندًّا دخل الجنّة. (انظر الحديث 1238 وطرفه).
مطابقته للتّرجمة من حيث إن في الآية ما يدل على أن من مات وهو يدعو لله نداد دخل النّار. وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي، وأبو حمزة، بالحاء المهملة والزّاي اسمه محمّد بن ميمون، والأعمش سليمان، وشقيق أبو وائل بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث مضى في أول الجنائز فإنّه أخرجه هناك عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قيل: من أين علم ابن مسعود ذلك؟ وأجيب: بأنّه استفاد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتفاء السّبب يقتضي انتفاء المسبّب، وهذا بناء على أن لا واسطة بين الجنّة والنّار، وفيه تأمل). [عمدة القاري: 18/ 100]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا}: أضدادًا: واحدها ندٌّ
باب قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا}.من الأصنام (أضدادًا) كذا فسره أبو عبيدة وهو تفسير باللازم، لأن الندّ في اللغة المثل، وزاد أبو ذر في روايته بعد قوله: {أندادًا يحبونهم كحب الله} يعني أضدادًا (واحدها ندّ) بكسر النون وتشديد الدال المهملة، والكاف في {كحب الله} في محل نصب نعت لمصدر محذوف. وقال ابن عطية: حب مصدر مضاف للمفعول في اللفظ، وهو في التقدير مضاف للفاعل المضمر التقدير: كحبكم الله أو كحبهم الله، ومراده بالمضمر أن ذلك الفاعل من جنس الضمائر، ولا يريد أن الفاعل مضمر في المصدر كما يضمر في الأفعال لأن هذا قول مردود، لأن المصدر اسم جنس لا يضمر فيه لجموده، والمعنى أنهم يعظمونهم كتعظيم الله ويسوون بينه وبينهم في المحبة وسقط باب قوله لأبي ذر.
- حدّثنا عبدان عن أبي حمزة، عن الأعمش عن شقيقٍ، عن عبد اللّه قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كلمةً وقلت أخرى قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «من مات وهو يدعو من دون اللّه ندًّا دخل النّار» وقلت: أنا من مات وهو لا يدعو للّه ندًّا دخل الجنّة.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه (قال: قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلمة وقلت أخرى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم): ( «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا») مثلًا («دخل النار») والندّ المثل من ندّ ندودًا إذا نفر، وناددت الرجل خالفته خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي للمماثل في القدر، وتسمية ما يعبده المشركون من دون الله أنداد لأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله، وتمنحهم ما لم يرد الله تعالى بهم من خير فتهكم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أندادًا لمن يمتنع أن يكون له ند. (وقلت أنا: من مات وهو لا يدعوا لله ندًا دخل الجنة) لأن انتفاء السبب يقتضي انتفاء
المسبب، فإذا انتفى دعوى الندّ انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخولها لزم دخول الجنة إذ لا دار بينهما، وأما أصحاب الأعراف فقد عرف استثناؤهم من العموم). [إرشاد الساري: 7/ 20]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً}:
قوله: «من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار» أي: دخول خلود ودوام، فالمراد في مقابله
أعني قوله: دخل الجنة أن لا يدوم في النار، لا أن يدخل النار أصلاً. ومع ذلك فالمراد بقوله: ومن مات، وهو لا يدعو لله نداً أي: لا يأتي بما هو بمنزلة دعوة الندّ من المعاصي كجحد النبوة والشك في التوحيد ونحو ذلك، ثم قوله: قلت: أنا ليس المراد أنه مما يدل عليه الكلام الأول باعتبار أن انتفاء السبب يقتضي انتفاء المسبب كما قيل، لأن ذلك لا يتم إلا إذا انحصرت السببية في ذلك السبب وإلا فقد يكون للشيء أسباب متعددة فعند انتفاء بعضه يوجد المسبب بسبب آخر، وهذا واضح وههنا لفظ الحديث لا يفيد الحصر، فأخذ هذا القول من هذا اللفظ بعيد، وإنما المراد: أن هذا القول مما علم من الشرع، وإن لم يدل عليه هذا الحديث، والله تعالى أعلم اهـ سندي). [حاشية السندي على البخاري: 3/ 39]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ومن النّاس من يتّخذ من دون الله أندادًا}:
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا النّضر بن شميلٍ، حدّثنا شعبة، وأخبرنا محمّد بن عبد الأعلى، وإسماعيل بن مسعودٍ، قالا: حدّثنا خالدٌ وهو ابن الحارث، حدّثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من مات يجعل للّه ندًّا أدخله النّار» وأنا أقول: من مات لا يجعل للّه ندًّا أدخله الجنّة ).
[السنن الكبرى للنسائي: 10/ 20]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه}:
يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا له، وقد بيّنّا فيما مضى أنّ النّدّ العدل بما يدلّ على ذلك من الشّواهد فكرهنا إعادته، وأنّ الّذين اتّخذوا هذه الأنداد من دون اللّه يحبّون أندادهم كحبّ المؤمنين اللّه، ثمّ أخبرهم أنّ المؤمنين أشدّ حبًّا للّه من متّخذي هذه الأنداد لأندادهم.
واختلف أهل التّأويل في الأنداد الّتي كان القوم اتّخذوها وما هي؟ فقال بعضهم: هي آلهتهم الّتي كانوا يعبدونها من دون اللّه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة، قوله: «{ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه} من الكفّار لأوثانهم».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله تعالى ذكره: «{يحبّونهم كحبّ اللّه} مباهاةً، ومضاهاةً للحقّ بالأنداد، {والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه} من الكفّار لأآلهتهم».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه} قال: «هي الآلهة الّتي تعبد من دون اللّه. يقول: يحبّون أوثانهم كحبّ اللّه {والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه}، أي من الكفّار لأوثانهم».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه} قال: «هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم الّتي عبدوا مع اللّه يحبّونهم كما يحبّ الّذين آمنوا اللّه {والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه} من حبّهم هم آلهتهم».
وقال آخرون: بل الأنداد في هذا الموضع إنّما هم سادتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية اللّه تعالى ذكره.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه} قال: «الأنداد من الرّجال يطيعونهم كما يطيعون اللّه إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا اللّه».
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل كحبّ اللّه، وهل يحبّ اللّه الأنداد؟ وهل كان متّخذو الأنداد يحبّون اللّه فيقال يحبّونهم كحبّ اللّه؟ قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنّما نظير ذلك قول القائل: بعت غلامي كبيع غلامك، بمعنى: بعته كما بيع غلامك وكبيعك غلامك، واستوفيت حقّي منه استيفاء حقّك، بمعنى: استيفائك حقّك. فتحذف من الثّاني كناية اسم المخاطب اكتفاءً بكنايته في الغلام والحقّ، كما قال الشّاعر:


فلست مسلّمًا ما دمت حيًّا ....... على زيدٍ بتسليم الأمير

يعني بذلك: كما يسلّم على الأمير.
فمعنى الكلام إذًا: ومن النّاس من يتّخذ أيّها المؤمنون من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّكم اللّه). [جامع البيان: 3/ 16-18]

*********
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب}:
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه عامّة أهل المدينة والشّام: (ولو ترى الّذين ظلموا) بالتّاء {إذ يرون العذاب} بالياء {أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} بفتح أنّ وأنّ كلتيهما، بمعنى: ولو ترى يا محمّد الّذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب اللّه ويعاينونه، أنّ القوّة للّه جميعًا، وأنّ اللّه شديد العذاب.
ثمّ في نصب أنّ وأنّ في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تفتح بالمحذوف من الكلام الّذي هو مطلوبٌ فيه، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: ولو ترى يا محمّد الّذين ظلموا إذ يرون عذاب اللّه لأقرّوا. ومعنى ترى: تبصر أنّ القوّة للّه جميعًا، وأنّ اللّه شديد العذاب. ويكون الجوّاب حينئذٍ إذ فتحت أنّ على هذا الوجه متروكًا قد اكتفي بدلالة الكلام عليه. ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح أنّ على قراءة من قرأ: (ولو ترى) بالتّاء.
والوجه الآخر في الفتح، أن يكون معناه: ولو ترى يا محمّد إذ يرى الّذين ظلموا عذاب اللّه، لأنّ القوّة للّه جميعًا، وأنّ اللّه شديد العذاب، لعلمت مبلغ عذاب اللّه. ثمّ تحذف اللاّم فتفتح بذلك المعنى لدلالة الكلام عليها.
وقرأ ذلك آخرون من سلف القرّاء: (ولو ترى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب إنّ القوّة للّه جميعًا وإنّ اللّه شديد العذاب) بمعنى: ولو ترى يا محمّد الّذين ظلموا حين يعاينوا عذاب اللّه لعلمت الحال الّتي يصيرون إليها. ثمّ أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأً عن قدرته وسلطانه بعد تمام الخبر الأوّل، فقال: إنّ القوّة للّه جميعًا في الدّنيا والآخرة دون من سواه من الأنداد والآلهة، وإنّ اللّه شديد العذاب لمن أشرك به وادّعى معه شركا وجعل له ندًّا.
وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر إنّ وقرأ بالتّاء، وهو أن يكون معناه: ولو ترى يا محمّد الّذين ظلموا إذ يرون العذاب، يقولون: إنّ القوّة للّه جميعًا، وإنّ اللّه شديد العذاب. ثمّ تحذف القول وتكفي منه بالمقول.
وقرأ ذلك آخرون: {ولو يرى الّذين ظلموا} بالياء {إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} بفتح الألف من أنّ وأنّ، بمعنى: ولو يرى الّذين ظلموا عذاب اللّه الّذي أعدّ لهم في جهنّم لعلموا حين يرونه فيعاينونه أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون أن الأولى منصوبةً لتعلّقها بجواب لو المحذوف ويكون الجوّاب متروكًا، وتكون الثّانية معطوفةً على الأولى وهذه قراءة عامّة القرّاء الكوفيّين، والبصريّين، وأهل مكّة.
وقد زعم بعض نحويّي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ: {ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} بالياء في يرى وفتح الألفين في أنّ وأنّ: ولو يعلمون، لأنّهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم علم، فإذا قال: ولو ترى، فإنّما يخاطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولو كسر إنّ على الابتداء إذا قال: ولو يرى جاز، لأنّ لو يرى: لو يعلم وقد يكون لو يعلم في معنى لا يحتاج معها إلى شيءٍ، تقول للرّجل: أما واللّه لو يعلم ولو تعلم، كما قال الشّاعر:


إن يكن طبّك الدّلال فلو في ....... سالف الدّهر والسّنين الخوالي

هذا ليس له جوابٌ إلاّ في المعنى، وقال الشّاعر:

وبحظٍّ ممّا نعيش ولا تذ ....... هب بك التّرّهات في الأهوال

فأضمر عيشي.
قال: وقال بعضهم: ولو ترى وفتح أنّ على ترى وليس بذلك لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك النّاس كما قال تعالى ذكره: {أم يقولون افتراه} ليخبر النّاس عن جهلهم، وكما قال: {ألم تعلم أنّ اللّه له ملك السّموات والأرض}.
قال أبو جعفرٍ: وأنكر قومٌ أن تكون أنّ عاملاً فيها قوله: {ولو يرى} وقالوا: إنّ الّذين ظلموا قد علموا حين يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا، فلا وجه لمن تأوّل ذلك: {ولو يرى الّذين ظلموا أنّ القوّة للّه} وقالوا: إنّما عمل في أنّ جوّاب لو الّذي هو بمعنى العلم، لتقدّم العلم الأوّل.
وقال بعض نحويّي الكوفة: من نصب: {أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} ممّن قرأ: {ولو يرى} بالياء فإنّما نصبها بإعمال الرّؤية فيها، وجعل الرّؤية واقعةً عليها. وأمّا من نصبها ممّن قرأ: (ولو ترى) بالتّاء، فإنّه نصبها على تأويل: لأنّ القوّة للّه جميعًا، ولأنّ اللّه شديد العذاب. قال: ومن كسرهما ممّن قرأ بالتّاء فإنّه يكسرهما على الخبر.
وقال آخرون منهم: فتح أنّ في قراءة من قرأ: {ولو يرى الّذين ظلموا} بالياء بإعمال يرى، وجواب الكلام حينئذٍ متروكٌ، كما ترك جواب: {ولو أنّ قرآنًا سيّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض} لأنّ معنى الجنّة والنّار مكرّرٌ معروفٌ. وقالوا: جائزٌ كسر إنّ في قراءة من قرأ بالياء، وإيقاع الرّؤية على إذ في المعنى، وأجازوا نصب أنّ على قراءة من قرأ ذلك بالتّاء بمعنى نيّة فعلٍ آخر، وأن يكون تأويل الكلام: ولو ترى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب يرون أنّ القوّة للّه جميعًا. وزعموا أنّ كسر إنّ الوجه إذا قرئت: ولو ترى بالتّاء على الاستئناف، لأنّ قوله: ولو ترى قد وقع على الّذين ظلموا.
قال أبو جعفرٍ: والصّواب من القراءة عندنا في ذلك: ولو ترى الّذين ظلموا بالتّاء من ترى {إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} بمعنى لرأيت أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب، فيكون قوله لرأيت الثّانية محذوفةً مستغنًى بدلالة قوله: ولو ترى الّذين ظلموا عن ذكره، وإن كان جوابًا ل ولو ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطّاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معنيًّا به غيره، لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا شكّ عالمًا بأنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله: {ألم تعلم أنّ اللّه له ملك السّموات والأرض} وقد بيّنّاه في موضعه.
وإنّما اخترنا ذلك على قراءة الياء؛ لأنّ القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب، فلا وجه أن يقال: لو يرون أنّ القوّة للّه جميعًا حينئذٍ، لأنّه إنّما يقال: لو رأيت لمن لم ير، فأمّا من قد رآه فلا معنى لأن يقال له: لو رأيت.
ومعنى قوله: {إذ يرون العذاب} إذ يعاينون العذاب.
- كما حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} يقول: «لو عاينوا العذاب».
وإنّما عنى تعالى ذكره بقوله: ولو ترى الّذين ظلموا ولو ترى يا محمّد الّذين ظلموا أنفسهم فاتّخذوا من دوني أندادًا يحبّونهم كحبّكم إيّاي، حين يعاينون عذابي يوم القيامة الّذي أعددت لهم، لعلمتم أنّ القوّة كلّها لي دون الأنداد والآلهة، وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا، ولا تدفع عنهم عذابًا أحللت بهم، وأيقنتم أنّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي وادّعى معي إلهًا غيري). [جامع البيان: 3/ 18-23]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب (165)
قوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا}:
الوجه الأوّل:

- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: «{ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا}يعني: أوثانًا».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ عن أبي مالكٍ، قوله: «أندادًا يعني: شركاء».
- حدّثنا أبي، ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا يزيد الرّشك، عن أبي مجلزٍ: «كنت جالسًا فسأله رجلٌ: ما الشّرك؟ قال: أن تتّخذ من دون اللّه أندادًا».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحب الله} قال: «الأنداد من الرّجال يطيعونهم كما يطيعون اللّه إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا اللّه عزّ وجلّ» ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 276]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {يحبّونهم كحبّ اللّه}:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله عزّ وجلّ: {يحبّونهم كحبّ اللّه} يقول: «يحبّون تلك الأوثان كحبّ اللّه، أي: كحبّ الّذين آمنوا ربّهم». وروي عن قتادة، والرّبيع، نحو ذلك.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن نجيحٍ عن مجاهدٍ، قوله: «{يحبّونهم كحبّ اللّه} مباهاة ومضارة أو مضاهاة للحقّ، بالحبّ للأنداد»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 276]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه}:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: «{والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه} من أهل الأوثان لأوثانهم». وروي عن الرّبيع، ومجاهد، وقتادة ونحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 276]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ولو يرى الّذين ظلموا}:
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه، حدّثني سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن في قوله: «{ولو يرى الّذين ظلموا} يقول اللّه لمحمّدٍ: ولو ترى الّذين ظلموا إنّك ستراهم إذ يرون العذاب»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 277]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {إذ يرون العذاب}:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب} يقول: «لو قد عاينوا العذاب»، وروي عن الرّبيع نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 277]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب}:
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ، حدّثني سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن: «{ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب} يقول اللّه لمحمد: ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب، إنّك ستراهم إذ يرون العذاب وحينئذٍ يعلمون أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب».
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن خالدٍ، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا سعيدٌ عن قتادة، قوله: «{العذاب} أي: عقوبة الآخرة»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 277]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: «{يحبونهم كحب الله} يعني مباهاة ومضادة للحق بالأنداد بالأوثان والذين آمنوا أشد حبا لله من الكفار لآلهتهم»). [تفسير مجاهد: 93]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}:
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {ومن الناس
من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} قال: «مباهاة ومضارة للحق بالأنداد، {والذين آمنوا أشد حبا لله} قال: من الكفار لآلهتهم».
وأخرج ابن جريرعن السدي في الآية قال: «الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمر وهم أطاعوهم وعصوا الله».
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة: «{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} أي شركاء {يحبونهم كحب الله} أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله {والذين آمنوا أشد حبا لله} قال: من الكفار لآلهتهم أي لأوثانهم».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {يحبونهم كحب الله} قال: «يحبون أوثانهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله من الكفار لأوثانهم».
وأخرج ابن جرير عن الزبير في قوله: {ولو يرى الذين ظلموا} قال: «ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم فاتخذوا من دوني أندادا يحبونهم كحبكم إياي حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم لعلمتم أن القوة كلها إلي دون الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئا ولا تدفع عنهم عذابا أحللت بهم وأيقينتهم أني شديد عذابي لمن كفرني وادعى معي إلها غيري».
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: «كان في خاتم {أن القوة لله جميعا}»). [الدر المنثور: 2/ 121-123]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) }

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «هو الوصل الذي كان بينهم في الدنيا» ). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 65]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن عبيدٍ المكتب عن مجاهدٍ في قوله جل وعز: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «تواصلهم في الدنيا»).
[تفسير الثوري: 54]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {وتقطّعت بهم الأسباب}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا فضيل بن عياضٍ، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ، في قوله: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «الأوصال الّتي كانت بينهم في الدّنيا».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا جرير بن عبد الحميد، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ، قال: «الوصل الّذي كان بينهم في الدنيا»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 642]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وأن الله شديد العقاب إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا}:
ثمّ اختلف أهل التّأويل في الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا}:
فقال بعضهم بما
- حدّثنا بشر بن معاذٍ،
قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: «{إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا} وهم الجبابرة، والقادة، والرّوس في الشرك والشر {من الّذين اتّبعوا} وهم الأتباع الضّعفاء {ورأوا العذاب}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا} قال: «تبرّأت القادة من الأتباع يوم القيامة».
- حدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قلت لعطاءٍ: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا} قال: «تبرّأ رؤساؤهم، وقادتهم، وساداتهم من الّذين اتّبعوهم».
وقال آخرون بما؛
- حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا} أمّا الّذين اتّبعوا فهم الشّياطين تبرّءوا من الإنس».
والصّواب من القول عندي في ذلك أنّ اللّه تعالى ذكره أخبر أنّ المتّبعين على الشّرك باللّه يتبرّءون من أتباعهم حين يعاينون عذاب اللّه ولم يخصّص بذلك منهم بعضًا دون بعضٍ، بل عمّ جميعهم، فداخل في ذلك كلّ متبوعٍ على الكفر باللّه والضّلال أنّه يتبرّأ من أتباعه الّذين كانوا يتّبعونه على الضّلال في الدّنيا إذا عاينوا عذاب اللّه في الآخرة.
وأمّا دلالة الآية فيمن عنى بقوله: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا} فإنّها إنّما تدلّ على أنّ الأنداد الّذين اتّخذهم من دون اللّه من وصف تعالى ذكره صفته بقوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا} هم الّذين يتبرّءون من أتباعهم.
وإذا كانت الآية على ذلك دالّةً صحّ التّأويل الّذي تأوّله السّدّيّ في قوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا} أنّ الأنداد في هذا الموضع إنّما أريد بها الأنداد من الرّجال الّذين يطيعونهم فيما أمروهم به من أمرٍ، ويعصون اللّه في طاعتهم إيّاهم، كما يطيع اللّه المؤمنون ويعصون غيره، وفسد تأويل قول من قال: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا} إنّهم الشّياطين تبرّءوا من أوليائهم من الإنس؛ لأنّ هذه الآية إنّما هي في سياق الخبر عن متّخذي الأنداد). [جامع البيان: 3/ 23-25]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وتقطّعت بهم الأسباب}.
يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ اللّه شديد العذاب إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا وإذ تقطّعت بهم الأسباب.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في معنى الأسباب. فقال بعضهم بما؛
- حدّثني به، يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدّثنا فضيل بن عياضٍ، وثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عبيدٍ المكتب، عن مجاهدٍ، {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «الوصال الّذي كان بينهم في الدّنيا».
- حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «تواصلهم في الدّنيا».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، وثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد جميعًا، قالا: حدّثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ بمثله.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نحيحٍ، عن مجاهدٍ: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «المودّة».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: «تواصلٌ كان بينهم بالمودّة في الدّنيا».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، قال: أخبرني قيس بن سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه تعالى ذكره: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «المودّة».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: «{وتقطّعت بهم الأسباب} أسباب النّدامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة الّتي كانت بينهم في الدّنيا يتواصلون بها ويتخالون بها، فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة {ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعضٍ ويلعن بعضكم بعضًا} ويتبرّأ بعضكم من بعضٍ، وقال اللّه: {الأخلاّء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلاّ المتّقين} فصارت كلّ خلّةٍ عداوةً على أهلها، إلاّ خلّة المتّقين».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «هو الوصل الّذي كان بينهم في الدّنيا».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، {وتقطّعت بهم الأسباب} يقول: «أسباب: النّدامة».
وقال بعضهم: بل معنى الأسباب: المنازل الّتي كانت لهم من أهل الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، {وتقطّعت بهم الأسباب} يقول: «تقطّعت بهم المنازل».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن سعدٍ، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «الأسباب: المنازل».
وقال آخرون: الأسباب: الأرحام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، وقال ابن عبّاسٍ، {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «الأرحام».
وقال آخرون: الأسباب: الأعمال الّتي كانوا يعملونها في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «أما {وتقطّعت بهم الأسباب} فالأعمال».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «أسباب أعمالهم، فأهل التّقوى أعطوا أسباب أعمالهم وثيقةً فيأخذون بها فينجون، والآخرون أعطوا أسباب أعمالهم الخبيثة فتقطّع بهم فيذهبون في النّار قال: والأسباب: الشّيء يتعلّق به، قال: والسّبب: الحبل».
والأسباب جمع سببٍ، وهو كلّ ما تسبّب به الرّجل إلى طلبته وحاجته، فيقال للحبل سببٌ؛ لأنّه يتسبّب بالتّعلّق به إلى الحاجة الّتي لا يوصل إليها إلاّ بالتّعلّق به، ويقال للطّريق سببٌ للتّسبّب بركوبه إلى ما لا يدرك إلاّ بقطعه، وللمصاهرة سببٌ؛ لأنّها سببٌ للحرمة، وللوسيلة سببٌ للوصول بها إلى الحاجة، وكذلك كلّ ما كان به إدراك الطّلبة فهو سببٌ لإدراكها.
فإذا كان ذلك كذلك فالصّواب من القول في تأويل قوله: {وتقطّعت بهم الأسباب} أن يقال: إنّ اللّه تعالى ذكره أخبر أنّ الّذين ظلموا أنفسهم من أهل الكفر الّذين ماتوا وهم كفّارٌ يتبرّأ عند معاينتهم عذاب اللّه المتبوع من التّابع، وتتقطّع بهم الأسباب. وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أنّ بعضهم يلعن بعضًا، وأخبر عن الشّيطان أنّه يقول لأوليائه: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إنّي كفرت بما أشركتمون من قبل} وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاّء، يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلاّ المتّقين، وأنّ الكافرين لا ينصر يومئذٍ بعضهم بعضًا، فقال تعالى ذكره: {وقفوهم إنّهم مسئولون ما لكم لا تناصرون}.
وأنّ الرّجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه، وإن كان نسيبه للّه وليًّا، فقال تعالى ذكره في ذلك: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدةٍ وعدها إيّاه فلمّا تبيّن له أنّه عدوٌّ للّه تبرّأ منه} وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تصير عليهم حسراتٍ.
وكلّ هذه المعاني أسبابٌ يتسبّب في الدّنيا بها إلى مطالب، فقطع اللّه منافعها في الآخرة عن الكافرين به فى الدنيا؛ لأنّها كانت بخلاف طاعته ورضاه فهي منقطعةٌ بأهلها؛ فلا خلال بعضهم بعضًا ينفعهم عند ورودهم على ربّهم ولا عبادتهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم، ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام اللّه منهم، ولا أغنت عنهم أعمالهم بل صارت عليهم حسراتٍ، فكلّ أسباب الكفّار منقطعةٌ، فلا معنى أبلغ في تأويل قوله: {وتقطّعت بهم الأسباب} من صفة اللّه، وذلك ما بيّنّا من جميع أسبابهم دون بعضها على ما قلنا في ذلك.
ومن ادّعى أنّ المعنى بذلك خاصٌّ من الأسباب سئل البرهان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه، وعورض بقول مخالفه فيه، فلن يقول في شيءٍ من ذلك قولاً إلاّ ألزم في الآخر مثله). [جامع البيان: 3/ 25-30]

قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب (166)}:
قوله: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتبعوا ورأوا العذاب}:
الوجه الأوّل:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا} قال: «تبرّأت القادة من الأتباع يوم القيامة إذا رأت العذاب».
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، أنبأ يزيد، ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قوله: {إذ تبرّأ الّذين اتبعوا} قال: «هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشّرّ والشّرك، من الّذين اتّبعوا وهم: الأتباع والضّعفاء». وروي عن عطاءٍ، والرّبيع بن أنسٍ، نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: «{إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا} أمّا الّذين اتّبعوا فهم الشّياطين تبرّأوا من الإنس»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 277-278]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وتقطعت بهم الأسباب}:
الوجه الأول:
- حدّثنا يعقوب بن عبيدٍ النّهرتيريّ ببغداد، أنبأ أبو عاصمٍ، أنبأ عيسى يعني ابن ميمونٍ عن قيسٍ يعني: ابن سعدٍ، عن عطاءٍ عن ابن عبّاسٍ: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «المودّة».
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان عن عبيدٍ المكتب، عن مجاهدٍ: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «تواصلهم في الدّنيا».
وروي عن قتادة، وعطيّة نحو ذلك.
الوجه الثّاني:

- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ: {وتقطّعت بهم الأسباب} يقول: «تقطّعت بهم المنازل».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا هانئ بن سعيدٍ يعني: النّخعيّ، أخو أبي بكيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك: «{وتقطّعت بهم الأسباب} يعني تقطّعت بهم الأرحام، وتفرّقت بهم المنازل في النّار».
والوجه الثّالث:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: «{وتقطّعت بهم الأسباب} يعني: أسباب النّدامة». وروي عن الرّبيع نحو ذلك. وخالف ذلك رواية محمّد بن عمّارٍ
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ، ثنا عبد الرّحمن الدّشتكيّ، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، قوله: {وتقطّعت بهم الأسباب} يقول: «الأسباب: المنازل». وكذلك رواه خالد بن يزيد عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع يقول: «المنازل».
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ إسرائيل، عن السّدّيّ، عن أبي صالحٍ: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال «الأعمال». وروي عن السّدّيّ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 278-279]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: «{وتقطعت بهم الأسباب} يعني المودة»). [تفسير مجاهد: 93-94]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو الحسين محمّدٌ القنطريّ ببغداد، ثنا أبو قلابة الرّقاشيّ، ثنا أبو عاصمٍ، ثنا عيسى بن أبي عيسى، عن قيس بن سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله تعالى: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: «المودّة» هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/ 299]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا} قال: «هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشر والشرك {من الذين اتبعوا} وهم الأتباع والضعفاء».
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا} قال: «هم الشياطين تبرؤوا من الإنس».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «المودة».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «المنازل».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «الأرحام».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا والمودة».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن الربيع {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «أسباب المنازل».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} قال: «أسباب الندامة يوم القيامة والأسباب التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون بها فصارت عداوة يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا»). [الدر المنثور: 2/ 123-125]


تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار}:
يعني بقوله تعالى ذكره: {وقال الّذين اتّبعوا} وقال أتباع الرّجال الّذين كانوا اتّخذوهم أندادًا من دون اللّه يطيعونهم في معصية اللّه، ويعصون ربّهم في طاعتهم، إذ يرون عذاب اللّه في الآخرة: {لو أنّ لنا كرّةً} يعني بالكرّة: الرّجعة إلى الدّنيا، من قول القائل: كررت على القوم أكرّ عليهم كرًّا وكرًّا، والكرّة: المرّة الواحدة، وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم كما قال الأخطل:


ولقد عطفن على فزارة عطفةً ....... كرّ المنيح، وجلن ثمّ مجالا.

- وكما حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: «{وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا} أي: رجعةٌ إلى الدّنيا».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، {وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً} قال: «قالت الأتباع: لو أنّ لنا كرّةً إلى الدّنيا فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا».
وقوله: {فنتبرّأ منهم} منصوبٌ لأنّه جوّابٌ للتّمنّي بالفاء؛ لأنّ القوم تمنّوا رجعةً إلى الدّنيا ليتبرّءوا من الّذين كانوا يطيعونهم في معصية اللّه كما تبرّأ منهم رؤساؤهم الّذين كانوا في الدّنيا المتبوعون فيها على الكفر باللّه إذ عاينوا عظيم النّازل بهم من عذاب اللّه،فقالوا: يا ليت لنا كرّةً إلى الدّنيا فنتبرّأ منهم {يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين}). [جامع البيان: 3/ 30-32]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم}.…
ومعنى قوله: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم} يقول: كما أراهم العذاب الّذي ذكره في قوله: {ورأوا العذاب} الّذي كانوا يكذّبون به في الدّنيا، فكذلك يريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة الّتي استحقّوا بها العقوبة من اللّه {حسراتٍ عليهم} يعني نداماتٍ.
والحسرات جمع حسرةٍ، وكذلك كلّ اسمٍ كان واحده على فعلةٍ مفتوح الأوّل ساكن الثّاني، فإنّ جمعه على فعلاتٍ، مثل شهوةٍ وتمرةٍ تجمع شهواتٍ وتمراتٍ، مثقّلة الثّواني من حروفها. فأمّا إذا كان نعتًا فإنّك تدع ثانيةً ساكنًا مثل ضخمةً تجمعها ضخماتٍ، وعبلة تجمعها عبلاتٌ، وربّما سكّن الثّاني في الأسماء كما قال الشّاعر:


علّ صروف الدّهر أو دولاتها ....... يدلننا اللّمّة من لمّاتها

فتستريح النّفس من زفراتها
فسكّن الثّاني من الزّفرات وهي اسمٌ.
وقيل إنّ الحسرة أشدّ النّدامة.
فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يرون أعمالهم حسراتٍ عليهم، وإنّما يتندّم المتندّم على ترك الخيرات وفوتها إيّاه؟ وقد علمت أنّ الكفّار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازدياد منه، فيريهم اللّه قليله، بل كانت أعمالهم كلّها معاصي للّه، ولا حسرة عليهم في ذلك، وإنّما الحسرة فيما لم يعملوا من طاعة اللّه؟
قيل له: إنّ أهل التّأويل في تأويل ذلك مختلفون، فنذكر في ذلك ما قالوا، ثمّ نخبر بالّذي هو أولى بتأويله إن شاء اللّه. فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم اللّه أعمالهم الّتي فرضها عليهم في الدّنيا فضيّعوها ولم يعملوا بها حتّى استوجب ما كان اللّه أعدّ له لو كان عمل بها في حياته من المساكن والنّعم غيره بطاعته ربّه فصار ما فاته من الثّواب الّذي كان اللّه أعدّه له عنده لو كان أطاعه في الدّنيا إذ عاينه عند دخول النّار أو قبل ذلك أسًى وندامةً وحسرةً عليه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون،
قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} زعم أنّه يرفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنّهم أطاعوا اللّه، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم اللّه ثمّ تقسم بين المؤمنين، فيرثونهم، فذلك حين يندمون».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، قال: حدّثنا أبو الزّعراء، عن عبد اللّه: «في قصّةٍ ذكرها فقال فليس نفسٌ إلاّ وهي تنظر إلى بيتٍ في الجنّة، وبيتٍ في النّار، وهو يوم الحسرة. قال: فيرى أهل النّار البيت الّذي في الجنّة، فيقال لهم: لو عملتم فتأخذهم الحسرة. قال: فيرى أهل الجنّة البيت الّذي في النّار، فيقال: لولا أن منّ اللّه عليكم».
فإن قال قائلٌ: وكيف يكون مضافًا إليهم من العمل ما لم يعملوه على هذا التّأويل؟
قيل: كما يعرض على الرّجل العمل فيقال له قبل أن يعمله: هذا عملك، يعني هذا الّذي يجب عليك أن تعمله، كما يقال للرّجل يحضر غداؤه قبل أن يتغدّى به: هذا غداؤك اليوم، يعني به: هذا ما تتغدّى به اليوم، فكذلك قوله: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} يعني: كذلك يريهم اللّه أعمالهم الّتي كان لازمًا لهم العمل بها في الدّنيا حسراتٍ عليهم.
وقال آخرون: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم السّيّئة حسراتٍ عليهم} لم عملوها، وهلاّ عملوا بغيرها ممّا يرضى اللّه تعالى.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: «{كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} فصارت أعمالهم الخبيثة حسرةً عليهم يوم القيامة».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {أعمالهم حسراتٍ عليهم} قال: «أوليس أعمالهم الخبيثة الّتي أدخلهم اللّه بها النّار حسراتٍ عليهم؟ قال: وجعل أعمال أهل الجنّة لهم، وقرأ قول اللّه: {بما أسلفتم في الأيّام الخالية}».
قال أبو جعفرٍ: «وأولى التّأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} كذلك يري اللّه الكافرين أعمالهم الخبيثة حسراتٍ عليهم لم عملوا بها، وهلاّ عملوا بغيرها فندموا على ما فرّط منهم من أعمالهم الرّديئة إذ رأوا جزاءها من اللّه وعقابها؟ لأنّ اللّه أخبر أنّه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم. فالّذي هو أولى بتأويل الآية ما دلّ عليه الظّاهر دون ما احتمله الباطن الّذي لا دلالة على أنّه المعنيّ بها». والّذي قال السّدّيّ في ذلك: «وإن كان مذهبًا تحتمله الآية، فإنّه منزعٌ بعيدٌ، ولا أثر بأنّ ذلك كما ذكر تقوم به حجّةٌ فيسلّم له، ولا دلالة في ظاهر الآية أنّه المراد بها. فإذ كان الأمر كذلك لم يحل ظاهر التّنزيل إلى باطن تأويلٍ»). [جامع البيان: 3/ 32-35]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما هم بخارجين من النّار}:
يعني تعالى ذكره بذلك: وما هؤلاء الّذين وصفتهم من الكفّار وإن ندموا بعد معاينتهم ما عاينوا من عذاب اللّه، فاشتدّت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة، وتمنّوا إلى الدّنيا كرّةً لينيبوا فيها، ويتبرّءوا من مضلّيهم وسادتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية اللّه فيها بخارجين من النّار الّتي أصلاهموها اللّه بكفرهم به في الدّنيا، ولا ندمهم فيها بمنجيهم من عذاب اللّه حينئذٍ، ولكنّهم فيها مخلّدون.
وفي هذه الآية الدّلالة على تكذيب اللّه الزّاعمين أنّ عذاب اللّه أهل النّار من أهل الكفر منقضٍ، وأنّه إلى نهايةٍ، ثمّ هو بعد ذلك فانٍ؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الّذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثمّ ختم الخبر عنهم أنّهم غير خارجين من النّار بغير استثناءٍ منه وقتًا دون وقتٍ، فذلك إلى غير حدٍّ ولا نهايةٍ). [جامع البيان: 3/ 36]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار (167) يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيّبًا ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان إنّه لكم عدوٌّ مبينٌ (168)}:
قوله: {وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منّا}:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: «فقالت الأتباع: لو أنّ لنا كرّةً إلى الدنيا، فنتبرأ منهم كما تبرؤا منّا»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 279]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم}:
وبه عن أبي العالية: يقول اللّه: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} يقول: «صارت أعمالهم الخبيثة حسراتٍ عليهم يوم القيامة». وروي عن الرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 279]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار}:
حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ بن طلحة، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: «{كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} زعم أنّها ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها، وينظرون إلى بيوتهم فيها لو أنّهم أطاعوا اللّه، فقال لهم: تلك مساكنكم، لو أطعتم اللّه. ثمّ تقسم بين المؤمنين فيرثونهم فذلك حين يندمون»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 279]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وما هم بخارجين من النّار}:
- حدّثنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ، ثنا حفص بن عمر، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: {وما هم بخارجين من النّار} قال: «أولئك أهلها، الّذين هم أهلها».
- حدّثنا أبي، ثنا دحيمٌ، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعيّ، سمعت ثابت بن معبدٍ قال: «ما زال أهل النّار يأملون الخروج منها حتّى نزلت وما هم بخارجين من النار»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 279]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة} قال: «رجعة إلى الدنيا».
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} يقول: «صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {وما هم بخارجين من النار} قال: «أولئك أهلها الذين هم أهلها».
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأوزاعي قال: سمعت ثابت بن معبد قال: «ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت {وما هم بخارجين من النار}»). [الدر المنثور: 2/ 125-126]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 10:20 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أنداداً يحبّونهم كحبّ اللّه...}
يريد - والله أعلم - يحبّون الأنداد، كما يحبّ المؤمنون الله, ثم قال: {والّذين آمنوا أشدّ حبّاً للّه} من أولئك الأنداد). [معاني القرآن: 1/ 97]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب...}
يوقع "يرى" على "أن القوة لله وأن الله" وجوابه متروك, والله أعلم,و قوله: {ولو أنّ قرآناً سيّرت به الجبال أو قطّعت}, وترك الجواب في القرآن كثير؛ لأن معاني الجنة والنار مكرر معروف, وإن شئت كسرت إنّ , وإنّ وأوقعت "يرى" على "إذ" في المعنى , وفتح أنّ وأنّ مع الياء أحسن من كسرها.
ومن قرأ :{ولو ترى الّذين ظلموا} بالتاء كان وجه الكلام أن يقول: "إن القوة..." بالكسر ", وإن..."؛ لأن "ترى" قد وقعت على {الذين ظلموا}
فاستؤنفت "إن ", "وإنّ" , ولو فتحتهما على تكرير الرّؤية من "ترى" , ومن "يرى" لكان صواباً؛ كأنه قال: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يرون {أنّ القوّة للّه جميعاً}). [معاني القرآن: 1/ 98]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({ولو يرى الذين ظلموا}, أي: يعلم، وليس برؤية عين.). [مجاز القرآن: 1/ 62]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أنداداً يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبّاً للّه ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعاً وأنّ اللّه شديد العذاب}
قال: {ولو ترى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب إنّ القوّة للّه جميعاً}, فـ"إنّ" مكسورة على الابتداء إذ قال: {ولو ترى},
وقال بعضهم : {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة للّه جميعاً} , يقول: "ولو يرون أنّ القوّة للّه", أي: "لو يعلمون" ؛ لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا قال: {ولو ترى}, فإنما يخاطب النبي صلى الله عله وسلم , ولو كسر "إنّ" إذا قال: {ولو يرى الذين ظلموا} على الابتداء جاز لو يرى أو يعلم, وقد تكون في معنى لا يحتاج معها إلى شيء , تقول للرجل: "أما واللّه لو تعلم" , و"لو يعلم" , قال الشاعر:

إن يكن طبّك الدّلال فلو في ....... سالف الدّهر والسنين الخوالي

فهذا ليس له جواب إلاّ في المعننى, وقال:

فبحظٍّ مما تعيش ولا تذ ....... هب بك التّرهات في الأهوال

فأضمر "فعيشي", وقال بعضهم {ولو ترى}, وفتح {أنّ} على {ترى}, وليس ذلك ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناس كما قال: {أم يقولون افتراه} , ليخبر الناس عن جهلهم , وكما قال: {ألم تعلم أنّ اللّه له ملك السّماوات والأرض}).
[معاني القرآن: 1/ 121-122]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادا يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبّا للّه ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعا وأنّ اللّه شديد العذاب}
فأعلم أن بعد هذا البيان والبرهان؛ تتخذ من دونه الأنداد, وهي الأمثال، فأبان أن من الناس من يتخذ ندّا يعلم أنه لا ينفع , ولا يضر , ولا يأتي بشيء مما ذكرنا، وعنى بهذا مشركي العرب.
وقوله عزّ وجلّ: {يحبّونهم كحبّ الله}
أي: يسوّون بين هذه الأوثان وبين اللّه عزّ وجلّ في المحبة.
وقال بعض النحويين: يحبونهم كحبكم أنتم للّه, وهذا قول ليس بشيء, ودليل نقضه قوله: {والّذين آمنوا أشدّ حبّاً للّه}
والمعنى: أن المخلصين الذين لا يشركون مع اللّه غيره هم المحبّون حقاً.
وقوله عزّ وجلّ: {ولو يرى الّذين ظلموا- إذ يرون العذاب - أنّ القوّة للّه جميعاً}.
في هذا غير وجه:
1- يجوز أنّ القوة للّه, وأن اللّه،
2- ويجوز أن القوة للّه, وإن الله، ولو ترى الذين ظلموا , وتفتح أن مع ترى، وتكسر، وكل ذلك قد قرئ به.
قرأ الحسن:{ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب إنّ القوة، وإنّ اللّه}: ونحن نفسر ما يجب أن يجرى عليه هذا إن شاء اللّه.
من قرأ : {أنّ القوة}, فموضع أن نصب بقوله :{ولو يرى الذين ظلموا أن القوة للّه جميعاً}, وكذلك نصب أن الثانية , والمعنى: ولو يرى الذين ظلموا شدّة عذاب اللّه وقوته , لعلموا مضرةاتخاذهم الأنداد، وقد جرى ذكر الأنداد في قوله:
{ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أنداداً}:
ويجوز أن يكون: العامل في أنّ الجواب على ما جاء في التفسير: يروى في تفسير هذا : أنه لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة , لعلموا حين يرونه أن القوة للّه جميعاً, ففتح أنّ أجود وأكثر في القراءة، وموضعها نصب في هاتين الجهتين على ما وصفنا،
ويجوز أن تكون: " إنّ " مكسورة مستأنفة، فيكون جواب {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب}, لرأوا أمرا عظيماً لا تبلغ صفته؛ لأن جواب لو إنما يترك لعظيم الموصوف نحو قوله عزّ وجلّ: {ولو أنّ قرآنا سيّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتى}
المعنى: لكان هذا القرآن أبلغ من كل ما وصف, وتكون:{أنّ القوّة للّه جميعاً}, على الاستئناف.
يخبر بقوله: أن القوة للّه جميعاً, ويكون الجواب المتروك غير معلق بإنّ.
ومن قرأ:{ولو ترى الذين ظلموا}, فإن التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم : يراد به الناس
كما قال: {ألم تعلم أنّ اللّه له ملك السّماوات والأرض وما لكم من دون اللّه من وليّ ولا نصير}
فهو بمنزلة: ألم تعلموا, وكذلك : ولو ترى الذين ظلموا بمنزلة: ولو ترون, وتكون {أنّ القوّة للّه جميعاً} مستأنفة كما وصفنا.
ويكون الجواب - واللّه أعلم - : لرأيتم أمرا عظيما, كما يقول: لو رأيت فلانً, ا والسياط تأخذه، فيستغنى عن " الجواب ؛ لأن المعنى معلوم.
ويجوز فتح أن مع ترى , فيكون: لرأيتم أيها المخاطبون أن القوة للّه جميعا، أو لرأيتم أن الأنداد لم تنفع، وإنما بلغت الغاية في الضرر ؛ لأن القوة للّه جميعا.
و{جميعا}منصوبة - على الحال: المعنى أن القوة ثابتة للّه عزّ وجلّ في حال اجتماعها). [معاني القرآن: 1/ 237-239]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({وتقطّعت بهم الأسباب}, أي: الوصلات التي كانوا يتواصلون عليها في الدنيا، واحدتها: وصلة). [مجاز القرآن: 1/ 63]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({وتقطعت بهم الأسباب}: الوصلات التي كانوا يتواصلون عليها في الدنيا. والسبب الحبل وكل شيء بين اثنين من عهد أو رحم فهو سبب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)).). [غريب القرآن وتفسيره: 86]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({وتقطّعت بهم}, يعني: الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا).
[تفسير غريب القرآن: 68]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب}
يعني به: السادة , والأشراف {من الّذين اتّبعوا}, وهم الأتباع, والسفلة.
{ورأوا العذاب}, يعنى به: التابعون , والمتبوعون، {وتقطّعت بهم الأسباب}, أي: انقطع وصلهم الذي كان جمعهم.
كما قال:{لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون} : فبينهم وصلهم, والذي تقطع بينهم في الآخر كان وصل بينهم في الدنيا.
وإنما ضمّت الألف في قوله {اتّبعوا}لضمّة التاء، والتاء ضمت علامة ما لم يسمّ فاعله.
فإن قال قائل: فما لم يسم فاعله مضموم الأول، والتاء المضمومة في {اتّبعوا} ثالثة، قيل إنما يضم لما لم يسم فاعله الأول من متحركات الفعل، فإذا كان في الأول ساكن اجتلبت له ألف الوصل، وضم ما كان متحركاً, فكان المتحرك من اتبعوا التاء الثانية فضمت دليلاً على ترك الفاعل، وأيضاً فإن في {اتّبعوا}ألف وصل دخلت من أجل سكون فاء الفعل؛ لأن مثاله من الفعل افتعلوا، فالألف ألف وصل, ولا يبنى عليه ضمة الأول في فعل لم يسمّ فاعله، والفاء ساكنة، والسّاكن لا يبنى عليه فلم يبق إلا الثالث، وهو التاء فضمت علماً للفعل الذي لم يسم فاعله، فكان الثالث لهذه العلة هو الأول). [معاني القرآن: 1/ 239-240]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({حسراتٍ} : الحسرة: أشدّ الندامة). [مجاز القرآن: 1/ 63]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ( (الحسرة): أشد الندامة). [غريب القرآن وتفسيره: 86]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({لو أنّ لنا كرّةً}, أي: رجعة, {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم} ,يريد: أنهم عملوا في الدنيا أعمالاً لغير اللّه، فضاعت, وبطلت). [تفسير غريب القرآن: 68]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النّار}
أي: عودة إلى الدنيا فنتبرأ منهم، موضع "أن" رفع، المعنى : لو وقع لنا كرور , لتبرأنا منهم، كما تبرأوا منا، يقال : تبرأت منهم تبرؤا، وبرئت منه براءة , وبرئت من المرض , وبرأت أيضاً, لغتان: أبرأ، برءا، وبريت القلم , وغيره , وأبريه غير مهموز، وبرأ اللّه الخلق برءاً.
وقوله عزّ وجلّ: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسرات}
أي: كـ تبرّي بعضهم من بعض , يريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم؛ لأن ما عمله الكافر غير نافعه مع كفره، قال الله عزّ وجلّ:{الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل اللّه أضلّ أعمالهم}
وقال: {حبطت أعمالهم}, ومعنى:{أضلّ أعمالهم}, لم يجازهم على ما عملوا من خير، وهذا كما تقول لمن عمل عملاً, لم يعد عليه فيه نفع: لقد ضل سعيك). [معاني القرآن: 1/ 240]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({كرة}, أي: رجعة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 35]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الْحَسْـــــرَةِ}: أشد الندامـــة). [العمدة في غريب القرآن: 86]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الآخرة 1434هـ/11-04-2013م, 09:53 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} أين جوابها؟ وعن قوله جل وعلا: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب}، {ولو ترى إذ وقفوا على النار} فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم لعلم المخبر لأي شيءٍ وضع هذا الكلام). [الكتاب: 3/ 103] (م)

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) }

[لا يوجد]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أنداداً يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعاً وأنّ اللّه شديد العذاب (165) إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب (166) وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّؤا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار (167)}
ذكر الله تعالى الوحدانية ثم الآيات الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا، ثم ذكر في هذه الآية الجاحدين الضالين معجبا من سوء ضلالهم مع الآيات، لأن المعنى أن في هذه الأمور لآيات بينة، ومن الناس مع ذلك البيان من يتخذ، وخرج يتّخذ موحدا على لفظ من والمعنى جمعه، ومن دون لفظ يعطي غيبة ما تضاف إليه دون عن القضية التي فيها الكلام، وتفسير دون بسوى أو بغير لا يطرد، والند النظير والمقاوم والموازي كان ضدا أو خلافا أو مثلا، إذا قاوم من جهة فهو منها ند، وقال مجاهد وقتادة: «المراد بالأنداد الأوثان»، وجاء ضميرها في يحبّونهم ضمير من يعقل لما أنزلت بالعبادة منزلة من يعقل، وقال ابن عباس والسدي: «المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله تعالى»، ويحبّونهم في موضع نصب نعت للأنداد، أو على الحال من المضمر في يتّخذ، أو يكون في موضع رفع نعت ل من وهذا على أن تكون من نكرة والكاف من كحبّ في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و «حب» مصدر مضاف إلى المفعول في اللفظ وهو على التقدير مضاف إلى الفاعل المضمر، تقديره كحبكم الله أو كحبهم الله حسبما قدر كل وجه منها فرقة، ومعنى كحبهم أي يسوون بين محبة الله ومحبة الأوثان.
ثم أخبر أن المؤمنين أشدّ حبًّا للّه لإخلاصهم وتيقنهم الحق.
وقوله تعالى: {ولو ترى الذين ظلموا} قرأ نافع وابن عامر «ترى» بالتاء من فوق، و «أن» بفتح الألف، و «أن» الأخرى كذلك عطف على الأولى، وتقدير ذلك: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى، وهو العامل في «أن»، وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا، وتقدير ثالث: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم، فاللام مضمرة قبل «أن»، فهي مفعول من أجله، والجواب محذوف مقدر بعد ذلك، وقد حذف جواب لو مبالغة، لأنك تدع السامع يسمو به تخيله، ولو شرحت له لوطنت نفسه إلى ما شرحت، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وأبو جعفر ترى بالتاء من فوق وكسر الهمزة من «إن»، وتأويل ذلك: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لاستعظمت ما حل بهم، ثم ابتدأ الخبر بقوله: {إن القوة لله}، وتأويل آخر: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله جميعا لاستعظمت حالهم. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن كثير «يرى» بالياء من أسفل، وفتح الألف من «أن»، تأويله: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالهم في الآخرة إذ يرون العذاب لعلموا أن القوة لله جميعا، وتأويل آخر روي عن المبرد والأخفش: ولو يرى بمعنى يعلم الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا لاستعظموا ما حل بهم، ف «يرى» عامل في «أن» وسدت مسد المفعولين.
وقال أبو علي: «الرؤية في هذه الآية رؤية البصر»، والتقدير في قراءة الياء: {ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله جميعا}، وحذف جواب لو للمبالغة، ويعمل في «أن» الفعل الظاهر وهو أرجح من أن يكون العامل فيها مقدرا، ودخلت إذ وهي لما مضى في أثناء هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه، كما يقع الماضي موقع المستقبل في قوله تعالى: {ونادى أصحاب النّار أصحاب الجنّة} [الأعراف: 50]، {وأتى أمر اللّه} [النحل: 1]، ومنه قول الأشتر النخعي:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ....... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
وقرأت طائفة «يرى» بالياء من أسفل وكسر الألف من «إن»، وذلك إما على حذف الجواب وابتداء الخبر، وإما على تقدير لقالوا إن القوة لله جميعا، وقرأ ابن عامر وحده «يرون» بضم الياء والباقون بفتحها.
وثبتت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة). [المحرر الوجيز: 1/ 401-404]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقالت طائفة: الّذين اتّبعوا: كل من عبد من دون الله، وقال قتادة: «هم الشياطين المضلون»، وقال الربيع وعطاء: «هم رؤساؤهم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «ولفظ الآية يعم هذا كله»، وإذ يحتمل أن تكون متعلقة ب شديد العذاب، ويحتمل أن يكون العامل فيها: اذكر، والّذين اتّبعوا بفتح الباء هم العبدة لغير الله، والضالون المقلدون لرؤسائهم أو للشياطين، وتبريرهم هو بأن قالوا إنّا لم نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين، وقرأ مجاهد بتقديم الفعل المسند إلى المتبعين للرؤساء وتأخير المسند إلى المتبعين.
والسبب في اللغة: الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين، وقال ابن عباس: «الأسباب هنا الأرحام»، وقال مجاهد: «هي العهود»، وقيل: المودات، وقيل: المنازل التي كانت لهم في الدنيا، وقال ابن زيد والسدي: هي الأعمال، إذ أعمال المؤمنين كالسبب في تنعيمهم فتقطعت بالظالمين أعمالهم). [المحرر الوجيز: 1/ 404-405]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وقال الّذين اتّبعوا} الآية، المعنى وقال الأتباع الذين تبرئ منهم: لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم، والكرة: العودة إلى حال قد كانت، ومنه قول جرير:
ولقد عطفن على فزارة عطفة ....... كر المنيح وجلن ثم مجالا
والمنيح هنا: أحد الأغفال من سهام الميسر، وذلك أنه إذا خرج من الربابة رد لفوره لأنه لا فرض فيه ولا حكم عنه، والكاف من قوله كما في موضع نصب على النعت إما لمصدر أو لحال تقديرها متبرئين كما، والكاف من قوله كذلك يريهم قيل: هي في موضع رفع على خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك، وقيل: هي كاف تشبيه مجردة، والإشارة بذلك إلى حالهم وقت تمنيهم الكرة.
والرؤية في الآية هي من رؤية البصر، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، وأعمالهم قال الربيع وابن زيد المعنى: «الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار»، وقال ابن مسعود والسدي المعنى: «الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة»، ورويت في هذا القول أحاديث، وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها، وحسراتٍ حال على أن تكون الرؤية بصرية، ومفعول على أن تكون قلبية، والحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات، وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر، وقيل هي من حسر إذا كشف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب»). [المحرر الوجيز: 1/ 405-406]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ومن النّاس من يتّخذ من دون اللّه أندادًا يحبّونهم كحبّ اللّه والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا وأنّ اللّه شديد العذاب (165) إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب (166) وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار (167)}
يذكر تعالى حال المشركين به في الدّنيا وما لهم في الدّار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبّونهم كحبّه، وهو اللّه لا إله إلّا هو، ولا ضدّ له ولا ندّ له، ولا شريك معه. وفي الصّحيحين عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قلت: «يا رسول اللّه، أيّ الذّنب أعظم؟ قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك».
وقوله: {والّذين آمنوا أشدّ حبًّا للّه} ولحبّهم للّه وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه. ثمّ توعّد تعالى المشركين به، الظّالمين لأنفسهم بذلك فقال: {ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة للّه جميعًا}.
قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذٍ أنّ القوّة للّه جميعًا، أي: إنّ الحكم له وحده لا شريك له، وأنّ جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه {وأنّ اللّه شديد العذاب} كما قال: {فيومئذٍ لا يعذّب عذابه أحدٌ * ولا يوثق وثاقه أحدٌ} [الفجر: 25، 26] يقول: لو علموا ما يعاينونه هنالك، وما يحلّ بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عمّا هم فيه من الضّلال). [تفسير ابن كثير: 1/ 476-477]


تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرّؤ المتبوعين من التّابعين، فقال: {إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب} تبرّأت منهم الملائكة الّذين كانوا يزعمون أنّهم يعبدونهم في دار الدّنيا، فتقول الملائكة: {تبرّأنا إليك ما كانوا إيّانا يعبدون} [القصص: 63] ويقولون: {سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأٍ: 41] والجنّ أيضًا تتبرّأ منهم، ويتنصّلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: {ومن أضلّ ممّن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر النّاس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] وقال تعالى: {واتّخذوا من دون اللّه آلهةً ليكونوا لهم عزًّا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًّا} [مريم: 81، 82] وقال الخليل لقومه: {إنّما اتّخذتم من دون اللّه أوثانًا مودّة بينكم في الحياة الدّنيا ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعضٍ ويلعن بعضكم بعضًا ومأواكم النّار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظّالمون موقوفون عند ربّهم يرجع بعضهم إلى بعضٍ القول يقول الّذين استضعفوا للّذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين * قال الّذين استكبروا للّذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الّذين استضعفوا للّذين استكبروا بل مكر اللّيل والنّهار إذ تأمروننا أن نكفر باللّه ونجعل له أندادًا وأسرّوا النّدامة لمّا رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الّذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سبأٍ: 31-33] وقال تعالى: {وقال الشّيطان لمّا قضي الأمر إنّ اللّه وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إنّي كفرت بما أشركتمون من قبل إنّ الظّالمين لهم عذابٌ أليمٌ} [إبراهيم: 22].
وقوله: {ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب} أي: عاينوا عذاب اللّه، وتقطّعت بهم الحيل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النّار معدلا ولا مصرفا.
قال عطاءٌ عن ابن عبّاسٍ: {وتقطّعت بهم الأسباب} قال: المودّة. وكذا قال مجاهدٌ في رواية ابن أبي نجيحٍ). [تفسير ابن كثير: 1/ 477]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منّا} أي: لو أنّ لنا عودة إلى الدّار الدّنيا حتّى نتبرّأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحّد اللّه وحده بالعبادة. وهم كاذبون في هذا، بل لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه. كما أخبر اللّه تعالى عنهم بذلك؛ ولهذا قال: {كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار} أي: تذهب وتضمحلّ كما قال اللّه تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثورًا} [الفرقان: 23].
وقال تعالى: {مثل الّذين كفروا بربّهم أعمالهم كرمادٍ اشتدّت به الرّيح في يومٍ عاصفٍ} الآية [إبراهيم: 18]، وقال تعالى: {والّذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظّمآن ماءً} الآية [النّور: 39]؛ ولهذا قال تعالى: {وما هم بخارجين من النّار} ). [تفسير ابن كثير: 1/ 477-478]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:28 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة