العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 06:58 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (163) إلى الآية (164) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (163) إلى الآية (164) ]


{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 09:54 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن أبيه سعيد بن مسروقٍ عن أبي الضّحى في قوله عز وجل: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} قال: «قال المشركون: {ائتينا بآيةٍ} فنزلت: {إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات} إلى آخر الآية
[الآية: 163، 164]»). [تفسير الثوري: 54]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم (163) إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل الله من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآياتٍ لقومٍ يعقلون}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو الأحوص، نا سعيد بن مسروقٍ، عن أبي الضّحى، قال: «لمّا نزلت: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم}، تعجّب المشركون، وقالوا: إلهًا واحدًا! إن كان صادقًا فليأتنا بآيةٍ، فأنزل اللّه: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} إلى قوله: {لقومٍ يعقلون}»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 641]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم}:
قد بيّنّا فيما مضى معنى الألوهة وأنّها اعتباد الخلق. فمعنى قوله: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم} والّذي يستحقّ عليكم أيّها النّاس الطّاعة له، ويستوجب منكم العبادة معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تعبدوا غيره ولا تشركوا معه سواه فإنّ من تشركونه معه في عبادتكم إيّاه هو خلقٌ من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا مثل له ولا نظير.
واختلف في معنى وحدانيّته تعالى ذكره، فقال بعضهم: معنى وحدانيّة اللّه معنى نفي الأشباه والأمثال عنه كما يقال: فلانٌ واحد النّاس وهو واحد قومه، يعني بذلك أنّه ليس له في النّاس مثل، ولا له في قومه شبيهٌ ولا نظيرٌ؛ قالوا: فكذلك معنى قولنا: اللّه {واحدٌ} نعني به اللّه لا مثل له ولا نظير. فزعموا أنّ الّذي دلّهم على صحّة تأويلهم ذلك أنّ قول القائل واحدٌ اسم لمعانٍ أربعةٍ، أحدها: أن يكون واحدًا من جنسٍ كالإنسان الواحد من الإنس، والآخر: أن يكون غير متنصف كالجزء الّذي لا ينقسم، والثّالث: أن يكون معنيًّا به المثل والاتّفاق كقول القائل: هذان الشّيئان واحدٌ، يراد بذلك أنّهما متشابهان حتّى صارا لاشتباههما في المعاني كالشّيء الواحد،
والرّابع: أن يكون مرادًا به نفي النّظير عنه والشّبيه. قالوا: فلمّا كانت المعاني الثّلاثة من معاني الواحد منتفيةً عنه صحّ المعنى الرّابع الّذي وصفناه.
وقال آخرون: معنى وحدانيّته تعالى ذكره معنى انفراده من الأشياء وانفراد الأشياء منه. قالوا: وإنّما كان منفردًا وحده، لأنّه غير داخلٍ في شيءٍ ولا داخلٍ فيه شيءٌ. قالوا: ولا صفة لقول القائل واحدٌ من جميع الأشياء إلاّ ذلك.
وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعة الّتي قالها الآخرون.
وأمّا قوله: {لا إله إلاّ هو} فإنّه خبرٌ منه تعالى ذكره أنّه لا ربّ للعالمين غيره، ولا مستجيب على العباد العبادة سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهم خلقه، والواجب على جميعهم طاعته، والانقياد لأمره وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة وهجر الأوثان والأصنام، لأنّ جميع ذلك خلقه وعلى جميعهم الدّينونة له بالوحدانيّة والألوهيّة، ولا تنبغي الألوهيّة إلاّ له، إذ كان ما بهم من نعمةٍ في الدّنيا فمنه دون ما يعبدونه من الأوثان، ويشركون معه من الأشراك وما يصيرون إليه من نعمةٍ في الآخرة فمنه، وأنّ ما أشركوا معه من الأشراك لا يضرّ ولا ينفع في عاجلٍ ولا في آجلٍ، ولا في دنيا، ولا في آخرةٍ. وهذا تنبيهٌ من اللّه تعالى ذكره أهل الشّرك به على ضلالهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم.
ثمّ عرّفهم تعالى ذكره بالآية الّتي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبّههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: أيّها المشركون إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أنّ إلهكم إلهٌ واحدٌ دون ما تدّعون ألوهته من الأنداد والأوثان فتدبّروا حججي وفكّروا فيها، فإنّ من حججي: خلق السّموات والأرض، واختلاف اللّيل والنّهار، والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس، وما أنزلت من السّماء من ماءٍ فأحييت به الأرض بعد موتها، وما بثثت فيها من كلّ دابّةٍ، والسّحاب الّذي سخّرته بين السّماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعضٍ يقدر على أن يخلق نظير شيءٍ من خلقي الّذي سمّيت لكم، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذٍ عذرٌ، وإلاّ فلا عذر لكم في اتّخاذّ إلهٍ سواي، ولا إله لكم ولما تعبدون غيري.
قال أبو جعفرٍ: «فليتدبّر أولو الألباب إيجاز اللّه احتجاجه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده في هذه الآية وفي الّتي بعدها بأوجز كلامٍ وأبلغ حجّةٍ وألطف معنًى يشرف بهم على معرفة فضل حكمة اللّه وبيانه» ). [جامع البيان: 2/ 745-747]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم (163)}:
قوله: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ}:
- حدّثنا يحيى بن عبدك القزوينيّ، ثنا مكّيّ بن إبراهيم، ثنا عبيد اللّه يعني: ابن أبي زيادٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن أسماء، يعني بنت يزيد، أنّها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إنّ في هاتين الآيتين اسم اللّه الأعظم: {
وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرّحمن الرحيم} و{الم. اللّه لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم}».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، حدّثني سعيد بن مسروقٍ عن أبي الضّحى، في قول اللّه: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ} قال: «لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّدًا يقول: إلهكم إلهٌ واحدٌ، فليأتنا بآيةٍ إن كان من الصّادقين، فأنزل اللّه تعالى: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} إلى قوله: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون}».
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، ثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ قال: «نزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم} فقال كفّار قريشٍ بمكّة: كيف يتّسع النّاس إلهٌ واحدٌ؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر} إلى قوله: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون} فبهذا تعلمون أنّه إلهٌ واحدٌ، وأنّه إله كلّ شيءٍ، وخالق كلّ شيءٍ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 272]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {لا إله إلا هو} قال: «توحيده».
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة، قال: قال محمّد بن إسحاق: «{لا إله إلا هو} أي ليس معه غيره شريكًا في أمره»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 272]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {الرحمن الرحيم}:
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 273]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجة وأبو مسلم الكجي في السنن، وابن الضريس، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين {وإلهكم إله واحد لا إله
إلا هو الرحمن الرحيم} و{ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران الآيتان 1 - 2]».
وأخرج الديلمي عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أشد على مردة الجن من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة {وإلهكم إله واحد} الآيتين».
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن وثمة قال: «الآيات التي يدفع الله بهن من اللمم من لزمهن في كل يوم ذهب عنه ما يجد {وإلهكم إله واحد} الآية، وآية الكرسي وخاتمة البقرة و{إن ربكم الله} [الأعراف الآية 54] إلى {المحسنين} وآخر الحشر بلغنا أنهن مكتوبات في زوايا العرش وكان يقول: اكتبوهن لصبيانكم من الفزع واللم»). [الدر المنثور: 2/ 107-108]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن أبيه سعيد بن مسروقٍ عن أبي الضّحى في قوله عز وجل: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} قال: «قال المشركون: {ائتينا بآيةٍ} فنزلت: {إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات} إلى آخر الآية [الآية: 163، 164]»). [تفسير الثوري: 54] (م)

قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن سماك بن حربٍ عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال ابن عبّاسٍ حين قال المشركون: «{ائتينا بآيةٍ} فقال ابن عبّاسٍ: الآية كان سأل الرّجل فجاء ثمّة يقول: علامة لهذه الأمة [الآية: 164]»). [تفسير الثوري: 54]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إنّ في خلق السّموات والأرض}:
- أخبرنا هارون بن عبد الله، ويوسف بن سعيدٍ واللّفظ له، حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني إسماعيل بن أميّة، عن أيّوب بن خالدٍ، عن عبد الله بن رافعٍ، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيدي فقال: «خلق الله التّربة يوم السّبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الأشجار يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثّلاثاء، وخلق النّور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدّوابّات يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر، آخر الخلق آخر ساعات النّهار» ).
[السنن الكبرى للنسائي: 10/ 20]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآياتٌ لقومٍ يعقلون}:
اختلف أهل التّأويل في السّبب الّذي من أجله أنزل اللّه تعالى ذكره هذه الآية على نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم. فقال بعضهم: أنزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشّرك به من عبدة الأوثان، وذلك أنّ اللّه تعالى ذكره لمّا أنزل على نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم} فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون من عبدة الأوثان قال المشركون: وما الحجّة، والبرهان على أنّ ذلك كذلك، ونحن ننكر ذلك، ونحن نزعم أنّ لنا آلهةً كثيرةً؟ فأنزل اللّه عند ذلك: {إنّ في خلق السّموات والأرض} احتجاجًا لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الّذين قالوا ما ذكرنا عنهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: «نزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم} فقال كفّار قريشٍ بمكّة: كيف يسع النّاس إلهٌ واحدٌ؟ فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} إلى قوله: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون} فبهذا تعلمون أنّه إلهٌ واحدٌ، وأنّه إله كلّ شيءٍ وخالق كلّ شيءٍ».
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أجل أنّ أهل الشّرك سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آيةً، فأنزل اللّه هذه الآية يعلّمهم فيها أنّ لهم في خلق السّموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك آيةً بيّنةً على وحدانيّة اللّه، وأنّه لا شريك له في ملكه لمن عقل وتدبّر ذلك بفهمٍ صحيحٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضّحى، قال: «لمّا نزلت {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم} قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآيةٍ فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار}. الآية».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حدّثني سعيد بن مسروقٍ، عن أبي الضّحى، قال: «لمّا نزلت {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلاّ هو الرّحمن الرّحيم} قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآيةٍ فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} الآية».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حدّثني سعيد بن مسروقٍ، عن أبي الضّحى، قال: «لمّا نزلت هذه الآية جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إلهٌ واحدٌ، فلتأتنا بآيةٍ إن كنت من الصّادقين فأنزل اللّه: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} الآية».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاء بن أبى رباحٍ: «أنّ المشركين، قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: أرنا آيةً فنزلت هذه الآية: {إنّ في خلق السّموات والأرض}».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: «سألت قريشٌ، اليهود، فقالوا: حدّثونا عمّا، جاءكم به موسى، من الآيات فحدّثوهم بالعصا، وبيده البيضاء، للنّاظرين، وسألوا النّصارى عمّا جاءهم به عيسى، من الآيات، فأخبروهم أنّه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه. فقالت قريشٌ عند ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ادع اللّه أن يجعل لنا الصّفا ذهبًا فنزداد يقينًا، ونتقوّى به على عدوّنا فسأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ربّه، فأوحى إليه: أنّ، أجعل لهم الصّفا ذهبًا، ولكن إن كذّبوا بعد عذّبتهم عذابًا لم أعذّبه أحدًا من العالمين. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «ذرني وقومي فأدعوهم يومًا بيومٍ فأنزل اللّه عليه: {إنّ في خلق السّموات والأرض} الآية، إنّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنّما يريدون أن أجعل لهم الصّفا ذهبًا، ليزدادوا يقينا، فخلق السّموات والأرض، واختلاف اللّيل والنّهار أعظم من أن أجعل لهم الصّفا ذهبًا».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} فقال المشركون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: غيّر لنا الصّفا ذهبًا إن كنت صادقًا ايه منك فقال اللّه: إنّ في هذا الآيات لآياتٍ لقومٍ يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قومٌ قبلكم، ثمّ أصبحوا بها كافرين».
والصّواب من القول في ذلك، أنّ اللّه تعالى ذكره نبّه عباده على الدّلالة على وحدانيّته وتفرّده بالألوهيّة دون كلّ ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نزلت فيما قاله عطاءٌ، وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبيرٍ وأبو الضّحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر فيجوز أن يقضي أحدٌ لأحد الفريقين بصحّة قولٍ على الآخر. وأيّ القولين كان صحيحًا فالمراد من الآية ما قلت). [جامع البيان: 3/ 5-8]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ في خلق السّموات والأرض}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {إنّ في خلق السّموات والأرض} إنّ في إنشاء السّموات والأرض وابتداعهما. ومعنى خلق اللّه الأشياء: ابتداعه وإيجاده إيّاها بعد أن لم تكن موجودةً.
وقد دلّلنا فيما مضى على المعنى الّذي من أجله قيل الأرض ولم تجمع كما جمعت السّموات، فأغنى ذلك عن إعادته.
فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسّموات والأرض خلقٌ هو غيرها فيقال: إنّ في خلق السّموات والأرض؟
قيل: قد اختلف في ذلك، فقال بعض النّاس: لها خلقٌ هو غيرها، واعتلّوا في ذلك بهذه الآية، وبالّتي في سورة الكهف: {ما أشهدتهم خلق السّموات والأرض ولا خلق أنفسهم} وقالوا: لم يخلق اللّه شيئًا إلاّ واللّه له مريدٌ. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة اللّه، والإرادة خلقٌ لها.
وقال آخرون: خلق الشّيء صفةٌ له، لا هي هو ولا هي غيره. قالوا: لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفًا. قالوا: ولو جاز أن يكون خلقه غيرًه وأن يكون موصوفًا لوجب أن تكون له صفةٌ هي له خلقٌ، ولو وجب ذلك كذلك لم يكن لذلك نهايةٌ. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنّه صفةٌ للشّيء. قالوا: فخلق السّموات، والأرض صفةٌ لهما على ما وصفنا واعتلّوا أيضًا بأنّ للشّيء خلقًا ليس هو به من كتاب اللّه بنحو الّذي اعتلّ به الأوّلون.
وقال آخرون: خلق السّموات والأرض وخلق كلّ مخلوقٍ، هو ذلك الشّيء بعينه لا غيره. فمعنى قوله: {إنّ في خلق السّموات والأرض} إنّ في السّموات والأرض). [جامع البيان: 3/ 8-9]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واختلاف اللّيل والنّهار}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {واختلاف اللّيل والنّهار} وتعاقب اللّيل، والنّهار عليكم أيّها النّاس. وإنّما الاختلاف في هذا الموضع الافتعال من خلوف كلّ واحدٍ منهما الآخر، كما قال تعالى ذكره: {وهو الّذي جعل اللّيل، والنّهار خلفةً لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورًا} بمعنى: أنّ كلّ واحدٍ منهما يخلف مكان صاحبه إذا ذهب اللّيل جاء النّهار بعده، وإذا ذهب النّهار جاء اللّيل خلافه؛ ومن ذلك قيل: خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوءٍ، ومنه قول زهيرٍ:


بها العين والآرام يمشين خلفةً ....... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم

وأمّا اللّيل فإنّه جمع ليلةٍ، نظير التّمر الّذي هو جمع تمرةٍ، وقد يجمع ليالٍ فيزيدون في جمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم الياء في ذلك نظير زيادتهم إيّاها في رباعيّةٍ وثمانيةٍ وكراهيةٍ.
وأمّا النّهار فإنّ العرب لا تكاد تجمعه لأنّه بمنزلة الضّوء، وقد سمع في جمعه النّهر قال الشّاعر:

لولا الثّريدان هلكنا بالضّمر ....... ثريد ليلٍ وثريدٌ بالنّهر

ولو قيل في جمع قليله أنهرةٌ كان قياسًا). [جامع البيان: 3/ 9-10]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {والفلك الّتي تجري في البحر}:
يعني تعالى ذكره: إنّ في الفلك الّتي تجري في البحر. والفلك هو السّفن، واحده وجمعه بلفظٍ واحدٍ، ويذكّر ويؤنّث كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آيةٍ أخرى: {وآيةٌ لهم أنّا حملنا ذرّيّتهم في الفلك المشحون} فذكّره، وقد قال في هذه الآية: {والفلك الّتي تجري في البحر}.
وإنما قيل: تجرى فى البحر وهي مجراة؛ لأنّها إذا أجريت فهي الجارية، فأضيف إليها من الصّفة ما هو لها.
وأمّا قوله: {بما ينفع النّاس} فإنّ معناه: بنفع فتأويل الكلام: وإن فى جرى الفلك بنفع النّاس في البحر). [جامع البيان: 3/ 11]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ} وفيما أنزله اللّه من السّماء من ماءٍ، وهو المطر الّذي ينزله اللّه من السّماء.
وقوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها} وإحياؤها: عمارتها وإخراج نباتها.
والهاء الّتي في به عائدةٌ على الماء، والهاء والألف في قوله: {بعد موتها} على الأرض، وموت الأرض: خرابها ودثور عمارتها، وانقطاع نباتها الّذي هو للعباد أقواتٌ، وللأنام أرزاقٌ). [جامع البيان: 3/ 11-12]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ} وإنّ فيما بثّ في الأرض من دابّةٍ.
ومعنى قوله: {وبثّ فيها}: وفرّق فيها، من قول القائل: بثّ الأمير سراياه: يعني فرّق.
والهاء والألف في قوله: فيها عائدتان على الأرض.
والدّابّة الفاعلة من قول القائل دبّت الدّابّة تدبّ دبيبًا فهي دابّةٌ، والدّابّة اسمٌ لكلّ ذي روحٍ كان غير طائرٍ بجناحيه لدبيبه على الأرض). [جامع البيان: 3/ 12]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وتصريف الرّياح}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {وتصريف الرّياح} وفي تصريفه الرّياح، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما قال: يعجبني إكرام أخيك، يريد إكرامك أخاك.
وتصريف اللّه إيّاها: أن يرسلها مرّةً لواقح، ومرّةً يجعلها عقيمًا، ويبعثها عذابًا تدمّر كلّ شيءٍ بأمر ربّها.
- كما حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر} قال: «قادرٌ واللّه ربّنا على ذلك، إذا شاء جعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تلقح، إنّما هي عذابٌ على من أرسلت عليه».
وزعم بعض أهل العربيّة أنّ معنى قوله: {وتصريف الرّياح} أنّها تأتي مرّةً جنوبًا وشمالاً وقبولاً ودبورًا، ثمّ قال: وذلك تصريفها.
وهذه الصّفة الّتي وصف الرّياح بها صفة تصرّفها لا صفة تصريفها؛ لأنّ تصريفها تصريف اللّه لها، وتصرّفها اختلاف هبوبها.
وقد يجوز أن يكون معنى قوله: {وتصريف الرّياح} تصريف اللّه تعالى ذكره هبوب الرّياح باختلاف مهابّها). [جامع البيان: 3/ 12-13]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآياتٌ لقومٍ يعقلون}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {والسّحاب المسخّر} وفي السّحاب المسخر.
والسّحاب جمع سحابةٍ، يدلّ على ذلك قوله تعالى ذكره: {وينشئ السّحاب الثّقال}.
ووحّد المسخّر وذكّره كما قال: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٌ كثيرٌ في جمعه، وهذه نخلةٌ، وهذا نخلٌ.
وإنّما قيل للسّحاب سحابٌ إن شاء اللّه لجرّ بعضه بعضًا وسحبه إيّاه من قول القائل: مرّ فلانٌ يسحب ذيله: بعني يجره.
فأمّا معنى قوله: {لآياتٍ} فإنّه علاماتٌ ودلالاتٌ على أنّ خالق ذلك كلّه ومنشئه إلهٌ واحدٌ {لقومٍ يعقلون} لمن عقل مواضع الحجج وفهم عن اللّه أدلّته على وحدانيّته.
فأعلم تعالى ذكره عباده بأنّ الأدلّة، والحجج إنّما وضعت معتبرًا لذوي العقول والتّمييز دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنّهي، والمكلّفين بالطّاعة والعبادة، ولهم الثّواب وعليهم العقاب.
فإن قال قائلٌ: وكيف احتجّ على أهل الكفر بقوله: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} الآية في توحيد اللّه، وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفر تدفع أن تكون السّموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً؟
قيل: إنّ إنكار من أنكر ذلك غير دافعٍ أن يكون جميع ما ذكر تعالى ذكره في هذه الآية دليلاً على خالقه وصانعه، وأنّ له مدبّرًا لا يشبهه شيءٌ، وبارئًا لا مثل له. وذلك وإن كان كذلك، فإنّ اللّه إنّما حاجّ بذلك قومًا كانوا مقرّين بأنّ اللّه خالقهم غير أنّهم يشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان؛ فحاجّهم تعالى ذكره فقال إذ أنكروا قوله: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ} وزعموا أنّ له شركاء من الآلهة: إنّ إلهكم الّذي خلق السّموات، وأجرى فيها الشّمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما، وذلك هو معنى اختلاف اللّيل وحملكم في البر والبحر، وذلك هو معنى قوله: {والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس} وأنزل إليكم الغيث من السّماء، فأخصب به جنابكم بعد جدوبه، وأمرعه بعد دثوره، فنعشكم به بعد قنوطكم، وذلك هو معنى قوله: {وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها} وسخّر لكم الأنعام فيها لكم مطاعم ومآكل، ومنها جمالٌ ومراكبٌ، ومنها أثاثٌ وملابسٌ، وذلك هو معنى قوله: {وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ} وأرسل لكم الرّياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم وسيّر لكم السّحاب الّذي بودقه حياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم؛ وذلك هو معنى قوله: {وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض}.
فأخبرهم أنّ إلههم هو اللّه الّذي أنعم عليهم بهذه النّعم، وتفرّد لهم بها. ثمّ قال: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيءٍ} فتشركوه في عبادتكم إيّاي، وتجعلوه لي ندًّا وعدلاً؟ فإن لم يكن من شركائكم من يفعل ذلكم من شيءٍ، ففي الّذي عددت عليكم من نعمتي وتفرّدت لكم بأياديّ دلالاتٌ لكم إن كنتم تعقلون مواقع الحقّ والباطل والجور والإنصاف، وذلك إنّي لكم بالإحسان إليكم متفرّدٌ دون غيري، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إيّاي أندادًا. فهذا هو معنى الآية.
والّذين ذكّروا بهذه الآية واحتجّ عليهم بها هم القوم الّذين وصفت صفتهم دون المعطّلة، والدّهريّة، وإن كان في أصغر ما عدّ اللّه في هذه الآية من الحجج البالغة، المقنع لجميع الأنام تركنا البيان عنه كراهة إطالة الكتاب بذكره). [جامع البيان: 3/ 13-16]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآياتٍ لقومٍ يعقلون (164)}:
قوله: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار}:
- حدّثنا أبي، ثنا عبد الرّحمن بن عمر الزّهريّ الأصبهانيّ رستة، ثنا ابن مهديٍّ يعني: عبد الرّحمن، عن يعقوب بن عبد اللّه الأشعريّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قالت قريشٌ للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ادع اللّه أن يجعل لنا الصّفا ذهبًا نتقوّى به على عدوّنا. فأوحى اللّه إليه: أنّي معطيهم فأجعل لهم الصّفا ذهبًا، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذّبتهم عذابًا لا أعذّبه أحدًا من العالمين. فقال: ربّ دعني وقومي، فأدعوهم يومًا بيومٍ، فأنزل اللّه هذه الآية: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر}
إلى قوله: {الألباب}»، وكيف يسألونك الصّفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصّفا). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 273]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {واختلاف اللّيل والنّهار}:
- أخبرنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ فيما كتب إليّ، أنبأ إسماعيل بن عبد الكريم، حدّثني عبد الصّمد بن معقلٍ، أنّه سمع عمّه وهب بن منبّهٍ يقول: «قال عزيرٌ عليه السّلام: اللّهمّ بكلمتك خلقت جميع خلقك فأتى على مشيئتك، لم تأن فيه مئونةً، ولم تنصب فيه نصبًا، كان عرشك على الماء، والظّلمة على الهواء، والملائكة يحملون عرشك ويسبّحون بحمدك، والخلق مطيعٌ لك، خاشعٌ من خوفك، لا يرى فيه نورٌ إلا نورك ولا يسمع فيه صوتٌ إلا سمّعك، ثمّ فتحت خزانة النّور وطرائف الحكمة فكانا ليلا ونهارًا يختلفان بأمرك»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 273]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله عزّ وجلّ: {والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس}:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبيد اللّه عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ: {الفلك} قال: «السّفينة». وروي عن سعيد بن جبيرٍ مثله). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 273]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة}:
- حدّثنا أبي، ثنا سليمان بن حربٍ، ثنا حمّاد بن زيدٍ، عن عبد الجليل، عن شهر بن حوشبٍ، أنّ أبا هريرة قال: «ما نزل قطرٌ إلا بميزانٍ».
- حدّثني أبي، ثنا محمود بن غيلان، ثنا عليّ بن الحسين بن شقيقٍ، أنبأ الحسين بن واقدٍ، أنبأ علباء بن أحمر، عن عكرمة قال: «ينزل اللّه الماء من السّماء السّابعة فتقع القطرة منه على السّحابة مثل البعير»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 274]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها}:
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، ثنا أبو الزّعراء عن عبد اللّه، قال: فيرسل اللّه عزّ وجلّ ماءً من تحت العرش، منيًّا كمنيّ الرّجال، قال: «فتنبت أجسامهم ولحمانهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من الثّرى، ثمّ قرأ عبد اللّه: فأحيا به الأرض بعد موتها».
- حدّثنا إبراهيم بن عتيقٍ الدّمشقيّ، ثنا مروان بن محمّدٍ، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال: قال أبو رزينٍ العقيليّ: «أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: كيف يحيي اللّه الموتى؟ قال: «ما أتيت على أرضٍ من أرضك وهي مجدبةٌ؟» قلت: بلى. «ثمّ أتيت عليها وهي مخصبةٌ؟» قلت: بلى. «ثمّ أتيت عليها وهي مجدبةٌ؟» قلت: بلى. «ثمّ أتيت عليها وهي مخصبةٌ؟» قلت: بلى. قال: «كذلك النّشور».
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، قوله عزّ وجلّ: {فأحيا به الأرض بعد موتها} قال: «كما أحيا اللّه الأرض الميتة بهذا الماء، كذلك يحيي اللّه عزّ وجلّ النّاس يوم القيامة»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 274]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ}:
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ عن
السّدّيّ قوله عزّ وجلّ: {وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ} قال: «بثّ: خلق» وروي عن مقاتل بن حيّان، مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 274-275]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله عزّ وجلّ: {وتصريف الرّياح}:
- أخبرنا محمّد بن عبيد اللّه بن المنادي، فيما كتب إليّ، ثنا يونس ابن محمّد بن المؤدّب، ثنا شيبان النّحويّ، عن قتادة: قوله: «{وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض} قادرٌ اللّه ربّنا على ذلك إذا شاء جعلها رحمةً، وإذا شاء جعلها عذابًا، وإذا شاء جعلها رحمةً لواقح للسّحاب ونشرًا بين يدي رحمته، وعذابًا ريحًا عقيمًا لا تلقح إنّما هي عذابٌ على من أرسلت عليه».
- أخبرنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ فيما كتب إليّ، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدّثني إسحاق بن محمد المسبي، عن نافع بن عبد الرّحمن بن أبي نعيمٍ، عن جماعةٍ من التّابعين، عن أبيّ بن كعبٍ، قال: «كلّ شيءٍ في القرآن من الرّياح فهي رحمةٌ، وكلّ شيءٍ في القرآن من الرّيح فهو عذابٌ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 275]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض}:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثني عقبة، حدّثني أسامة بن زيدٍ، حدّثني معاذ بن عبد اللّه بن حبيبٍ الجهنيّ قال: «رأيت عبد اللّه بن عبّاسٍ، مر به تبيع بن امرأة كعبٍ، فسلّم عليه، فسأله ابن عبّاسٍ: هل سمعت كعبًا يقول في السّحاب شيئًا؟
قال: نعم. سمعته يقول: إنّ السّحاب غربال المطر، لولا السّحاب حين ينزل الماء من السّماء، لأفسد ما يقع عليه، قال: سمعت كعبًا يقول في الأرض: تنبت العام نباتًا وعام قابلٍ غيره؟ قال: نعم، سمعته يقول: إنّ البذر ينزل من السّماء. قال ابن عبّاسٍ: سمعت ذلك من كعبٍ يقوله»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 275]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون}:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، حدّثني سعيد بن مسروقٍ، عن أبي الضّحى، قال: «أنزل اللّه: {إنّ في خلق السّماوات والأرض} إلى قوله: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون} يقول: في هذه الآيات لقومٍ يعقلون»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 275]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا يحيى بن محمّدٍ العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جريرٌ، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن ذرٍّ، عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى، أظنّه عن أبيه، عن أبيّ بن كعبٍ، قال: «لا تسبّوا الرّيح، فإنّها من نفس الرّحمن، قوله تعالى: {وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض} ولكن قولوا: اللّهمّ إنّا نسألك من خير هذه الرّيح، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرّها، وشرّ ما فيها، وشرّ ما أرسلت به». هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه، وقد أسند من حديث حبيب بن أبي ثابتٍ من غير هذه الرّواية ). [المستدرك: 2/ 298]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}:
أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: «قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا فأوحى الله إليه: إني معطيهم فأجعل لهم الصفا ذهبا ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا
أعذبه أحدا من العالمين، فقال:«رب دعني وقومي فأدعوهم يوما بيوم فأنزل الله هذه الآية {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر} وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الآيات ما هو لأعظم من الصفا».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: «سألت قريش فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فأخبروهم أنه كان يبرى ء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد به يقينا ونتقوى به على عدونا، فسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ربه، فأوحى الله إليه: أني معطيكم ذلك ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال: «ذرني وقومي فأدعوهم يوما بيوم فأنزل الله عليه: {إن في خلق السماوات والأرض} الآية، فخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهبا».
وأخرج وكيع والفريابي وآدم بن أبي إياس وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي
في شعب الإيمان عن أبي الضحى قال: «لما نزلت {وإلهكم إله واحد} عجب المشركون وقالوا: إن محمد يقول: وإلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله {إن في خلق السماوات والأرض} الآية، يقول: إن في هذه الآيات {لآيات لقوم يعقلون}».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء قال: «نزل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد فأنزل الله {إن في خلق السماوات والأرض} إلى قوله تعالى: {لقوم يعقلون} فبهذا يعلمون أنه إله واحد وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء»). [الدر المنثور: 2/ 108-110]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار}:
أخرج أبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: «الليل موكل به ملك يقال له شراهيل فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة عين وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة فإذا غربت جاء الليل فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته وترى الشمس الخرزة البيضاء فتطلع وقد أمرت أن لا
تطلع حتى تراها فإذا طلعت جاء النهار»). [الدر المنثور: 2/ 110-111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر}:
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {والفلك} قال: «السفينة»). [الدر المنثور: 2/ 111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {وبث فيها من كل دابة}:
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وبث فيها من كل دابة} قال: «بث: خلق».
وأخرج الحاكم وصححه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل إن الله يبث من خلقه بالليل ما شاء»). [الدر المنثور: 2/ 111]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {وتصريف الرياح}:
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وتصريف الرياح} قال: «إذا شاء جعلها رحمة لواقح للسحاب ونشرا بين يدي رحمته وإذا شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح».
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي كعب قال: «كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب».
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب قال: «لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن، قوله: {وتصريف الرياح والسحاب المسخر} ولكن قولوا: اللهم إن نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرهل وشر ما أرسلت به».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: «الريح من روح الله فإذا رأيتموها فأسألوا من خيرها وتعوذوا بالله من شرها».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة عن أبيها قال: «إن من الرياح رحمة ومنها رياح عذاب فإذا سمعتم الرياح فقولوا: اللهم اجعلها رياح رحمة ولا تجعلها رياح عذاب».
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: «الماء والريح جندان من جنود الله والريح جند الله الأعظم».
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: «الريح لها جناحان وذنب».
وأخرج أبو عبيد، وابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عمرو قال: «الرياح ثمان أربع منها رحمة وأربع عذاب فأما الرحمة فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأمّا العذاب فالعقيم والصرصر وهما في البر والعاصف والقاصف وهما في البحر».
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: «الرياح ثمان أربع رحمة وأربع عذاب الرحمة المنتشرات والمبشرات والمرسلات والرخاء، والعذاب العاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم والصرصر وهما في البر».
وأخرج أبو الشيخ عن عيسى ابن أبي عيسى الخياط قال: «بلغنا أن الرياح سبع: الصبا والدبور والجنوب والشمال والخروق والنكباء وريح القائم، فأما الصبا فتجيء من المشرق وأما الدبور فتجيء من المغرب وأما الجنوب فيجيء عن يسار القبلة وأما الشمال فتجيء عن يمين القبلة وأما النكباء فبين الصبا والجنوب وأما الخروق فبين الشمال والدبور وأما ريح القائم فأنفاس الخلق».
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: «جعلت الرياح على الكعبة فإذا أردت أن تعلم ذلك فاسند ظهرك إلى باب الكعبة فإن الشمال عن شمالك وهي مما يلي الحجر والجنوب عن يمينك وهو مما يلي الحجر الأسود والصبا مقابلك وهي مستقبل باب الكعبة والدبور من دبر الكعبة».
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين بن علي الجعفي قال: «سألت اسرائيل بن يونس عن أي شيء سميت الريح قال: على القبلة، شماله الشمال وجنوبه الجنوب والصبا ما جاء من قبل وجهها والدبور ما جاء من خلفها».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ضمرة بن حبيب قال: «الدبور والريح الغربية والقبول الشرقية والشمال الجنوبية واليمان القبلية والنكباء تأتي من الجوانب الأربع».
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: ا«لشمال ما بين الجدي والدبور ما بين مغرب الشمس إلى سهيل».
وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنوب من ريح الجنة».
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ريح الجنوب من الجنة وهي من اللواقح وفيها منافع للناس والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فتصيبها نفحة من الجنة فبردها من ذلك».
وأخرج ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما والبخاري في تاريخه والبزار وأبو الشيخ عن أبي ذر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح بسبع سنين من دونها باب مغلق إنما يأتيكم الروح من خلل ذلك الباب ولو فتح ذلك الباب لأذرت ما بين السماء والأرض وهي عند الله الأزيب وعندكم الجنوب».
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: «الجنوب سيدة الأرواح واسمها عند الله الأزيب ومن دونها سبعة أبواب وإنما يأتيكم منها ما يأتيكم من خللها ولو فتح منها باب واحد لأذرت ما بين السماء والأرض».
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: «الشمال ملح الأرض ولولا الشمال لأنتنت الأرض».
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: «لو احتبست الريح عن الناس ثلاثة أيام لأنتن ما بين السماء والأرض».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المبارك قال: «إن للريح جناحا وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء».
وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الأعرج قال: «إن مساكن الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش فتهيج فتقع بعجلة الشمس فتعين الملائكة على جرها ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع في البحر ثم تهيج في البحر فتقع برؤوس الجبال ثم تهيج من رؤوس الجبال فتقع في البر فأما الشمال فإنها تمر بجنة عدن فتأخذ من عرف طيبها ثم تأتي الشمال وحدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس وتأتي الدبور وحدها من مغرب الشمس إلى مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش فلا تدخل هذه ولا هذه في حد هذه».
وأخرج الشافعي، وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه والبيهقي في "سننه" عن أبي هريرة قال: «أخذت لنا الريح بطريق مكة وعمر حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح، فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الريح من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب فلا تسبوها وسلوا الله من خيرها وعوذوا بالله من شرها».
وأخرج الشافعي عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح وعوذوا بالله من شرها».
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أن رجلا لعن الريح فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لاتعلن الريح فإنها مأمورة وأنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه».
وأخرج الشافعي وأبو الشيخ والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النّبيّ صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا»، قال ابن عباس: والله إن تفسير ذلك في كتاب الله {أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} [القمر الآية 19]، {أرسلنا عليهم الريح العقيم} [الذاريات الآية 41] وقال: {وأرسلنا الرياح لواقح} [الحجر الآية 22]، {أن يرسل الرياح مبشرات} [الروم الآية 46]».
وأخرج الترمذي والنسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح فإنها من روح الله وسلوا الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وتعوذوا بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به».
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: هاجت ريح فسبوها، فقال ابن عباس: «لا تسبوها فإنها تجيء بالرحمة وتجيء بالعذاب ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عمر، أنه كان إذا عصفت الريح فدارت يقول: «شدوا التكبير فإنها مذهبة».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الليل والنهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح فإنها تبعث عذابا على قوم ورحمة على آخرين»). [الدر المنثور: 2/ 111-119]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض}:
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني قال: «رأيت ابن عباس سأل تبيعا ابن امرأة كعب هل سمعت كعبا يقول في السحاب شيئا؟ قال: نعم سمعته، يقول: إن السحاب غربال المطر ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض، قال: وسمعت كعبا يذكر أن الأرض تنبت العام نباتا وتنبت عاما قابلا غيره، وسمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء مع المطر فيخرج في الأرض، قال ابن عباس: صدقت وأنا سمعت ذلك من كعب».
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء قال: «السحاب تخرج من الأرض».
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: «إن في الجنة شجرة تثمر السحاب فالسوداء منها الثمرة التي قد نضجت التي تحمل المطر والبيضاء الثمرة التي لا تنضج لا تحمل المطر».
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن أبي المثنى: «أن الأرض قالت: رب أروني من الماء ولا تنزله علي منهمرا كما أنزلته علي يوم الطوفان، قال: سأجعل لك السحاب غربالا».
وأخرج أحمد، وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وأبو الشيخ عن الغفاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ينشىء السحاب فتنطق أحسن المنطق وتضحك أحسن الضحك».
وأخرج أبو الشيخ عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أنشأت بحرية ثم تشامت فتلك عين أو عام يعني مطرا كثيرا».
وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه قال: «أشد خلق ربك عشرة: الجبال والحديد ينحت الجبال النار تأكل الحديد والماء يطفى ء النار والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء والريح تنقل السحاب والإنسان يتقي الريح بيده ويذهب فيها لحاجته والسكر يغلب الإنسان والنوم يغلب السكر والهم يمنع النوم فأشد خلق ربك الهم».
أخرج أبو الشيخ عن الحسن: «أنه كان إذا نظر إلى السحاب قال فيه: والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بذنوبكم».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي، وابن ماجه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى سحابا ثقيلا من أفق من آفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله فيقول: «اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به» فإن أمطر قال: «اللهم صيبان نافعا» مرتين أو ثلاثا ،وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك»). [الدر المنثور: 2/ 119-121]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 10:17 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإلهكم إله واحد لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم}
أخبر عزّ وجلّ بوحدانيته , ثم أخبر بالاحتجاج في الدلالة على أنه واحد , فقال:{إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّة وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}). [معاني القرآن: 1/ 237]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {وتصريف الرّياح...}, تأتى مرّة جنوباً, ومرّة شمالاً,وقبولاً, ودبوراً, فذلك تصريفها).
[معاني القرآن: 1/ 97]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({والفلك}: تقع على الواحد، وعلى الجميع، وهي السفينة والسّفن، والعرب تفعل ذلك قالوا: هي الطّرفاء، وهذه الطّرفاء.
{وبثّ فيها}, أي: فرّق وبسط، {وزرابيّ مبثوثةٌ}, أي: متفرقة مبسوطة).[مجاز القرآن: 1/ 62]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({الفلك}: السفن وهو جميع واحدة فلكه ويذكر ويؤنث، قال {في الفلك المشحون} وفي موضع آخر {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} ويقال الفلك واحد وجميع.
{وبث فيها}: فرق فيها ومنه {زرابي مبثوثة}). [غريب القرآن وتفسيره: 85]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({والفلك}: السّفن، واحد , وجمع بلفظ واحد). [تفسير غريب القرآن: 67]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ( {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّة وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}
فهذه الآيات تدل على أنه واحد - عزّ وجلّ - فأما الآية في أمر السماء فمن أعظم الآية لأنهها سقف بغير عمد، والآية في الأرض عظيمة فيما يرى من سهلها وجبلها وبحارها. وما فيها من معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد اللاتي لا يمكن أحد أن ينشئ مثلها، وكذلك في تصريف الرياح، وتصريفها أنها تأتي من كل أفق فتكون شمالا مرة وجنوبا مرة ودبورا مرة وصبا مرة، وتأتي لواقح للسحاب.
فهذه الأشياء وجميع ما بث الله في الأرض دالة على أنه واحد.
كما قال عزّ وجلّ: {وإلهكم إله واحد} - لا إله غيره لأنه لا يأتي آت بمثل هذه الآيات (إلا واحدا) ). [معاني القرآن: 1/ 237]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الْفُلْكِ}: السفن, {وَبـــَثَّ}: فرق, {الأَسْبَابُ}: الحبال). [العمدة في غريب القرآن: 86]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الآخرة 1434هـ/11-04-2013م, 09:53 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) }
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت: 206هـ): (وهذا ما يذكر من الليل والنهار وساعاتهما
فالليل، يقال: الليلة، لليلتك التي أنت فيها). [الأزمنة: 31]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (و«الرِّياح» كلها إناث. قال: أنشدني بعض بني أسد:


كم من جراب عظيم جئت تحمله ....... ودهـنـة ريـحـهـا يـغـطـي عـلــى الـتـفـل

قال: أنشدنيه عدة من بني أسد كلهم يقول: «يغطى» فيذكرونه، وكأنهم اجترءوا على ذلك؛ إذ كانت «الريح» ليس فيها هاء، وربما ذهب بالريح إلى الأرج والنشر. وأما قول الشاعر:
فإن المسك مذكر، ولكنه ذهب به إلى ريح المسلك لا إلى المسك. وقد يقال إن المسك يؤنث، وليس تأنيثه إلا إرادة ريحه). [المذكور والمؤنث: 87]
قال أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت:215هـ): (أسماء السحاب
سحابة وجماعها السحاب). [كتاب المطر: 13]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وأما الخفض فيمتنع؛ لأنك تعطف بحرف واحد على عاملين، وهما الباء وليس. فكأنك قلت: زيد في الدار، والحجرة عمرو. فتعطف على في والمبتدأ.

وكان أبو الحسن الأخفش يجيزه. وقد قرأ بعض القراء: {واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} فعطف على إن وعلى في. وهذا عندنا غير جائز.
ومثل البيت المتقدم قوله:


هون عليـك فـإن الأمـور ....... بــكــف الإلــــه مـقـاديـرهـا
فـلـيــس بـآتـيــك مـنـهـيـهـا ....... ولا قاصر عنك مأمورها

لأن المأمور راجع إلى الأمور. ومنهيها بعضها.
فالرفع على مثل قولك: ليس زيد قامتاً، ولا عمرو منطلق، قطعته من الأول، وعطفت جملة على جملة. والنصب قد فسرناه على الموضع.
وكان سيبويه يجيز الجر في هذا وفي الذي قبله، فيقول: ولا قاصر، ولا مستنكر ويذهب إلى أن الرد متصل بالخيل، وأن المنهي متصل بالأمور، فإذا رد إلى المنهي، فكأنه قد رد إلى الأمور، ويحتج بهذه الأبيات التي أذكرها، وهي قول الشاعر:


وتشـرق بالـقـول الــذي قــد أذعـتـه ....... كما شرقت صدر القناة من الدم

فأنث؛ لأن الصدر من القناة. وكذلك قوله:


لمـا أتـى خيـر الزيبـر تواضعـت ....... سور المدينة والجبال الخشع

ومثله:


مشين كما اهتزت رماح تسفهت ....... أعـالـيــهــا مــــــر الـــريـــاح الــنــواســـم

ومثله:


إذا مــــــر الـسـنــيــن تـعـرقـتــنــا ....... كفى الأيتام فقد أبى اليتيم

وفي كتاب الله عز وجل: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} ومثل هذا كثير جداً.
وليس القول عندي كما ذهب إليه، وسنفصل بين هذا وبين ما ذكر إن شاء الله.
أما قوله: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد بأعناقهم جماعاتهم. من قولك: أتاني عنق من الناس، أي جماعة وإلى هذا كان يذهب بعض المفسرين، وهو رأي أبي زيد الأنصاري.
وأما ما عليه جماعة أهل النحو، وأكثر أهل التفسير فيما أعلم فإنه أضاف الأعناق إليهم، يريد الرقاب، ثم جعل الخبر عنهم؛ لأن خضوعهم بخضوع الأعناق. ومن ذلك قول الناس: ذلت عنقي لفلان، وذلت رقبتي لك. قال عمارة:


فإني امرؤ من عصبـة خندقيـة ....... أبت للأعادي أن تذيخ رقابها

جعل للأعادي تبييناً، ولم يدخله في صلة أن). [المقتضب: 4/ 195-199]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلّا هو} الآية، إعلام بالوحدانية، وواحدٌ في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي: هو نفي التبعيض والانقسام، وقال عطاء: «لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة: ما الدليل على هذا؟ وما آيته وعلامته؟» وقال سعيد بن المسيب: «قالوا: إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة الصدق، حتى قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا، فقيل لهم: ذلك لكم، ولكن إن كفرتم بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «دعني أدعهم يوما بيوم»، فنزل عند ذلك قوله تعالى: {إنّ في خلق السّماوات والأرض}»الآية). [المحرر الوجيز: 1/ 397] (م)

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلّا هو} الآية، إعلام بالوحدانية، وواحدٌ في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي: «هو نفي التبعيض والانقسام»، وقال عطاء: «لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة: ما الدليل على هذا؟ وما آيته وعلامته؟» وقال سعيد بن المسيب: «قالوا: إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة الصدق، حتى قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا، فقيل لهم: ذلك لكم، ولكن إن كفرتم بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «دعني أدعهم يوما بيوم»، فنزل عند ذلك قوله تعالى: {إنّ في خلق السّماوات والأرض}الآية »، ومعنى في خلق السّماوات في اختراعها وإنشائها، وقيل: المعنى أن في خلقه أي هيئة السموات والأرض، واختلاف اللّيل والنّهار معناه أن هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا فهما خلفة، كما قال تعالى: {وهو الّذي جعل اللّيل والنّهار خلفةً} [الفرقان: 62]، وكما قال زهير:

بها العين والأرآم يمسين خلفة ....... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم


وقال الآخر:

ولها بالماطرون إذا ....... أكل النّمل الذي جمعا
خلفة حتّى إذا ارتبعت ....... سكنت من جلّق بيعا

ويحتمل أيضا الاختلاف في هذه الآية أن يراد به اختلاف الأوصاف، واللّيل جمع ليلة وتجمع ليالي، وزيدت فيها الياء كما زيدت في كراهية وفراهية، والنّهار يجمع نهرا وأنهرة، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «إنما هو بياض النهار وسواد الليل»، وهذا هو مقتضى الفقه في الإيمان ونحوها، فأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال:
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ....... يرى قائم من دونها ما وراءها

وقال الزجاج في كتاب الأنواء: «أول النهار ذرور الشمس» قال: «وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار».

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم، والفلك السفن»، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، وليست الحركات تلك بأعيانها، بل كأنه بني الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم فلكان، والفلك المفرد مذكر، قال الله تعالى: {في الفلك المشحون} [الشعراء: 119].

{وما ينفع الناس} هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر، {وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ} يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، {وبثّ} معناه فرق وبسط، {ودابّةٍ} تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير من الدواب، وهذا مردود، وقال الأعشى:

... ... ... ... ....... دبيب قطا البطحاء في كلّ منهل

وقال علقمة بن عبدة:

... ... ... ... ....... صواعقها لطيرهنّ دبيب

{وتصريف الرّياح} إرسالها عقيما ومقحة وصرا ونصرا وهلاكا، ومنه إرسالها جنوبا وشمالا وغير ذلك، والرّياح جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى: {وجرين بهم بريحٍ طيّبةٍ} [يونس: 22]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح يقول: اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا».

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح وهو معنى {نشرا} »، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواو، يقال ريح وأرواح، ولا يقال أرياح، وإنما قيل رياح من جهة الكسرة وطلب تناسب الياء معها، وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم: «إن الأرياح لا تجوز»، فقال: «أما تسمع قولهم رياح؟»، فقال أبو حاتم: «هذا خلاف ذلك»، فقال: صدقت ورجع»، وأما القراء السبعة فاختلفوا فقرأ نافع الرّياح في اثني عشر موضعا: هنا وفي الأعراف {يرسل الرّياح} [الآية: 57]، وفي إبراهيم {اشتدت به الرياح}[الآية: 8]، {وفي الحجر الرّياح لواقح} [الآية: 22]، وفي الكهف {تذروه الرّياح}، وفي الفرقان {أرسل الرّياح} [الآية: 22]، وفي النمل {ومن يرسل الرّياح }[الآية: 63]، وفي الروم} [الآيتان: 46، 48] في موضعين، وفي فاطر [الآية: 9] وفي الجاثية [الآية: 5] وفي حم عسق {يسكن الرياح} [الآية: 33]، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد: في إبراهيم وفي حم عسق، وقرؤوا سائرها كقراءة نافع، وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع: هنا وفي الحجر وفي الكهف وفي الروم الحرف الأول وفي الجاثية وتصريف الرّياح وباقي ما في القرآن بالإفراد، وقرأ حمزة بالجمع في موضعين: في الفرقان وفي الروم الحرف الأول وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في الحجر الرّياح لواقح [الآية: 22]، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ولام، والسّحاب جمع سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما قالوا حبا لأنه يحبو، قاله أبو علي الفارسي، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه آيات أن الصانع موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحدا لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا).[المحرر الوجيز: 1/ 397-401]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:31 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 05:31 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم (163)}
يخبر تعالى عن تفرّده بالإلهيّة، وأنّه لا شريك له ولا عديل له، بل هو اللّه الواحد الأحد الفرد الصّمد، الذي لا إله إلّا هو وأنّه الرّحمن الرّحيم. وقد تقدّم تفسير هذين الاسمين في أوّل السّورة. وفي الحديث عن شهر بن حوشبٍ، عن أسماء بنت يزيد بن السّكن، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم} و {الم * اللّه لا إله إلا هو الحيّ القيّوم} [آل عمران: 1، 2] »). [تفسير ابن كثير: 1/ 474]


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآياتٍ لقومٍ يعقلون (164)}
ثمّ ذكر الدّليل على تفرّده بالإلهيّة بتفرده بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك ممّا ذرأ وبرأ من المخلوقات الدّالّة على وحدانيّته، فقال: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ وتصريف الرّياح والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض لآياتٍ لقومٍ يعقلون} يقول تعالى: {إنّ في خلق السّماوات والأرض} تلك في لطافتها وارتفاعها واتّساعها وكواكبها السّيّارة والثّوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع {واختلاف اللّيل والنّهار} هذا يجيء ثمّ يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخّر عنه لحظةً، كما قال تعالى: {لا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا اللّيل سابق النّهار وكلٌّ في فلكٍ يسبحون} [يس: 40] وتارةً يطول هذا ويقصر هذا، وتارةً يأخذ هذا من هذا ثمّ يتقارضان، كما قال تعالى: {يولج اللّيل في النّهار ويولج النّهار في اللّيل} [الحجّ: 61] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا {والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس} أي: في تسخير البحر لحمل السّفن من جانبٍ إلى جانبٍ لمعاش النّاس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء {وما أنزل اللّه من السّماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها} كما قال تعالى: {وآيةٌ لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنّاتٍ من نخيلٍ وأعنابٍ وفجّرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الّذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون} [يس: 33-36] {وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ} أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كلّه ويرزقه لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك، كما قال تعالى: {وما من دابّةٍ في الأرض إلا على اللّه رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كلٌّ في كتابٍ مبينٍ} [هودٍ: 6] {وتصريف الرّياح} أي: تارةً تأتي بالرّحمة وتارةً تأتي بالعذاب، تارةً تأتي مبشّرةً بين يدي السّحاب، وتارةً تسوقه، وتارةً تجمّعه، وتارةً تفرّقه، وتارةً تصرّفه، ثمّ تارةً تأتي من الجنوب وهي الشّاميّة، وتارةً تأتي من ناحية اليمن وتارةً صبا، وهي الشّرقيّة التي تصدم وجه الكعبة، وتارةً دبورٌ وهي غربيّةٌ تفد من ناحية دبر الكعبة والرّياح تسمّى كلّها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنّف النّاس في الرّياح والمطر والأنواء كتبًا كثيرةً فيما يتعلّق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، واللّه أعلم. {والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض} أي: سائرٌ بين السّماء والأرض يسخّر إلى ما يشاء اللّه من الأراضي والأماكن، كما يصرّفه تعالى: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون} أي: في هذه الأشياء دلالاتٌ بيّنةٌ على وحدانيّة اللّه تعالى، كما قال تعالى: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآياتٍ لأولي الألباب * الّذين يذكرون اللّه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السّماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النّار} [آل عمران: 190، 191]. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا أبو سعيدٍ الدّشتكيّ، حدّثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «أتت قريشٌ محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا محمّد إنّما نريد أن تدعو ربّك أن يجعل لنا الصّفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسّلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: «أوثقوا لي لئن دعوت ربّي فجعل لكم الصّفا ذهبًا لتؤمننّ بي» فأوثقوا له، فدعا ربّه، فأتاه جبريل فقال: «إنّ ربّك قد أعطاهم الصّفا ذهبًا على أنّهم إن لم يؤمنوا بك عذّبهم عذابًا لم يعذّبه أحدًا من العالمين». قال محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم: «ربّ لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيومٍ»فأنزل اللّه هذه الآية: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس} الآية».
ورواه ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة، به. وزاد في آخره: «وكيف يسألونك عن الصّفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصّفا».
وقال ابن أبي حاتمٍ أيضًا: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو حذيفة، حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن عطاءٍ، قال: «نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم} فقال كفّار قريشٍ بمكّة: «كيف يسع النّاس إلهٌ واحدٌ؟ فأنزل اللّه تعالى: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس} إلى قوله: {لآياتٍ لقومٍ يعقلون}»
فبهذا يعلمون أنّه إلهٌ واحدٌ، وأنّه إله كلّ شيءٍ وخالق كلّ شيءٍ.
وقال وكيعٌ: حدّثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضّحى قال: «لمّا نزلت: {وإلهكم إلهٌ واحدٌ} إلى آخر الآية، قال المشركون: «إن كان هكذا فليأتنا بآيةٍ». فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ في خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار} إلى قوله: {يعقلون}»
ورواه آدم بن أبي إياسٍ، عن أبي جعفرٍ -هو الرّازيّ -عن سعيد بن مسروقٍ، والد سفيان، عن أبي الضّحى، به). [تفسير ابن كثير: 1/ 474-476]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:21 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة