العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 05:37 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (104) إلى الآية (105) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (104) إلى الآية (105) ]



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 09:06 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (- أخبرنا مسعر، قال: حدثني معن وعون، أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله ابن مسعودٍ، فقال: اعهد إلي؟ فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنها خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه). [الزهد لابن المبارك: 2/ 18]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني خالد بن حميد، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: «كل شيء في القرآن: {يا أيها الناس} ما لم يكن سورة تامة، فإنما أنزل الله ذلك بمكة، وكل شيء في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا}، فإنما أنزل كله بالمدينة حين استحكم الأمر»). [الجامع في علوم القرآن: 1/ 56] (م)

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر والكلبي، في قوله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} قال:«كانوا يقولون: راعنا سمعك»، قال:«فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك يستهزئون، فقال الله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا}»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 54-55]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري]، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاءٍ، قال: {لا تقولوا راعنا} قال:
«خلافا».
سفيان [الثوري]، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {راعنا} قال: «سمعنا»). [تفسير الثوري: 47-48]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّ موضعه في التّوراة: يا أيّها المساكين). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 318]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليمٌ}.

اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {لا تقولوا راعنا}؛
فقال بعضهم: تأويله: لا تقولوا خلافًا. ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«لا تقولوا خلافًا».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
«{لا تقولوا راعنا} لا تقولوا خلافًا».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا سفيان، عن رجلٍ عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن مجاهدٍ، مثله.
وقال آخرون: تأويله: أرعنا سمعك أي: اسمع منّا ونسمع منك. ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ:
«قوله: {راعنا} أي: أرعنا سمعك».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا}:
«لا تقولوا اسمع منّا ونسمع منك».
- وحدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {راعنا} قال:
«كان الرّجل من المشركين يقول: أرعني سمعك».
ثمّ اختلف أهل التّأويل في السّبب الّذي من أجله نهى اللّه المؤمنين أن يقولوا راعنا،
فقال بعضهم: هي كلمةٌ كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والسبّ، فنهى اللّه تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة:
«{يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا} قولٌ كانت تقوله اليهود استهزاءً، فزجر اللّه المؤمنين أن يقولوا كقولهم».
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، عن فضيل بن مرزوقٍ، عن عطيّة: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كان أناسٌ من اليهود يقولوا أرعنا سمعك، حتّى قالها أناسٌ من المسلمين. فكره اللّه لهم ما قالت اليهود، فقال: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا} كما قالت اليهود والنّصارى».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال:
«كانوا يقولون: راعنا سمعك، فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال اللّه: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا}».
- وحدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانوا يقولون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: راعنا سمعك. وإنّما راعنا كقولك عاطنا».
- وحدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال:
«راعنا القول الّذي قاله القوم قالوا {سمعنا وعصينا واسمع غير مسمعٍ وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدّين}»، قال: «قال هذا الرّاعن، والرّاعن: الخطّاء». قال:«فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطّاءٌ كما قال القوم وقولوا انظرنا واسمعوا»، قال: «كانوا ينظرون إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ويكلّمونه ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم».
وقال آخرون: بل هي كلمةٌ كانت الأنصار في الجاهليّة تقولها، فنهاهم اللّه في الإسلام أن يقولوها لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم. ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثني هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاءٍ، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانت لغةً في الأنصار في الجاهليّة، فنزلت هذه الآية: {لا تقولوا راعنا} ولكن {وقولوا انظرنا} إلى آخر الآية».
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن عبد الملك، عن عطاءٍ، قال: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانت لغةً في الأنصار».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عبد الملك، عن عطاءٍ، مثله.
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«إنّ مشركي العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك؛ فنهوا عن ذلك».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ:
«راعنا، قول السّاخر، فنهاهم أن يسخروا من قول محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهوديٍّ من اليهود بعينه يقال له رفاعة بن زيدٍ، كان يكلّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم به على وجه السّبّ له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى اللّه المؤمنين عن قيله للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى، قال حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ:
«{يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} كان رجلٌ من اليهود من قبيلةٍ من اليهود يقال لهم بنو قينقاع كان يدعى رفاعة بن زيد بن السّائب -قال أبو جعفرٍ: هذا خطأٌ؛ إنّما هو ابن التّابوت ليس ابن السّائب- كان يأتي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فإذا لقيه فكلّمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمعٍ. فكان المسلمون يحسبون أنّ الأنبياء كانت تفخّم بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون: اسمع غير مسمعٍ، كقولك اسمع غير صاغرٍ، هي الّتي في النّساء: {من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمعٍ وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدّين}». يقول: «إنّما يريد بقوله: {وطعنًا في الدّين}، ثمّ تقدّم إلى المؤمنين فقال: {لا تقولوا راعنا}».
والصّواب من القول في نهي اللّه جلّ ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيّه: راعنا، أن يقال إنّها كلمةٌ كرهها اللّه لهم أن يقولوها لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، نظير الّذي ذكر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:
«لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة»، و«لا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي».
وما أشبه ذلك من الكلمتين اللّتين تكونان مستعملتين بمعنًى واحدٍ في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النّهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.
فإن قال قائلٌ: فإنّا قد علمنا معنى نهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في العنب أن يقال له: كرمٌ، وفي العبد أن يقال له: عبدٌ، فما المعنى الّذي في قوله: {راعنا} حينئذٍ الّذي من أجله كان النّهي من اللّه جلّ ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه، حتّى أمرهم أن يؤثروا قولهم: {انظرنا} عليه؟
قيل: الّذي فيه من ذلك، نظير الّذي في قول القائل الكرم للعنبٍ، والعبد للمملوك، وذلك أنّ قول القائل عبدٌ، صفة جميع عباد اللّه، فكره للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يضاف بعض عباد اللّه، بمعنى المعبّود إلى غير اللّه، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره بغير المعنى الّذي يضاف إلى اللّه عزّ وجلّ، فيقال: فتى الله.
وكذلك وجه نهيه في العنب أن يقال لها كرم لأن الكرم مصدر من كرم كرما وإن كانت راؤها مسكّنةً، فإنّ العرب قد تسكّن بعض الحركات إذا تتابعت على نوعٍ واحدٍ، فكره أن يوصف بذلك العنب.
فكذلك نهى اللّه عزّ وجلّ المؤمنين أن يقولوا راعنا، لمّا كان قول القائل راعنا محتملاً أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعضٍ: رعاك اللّه بمعنى حفظك اللّه وكلأك. ومحتملاً أن يكون بمعنى أرعنا سمعك، من قولهم: أرعيت به سمعي إرعاءً. أو راعيته سمعي رعاءً أو مراعاةً، بمعنى: فرّغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيسٍ:
يرعى إلى قول سادات الرّجال إذا ....... أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا
يعني بقوله يرعى: يصغي بسمعه إليه مفرّغه لذلك.
وكأنّ اللّه جلّ ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيمه، حتّى نهاهم جلّ ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعضٍ وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم، تقدّم إليهم بالزّجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاءٌ، وأمرهم أن يتخيّروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقّها، فكان من ذلك قولهم: {راعنا} لما فيه احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلاّ من اثنين، كما يقول القائل: عاطنا وحادثنا وجالسنا، بمعنى افعل بنا ونفعل بك، ومعنى أرعنا سمعك حتّى نفهمك وتفهم عنّا. فنهى اللّه تعالى ذكره أصحاب محمّدٍ أن يقولوا ذلك كذلك وأمرهم أن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ليعقلوا عنه بتبجيلٍ منهم له وتعظيمٍ، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتّجهّم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبّهًا منهم باليهود في خطابهم نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقولهم له: {اسمع غير مسمعٍ وراعنا}. يدلّ على صحّة ما قلنا في ذلك قوله: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خيرٍ من ربّكم} فدلّ بذلك أنّ الّذي عاتبهم عليه ممّا يسرّ اليهود والمشركين.
- فأمّا التّأويل الّذي حكي عن مجاهدٍ في قوله: {راعنا} أنّه بمعنى خلافًا، فما لا يعقل في كلام العرب؛ لأنّ راعيت في كلام العرب إنّما هو على أحد وجهين:
أحدهما بمعنى فاعلت من الرّعيّة، وهي الرّقبة والكلاءة.
والآخر بمعنى إفراغ السّمع، بمعنى أرعيته سمعي.
وأمّا راعيت بمعنى خالفت، فمالا وجه له مفهومٌ في كلام العرب، إلاّ أن يكون قرأ ذلك بالتّنوين ثمّ وجّهه إلى معنى الرّعونة والجهل والخطأ، على النّحو الّذي قال في ذلك عبد الرّحمن بن زيدٍ، فيكون لذلك وإن كان مخالفًا قراءة القرّاء معنى مفهومٌ حينئذٍ.
- وأمّا القول الآخر الّذي حكي عن عطيّة ومن حكى ذلك عنه، أنّ قوله: {راعنا} كانت كلمةً لليهود بمعنى السّبّ والسّخرية، فاستعملها المؤمنون أخذًا منهم ذلك عنهم؛ فإنّ ذلك غير جائزٍ في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشّرك كلامًا لا يعرفون معناه ثمّ يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيّهم صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكنّه جائزٌ أن يكون ذلك كمّا روي عن قتادة أنّها كانت كلمةٌ صحيحةٌ مفهومةٌ من كلام العرب وافقت كلمةً من كلام اليهود بغير اللّسان العربيّ هي عند اليهود سبٌّ، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرّغه لي.
فعلم اللّه جلّ ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنّ معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى اللّه عزّ وجلّ المؤمنين عن قيلها للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لئلاّ يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم به. وهذا تأويلٌ لم يأت الخبر بأنّه كذلك من الوجه الّذي تقوم به الحجّة. وإذ كان ذلك كذلك فالّذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظّاهر المفهوم بالآية دون غيره.
وقد حكي عن الحسن البصريّ أنّه كان يقرؤه: (لا تقولوا راعنًا) بالتّنوين، بمعنى: لا تقولوا قولاً راعنًا، من الرّعونة وهي الحمق والجهل.
وهذه قراءةٌ لقرّاء المسلمين مخالفةٌ، فغير جائزٍ لأحدٍ القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدّمين والمتأخّرين وخلافها ما جاءت به الحجّة من المسلمين.
ومن نوّن (راعنًا) نوّنه بقوله: {لا تقولوا} لأنّه حينئذٍ عاملٌ فيه. ومن لم ينوّنه فإنّه ترك تنوينه لأنّه أمرٌ محكيٌ؛ لأنّ القوم كأنّهم كانوا يقولون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {راعنا} بمعنى مسألته؛ إمّا أن يرعيهم سمعه، وإمّا أن يرعاهم ويرقبهم على ما قد بيّنت فيما قد مضى؛ فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إيّاه راعنا. فتكون الدّلالة على معنى الأمر في (راعنًا) حينئذٍ سقوط الياء الّتي كانت تكون في راعيته. ويدلّ عليها -أعني: على الياء السّاقطة- كسرة العين من راعنا.
وقد ذكر أنّ قراءة ابن مسعودٍ: (لا تقولوا راعونا) بمعنى حكاية أمرٍ صالحةٍ لجماعةٍ بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحًا وجّه أن يكون القوم كأنّهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضًا كان خطابهم للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو لغيره، ولا نعلم ذلك صحيحًا من الوجه الّذي تصحّ منه الأخبار). [جامع البيان: 2/ 373-383]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقولوا انظرنا}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وقولوا انظرنا} وقولوا يا أيّها المؤمنون لنبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم: انتظرنا وارقبنا نفهم ونتبيّن ما تقول لنا وتعلّمنا.
- كما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
«{وقولوا انظرنا} فقهنا بيّن لنا يا محمّد».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
«{وقولوا انظرنا} فهّمنا بيّن لنا يا محمّد».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
يقال منه: نظرت الرّجل أنظره نظرةً بمعنى انتظرته ورقبته. ومنه قول الحطيئة:
وقد نظرتكم أعشاء صادرةٍ ....... للخمس طال بها حوزي وتنساسي
ومنه قول اللّه عزّ وجلّ: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} يعني به انتظرونا. وقد قرئ (أنظِرونا نقتبس من نوركم) يعني به انتظرونا، وقد قرئ (أنظرونا) بقطع الألف في الموضعين جميعًا، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أخّرنا، كما قال اللّه جلّ ثناؤه: {قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون} أي: أخّرني.
ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع؛ لأنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما أمروا بالدّنوّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والاستماع منه وإلطاف الخطاب له وخفض الجناح، لا بالتّأخّر عنه ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصّواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: {انظرنا} ولم يقطعها بمعنى انتظرنا.
وقد قيل: إنّ معنى (أنظرنا) بقطع الألف بمعنى أمهلنا حكي عن بعض العرب سماعًا: أنظرني أكلّمك؛ وذكر سامع ذلك من بعضهم أنّه استثبته في معناه، فأخبره أنّه أراد أمهلني.
فإن لم يكن ذلك صحيحًا عنهم فانظر وأنظرنا بقطع الألف ووصلها متقاربا المعنى. غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ القراءة الّتي لا أستجيز غيرها قراءة من قرأ: (وقولوا انظرنا) بوصل الألف بمعنى انتظرنا، لإجماع الحجّة على تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات فى ذلك). [جامع البيان: 2/ 383-385]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليمٌ}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {واسمعوا} واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربّكم وعوه وافهموه.
- كما حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ:
«{واسمعوا} اسمعوا ما يقال لكم».
فمعنى الآية إذًا: يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا لنبيّكم راعنا سمعك وفرّغه لنا نفهمك وتفهم عنّا ما نقول، ولكن قولوا انتظرنا وترقّبنا حتّى نفهم عنك ما تعلّمنا وتبيّنه لنا، واسمعوا منه ما يقول لكم فعوه واحفظوه وافهموه.
ثمّ أخبرهم جلّ ثناؤه أنّ لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته وخالف أمره ونهيه وكذّب رسوله العذاب الموجع في الآخرة، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذابٌ أليمٌ، يعني بقوله الأليم: الموجع. وقد ذكرنا الدّلالة على ذلك فيما مضى قبل وما فيه من الآثار). [جامع البيان: 2/ 385]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليمٌ (104)}
قوله: {يا أيّها الذين آمنوا}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا سهل بن عثمان العسكريّ، حدّثني عيسى بن راشدٍ، قال: سمعت عليّ بن بذيعة، قال: سمعت عكرمة يحدّث، عن ابن عبّاسٍ، قال:
«ما أنزل اللّه آيةً في القرآن، يقول فيها: {يا أيّها الّذين آمنوا} إلا كان على شريفها وأميرها، ولقد عاتب اللّه أصحاب محمّدٍ في غير آيةٍ من القرآن وما ذكر عليًّا إلا بخيرٍ».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال:
«ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّه في التّوراة: يا أيّها المساكين».
- حدّثنا أبي، ثنا نعيم بن حمّادٍ، ثنا عبد اللّه بن المبارك، ثنا مسعرٌ، حدّثني معنٌ وعونٌ أو أحدهما: أنّ رجلاً أتى عبد اللّه بن مسعودٍ فقال: أعهد إليّ، فقال:
«إذا سمعت اللّه يقول: {يا أيّها الّذين آمنوا} فأرعها سمعك، فإنّه خيرٌ يأمره أو شرٌّ ينهى عنه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 196]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لا تقولوا راعنا}
[الوجه الأول]
اختلف في تفسيره على أوجهٍ؛ فأحد ذلك:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانوا يقولون للنّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-: أرعنا سمعك، وإنّما راعنا كقولك عاطفا».
وروي عن أبي العالية وأبي مالكٍ والرّبيع بن أنسٍ وعطيّة العوفيّ وقتادة نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا معاوية، عن عبد الملك، عن عطاءٍ: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانت لغةً تقولها الأنصار فنهى اللّه عنها». قال: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا}.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
«قوله: {لا تقولوا راعنا} خلافًا».
والوجه الرّابع:
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا أبو إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ، ثنا سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن: {لا تقولوا راعنا} قال:
«الرّاعن من القول: السّخريّ منه، نهاهم اللّه عزّ وجلّ أن يسخروا من قول محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وما يدعوهم إليه من الإسلام».
الوجه الخامس:
- حدّثنا عليّ بن الحسن الهسنجانيّ، ثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، أنبأ مفضّلٌ -يعني ابن فضالة-، حدّثني أبو صخرٍ: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال:
«كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجةٌ من المؤمنين، فقالوا: أرعنا سمعك، فأعظم اللّه رسوله أن يقال ذلك له»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 196-197]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وقولوا انظرنا}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عقبة بن خالدٍ، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعطاء:
«{انظرنا} اسمع منا».
{ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خيرٍ من ربّكم واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم (105)}
الوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
«{وقولوا انظرنا} أفهمنا يا محمّد بيّن لنا».
- حدّثنا عليّ بن الحسن، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأ مفضّلٌ، حدّثني أبو صخرٍ: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال:
«أمرهم اللّه أن يقولوا: {انظرنا} ليعزّروا رسوله ويوقّروه».
- حدّثنا أبي، ثنا عيسى بن جعفرٍ قاضي الرّيّ، ثنا مسلم بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: {انظرنا} قال:
«يقولون: أفهمنا ولا تعجل علينا سوف نتّبعك إن شاء اللّه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 197-198]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {واسمعوا}
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه، حدّثنا سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن: قوله: {واسمعوا} قال:
«أمرهم أن يسمعوا قوله، ويقبلوا عنه، فأبوا ذلك وعصوا ربّهم»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 198]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وللكافرين عذابٌ أليمٌ}
- حدّثنا محمّد بن يحي، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة:
«{وللكافرين عذابٌ أليمٌ} أي: موجعٌ».
قال أبو محمّدٍ: تقدّم ذكر ما روي فيه). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 198]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لا تقولوا راعنا} يقول:
«خلافا»، {وقولوا انظرنا} يقول:«قولوا: أفهمنا يا محمد بين لنا»). [تفسير مجاهد: 84]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم}.
- أخرج ابن المبارك في الزهد، وأبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور في "سننه"، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، أن رجلا أتاه فقال: اعهد إلي، فقال:
«إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه».
- وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، عن خيثمة، قال:
«ما تقرؤون في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا} فإنه في التوراة: يا أيها المساكين».
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ، عن خيثمة، قال:
«ما كان في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا} فهو في التوراة والإنجيل: يا أيها المساكين».
- وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس، قال:
«{راعنا} بلسان اليهود السب القبيح، فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرا، فلما سمعوا أصحابه يقولون أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله الآية».
- وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس، قال:
«{لا تقولوا راعنا} وذلك أنها سبة بلغة اليهود، فقال تعالى: {وقولوا انظرنا} يريد اسمعنا، فقال المؤمنون بعدها: من سمعتموه يقولها فاضربوا عنقه، فانتهت اليهود بعد ذلك».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أرعنا سمعك، وإنما راعنا كقولك أعطنا».
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي، قال:
«كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد إذا لقيا النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالا له وهما يكلمانه: راعنا سمعك واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} الآية».
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي صخر، قال:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فقالوا: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا انظرنا، ليعززوا رسوله ويوقروه».
- وأخرج عبد ين حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الدلائل، عن قتادة، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«قولا كانت اليهود تقوله استهزاء، فكرهه الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم».
- وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الدلائل، عن قتاده، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كان أناس من اليهود يقولون: راعنا سمعك، حتى قالها أناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود».
- وأخرج ابن جرير، وابن اسحاق، عن ابن عباس، في قوله: {لا تقولوا راعنا}:
«أي: ارعنا سمعك».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«خلافا».
- وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله: {لا تقولوا راعنا}:
«لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك {وقولوا انظرنا} أفهمنا بين لنا».
- وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال:
«إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك، فنهوا عن ذلك».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير والنحاس في ناسخه، عن عطاء، في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال:
«كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، ونهاهم الله أن يقولوها، وقال: {وقولوا انظرنا واسمعوا}».
- وأخرج ابن ابي حاتم، عن الحسن، أنه قرأ: (راعنًا)، وقال:
«الراعن من يقول السخري منه».
- وأخرج ابن جرير، عن السدي، في قوله: {واسمعوا} قال:
«اسمعوا ما يقال لكم».
- وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما أنزل الله آية فيها {يا أيها الذين آمنوا} إلا وعلي رأسها وأميرها»، قال أبو نعيم: لم نكتبه مرفوعا إلا من حديث ابن أبي خيثمة، والناس رأوه موقوفا). [الدر المنثور: 1/ 538-542]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خيرٍ من ربّكم واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم}.
يعني بقوله: {ما يودّ} ما يحبّ، أي: ليس يود كثيرٌ من أهل الكتاب، يقال منه: ودّ فلانٌ كذا يودّ ودًّا وودًّا ومودّةً.
وأمّا (المشركين) فإنّهم في موضع خفضٍ بالعطف على (أهل الكتاب).
ومعنى الكلام: ما يود الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا من المشركين أن ينزّل عليكم من خيرٍ من ربّكم.
وأمّا {أن} في قوله: {أن ينزّل} فنصب بقوله: {يودّ}. وقد دلّلنا على وجه دخول (من) في قوله: {من خيرٍ} وما أشبه ذلك من الكلام الّذي يكون في أوّله جحدٌ فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
فتأويل الكلام: ما يحبّ الكافرون من أهل الكتاب ولا من المشركين باللّه من عبدة الأوثان أن ينزّل الله عليكم شيئا من الخير الّذي هو عنده والخير الذى كان اللّه ينزّله عليهم. فتمنّى المشركون وكفرة أهل الكتاب ألا ينزّله اللّه عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم من حكمه وآياته، وإنّما أحبّت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك حسدًا وبغيًا منهم على المؤمنين.
وفي هذه الآية دلالةٌ بيّنةٌ على أنّ اللّه تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الرّكون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم وقبول شيءٍ ممّا يأتونهم به، على وجه النّصيحة لهم منهم؛ بإطلاعه جلّ ثناؤه إيّاهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضّغن والحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنوه لهم). [جامع البيان: 2/ 386-387]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم}.
يعني بقوله -جلّ ثناؤه-: {واللّه يختصّ برحمته من يشاء} واللّه يختصّ من يشاء بنبوّته ورسالته فيرسله إلى من يشاء من خلقه، ويتفضّل بالإيمان به على من أحبّ فيهديه له. واختصاصه إيّاهم بها إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنّما جعل اللّه رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه وهدايته من هدى من عباده رحمةً منه له ليصيّره بها إلى رضاه ومحبّته وفوزه بها بالجنّة واستحقاقه بها ثناءه؛ وكلّ ذلك رحمةً من اللّه له.
وأمّا قوله: {واللّه ذو الفضل العظيم} فإنّه خبرٌ من اللّه -جلّ ثناؤه- عن أنّ كلّ خيرٍ ناله عباده في دينهم ودنياهم فإنّه من عنده ابتداءً وتفضّلاً منه عليهم من غير استحقاقٍ منهم ذلك عليه.
وفي قوله: {واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم} تعريضٌ من اللّه -تعالى ذكره- بأهل الكتاب أنّ الّذي آتى نبيّه محمّدًا -صلّى اللّه عليه وسلّم- والمؤمنين به من الهداية تفضّل منه، وأنّ نعمه لا تدرك بالأمانيّ ولكنّها مواهب منه يختصّ بها من يشاء من خلقه). [جامع البيان: 2/ 387-388]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ بن طلحة، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ:
«أنّ رجلًا من اليهود كان يدعى رفاعة بن زيدٍ، كان يأتي النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فإذا لقيه فكلّمه، قال: أرعني سمعك، ثمّ تقدّم إلى المؤمنين، فقال: {لا تقولوا راعنا}. ثمّ أخبرهم: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم}»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 198]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم}
[الوجه الأول]
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يختصّ برحمته من يشاء} قال:
«النّبوّة».
وروي عن الرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- ذكر عن نعيم بن حمّادٍ، أنبأ ابن المبارك، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {يختصّ برحمته من يشاء} قال:
«القرآن والإسلام».
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محلّمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، في قوله: {يختصّ برحمته من يشاء} قال:
«رحمته الإسلام يختصّ بها من يشاء»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 199]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.
- أخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد: {والله يختص برحمته من يشاء} قال:
«القرآن والإسلام»). [الدر المنثور: 1/ 542]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 09:25 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا...}
هو من الإرعاء والمراعاة، وفي قراءة عبد الله: (لا تقولوا راعونا), وذلك أنها كلمة باليهودية شتم، فلمّا سمعت اليهود أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- يقولون: يا نبيّ الله راعنا، اغتنموها فقالوا: قد كنا نسبّه في أنفسنا فنحن الآن قد أمكننا أن نظهر له السّبّ، فجعلوا يقولون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: راعنا، ويضحك بعضهم إلى بعض، ففطن لها رجلٌ من الأنصار، فقال لهم: والله لا يتكلم بها رجل إلا ضربت عنقه، فأنزل الله: {لا تقولوا راعنا} ينهى المسلمين عنها؛ إذ كانت سبّاً عند اليهود, وقد قرأها الحسن البصريّ: (لا تقولوا راعنًا) بالتنوين، يقول: لا تقولوا حمقًا, وينصب بالقول؛ كما تقول: قالوا خيرًا, وقالوا شرّا.

وقوله: {وقولوا انظرنا} أي: انتظرنا, و"أنظرنا": أخّرنا، قال الله: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون} يريد: أخّرني، وفي سورة الحديد {يوم يقول المنافقون والمنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} خفيفة الألف على معنى الانتظار, وقرأها حمزة الزيّات: (للّذين آمنوا أنظرونا) على معنى التأخير). [معاني القرآن: 1/ 69-70]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({راعنا}: من راعيت إذا لم تنوّن، ومن نوّن جعلها كلمة نهوا عنها؛ راعيت: حافظت وتعاهدت). [مجاز القرآن: 1/ 49]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({راعنا}: من "راعيت" إذا لم تنون، ويقال: أرعني سمعك أي: استمع لي.
ومن نون (راعنًا) جعله من الرعونة، أي: لا تقولوا راعنا من القول، أي: حمتا، وهو الإرعاء والمراعاة.
{وقولوا انظرنا} أي: انتظرنا. و(انظرنا) أي: أخرنا من ذلك، قال: {أنظرني إلى يوم يبعثون}). [غريب القرآن وتفسيره: 78]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({لا تقولوا راعنا} من «رعيت الرجل»: إذا تأمّلته، وعرّفت أحواله, يقال: أرعني سمعك, وكان المسلمون يقولون لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلم-: أرعني سمعك, وكان اليهود يقولون: راعنا, وهي بلغتهم سب لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلم- بالرّعونة , وينوون بها السبّ، فأمر اللّه المؤمنين أن لا يقولوها، لئلا يقولها اليهود، وأن يجعلوا مكانها: انظرنا, أي: انتظرنا, يقال: نظرتك, وانتظرتك بمعنى.
ومن قرأها «راعنًا» بالتنوين، أراد: اسماً مأخوذاً من الرّعن والرّعونة، أي: لا تقولوا حمقاً, ولا جهلاً). [تفسير غريب القرآن: 60]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} وقرأ الحسن: (لا تقولوا راعنًا) بالتنوين، والذي عليه الناس {راعنا} غير منون، وقد قيل في {راعنا} بغير تنوين ثلاثة أقوال:
1- قال بعضهم: {راعنا}: ارعنا سمعك، وقيل: كان المسلمون يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم-: راعنا، وكانت اليهود تتسابّ بينها بهذه الكلمة، وكانوا يسبون النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفوسهم، فلما سمعوا هذه الكلمة اغتنموا أن يظهروا سبّه بلفظ يسمع ولا يلحقهم به في ظاهره شيء، فأظهر اللّه النبي -صلى الله عليه وسلم-, والمسلمين على ذلك, ونهى عن هذه الكلمة.
2- وقال قوم: {لا تقولوا راعنا}: من المراعاة والمكافأة، فأمروا أن يخاطبوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتقدير, والتوقير، فقيل لهم: {لا تقولوا راعنا} أي: كافنا في المقال، كما يقول بعضهم لبعض، {وقولوا انظرنا} أي: أمهلنا، {واسمعوا} كأنه قيل لهم: استمعوا.
3- وقال قوم: إن {راعنا} كلمة تجري على الهزء والسخرية، فنهي المسلمون أن يتلفظوا بها بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- , وأما قراءة الحسن: (راعنًا) فالمعنى فيه: لا تقولوا حمقاً من الرعونة). [معاني القرآن: 1/ 188]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({راعنا} من "راعيته": إذا تأملته، وكان المسلمون يقولونه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فحرفته اليهود بلغتهم، وهو سب عندهم يدعونه بالرعونة، فنهى الله تعالى المسلمين عن قول ذلك.
ومن قرأ (راعنًا) منوناً أراد: لا تقولوا اسماً مأخوذاً من الرعن، أي: لا تقولوا حمقاً, ولا جهلاً). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 32]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({رَاعِنَا}: من المراعاة. (رَاعِناً): من الرعون. {انظُرْنَا}: انتظرنا. (أَنظِرْنَا): أخرنا).
[العمدة في غريب القرآن: 81]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {مّا يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين...} معناه: ومن المشركين،
ولو كانت "المشركون" رفعاً مردودةً على "الّذين كفروا" كان صوابًا, تريد: ما يودّ الذين كفروا, ولا المشركون, ومثلها في المائدة: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تّخذوا الّذين اتّخذوا دينكم هزواً ولعباً من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء}، قرئت بالوجهين: (والكفارِ)، (والكفارَ), وهي في قراءة عبد الله: (ومن الكفّار أولياء), وكذلك قوله: {لم يكن الّذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} في موضع خفض على قوله: "من أهل الكتاب ومن المشركين"، ولو كانت رفعا كان صوابا؛ تردّ على "الذين كفروا"). [معاني القرآن: 1/ 70-71]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {أن ينزّل عليكم من خيرٍ من ربّكم}, قال أبو ذؤيب:
جزيتك ضعف الحبّ لما استثبته ....... وما إن جزاك الضّعف من أحدٍ قبلي
أي: أحد قبلي، استثبته: استغللته). [مجاز القرآن: 1/ 49]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({مّا يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم مّن خيرٍ مّن رّبّكم واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم}
قال: {مّا يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} أي: "ولا من المشركين", لا يودّون {أن ينزّل عليكم}). [معاني القرآن: 1/ 109]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربّكم واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم}المعنى: ولا من المشركين، الذين كفروا من أهل الكتاب: اليهود، والمشركون في هذا الوضع عبدة الأوثان.
{أن ينزّل عليكم من خير من ربّكم} ويقرأ (أن يُنْزِل) عليكم بالتخفيف, والتثقيل جميعاً, ويجوز في العربية (أن يَنْزِلَ عليكم)، ولا ينبغي أن يقرأ بهذا الوجه الثالث إذ كان لم يقرأ به أحد من القراء المشتهرين.
وموضع {من خير} رفع, المعنى: ما يود الذين كفروا والمشركون أن ينزل عليكم خير من ربكم، ولو كان هذا في الكلام لجاز (ولا المشركون)، ولكن المصحف لا يخالف، والأجود ما ثبت في المصحف أيضا، ودخول (من) ههنا على جهة التوكيد والزيادة كما في: (ما جاءني من أحد)، و(ما جاءني أحد).
وقوله عزّ وجلّ: {واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم} أي: يختص بنبوته من يشاء من أخبر عزّ وجلّ أنه مختار). [معاني القرآن: 1/ 188-189]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الآخرة 1434هـ/11-04-2013م, 09:22 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (والرعى هو اسم الذي يرعى ويؤكل، والرعى الفعل. ويقال: ما رعيت إلا على نفسك، أي: ما أبقيت. ويقال: أرعني سمعك، أي: استمع إلى، وراعنا سمعك، وهو من قوله عز وجل: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}، وللجمع: راعونا أسماعكم. وقرأ ابن مسعود: {لَا تَقُولُوا رَاعِنًا} أي: كذبًا وسخريًا وحمقًا.
وكذا: أنقه لي سمعك، مثل: أرعني). [مجالس ثعلب: 215]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وأنت إذا قلت: أعطيت زيداً مائة درهم أو كسوته ثوبين، فإنما أوصلت إليه هذا القدر بعينه من الدراهم والثياب؛ فلذلك لم يجز أن تقيم المصدر مقام الفاعل إذا كان معه مفعول على الحقيقة، ولكنه قد يجوز أن تقيم المصادر والظروف من الأمكنة والأزمنة مقام الفاعل، إذا دخل المفعول من حروف الجر ما يمنعه أن يقوم مقام الفاعل، وذلك نحو قولك: سير بزيد سير شديد، وضرب بزيد عشرون سوطاً، المعنى: بسبب زيد، ومن أجله، وسير بزيد يوم الجمعة، واختلف به شهران، ومضى به فرسخان، ومشي به ميلان، أقمت هذه الأشياء مقام الفاعل، وقد يجوز نصبها في هذا الموضع وإن كان المفعول مجروراً على ما أصف لك.
فمن ذلك أنك إذا قلت: سير بزبد فرسخاً، أضمرت السير؛ لأن (سير) يدل على السير، فلم تحتج إلى ذكره معه؛ كما تقول: من كذب كان شراً له، تريد: كان الكذب شراً له، فلم تذكر الكذب؛ لأن (كذب) قد دل عليه.
ونظيره قول الله عز وجل: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً} فلم يذكر البخل لذكره (يبخلون).
وجاز أن يكون المضمر الطريق، فكأنه قال: سير عليه الطريق فرسخاً، فحذف لعلم المخاطب بما يعنى.
وجائز أن تقيم المجرور مع المصدر والظروف مقام الفاعل، فتقول: سير يزيد فرسخاً، فلا يمنعه حرف الجر من أن يكون فاعلاً؛ كما قال: ما من أحد، فـ(أحد) فاعل وإن كان مجروراً بـ(من)، وكذلك قوله: {أن ينزل عليكم من خير من ربكم} إنما هو خير من ربكم. فـ(من) لم تغير المعنى وإن غيرت اللفظ. فهذا الذي ذكرته مشبه بذلك في هذا الموضع إذا نصبت المصادر والظروف على مواضعها، فلم تجعلها مفعولات على السعة). [المقتضب: 4/ 51-52] (م)


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 05:54 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 05:54 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 05:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 05:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقرأ جمهور الناس «راعنا» من المراعاة بمعنى فاعلنا، أي: أرعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى: إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وقالت طائفة: هي لغة كانت الأنصار تقولها، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليّا بلسانه وطعنا كما كان يقول: اسمع غير مسمع، فنهى الله المؤمنين أن تقال هذه اللفظة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل،
وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحا وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعا متقررا.
وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة «راعنا» بالتنوين، وهذه من معنى الجهل، وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى الله
تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون «راعنا» دون تنوين،
وفي مصحف ابن مسعود «راعونا»، وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تخاطب الجماعة، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولا من الرعونة.
و(انظرنا) مضمومة الألف والظاء معناها: انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- على المعنيين،
والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود،
وقرأ الأعمش وغيره «أنظرنا» بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى: أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك.
ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة، واعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما، وهو المؤلم، و(اسمعوا) معطوف على (قولوا) لا على معمولها). [المحرر الوجيز: 1/ 306-307]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خيرٍ من ربّكم واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم (105) ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأت بخيرٍ منها أو مثلها ألم تعلم أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قديرٌ (106)}
التقدير: ولا من المشركين.
وعم الذين كفروا ثم بيّن أجناسهم من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان ليبين في الألف واللام في (الّذين) أنها ليست للعهد يراد بها معين،
ومعنى الآية أن ما أمرناكم به من أن تعظموا نبيكم خير من الله منحكم إياه، وذلك لا يودّه الكفار. ثم يتناول اللفظ كل خير غير هذا، و(أن) مع الفعل بتأويل المصدر،
و(من) زائدة في قول بعضهم. ولما كان ود نزول الخير منتفيا، قام ذلك مقام الجحد الذي يلزم أن يتقدم (من) الزائدة على قول سيبويه والخليل. وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب،
وقال قوم: (من) للتبعيض لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول: نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعض، فإذا نفي ود نزول البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل،
والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا،
وقال قوم: الرحمة هي القرآن،
وقال قوم: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم،
وهذه أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية). [المحرر الوجيز: 1/ 307-308]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 05:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 05:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليمٌ (104) ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خيرٍ من ربّكم واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم (105)}
نهى اللّه تعالى المؤمنين أن يتشبّهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أنّ اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه توريةٌ لما يقصدونه من التّنقيص -عليهم لعائن اللّه- فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا. يورون بالرّعونة، كما قال تعالى: {من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمعٍ وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدّين ولو أنّهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم وأقوم ولكن لعنهم اللّه بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} [النّساء: 46] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنّهم كانوا إذا سلّموا إنّما يقولون: السام عليكم. والسّام هو: الموت. ولهذا أمرنا أن نردّ عليهم بـ "وعليكم". وإنّما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض: أنّ اللّه تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا. فقال: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذابٌ أليمٌ}.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا عبد الرّحمن بن ثابتٍ، حدّثنا حسّان بن عطيّة، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«بعثت بين يدي السّاعة بالسّيف، حتّى يعبد اللّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعلت الذّلّة والصّغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقومٍ فهو منهم».
وروى أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النّضر هاشم بن القاسم، به:
«من تشبّه بقومٍ فهو منهم».
ففيه دلالةٌ على النّهي الشّديد والتّهديد والوعيد، على التّشبّه بالكفّار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقرر عليها.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا نعيم بن حمّادٍ، حدّثنا عبد اللّه بن المبارك، حدّثنا مسعر، عن معن وعون -أو أحدهما- أنّ رجلًا أتى عبد اللّه بن مسعودٍ، فقال: اعهد إليّ. فقال:
«إذا سمعت اللّه يقول {يا أيّها الّذين آمنوا} فأرعها سمعك، فإنّه خيرٌ يأمر به أو شرٌّ ينهى عنه».
وقال الأعمش، عن خيثمة، قال:
«ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّه في التّوراة: "يا أيّها المساكين"».
وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أو عكرمة، عن ابن عبّاسٍ:
«{راعنا} أي: أرعنا سمعك».
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا} قال:
«كانوا يقولون للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أرعنا سمعك. وإنّما {راعنا} كقولك: عاطنا».
وقال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن أبي العالية، وأبي مالكٍ، والرّبيع بن أنسٍ، وعطيّة العوفيّ، وقتادة، نحو ذلك.
وقال مجاهدٌ:
«{لا تقولوا راعنا} لا تقولوا خلافًا». وفي روايةٍ: «لا تقولوا: اسمع منّا ونسمع منك».
وقال عطاءٌ:
«{لا تقولوا راعنا} كانت لغة تقولها الأنصار، فنهى اللّه عنها».
وقال الحسن: {لا تقولوا راعنا} قال:
«الرّاعن من القول السّخريّ منه. نهاهم اللّه أن يسخروا من قول محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وما يدعوهم إليه من الإسلام».
وكذا روي عن ابن جريج أنّه قال مثله.
وقال أبو صخرٍ: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} قال:
«كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجةٌ من المؤمنين، فيقول: أرعنا سمعك. فأعظم اللّه رسوله -صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يقال ذلك له».
وقال السّدّيّ:
«كان رجلٌ من اليهود من بني قينقاع، يدعى رفاعة بن زيدٍ يأتي النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فإذا لقيه فكلّمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع. وكان المسلمون يحسبون أنّ الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون: اسمع غير مسمعٍ: غير صاغرٍ. وهي كالتي في سورة النّساء. فتقدّم اللّه إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا».
وكذا قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، بنحوٍ من هذا.
قال ابن جريرٍ: والصّواب من القول في ذلك عندنا: أنّ اللّه نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: راعنا؛ لأنّها كلمةٌ كرهها اللّه تعالى أن يقولها لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، نظير الذي ذكر عن النّبيّ قال:
«لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحبلة». و«لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي». وما أشبه ذلك). [تفسير ابن كثير: 1/ 373-375]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {ما يودّ الّذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خيرٍ من ربّكم} يبيّن بذلك تعالى شدّة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الّذين حذّر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودّة بينهم وبينهم.
وينبّه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشّرع التّامّ الكامل، الذي شرعه لنبيّهم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، حيث يقول تعالى: {واللّه يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم}). [تفسير ابن كثير: 1/ 375]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:41 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة