العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 05:22 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (75) إلى الآية (77) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (75) إلى الآية (77) ]


{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 08:58 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {أفتطمعون} أصحاب محمّدٍ يقول: {أفتطمعون} أي: أفترجون يا معشر المؤمنين بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم والمصدّقين ما جاءكم به من عند اللّه أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل؟
ويعني بقوله: {أن يؤمنوا لكم}: أن يصدّقوكم بما جاءكم به نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلّم محمّدٌ من عند ربّكم.
- كما حدّثت عن عمّار بن الحسن، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: في قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}: «يعني أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يؤمنوا لكم، يقول: أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود؟».
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} الآية، قال: «هم اليهود»). [جامع البيان: 2/ 139]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقد كان فريقٌ منهم}
قال أبو جعفرٍ: أمّا الفريق فجمعٌ كالطّائفة لا واحد له من لفظه، وهو فعيلٌ من التّفرّق سمّي به الجماع كما سمّيت الجماعة بالحزب من التّحزّب وما أشبه ذلك، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

أجدّوا فلمّا خفت أن يتفرّقوا ...... فريقين منهم مصعدٌ ومصوّب
يعني بقوله: {منهم} من بني إسرائيل، وإنّما جعل اللّه الّذين كانوا على عهد موسى ومن بعدهم من بني إسرائيل من اليهود الّذين قال اللّه لأصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} لأنّهم كانوا آباءهم وأسلافهم، فجعلهم منهم إذ كانوا عشائرهم وفرطهم وأسلافهم، كما يذكر الرّجل اليوم الرّجل وقد مضى على منهاج الذّاكر وطريقته وكان من قومه وعشيرته، فيقول: كان منّا فلانٌ؛ يعني أنّه كان من أهل طريقته أو مذهبه أو من قومه وعشيرته؛ فكذلك قوله: {وقد كان فريقٌ منهم}). [جامع البيان: 2/ 140]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}.
اختلف أهل التّأويل في الّذين عنى اللّه بقوله: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}.
- فقال بعضهم بما
حدّثني به، محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}:«فالّذين يحرّفونه والّذين يكتمونه: هم العلماء منهم».
- حدّثني المثنّى، قال حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه} قال:«هي التّوراة حرّفوها».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: في قوله: {يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه} قال: «التّوراة الّتي أنزلها عليهم يحرّفونها، يجعلون الحلال فيها حرامًا والحرام فيها حلالاً، والحقّ فيها باطلاً والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحقّ برشوةٍ أخرجوا له كتاب اللّه، وإذا جاءهم المبطل برشوةٍ أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محقٌّ، وإن جاء أحدٌ يسألهم شيئًا ليس فيه حقٌّ ولا رشوةٌ ولا شيءٌ أمروه بالحقّ، فقال لهم: {أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}».
- وقال آخرون في ذلك بما حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: أخبرنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: في قوله: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}: «فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النّبوّة، ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: في قوله: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه} الآية، قال: «ليس قوله: {يسمعون كلام اللّه} يسمعون التّوراة، كلّهم قد سمعها؛ ولكنّهم الّذين سألوا موسى رؤية ربّهم، فأخذتهم الصّاعقة فيها».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: «بلغني عن بعض أهل العلم أنّهم قالوا لموسى: يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية اللّه عزّ وجلّ، فأسمعنا كلامه حين يكلّمك. فطلب ذلك موسى إلى ربّه، فقال: نعم، فمرهم فليتطهّروا وليطهّروا ثيابهم ويصوموا. ففعلوا، ثمّ خرج بهم حتّى أتى الطّور، فلمّا غشيهم الغمام أمرهم موسى عليه السّلام، فوقعوا سجودًا، وكلّمه ربّه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتّى عقلوا ما سمعوا، ثمّ انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلمّا جاءوهم حرّف فريقٌ منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إنّ اللّه قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الّذي ذكرهم اللّه: إنّما قال كذا وكذا خلافًا لما قال اللّه عزّ وجلّ لهم. فهم الّذين عنى اللّه لرسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
وأولى التّأويلين اللّذين ذكرت بالآية وأشبههما بما دلّ عليه ظاهر التّلاوة، ما قاله الرّبيع بن أنسٍ والّذي حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، من أنّ اللّه تعالى ذكره إنّما عنى بذلك من سمع كلامه من بني إسرائيل سماع موسى إيّاه منه ثمّ حرّف ذلك وبدّل من بعد سماعه وعلمه به وفهمه إيّاه.
وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما أخبر أنّ التّحريف كان من فريقٍ منهم كانوا يسمعون كلام اللّه عزّ وجلّ استعظامًا من اللّه لما كانوا يأتون من البهتان بعد توكيد الحجّة عليهم والبرهان، وإيذانًا منه تعالى ذكره عباده المؤمنين وقطع أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمّدٌ من الحقّ والنّور والهدى، فقال لهم: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إيّاكم وإنّما تخبرونهم بالّذي تخبرونهم من الإنباء عن اللّه عزّ وجلّ عن غيبٍ لم يشاهدوه ولم يعاينوه؟ وقد كان بعضهم يسمع من اللّه كلامه، وأمره ونهيه، ثمّ يبدّله ويحرّفه ويجحده، فهؤلاء الّذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحقّ وهم لا يسمعونه من اللّه، وإنّما يسمعونه منكم، وأقرب إلى أن يحرّفوا ما في كتبهم من صفة نبيّكم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته ويبدّلوه وهم به عالمون فيجحدوه ويكذّبوا، من أوائلهم الّذين باشروا كلام اللّه من اللّه جلّ ثناؤه ثمّ حرّفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمّدين التّحريف.
ولو كان تأويل الآية على ما قاله الّذين زعموا أنّه عنى بقوله: {يسمعون كلام اللّه} يسمعون التّوراة، لم يكن لذكر قوله: {يسمعون كلام اللّه} معنى مفهومٌ؛ لأنّ ذلك قد سمعه المحرّف منهم وغير المحرّف. فخصوص المحرّف منهم بأنّه كان يسمع كلام اللّه إن كان التّأويل على ما قاله الّذين ذكرنا قولهم دون غيرهم ممّن كان يسمع ذلك سماعهم لا معنى له.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّما صلح أن يقال ذلك لقوله: {يحرّفونه} فقد أغفل وجه الصّواب في ذلك. وذلك أنّ ذلك لو كان كذلك لقيل: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يحرّفون كلام اللّه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؛ ولكنّه جلّ ثناؤه أخبر عن خاصٍّ من اليهود كانوا أعطوا من مباشرتهم سماع كلام اللّه تعالى ما لم يعطه أحدٌ غير الأنبياء والرّسل، ثمّ بدّلوا وحرّفوا ما سمعوا من ذلك، فلذلك وصفهم بما وصفهم به للخصوص الّذي كان خصّ به هؤلاء الفريق الّذي ذكرهم في كتابه تعالى ذكره.
ويعني بقوله: {ثمّ يحرّفونه} ثمّ يبدّلون معناه، وتأويله: ويغيّرونه. وأصله من انحراف الشّيء عن جهته، وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله: {يحرّفونه} أي: يميلونه عن وجهه، ومعناه الّذي هو معناه إلى غيره.
فأخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علمٍ منهم بتأويل ما حرّفوا، وأنّه بخلاف ما حرّفوه إليه، فقال: {يحرّفونه من بعد ما عقلوه} يعني من بعد ما عقلوا تأويله {وهم يعلمون} أي: يعلمون أنّهم في تحريفهم ما حرّفوا من ذلك مبطلون كاذبون.
وذلك إخبارٌ من اللّه جلّ ثناؤه عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنّ بقاياهم من مناصبتهم العداوة للّه ولرسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بغيًا وحسدًا على مثل الّذي كان عليه أوائلهم من ذلك في عصر موسى عليه الصّلاة والسّلام). [جامع البيان: 2/ 140-144]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75)}
قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، حدّثني محمّد بن أبي محمد، بن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «ثمّ قال لنبيّه محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- ولمن معه من المؤمنين يؤيّسهم منهم: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}».
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن السّعديّ، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، في قوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}: «يعني أصحاب محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم-، يقول: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}: اليهود». قال: وروي عن الحسن نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 148]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه}
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه} وليس قوله: سمعوا التّوراة، كلّهم قد سمعوا، ولكنّهم الّذين سألوا موسى رؤية ربّهم فأخذتهم الصّاعقة فيها».
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: «{وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه} فكانوا يسمعون الوحي، يسمعون من ذلك ما كان يسمع أهل النّبوّة ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون».
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة، قال: قال محمّد بن إسحاق: «فيما حدّثني بعض أهل العلم أنّهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية اللّه، فأسمعنا كلامه حين يكلّمك. فطلب ذلك موسى إلى ربّه، فقال: نعم. مرهم أن يتطهّروا وليطهّروا ثيابهم ويصوموا، ففعلوا ثمّ خرج بهم حتّى أتوا الطّور، فلمّا غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجودًا، وكلّمه ربّه، فلمّا سمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتّى عقلوا عنه ما سمعوا ثمّ انصرف بهم إلى بني إسرائيل»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 148]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ثم يحرفونه}
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ الصّبّاح، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: «{وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} فالّذين يحرّفونه، والّذين يعلمونه: العلماء منهم والأمّيّون». يقول: «فهؤلاء كلّهم يهود».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه} قال: «هي التّوراة حرّفوها».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، قال: «عمدوا إلى ما أنزل اللّه في كتابهم من نعت محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- فحرّفوه عن مواضعه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 149]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}
- أخبرنا محمّد بن عبيد اللّه بن المنادي فيما كتب إليّ، ثنا يونس بن محمّدٍ المؤدّب، ثنا شيبان النّحويّ، عن قتادة: {ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} قال: «هم اليهود، وكانوا يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه بعد ما سمعوه ووعوه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 149]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وهم يعلمون}
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: وأمّا{وهم يعلمون}؛ قال: «فيعلمون أنّهم قد أذنبوا»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 149]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}يعني الذين يحرفونه، والذين يكتمونه، والأميين منهم، والذين نبذوا ما أوتوا من الكتاب وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، هؤلاء كلهم يهود»). [تفسير مجاهد: 80]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}.
- أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:«ثم قال الله لنبيه ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} وليس قوله التوراة كلها وقد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} الآية، قال: «فالذين يحرفونه والذين يكتبونه م العلماء منهم، والذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، هؤلاء كلهم يهود».
- وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {يسمعون كلام الله} قال: «هي التوراة حرفوها»). [الدر المنثور: 1/ 427-428]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر، عن قتادة في قوله: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به} قال:
«كانوا يقولون إنه سيكون نبي، فجاء بعضهم لبعض فقالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحتجوا به عليكم»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 50]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا}.
أمّا قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} فإنّه خبرٌ من اللّه جلّ ذكره عن الّذين أيأس أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم من إيمانهم من يهود بني إسرائيل الّذين كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وهم الّذين إذا لقوا الّذين آمنوا باللّه ورسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا آمنّا.
يعني بذلك أنّهم إذا لقوا الّذين صدّقوا باللّه وبمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به من عند اللّه قالوا آمنّا؛ أي صدّقنا بمحمّدٍ وبما صدّقتم به وأقررنا بذلك. أخبر اللّه عزّ وجلّ أنّهم تخلّقوا بأخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم.
- كما حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: «قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} وذلك أنّ نفرًا من اليهود كانوا إذا لقوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: آمنّا، وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا: أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: آمنّا».
- وقد روي عن ابن عبّاسٍ في تأويل ذلك قولٌ آخر، وهو ما حدّثنا به ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} أي: بصاحبكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكنّه إليكم خاصّةً».
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} الآية، قال: «هؤلاء ناسٌ من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا»). [جامع البيان: 2/ 144-145]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم}.
يعني بقوله: {وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ} أي: إذا خلا بعض هؤلاء اليهود الّذين وصفّ اللّه صفتهم إلى بعضٍ منهم فصاروا في خلاءٍ من النّاس غيرهم، وذلك هو الموضع الّذي ليس فيه غيرهم، قالوا، يعني قال بعضهم لبعضٍ: أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم؟
ثمّ اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {بما فتح اللّه عليكم}.
- فقال بعضهم بما
حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} يعني بما أمركم اللّه به، فيقول الآخرون: إنّما نستهزئ بهم ونضحك».
- وقال آخرون بما حدّثنا ابن حميدٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} أي: بصاحبكم رسول اللّه، ولكنّه إليكم خاصّةً، وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا: لا تحدّثوا العرب بهذا فإنّكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل اللّه: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا، وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} أي: تقرّون بأنّه نبيٌّ، وقد علمتم أنّه قد أخذ له الميثاق عليكم باتّباعه، وهو يخبرهم أنّه النّبيّ الّذي كنّا ننتظر ونجده في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقرّوا لهم به. يقول اللّه: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم}: «أي: بما أنزل اللّه عليكم في كتابكم من نعت محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة: «{قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} أي: بما منّ اللّه عليكم في كتابكم من نعت محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنّكم إذا فعلتم ذلك احتجّوا به عليكم {أفلا تعقلون}».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: «{أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} ليحتجّوا به عليكم».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادة: «{أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} يعني بما أنزل اللّه عليكم من أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته».
- وقال آخرون في ذلك بما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} قال: قول يهود بني قريظة حين سبّهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّهم إخوة القردة والخنازير، قالوا: من حدّثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمّدًا، فقال: يا إخوة القردة والخنازير.

- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيقة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله؛ إلاّ أنّه قال: هذا حين أرسل إليهم عليّ بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه. وآذوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: اخسئوا يا إخوة القردة والخنازير.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثني الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهدٍ: في قوله: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} قال: قام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة ويا إخوان الخنازير ويا عبدة الطّاغوت، فقالوا: من أخبر هذا محمّدًا؟ ما خرج هذا إلاّ منكم {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} بما حكم اللّه للفتح ليكون لهم حجّةٌ عليكم؛

قال ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: «هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم».
- وقال آخرون بما حدّثني موسى: قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} من العذاب ليحاجّوكم به عند ربّكم؟ هؤلاء ناسٌ من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا، فكانوا يحدّثون المؤمنين من العرب بما عذّبوا به، فقال بعضهم لبعضٍ: أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم من العذاب ليقولوا نحن أحبّ إلى اللّه منكم، وأكرم على اللّه منكم؟».
- وقال آخرون بما حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: في قوله: {وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} قال: كانوا إذا سئلوا عن الشّيء قالوا: أما تعلمون في التّوراة كذا وكذا؟ قالوا: بلى. قال: وهم يهودٌ، فيقول لهم رؤساؤهم الّذين يرجعون إليهم: ما لكم تخبرونهم بالّذي أنزل اللّه عليكم فيحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون؟ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يدخلنّ علينا قصبة المدينة إلاّ مؤمنٌ»، فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنّفاق: اذهبوا فقولوا آمنّا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول اللّه: {وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالّذي أنزل على الّذين آمنوا وجه النّهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون} وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمره؛ وإذا رجعوا، رجعوا إلى الكفر. فلمّا أخبر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهم، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الّذين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يظنّون أنّهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال اللّه لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم {قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} الآية.
وأصل الفتح في كلام العرب: النّصر والقضاء والحكم يقال منه: اللّهمّ افتح بيني وبين فلانٍ، أي: احكم بيني وبينه، ومنه قول الشّاعر:

ألا أبلغ بني عصمٍ رسولاً ...... بأنّي عن فتاحتكم غنيّ
قال: ويقال للقاضي: الفتّاح، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين} أي: احكم بيننا وبينهم.
فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا، تبيّن أنّ معنى قوله: {قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} إنّما هو أتحدّثونهم بما حكم اللّه به عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه جلّ ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبما جاء به في التّوراة، ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم، وكلّ ذلك كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين به حجّةٌ على المكذّبين به من اليهود المقرّين بحكم التّوراة وغير ذلك.
فإن كان كذلك فالّذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} من بعث محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى خلقه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما قصّ في أوّل هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولأصحابه: آمنّا بما جاء به محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فالّذي هو أولى بآخرها أن يكون نظير الخبر عمّا ابتدئ به أوّلها.
وإذا كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون تلاومهم كان فيما بينهم فيما كانوا أظهروه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنّا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به،
وكان قيلهم ذلك من أجل أنّهم كانوا يجدون ذلك في كتبهم وكانوا يخبرون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، فكان تلاومهم فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجّةٌ للمسلمين عليهم عند ربّهم. وذلك أنّهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم في كتبهم ويكفرون به، وكان فتح اللّه الّذي فتحه للمسلمين على اليهود وحكمه عليهم لهم في كتابهم أن يؤمنوا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث، فلمّا بعث كفروا به مع علمهم بنبوّته.
وقوله: {أفلا تعقلون} خبرٌ من اللّه تعالى ذكره عن اليهود اللاّئمين إخوانهم على ما أخبروا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما فتح اللّه لهم عليهم أنّهم قالوا لهم: أفلا تفقهون أيّها القوم وتعقلون أنّ إخباركم أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بما في كتبكم أنّه نبيٌّ مبعوثٌ حجّةٌ لهم عليكم عند ربّكم يحتجّون بها عليكم؟ أي فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم، ولا تخبروهم بمثل ما أخبرتموهم به من ذلك. فقال جلّ ثناؤه: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون}). [جامع البيان: 2/ 146-151]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون (76)}
قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا}
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن السّعديّ، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} قال: «هم اليهود».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذا لقوا الّذين آمنوا} قال:«هؤلاء ناسٌ من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا».
قال أبو محمّدٍ: وروي عن قتادة نحو قول الربيع). [تفسير القرآن العظيم: 1 /149]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ}
- حدّثني محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر العدنيّ، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: أنّ امرأةً من اليهود أصابت فاحشةً فجاءوا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يبتغون منه الحكم رجاء الرّخصة، فدعا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- عالمهم وهو ابن صوريّا، فقال له: «احكم». قال: فجبّوه. قال عكرمة: التّجبية يحملونه على حمارٍ ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار -وذكر فيه كلامًا-، فقال له رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «أبحكم اللّه حكمت؟ أو بما أنزل على موسى؟»قال: لا. ولكنّ نساءنا كنّ حسانًا فأسرع فيهنّ رجالنا فغيّرنا الحكم، وفيه أنزلت: {وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ} قال عكرمة: إنّهم غيّروا الحكم منذ ستّمائة سنةٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 150]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم، أفلا تعقلون}؟
[الوجه الأوّل]
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قول اللّه: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم}: «في كتابكم من نعت محمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم-».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: {بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} قال: تقوله يهودٌ من قريظة حين سبّهم محمّدٌ بأنّهم إخوة القردة والخنازير، فقالوا: من حدّثك هذا؟ حين أرسل إليهم عليًّا فأذوا محمّدًا قال: يا إخوة القردة والخنازير.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: «{قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} من العذاب {ليحاجّوكم به عند ربّكم} هؤلاء ناسٌ من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا فكانوا يحدّثون المؤمنين من العرب بما عذّبوا به، فقال بعضهم: أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم من العذاب؟ فقالوا: نحن أكرم على اللّه منكم وأحبّ إلى الله منكم».
الوجه الرّابع:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو شيبة، عن عطاءٍ الخراسانيّ في قوله: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} يقول: «بما قضى لكم وعليكم».
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ الواسطيّ، حدّثني سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن: قوله: {قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون} قال: «هؤلاء اليهود، كانوا إذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا، وإذا خلا بعضهم إلى بعضهم قال بعضهم: لا تحدّثوا أصحاب محمّدٍ بما فتح اللّه عليكم ممّا في كتابكم ليحاجّوكم به عند ربّكم فيخصمونكم»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 150-151]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}.
- أخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا}: «أي: بصاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليكم، فكان منهم {ليحاجوكم به عند ربكم} أي: يقرون أنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق بإتباعه، وهو يخبرهم أنه النّبيّ الذي كان ينتظر ونجده في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به».
- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا} الآية،
قال: «هذه الآية في المنافقين من اليهود، وقوله: {بما فتح الله عليكم} يعني: بما أكرمكم به».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قام النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال: يا إخوان القردة والخنازير ويا عبدة الطاغوت، فقالوا: من أخبر هذا الأمر محمد؟ ما خرج هذا الأمر إلا منكم. {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم.
- وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن»، فقال رؤساء اليهود: اذهبوا فقولوا آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر، وهو قوله: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره} [آل عمران:72]، وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال لكم في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون: بلى، فإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} الآية.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال: «نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} من العذاب، ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة، فجاؤوا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمهم وهو ابن صوريا فقال له: «احكم»، قال: فجبؤة، والتجبئة يحملونه على حمار ويجعلون على وجهه إلى ذنب الحمار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبحكم الله حكمت؟»، قال: لا، ولكن نساءنا كن حسانا فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه أنزلت {وإذا خلا بعضهم إلى بعض} الآية.
- وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} قالوا: «هم اليهود، وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضا أن يحدثوا بما فتح الله عليهم وبين لهم في كتابه من أمر محمد عليه السلام رفعته ونبوته، وقالوا: إنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا عليكم بذلك عند ربكم {أفلا تعقلون}».

{أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} قال:«ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا، وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض، من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم»). [الدر المنثور: 1/ 428-431]

تفسير قوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون} أولا يعلم هؤلاء اللاّئمون من اليهود إخوانهم من أهل ملّتهم، على كونهم إذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا، وعلى إخبارهم المؤمنين بما في كتبهم من نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومبعثه، القائلون لهم: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} أنّ اللّه عالمٌ بما يسرّون فيخفونه عن المؤمنين في خلائهم من كفرهم وتلاومهم بينهم على إظهارهم ما أظهروا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين به من الإقرار بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وعلى قيلهم لهم آمنّا، ونهي بعضهم بعضًا أن يخبروا المؤمنين بما فتح اللّه للمؤمنين عليهم، وقضى لهم عليهم في كتبهم من حقيقة نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته ومبعثه، وما يعلنون فيظهرونه لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ولأصحابه المؤمنين به إذا لقوهم من قيلهم لهم: آمنّا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به نفاقًا وخداعًا للّه ولرسوله وللمؤمنين.
- كما حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة:«{أولا يعلمون أنّ اللّه، يعلم ما يسرّون} من كفرهم وتكذيبهم محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خلا بعضهم إلى بعضٍ {وما يعلنون} إذا لقوا أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا آمنّا ليرضوهم بذلك».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: «{أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون} يعني ما أسرّوا من كفرهم بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم {وما يعلنون} يعني ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين آمنّا»). [جامع البيان: 2/ 151-152]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون (77)} قوله: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: «قوله: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون} يعني ما أسرّوا من كفرهم بمحمّدٍ وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم».
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ، ثنا سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن قال: قال اللّه: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون} قال: «وكان ما أسرّوا أنّهم كانوا إذا تولّوا عن أصحاب محمّدٍ وخلا بعضهم إلى بعضٍ تناهوا أن يخبر أحدهم منهم أصحاب محمّدٍ بما فتح اللّه عليهم في كتابهم، خشية أن يحاجّهم أصحاب محمّدٍ بما في كتابهم عند ربّهم ليخاصموهم أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون».

وروي عن قتادة نحو ما روي عن أبي العالية). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 151]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وما يعلنون}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله: {وما يعلنون}: «حين قالوا للمؤمنين: آمنّا».

وروي عن الحسن وقتادة والرّبيع نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 151]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} قالوا: «هم اليهود، وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضا أن يحدثوا بما فتح الله عليهم وبين لهم في كتابه من أمر محمد عليه السلام رفعته ونبوته، وقالوا: إنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا عليكم بذلك عند ربكم {أفلا تعقلون (76) أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}».

قال: «ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا، وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوبا عندهم».
- وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون}:«يعني من كفرهم بمحمد وتكذيبهم به، {وما يعلنون} حين قالوا للمؤمنين: آمنا»). [الدر المنثور: 1/ 430-431]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 08:31 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} هذه الألف ألف استخبار، وتجري في كثير من المواضع مجرى الإنكار والنهي إذا لم يكن معها نفي، كأنّه أيئسهم من الطمع في إيمان هذه الفرقة من اليهود، فإذا كان في أول الكلام نفي، فإنكار النفي تثبيت، نحو قوله عزّ وجلّ: {ألم يأتكم نذير * قالوا بلى}،

فجواب {أفتطمعون} "لا" كما وصفنا.
وقوله عزّ وجلّ: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه} يروي في التفسير أنهم سمعوا كلام اللّه لموسى -عليه السلام- فحرفوه فقيل في هؤلاء الذين شاهدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم كفروا وحرفوا، فلهم سابقة في كفرهم). [معاني القرآن: 1/ 158]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم...} هذا من قول اليهود لبعضهم؛ أي: لا تحدّثوا المسلمين بأنكم تجدون صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- في التوراة وأنتم لا تؤمنون به، فتكون لهم الحجة عليكم، {أفلا تعقلون}.
قال الله: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون} هذا جوابهم من قول الله). [معاني القرآن: 1/ 50]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم} أي: بما منّ الله عليكم، وأعطاكم دونهم).[مجاز القرآن: 1/ 45]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون}
المعنى: أتخبرونهم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكره موجود في كتابكم وصفته.
{ليحاجّوكم به عند ربّكم} أي: لتكون لهم الحجة في إيمانهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- عليكم، إذ كنتم مقرّين به تخبرون بصحة أمره من كتابكم فهذا بين حجته عليكم عند اللّه.
{أفلا تعقلون} أي: أفلا تعقلون حجة الله عليكم في هذا). [معاني القرآن: 1/ 158-159]

تفسير قوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الأولى 1434هـ/22-03-2013م, 02:37 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}
[لا يوجد]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:39 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} الآية، الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطاب: التقرير على أمر فيه بعد، إذ قد سلفت لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء، وهؤلاء على ذلك السنن،
والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالحزب،
- وقال مجاهد والسدي: «عني بالفريق هنا الأحبار الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم»،
- وقيل: المراد كل من حرف في التوراة شيئا حكما أو غيره كفعلهم في آية الرجم ونحوها،
- وقال ابن إسحاق والربيع: «عني السبعون الذين سمعوا مع موسى صلى الله عليه وسلم ثم بدلوا بعد ذلك».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا القول ضعف، ومن قال إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم، وقرأ الأعمش: «كلم الله»، وتحريف الشيء إحالته من حال إلى حال،
- وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل ولفظ التوراة باق،
- وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه). [المحرر الوجيز: 1/ 259-260]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون (77) ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ وإن هم إلاّ يظنّون (78)}
المعنى: وهم أيضا إذا لقوا يفعلون هذا، فكيف يطمع في إيمانهم؟
ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفا مقطوعا من معنى الطمع، فيه كشف سرائرهم.
وورد في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن»، فقال كعب بن الأشرف ووهب بن يهوذا وأشباههما: اذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم، فنزلت هذه الآية فيهم،
- وقال ابن عباس: «نزلت في منافقين من اليهود»، وروي عنه أيضا: «أنها نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبي ولكن ليس إلينا، وإنما هو إليكم خاصة، فلما خلوا قال بعضهم: لم تقرون بنبوته وقد كنا قبل نستفتح به؟ فهذا هو الذي فتح الله عليهم من علمه»،
وأصل خلا «خلو» تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا،
- وقال أبو العالية وقتادة: «إن بعض اليهود تكلم بما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كفرة الأحبار: أتحدثون بما فتح اللّه عليكم أي: عرفكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فيحتجون عليكم إذ تقرون به ولا تؤمنون به؟»،
- وقال السدي: «إن بعض اليهود حكى لبعض المسلمين ما عذب به أسلافهم، فقال بعض الأحبار: أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم من العذاب، فيحتجون عليكم ويقولون نحن أكرم على الله حين لم يفعل بنا مثل هذا؟»، وفتح على هذا التأويل بمعنى حكم،
- وقال مجاهد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبني قريظة: «يا إخوة الخنازير والقردة»، فقال الأحبار لأتباعهم: ما عرف هذا إلا من عندكم، أتحدثونهم؟
- وقال ابن زيد: «كانوا إذا سئلوا عن شيء، قالوا: في التوراة كذا وكذا، فكرهت الأحبار ذلك، ونهوا في الخلوة عنه، ففيه نزلت الآية».
والفتح في اللغة ينقسم أقساما تجمعها بالمعنى: التوسعة وإزالة الإبهام، وإلى هذا يرجع الحكم وغيره، والفتاح هو القاضي بلغة اليمن،
و«يحاجوكم» من الحجة، وأصله من حج إذا قصد، لأن المتحاجّين كل واحد منهما يقصد غلبة الآخر،
و«عند ربّكم» معناه في الآخرة، وقيل: عند بمعنى في ربكم، أي: فيكونون أحق به، وقيل: المعنى عند ذكر ربكم.
وقوله تعالى: {أفلا تعقلون} قيل: هو من قول الأحبار للأتباع، وقيل: هو خطاب من الله للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال. والعقل علوم ضرورية). [المحرر الوجيز: 1/ 260-261]

تفسير قوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقرأ الجمهور «أولا يعلمون» بالياء من أسفل، وقرأ ابن محيصن «أولا تعلمون» بالتاء خطابا للمؤمنين، والذي أسروه: كفرهم، والذي أعلنوه: قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار: صفة محمد صلى الله عليه وسلم والمعرفة به، والذي أعلنوه: الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع). [المحرر الوجيز: 1/ 261-262]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 11:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون (77)}
يقول تعالى: {أفتطمعون} أيّها المؤمنون {أن يؤمنوا لكم} أي: ينقاد لكم بالطّاعة، هؤلاء الفرقة الضّالّة من اليهود، الّذين شاهد آباؤهم من الآيات البيّنات ما شاهدوه ثمّ قست قلوبهم من بعد ذلك {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه} أي: يتأوّلونه على غير تأويله {من بعد ما عقلوه} أي: فهموه على الجليّة ومع هذا يخالفونه على بصيرةٍ {وهم يعلمون} أنّهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله؟ وهذا المقام شبيهٌ بقوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرّفون الكلم عن مواضعه} [المائدة: 13].
- قال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: «ثمّ قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولمن معه من المؤمنين يؤيّسهم منهم: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه}، وليس قوله: {يسمعون كلام اللّه} يسمعون التّوراة. كلّهم قد سمعها. ولكن الّذين سألوا موسى رؤية ربّهم فأخذتهم الصّاعقة فيها».
- قال محمّد بن إسحاق: «فيما حدّثني بعض أهل العلم أنّهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية اللّه تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلّمك. فطلب ذلك موسى إلى ربّه تعالى فقال: نعم، مرهم فليتطهّروا، وليطهّروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثمّ خرج بهم حتّى أتوا الطّور، فلمّا غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجودًا، وكلّمه ربّه تعالى، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتّى عقلوا عنه ما سمعوا. ثمّ انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلمّا جاءوهم حرّف فريقٌ منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إنّ اللّه قد أمركم بكذا وكذا. قال ذلك الفريق الّذين ذكرهم اللّه: إنّما قال كذا وكذا خلافًا لما قال اللّه عزّ وجلّ لهم، فهم الّذين عنى اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم».
- وقال السّدّيّ: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه} قال: «هي التّوراة، حرّفوها».
وهذا الذي ذكره السّدّيّ أعمّ ممّا ذكره ابن عبّاسٍ وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جريرٍ لظاهر السّياق. فإنّه ليس يلزم من سماع كلام اللّه أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران، عليه الصّلاة والسّلام، وقد قال اللّه تعالى: {وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه} [التّوبة: 6]، أي: مبلّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: {ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} قال: «هم اليهود كانوا يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه ووعوه».
- وقال مجاهدٌ: «الّذين يحرّفونه والّذين يكتمونه هم العلماء منهم».
- وقال أبو العالية: «عمدوا إلى ما أنزل اللّه في كتابهم، من نعت محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فحرّفوه عن مواضعه».
- وقال السّدّيّ: «{وهم يعلمون} أي: أنّهم أذنبوا».
- وقال ابن وهبٍ: قال ابن زيدٍ في قوله: {يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه} قال: «التّوراة التي أنزلها اللّه عليهم يحرّفونها يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالًا والحقّ فيها باطلًا والباطل فيها حقًا؛ إذا جاءهم المحقّ برشوةٍ أخرجوا له كتاب اللّه، وإذا جاءهم المبطل برشوةٍ أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محقٌّ، وإن جاءهم أحدٌ يسألهم شيئًا ليس فيه حقٌّ، ولا رشوةٌ، ولا شيء، أمروه بالحقّ، فقال اللّه لهم: {أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: 44]»). [تفسير ابن كثير: 1/ 307-308]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} الآية.
- قال محمّد بن إسحاق: حدّثنا محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} أي: بصاحبكم رسول اللّه، ولكنّه إليكم خاصّةً. {وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا} لا تحدّثوا العرب بهذا، فإنّكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل اللّه: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ قالوا أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} أي: تقرّون بأنّه نبيٌّ، وقد علمتم أنّه قد أخذ له الميثاق عليكم باتّباعه، وهو يخبرهم أنّه النّبيّ الذي كنّا ننتظر، ونجد في كتابنا. اجحدوه ولا تقرّوا به. يقول اللّه تعالى: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون}».
- وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: آمنّا».
- وقال السّدّيّ: «هؤلاء ناسٌ من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا».
- وكذا قال الرّبيع بن أنسٍ، وقتادة وغير واحدٍ من السّلف والخلف، حتّى قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، فيما رواه ابن وهبٍ عنه: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد قال:«لا يدخلنّ علينا قصبة المدينة إلّا مؤمنٌ». فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنّفاق: اذهبوا فقولوا: آمنّا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول اللّه تعالى: {وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالّذي أنزل على الّذين آمنوا وجه النّهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون} [آل عمران: 72] ، وكانوا يقولون، إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمره. فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلمّا أخبر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون يظنّون أنّهم مؤمنون فيقولون: أليس قد قال اللّه لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرّؤساء] قالوا: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} الآية.
- وقال أبو العالية: «{أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} يعني: بما أنزل اللّه عليكم في كتابكم من نعت محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
- وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن قتادة: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجّوكم به عند ربّكم} قال: «كانوا يقولون: سيكون نبيٌّ. فخلا بعضهم ببعضٍ فقالوا: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم}».
قولٌ آخر في المراد بالفتح:
- قال ابن جريج: حدّثني القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهدٍ، في قوله تعالى: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} قال: قام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: «يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطّاغوت»، فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمّدًا؟ ما خرج هذا القول إلّا منكم {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} بما حكم اللّه، للفتح، ليكون لهم حجّةً عليكم. قال ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: «هذا حين أرسل إليهم عليّا فآذوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم».
- وقال السّدّيّ: «{أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} من العذاب {ليحاجّوكم به عند ربّكم} هؤلاء ناسٌ من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا وكانوا يحدّثون المؤمنين من العرب بما عذّبوا به. فقال بعضهم لبعضٍ: {أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} من العذاب، ليقولوا: نحن أحبّ إلى اللّه منكم، وأكرم على اللّه منكم».
- وقال عطاءٌ الخراساني: «{أتحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم} يعني: بما قضى [اللّه] لكم وعليكم».
- وقال الحسن البصريّ: «هؤلاء اليهود، كانوا إذا لقوا الّذين آمنوا قالوا: آمنّا، وإذا خلا بعضهم إلى بعضٍ، قال بعضهم: لا تحدّثوا أصحاب محمّدٍ بما فتح اللّه عليكم ممّا في كتابكم، فيحاجّوكم به عند ربّكم، فيخصموكم»). [تفسير ابن كثير: 1 /308-309]

تفسير قوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {أولا يعلمون أنّ اللّه يعلم ما يسرّون وما يعلنون}
- قال أبو العالية: «يعني ما أسرّوا من كفرهم بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وتكذيبهم به، وهو يجدونه مكتوبًا عندهم». وكذا قال قتادة.
- وقال الحسن: {أنّ اللّه يعلم ما يسرّون} قال: «كان ما أسرّوا أنّهم كانوا إذا تولّوا عن أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وخلا بعضهم إلى بعضٍ، تناهوا أن يخبر أحدٌ منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح اللّه عليهم ممّا في كتابهم، خشية أن يحاجّهم أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بما في كتابهم عند ربّهم. {وما يعلنون} يعني: حين قالوا لأصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: آمنّا». وكذا قال أبو العالية، والرّبيع، وقتادة). [تفسير ابن كثير: 1/ 310]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:34 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة