العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 03:21 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (54) إلى الآية (57) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (54) إلى الآية (57) ]


{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }

روابط مهمة:


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 08:52 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قوله: {فتوبوا إلى بارئكم} قال: «خالقكم الذي خلقكم».). [تفسير الثوري: 45]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}.
وتأويل ذلك: واذكروا أيضًا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل: يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم. وظلمهم إيّاها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها ممّا أوجب لهم العقوبة من اللّه تعالى، وكذلك كلّ فاعلٍ فعلاً يستوجب به العقوبة من اللّه تعالى فهو ظالمٌ لنفسه بإيجابه العقوبة لها من اللّه تعالى. وكان الفعل الّذي فعلوه فظلموا به أنفسهم، هو ما أخبر اللّه عنهم من ارتدادهم باتّخاذهم العجل ربًّا بعد فراق موسى إيّاهم، ثمّ أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم والإنابة إلى اللّه من ردّتهم بالتّوبة إليه، والتّسليم لطاعته فيما أمرهم به وأخبرهم أنّ توبتهم من الذّنب الّذي ركبوه قتلهم أنفسهم. وقد دلّلنا فيما مضى على أنّ معنى التّوبة: الأوبة ممّا يكرهه اللّه إلى ما يرضاه من طاعته. فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التّوبة ممّا ركبوا من ذنوبهم إلى ربّهم على ما أمرهم به.
- كما حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال. حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرّحمن أنّه قال في هذه الآية: {فاقتلوا أنفسكم} قال: «عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضًا».
- حدّثني عبّاس بن محمّدٍ، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّدٍ، قال ابن جريجٍ، أخبرني القاسم بن أبي بزّة، أنّه سمع سعيد بن جبيرٍ، ومجاهدًا، قالا: «قام بعضهم إلى بعضٍ بالخناجر يقتل بعضهم بعضًا لا يحنّ رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بعيدٍ، حتّى ألوى موسى بثوبه فطرحوا ما بأيديهم، فتكشّف عن سبعين ألف قتيلٍ، وإنّ اللّه أوحى إلى موسى أن حسبي قد اكتفيت، فذلك حين ألوى بثوبه».
- حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدّثنا إبراهيم بن بشّارٍ، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعدٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال موسى لقومه: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}» قال: «أمر موسى قومه عن أمر ربّه عزّ وجلّ أن يقتلوا أنفسهم»، قال: «فاحتبى الّذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الّذين لم يعكفوا على العجل وأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمةٌ شديدةٌ، فجعل يقتل بعضهم بعضًا. فانجلت الظّلمة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيلٍ، كلّ من قتل منهم كانت له توبةٌ، وكلّ من بقي كانت له توبةٌ».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا رجع موسى إلى قومه {قال يا قوم ألم يعدكم ربّكم وعدًا حسنًا} إلى قوله: {فكذلك ألقى السّامريّ} {ألقى} موسى {الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه} {قال يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} فترك هارون ومال إلى السّامريّ، فــــ {قال فما خطبك يا سامريّ} إلى قوله: {ثمّ لننسفنّه في اليمّ نسفًا} ثمّ أخذه فذبحه، ثمّ حرّقه بالمبرد، ثمّ ذرّاه في اليمّ، فلم يبق بحرٌ يجري يومئذٍ إلاّ وقع فيه شيءٌ منه. ثمّ قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبّه خرج على شاربه الذّهب، فذلك حين يقول: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} فلمّا سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، {ورأوا أنّهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا ويغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين} فأبى اللّه أن يقبل توبة بني إسرائيل إلاّ بالحال الّتي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: {يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} قال: فصفّوا صفّين ثمّ اجتلدوا بالسّيوف. فاجتلد الّذين عبدوه والّذين لم يعبدوه بالسّيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتّى كثر القتل حتّى كادوا أن يهلكوا حتّى قتل بينهم سبعون ألفًا، وحتّى دعا موسى وهارون: ربّنا هلكت بنو إسرائيل، ربّنا البقيّة البقيّة. فأمرهم أن يضعوا السّلاح، وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدًا، ومن بقي كان مكفّرًا عنه. فذلك قوله: {فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو الباهليّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قول اللّه تعالى: {باتّخاذكم العجل} قال: «كان موسى أمر قومه، عن أمر ربّه، أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، فجعل الرّجل يقتل أباه ويقتل ولده، فتاب اللّه عليهم».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفه، قال: حدّثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {باتّخاذكم العجل} قال: «كان موسى أمر قومه، عن أمر ربّه، أن يقتل بعضهم بعضًا، ولا يقتل الرّجل أباه أو أخاه، فبلغ ذلك فى ساعه من نهار سبعين ألفا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: في قوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم} الآية. قال: «فصاروا صفّين، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فبلغ القتلى ما شاء اللّه، ثمّ قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: «لمّا أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسّيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافعٌ يديه. حتّى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا: يا نبيّ اللّه ادع اللّه لنا. وأخذوا بعضديه يسندّون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتّى إذا قبل اللّه توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعضٍ، فألقوا السّلاح».
وحزن موسى وبنو إسرائيل للّذي كان من القتل فيهم، فأوحى اللّه جلّ ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك، أمّا من قتل منكم فحيٌّ عندي يرزق، وأمّا من بقي فقد قبلت توبته. فبشرّ بذلك موسى بنى إسرائيل.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، وقتادة: في قوله: {فاقتلوا أنفسكم} قالا: «قاموا صفّين فقتل بعضهم بعضًا حتّى قيل لهم كفّوا». قال قتادة: «كانت شهادةً للمقتول وتوبةً للحيّ».
- حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: سمعت عبيد بن عميرٍ، يقول: «قام بعضهم إلى بعضٍ يقتل بعضهم بعضًا، ما يتوقّى الرّجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدًا حتّى نزلت التّوبة». قال ابن جريجٍ، وقال ابن عبّاسٍ: «بلغ قتلاهم سبعين ألفًا، ثمّ رفع اللّه عزّ وجلّ عنهم القتل، وتاب عليهم».
قال ابن جريجٍ: «قاموا صفّين، فاقتتلوا بينهم، فجعل اللّه القتل لمن قتل منهم شهادةً، وكانت توبةً لمن بقي. وكان قتل بعضهم بعضًا أنّ اللّه علم أنّ ناسًا منهم علموا أنّ العجل باطلٌ فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلاّ مخافة القتال، فلذلك أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «لمّا رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذرّاه في اليمّ؛ خرج إلى ربّه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصّاعقة، ثمّ بعثوا. سأل موسى ربّه التّوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلاّ أن يقتلوا أنفسهم» قال: «فبلغني أنّهم قالوا لموسى: نصبر لأمر اللّه، فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السّيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى وبهش إليه النّساء والصّبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن يرفع عنهم السّيف».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «لمّا رجع موسى إلى قومه، وكان سبعون رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربّكم، فقالوا: يا موسى أما من توبةٍ؟ قال: بلى {فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم} الآية. فاخترطوا السّيوف والجرزة والخناجر والسّكاكين». قال: «وبعث عليهم ضبابةً»، قال: «فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا». قال: «ويلقى الرّجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري، ويتنادون فيها: رحم اللّه عبدًا صبر حتّى يبلغ اللّه رضاه. وقرأ قول اللّه جلّ ثناؤه: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاءٌ مبينٌ}» قال: «فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم. وقرأ: {فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}».
فالّذي ذكرنا عمّن روّينا عنه الأخبار الّتي روّيناها كان توبة القوم من الذّنب الّذي أتوه فيما بينهم وبين ربّهم بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك.
وأمّا معنى قوله: {فتوبوا إلى بارئكم} فإنّه يعني به: ارجعوا إلى طاعة خالقكم وإلى ما يرضيه عنكم.
- كما حدّثني به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: {فتوبوا إلى بارئكم} «أي إلى خالقكم».
وهو من برأ اللّه الخلق يبرؤهم برءا، فهو بارئٌهم.
والبريّة: الخلق، وهي فعيلةٌ بمعنى مفعولةٍ غير أنّها لا تهمز كما لا يهمز ملكٌ، وهو من لأك، لأنّه جرى بترك الهمزة، كذلك قال نابغة بني ذبيان:

إلاّ سليمان إذ قال الاله له ....... قم في البريّة فاحددها عن الفند

وقد قيل: إنّ البريّة إنّما لم تهمز لأنّها فعيلةٌ من البرى، والبرى: التّراب فكأن تأويله على قول من تأوّله كذلك أنّه مخلوقٌ من التّراب.
وقال بعضهم: إنّما أخذت البريّة من قولك بريت العود، فلذلك لم يهمز.
قال أبو جعفرٍ: وترك الهمز من بارئكم جائزٌ، والإبدال منها جائزٌ، فإذ كان ذلك جائزًا في باريكم فغير مستنكرٍ أن تكون البريّة من برى اللّه الخلق بترك الهمزة.
وأمّا قوله: {ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم} فإنّه يعني بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربّكم خيرٌ لكم عند بارئكم؛ لأنّكم تنجون بذلك من عقاب اللّه في الآخرة على ذنبكم، وتستوجبون به الثّواب منه.
وقوله: {فتاب عليكم} يقول: فتاب الله عليكم بما فعلتم ممّا أمركم به من قتل بعضكم بعضًا.
وهذا من المحذوف الّذي استغنى بالظّاهر منه عن المتروك، لأنّ معنى الكلام: فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم، فتبتم فتاب عليكم. فترك ذكر قوله فتبتم إذ كان في قوله: {فتاب عليكم} دلالةٌ بيّنةٌ على اقتضاء الكلام فتبتم.
ويعني بقوله: {فتاب عليكم} رجع لكم وبكم إلى ما أحببتم من العفو عن ذنوبكم، وعظيم ما ركبتم، والصّفح عن جرمكم {إنّه هو التّوّاب الرّحيم} يعني الرّاجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحبّ من العفو عنه. ويعني بالرّحيم: العائد عليه برحمته المنجية من عقوبته). [جامع البيان: 1 / 678 - 687]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم (54)}
قوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل}
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: قوله: {باتّخاذكم} قال: «حليٌّ استعاروه من آل فرعون. فقال لهم هارون: أحرقوه تطهروا منه».
- حدّثنا الحسن بن أحمد ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ، حدّثني سرور بن المغيرة عن عبّاد بن منصورٍ عن الحسن في قوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل} فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، وحين قال اللّه: {ولمّا سقط في أيديهم ورأوا أنّهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا ويغفر لنا} قال: فذلك حين يقول موسى: {يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل}). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 109]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فتوبوا إلى بارئكم}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ عن الرّبيع عن أبي العالية: {فتوبوا إلى بارئكم} «أي إلى خالقكم»- قال: وكذلك فسّره سعيد بن جبيرٍ والرّبيع بن أنسٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 110]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم}
- حدّثنا عمّار بن خالدٍ ثنا محمّد بن الحسن الواسطيّ ويزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيدٍ عن القاسم بن أبي أيّوب عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ قال: «فقال اللّه تبارك وتعالى: إنّ توبتهم أن يقتل كلّ رجلٍ منهم كلّ من لقي من والدٍ أو ولدٍ فيقتله بالسّيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الّذين كان قد خفي على موسى وهارون ما اطّلع اللّه من ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر اللّه للقاتل والمقتول».
- حدّثنا الحسن بن الصّبّاح ثنا حجّاجٌ عن ابن جريجٍ أخبرني القاسم بن أبي بزّة أنّه سمع سعيد بن جبيرٍ ومجاهد يقولان في قوله: {فاقتلوا أنفسكم} قالا: «قام بعضهم إلى بعضٍ بالخناجر فقتل بعضهم بعضًا لا يحنو رجلٌ على قريبٍ ولا بعيدٍ، حتّى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيلٍ، وإنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى موسى أن حسبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى ثوبه».
- حدّثنا أبو زرعة ثنا صفوان ثنا الوليد أخبرني سعيدٌ عن قتادة قال: « أمر القوم بشديدٍ من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشّفار، فقتل بعضهم بعضًا حتّى بلغ اللّه فيهم نقمته وسقطت الشّفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل. فجعله لحيّهم توبةً، وللمقتول شهادةً».
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن هاشمٍ الرّمليّ ثنا ضمرة عن ابن شوذبٍ عن الحسن: قوله: {فاقتلوا أنفسكم} قال: «أصابت بني إسرائيل ظلمةٌ حندسٌ فقتل بعضهم بعضًا ثمّ انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 110]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ذلكم خيرٌ لكم}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه عزّ وجلّ: {خيرٌ لكم} «يعني أفضل».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 111]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}
- حدّثنا أبي ثنا عبد اللّه بن رجاءٍ أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة ابن عبدٍ وأبي عبد الرّحمن عن عليٍّ قال: «قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال يقتل بعضكم بعضًا فأخذوا السّكاكين فجعل الرّجل يقتل أخاه وأباه وأمّه لا يبالي من قتل، حتّى قتل منهم سبعون ألفًا فأوحى اللّه إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، وقد غفر اللّه لمن قتل، وتيب على من بقي».
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ:{فاقتلوا أنفسكم} قال: «فاجتلد الّذين عبدوه والّذين لم يعبدوه بالسّيوف، فكان من قتل من الفريقين كان شهيدًا حتّى كثر القتل حتّى كادوا أن يهلكوا حتّى قتل منهم سبعون ألفًا، وحتّى دعا موسى وهارون: ربّنا أهلكت بني إسرائيل، ربّنا البقيّة، البقيّة! فأمرهم أن يضعوا السّلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل من الفريقين كان شهيدًا، ومن كان بقي كان مكفّرًا عنه، فذلك قوله: {فتاب عليكم إنّه هو التواب الرحيم}».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 111]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتل بعضهم بعضا بالجنزير ففعلوا فتاب الله عليهم».). [تفسير مجاهد: 75]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلك خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم}.
- أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم واحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضا فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين
ألف قتيل كل من قتل منهم كانت له توبة وكل من وبقي كانت له توبة».
- وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي، قال: «قالوا لموسى: ما توبتنا قال: يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه - والله لا يبالي من قتل - حتى قتل منهم سبعون ألفا فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي».
- وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {إنكم ظلمتم أنفسكم} الآية، قال: «أمر القوم بشديدة من البلاء فقاموا يتناحرون بالشفار ويقتل بعضهم بعضا حتى بلغ الله نقمته فيهم وعقوبته فلما بلغ ذلك سقطت الشفار من أيديهم وأمسك عنهم القتل فجعله الله للحي منهم توبة وللمقتول شهادة».
- وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير عن الزهري قال: «لما أمرت بنو إسرائي بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا
بالخناجر وموسى رافع يديه حتى إذا أفنوا بعضهم قالوا: يا نبي الله ادع لنا وأخذوا بعضديه فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم فأوحى الله إلى موسى: ما يحزنك، أما من قتل منكم فحي عندي يرزق وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل».
- وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {إلى بارئكم} قال: «خالقكم»، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: «نعم، أما سمعت قول تبع:

شهدت على أحمد أنه ....... رسول من الله باري النسم».

- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {إلى بارئكم} قال: «خالقكم».
- وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: «كان أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعض بالخناجر ففعلوا فتاب الله عليهم».). [الدر المنثور: 1 / 368 - 370]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثنكم من بعد موتكم} قال: «أخذتهم الصاعقة أي ماتوا ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم».). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 46]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}.
وتأويل ذلك: واذكروا أيضًا إذ قلتم: يا موسى لن نصدّقك ولن نقرّ بما جئتنا به حتّى نرى اللّه عيانًا، برفع السّاتر بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه حتّى ننظر إليه بأبصارنا، كما تجهر الرّكيّة، وذلك إذا كان ماؤها قد غطّاه الطّين، فنقى ما قد غطّاه حتّى ظهر الماء وصفا، يقال منه: قد جهرت الرّكيّة أجهرها جهرًا وجهرةً؛ ولذلك قيل: قد جاهر فلانٌ بهذا الأمر مجاهرةً وجهارًا: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن غالبٍ:

من اللاّئي يضلّ الألف منه ........ منيخا من مخالفته جهارا.


- وكما حدّثنا به القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {حتّى نرى اللّه جهرةً} قال: «علانيةً».
- وحدّثت عن عمارة بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {حتّى نرى اللّه جهرةً} قال: «عيانًا».
- وحدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «{حتّى نرى اللّه جهرةً} حتّى يطلع إلينا».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {حتّى نرى اللّه جهرةً} «أي عيانًا».
فذكّرهم بذلك جلّ ذكره كثرة اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات اللّه وعبره ما تثلج بأقلّها الصّدور، وتطمئنّ بالتّصديق معها النّفوس؛ وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النّعم من اللّه لديهم. وهم مع ذلك مرّةً يسألون نبيّهم أن يجعل لهم إلهًا غير اللّه ومرّةً يعبدون العجل من دون اللّه، ومرّةً يقولون لن نصدّقك حتّى نرى اللّه جهرةً، وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} ومرّةً يقال لهم: {وقولوا حطّةٌ وادخلوا الباب سجّدًا نغفر لكم خطيئاتكم} فيقولون: حنطةٌ في شعيرةٍ، ويدخلون الباب من قبل أستاههم، مع غير ذلك من أفعالهم الّتي آذوا بها نبيّهم عليه السّلام الّتي يكثر إحصاؤها.
فأعلم ربّنا تبارك وتعالى ذكره الّذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل الّذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، وجحودهم نبوّته، وتركهم الإقرار به وبما جاء به مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره كأسلافهم وآبائهم الّذين قص الله عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرّةً بعد أخرى، وتوثّبهم على نبيّهم موسى صلوات اللّه وسلامه عليه تارةً بعد أخرى، مع عظيم بلاء اللّه جلّ وعزّ عندهم وسبوغ آلائه عليهم). [جامع البيان: 1 / 687 - 689]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون}.
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في صفة الصّاعقة الّتي أخذتهم.
فقال بعضهم بما حدّثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: في قوله: {فأخذتهم الصّاعقة} قال: «ماتوا».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {فأخذتكم الصّاعقة} قال: «سمعوا صوتًا، فصعقوا. يقول: ماتوا».
وقال آخرون: بما حدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فأخذتكم الصّاعقة} «والصّاعقة: نارٌ».
وقال آخرون: بما حدّثنا به ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «أخذتهم الرّجفة وهي الصّاعقة فماتوا جميعًا».
وأصل الصّاعقة: كلّ أمرٍ هائلٍ من رآه أو عاينه أو أصابه حتّى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاكٍ وعطبٍ، أو إلى ذهاب عقلٍ وغمور فهمٍ، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتًا كان ذلك، أو نارًا، أو زلزلةً، أو رجفًا وممّا يدلّ على أنّه قد يكون مصعوقًا وهو حيٌّ غير ميّتٍ، قول اللّه عزّ وجلّ: {وخرّ موسى صعقًا} يعني مغشيًّا عليه. ومنه قول جرير بن عطيّة:

وهل كان الفرزدق غير قردٍ ....... أصابته الصّواعق فاستدارا

فقد علم أنّ موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميّتًا؛ لأنّ اللّه جلّ وعزّ أخبر عنه أنّه لمّا أفاق قال: {تبت إليك} ولا شبه جريرٍ الفرزدق وهو حيٌّ بالقرد ميّتًا، ولكن معنى ذلك ما وصفنا.
ويعني بقوله: {وأنتم تنظرون} وأنتم تنظرون إلى الصّاعقة الّتي أصابتكم، يقول: أخذتكم الصّاعقة عيانًا جهارًا وأنتم تنظرون إليها). [جامع البيان: 1 / 690 - 691]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون (55)}
قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}
- حدّثني أبي قال كتب إليّ أحمد بن حفص بن عبد اللّه النّيسابوريّ، حدّثني أبي، حدّثني إبراهيم بن طهمان عن عبّاد بن إسحاق عن أبي الحويرث عن ابن عبّاسٍ أنّه قال في قول اللّه: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} «أي علانيةً، أي حتّى نرى اللّه».
- حدّثنا أبو زرعة ثنا صفوان ثنا الوليد أخبرني سعيدٌ عن قتادة في قول اللّه تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} «أي عيانًا». قال أبو محمّدٍ: وكذا فسّره الرّبيع بن أنسٍ، «عيانًا».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 111]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون}
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن صدقة الحمصيّ وعيسى بن يونس الرّمليّ قالا: ثنا محمّد بن شعيب بن شابور قال: سمعت عدوة بن رويمٍ يقول: «سأل بنو إسرائيل موسى فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً، فأخبرهم أنّهم لن يطيقوا ذلك، فأبوا، فسمعوا من كلام اللّه فصعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثمّ بعث هؤلاء وصعق هؤلاء».
والسّياق لمحمّدٍ.
- وفي حديث عيسى بن يونس: «ثمّ بعث الّذين صعقوا، وصعق الآخرون، ثمّ بعثوا، فقال اللّه: {فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون} إلى قوله: {لعلّكم تشكرون}».
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع أنبأ عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ عن قتادة في قوله: {فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون} قال: «أخذتهم الصّاعقة أي ماتوا».
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرّحمن السّعديّ ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ في قوله: {فأخذتكم الصّاعقة} قال: «هم السّبعون الّذين اختارهم موسى فساروا معه» قال: «فسمعوا كلامًا فقالوا: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}» قال: «فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول ماتوا». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 111 - 112]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {الصاعقة}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّادٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة} «والصّاعقة نارٌ».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا هارون بن زيد بن أبي الزّرقا ثنا أبي ثنا شبلٌ عن ابن محيصنٍ عن أبيه قال: رأيت مروان بن الحكم على منبر مكّة فسمعته يقول وهو يخطب: {فأخذتكم الصّاعقة}«والصّاعقة من السّماء، صيحةٌ من السّماء».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 112]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأنتم تنظرون}
- حدّثنا أبي ثنا محمّد بن صدقة ثنا محمّد بن شعيب بن شابور قال سمعت عروة بن رويمٍ يقول: {وأنتم تنظرون} قال: «فصعق بعضكم وبعضٌ ينظرون». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 112]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}
- أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {حتى نرى الله جهرة} قال: «علانية».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} قال: «هم السبعون الذي اختارهم موسى {فأخذتكم الصاعقة}» قال: «ماتوا {ثم بعثناكم من بعد موتكم} فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في الآية قال: «عوقب القوم فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها».
- وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {فأخذتكم الصاعقة} قال: «العذاب وأصله الموت»، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: «نعم، أما سمعت ربيعة وهو يقول:

وقد كنت أخشى عليك الحتوف ....... وقد كنت آمنك الصاعقة».

). [الدر المنثور: 1 / 370 - 371]

تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثنكم من بعد موتكم} قال: «أخذتهم الصاعقة أي ماتوا ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم». ). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 46] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون}.
يعني بقوله: {ثمّ بعثناكم} ثمّ أحييناكم.
وأصل البعث: إثارة الشّيء من محلّه، ومنه قيل: بعث فلانٌ راحلته: إذا أثارها من مبركها لتسّير كما قال الشّاعر:

فأبعثها وهي صنيع حولٍ ....... كركن الرّعن ذعلبةٍ وقاحا

والرّعن: منقطع أنف الجبل، والذّعلبة: الخفيفة، والوقاح، الشّديدة الحافر أو الخفّ ومن ذلك قيل: بعثت فلانًا لحاجتي: إذا أقمته من مكانه الّذي هو فيه للتّوجّه فيها. ومن ذلك قيل ليوم القيامة: يوم البعث، لأنّه يومٌ يثار النّاس فيه من قبورهم لموقف الحساب.
ويعني بقوله: {من بعد موتكم} من بعد موتكم بالصّاعقة الّتي أهلكتكم.
وقوله: {لعلّكم تشكرون} يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم بإحيائي إيّاكم استيناءً منّي لكم لتراجعوا التّوبة من عظيم ذنبكم بعد إحلالي العقوبة بكم بالصّاعقة الّتي أحللتها بكم، فأماتتكم بعظيم خطاياكم الّتي كانت منكم فيما بينكم وبين ربّكم.
وهذا القول على تأويل من تأوّل قوله قول {ثمّ بعثناكم} ثمّ أحييناكم.
وقال آخرون: معنى قوله: {ثمّ بعثناكم} أي بعثناكم أنبياء
- حدّثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ.
وتأويل الكلام على ما تأوّله السّدّيّ: فأخذتكم الصّاعقة، ثمّ أحييناكم من بعد موتكم، وأنتم تنظرون إلى إحيائناكم من بعد موتكم، ثمّ بعثناكم أنبياء لعلّكم تشكرون.
وزعم السّدّيّ أنّ ذلك من المقدّم الّذي معناه التّأخير، والمؤخّر الّذي معناه التّقديم.
- حدّثنا بذلك، موسى، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ
وهذا تأويلٌ يدلّ ظاهر التّلاوة على خلافه مع إجماع أهل التّأويل على تخطئته. والواجب على تأويل السّدّيّ الّذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله: {لعلّكم تشكرون} تشكروني على تصييري إيّاكم أنبياء.
وكان سبب قيلهم لموسى ما أخبر اللّه جلّ وعزّ عنهم أنّهم قالوا له من قولهم: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}.
- ما حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: «لمّا رجع موسى إلى قومه، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسّامريّ ما قال، وحرّق العجل وذرّاه في البحر؛ اختار موسى منهم سبعين رجلاً الخيّر فالخيّر، وقال: انطلقوا إلى اللّه عزّ وجلّ، فتوبوا إليه ممّا صنعتم وسلوه التّوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقاتٍ وقّته له ربّه، وكان لا يأتيه إلاّ بإذنٍ منه وعلمٍ. فقال له السّبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء اللّه: يا موسى اطلب لنا إلى ربّك لنسمع كلام ربّنا. فقال: أفعل. فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتّى تغشّى الجبل كلّه، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلّمه وقع على جبهته نورٌ ساطعٌ لا يستطيع أحدٌ من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلمّا فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة} وهي الصّاعقة فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربّه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: {ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي} قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السّفهاء منّا؟ أي أنّ هذا لهم هلاكٌ، اخترت منهم سبعين رجلاً، الخيّر فالخيّر أرجع إليهم، وليس معي منهم رجلٌ واحدٌ، فما الّذي يصدّقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ {إنّا هدنا إليك} فلم يزل موسى يناشد ربّه ويسأله ويطلب إليه، حتّى ردّ إليهم أرواحهم، فطلب إليه التّوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلاّ أن يقتلوا أنفسهم».
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: «لمّا تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب اللّه عليهم بقتل بعضهم بعضًا كما أمرهم به أمر اللّه تعالى موسى أن يأتيه في ناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً على عينه، ثمّ ذهب بهم ليعتذروا. فلمّا أتوا ذلك المكان قالوا: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}، فإنّك قد كلّمته فأرناه. فأخذتهم الصّاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي، ويدعو اللّه ويقول: ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم {ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا} فأوحى اللّه إلى موسى إنّ هؤلاء السّبعين ممّن اتّخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: {إن هي إلاّ فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء} إلى قوله: {إنّا هدنا إليك}، وذلك قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة} ثمّ إنّ اللّه جلّ ثناؤه أحياهم، فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلى بعضٍ كيف يحيون، فقالوا: يا موسى أنت تدعو اللّه فلا تسأله شيئًا إلاّ أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء. فدعا اللّه تعالى، فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} ولكنّه قدّم حرفًا وأخّر حرفًا».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «قال لهم موسى لمّا رجع من عند ربّه بالألواح، قد كتب فيها التّوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب اللّه عليهم، فقال: إنّ هذه الألواح فيها كتاب اللّه فيه أمره الّذي أمركم به ونهيه الّذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا واللّه حتّى نرى اللّه جهرةً، حتّى يطّلع اللّه إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه. فما له لا يكلّمنا كما كلّمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول اللّه تعالى: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}». قال: «فجاءت غضبةٌ من اللّه عزّ وجلّ، فجاءتهم صاعقةٌ بعد التّوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون». قال: «ثمّ أحياهم اللّه من بعد موتهم، وقرأ قول اللّه تعالى: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون} فقال لهم موسى: خذوا كتاب اللّه. فقالوا لا، فقال: أيّ شيءٍ أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنّا متنا ثمّ حيينا. قال: خذوا كتاب اللّه. قالوا لا. فبعث اللّه تعالى ملائكةً، فنتقت الجبل فوقهم».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: في قوله: {فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} قال: «أخذتهم الصّاعقة، ثمّ بعثهم اللّه تعالى ليكملوا بقيّة آجالهم».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: في قوله: {فأخذتهم الصّاعقة} قال: «هم السّبعون الّذين اختارهم موسى فساروا معه» قال: «فسمعوا كلامًا، فقالوا: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}» قال: «فسمعوا صوتًا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} فبعثوا من بعد موتهم؛ لأنّ موتهم ذاك كان عقوبةً لهم، فبعثوا لبقيّة آجالهم».
فهذا ما روي في السّبب الّذي من أجله قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}.
ولا خبر عندنا بصحّة شيءٍ ممّا قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجّةٌ فيسلم لهه. وجائزٌ أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجّةٌ، فالصّواب من القول فيه أن يقال: إنّ اللّه جلّ ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنّهم قالوا له: {يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} كما أخبر عنهم أنّهم قالوه.
وإنّما أخبر اللّه عزّ وجلّ بذلك عنهم الّذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخًا لهم في كفرهم بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد قامت حجّته على من احتجّ به عليه، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السّبب الدّاعي كان لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الّذين أخبرنا عنهم الأقوال الّتي ذكرناها، وجائزٌ أن يكون بعضها حقًّا كما قال). [جامع البيان: 1 / 691 - 698]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون (56)}
قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم}
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع أنبأ عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ عن قتادة: قوله: {فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون} «ثمّ بعثهم اللّه ليكمّلوا بقيّة آجالهم».
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرّحمن السّعديّ ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ: قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} «فبعثوا من بعد موتهم لأنّ موتهم ذلك كان عقوبةً لهم فبعثوا من بعد الموت ليوفّوا آجالهم».
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّادٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: فأخذتكم الصّاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو اللّه ويقول: ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي، أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا فأوحى اللّه إلى موسى أنّ هؤلاء السّبعين ممّن اتّخذوا العجل، ثمّ إنّ اللّه أحياهم فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلى بعضٍ كيف يحيون. قال: فذلك قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم}). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 112 - 113]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لعلكم تشكرون}
- حدّثنا أبي ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن مسعرٍ عن عون بن عبد اللّه: قوله: {لعلّكم} «لعلّ من اللّه واجبه» : وقال سفيان أيضًا). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 113]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}
- أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {حتى نرى الله جهرة} قال: «علانية».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} قال: «هم السبعون الذي اختارهم موسى {فأخذتكم الصاعقة}» قال: «ماتوا {ثم بعثناكم من بعد موتكم} فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في الآية قال: «عوقب القوم فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها».
- وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {فأخذتكم الصاعقة} قال: «العذاب وأصله الموت»، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: «نعم، أما سمعت ربيعة وهو يقول:

وقد كنت أخشى عليك الحتوف ...... وقد كنت آمنك الصاعقة».

). [الدر المنثور: 1 / 370 - 371] (م)

تفسير قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (أخبرني شبيب عن شعبة عن الحكم عن مجاهد في قول الله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم}، قال: «التجارة». ). [الجامع في علوم القرآن: 2 / 25 - 26]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله: {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} قال: «كان المن ينزل مثل الثلج والسلوى طير كانت تحشرها عليهم ريح الجنوب». ). [تفسير عبد الرزاق: 1 / 46]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (بابٌ: وقوله تعالى: {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}
وقال مجاهدٌ: « المنّ: صمغةٌ، والسّلوى: الطّير ».
- حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريثٍ، عن سعيد بن زيدٍ رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين» ). [صحيح البخاري: 6 / 18]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله: باب {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى إلى يظلمون})
كذا لأبي ذرٍّ وسقط له لفظ باب وساق الباقون الآية.
قوله: (وقال مجاهدٌ المنّ صمغةٌ) أي بفتح الصّاد المهملة وسكون الميم ثمّ غينٍ معجمةٍ، (والسّلوى الطّير) وصله الفريابيّ عن ورقاء عن بن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثله وكذا قال عبد بن حميدٍ عن شبابة عن ورقاء وروى بن أبي حاتمٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ قال: «كان المنّ ينزل على الشّجر فيأكلون منه ما شاءوا»، ومن طريق عكرمة قال: «كان مثل الرّبّ الغليظ» أي بضمّ الرّاء بعدها موحّدةٌ، ومن طريق السّدّيّ قال: «كان مثل الترنجبيل»، ومن طريق سعيد بن بشيرٍ عن قتادة قال: «كان المنّ يسقط عليهم سقوط الثّلج أشدّ بياضًا من اللّبن وأحلى من العسل»، وهذه الأقوال كلها لاتنافي فيها ومن طريق وهب بن منبّهٍ قال: «المنّ خبز الرّقاق» وهذا مغايرٌ لجميع ما تقدم والله أعلم، وروى بن أبي حاتمٍ أيضًا من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ قال: «السّلوى طائرٌ يشبه السّمانى»، ومن طريق وهب بن منبّهٍ قال: «هو السّمانى» وعنه قال: «هو طيرٌ سمينٌ مثل الحمام»، ومن طريق عكرمة قال: «طيرٌ أكبر من العصفور»، ثمّ ذكر المصنّف حديث سعيد بن زيدٍ في الكمأة من المنّ وسيأتي شرحه في كتاب الطّبّ، ووقع في رواية بن عيينة عن عبد الملك بن عميرٍ في حديث الباب من المنّ الّذي أنزل على بني إسرائيل وبه تظهر مناسبة ذكره في التّفسير والرّدّ على الخطّابيّ حيث قال لا وجه لإدخال هذا الحديث هنا قال: لأنّه ليس المراد في الحديث أنّها نوعٌ من المنّ المنزّل على بني إسرائيل فإنّ ذاك شيء كان يسقط عليهم كالترنجبيل والمراد أنّها شجرةٌ تنبت بنفسها من غير استنباتٍ ولا مؤنةٍ انتهى، وقد عرف وجه إدخاله هنا ولو كان المراد ما ذكره الخطابيّ والله أعلم.
قوله: (باب {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم} الآية) كذا لأبي ذرٍّ وساق غيره الآية إلى قوله المحسنين.
قوله: (رغدًا واسعًا كثيرًا) هو من تفسير أبي عبيدة قال الرّغد الكثير الّذي لا يتعب يقال قد أرغد فلانٌ إذا أصاب عيشًا واسعًا كثيرًا وعن الضّحّاك عن بن عبّاسٍ في قوله: {وكلا منها رغدًا حيث شئتما} قال: «الرّغد سعة المعيشة» أخرجه الطّبريّ وأخرج من طريق السّدّيّ عن رجاله قال: «الرّغد الهنيء»، ومن طريق مجاهدٍ قال: «الرّغد الّذي لا حساب فيه»، ثمّ ذكر المصنّف حديث أبي هريرة في قوله تعالى: {وقولوا حطة} وقد تقدّم ذكره في قصّة موسى من أحاديث الأنبياء وأحلت بشرحه على تفسير سورة الأعراف وسأذكره هناك إن شاء اللّه تعالى
وقوله: في أوّل هذا الإسناد: حدّثنا محمّدٌ لم يقع منسوبًا إلّا في رواية أبي عليّ بن السّكن عن الفربريّ فقال محمّد بن سلّامٍ ويحتمل عندي أن يكون محمّد بن يحيى الذّهليّ فإنّه يروي عن عبد الرّحمن بن مهديّ أيضًا وأمّا أبو عليٍّ الجيّانيّ فقال الأشبه أنّه محمّد بن بشّارٍ). [فتح الباري: 8 / 164]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب: وقوله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وقال مجاهدٌ: «المنّ صمغةٌ والسّلوى الطير».)
ذكر هذه الآية ولم يذكر شيئا من تفسيرها غير ما ذكره من قول مجاهد، ولما ذكر الله تعالى ما دفع عن قوم موسى من النقم المذكورة قبل هذه الآية، ذكرهم هنا بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: {وظللنا عليكم الغمام} وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنّه يغم السّماء أي يواريها ويسترها، وهو السّحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشّمس، وعن مجاهد: «ليس من زيّ مثل هذا السّحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا»، وذكر سنيد في تفسيره: عن حجاج بن محمّد عن ابن جريج قال: قال ابن عبّاس، رضي الله عنهما: «غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الّذي يأتي الله فيه في قوله: {هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] وهو الّذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر».
قوله: ({وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى}) وفسّر مجاهد: المنّ، بقوله صمغة، والسلوى، بالطير، رواه عنه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه، وعن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال: «كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه ويأكلون منه ما شاؤوا»، وقال عكرمة: «شيء يشبه الرب الغليظ»، وعن السّديّ: «إنّه الترنجبين»، وقال الرّبيع بن أنس: «المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثمّ يشربونه»، وقال وهب بن منبّه: «هو خبز الرقاق مثل الذّرة أو مثل النقي»، وروى ابن جرير بإسناده عن الشّعبيّ، قال: «عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المنّ»، وكذا قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: «إنّه العسل».
واختلفت عبارات المفسّرين في (المنّ) ولكنها متقاربة فمنهم من فسره بالطّعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظّاهر والله أعلم أن كل ما امتن الله به عليهم من طعام أو شراب وغير ذلك ممّا ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما، وإن مزج مع الماء كان شرابًا طيبا وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر. وأما (السلوى) فكذلك اختلفوا فيه، فقال عليّ بن أبي طلحة: عن أبي عبّاس: «السلوى طائر شبيه السمان يأكلوه منه»، وكذا قال مجاهد والشعبيّ والضّحّاك والحسن وعكرمة والربيع بن أنس، وعن وهب: «هو طير سمين مثل الحمامة يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت»، وعن عكرمة: «طير أكبر من العصفور»، وقال ابن عطيّة: السلوى طير بإجماع المفسّرين، وقد غلط الهذليّ في قوله: إنّه العسل، وقال القرطبيّ: دعوى الإجماع لا يصح لأن المؤرخ أحد علماء اللّغة والتّفسير قال: إنّه العسل، وقال الجوهري: السلوى العسل، قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضا، كما يقال: سماني للواحد والجمع، وقال الخليل: واحده سلوة، وقال الكسائي: السلوى واحد وجمعه سلاوي.
قوله: ({كلوا من طيّبات ما رزقناكم}) أمر إباحة وإرشاد وامتنان.
قوله: ({وما ظلمونا}) الآية، يعني: أمرناهم بالأكل ممّا رزقناهم وأن يعبدوا فخالفوا وكفر لظلموا أنفسهم. وقال الزّمخشريّ: فظلموا بأن كفروا هذه النعم.
- حدّثنا أبو نعيمٍ حدثنا سفيان عن عبد الملك عن عمرو بن حريثٍ عن سعيدٍ بن زيدٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين».
قال الخطابيّ: لا وجه لإدخال هذا الحديث هنا لأنّه ليس المراد من الكمأة في الحديث أنّها نوع من المنّ المنزل على بني إسرائيل، فإن ذلك شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين، وإنّما المراد أنّها شجرة تنبت بنفسها من غير استنبات ولا مؤونة، ورد عليه: بأن في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في هذا الباب من المنّ الّذي أنزل على بني إسرائيل، رواه الدّارقطنيّ، وبهذا تظهر المناسبة في ذكره هنا، وكأن الخطابيّ لم يطلع على رواية ابن عيينة عن عبد الملك، فلذلك قال ذلك.
وأبو نعيم: بضم النّون: الفضل بن دكين، وسفيان هو الثّوريّ هنا، وإن كان سفيان بن عيينة يروي أيضا عن عبد الملك بن عمير، لأن الغالب إذا أطلق: سفيان عن عبد الملك، يكون الثّوريّ، وكذا ذكره أبو مسعود لما ذكر هذا الحديث، وعمرو بن حريث القرشي المخزومي وله صحبة، وسعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة.
والحديث أخرجه البخاريّ أيضا في الطّبّ عن محمّد بن المثنى. وأخرجه مسلم في الأطعمة عن محمّد بن المثنى وعن غيره. وأخرجه التّرمذيّ في الطّبّ عن أبي كريب وغيره. وأخرجه النّسائيّ فيه عن إسحاق بن إبراهيم وفي الوليمة عن يحيى بن حبيب وغيره وفي التّفسير عن محمّد بن المثنى وغيره. وأخرجه ابن ماجه في الطّبّ عن محمّد بن الصّباح.
قوله: (الكمأة)، بفتح الكاف وإسكان الميم وفتح الهمزة: واحدها كمء، وعكسه. تمرة وتمر، وهو من النّوادر، وقال ابن سيّده: جمع الكمء أكمؤه وكمأة، هذا قول أهل اللّغة، وقال سيبويهٍ: ليست الكمأة بجمع، كمء، لأن فعلة ليس ممّا يكسر على فعل، وإنّما هو إسم الجمع، وقال أبو حنيفة: كمأة واحدة وكمأتان وكماء. وعن أبي زيد: أن الكمأة تكون واحدة وجمعاً. وفي (الجامع): الجمع القليل أكمؤة على أفعل، والجمع الكثير: كماء، وقال صاحب (التّلويح): الصّحيح من هذا كله ما حكاه سيبويهٍ، وذكر عبد اللّطيف بن يوسف البغداديّ أن الكمأة جدرى الأرض وتسمى بنات الرّعد، لأنّها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض، وقال أبو حنيفة: أول اجتناثها سقوط الجبهة، وهي تتطاول إلى أن يتحرّك الحر، وكمأة السهل بيضاء رخوة، والّتي بالآكام سوداء جيّدة، وقيل: الكمأة هي الّتي إلى الغبرة والسواد. وفي (الجامع): تخرج ببعض الأرض، وقال ابن خالويه في كتابه: ليس في كلام العرب من أسماء الكمء إلاّ الّذي أعرفك: الذعلوق والبرنيق والمغرود والفقع والجب وبنات أوبر والعقل والقعيل، بتقديم القاف على العين، والجباة. يقال: كمأت الأرض أخرجت كماءها، وأجبأت أخرجت جباءها وهي الكمأة الحمراء، والبدأة يقال بدئت الأرض بكسر الدّال، وعن أبي حنيفة: الفردة والفراد وعصاقل وقرحان والخماميس، ولم أسمع لها بواحد، قاله الفراء: وعند القزاز: العرجون ضرب من الكمأة قدر شبر أو دون ذلك وهو طيب ما دام غضاً، والجمع العراجين، والفطر قال ابن سيدة: هو ضرب من الكمأة. قوله: (من المنّ)، ظاهره أن الكمأة من نفس المنّ، وأبو هريرة أخذ بظاهره على ما رواه التّرمذيّ من حديث قتادة، قال: حدثت أن أبا هريرة قال: «أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسة أو سبعا فعصرتهن وجعلت ماءهن في قارورة وكحلت به جارية فبرئت»، وقال ابن خالويه: يعصر ماؤها ويخلط به أدوية ثمّ يكتحل به، قال ابن العربيّ: الصّحيح أنه ينتفع بصورتها في حال وبإضافتها في أخرى. وفي (الجامع) لابن بيطار: هي أصل مستدير لا ورق ولا ساق لها ولونها إلى الحمرة مائل تؤخذ في الرّبيع وتؤكل نيّة ومطبوخة، والغذاء المتولد منها أغلظ من المتولد من القرع وليست بردي، الكيموس، وهي في المعدة الحارة جيّدة لأنّها باردة رطبة في الدرجة الثّانية، وأجودها أشدّها تلذذاً وملاساً، وأميلها إلى البياض، والمتخلخلة الرخوة رديئة جدا، وماؤها يجلو البصر كحلاً، وهي من أصلح أدوية العين، وإذا رتب بها الإثمد واكتحل به قوى الأجفان، وزاد في الرّوح الباصرة قوّة وحدة، ويدفع عنها نزول الماء. وذكر ابن الجوزيّ: أن الأطبّاء يقولون: إن أكل الكمأة يجلو البصر، وقيل: تؤخذ فتشق وتوضع على الجمرة حتّى يغلي ماؤها ثمّ يؤخذ ميل فيصير في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل به، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة، وقيل: أراد الماء الّذي تنبت به وهو أول مطر ينزل إلى الأرض فتربى به الأكحال، وقيل: إن كان في العين حرارة فماؤها وحده شفاء، وإن كان لغير ذلك فيركب مع غيره. وقال ابن التّين: قيل: أراد أنّها تنفع من تأخذه العين الّتي هي النظرة، وذلك أن في بعض ألفاظ الحديث: «وماؤها شفاء من العين»، قال: وقيل: يريد من داء العين، فحذف المضاف، وقال الخطابيّ في قوله: (والكمأة من المنّ)، ما ملخصه: أنه لم يرد به أنّها من المنّ الّذي أنزل على موسى بني إسرائيل عليه الصّلاة والسّلام، فإن المرويّ أنه شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين، وقد ذكرنا هذا في أول الحديث، والجواب عنه أيضا: وقال النّوويّ: قال كثيرون: شبهها بالمن الّذي أنزل عليهم حقيقة، عملا بظاهر اللّفظ، وقيل: معنى قوله: (الكمأة من المنّ) يعني: ممّا من الله على عباده بها بإنعامه ذلك عليهم). [عمدة القاري: 18 / 87 - 89]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب وقوله تعالى: {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} وقال مجاهدٌ: «المنّ صمغةٌ، والسّلوى الطّير».
(وقوله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام}) سخر الله تعالى لهم السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه، وسقط لأبي ذر قوله تعالى: ({وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}) بالكفر، وسقط لأبي ذر قوله تعالى: ({من طيبات}) إلى آخر ({أنفسهم}) وقال بعد: ({كلوا}) إلى ({يظلمون}). (وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي عنه (المن: صمغة، والسلوى: الطير) وعن ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم قال: «كان المن ينزل على الشجرة فيأكلون منه ما شاؤوا».
- حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريثٍ، عن سعيد بن زيدٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين» [الحديث 4478 - أطرافه في: 4639، 5708].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الملك) بن عمير القرشي (عن عمرو بن حريث) بضم الحاء مصغرًا وعمرو بفتح العين وسكون الميم (عن سعيد بن زيد) أحد العشرة (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم) ولأبوي ذر والوقت النبي (صلّى اللّه عليه وسلّم): (الكمأة) بفتح الكاف وسكون الميم والهمزة المفتوحة شيء ينبت بفسه من غير استنبات وتكلف مؤونة (من المن) لأنها تسقط بلا كلفة (وماؤها شفاء للعين) إذا ربى بها الكحل والتوتيا وغيرهما مما يكتحل به، وأما إذا اكتحل بها مفردة فلا لأنها تؤذي العين. وقال النووي: الصواب أن مجرد مائها شفاء مطلقًا، وإنما وصفت الكمأة بذلك لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهة. واعترض الخطابي وغيره بإدخال هذا هنا فإنه ليس المراد إنها نوع من المن المنزل على بني إسرائيل، فإن ذلك شيء كالترنجبين، وإنما معناه أنها تنبت بنفسها من غير استنبات ولا مؤونة.
وأجيب: بأنه وقع في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في حديث الباب من المن الذي أنزل على بني إسرائيل فظهرت المناسبة على ما لا يخفى). [إرشاد الساري: 7 / 10]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى}
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، وعليّ بن حجرٍ، قالا: أخبرنا جريرٌ، عن مطرّفٍ، عن الحكم بن عتيبة، عن الحسن العرنيّ، عن عمرو بن حريثٍ، عن سعيد بن زيدٍ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الكمأة من المنّ» قال عليٌّ في حديثه: «الّذي أنزل الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاءٌ للعين» ). [السنن الكبرى للنسائي: 10 / 9]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وظلّلنا عليكم الغمام}.
قال أبو جعفرٍ: {وظلّلنا عليكم} عطفٌ على قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} فتأويل الآية: ثمّ بعثناكم من بعد موتكم، وظلّلنا عليكم الغمام، وعدّد عليهم سائر ما أنعم به عليهم لعلّكم تشكرون. والغمام جمع غمامةٍ كما السّحاب جمع سحابةٍ.
والغمام هو ما غمّ السّماء فألبسها من سحابٍ وقتامٍ وغير ذلك ممّا يسترها عن أعين النّاظرين، وكلّ مغطًّى فإنّ العرب تسمّيه مغمومًا.
وقد قيل: إنّ الغمام الّتي ظلّلها اللّه على بني إسرائيل لم تكن سحابًا.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «ليس بالسّحاب».
- وحدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «ليس بالسّحاب هو الغمام الّذي يأتي اللّه فيه يوم القيامة لم يكن إلاّ لهم».
- وحدّثني محمّد بن عمرٍو الباهليّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قول اللّه جلّ ثناؤه: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «هو بمنزلة السّحاب».
- وحدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «هو غمامٌ أبرد من هذا وأطيب، وهو الّذي يأتي اللّه عزّ وجلّ فيه يوم القيامة في قوله: {في ظللٍ من الغمام}، وهو الّذي جاءت فيه الملائكة يوم بدرٍ». قال ابن عبّاسٍ: «وكان معهم في التّيه».
وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا ممّا غمّ السّماء من شيءٍ فغطّى وجهها عن النّاظر إليها، فليس الّذي ظلّله اللّه عزّ وجلّ على بني إسرائيل فوصفه بأنّه كان غمامًا بأولى بوصفه إيّاه بذلك أن يكون سحابًا منه بأن يكون غير ذلك ممّا ألبس وجه السّماء من شيءٍ.
وقد قيل: إنّه ما أبيضّ من السّحاب). [جامع البيان: 1 / 698 - 699]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزلنا عليكم المنّ}.
اختلف أهل التّأويل في صفة المنّ.
فقال بعضهم بما حدّثني به، محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قول اللّه عزّ وجلّ: {وأنزلنا عليكم المنّ} قال: «المنّ: صمغةٌ».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أنا عبد الرّزّاق، قال: أنا معمرٌ، عن قتادة: في قوله: {وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى} يقول: «كان المنّ ينزل عليهم مثل الثّلج».
وقال آخرون: هو شرابٌ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال: «المنّ: شرابٌ كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثمّ يشربونه».
وقال آخرون: المنّ: عسلٌ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «المنّ: عسلٌ كان ينزل لهم من السّماء».
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: «عسلكم هذا جزءٌ من سبعين جزءًا من المنّ».
وقال آخرون: المنّ: الخبز الرّقاق.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدّثني عبد الصّمد، قال سمعت وهبًا: وسئل، ما المنّ؟ قال: «خبز الرّقاق، مثل الذّرة، أومثل النّقي».
وقال آخرون: المنّ: الزنجبيل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «المنّ كان يسقط على شجر الزنجبيل».
وقال آخرون: المنّ هو الّذي يسقط على الشّجر الّذي تأكله النّاس.
ذكر من قال ذلك:
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحمّانيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن مجالدٍ، عن عامرٍ: في قوله: {وأنزلنا عليكم المنّ} قال: «المنّ: الّذي يقع على الشّجر».
- حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن مجالدٍ، عن عامرٍ، قال: «المنّ: هذا الّذي يقع على الشّجر».
- وحدّثنا عن المنجاب بن الحارث، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: في قوله: {المنّ} قال: «المنّ: الّذي يسقط من السّماء على الشّجر فيأكله النّاس».
- حدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: «كان المنّ ينزل على شجرهم فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا».
وقد قيل. إنّ المنّ: التّرنجبين.
وقال بعضهم: المنّ: هو الّذي يسقط على الثّمام والعشر، وهو حلوٌ كالعسل، وإيّاه عنى الأعشى ميمون بن قيسٍ بقوله:

لو أطعموا المنّ والسّلوى مكانهم ....... ما أبصر النّاس طعمًا فيهم نجعا

وتظاهرت الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
وقال بعضهم: المنّ: شرابٌ حلوٌ كانوا يطبخونه فيشربونه.
وأمّا أميّة بن أبي الصّلت فإنّه جعله في شعره عسلاً، فقال يصف أمرهم في التّيه وما رزقوا فيه:


فرأى اللّه أنّهنّ بمضيعٍ ....... لا بذي مزرعٍ ولا مثمورا.
فنسّاها عليهم غادياتٍ ........ ومرى مزنهم خلايا وخورا.
عسلاً ناطفًا وماءً فراتًا ........ وحليبًا ذا بهجةٍ ممرورا


فجعل المنّ الّذي كان ينزل عليهم عسلاً ناطفًا، والنّاطف: هو القاطر). [جامع البيان: 1 / 700 - 704]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {والسّلوى}.
والسّلوى: اسم طائرٍ يشبه السّمانى، واحده وجماعه بلفظٍ واحدٍ، كذلك السّمانى لفظ جماعها وواحدها سواءٌ. وقد قيل: إنّ واحدة السّلوى سلواةٌ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثني عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «السّلوى: طيرٌ يشبه السّمانى».
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: «كان طيرًا أكبر من السّمانى».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: «السّلوى: طيرٌ كانت تحشرها عليهم الرّيح الجنوب».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: «السّلوى: طائرٌ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: «السّلوى: طأئرٌ».
- حدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: «السّلوى: هو السّمانى».
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أبو أحمد، قال: حدّثنا شريكٌ، عن مجالدٍ، عن عامرٍ، قال: «السّلوى: السّمانى».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحمّانيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن مجالدٍ، عن عامرٍ، قال: «السّلوى: السّمانى».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: «السّلوى: كان طيرًا يأتيهم مثل السّمانى».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «السّلوى: طيرٌ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدّثني عبد الصّمد، قال: سمعت وهبًا: وسئل: ما السّلوى؟ فقال: «طيرٌ سمينٌ مثل الحمام».
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عامرٍ، قال: حدّثنا قرّة، عن الضّحّاك، قال: «السّمانى هو السّلوى».
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما سبب تظليل اللّه جلّ ثناؤه الغمام وإنزاله المنّ والسّلوى على هؤلاء القوم؟
قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك، ونحن ذاكرون ما حضرنا منه.
- فحدّثنا موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: «لمّا تاب على قوم موسى وأحيا السّبعين الّذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم اللّه بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتّى إذا كانوا قريبًا منها بعث موسى اثني عشر نقيبًا. وكان من أمرهم وأمر الجبّارين، وأمر قوم موسى ما قد قصّ اللّه في كتابه فقال قوم موسى لموسى: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون} فغضب موسى، فدعا عليهم قال: {ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} فكانت عجلةً من موسى عجلها فقال اللّه تعالى: {فإنّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض} فلمّا ضرب عليهم التّيه ندم موسى، وأتاه قومه الّذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلمّا ندم أوحى اللّه إليه لا تأس على القوم الفاسقين؛ أي لا تحزن على القوم الّذين سمّيتهم فاسقين. فلم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بماءٍ ههنا، أين الطّعام؟ فأنزل اللّه عليهم المنّ، فكان يسقط على شجر الزنجبيل، والسّلوى: وهو طيرٌ يشبه السّمانى، فكان يأتي أحدهم، فينظر إلى الطّير إن كان سمينًا ذبحه، وإلاّ أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطّعام، فأين الشّراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كلّ سبطٍ من عينٍ، فقالوا: هذا الطّعام والشّراب، فأين الظّلّ؟ فظلّل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظّلّ فأين اللّباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصّبيان، ولا يتخرّق لهم ثوب، فذلك قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى} وقوله: {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كلّ أناسٍ مشربهم}».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «لمّا تاب اللّه عزّ وجلّ على بني إسرائيل وأمر موسى أن يرفع عنهم السّيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدّسة، وقال: إنّني قد كتبتها لكم دارًا وقرارًا ومنزلاً، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدوّ فإنّى ناصركم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدّسة بأمر اللّه عزّ وجلّ، حتّى إذا نزل التّيه بين مصر والشّام وهي بلاد ليس فيها خمرٌ ولا ظلٌّ، دعا موسى ربّه حين آذاهم الحرّ، فظلّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرّزق، فأنزل اللّه لهم المنّ والسّلوى».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، وحدّثت عن عمّار بن الحسن، حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «ظلّل عليهم الغمام في التّيه: ما هو في القدر خمسة فراسخ أو ستّةٍ، كلّما أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الّذي ارتحلوا منه، فكانوا كذلك حتّى مرّت أربعون سنةً». قال: «وهم في ذلك ينزل عليهم المنّ والسّلوى ولا تبلى ثيابهم، ومعهم حجرٌ من حجارة الطّور يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدّثني عبد الصّمد، قال: سمعت وهبًا، يقول: «إنّ بني إسرائيل لمّا حرّم اللّه عليهم أن يدخلوا الأرض المقدّسة أربعين سنةً يتيهون في الأرض شكوا إلى موسى، فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إنّ اللّه سيأتيكم بما تأكلون. قالوا: من أين لنا إلاّ أن يمطر علينا خبزًا؟ قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ سينزل عليكم خبزًا مخبوزًا. فكان ينزل عليهم المنّ»، سئل وهبٌ: ما المنّ؟ قال: «خبز الرّقاق مثل الذّرة أو مثل النّقي، قالوا: وما نأتدم، وهل بدّلنا من لحمٍ؟ قال: فإنّ اللّه يأتيكم به. فقالوا: من أين لنا إلاّ أن تأتينا به الرّيح؟ قال: فإنّ الله تأتيكم به وكانت الرّيح تأتيهم بالسّلوى». فسئل وهبٌ: ما السّلوى؟ قال: «طيرٌ سمينٌ مثل الحمام كانت تأتيهم فيأخذون منه من السّبت إلى السّبت، قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخلق لأحدٍ منكم ثوبٌ أربعين سنةً. قالوا: فما نحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسعٌ أربعين سنةً، قالوا: فإنّ فينا أولادًا فما نكسوهم؟ قال: ثوب الصّغير يشبّ معه. قالوا: فمن أين لنا الماء؟ قال: يأتيكم به اللّه. قالوا: فمن أين؟ إلاّ أن يخرج لنا من الحجر. فأمر اللّه تبارك وتعالى موسى، أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فيم نبصر؟ تغشانا الظّلمة. فضرب لهم عمودٌا من نورٍ في وسط عسكرهم أضاء عسكرهم كلّه، قالوا: فبم نستظلّ؟ فإنّ الشّمس علينا شديدةٌ قال: يظلّكم اللّه بالغمام».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال ابن زيدٍ، فذكر نحو حديث موسى بن هارون عن عمرو بن حمّادٍ.
- حدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال عبد اللّه بن عبّاسٍ: «خلق لهم في التّيه ثيابٌ لا تخلق ولا تدرن».
قال: وقال ابن جريجٍ: «إن أخذ الرّجل من المنّ والسّلوى فوق طعام يومٍ فسد، إلاّ أنّهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السّبت فلا يصبح فاسدًا». ). [جامع البيان: 1 / 704 - 710]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كلوا من طيّبات ما رزقناكم}.
قال أبو جعفرٍ: وهذا ممّا استغنى بدلالةٍ ظاهرةٍ عن ذكر ما تركٍ منه، وذلك أنّ تأويل الآية: وظلّلنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى، وقلنا لكم: كلوا من طيّبات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله: وقلنا لكم لما بيّنّا من دلالة الظّاهر في الخطاب عليه.
وعنى جلّ ذكره بقوله: {كلوا من طيّبات ما رزقناكم} كلوا من شيهات رزقنا الّذي رزقناكموه.
وقد قيل عنى بقوله: {من طيّبات ما رزقناكم} من حلاله الّذي أبحناه لكم، فجعلناه لكم رزقًا.
والأوّل من القولين أولى بالتّأويل لأنّه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الّذي أعطاهم، فوصف ذلك بالطّيّب الّذي هو بمعنى اللّذّة أحرى من وصفه بأنّه حلالٌ مباحٌ.
و ما الّتي مع رزقناكم بمعنى الّذي كأنّه قال: كلوا من طيّبات الرّزق الّذي رزقناكموه). [جامع البيان: 1 / 710 - 711]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}
وهذا أيضًا من الّذي استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أنّ معنى الكلام: كلوا من طيّبات ما رزقناكم، فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربّهم ثمّ رسولنا إليهم، وما ظلمونا. فاكتفى بما ظهر عمّا ترك.
وقوله: {وما ظلمونا} يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.
ويعني بقوله: {وما ظلمونا} وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيّانا موضع مضرّةٍ علينا ومنقصةٍ لنا، ولكنّهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّةٍ عليها ومنقصةٍ لها.
- كما حدّثنا عن المنجاب، قال: حدّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قال: «يضرّون».
وقد دلّلنا فيما مضى على أنّ أصل الظّلم وضع الشّيء في غير موضعه بما فيه الكفاية، فأغنى ذلك عن إعادته.
وكذلك ربّنا جلّ ذكره لا تضرّه معصية عاصٍ، ولا يتحيّف خزائنه ظلم ظالمٍ، ولا تنفعه طاعة مطيعٍ، ولا يزيد في ملكه عدل عادلٍ؛ بل نفسه يظلم الظّالم، وحظّها يبخس العاصي، وإيّاها ينفع المطائع، وحظّها يصيب العادل). [جامع البيان: 1 / 711 - 712]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57)}
قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام}
[الوجه الأول]
- حدّثنا عمّار بن خالدٍ الواسطيّ ثنا محمّد بن الحسن ويزيد بن هارون عن أصبغ بن زيدٍ عن القاسم بن أبي أيّوب عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ قال: «ثمّ ظلّل عليهم في التّيه بالغمام» - قال أبو محمّدٍ: وروي عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلزٍ والضّحّاك والسّدّيّ نحو قول ابن عبّاسٍ.
- حدّثنا محمّد بن عبيد اللّه بن المنادي فيما كتب إليّ ثنا يونس بن محمّدٍ ثنا سفيان عن قتادة قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «كان هذا في البريّة، ظلل الغمام من الشّمس». وروي عن الحسن نحو ذلك.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا أبو حذيفة ثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «ليس بالسّحاب، هو الغمام الّذي يأتي اللّه فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم».
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ ثنا زيد بن المبارك ثنا ابن ثورٍ عن ابن جريجٍ: قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال ابن جريجٍ: «قال آخرون: هو غمامٌ أبرد من هذا وأطيب». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 113]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأنزلنا عليكم المن}
[الوجه الأول]
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقرئ عن سفيان عن عبد الملك بن عميرٍ عن عمرو بن حريثٍ عن سعيد بن زيدٍ قال: خرج إلينا النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- وفي يده كمأةٌ فقال: « أتدرون ما هذا؟ هذا من المنّ الّذي أنزل اللّه على بني إسرائيل وماؤها شفاءٌ للعين».
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قال: «كان المنّ ينزل عليهم (باللّيل) على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا يحيى بن يمانٍ عن سفيان عن ابن أبي نجيحٍ عن عن مجاهدٍ {وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى} قال: «المنّ صمغةٌ».
الوجه الثّالث:
- حدّثني أبو عبد اللّه الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر العدنيّ ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: «المنّ شيءٌ أنزله اللّه عليهم مثل الطّلّ، شبه الرّبّ الغليظ».
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: «قالوا يا موسى، فكيف لنا بما هاهنا، أين الطّعام؟ فأنزل اللّه عليهم المنّ، فكان يسقط على شجرة الزّنجبيل».
- حدّثنا أبو زرعة ثنا صفوان ثنا الوليد أخبرني سعيد بن بشيرٍ عن قتادة في قول اللّه: {وأنزلنا عليكم المنّ} قال: «كان المنّ يسقط عليهم في محلّتهم سقوط الثّلج، أشدّ بياضًا من اللّبن وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر، إلى طلوع الشّمس، يأخذ الرّجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدّى ذلك فسد ولم يبق، حتّى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنّه كان يوم عيدٍ لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا لشيءٍ يطلبه، وهذا كلّه في البرية».
الوجه الرّابع:
- أخبرنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ فيما كتب إلي ثناء إسماعيل بن عبد الكريم، حدّثني عبد الصّمد بن معقلٍ أنّه سمع وهب بن منبّهٍ وسئل: ما المنّ؟ قال: «خبز الرّقاق مثل الذّرة أو مثل النّقى».
الوجه الخامس:
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرّحمن ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ قال: «المنّ شرابٌ كان ينزل عليهم مثل العسل، يمزجونه بالماء ثم يشربونه». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 114 - 115]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {والسلوى}
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح ثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث ثنا قرّة ابن خالدٍ عن جهضمٍ عن ابن عبّاسٍ قال: «السّلوى هو السّماني».
- حدّثنا أبى ثنا أبو صالحٍ حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قال: «السّلوى طائرٌ شبيهٌ بالسّماني، كانوا يأكلون منه».
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقرئ ثنا سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن ابن منبّهٍ قال: «سألت بنو إسرائيل موسى اللّحم فقال اللّه: لأطعمنّهم من أقلّ لحمٍ يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا فأذرت عن مساكنهم السّلوى وهو السّماني، مثل ميلٍ في ميلٍ قيد رمحٍ في السّماء، فخبّوا للغد فنتن اللّحم وخبز الخبز». قال أبو محمّدٍ: وروي عن مجاهدٍ والشّعبيّ والضّحّاك والحسن وعكرمة والرّبيع بن أنسٍ نحو ممّا روى جهضمٌ عن ابن عبّاسٍ.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا صفوان بن صالحٍ ثنا الوليد أخبرني سعيدٌ عن قتادة قوله: {والسّلوى} قال: «كان السّلوى من طيرٍ إلى الحمرة يحشرها عليهم الرّيح الجنوب، فكان الرّجل منهم يذبح منها قدر ما يكفيه يومه، ذلك فإذا تعدّى فسد ولم يبق عنده حتّى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه لأنّه كان يوم عبادةٍ لا يشخص فيه لشيءٍ ولا يطلبه».
الوجه الثّالث:
- أخبرنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ فيما كتب إليّ ثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانيّ حدّثني عبد الصّمد بن معقلٍ أنّه سمع وهب بن منبّهٍ وسئل ما السّلوى؟ قال: «طيرٌ سمينٌ مثل الحمام فكان يأتيهم فيأخذون منه من سبتٍ إلى سبتٍ».
الوجه الرّابع:
- حدّثني أبو عبد اللّه الطّهرانيّ ثنا حفص بن عمر ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة: « وأمّا السّلوى فطيرٌ، كطيرٍ يكون باطنه أكبر من العصفور أو نحو ذلك». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 115 - 116]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {كلوا من طيّبات ما رزقناكم}
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ ثنا أبو عامرٍ الخزّاز عن الحسن في قول اللّه: {كلوا من طيّبات ما رزقناكم} «أما إنّه لم يذكر أصفركم وأحمركم ولكنّه قال ينتهون إلى حلاله». وروي عن مقاتل بن حيّان نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 116]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وما ظلمونا}
- حدّثنا محمّد بن يحيى الواسطيّ ثنا محمّد بن بشيرٍ- يعني الواعظ- ثنا عمرو بن عطيّة عن أبيه عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وما ظلمونا} قال: «نحن أعزّ من أن نظلم». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 116]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث ثنا بشرٌ عن أبي روقٍ عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ في قوله: {أنفسهم يظلمون} قال: «يضرّون».
- حدّثنا أبي ثنا موسى بن إسماعيل ثنا مباركٌ عن الحسن قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « ما أحدٌ أحبّ إليه المدح من اللّه، ولا أكثر معاذيرا من اللّه، عذّب قومًا بذنوبهم، اعتذر إلى المؤمنين قال وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون». ). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 116]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: {المن والسلوى} قال: «المن صمغة والسلوى طائر». ). [تفسير مجاهد: 76]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال يزيد: عن سلمان التيمي، عن أبي مجلز "في قوله عز وجل {وظللنا عليهم الغمام} أو قال: «ظلّل عليهم في التّيه».
- قال يزيد، عن الفضل بن عطيّة قال: «تاهوا في اثني عشر فرسخًا أربعين عامًا وجعل بين ظهرانيهم حجراً مثل رأس النّون إذا نزلوا انفجر منه اثنتا عشرة عيناً، فإذا دخلوا حملوه على ثورٍ فاستمسك الماء». ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6 / 177]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن أبي عمر: حدثنا يزيد بن هارون، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، فذكر حديثًا.
قال يزيد: وعن الفضل بن عطيّة، قال: «تاهوا في اثني عشر فرسخًا، أربعين سنةً، وجعل بين ظهرانيهم حجرٌ (له) مثل رأس الثّور، إذا نزلوا انفجر منه (اثنتي) عشرة عينًا».
- قال: وعن سليمان التّيميّ عن أبي مجلزٍ في قوله تعالى: {(وظلّلنا) (عليكم) الغمام} قال: «أظلّت عليهم في التّيه».). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14 / 466 - 467] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.
- أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وظللنا عليكم الغمام} قال: «غمام أبرد من هذا وأطيب وهو الذي يأتي فيه يوم القيامة وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر وكان معهم في التيه».
- وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وظللنا عليكم الغمام} قال: «ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ولم يكن إلا لهم».
- وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {وظللنا عليكم الغمام} قال: «هو السحاب الأبيض الذي لا ماء فيه».
- وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز في قوله: {وظللنا عليكم الغمام} قال: «ظلل عليهم في التيه».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتاد في قوله: {وظللنا عليكم الغمام} الآية، قال: «كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس وأطعمهم المن والسلوى حين برزوا إلى البرية فكان المن يسقط عليهم في محلتهم سقوط الثلج أشد بياضا من الثلج يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدى فسد وما يبقى عنده حتى إذا كان يوم سادسه جمعة أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فيبقي عنده لأن إذا كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشة ولا لطلب شيء وهذا كله في البرية».
- أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: «{المن} شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرب الغليظ {والسلوى} طير أكبر من العصفور».
- وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: «{المن} صمغة {والسلوى} طائر».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال: «قالوا يا موسى كيف لنا بماء ههنا أين الطعام فأنزل الله عليهم المن فكان يسقط على شجرة الترنجبين».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه، أنه سئل ما المن؟ قال: «خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: «{المن} شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه».
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان المن ينزل عليهم بالليل على الأشجار فيغذون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا {والسلوى} طائر شبيه بالسماني كانوا يأكلون منه ما شاؤوا».
- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «{المن} الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس {والسلوى} هو السماني».
- وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم عن سعيد بن زيد قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين».
- وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة، مثله.
- وأخرج النسائي من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، مثله.
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة: «{والسلوى} طائر يشبه السماني».
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك أنه كان يقول: «السماني هي السلوى».
- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «كانت السلوى طيرا إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب فكان الرجل منهم يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه».
- وأخرج سفيان بن عينية، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: «سألت بنو إسرائيل موسى اللحم فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحا فاذرت عند مساكنهم السلوى - وهو السماني - ميلا في ميل قيد رمح في السماء فجنوا للغد فنتن اللحم».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن السلوى فقال: «طير سمين مثل الحمام وكان يأيتهم فيأخذون منه سبت إلى سبت».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وما ظلمونا} قال: «نحن أعز من أن نظلم».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قال: «يضرون».). [الدر المنثور: 1 / 371 - 377]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 07:59 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {وإذ قال موسى لقومه (54)} معناها: وقال موسى لقومه.
{بارئكم (54)}: خالقكم، من "برأت"). [مجاز القرآن: 1 / 41]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({بارئكم}: خالقكم يقال: برأ الله الخلق). [غريب القرآن وتفسيره: 70]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({فتوبوا إلى بارئكم} أي: خالقكم، {فاقتلوا أنفسكم} أي: ليقتل بعضكم بعضا، على ما بينت في كتاب «المشكل».
وقوله: {فتاب عليكم} أي: ففعلتم فتاب عليكم، مختصر). [تفسير غريب القرآن: 49]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التّوّاب الرّحيم (54)}
والقراءة {يا قومِ} بكسر الميم، وهو نداء مضاف، والاختيار فيه: حذف الياء، لأن الياء حرف واحد، والنداء باب حذف، وهي في آخر الاسم، كما أنّ التنوين في آخره، فحذفت الياء، وبقيت الكسرة تدل عليها، ويجوز في الكلام أربعة أوجه.
فأمّا في القرآن فالكسر وحذف الياء لأنه أجود الأوجه، وهو إجماع القراء، فالذي يجوز في الكلام:
أن تقول: "يَا قَوْمِ إنكم" كما قرئ في القرآن، ويجوز: "يا قومِي" بإثبات الياء وسكونها، ويجوز: "يا قوْمِيَ" بتحريك الياء، فهذه ثلاثة أوجه في الإضافة، ويجوز: "يا قومُ" بضم الميم على معنى: يا أيها القوم.
ومعنى قوله {ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل}يقال لكل من فعل فعلا يعود عليه بمكروه: إنما أسأت إلى نفسك وظلمت نفسك، وأصل "الظلم" في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، والعرب تقول: (ومن أشبه أباه فما ظلم)، معناه: لم يقع له الشبه غير موقعه، ويقال: "ظلم الرجل سقاءه من اللبن"، إذا شرب منه وسقي منه قبل إدراكه، و"أرض مظلومة" إذا حفر فيها ولم يكن حفر فيها قبل، أو جاء المطر بقربها وتخطاها.
قال النابغة:

إلاّ أواريّ لأيـــــــــــــا مـــــــــــــا أبـــيّـــنـــهــــا والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

ومعنى قوله {باتخاذكم العجل} أي: اتخذتموه إلها.
ومعنى قوله {فتوبوا إلى بارئكم} أي: إلى خالقكم، يقال: برأ اللّه الخلق، فالبارئ: الخالق، والبريّة والخلق: المخلوقون، إلا أن البريّة وقعت في أكثر كلامهم غير مهموزة وأصلها {أولئك هم خير البريّة} وأكثر القراء والكلام "البريّة" بغير همز.
وقد قرأ قوم (البريئة) بالهمز، والاختيار ما عليه الجمهور، وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ (إلى بارئْكم) بإسكان الهمز، وهذا رواه سيبويه باختلاس الكسرة، وأحسب أن الرواية الصحيحة ما روى سيبويه فإنه أضبط لما روى عن أبي عمرو، والإعراب أشبه بالرواية عن أبي عمرو لأن حذف الكسرة في مثل هذا وحذف الضم إنما يأتي باضطرار من الشعر، أنشد سيبويه -وزعم أنّه مما يجوز في الشعر خاصة-:

إذا اعوججن قلت صاحب قوم

بإسكان الباء، وأنشد أيضا:

فاليوم أشرب غير مستحق بإثــمـــا مـــــن الــلّـــه ولا واغــــــل

فالكلام الصحيح أن تقول "يا صاحبُ أقبل"، أو "يا صاحب أقبل" ولا وجه للإسكان، وكذلك "فاليوم أشرب" يا هذا، وروى غير سيبويه هذه الأبيات على الاستقامة وما ينبغي أن يكون في الكلام والشعر، رووا هذا البيت على ضربين:
رووا: فاليوم فاشرب غير مستحقب.
ورووا أيضا: فاليوم أسقى غير مستحقب.
ورووا أيضا: إذا اعوججن قلت صاح قوم.
ولم يكن سيبويه ليروي (إن شاء اللّه) إلا ما سمع إلا أن الذي سمعه هؤلاء هو الثابت في اللغة، وقد ذكر سيبويه أن القياس غير الذي روى.
ولا ينبغي أن يقرأ إلا {إلى بارئِكم} بالكسر، وكذلك {عند بارئِكم}.
ومعنى {فاقتلوا أنفسكم} امتحنهم اللّه عزّ وجلّ بأن جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا، فيقال: إنهم صفوا صفين يقتل بعضهم بعضا، فمن قتل كان شهيدا؛ ومن لم يقتل فتائب مغفور له ما تقدم من ذنبه، ويقال: إن السبعين الذين اختارهم موسى -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا ممن عبد العجل، وإنهم هم الذين كانوا يقتلون، والأول أشبه بالآية لأن قوله عزّ وجلّ {فاقتلوا أنفسكم} يدل على أنها توبة عبدة العجل، وإنما امتحنهم الله عزّ وجلّ بهذه المحنة العظيمة لكفرهم بعد الدلالات والآيات العظام). [معاني القرآن:1 / 134 -137]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({بَارِئِكُمْ}: خالقكم). [العمدة في غريب القرآن: 75]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وإذ قلتم يا موسى لن نّؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون}
باب الفعل:
أما قوله: {حتّى نرى اللّه جهرةً} فيقول: "جهاراً"، أي: عيانا يكشف ما بيننا وبينه، كما تقول: "جهرت الركيّة"، إذا كان ماؤها قد غطاه الطين فَنُقّي ذلك حتى يظهر الماء [و] يصفو). [معاني القرآن: 1 / 72]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({نرى اللّه جهرةً} أي: علانية ظاهرا، لا في نوم ولا في غيره.
{فأخذتكم الصّاعقة} أي: الموت. يدلك على ذلك قوله: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة: 56]. و"الصاعقة" تتصرف على وجوه قد ذكرتها في كتاب «المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 49]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرة فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون (55)}
معنى {جهرة}: غير مستتر عنّا بشيء، يقال: فلان يجاهر بالمعاصي، أي: لا يستتر من الناس منها بشيء.
وقوله: {فأخذتكم الصاعقة} معنى الصاعقة: ما يصعقون منه، أي: يموتون، فأخذتهم الصاعقة: فماتوا.
الدليل على أنهم ماتوا قوله عزّ وجلّ: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون (56)} وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا.
مثل قوله تعالى: {فأماته اللّه مائة عام ثمّ بعثه}، ومثل قوله عزّ وجلّ: {فقال لهم اللّه موتوا ثم أحياهم} وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لم يكونوا موقنين بالبعث، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأخبار عمن بعث بعد الموت في الدنيا مما توافقه عليه اليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتج -صلى الله عليه وسلم- بحجة اللّه التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهل الكتب.
وقوله {لعلّكم تشكرون} أي: في أن بعثكم بعد الموت، وأعلمكم أن قدرته عليكم هذه القدرة، وأن الإقالة بعد الموت لا شيء بعدها، وهي كالمضطرة إلى عبادة اللّه). [معاني القرآن: 1 / 137 -138]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الصاعقة}: الموت). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 27]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({جَهْرَةً}: ظاهرا. {الصَّاعِقَةُ}: الموت). [العمدة في غريب القرآن: 76]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)}

تفسير قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {المنّ والسّلوى...}
بلغنا أن "المنّ" هذا الذي يسقط على الثّمام والعشر، وهو حلو كالعسل؛ وكان بعض المفسّرين يسمّيه الّترنجبين الذي نعرف. وبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» وأما "السّلوى" فطائر كان يسقط عليهم لما أجموا "المنّ" شبيهٌ بهذه "السّماني"، ولا واحد للسّلوى). [معاني القرآن: 1 / 37 -38]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({المنّ (57)}: شيءٌ كان يسقط في السّحر على شجرهم فيجتنونه حلواً يأكلونه.
{والسّلوى (57)}: طائر بعينه، وهو الذي سمّاه المولّدون "سماني"). [مجاز القرآن: 1 / 41]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}
أما قوله: {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى} فـ"الغمام" واحدته "غمامةٌ"، مثل "السّحاب" واحدته "سحابة". وأما "السّلوى" فهو طائر لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده "سلوى" مثل جماعته، كما قالوا: "دفلى" للواحد والجماعة، و"سلامى" للواحد والجماعة. وقد قالوا "سلاميات". وقالوا "حبارى" للواحد، وقالوا للجماعة: "حباريات"، وقال بعضهم للجماعة "حبارى". قال الشاعر:

وأشلاء لحمٍ من حبارى يصيدها إذا نـحـن شئـنـا صـاحــبٌ مـتـألّـف

وقالوا: "شكاعى" للواحد والجماعة، وقال بعضهم للواحد: "شكاعاة"). [معاني القرآن: 1 / 72 -73]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({المن}: صمغة كانت تسقط فيجتنبوها. {والسلوى}: طائر بعينه). [غريب القرآن وتفسيره: 70]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({الغمام}: السحاب. سمّي بذلك لأنه يغمّ السماء أي يسترها. وكلّ شيء غطيته فقد غممته. ويقال: جاءنا بإناء مغموم. أي مغطى الرأس. وقيل له "سحاب" بمسيره، لأنه كأنه ينسحب إذا سار.
{المنّ} يقال: هو الطّرنجبين. {والسّلوى}: طائر يشبه السّماني لا واحد له. {وما ظلمونا} أي: ما نقصونا. {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: ينقصون.
والظلم يتصرّف على وجوه قد بينتها في كتاب «المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 49-50]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57)}
سخر اللّه لهم السحاب يظللهم حين خرجوا إلى الأرض المقدسة. وأنزل عليهم المنّ والسلوى. و جملة المن: ما يمن اللّه به مما لا تعب فيه ولا نصب، وأهل التفسير يقولون: إن "المنّ" شيء يسقط على الشجر حلو يشرب.
ويقال إنّه "التَّرَنْجِين"، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:«الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين»، ومعنى "المنّ" على ما وصفنا في اللغة: ما يمن اللّه به من غير تعب ولا نصب، و"السلوى": طائر كالسماني، وذكر إنّه كان يأتيهم من هذين ما فيه كفايتهم.
وقوله: {كلوا من طيّبات ما رزقناكم}قالوا: إن معناه: من هذه الطيبات، وقالوا -أيضا-: مما هو حلال لكم). [معاني القرآن: 1 / 138 -139]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): {المن}: العسل. و{السلوى} طائر، و"السلوى" -في غير القرآن-: العسل). [ياقوتة الصراط: 173]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الغمام}: السحاب. {المن}: الترنجبين. و{السلوى} طائر، لا واحد له). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 28]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({الْمَنَّ}: صمغة. {السَّلْوَى}: طائر). [العمدة في غريب القرآن: 76]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الأولى 1434هـ/22-03-2013م, 02:22 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب الإشباع في الجر والرفع
وغير الإشباع والحركة كما هي
فأما الذين يشبعون فيمططون وعلامتها واو وياء وهذا تحكمه لك المشافهة وذلك قولك يضربها ومن مأمنك.
وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاساً وذلك قولك يضربها ومن مأمنك يسرعون اللفظ ومن ثم قال أبو عمرو (إلى بارئكم) ويدلك على أنها متحركة قولهم من مأمنك فيبينون النون فلو كانت ساكنة لم تحقق النون). [الكتاب: 4 / 202]


تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ويقال: صاعقةٌ وصاقعةٌ؛ وبنو تميم تقول: صاقعةٌ؛ والصعقُ شدةُ الرعد، ويعنى في أكثر ذلك ما يعتري من يسمعُ صوت الصاعقةِ). [الكامل: 2 / 841]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }

تفسير قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (السُّمَانى
والسُّمانى –بالتخفيف والتثقيل- والتخفيف أكثر وقال: السلوى في قول الله عز وجل {المن والسلوى} وهي السُّمانى). [الفرق في اللغة: 140]
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (

وسقى الغمام منيـزلا بعنيـزة إما تضاف جدى وإما تربع

...
قال والغمام السحاب). [نقائض جرير والفرزدق: 964]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (

وليست بأدنى من صبير غمامة «بنجد» عليهـا لامـع يتكشـف

...
والغمامة: سحابة بيضاء). [رواية أبي سعيد السكري لديوان جران العود: 16]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 07:57 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 07:58 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 07:58 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 07:58 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون (55)}
هذا القول من موسى صلى الله عليه وسلم كان بأمر من الله تعالى، وحذفت الياء في «يا قومي» لأن النداء موضع حذف وتخفيف، والضمير في «اتخاذكم» في موضع خفض على اللفظ، وفي موضع رفع بالمعنى، و «العجل» لفظة عربية، اسم لولد البقرة.
وقال قوم: سمي عجلا لأنه استعجل قبل مجيء موسى عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا القول بشيء.
واختلف هل بقي العجل من ذهب؟ قال ذلك الجمهور وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحما ودما، والأول أصح.
و «توبوا»: معناه ارجعوا عن المعصية إلى الطاعة.
وقرأ الجمهور: «بارئكم» بإظهار الهمزة وكسرها.
وقرأ أبو عمرو: «بارئكم» بإسكان الهمزة.
وروي عن سيبويه اختلاس الحركة وهو أحسن، وهذا التسكين يحسن في توالي الحركات.
وقال المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب، وقراءة أبي عمرو «بارئكم» لحن.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد روي عن العرب التسكين في حرف الأعراب، قال الشاعر:

إذا اعوججن قلت صاحب قوم ....... ... ... ... ...

وقال امرؤ القيس:

فاليوم أشرب غير مستحقب ....... إثما من الله ولا واغل

وقال آخر:

قالت سليمى اشتر لنا سويقا ....... ... ... ... ...

وقال الآخر:

... ... ... ... ......... وقد بدا هنك من المئزر

وقال جرير:

... ... ... ... ....... ونهر تيري فما تعرفكم العرب

وقال وضاح اليمن:

إنما شعري شهد ....... قد خلط بجلجلان

ومن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب.
قال أبو علي: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات.
وقرأ الزهري «باريكم» بكسر الياء من غير همز، ورويت عن نافع.
وقرأ قتادة: «فاقتالوا أنفسكم»: وقال: «هي من الاستقالة».
قال أبو الفتح: «اقتال» هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واوا كاقتادوا، ويحتمل أن يكون ياء «كاقتاس» والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده.
وقوله تعالى: {فتاب عليكم} قبله محذوف تقديره ففعلتم.
وقوله: {عليكم} معناه: على الباقين، وجعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة وتاب على الباقين وعفا عنهم.
قال بعض الناس: فاقتلوا في هذه الآية معناه بالتوبة وإماتة عوارض النفوس من شهوة وتعنت وغضب، واحتج بقوله عليه السلام في الثوم والبصل فلتمتهما طبخا، وبقول حسان:

... ... ... ... ....... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل

). [المحرر الوجيز: 1 / 214-216]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى} يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف في وقت اختيارهم.
فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل.
وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول أصح، وقصة السبعين أن موسى صلى الله عليه وسلم لما رجع من تكليم الله ووجد العجل قد عبد قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل: نحن لم نكفر ونحن أصحابك، ولكن أسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه أن اختر منهم سبعين شيخا، فلم يجد إلّا ستين، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة، ففعل، فأصبحوا شيوخا، وكان قد اختار ستة من كل سبط فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحوا فيمن يتأخر، فأوحى الله إليه أن من تأخر له مثل أجر من مضى، فتأخر يوشع بن نون وطالوت بن يوقنا وذهب موسى عليه السلام بالسبعين بعد أن أمرهم أن يتجنبوا النساء ثلاثا ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجبل، فألقي عليهم الغمام.
قال النقاش وغيره: غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور فوقعوا سجودا.
قال السدي وغيره: وسمعوا كلام الله يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم، ففعل، فلما فرغ وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام الله فذلك قوله تعالى: {وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثمّ يحرّفونه} [البقرة: 75]، واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله بذلك فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً ولم يطلبوا من الرؤية محالا، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به الغير.
وقال قتادة: «ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول: أي رب، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبدا، وقد خرجوا معي وهم الأخيار».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يعني وهم بحال الخير وقت الخروج.
وقال قوم: بل ظن موسى عليه السلام أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل، فذلك قوله أتهلكنا يعني السبعين بما فعل السّفهاء منّا [الأعراف: 155] يعني عبدة العجل.
وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه، بقولهم لموسى «أرنا» وليس ذلك من مقدور موسى صلى الله عليه وسلم، وجهرةً مصدر في موضع الحال، والأظهر أنها من الضمير في نرى، وقيل من الضمير في نؤمن، وقيل من الضمير في قلتم، والجهرة العلانية، ومنه الجهر ضد السر، وجهر الرجل الأمر كشفه.
وقرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس: «جهرة» بفتح الهاء، وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكنا قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحتمل أن يكون جهرةً جمع جاهر، أي حتى نرى الله كاشفين هذا الأمر.
وقرأ عمر وعلي رضي الله عنهما: «فأخذتكم الصعقة»، ومضى في صدر السورة معنى الصّاعقة، والصعقة ما يحدث بالإنسان عند الصاعقة.
وتنظرون معناه إلى حالكم.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم). [المحرر الوجيز: 1 / 216 -218]

تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون (56) وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجّداً وقولوا حطّةٌ نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58)}
أجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود أو الموت، ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة كما قال الله تعالى: {من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52].
وقال قوم: إنهم لما أحيوا وأنعم عليهم بالتوبة سألوا موسى عليه السلام أن يجعلهم الله أنبياء، فذلك قوله تعالى: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم} أي أنبياء {لعلّكم تشكرون} أي على هذه النعمة، والترجي إنما هو في حق البشر، ونزلت الألواح بالتوراة على موسى في تلك المدة، وهذا قول جماعة، وقال آخرون: إن الألواح نزلت في ذهابه الأول وحده.
وذكر المفسرون في تظليل الغمام: أن بني إسرائيل لما كان من أمرهم ما كان من القتل وبقي منهم من بقي حصلوا في فحص التيه بين مصر والشام، فأمروا بقتال الجبارين فعصوا وقالوا: {فاذهب أنت وربّك فقاتلا} [المائدة: 24] فدعا موسى عليهم فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس، فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم، فقيل له: {فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26].
وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحص التيه وقاتلوا الجبارين، وإذ كان جميعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا بالطعام؟ قال: الله، فأنزل الله عليهم المن والسلوى، قالوا: من لنا من حر الشمس؟ فظلل عليهم الغمام، قالوا: بم نستصبح بالليل؟
فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم، وذكر مكي: عمود نار. فقالوا: من لنا بالماء؟ فأمر موسى بضرب الحجر، قالوا: من لنا باللباس؟ فأعطوا أن لا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان). [المحرر الوجيز: 1 / 218 -220]

تفسير قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ومعنى ظلّلنا جعلناه ظللا، والغمام السحاب لأنه يغم وجه السماء أي يستره.
وقال مجاهد: «هو أبرد من السحاب وأرق وأصفى، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة».
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: يأتي أمره وسلطانه وقضاؤه. وقيل الغمام ما ابيض من السحاب.
والمنّ صمغة حلوة، هذا قول فرقة، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حلو، وقيل: الذي ينزل اليوم على الشجر، وقيل: المنّ خبز الرقاق مثل النقي. وقيل: هو الترنجبين وقيل الزنجبيل، وفي بعض هذه الأقوال بعد. وقيل: المنّ مصدر يعني به جميع ما من الله به مجملا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب مسلم: «الكمأة مما من الله به على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين».
فقيل: أراد عليه السلام أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل.
وقيل: أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولا حصاد، فهي منة دون تكلف من جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف.
وروي أن المنّ كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ منه الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر فسد عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم، لأن يوم السبت يوم عبادة، والمنّ هنا اسم جمع لا واحد له من لفظه، والسّلوى طير بإجماع من المفسرين، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم.
قيل: هو السمانى بعينه. وقيل: طائر يميل إلى الحمرة مثل السمانى، وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب.
قال الأخفش: «السلوى جمعه وواحده بلفظ واحد». قال الخليل: السّلوى جمع واحدته سلواة.
قال الكسائي: السّلوى واحدة جمعها سلاوى، والسّلوى اسم مقصور لا يظهر فيه الإعراب، لأن آخره ألف، والألف حرف هوائي أشبه الحركة فاستحالت حركته ولو حرك لرجع حرفا آخر، وقد غلط الهذلي فقال:
وقاسمها بالله عهدا لأنتم ....... ألذّ من السلوى إذا ما نشورها


ظن السلوى العسل.
وقوله تعالى: {كلوا} الآية، معناه وقلنا كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه، والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ.
وقوله تعالى: {وما ظلمونا} يقدر قبله: فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، والمعنى وما وضعوا فعلهم في موضع مضرة لنا ولكن وضعوه في موضع مضرة لهم حيث لا يجب.
وقال بعض المفسرين: ما ظلمونا ما نقصونا، والمعنى يرجع إلى ما لخصناه). [المحرر الوجيز: 1 / 220 -221]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 07:58 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 28 جمادى الأولى 1435هـ/29-03-2014م, 07:58 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم (54)}
هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصريّ، رحمه اللّه، في قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل} فقال: «ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال اللّه تعالى: {ولمّا سقط في أيديهم ورأوا أنّهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا ويغفر لنا} الآية [الأعراف: 149].»، قال: «فذلك حين يقول موسى: {يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتّخاذكم العجل}».
وقال أبو العالية، وسعيد بن جبيرٍ، والرّبيع بن أنسٍ: {فتوبوا إلى بارئكم} «أي إلى خالقكم».
قلت: وفي قوله هاهنا: {إلى بارئكم} تنبيهٌ على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الّذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
وروى النّسائيّ وابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيدٍ الورّاق عن القاسم بن أبي أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال اللّه تعالى: إنّ توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كلّ من لقي من ولدٍ ووالدٍ فيقتله بالسّيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الّذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطّلع اللّه من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به فغفر اللّه تعالى للقاتل والمقتول». وهذا قطعةٌ من حديث الفتون، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله، إن شاء اللّه.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني عبد الكريم بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن بشّار، حدّثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيدٍ: عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال موسى لقومه: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}» قال: «أمر موسى قومه -من أمر ربّه عزّ وجلّ -أن يقتلوا أنفسهم» قال: «واحتبى الّذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الّذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلّة شديدةٌ، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظلّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيلٍ، كلّ من قتل منهم كانت له توبةٌ، وكلّ من بقي كانت له توبةٌ».
وقال ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزّة أنّه سمع سعيد بن جبيرٍ ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} قالا: « قام بعضهم إلى بعضٍ بالخناجر فقتل بعضهم بعضًا، لا يحنو رجلٌ على قريبٍ ولا بعيدٍ، حتّى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيلٍ. وإنّ اللّه أوحى إلى موسى: أن حسبي، فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه»، [وروي عن عليٍّ رضي اللّه عنه نحو ذلك].
وقال قتادة: «أمر القوم بشديدٍ من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشّفار يقتل بعضهم بعضًا، حتّى بلغ اللّه فيهم نقمته، فسقطت الشّفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيّهم توبةً، وللمقتول شهادةً».
وقال الحسن البصريّ: «أصابتهم ظلمة حندس، فقتل بعضهم بعضًا [نقمةً] ثمّ انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك».
وقال السّدّيّ في قوله: {فاقتلوا أنفسكم} قال: «فاجتلد الّذين عبدوه والّذين لم يعبدوه بالسّيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتّى كثر القتل، حتّى كادوا أن يهلكوا، حتّى قتل بينهم سبعون ألفًا، وحتّى دعا موسى وهارون: ربّنا أهلكت بني إسرائيل، ربّنا البقية البقية، فأمرهم أن يضعوا السّلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفّرا عنه؛ فذلك قوله: {فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم}».
وقال الزّهريّ: «لمّا أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسّيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافعٌ يديه، حتّى إذا أفنوا بعضهم، قالوا: يا نبيّ اللّه، ادع اللّه لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتّى إذا قبل اللّه توبتهم قبض أيديهم، بعضهم عن بعضٍ، فألقوا السّلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للّذي كان من القتل فيهم، فأوحى اللّه، جلّ ثناؤه، إلى موسى: ما يحزنك؟ أمّا من قتل منكم فحيٌّ عندي يرزقون، وأمّا من بقي فقد قبلت توبته. فسرّ بذلك موسى، وبنو إسرائيل».
رواه ابن جريرٍ بإسنادٍ جيّدٍ عنه.
وقال ابن إسحاق: لمّا رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذرّاه في اليمّ، خرج إلى ربّه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصّاعقة، ثمّ بعثوا، فسأل موسى ربّه التّوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال: لا إلّا أن يقتلوا أنفسهم قال: فبلغني أنّهم قالوا لموسى: نصبر لأمر اللّه. فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده. فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السّيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبهش إليه النّساء والصّبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب اللّه عليهم، وعفا عنهم وأمر موسى أن ترفع عنهم السّيوف.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: «لمّا رجع موسى إلى قومه، وكان سبعون رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربّكم. فقالوا: يا موسى، ما من توبةٍ؟ قال: بلى، {فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتاب عليكم} الآية، فاخترطوا السّيوف والجرزة والخناجر والسّكاكين» قال:« وبعث عليهم ضبابةً. قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال: ويلقى الرّجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري. قال: ويتنادون [فيها]: رحم اللّه عبدًا صبّر نفسه حتّى يبلغ اللّه رضاه، قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم»، ثمّ قرأ: {فتاب عليكم إنّه هو التّوّاب الرّحيم} ). [تفسير ابن كثير: 1 / 261 -263]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً فأخذتكم الصّاعقة وأنتم تنظرون (55) ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون (56)}
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصّعق، إذ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا، ممّا لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريجٍ، قال ابن عبّاسٍ في هذه الآية: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} قال: «علانيةً».
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عبّاد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال في قول اللّه تعالى: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} «أي علانيةً، أي حتّى نرى اللّه».
وقال قتادة، والرّبيع بن أنسٍ: {حتّى نرى اللّه جهرةً} «أي عيانًا».
وقال أبو جعفرٍ عن الرّبيع بن أنسٍ: «هم السّبعون الّذين اختارهم موسى فساروا معه». قال: «فسمعوا كلامًا، فقالوا: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا».
وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكّة: «الصّاعقة: صيحةٌ من السّماء».
وقال السّدّيّ في قوله: {فأخذتكم الصّاعقة} « الصّاعقة: نارٌ».
وقال عروة بن رويمٍ في قوله: {وأنتم تنظرون} قال: «فصعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثمّ بعث هؤلاء وصعق هؤلاء».
وقال السّدّيّ: «{فأخذتكم الصّاعقة} فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو اللّه، ويقول: ربّ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم {لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا} [الأعراف: 155]. فأوحى اللّه إلى موسى أنّ هؤلاء السّبعين ممّن اتّخذوا العجل، ثمّ إنّ اللّه أحياهم فقاموا وعاشوا رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعضٍ: كيف يحيون؟» قال: «فذلك قوله تعالى: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون}».
وقال الرّبيع بن أنسٍ: «كان موتهم عقوبةً لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم». وكذا قال قتادة.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن حميدٍ، حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، قال: لمّا رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسّامريّ ما قال، وحرّق العجل وذرّاه في اليمّ، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخيّر فالخيّر، وقال: انطلقوا إلى اللّه وتوبوا إلى اللّه ممّا صنعتم وسلوه التّوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقاتٍ وقّته له ربّه، وكان لا يأتيه إلّا بإذنٍ منه وعلم، فقال له السّبعون، فيما ذكر لي، حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء اللّه، قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربّك نسمع كلام ربّنا، فقال: أفعل. فلمّا دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتّى تغشّى الجبل كلّه، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلّمه اللّه وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحدٌ من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلمّا فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} فأخذتهم الرّجفة، وهي الصّاعقة، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربّه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: {ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل [وإيّاي]} [الأعراف: 155] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السّفهاء منّا؟ أي: إنّ هذا لهم هلاكٌ. اخترت منهم سبعين رجلًا الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجلٌ واحدٌ! فما الّذي يصدّقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ {إنّا هدنا إليك} [الأعراف: 156] فلم يزل موسى يناشد ربّه عزّ وجلّ، ويطلب إليه حتّى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التّوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا؛ إلّا أن يقتلوا أنفسهم.
هذا سياق محمّد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ الكبير: «لمّا تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب اللّه عليهم بقتل بعضهم بعضًا كما أمرهم به، أمر اللّه موسى أن يأتيه في كلّ أناسٍ من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا على عينه، ثمّ ذهب بهم ليعتذروا. وساق البقيّة».
[وهذا السّياق يقتضي أنّ الخطاب توجّه إلى بني إسرائيل في قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً} والمراد السّبعون المختارون منهم، ولم يحك كثيرٌ من المفسّرين سواه، وقد أغرب فخر الدّين الرّازيّ في تفسيره حين حكى في قصّة هؤلاء السّبعين: أنّهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى، إنّك لا تطلب من اللّه شيئًا إلّا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب اللّه دعوته، وهذا غريبٌ جدًّا، إذ لا يعرف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون ثمّ يوشع بن نونٍ، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أنّ هؤلاء رأوا اللّه عزّ وجلّ، فإنّ موسى الكليم، عليه السّلام، قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السّبعون؟
[القول الثّاني في الآية] قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: «قال لهم موسى -لمّا رجع من عند ربّه بالألواح، قد كتب فيها التّوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب اللّه عليهم، فقال: إنّ هذه الألواح فيها كتاب اللّه، فيه أمركم الّذي أمركم به ونهيكم الّذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطّلع اللّه علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلّمنا كما يكلّمك أنت يا موسى!». وقرأ قول اللّه: {لن نؤمن لك حتّى نرى اللّه جهرةً}. قال: «فجاءت غضبةٌ من اللّه، فجاءتهم صاعقةٌ بعد التّوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثمّ أحياهم اللّه من بعد موتهم». وقرأ قول اللّه: {ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون} «فقال لهم موسى: خذوا كتاب اللّه. فقالوا: لا فقال: أيّ شيءٍ أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنّا متنا ثمّ حيينا. قال: خذوا كتاب اللّه. قالوا: لا. فبعث اللّه ملائكةً فنتقت الجبل فوقهم».
[وهذا السّياق يدلّ على أنّهم كلّفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماورديّ في ذلك قولين: أحدهما: أنّه سقط التّكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرةً حتّى صاروا مضطرّين إلى التّصديق؛ والثّاني: أنّهم مكلّفون لئلّا يخلو عاقلٌ من تكليفٍ، قال القرطبيّ: وهذا هو الصّحيح لأنّ معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأنّ بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلّفون وهذا واضحٌ، واللّه أعلم] ). [تفسير ابن كثير: 1 / 263 -266]

تفسير قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57)}
لمّا ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النّقم، شرع يذكّرهم -أيضًا-بما أسبغ عليهم من النّعم، فقال: {وظلّلنا عليكم الغمام} وهو جمع غمامةٍ، سمّي بذلك لأنّه يغمّ السّماء، أي: يواريها ويسترها. وهو السّحاب الأبيض، ظلّلوا به في التّيه ليقيهم حرّ الشّمس. كما رواه النّسائيّ وغيره عن ابن عبّاسٍ في حديث الفتون، قال: «ثمّ ظلّل عليهم في التّيه بالغمام».
قال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن ابن عمر، والرّبيع بن أنسٍ، وأبي مجلزٍ، والضّحاك، والسّدّيّ، نحو قول ابن عبّاسٍ.
وقال الحسن وقتادة: {وظلّلنا عليكم الغمام} [قال] «كان هذا في البرّيّة ظلّل عليهم الغمام من الشّمس».
وقال ابن جريرٍ قال آخرون: وهو غمامٌ أبرد من هذا، وأطيب.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو حذيفة، حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: « ليس بالسّحاب، هو الغمام الّذي يأتي اللّه فيه يوم القيامة، ولم يكن إلّا لهم».
وهكذا رواه ابن جريرٍ، عن المثنّى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة.
وكذا رواه الثّوريّ، وغيره، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وكأنّه يريد، واللّه أعلم، أنّه ليس من زيّ هذا السّحاب، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا، كما قال سنيدٌ في تفسيره عن حجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ قال: قال ابن عبّاسٍ: {وظلّلنا عليكم الغمام} قال: «غمامٌ أبرد من هذا وأطيب، وهو الّذي يأتي اللّه فيه في قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه في ظللٍ من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] وهو الّذي جاءت فيه الملائكة يوم بدرٍ». قال ابن عبّاسٍ: «وكان معهم في التّيه».
وقوله: {وأنزلنا عليكم المنّ} اختلفت عبارات المفسّرين في المنّ: ما هو؟ فقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: «كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا».
وقال مجاهدٌ: «المنّ: صمغةٌ». وقال عكرمة: «المنّ: شيءٌ أنزله اللّه عليهم مثل الطّلّ، شبه الرّب الغليظ».
وقال السّدّيّ: «قالوا: يا موسى، كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطّعام؟ فأنزل اللّه عليهم المنّ، فكان يسقط على شجر الزّنجبيل».
وقال قتادة: «كان المنّ ينزل عليهم في محلّتهم سقوط الثّلج، أشدّ بياضًا من اللّبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، يأخذ الرّجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا تعدّى ذلك فسد ولم يبق، حتّى إذا كان يوم سادسه، ليوم جمعته، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنّه كان يوم عيدٍ لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيءٍ، وهذا كلّه في البرّيّة».
وقال الرّبيع بن أنسٍ: «المنّ شرابٌ كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثمّ يشربونه».
وقال وهب بن منبّهٍ -وسئل عن المنّ-فقال: «خبز الرّقاق مثل الذّرة أو مثل النقيّ».
وقال أبو جعفر بن جريرٍ: حدّثني أحمد بن إسحاق، حدّثنا أبو أحمد، حدّثنا إسرائيل، عن جابرٍ، عن عامرٍ وهو الشّعبيّ، قال: «عسلكم هذا جزءٌ من سبعين جزءًا من المنّ».
وكذا قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: «إنّه العسل».
ووقع في شعر أميّة بن أبي الصّلت، حيث قال:

فرأى اللّه أنّهم بمضيعٍ ....... لا بذي مزرعٍ ولا مثمورا
فسناها عليهم غادياتٍ ....... وترى مزنهم خلايا وخورا
عسلًا ناطفًا وماءً فراتًا ....... وحليبا ذا بهجة مرمورا

فالنّاطف: هو السّائل، والحليب المرمور: الصّافي منه.
والغرض أنّ عبارات المفسّرين متقاربةٌ في شرح المنّ، فمنهم من فسّره بالطّعام، ومنهم من فسّره بالشّراب، والظّاهر، واللّه أعلم، أنّه كلّ ما امتنّ اللّه به عليهم من طعامٍ وشرابٍ، وغير ذلك، ممّا ليس لهم فيه عملٌ ولا كدٌّ، فالمنّ المشهور إن أكل وحده كان طعامًا وحلاوةً، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيّبًا، وإن ركّب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده؛ والدّليل على ذلك قول البخاريّ:
حدّثنا أبو نعيمٍ، حدّثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمر بن حريثٍ عن سعيد بن زيدٍ، رضي اللّه عنه، قال: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك، وهو ابن عميرٍ، به.
وأخرجه الجماعة في كتبهم، إلّا أبا داود، من طرقٍ عن عبد الملك، وهو ابن عميرٍ، به. وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ، ورواه البخاريّ ومسلمٌ والنّسائيّ من رواية الحكم، عن الحسن العرني، عن عمرو بن حريثٍ، به.
وقال التّرمذيّ: حدّثنا أبو عبيدة بن أبي السّفر ومحمود بن غيلان، قالا حدّثنا سعيد بن عامرٍ، عن محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «العجوة من الجنّة، وفيها شفاءٌ من السّمّ، والكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين».
تفرّد بإخراجه التّرمذيّ، ثمّ قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلّا من حديث محمّد بن عمرٍو، وإلّا من حديث سعيد بن عامرٍ، عنه، وفي الباب عن سعيد بن زيدٍ، وأبي سعيدٍ وجابرٍ.
كذا قال، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من طريقٍ آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصريّ، حدّثنا أسلم بن سهلٍ، حدّثنا القاسم بن عيسى، حدّثنا طلحة بن عبد الرّحمن، عن قتادة عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرّحمن هذا سلمي واسطي، يكنى بأبي محمّدٍ، وقيل: أبو سليمان المؤدّب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عديٍّ: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها.
ثمّ قال [التّرمذيّ] حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا معاذ بن هشامٍ، حدّثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشبٍ، عن أبي هريرة: أنّ ناسًا من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: الكمأة جدريّ الأرض، فقال نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين، والعجوة من الجنّة وهي شفاءٌ من السّمّ».
وهذا الحديث قد رواه النّسائيّ، عن محمّد بن بشّارٍ، به. وعنه، عن غندرٍ، عن شعبة، عن أبي بشرٍ جعفر بن إياسٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن أبي هريرة، به. وعن محمّد بن بشّارٍ، عن عبد الأعلى، عن خالدٍ الحذّاء، عن شهر بن حوشبٍ. بقصّة الكمأة فقط.
وروى النّسائيّ -أيضًا-وابن ماجه من حديث محمّد بن بشّارٍ، عن أبي عبد الصّمد عبد العزيز بن عبد الصّمد، عن مطرٍ الورّاق، عن شهرٍ: بقصّة العجوة عند النّسائيّ، وبالقصّتين عند ابن ماجه.
وهذه الطّريق منقطعةٌ بين شهر بن حوشبٍ وأبي هريرة فإنّه لم يسمعه منه، بدليل ما رواه النّسائيّ في الوليمة من سننه، عن عليّ بن الحسين الدّرهميّ عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشبٍ، عن عبد الرّحمن بن غنم، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول جدريّ الأرض، فقال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
وروي عن شهر بن حوشبٍ عن أبي سعيدٍ وجابرٍ، كما قال الإمام أحمد:
حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، حدّثنا الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن جابر بن عبد اللّه وأبي سعيدٍ الخدريّ، قالا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين والعجوة من الجنّة وهي شفاءٌ من السّمّ».
قال النّسائيّ في الوليمة أيضًا: حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ جعفر بن إياسٍ عن شهر بن حوشبٍ، عن أبي سعيدٍ وجابرٍ، رضي اللّه عنهما، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين». ثمّ رواه -أيضًا-، وابن ماجه من طرقٍ، عن الأعمش، عن أبي بشرٍ، عن شهرٍ، عنهما، به.
وقد رويا -أعني النّسائيّ وابن ماجه-من حديث سعيد بن مسلمٍ كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ، زاد النّسائيّ: [وحديث] جابرٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عبّاسٍ الدّوريّ، عن لاحق بن صوابٍ عن عمّار بن رزيقٍ عن الأعمش، كابن ماجه.
وقال ابن مردويه أيضًا: حدّثنا أحمد بن عثمان، حدّثنا عبّاسٌ الدّوريّ، حدّثنا الحسن بن الرّبيع، حدّثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي يده كمآتٌ، فقال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
وأخرجه النّسائيّ، عن عمرو بن منصورٍ، عن الحسن بن الرّبيع ثمّ [رواه] ابن مردويه. رواه أيضًا عن عبد اللّه بن إسحاق عن الحسن بن سلامٍ، عن عبيد اللّه بن موسى، عن شيبان عن الأعمش به، وكذا رواه النّسائيّ عن أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، عن عبيد اللّه بن موسى [به] .
وقد روى من حديث أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه كما قال ابن مردويه:
حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن إبراهيم، حدّثنا حمدون بن أحمد، حدّثنا حوثرة بن أشرس، حدّثنا حمّادٌ، عن شعيب بن الحبحاب عن أنسٍ: أنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تدارؤوا في الشّجرة الّتي اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرارٍ، فقال بعضهم: نحسبه الكمأة. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم».
وهذا الحديث محفوظٌ أصله من رواية حمّاد بن سلمة. وقد روى التّرمذيّ والنّسائيّ من طريقه شيئًا من هذا، واللّه أعلم .
[وقد] روي عن شهرٍ، عن ابن عبّاسٍ، كما رواه النّسائيّ -أيضًا-في الوليمة، عن أبي بكرٍ أحمد بن عليّ بن سعيدٍ، عن عبد اللّه بن عونٍ الخرّاز، عن أبي عبيدة الحدّاد، عن عبد الجليل بن عطيّة، عن شهرٍ، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الكمأة من المنّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
فقد اختلف -كما ترى فيه-على شهر بن حوشبٍ، ويحتمل عندي أنّه حفظه ورواه من هذه الطّرق كلّها، وقد سمعه من بعض الصّحابة وبلّغه عن بعضهم، فإنّ الأسانيد إليه جيّدةٌ، وهو لا يتعمّد الكذب، وأصل الحديث محفوظٌ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما تقدّم من رواية سعيد بن زيدٍ.
وأمّا السّلوى فقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: «السّلوى طائرٌ شبيهٌ بالسّمّانى، كانوا يأكلون منه».
وقال السّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من الصّحابة: «السّلوى: طائرٌ يشبه السّمّانى».
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، حدّثنا قرّة بن خالدٍ، عن جهضمٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «السّلوى: هو السمّانى».
وكذا قال مجاهدٌ، والشّعبيّ، والضّحّاك، والحسن، وعكرمة، والرّبيع بن أنسٍ، رحمهم اللّه.
وعن عكرمة: «أمّا السّلوى فطيرٌ كطيرٍ يكون بالجنّة أكبر من العصفور، أو نحو ذلك».
وقال قتادة: «السّلوى من طيرٍ إلى الحمرة، تحشرها عليهم الريح الجنوب. وكان الرّجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدّى فسد ولم يبق عنده، حتّى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنّه كان يوم عبادةٍ لا يشخص فيه لشيءٍ ولا يطلبه».
وقال وهب بن منبّهٍ: «السّلوى: طيرٌ سمينٌ مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبتٍ إلى سبتٍ». وفي روايةٍ عن وهبٍ، قال: «سألت بنو إسرائيل موسى عليه السّلام، اللّحم، فقال اللّه: لأطعمنّهم من أقلّ لحمٍ يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم السّلوى، وهو السّمانى مثل ميلٍ في ميلٍ قيد رمحٍ إلى السماء فخبّؤوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبز».
وقال السّدّيّ: لمّا دخل بنو إسرائيل التّيه، قالوا لموسى، عليه السّلام: كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ فكان يسقط على الشّجر الزّنجبيل، والسّلوى وهو طائرٌ يشبه السّمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطّير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلّا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطّعام فأين الشّراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كلّ سبطٍ من عينٍ، فقالوا: هذا الشّراب، فأين الظّلّ؟ فظلّل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظّلّ، فأين اللّباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصّبيان، ولا ينخرق لهم ثوبٌ، فذلك قوله تعالى: {وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسّلوى} وقوله: {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كلّ أناسٍ مشربهم} [البقرة:60].
وروي عن وهب بن منبّهٍ، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السّدّيّ.
وقال سنيد، عن حجّاجٍ، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبّاسٍ: «خلق لهم في التّيه ثيابٌ لا تخرق ولا تدرن»، قال ابن جريجٍ: «فكان الرّجل إذا أخذ من المنّ والسّلوى فوق طعام يومٍ فسد، إلّا أنّهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السّبت فلا يصبح فاسدًا».
[قال ابن عطيّة: السّلوى: طيرٌ بإجماع المفسّرين، وقد غلط الهذليّ في قوله: إنّه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا:

وقاسمها باللّه جهدًا لأنتم ....... ألذّ من السّلوى إذا ما أشورها

قال: فظنّ أنّ السّلوى عسلًا قال القرطبيّ: دعوى الإجماع لا تصحّ؛ لأنّ المؤرخ أحد علماء اللّغة والتّفسير قال: إنّه العسل، واستدلّ ببيت الهذليّ هذا، وذكر أنّه كذلك في لغة كنانة؛ لأنّه يسلّى به ومنه عين سلوان، وقال الجوهريّ: السّلوى العسل، واستشهد ببيت الهذليّ -أيضًا-، والسّلوانة بالضّمّ خرزةٌ، كانوا يقولون إذا صبّ عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشّاعر:

شربت على سلوانةٍ ماء مزنةٍ ....... فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو

واسم ذلك الماء السّلوان، وقال بعضهم: السّلوان دواءٌ يشفي الحزين فيسلو والأطبّاء يسمونه (مفرّح)، قالوا: والسّلوى جمعٌ بلفظ -الواحد-أيضًا، كما يقال: سمانى للمفرد والجمع ودفلى كذلك، وقال الخليل واحده سلواةٌ، وأنشد:

وإنّي لتعروني لذكراك هزّةٌ ....... كما انتفض السّلواة من بلل القطر

وقال الكسائيّ: السّلوى واحدةٌ وجمعه سلاوي، نقله كلّه القرطبيّ].
وقوله تعالى: {كلوا من طيّبات ما رزقناكم} أمر إباحةٍ وإرشادٍ وامتنانٍ. وقوله: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة:57]، أي أمرناهم بالأكل ممّا رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: {كلوا من رزق ربّكم واشكروا له} [سبأٍ:15] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البيّنات والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن هاهنا تتبيّن فضيلة أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنّتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحرّ الشّديد والجهد، لم يسألوا خرق عادةٍ، ولا إيجاد أمرٍ، مع أنّ ذلك كان سهلًا على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكن لمّا أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مبرك الشاة، فدعا [الله] فيه، وأمرهم فملؤوا كلّ وعاءٍ معهم، وكذا لمّا احتاجوا إلى الماء سأل اللّه تعالى، فجاءت سحابةٌ فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثمّ نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتّباع: المشي مع قدر اللّه، مع متابعة الرّسول صلّى الله عليه وسلم). [تفسير ابن كثير: 1 / 266 -273]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة