العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 03:11 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (33) إلى الآية (34) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (33) إلى الآية (34) ]

{قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 02:32 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر، عن قتادة، في قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال: «أسروا بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاء فلن يخلق الله خلقا إلا ونحن أكرم عليه منه»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 43]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ([قوله تعالى: {فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}]
- نا مهديّ بن ميمونٍ، قال: كنّا عند الحسن، فسأله الحسن بن دينارٍ، فقال: يا أبا سعيدٍ أرأيت قول اللّه عزّ وجلّ للملائكة: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}، ما الّذي كتمت الملائكة؟

قال: «إنّ اللّه تعالى لمّا خلق آدم، رأت الملائكة خلقًا عجبًا، فكأنّهم دخلهم من ذلك شيءٌ، ثمّ أقبل بعضهم على بعضٍ، فأسرّوا ذلك بينهم، فقالوا: وما يهمّكم من أمر هذا المخلوق؟ إنّ اللّه عزّ وجلّ لا يخلق خلقًا إلّا كنّا أكرم عليه منه»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 551]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}.
قال أبو جعفرٍ: إنّ اللّه جلّ ثناؤه عرّف ملائكته الّذين سألوه أن يجعلهم الخلفاء في الأرض ووصفوا أنفسهم بطاعته والخضوع لأمره دون غيرهم الّذين يفسدون فيها ويسفكون الدّماء، أنّهم من الجهل بمواقع تدبيره ومحلّ قضائه، قبل إطلاعه إيّاهم عليه، على نحو جهلهم بأسماء الّذين عرضهم عليهم، إذ كان ذلك ممّا لم يعلّمهم فيعلموه، وأنّهم وغيرهم من العباد لا يعلمون من العلم إلاّ ما علّمهم إيّاه ربّهم، وأنّه يخصّ بما شاء من العلم من شاء من الخلق ويمنعه منهم من شاء كما علّم آدم أسماء ما عرض على الملائكة ومنعهم من علمها إلاّ بعد تعليمه إيّاهم.
فأمّا تأويل قوله: {قال يا آدم أنبئهم} قال الله: يا آدم أنبئهم. يقول: أخبر الملائكة. والهاء والميم في قوله: {أنبئهم} عائدتان على الملائكة، وقوله: {بأسمائهم} يعني بأسماء الّذين عرضهم على الملائكة. والهاء والميم اللّتان في أسمائهم كنايةٌ عن ذكر هؤلاء الّتي في قوله: {أنبئوني بأسماء هؤلاء}.

{فلمّا أنبأهم} يقول: فلمّا أخبر آدم الملائكة بأسماء الّذين عرضهم عليهم، فلم يعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خطأ قيلهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} وأنّهم قد هفوا في ذلك وقالوا ما لا يعلمون كيفيّة وقوع قضاء ربّهم في ذلك، لو وقع على ما نطقوا به قال لهم ربّهم {ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّموات والأرض} والغيب: هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه، توبيخًا من اللّه جلّ ثناؤه لهم بذلك على ما سلف من قيلهم وفرط منهم من خطأ مسألتهم.
- كما حدّثنا به محمّد بن العلاء، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم} يقول: أخبرهم بأسمائهم {فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم} أيّها الملائكة خاصّةً {إنّي أعلم غيب السّموات والأرض} ولا يعلمه غيري».
- وحدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قصّة الملائكة وآدم: فقال اللّه للملائكة: «كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علمٌ، أنّما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته؛ فكذلك أخفيت عنكم أنّي أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني».

قال:«وسبق من اللّه:{لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين}».
قال: «ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه».
قال: «فلمّا رأوا ما أعطى اللّه آدم من العلم أقرّوا لآدم بالفضل»). [جامع البيان: 1/ 529-531]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}

قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك.
فروي عن ابن عبّاسٍ في ذلك ما
حدّثنا به أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{وأعلم ما تبدون} يقول: ما تظهرون {وما كنتم تكتمون} يقول: أعلم السّرّ كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال: «قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} فهذا الّذي أبدوا {وما كنتم تكتمون} يعني ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر».
- حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا عمرو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيد بن جبيرٍ: قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال:«ما أسرّ إبليس في نفسه».
- وحدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا سفيان، في قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال: «ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر أن لا يسجد لآدم».
- وحدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: أخبرنا الحجّاج الأنماطيّ، قال: حدّثنا مهديّ بن ميمونٍ، قال: سمعت الحسن بن دينارٍ: قال للحسن ونحن جلوسٌ عنده في منزله: يا أبا سعيدٍ أرأيت قول اللّه للملائكة {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ما الّذي كتمت الملائكة؟

فقال الحسن: «إنّ اللّه لمّا خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا، فكأنّهم دخلهم من ذلك شيءٌ، فأقبل بعضهم إلى بعضٍ، وأسرّوا ذلك بينهم، فقالوا: وما يهمّكم من هذا المخلوق إنّ اللّه لم يخلق خلقًا إلاّ كنّا أكرم عليه منه».
- وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: في قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال:«أسرّوا بينهم فقالوا: يخلق اللّه ما يشاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلاّ ونحن أكرم عليه منه».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: «{وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فكان الّذي أبدوا حين قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها} وكان الّذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربّنا خلقًا إلاّ كنّا نحن أعلم منه وأكرم. فعرفوا أنّ اللّه فضّل عليهم آدم في العلم والكرم».
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عبّاسٍ، وهو أنّ معنى قوله: {وأعلم ما تبدون} وأعلم مع علمي غيب السّموات والأرض ما تظهرون بألسنتكم {وما كنتم تكتمون} وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى عليّ شيءٌ سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم.

والّذي أظهروه بألسنتهم ما أخبر اللّه جلّ ثناؤه عنهم أنّهم قالوه، وهو قوله: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك} والّذي كانوا يكتمونه ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على اللّه في أمره والتّكبّر عن طاعته؛ لأنّه لا خلاف بين جميع أهل التّأويل أن تأويل ذلك غير خارجٍ من أحد الوجهين اللّذين وصفت، وهو ما قلنا. والآخر ما ذكرنا من قول الحسن وقتادة.
ومن قال: إنّ معنى ذلك كتمان الملائكة بينهم لن يخلق اللّه خلقًا إلاّ كنّا أكرم عليه منه؛ فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إلاّ أحد القولين اللّذين وصفت ثمّ كان أحدهما غير موجودةٍ على صحّته الدّلالة من الوجه الّذي يجب التّسليم له صحّ الوجه الآخر. فالّذي حكي عن الحسن وقتادة ومن قال بقولهما في تأويل ذلك غير موجودةٍ الدّلالة على صحّته من الكتاب ولا من خبرٍ يجب به حجّةٌ. والّذي قاله ابن عبّاسٍ يدلّ على صحّته خبر اللّه جلّ ثناؤه عن إبليس وعصيانه إيّاه إذ دعاه إلى السّجود لآدم، فأبى واستكبر، وإظهاره لسائر الملائكة من معصيته وكبره ما كان له كاتمًا قبل ذلك.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمونه لمّا كان خارجًا مخرج الخبر عن الجميع كان غير جائزٍ أن يكون ما روي في تأويل ذلك عن ابن عبّاسٍ ومن قال بقوله من أنّ ذلك خبرٌ عن كتمان إبليس الكبر والمعصية صحيحًا، فقد ظنّ غير الصّواب؛ وذلك أنّ من شأن العرب إذا أخبرت خبرًا عن بعض جماعةٍ بغيرٍ تسمية شخصٍ بعينه أن تخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم: قتل الجيش وهزموا، وإنّما قتل الواحد أو البعض منهم، وهزم الواحد أو البعض، فتخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم كما قال جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} ذكر أنّ الّذي نادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية فيه، كان رجلاً من جماعة بني تميمٍ، كانوا قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فأخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن الجماعة، فكذلك قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} أخرج الخبر مخرج الخبر عن الجميع، والمراد به الواحد منهم). [جامع البيان: 1/ 531-534]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33)}
قوله: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن المثنّى، ثنا إبراهيم بن سليمان، ثنا محمّد ابن أبان، قال: سألت زيد بن أسلم عن قوله: {أنبئهم بأسمائهم} قال: «أنت جبريل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتّى عدّد الأسماء كلّها، حتّى بلغ الغراب».
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا أبو داود، ثنا قيسٌ، عن خصيفٍ، عن مجاهدٍ في قول اللّه تعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} قال: «اسم الحمامة والغراب، واسم كلّ شيءٍ». وروي عن سعيد بن جبيرٍ والحسن وقتادة نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 82]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فلمّا أنبأهم بأسمائهم}
- حدّثنا الحسين بن الحسن الرّازيّ، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه الهرويّ، ثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: «{فلمّا أنبأهم} أنبأ آدم الملائكة بأسمائهم، أسماء أصحاب الأسماء»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 82]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السماوات والأرض}
- حدّثنا الحسن بن أحمد أبو فاطمة، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ الواسطيّ، ثنا سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ، قال: «فجعل آدم ينبّئهم بأسمائهم ويقول: هذا اسم كذا وكذا من خلق اللّه، وهذا اسم كذا وكذا فعلّم اللّه آدم من ذلك ما لم يعلموا حتّى علموا أنّه أعلم منهم». قال: «{فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السماوات والأرض}»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 82]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن منيبٍ، ثنا أبو معاذٍ الفضل بن خالدٍ النّحويّ، عن عبيدٍ -يعني ابن سليمان-، عن الضّحّاك: قال: كان ابن عبّاسٍ يقول: «فذلك قوله للملائكة: {إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} يعني ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، ثنا صالح بن حيّان، ثنا عبد اللّه بن بريدة، قال: «فكان اللّه قد علم من إبليس فيما يخفي أنّه غير فاعلٍ، فذلك قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} أمّا إبداؤه فإقراره بالسّجود، وأمّا ما يخفي فإباؤه له».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح العسقلانيّ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ -يعني الرّازيّ-، عن الرّبيع، عن أبي العالية: «{وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فكان الّذي كتموا قولهم: لن يخلق ربّنا خلقًا إلا كنّا نحن أعلم منه وأكرم». وروي عن الحسن نحو ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ:«قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فكان الّذي كتموا بينهم قولهم: لم يخلق اللّه تعالى خلقًا إلا كنّا أكرم منه وأعلم، فعرفوا أنّ اللّه فضّل آدم عليهم في العلم والكرم».
وتابع ابن عبّاسٍ على تفسيره قوله: {وما كنتم تكتمون} مجاهدٌ وسعيد بن جبيرٍ والسّدّيّ والضّحّاك. وتابع أبا العالية: قتادة والحسن). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 82-83]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {إن كنتم صادقين} قال: «إن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء»، وفي قوله {وأعلم ما تبدون} قال:«قولهم{أتجعل فيها من يفسد فيها}»،«{وما كنتم تكتمون}يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر».
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال: «ما أسر إبليس من الكفر في السجود».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وأعلم ما تبدون} قال:«ما تظهرون»، {وما كنتم تكتمون} «يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية».
وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن في قوله: {ما تبدون}: «يعني قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها}»، {وما كنتم تكتمون}«يعني قول بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مهدي بن ميمون قال: سمعت الحسن وسأله الحسن بن دينار فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله للملائكة {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ما الذي كتمت الملائكة؟

قال: «إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا فكأنهم دخلهم من ذلك شيء».
قال: «ثم أقبل بعضهم على بعض فأسروا ذلك بينهم، فقال بعضهم لبعض: ما الذي يهمكم من هذا الخلق؟ إن الله لا يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه، فذلك الذي كتمت»). [الدر المنثور: 1/ 267-268]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ([قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}]
- نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قرأ ابن آدم السّجدة، فسجد، اعتزل الشّيطان يبكي ويقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسّجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسّجود، فأبيت، فلي النار»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 556]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}.
قال أبو جعفرٍ: أمّا قوله: {وإذ قلنا} فمعطوفٌ على قوله: {وإذ قال ربّك للملائكة} كأنّه قال جلّ ذكره لليهود الّذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من بني إسرائيل معدّدًا عليهم نعمه، ومذكّرهم آلاءه على نحو الّذي وصفنا فيما مضى قبل: اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم، فخلقت لكم ما في الأرض جميعًا، وإذ قلت للملائكة إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً، فكرّمت أباكم آدم بما أتيته من علمي وفضلي وكرامتي، وإذ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له.

ثمّ استثنى من جميعهم إبليس، فدلّ باستثنائه إيّاه منهم على أنّه منهم، وأنّه ممّن قد أمر بالسّجود معهم، كما قال جلّ ثناؤه: {إلاّ إبليس لم يكن من السّاجدين قال ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك} فأخبر جلّ ثناؤه أنّه قد أمر إبليس فيمن أمره من الملائكة بالسّجود لآدم. ثمّ استثناه جلّ ثناؤه ممّا أخبر عنهم أنّهم فعلوه من السّجود لآدم، فأخرجه من الصّفة الّتي وصفهم بها من الطّاعة لأمره ونفى عنه ما أثبته لملائكته من السّجود لعبده آدم.
ثمّ اختلف أهل التّأويل فيه هل هو من الملائكة أم هو من غيرهم؟
- فقال بعضهم بما
حدّثنا به أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: «كان إبليس من حيٍّ من أحياء الملائكة، يقال لهم الحنّ خلقوا من نار السّموم من بين الملائكة».

قال: «فكان اسمه الحارث».
قال: «وكان خازنًا من خزّان الجنّة».
قال:«وخلقت الملائكة من نورٍ غير هذا الحيّ».
قال: «وخلقت الجنّ الّذين ذكروا في القرآن من مارجٍ من نارٍ، وهو لسان النّار الّذي يكون في طرفها إذا التهبت».
- وحدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاّدٍ، بن عطاءٍ، عن طاووسٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكّان الأرض وكان من أشدّ الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيٍّ يسمّون جنًّا».
- وحدّثنا به ابن حميدٍ مرّةً أخرى، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاّدٍ، بن عطاءٍ، عن طاووسٍ أو مجاهدٍ أبي الحجّاج، عن ابن عبّاسٍ، وغيره، بنحوه، إلاّ أنّه قال: «كان ملكًا من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكّان الأرض وعمّارها، وكان سكّان الأرض فيهم يسمّون الجنّ من بين الملائكة».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «جعل إبليس على ملك سماء الدّنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم الجنّ، وإنّما سمّوا الجنّ لأنّهم خزّان الجنّة، وكان إبليس مع ملكه خازنًا».
- وحدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا حسينٌ، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: «كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلةً وكان خازنًا على الجنّان، وكان له سلطان سماء الدّنيا، وكان له سلطان الأرض».

قال: قال ابن عبّاسٍ: «وقوله: {كان من الجنّ}، إنّما يسمّى بالجنان أنّه كان خازنًا عليها، كما يقال للرّجل: مكّيٌّ، ومدنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصريٌّ». قاله ابن جريجٍ.
وقال آخرون: هم سبطٌ من الملائكة قبيلةٌ، فكان اسم قبيلته الجنّ.
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن صالحٍ، مولى التّوأمة وشريك بن أبي نمرٍ، أحدهما أو كلاهما، عن ابن عبّاسٍ، قال: «إنّ من الملائكة قبيلةً من الجنّ، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السّماء والأرض».
- وحدّثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ الفضل بن خالدٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ: يقول في قوله: {فسجدوا إلاّ إبليس كان من الجنّ} قال: كان ابن عبّاسٍ يقول: «إنّ إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلةً»، ثمّ ذكر مثل حديث ابن جريجٍ الأوّل سواءً.
- وحدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثني شيبان، قال: حدّثنا سلاّم بن مسكينٍ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: «كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدّنيا».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة:«قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس كان من الجنّ} كان من قبيلٍ من الملائكة يقال لهم الجنّ»،

وكان ابن عبّاسٍ يقول: «لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسّجود، وكان على خزانة سماء الدّنيا»،
قال: وكان قتادة يقول:«جنّ عن طاعة ربّه».
- وحدّثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: في قوله {إلاّ إبليس كان من الجنّ} قال: «كان من قبيلٍ من الملائكة يقال لهم الجنّ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، قال: «أمّا العرب فيقولون: ما الجنّ إلاّ كلّ من اجتنّ فلم ير».

وأمّا قوله: {إلاّ إبليس كان من الجنّ} أي: كان من الملائكة، وذلك أنّ الملائكة اجتنّوا فلم يروا، وقد قال اللّه جلّ ثناؤه {وجعلوا بينه وبين الجنّة نسبًا ولقد علمت الجنّة إنّهم لمحضرون} وذلك لقول قريشٍ: إنّ الملائكة بنات اللّه. فيقول اللّه: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذرّيّته نسبًا. قال: وقد قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة البكريّ، وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه اللّه:
ولو كان شيءٌ خالدًا أو معمّرًا.......لكان سليمان البريّ من الدّهر
براه إلهي واصطفاه عباده.......وملّكه ما بين ثريا إلى مصر
وسخّر من جنّ الملائك تسعةً.......قيامًا لديه يعملون بلا أجر
قال: فأبت العرب في لغتها إلاّ أنّ الجنّ كلّ ما اجتنّ. يقول: ما سمّى اللّه الجنّ إلاّ أنّهم اجتنّوا فلم يروا، وما سمّى بني آدم الإنس إلاّ أنّهم ظهروا فلم يجتنّوا، فما ظهر فهو إنسٌ، وما اجتنّ فلم ير فهو جنٌّ.
- وقال آخرون بما
حدّثنا به، محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسن، قال: «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عينٍ قطّ، وإنّه لأصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله: {إلاّ إبليس كان من الجنّ}: «إلجاءٌ إلى نسبه فقال اللّه: {أفتتّخذونه وذرّيّته أولياء من دوني} الآية. وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم».
- وحدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا أبو سعيدٍ اليحمديّ، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثنا سوّار بن الجعد اليحمديّ، عن شهر بن حوشبٍ، قوله: {من الجنّ} قال: «كان إبليس من الجنّ الّذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السّماء».
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ:«إبليس أبو الجنّ، كما آدم أبو الإنس».
- وحدّثني عليّ بن الحسن، قال: حدّثني أبو نصرٍ أحمد بن محمّدٍ الخلاّل، قال: حدّثني سنيد بن داود، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن يحيى، عن موسى بن نميرٍ، وعثمان بن سعيد بن كاملٍ، عن سعد بن مسعودٍ، قال: «كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة فتعبّد معها. فلمّا أمروا بالسّجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس؛ فلذلك قال اللّه: {إلاّ إبليس كان من الجنّ}».

- وحدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال: حدّثنا المبارك بن مجاهدٍ أبو الأزهر، عن شريك بن عبد اللّه بن أبي نمرٍ، عن صالحٍ، مولى التّوأمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «إنّ من الملائكة قبيلاً يقال لهم الجنّ، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السّماء والأرض فعصى، فمسخه اللّه شيطانًا رجيمًا».
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ القزّاز، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن شريكٍ، عن رجلٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «إنّ اللّه خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم فقالوا: لا نفعل. فبعث اللّه عليهم نارًا تحرقهم. ثمّ خلق خلقًا آخر، فقال: إنّي خالقٌ بشرًا من طينٍ، اسجدوا لآدم. فأبوا، فبعث اللّه عليهم نارًا فأحرقتهم».

قال: «ثمّ خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الّذين أبوا أن يسجدوا لآدم».
قال أبو جعفرٍ: وعلّة من قال هذه المقالة -أن إبليس ليس هو من الملائكة- أنّ اللّه تعالى ذكره أخبر في كتابه أنّه خلق إبليس من نار السّموم ومن مارجٍ من نارٍ، ولم يخبر عن الملائكة أنّه خلقها من شيءٍ من ذلك. وأنّ اللّه أخبر أنّه من الجنّ.
قالوا: فغير جائزٍ أن ينسب إلى غير ما نسبه اللّه إليه. قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرّيّةٌ، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.
قال أبو جعفرٍ: وهذه عللٌ تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنّه غير مستنكرٍ أن يكون اللّه جلّ ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصنافٍ من خلقه شتّى، فخلق بعضًا من نورٍ. وبعضًا من نارٍ، وبعضًا ممّا شاء من غير ذلك. وليس في ترك اللّه جلّ ثناؤه الخبر عمّا خلق منه ملائكته وإخباره عمّا خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا من معناهم، إذ كان جائزًا أن يكون خلق صنفًا من ملائكته من نارٍ كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خلقه من نار السّموم دون سائر ملائكته.

وكذلك غير مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأن كان له نسلٌ وذرّيّةٌ لما ركّب فيه من الشّهوة واللّذة الّتي نزعت من سائر الملائكة لما أراد اللّه به من المعصية.
وأمّا خبر اللّه عن أنّه من الجنّ، فغير مدفوعٍ أن يسمّى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلّها جنًّا، كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشى، فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم). [جامع البيان: 1/ 534-542]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في معنى إبليس.
قال أبو جعفرٍ: وإبليس إفعيلٌ من الإبلاس: وهو الإياس من الخير والنّدم والحزن.
- كما حدّثنا به أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال:«إبليس أبلسه اللّه من الخير كلّه وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبةً لمعصيته».
- وحدّثنا موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: «كان اسم إبليس الحارث، وإنّما سمّي إبليس حين أبلس فقيّرًا».
قال أبو جعفرٍ: وكما قال اللّه جلّ ثناؤه: {فإذا هم مبلسون} يعني به أنّهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا، كما قال العجّاج:
يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسًا.......قال نعم أعرفه وأبلسا
وقال رؤبة:
وحضرت يوم الخميس الأخماس.......وفي الوجوه صفرةٌ وإبلاس
يعني به اكتئابًا وكسوفًا.
فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان إبليس كما قلت إفعيلٌ من الإبلاس، فهلاّ صرّف وأجري؟
قيل: ترك إجراؤه استثقالاً إذ كان اسمًا لا نظير له من أسماء العرب، فشبّهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم الّتي لا تجرى، وقد قالوا: مررت بإسحاق، فلم يجروه، وهو من أسحقه اللّه إسحاقًا، إذ كان وقع مبتدأً اسمًا لغير العرب ثمّ تسمّت به العرب فجرى مجراه، وهو من أسماء العجم في الإعراب، فلم يصرّف. وكذلك أيّوب إنّما هو فيعولٌ من آب يئوب نظير قيوم من: قام يقوم.
وتأويل قوله: {أبى} يعني جلّ ثناؤه بذلك إبليس أنّه امتنع من السّجود لآدم فلم يسجد له. {واستكبر} يعني بذلك أنّه تعظّم وتكبّر عن طاعة اللّه في السّجود لآدم.
وهذا وإن كان من اللّه جلّ ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنّه تقريعٌ لضربائه من خلق اللّه الّذين يتكبّرون عن الخضوع لأمر اللّه والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتّسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعضٍ من الحقّ. وكان ممّن تكبّر عن الخضوع لأمر اللّه والتّذلّل لطاعته والتّسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم اليهود الّذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأحبارهم الّذين كذبوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم بصفته عارفون وبأنّه للّه رسولٌ عالمين، ثمّ استكبروا مع علمهم بذلك عن الإقرار بنبوّته والإذعان لطاعته، بغيًا منهم له وحسدًا، فقرّعهم اللّه بخبره عن إبليس الّذي فعل في استكباره عن السّجود لآدم حسدًا له وبغيًا نظير فعلهم في التّكبّر عن الإذعان لمحمّدٍ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونبوّته، إذ جاءهم بالحقّ من عند ربّهم حسدًا وبغيًا.
ثمّ وصف إبليس بمثل الّذي وصف به الّذين ضربه لهم مثلاً في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره اللّه بالخضوع له، فقال جلّ ثناؤه: {وكان} يعني إبليس {من الكافرين} من الجاحدين نعم اللّه عليه وأياديه عنده بخلافه عليه فيما أمره به من السّجود لآدم، كما كفرت اليهود نعم ربّها الّتي آتاها وآباءها قبل: من إطعام اللّه أسلافهم المنّ والسّلوى، وإظلال الغمام عليهم وما لا يحصى من نعمه الّتي كانت لهم، خصوصًا ما خصّ الّذين أدركوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم بإدراكهم إيّاه ومشاهدتهم حجّة اللّه عليهم؛ فجحدت نبوّته بعد علمهم به ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا. فنسبه اللّه جلّ ثناؤه إلى الكافرين، فجعله من عدادهم في الدّين والملّة، وإن خالفهم في الجنس والنّسبة، كما جعل أهل النّفاق بعضهم من بعضٍ لاجتماعهم على النّفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم،
فقال: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعضٍ} يعني بذلك أنّ بعضهم من بعضٍ في النّفاق والضّلال، فكذلك قوله في إبليس: {وكان من الكافرين} كان منهم في الكفر باللّه ومخالفته أمره وإن كان مخالفًا جنسه أجناسهم ونسبه نسبهم. ومعنى قوله: {وكان من الكافرين} أنّه كان حين أبى عن السّجود من الكافرين حينئذٍ.
وقد روي عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية أنّه كان يقول في تأويل قوله: {وكان من الكافرين}: «في هذا الموضع: وكان من العاصين».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا آدم العسقلانيّ، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: في قوله: {وكان من الكافرين}: «يعني: من العاصين».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بمثله.
وذلك شبيهٌ بمعنى قولنا فيه.
وكان سجود الملائكة لآدم تكرمةً لآدم وطاعةً للّه، لا عبادة لآدم.
- كما حدّثنا به، بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: «قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فكانت الطّاعة للّه، والسّجدة لآدم، أكرم اللّه آدم أن أسجد له ملائكته»). [جامع البيان: 1/ 543-546]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34)}
قوله: {وإذ قلنا للملائكة}
- حدّثني أبي، ثنا إبراهيم بن محمّد بن يوسف الفريابيّ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قول اللّه: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قال: «الملائكة الّذين كانوا في الأرض»). [تفسير القرآن العظيم: 1 /83]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {اسجدوا لآدم}
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ الواسطيّ، ثنا سرور ابن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن: «{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ثمّ أمرهم أن يسجدوا لآدم فسجدوا له كرامةً من اللّه أكرم بها آدم، وليعلموا أنّ اللّه لا يخفى عليه شيءٌ وأنّه يصنع ما أراد».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ في قول اللّه تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قال: «كانت السّجدة لآدم، والطّاعة للّه»). [تفسير القرآن العظيم:1/ 83-84]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فسجدوا إلا إبليس}

- حدّثنا أبي، حدّثني سعيد بن سليمان، ثنا عبّادٌ -يعني ابن العوام-، عن سفيان ابن حسينٍ، عن يعلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من ذوي الأربعة الأجنحة ثمّ أبلس بعد».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قال: «إنّما سمّي إبليس لأنّ اللّه أبلسه من الخير كلّه آيسه منه».
- وروي عن قتادة أنه أبلس عن الطّاعة.
- وروي عن السّدّيّ نحو قول ابن عبّاسٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 84]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {أبى}
- حدّثنا محمّد بن حبالٍ القهندزيّ فيما كتب إليّ، ثنا عمر بن عبد الغفّار القهندزيّ، قال: سئل سفيان بن عينية عن قوله: «ليدخلنّ الجنّة إلا من أبى» قال: «إلا من عصى اللّه لقوله عزّ وجلّ: {فسجدوا إلا إبليس}»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 84]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {أبى واستكبر}
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ بن أبي عروبة، عن قتادة:«قوله {أبى واستكبر وكان من الكافرين} حسد عدوّ اللّه إبليس آدم على ما أعطاه اللّه من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ. فكان بدء الذّنوب الكبر، استكبر عدوّ اللّه أن يسجد لآدم».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبيد اللّه، أنبأ إسرائيل، عن السّدّيّ، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاسٍ قال: «كان إبليس أمينًا على ملائكة سماء الدّنيا». قال: «فهمّ بالمعصية وبغى واستكبر»). [تفسير القرآن العظيم: 1 /84]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وكان من الكافرين}
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، ثنا صالح بن حيّان، ثنا عبد اللّه بن بريدة: «قوله: {وكان من الكافرين} من الذين أبوا فأحرقتهم النار».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله: {وكان من الكافرين}: «يعني من العاصين».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو الرّازيّ يعني-إسحاق بن سليمان-، عن موسى بن عبيدة الرّبذيّ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، قال: «ابتدأ اللّه عزّ وجلّ خلق إبليس على الكفر والضّلالة، وعمل بعمل الملائكة فصيّره إلى ما أدّى إليه خلقه من الكفر، قال اللّه تعالى: {وكان من الكافرين}».
- ذكر عن عمرو بن محمّدٍ العنقزيّ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وكان من الكافرين} قال:«من الكافرين الّذين لم يخلقهم اللّه يومئذٍ، يكونون بعد»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 84-85]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {اسجدوا لآدم} قال: «كانت السجدة لآدم والطاعة لله».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال:«أمرهم أن يسجدوا فسجدوا له كرامة من الله أكرم بها آدم».
وأخرج ابن عساكر عن أبي إبراهيم المزني أنه سئل عن سجود الملائكة لآدم، فقال:«إن الله جعل آدم كالكعبة».
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي قال: «كان سجود الملائكة لآدم إيماء».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ضمرة قال: سمعت من يذكر:«أن أول الملائكة خر ساجدا لله حين أمرت الملائكة بالسجود لآدم إسرافيل، فأثابه الله بذلك أن كتب القرآن في جبهته».
وأخرج ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز قال:«لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان أول من سجد إسرافيل فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قال: «كانت السجدة لآدم والطاعة لله وحسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه من الكرامة فقال: أنا ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم».
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: «كان إبليس اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري عن ابن عباس قال: «إنما سمي إبليس لأن الله أبلسه من الخير كله آيسه منه».
وأخرج ابن اسحاق في المبتدأ، وابن جرير، وابن الأنباري عن ابن عباس قال: «كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الأرض، وكان أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك دعاه إلى الكبر وكان من حي يسمون جنا».
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «كان اسم إبليس الحرث».
وأخرج وكيع، وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: «كان إبليس من خزان الجنة وكان يدبر أمر السماء الدنيا».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: «كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا».
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: «كان إبليس من أشرف الملائكة من أكبرهم قبيلة وكان خازن الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا سلطان الأرض، فرأى أن لذلك عظمة وسلطانا على أهل السموات فأضمر في قلبه من ذلك كبرا لم يعلمه إلا الله فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم خرج كبره الذي كان يسر».
وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري عن ابن عباس قال:«إن الله خلق خلقا فقال: {اسجدوا لآدم} فقالوا: لا نفعل فبعث نارا فأحرقهم، ثم خلق هؤلاء فقال {اسجدوا لآدم} فقالوا: نعم، وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم».
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: «لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم، وخلق ملائكة أخرى فقال: إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له، فأبوا فأرسل عليه نارا فأحرقتهم ثم خلق ملائكة أخرى فقال: إني خالق بشرا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له، فقالوا: سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين».
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عامر المكي قال: «خلق الله الملائكة من نور وخلق الجان من نار وخلق البهائم من ماء وخلق آدم من طين فجعل الطاعة في الملائكة وجعل المعصية في الجن والأنس».
وأخرج محمد بن نصر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمر آدم بالسجود فسجد فقال: لك الجنة ولمن سجد من ذريتك وأمر إبليس بالسجود فأبى أن يسجد فقال: لك النار ولمن أبى من ولدك أن يسجد».
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر قال: «لقي إبليس موسى فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلمك تكليما إذ تبت، وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي، قال موسى: نعم، فدعا موسى ربه فقيل يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس قال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك، فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد حياء أسجد به ميتا، ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت لي إلى ربك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن، أذكرني حين تغضب فإني أجري منك مجرى الدم، وأذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف، فاذكره ولده وزوجته حتى يولي وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها».
وأخرج ابن المنذر عن أنس قال: «إن نوحا لما ركب السفينة أتاه إبليس، فقال له نوح: من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: فما جاء بك؟ قال: جئت تسأل لي ربي هل لي من توبة؟ فأوحى الله إليه: إن توبته أن يأتي قبر آدم فيسجد له، قال: أما أنا لم أسجد له حيا أسجد له ميتا، قال: فاستكبر وكان من الكافرين».
وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن جنادة بن أبي أمية قال:«كان أول خطيئة كانت الحسد، حسد إبليس آدم أن يسجد له حين أمر فحمله الحسد على المعصية».
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: «ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة وعمل بعمل الملائكة فصيره إلى ما بدئ إليه خلقه من الكفر قال الله {وكان من الكافرين}».

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وكان من الكافرين} قال: «جعله الله كافرا لا يستطيع أن يؤمن»). [الدر المنثور: 1/ 268-274]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:55 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي


تفسير قوله تعالى: {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم...}
إن همزت قلت: (أنبئهم) ولم يجز كسر الهاء والميم؛ لأنها همزة وليست بياء فتصير مثل "عليهم".
وإن ألقيت الهمزة فأثبت الياء أو لم تثبتها جاز رفع "هم" وكسرها، على ما وصفت لك في "عليهم" و"عليهم"). [معاني القرآن: 1/ 26]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({وإذ قلنا للملائكة اسجدوا} معناه: وقلنا للملائكة، و"إذ" من حروف الزوائد، وقال الأسود بن يغفر:
فــإذا وذلــك لا مـهـاه لـذكـره.......والدهر يعقب صالحاً بفساد
ومعناها: وذلك لا مهاه لذكره، لا طعم ولا فضل؛ وقال عبد مناف بن ربع الهذليّ وهو آخر قصيدة:

حتى إذا أسلكوهم في قتائدةٍ.......شلاّ كما تطرد الجمّالة الشردا
معناه: حتى أسلكوهم.
{فسجدوا إلاّ إبليس} نصب "إبليس" على استثناء قليل من كثير، ولم يصرف إبليس؛ لأنه أعجمي). [مجاز القرآن: 1/ 38]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} هذا باب الاستثناء.
قوله: {فسجدوا إلاّ إبليس} فانتصب؛ لأنك شغلت الفعل بهم عنه فأخرجته من الفعل من بينهم، كما تقول: "جاء القوم إلاّ زيداً"؛ لأنك لما جعلت لهم الفعل وشغلته بهم، وجاء بعدهم غيرهم شبهته بالمفعول به بعد الفاعل وقد شغلت به الفعل.
وقوله: {أبى واستكبر وكان} ففتحت {استكبر}؛ لأن كل "فعل" أو "فعل" فهو يفتح نحو: {قال رجلان}، ونحو {الّذي اؤتمن أمانته}، ونحو {ذهب اللّه بنورهم}، ونحو {وكان من الكافرين}؛ لأن هذا كله "فعل" و"فعل"). [معاني القرآن: 1/ 46]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34)}
قرأت القراء {للملائكة اسجدوا} بالكسر، وقرأ أبو جعفر المدني وحده (للملائكة اسجدوا) بالضم. وأبو جعفر من جلّة أهل المدينة وأهل الثّبت في القراءة، إلا أنه غلط في هذا الحرف؛ لأن "الملائكة" في موضع خفض، فلا يجوز أن يرفع المخفوض، ولكنه شبّه تاء التأنيث بكسر ألف الوصل، لأنك إذا ابتدأت قلت: اسجدوا، وليس ينبغي أن يقرأ القرآن بتوهم غير الصواب.
و{إذ} في موضع نصب عطف على {إذ} التي قبلها.
و{الملائكة} واحدهم: ملك، والأصل فيه "ملأك"، أنشد سيبويه:
فلست لأنسي ولكن لمـلأك....... تنزّل من جوّ السّماء يصوب

ومعناه: صاحب رسالة، ويقال: مأْلُكة ومأْلَكَة، ومألك جمع مألكة، قال الشاعر:

أبــلــغ الـنـعـمـان عــنــي مـالــكًــا.......أنه قد طال حبسي وانتظاري

وقوله: {لآدم}؛ "آدم" في موضع جر إلا أنه لا ينصرف؛ لأنّه على وزن "أفعل"، يقول أهل اللغة: إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وكذلك الأدمة إنما هي مشبهة بلون التراب، فإذا قلت: مررت بآدم وآدم آخر، فإن النحويين يختلفون في "أفعل" الذي يسمى به وأصله الصفة، فسيبويه والخليل ومن قال بقولهما يقولون: إنه ينصرف في النكرة؛ لأنك إذا نكّرته رددته إلى حال قد كان فيها ينصرف.
وقال أبو الحسن الأخفش: إذا سمّيت به رجلاً، فقد أخرجته من باب الصفة، فيجب إذا نكرته أن تصرفه، فتقول: مررت بآدمٍ وآدمٍ آخر.
ومعنى السجود لآدم: عبادة الله عزّ وجلّ لا عبادة آدم، لأن الله عزّ وجلّ إنما خلق ما يعقل؛ لعبادته.
فإذا ابتدأت قلت: اسجدوا، فضممت الألف، والألف لا حظ لها في الحركة، أعني هذه الهمزة المبتدأ بها، وإنّما أدخلت للساكن الذي بعدها لأنه لا يبتدئ بساكن، فكان حقها الكسر لأن بعدها ساكناً وتقديرها السكون، فيجب أن تكسر لالتقاء السّاكنين، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسر، وكذلك كل ما كان ثالثه مضموماً في الفعل المستقبل نحو قوله: {انظر كيف يفترون على اللّه الكذب}، ونحو: {اقتلوا يوسف}؛ لأنه من "نَظَر ينظر" و"قتل يقتل"، وإنما كرهت الضمة بعد الكسرة؛ لأنها لا تقع في كلام العرب -لثقلها- بعدها، فليس في الكلام مثل "فعل" ولا مثل "إفعل".
وقوله عزّ وجلّ: {فسجدوا إلا إبليس أبى}
قال قوم: إن إبليس كان من الملائكة، فاستثني منهم في السجود.
وقال قوم من أهل اللغة: لم يكن إبليس من الملائكة، والدليل على ذلك قوله: {إلّا إبليس كان من الجنّ}.
فقيل لهؤلاء: فكيف جاز أن يستثنى منهم؟
فقالوا: إن الملائكة -وإياه- أمروا بالسجود، قالوا: ودليلنا على أنه أمر معهم قوله: {إلا إبليس أبى} فلم يأب إلا وهو مأمور.
وهذا القول هو الذي نختاره، لأن إبليس كان من الجن كما قال عزّ وجلّ.
والقول الآخر غير ممتنع، ويكون {كان من الجن} أي: كان ضالاً كما أن الجن كانوا ضالين، فجعل منهم كما قال في قصته {وكان من الكافرين}، فتأويلها أنه عمل عملهم فصار بعضهم، كما قال عزّ وجل: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}.
وفي هذه الآية من الدلالة على تثبيت الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم كما في الآية التي قبلها والتي تليها؛ لأنه إخبار بما ليس من علم العرب، ولا يعلمه إلا أهل الكتاب، أو نبي أوحي إليه.
و"إبليس" لم يصرف؛ لأنه اسم أعجمي، اجتمع فيه العجمة والمعرفة، فمنع من الصرف). [معاني القرآن: 1/ 113-114]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الأولى 1434هـ/22-03-2013م, 02:07 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}
[لا يوجد]


تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}

[لا يوجد]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 10:37 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 10:37 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 10:37 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 10:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري


تفسير قوله تعالى: {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34)}
{أنبئهم} معناه أخبرهم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما بحرف جر وقد يحذف حرف الجر أحيانا، تقول: نبئت زيدا.
قال سيبويه: معناه نبئت عن زيد. والضمير في {أنبئهم} عائد على الملائكة بإجماع، والضمير في {أسمائهم} مختلف فيه حسب الاختلاف في الأسماء التي علمها آدم.
قال أبو علي: «كلهم قرأ «أنبئهم» بالهمز وضم الهاء، إلا ما روي عن ابن عامر، «أنبئهم» بالهمز وكسر الهاء، وكذلك روى بعض المكيين عن ابن كثير، وذلك على إتباع كسرة الهاء لكسرة الباء، وإن حجز الساكن فحجزه لا يعتد به».
قال أبو عمرو الداني: «وقرأ الحسن والأعرج: «أنبيهم» بغير همز».
قال ابن جني: «وقرأ الحسن «أنبهم»، على وزن «أعطهم»، وقد روي عنه، «أنبيهم» بغير همز».
قال أبو عمرو: «وقد روي مثل ذلك عن ابن كثير من طريق القواس».
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن: «أنبهم» كأعطهم فعلى إبدال الهمزة ياء، على أنك تقول «أنبيت» كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة شعر.
قال بعض العلماء: إن في قوله تعالى: {فلمّا أنبأهم} نبوة لآدم عليه السلام، إذ أمره الله أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل.
ويجوز فتح الياء من «إني» وتسكينها.
قال الكسائي: «رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزة فتحوها».
قال أبو علي: «كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، إذا كانت متصلة باسم، أو بفعل، ما لم يطل الحرف فإنه يثقل فتحها، نحو قوله تعالى: {ولا تفتنّي ألا} [التوبة: 49] ، وقوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152]، والذي يخف: {إنّي أرى} [الأنفال: 48، يوسف: 43، الصافات: 102] ، {وأجري إلّا على اللّه} [يونس: 72، هود: 29، سبأ: 47].
وقوله تعالى: {أعلم غيب السّماوات والأرض} معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته.
و(ما) في موضع نصب بـ«أعلم».
قال المهدوي: ويجوز أن يكون قوله: {أعلم} اسما بمعنى التفضيل في العلم، فتكون (ما) في موضع خفض بالإضافة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فإذا قدر الأول اسما فلا بد بعده من إضمار فعل ينصب "غيب"، تقديره: إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في الموضعين فعلا مضارعا أخصر وأبلغ.
واختلف المفسرون في قوله تعالى: {ما تبدون وما كنتم تكتمون}؛
فقالت طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع.
وحكى مكي أن المراد بقول {ما تبدون} قولهم: {أتجعل فيها} الآية.
وحكى المهدوي أن {ما تبدون} قولهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ولا أكرم عليه، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه.
وقال الزهراوي: «ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم».
واختلف في المكتوم؛
فقال ابن عباس وابن مسعود: «المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر»،
ويتوجه قوله: {تكتمون} للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي: منكم فاعله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل: الأقرع،
وقال قتادة: «المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم: ليخلق ربنا ما شاء»، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه،
- وإذ من قوله: {وإذ قلنا} معطوف على (إذ) المتقدمة). [المحرر الوجيز: 1/ 174-176]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) :(وقال قتادة: «المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه»،
- وإذ من قوله: {وإذ قلنا} معطوف على إذ المتقدمة.
وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل، بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته وقلنا كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «للملائكة اسجدوا» برفع تاء للملائكة اتباعا لضمة ثالث المستقبل.
قال أبو علي: «وهذا خطأ».
وقال الزجاج: «أبو جعفر من رؤساء القراءة ولكنه غلط في هذا».
قال أبو الفتح: لأن الملائكة في موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفا ساكنا صحيحا، نحو قوله تعالى: {وقالت اخرج عليهنّ} [يوسف: 31] والسجود في كلام العرب: الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر [زيد الخيل]:
... ... ... ... ....... ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر
وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود.
وقوله تعالى: {فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع.
واختلف في حال السجود لآدم، فقال ابن عباس: «تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة في ذلك لله».
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: «إنما كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف عليه السلام، لا سجود عبادة».
وقال الشعبي: «إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى {لآدم} إلى آدم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام.
وحكى النقاش عن مقاتل: «أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه». قال: «والقرآن يرد على هذا القول».
وقال قوم: سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا.
وقوله تعالى: {إلّا إبليس} نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، «وكان خازنا وملكا على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل»، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد والحسن: «هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكا».
وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: «واسمه الحارث».
وقال شهر بن حوشب: «كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا، وتعبد وخوطب معها»، وحكاه الطبري عن ابن مسعود.
والاستثناء على هذه الأقوال منقطع، واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة للملائكة: {لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.
ورجح الطبري قول من قال: «إن إبليس كان من الملائكة». وقال: «ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة».
وقوله عز وجل: {كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه} [الكهف: 50] يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا،
أو على أن الملائكة قد تسمى جنا لاستتارها، قال تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً}. [الصافات: 158] وقال الأعشى في ذكر سليمان عليه السلام:
وسخّر من جن الملائك تسعة ....... قياما لديه يعملون بلا أجر
أو على أن يكون نسبهم إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصريّ، لما كان خازنا عليها،
وإبليس لا ينصرف لأنه اسم أعجميّ معرف.
قال الزجاج: «ووزنه فعليل».
وقال ابن عباس والسّدي وأبو عبيدة وغيرهم: هو مشتق من أبلس إذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه، وأجروه مجرى إسحاق من أسحقه الله، وأيوب من آب يؤوب، مثل قيوم من قام يقوم، ولما لم تصرف هذه -ولها وجه من الاشتقاق- كذلك لم يصرف هذا وإن توجه اشتقاقه لقلته وشذوذه، ومن هذا المعنى قول الشاعر العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ....... قال نعم أعرفه وأبلسا
أي: تغير وبعد عن العمار والإنس به، ومثله قول الآخر:
... ... ... ... ....... وفي الوجوه صفرة وإبلاس
ومنه قوله تعالى: {فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] أي: يائسون عن الخير مبعدون منه فيما يرون.
- و"أبى" معناه: امتنع من فعل ما أمر به، واستكبر: دخل في الكبرياء، والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه، والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: «بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح، حسد إبليس آدم وتكبر، وشح آدم في أكله من شجرة قد نهي عن قربها».
حكى المهدوي عن فرقة أن معنى {وكان من الكافرين}: وصار من الكافرين.
وقال ابن فورك: «وهذا خطأ ترده الأصول».
وقالت فرقة: «قد كان تقدم قبل من الجن من كفر فشبهه الله بهم وجعله منهم، لما فعل في الكفر فعلهم».
وذكر الطبري عن أبي العالية أنه كان يقول: «{وكان من الكافرين} معناه: من العاصين».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت.
وروي أن الله تعالى خلق خلقا وأمرهم بالسجود لآدم فعصوا فأحرقهم بالنار، ثم خلق آخرين وأمرهم بذلك فعصوا فأحرقهم، ثم خلق الملائكة فأمرهم بذلك فسجدوا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والإسناد في مثل هذا غير وثيق.
وقال جمهور المتأولين: معنى {وكان من الكافرين} أي: في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة.
وذهب الطبري: إلى أن الله أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوته ومع تقدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم.
واختلف هل كفر إبليس جهلا أو عنادا؟ على قولين بين أهل السنة،
ولا خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره،
- فمن قال إنه كفر جهلا قال: «إنه سلب العلم عند كفره».
- ومن قال كفر عنادا قال: «كفر ومعه علمه»، قال: والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن شاء.
ولا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسكن). [المحرر الوجيز: 1 /176-181]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 10:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 10:38 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} .
قال زيد بن أسلم: «قال: أنت جبريل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتّى عدّد الأسماء كلّها، حتّى بلغ الغراب».
وقال مجاهدٌ في قول اللّه: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} قال:
«اسم الحمامة، والغراب، واسم كلّ شيءٍ».
وروي عن سعيد بن جبيرٍ، والحسن، وقتادة، نحو ذلك.
فلمّا ظهر فضل آدم، عليه السّلام، على الملائكة، عليهم السّلام، في سرده ما علّمه اللّه تعالى من أسماء الأشياء، قال اللّه تعالى للملائكة: {ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} أي: ألم أتقدّم إليكم أنّي أعلم الغيب الظّاهر والخفيّ، كما قال [اللّه] تعالى: {وإن تجهر بالقول فإنّه يعلم السّرّ وأخفى} وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: {ألا يسجدوا للّه الّذي يخرج الخبء في السّماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون * اللّه لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم}.
وقيل في [معنى] قوله تعالى: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} غير ما ذكرناه؛ فروى الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال:
«يقول: أعلم السّرّ كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار».
وقال السّدّيّ، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من الصّحابة، قال:
«قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} فهذا الّذي أبدوا {وما كنتم تكتمون} يعني: ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر».
وكذلك قال سعيد بن جبيرٍ، ومجاهدٌ، والسّدّيّ، والضّحّاك، والثّوريّ. واختار ذلك ابن جريرٍ.
وقال أبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، والحسن، وقتادة:
«هو قولهم: لم يخلق ربّنا خلقًا إلّا كنّا أعلم منه وأكرم».
وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ:
«{وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فكان الّذي أبدوا قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها}، وكان الّذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربّنا خلقًا إلّا كنّا أعلم منه وأكرم. فعرفوا أنّ اللّه فضّل عليهم آدم في العلم، والكرم».
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا يونس، حدّثنا ابن وهبٍ عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، في قصّة الملائكة وآدم:
«فقال اللّه للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علمٌ، إنّما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته؛ ولذلك أخفيت عنكم أنّي أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني»، قال: «وسبق من اللّه {لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين}»، قال: «ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه»، قال: «ولمّا رأوا ما أعطى اللّه آدم من العلم أقرّوا له بالفضل».
وقال ابن جريرٍ: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عبّاسٍ، وهو أنّ معنى قوله تعالى: {وأعلم ما تبدون} وأعلم -مع علمي غيب السّماوات والأرض- ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم، فلا يخفى عليّ شيءٌ، سواءٌ عندي سرائركم، وعلانيتكم.
والّذي أظهروه بألسنتهم قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها}، والّذي كانوا يكتمون: ما كان عليه منطويًا إبليس من الخلاف على الله في أوامره، والتكبر عن طاعته.
قال: وصحّ ذلك كما تقول العرب: قتل الجيش وهزموا، وإنّما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: {إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات} [الحجرات: 4] ذكر أنّ الّذي نادى إنّما كان واحدًا من بني تميمٍ، قال: وكذلك قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}).
[تفسير ابن كثير: 1/ 225-227]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ): ({وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34)}
وهذه كرامةٌ عظيمةٌ من اللّه تعالى لآدم امتنّ بها على ذرّيّته، حيث أخبر أنّه تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم.
وقد دلّ على ذلك أحاديث -أيضًا- كثيرةٌ منها حديث الشّفاعة المتقدّم، وحديث موسى، عليه السّلام: «ربّ، أرني آدم الّذي أخرجنا ونفسه من الجنّة»، فلمّا اجتمع به قال: «أنت آدم الّذي خلقه اللّه بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته». قال، وذكر الحديث كما سيأتي.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قال: «كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجنّ، خلقوا من نار السّموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزّان الجنّة»،
قال: «وخلقت الملائكة كلّهم من نورٍ غير هذا الحيّ»،
قال: «وخلقت الجنّ الّذين ذكروا في القرآن من مارجٍ من نارٍ، [وهو لسان النّار الّذي يكون في طرفها إذا لهّبت»،
قال: «وخلق الإنسان من طينٍ]. فأوّل من سكن الأرض الجنّ فأفسدوا فيها وسفكوا الدّماء، وقتل بعضهم بعضًا».
قال: «فبعث اللّه إليهم إبليس في جندٍ من الملائكة -وهم هذا الحيّ الّذي يقال لهم: الجنّ- فقتلهم إبليس ومن معه، حتّى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلمّا فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه، فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحدٌ».
قال: «فاطّلع اللّه على ذلك من قلبه، ولم يطلع عليه الملائكة الّذين كانوا معه، فقال اللّه تعالى للملائكة الّذين معه: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً} فقالت الملائكة مجيبين له: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء} كما أفسدت الجنّ وسفكت الدّماء، وإنّما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال: {إنّي أعلم ما لا تعلمون} يقول: إنّي قد اطّلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا عليه من كبره واغتراره،
قال: «ثمّ أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق اللّه آدم من طينٍ لازبٍ -واللّازب: اللّزج الصّلب من حمإٍ مسنونٍ منتنٍ، وإنّما كان حمأ مسنونًا بعد التّراب. فخلق منه آدم بيده»،
قال: «فمكث أربعين ليلةً جسدًا ملقًى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل، أي: فيصوّت».
قال: «فهو قول اللّه تعالى: {من صلصالٍ كالفخّار}[الرحمن: 14] يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت».
قال: «ثمّ يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره، ويخرج من فيه. ثمّ يقول: لست شيئًا -للصّلصلة- ولشيءٍ ما خلقت، ولئن سلّطت عليك لأهلكنّك، ولئن سلّطت عليّ لأعصينّك».
قال: «فلمّا نفخ اللّه فيه من روحه، أتت النّفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيءٌ منها في جسده إلّا صار لحمًا ودمًا، فلمّا انتهت النّفخة إلى سرّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول اللّه تعالى: {وكان الإنسان عجولا}، قال: «ضجرٌ لا صبر له على سرّاء ولا ضرّاء».
قال: «فلمّا تمّت النّفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد للّه ربّ العالمين" بإلهام اللّه. فقال [اللّه] له: "يرحمك اللّه يا آدم"».
قال: «ثمّ قال [اللّه] تعالى للملائكة الّذين كانوا مع إبليس خاصّةً دون الملائكة الّذين في السّماوات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلّهم أجمعون إلّا إبليس أبى واستكبر، لما كان حدّث نفسه من الكبر والاغترار. فقال: لا أسجد له، وأنا خيرٌ منه وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ. يقول: إنّ النّار أقوى من الطّين».
قال: «فلمّا أبى إبليس أن يسجد أبلسه اللّه، أي: آيسه من الخير كلّه، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته، ثمّ علّم آدم الأسماء كلّها، وهي هذه الأسماء الّتي يتعارف بها النّاس: إنسانٌ ودابّةٌ وأرضٌ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ وحمارٌ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثمّ عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني: الملائكة الّذين كانوا مع إبليس، الّذين خلقوا من نار السّموم، وقال لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء {إن كنتم صادقين} إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفةً».
قال: «فلمّا علمت الملائكة موجدة اللّه عليهم فيما تكلّموا به من علم الغيب، الّذي لا يعلمه غيره، الّذي ليس لهم به علمٌ قالوا: سبحانك، تنزيهًا للّه من أن يكون أحدٌ يعلم الغيب غيره، وتبنا إليك {لا علم لنا إلا ما علّمتنا} تبرّيًا منهم من علم الغيب، إلّا ما علّمتنا كما علّمت آدم، فقال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} يقول: أخبرهم بأسمائهم {فلمّا أنبأهم} [يقول: أخبرهم] {بأسمائهم قال ألم أقل لكم} أيّها الملائكة خاصّةً {إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض} ولا يعلم غيري {وأعلم ما تبدون} يقول: ما تظهرون {وما كنتم تكتمون} يقول: أعلم السّرّ كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار».
هذا سياقٌ غريبٌ، وفيه أشياء فيها نظرٌ، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عبّاسٍ يروى به تفسيرٌ مشهورٌ.
وقال السّدّيّ في تفسيره، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
«لمّا فرغ اللّه من خلق ما أحبّ استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك السّماء الدّنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم: الجنّ، وإنّما سمّوا الجنّ لأنّهم خزّان الجنّة، وكان إبليس مع ملكه خازنًا، فوقع في صدره كبرٌ وقال: ما أعطاني اللّه هذا إلّا لمزيّةٍ لي على الملائكة. فلمّا وقع ذلك الكبر في نفسه اطّلع اللّه على ذلك منه. فقال اللّه للملائكة: {إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً} قالوا: ربّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرّيّةٌ يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربّنا، {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون} يعني: من شأن إبليس. فبعث اللّه جبريل إلى الأرض ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: إنّي أعوذ باللّه منك أن تقبض منّي أو تشينني فرجع ولم يأخذ، وقال: ربّ منّي عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه. فقال: وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولم أنفّذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط ولم يأخذ من مكانٍ واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فبلّ التّراب حتّى عاد طينًا لازبًا -واللّازب: هو الّذي يلتزق بعضه ببعضٍ- ثمّ قال للملائكة: {إنّي خالقٌ بشرًا من طينٍ * فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص:71، 72] فخلقه اللّه بيده لئلّا يتكبّر إبليس عنه، ليقول له: تتكبّر عمّا عملت بيدي، ولم أتكبّر أنا عنه. فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طينٍ أربعين سنةً من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لمّا رأوه، وكان أشدّهم فزعًا منه إبليس، فكان يمرّ به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخّار وتكون له صلصلةٌ. فذلك حين يقول: {من صلصالٍ كالفخّار} [الرّحمن: 14] ويقول: لأمرٍ ما خلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإنّ ربّكم صمدٌ وهذا أجوف. لئن سلّطت عليه لأهلكنّه، فلمّا بلغ الحين الّذي يريد اللّه عزّ وجلّ أن ينفخ فيه الرّوح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلمّا نفخ فيه الرّوح فدخل الرّوح في رأسه، عطس، فقالت الملائكة: قل: الحمد للّه. فقال: الحمد للّه، فقال له اللّه: رحمك ربّك، فلمّا دخلت الرّوح في عينيه نظر إلى ثمار الجنّة. فلمّا دخل الرّوح في جوفه اشتهى الطّعام، فوثب قبل أن تبلغ الرّوح رجليه عجلان إلى ثمار الجنّة، فذلك حين يقول تعالى: {خلق الإنسان من عجلٍ} [الأنبياء: 37] {فسجد الملائكة كلّهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع السّاجدين} [الحجر: 30، 31] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال اللّه له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال: أنا خيرٌ منه، لم أكن لأسجد لمن خلقته من طينٍ. قال اللّه له: اخرج منها فما يكون لك، يعني: ما ينبغي لك {أن تتكبّر فيها فاخرج إنّك من الصّاغرين} [الأعراف: 13] والصّغار: هو الذّلّ».
قال: «{وعلّم آدم الأسماء كلّها} ثمّ عرض الخلق على الملائكة {فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدّماء، فقالوا: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم} قال اللّه: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السّماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}».
قال: «قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} فهذا الّذي أبدوا {وأعلم ما تكتمون} يعني: ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر».
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصّحابة مشهورٌ في تفسير السّدّي ويقع فيه إسرائيليّات كثيرةٌ، فلعلّ بعضها مدرج ليس من كلام الصّحابة، أو أنّهم أخذوه من بعض الكتب المتقدّمة. واللّه أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: [هو] على شرط البخاريّ.
والغرض أنّ اللّه تعالى لمّا أمر الملائكة بالسّجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنّه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلّا أنّه كان قد تشبّه بهم وتوسّم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذمّ في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة -إن شاء اللّه تعالى- عند قوله: {إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه} [الكهف: 50].
ولهذا قال محمّد بن إسحاق، عن خلّادٍ، عن عطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:
«كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكّان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا؛ فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيٍّ يسمّون جنًّا».
وفي روايةٍ عن خلّادٍ، عن عطاءٍ، عن طاوسٍ -أو مجاهدٍ- عن ابن عبّاسٍ، أو غيره، بنحوه.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا عبّادٌ -يعني: ابن العوّام -عن سفيان بن حسينٍ، عن يعلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ قال:
«كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثمّ أبلس بعد».
وقال سنيد، عن حجّاجٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: «كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدّنيا، وكان له سلطان الأرض».
وهكذا روى الضّحّاك وغيره عن ابن عبّاسٍ، سواءً.
وقال صالح مولى التّوأمة، عن ابن عبّاسٍ: «إنّ من الملائكة قبيلا يقال لهم: الجن، وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السّماء والأرض، فعصى، فمسخه اللّه شيطانًا رجيمًا». رواه ابن جريرٍ.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيّب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدّنيا.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا عديّ بن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسن، قال: «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عينٍ قط، وإنّه لأصل الجنّ، كما أنّ آدم أصل الإنس». وهذا إسنادٌ صحيحٌ عن الحسن. وهكذا قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم سواءً.
وقال شهر بن حوشب: «كان إبليس من الجنّ الّذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السّماء»، رواه ابن جريرٍ.
وقال سنيد بن داود: حدّثنا هشيم، أنبأنا عبد الرّحمن بن يحيى، عن موسى بن نميرٍ وعثمان بن سعيد بن كاملٍ، عن سعد بن مسعودٍ، قال: «كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة، فتعبّد معها، فلمّا أمروا بالسّجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس. فلذلك قال تعالى: {إلا إبليس كان من الجنّ} [الكهف: 50]».
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا محمّد بن سنانٍ القزّاز، حدّثنا أبو عاصمٍ، عن شريكٍ، عن رجلٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «إنّ اللّه خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث اللّه عليهم نارًا فأحرقتهم، ثمّ خلق خلقًا آخر، فقال: {إنّي خالقٌ بشرًا من طينٍ}، اسجدوا لآدم».
قال: «فأبوا. فبعث اللّه عليهم نارًا فأحرقتهم. ثمّ خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم، قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الّذين أبوا أن يسجدوا لآدم». وهذا غريبٌ، ولا يكاد يصحّ إسناده، فإنّ فيه رجلًا مبهمًا، ومثله لا يحتجّ به، واللّه أعلم.
وقال قتادة في قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}: «فكانت الطاعة لله، والسجدة أكر اللّه آدم بها أن أسجد له ملائكته».
وقال في قوله تعالى: {فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}: «حسد عدوّ اللّه إبليس آدم، عليه السّلام، على ما أعطاه اللّه من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذّنوب الكبر، استكبر عدوّ اللّه أن يسجد لآدم، عليه السّلام».
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا صالح بن حيّان، حدّثنا عبد اللّه بن بريدة: «قوله تعالى: {وكان من الكافرين} من الّذين أبوا، فأحرقتهم النّار».
وقال أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية:«{وكان من الكافرين}يعني: من العاصين».
وقال السّدّيّ:«{وكان من الكافرين} الّذين لم يخلقهم اللّه يومئذٍ يكونون بعد».
وقال محمّد بن كعبٍ القرظيّ: «ابتدأ اللّه خلق إبليس على الكفر والضّلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيّره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر، قال اللّه تعالى: {وكان من الكافرين}».
- وقال بعض النّاس: كان هذا سجود تحيّةٍ وسلامٍ وإكرامٍ، كما قال تعالى: {ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجّدًا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربّي حقًّا} [يوسف: 100] وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية ولكنّه نسخ في ملّتنا،
قال معاذٌ: قدمت الشّام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول اللّه أحقّ أن يسجد لك، فقال: «لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشرٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها» ورجّحه الرّازيّ،
- وقال بعضهم: بل كانت السّجدة للّه وآدم قبلةٌ فيها كما قال: {أقم الصّلاة لدلوك الشّمس} [الإسراء: 78] وفي هذا التّنظير نظرٌ،
- والأظهر أنّ القول الأوّل أولى، والسّجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعةٌ للّه، عزّ وجلّ؛ لأنّها امتثالٌ لأمره تعالى، وقد قوّاه الرّازيّ في تفسيره وضعّف ما عداه من القولين الآخرين وهما: كونه جعل قبلةً إذ لا يظهر فيه شرفٌ، والآخر: أنّ المراد بالسّجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيفٌ كما قال.
قلت: وقد ثبت في الصّحيح:«لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة خردلٍ من كبرٍ» وقد كان في قلب إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرّحمة وحضرة القدس؛
- قال بعض المعربين: {وكان من الكافرين} أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: {فكان من المغرقين} [هودٍ: 43] وقال {فتكونا من الظّالمين} [البقرة: 35] وقال الشّاعر:
بتيهاء قفرٌ والمطيّ كأنّها.......قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
أي: قد صارت،
- وقال ابن فوركٍ: تقديره: وقد كان في علم اللّه من الكافرين، ورجّحه القرطبيّ، وذكر هاهنا مسألةً فقال: قال علماؤنا من أظهر اللّه على يديه ممّن ليس بنبيٍّ كراماتٍ وخوارق للعادات فليس ذلك دالًّا على ولايته، خلافًا لبعض الصّوفيّة والرّافضة هذا لفظه. ثمّ استدلّ على ما قال: بأنّا لا نقطع بهذا الّذي جرى الخارق على يديه أنّه يوافي اللّه بالإيمان، وهو لا يقطع لنفسه بذلك، يعني والوليّ الّذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.
قلت: وقد استدلّ بعضهم على أنّ الخارق قد يكون على يدي غير الوليّ، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر، أيضًا، بما ثبت عن ابن صيّادٍ أنّه قال: (هو الدّخّ)، حين خبّأ له رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم: {فارتقب يوم تأتي السّماء بدخانٍ مبينٍ} [الدّخان: 10]، وبما كان يصدر عنه أنّه كان يملأ الطّريق إذا غضب حتّى ضربه عبد اللّه بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدّجّال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنّه يأمر السّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنّه يقتل ذلك الشّابّ ثمّ يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة.
- وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصّدفيّ: قلت للشّافعيّ: كان اللّيث بن سعدٍ يقول: إذا رأيتم الرّجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغترّوا به حتّى تعرضوا أمره على الكتاب والسّنّة، فقال الشّافعيّ: قصر اللّيث، رحمه اللّه، بل إذا رأيتم الرّجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغترّوا به حتّى تعرضوا أمره على الكتاب والسّنّة،
- وقد حكى فخر الدّين وغيره قولين للعلماء: هل المأمور بالسّجود لآدم خاصٌّ بملائكة الأرض، أو عام بملائكة السماوات والأرض، وقد رجّح كلًّا من القولين طائفةٌ، وظاهر الآية الكريمة العموم: {فسجد الملائكة كلّهم أجمعون * إلا إبليس} [الحجر: 30، 31، ص: 73، 74]، فهذه أربعة أوجهٍ مقوّيةٌ للعموم، واللّه أعلم). [تفسير ابن كثير: 1/ 227-233]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:50 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة