العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 03:07 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (26) إلى الآية (29) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (26) إلى الآية (29) ]

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 02:20 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (وحدثنا الحسن بن يحيى، قالك أخبرنا معمر، عن قتادةن قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب قال: المشركون ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله {إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 41]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها}.
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في المعنى الّذي أنزل اللّه جلّ ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.
فقال بعضهم بما حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
«لمّا ضرب اللّه هذين المثلين للمنافقين -يعني قوله: {مثلهم كمثل الّذي استوقد نارًا} وقوله: {أو كصيّبٍ من السّماء} الآيات الثّلاث- قال المنافقون: اللّه أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل اللّه {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً} إلى قوله: {أولئك هم الخاسرون}».
وقال آخرون بما حدّثني به، أحمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا قرادٌ، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ في قوله تعالى: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها} قال: «هذا مثلٌ ضربه اللّه للدّنيا، إنّ البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الّذين ضرب اللّه لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلئوا من الدّنيا ريًّا أخذهم اللّه عند ذلك». قال: ثمّ تلا {فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيءٍ} الآية.
- وحدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ بنحوه، إلاّ أنّه قال:
«فإذا خلت آجالهم، وانقطعت مدّتهم، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت وتموت إذا رويت؛ فكذلك هؤلاء الّذين ضرب اللّه لهم هذا المثل إذا امتلئوا من الدّنيا ريًّا أخذهم اللّه فأهلكهم، فذلك قوله: {حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون}».

وقال آخرون بما حدّثنا به، بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: «قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها} أي: إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ أن يذكر منه شيئًا ما قلّ منه أو كثر إنّ اللّه حين ذكر في كتابه الذّباب والعنكبوت، قال أهل الضّلالة: ما أراد اللّه من ذكر هذا؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها}».
- وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادة، قال: «لمّا ذكر اللّه العنكبوت والذّباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذّباب يذكران؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها}».
قال أبو جعفرٍ: وقد ذهب كلّ قائلٍ ممّن ذكرنا قوله في هذه الآية وفي المعنى الّذي نزلت فيه مذهبًا، غير أنّ أولى ذلك بالصّواب وأشبهه بالحقّ ما ذكرنا من قول ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ.

وذلك أنّ اللّه جلّ ذكره أخبر عباده أنّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها عقيب أمثالٍ قد تقدّمت في هذه السّورة ضربها للمنافقين دون الأمثال الّتي ضربها في سائر السّور غيرها.
فلأن يكون هذا القول -أعني قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما}- جوابًا لنكير الكفّار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السّورة أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السّور.
فإن ظن ظان أنه إنّما أوجب أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب من الأمثال في سائر السّور؛ لأنّ الأمثال الّتي ضربها اللّه لهم ولآلهتهم في سائر السّور أمثالٌ موافقة المعنى، لما أخبر عنه أنّه لا يستحيي أن يضربه مثلاً، إذ كان بعضها تمثيلاً لآلهتهم بالعنكبوت وبعضها تشبيهًا لها في الضّعف والمهانة بالذّباب، وليس ذكر شيءٍ من ذلك بموجودٍ في هذه السّورة فيجوز أن يقال: إنّ اللّه لا يستحيي أن يضربه مثلاً فإنّ ذلك بخلاف ما ظنّ،

وذلك أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها} إنّما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنّه لا يستحيي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرها وكبيرها ابتلاءً بذلك عباده واختبارًا منه لهم ليميز به أهل الإيمان والتّصديق به من أهل الضّلال والكفر به إضلالاً منه به لقومٍ وهدايةً منه به لآخرين.
- كما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قوله: {مثلاً ما بعوضةً}
«يعني الأمثال صغيرها وكبيرها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنّها الحقّ من ربّهم، ويهديهم اللّه بها، ويضلّ بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ويعرفه الفاسقون فيكفرون به».
- وحدّثني المثنّى، قال حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثله.
- وحدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
لا أنّه -جلّ ذكره- قصد الخبر عن عين البعوضة أنّه لا يستحيي من ضرب المثل بها، ولكنّ البعوضة لمّا كانت أضعف الخلق، كما حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة، قال:
«البعوضة أضعف ما خلق اللّه».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ بنحوه:
«خصّها اللّه بالذّكر في القلّة، فأخبر أنّه لا يستحيي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحقّ وأحقرها وأعلاها إلى غير نهايةٍ في الارتفاع، جوابًا منه جلّ ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم من المثل بموقد النّار والصّيّب من السّماء على ما نعتهما به من نعتهما».
فإن قال لنا قائلٌ: وأين ذكر نكير المنافقين الأمثال الّتي وصفت الّذي هذا الخبر جوابه، فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت؟
قيل: الدّلالة على ذلك بيّنها جلّ ذكره في قوله: {فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً} وإنّ القوم الّذين ضرب لهم الأمثال في الآيتين المقدّمتين، اللّتين مثّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما بموقد النّار وبالصّيّب من السّماء على ما وصف من ذلك قبل قوله {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً} قد أنكروا المثل وقالوا: {ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً} فأوضح خطأ قيلهم ذلك، وقبّح لهم ما نطقوا به وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه، وأنّه ضلالٌ وفسوقٌ، وأنّ الصّواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.
وأمّا تأويل قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي} فإنّ بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأوّل معنى: {إنّ اللّه لا يستحيي} إنّ اللّه لا يخشى أن يضرب مثلاً، ويستشهد على ذلك من قوله بقول اللّه تعالى: {وتخشى النّاس واللّه أحقّ أن تخشاه} ويزعم أنّ معنى ذلك: وتستحي النّاس واللّه أحقّ أن تستحيه؛ فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء.
وأمّا معنى قوله: {أن يضرب مثلاً} فهو أن يبيّن ويصف، كما قال جلّ ثناؤه: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} بمعنى وصف لكم، وكما قال الكميت:

وذلك ضرب أخماسٍ أريدت.......لأسداسٍ عسى أن لا تكونا
بمعنى: وصف أخماسٍ. والمثل: الشّبه، يقال: هذا مثل هذا ومثله، كما يقال: شبهه وشبهه، ومنه قول كعب بن زهيرٍ:

كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ....... وما مواعيدها إلاّ الأباطيل
يعني: شبهًا.
فمعنى قوله إذًا: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً} إنّ اللّه لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به؛ وأمّا (ما) الّتي مع (مثلٍ) فإنّها بمعنى الّذي، لأنّ معنى الكلام: إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب الّذي هو بعوضةٌ في الصّغر والقلّة فما فوقها مثلاً.
فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان القول في ذلك كما قلت فما وجه نصب البعوضة، وقد علمت أنّ تأويل الكلام على ما تأوّلت: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً} الّذي هو بعوضةٌ، فالبعوضة على قولك في محلّ الرّفع، فأنّى أتاها النّصب؟
قيل: أتاها النّصب من وجهين:
أحدهما: أنّ ما لمّا كانت في محلّ نصبٍ بقوله: {يضرب} وكانت البعوضة لها صلةً عربت بتعريبها فألزمت إعرابها كما قال حسّان بن ثابتٍ:

وكفى بنا فضلاً على من غيرنا.......حبّ النّبيّ محمّدٍ إيّانا
فعرّب غير بإعراب من، فالعرب تفعل ذلك خاصّةً في من وما تعرّب صلاتهما بإعرابهما لأنّهما يكونان معرفةً أحيانًا ونكرةً أحيانًا.
وأمّا الوجه الآخر، فأن يكون معنى الكلام: إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بين بعوضةٍ إلى ما فوقها، ثمّ حذف ذكر بين وإلى، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في ما الثّانية دلالةٌ عليهما، كما قالت العرب: مطرنا ما زبالة فالثّعلبيّة، وله عشرون ما ناقةً فجملاً، وهي أحسن النّاس ما قرنًا فقدمًا يعنون بذلك: ما بين قرنها إلى قدمها، وكذلك يقولون في كلّ ما حسن فيه من الكلام دخول ما بين كذا إلى كذا، ينصبون الأوّل والثّاني ليدلّ النّصب في السماء على المحذوف من الكلام. فكذلك ذلك في قوله: {ما بعوضةً فما فوقها}.
وقد زعم بعض أهل العربيّة أنّ (ما) الّتي مع المثل صلةٌ في الكلام بمعنى التّطوّل، وأنّ معنى الكلام: إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب بعوضةً مثلاً فما فوقها. فعلى هذا التّأويل يجب أن تكون بعوضةٌ منصوبةً بـ(يضرب)، وأن تكون (ما) الثّانية الّتي في {فما فوقها} معطوفةً على البعوضة لا على (ما).
وأمّا تأويل قوله: {فما فوقها} فهو ما هو أعظم منها عندي لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريجٍ أنّ البعوضة أضعف خلق اللّه، فإذا كانت أضعف خلق اللّه فهي نهايةٌ في القلّة والضّعف، وإذ كانت كذلك فلا شكّ أنّ ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلاّ أقوى منه، فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضّعف والقلّة.
وقيل في تأويل قوله: {فما فوقها} في الصّغر والقلّة، كما يقال في الرّجل يذكره الذّاكر فيصفه باللّؤم والشّحّ، فيقول السّامع: نعم، وفوق ذاك، يعني فوق الّذي وصف في الشّحّ واللّؤم.
وهذا قولٌ خلاف تأويل أهل العلم الّذين ترتضى معرفتهم بتأويل القرآن، فقد تبيّن إذًا بما وصفنا أنّ معنى الكلام: إنّ اللّه لا يستحيي أن يصف شبهًا لما شبّه به الّذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة. فأمّا تأويل الكلام لو رفعت البعوضة فغير جائزٍ في (ما) إلاّ ما قلنا من أن تكون اسمًا لا صلة بمعنى التّطوّل). [جامع البيان: 1/ 422-431]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً}.
يعني بقوله جلّ ذكره: {فأمّا الّذين آمنوا} فأمّا الّذين صدّقوا اللّه ورسوله. وقوله: {فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} يعني: فيعرفون أنّ المثل الّذي ضربه اللّه لما ضربه له مثلا مثل.
- كما حدّثني به المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ:
«{فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} أنّ هذا المثل الحقّ من ربّهم أنّه كلام اللّه ومن عنده».
- وكما حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة:
«قوله: {فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} أي: يعلمون أنّه كلام الرّحمن وأنّه الحقّ من اللّه {وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً}».
وقوله: {وأمّا الّذين كفروا} يعني: الّذين جحدوا آيات اللّه وأنكروا ما عرفوا وستروا ما علموا أنّه حقٌّ. وذلك صفة المنافقين، وإيّاهم عنى اللّه جلّ وعزّ ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم بهذه الآية، فيقولون: ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً.
كما قد ذكرنا قبل من الخبر الّذي روّيناه عن مجاهدٍ الّذي حدّثنا به، محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} الآية، قال: يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنّها الحقّ من ربّهم، ويهديهم اللّه بها ويضلّ بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.
وتأويل قوله: {ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً} ما الّذي أراد اللّه بهذا المثل مثلاً، فذا الّذي مع ما في معنى الّذي وأراد صلته، وهذا إشارةٌ إلى المثل). [جامع البيان: 1/ 431-432]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا}.
ومعني بقوله جلّ وعزّ: {يضلّ به كثيرًا} يضلّ اللّه به كثيرًا من خلقه والهاء في به من ذكر المثل. وهذا خبرٌ من اللّه جلّ ثناؤه مبتدأٌ، ومعنى الكلام: قال اللّه: يضلّ اللّه بالمثل الّذي يضربه كثيرًا من أهل النّفاق والكفر.
- كما حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
«{يضلّ به كثيرًا} يعني المنافقين {ويهدي به كثيرًا} يعني المؤمنين»؛ فيزيد هؤلاء ضلالاً إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الّذي ضربه اللّه لما ضربه له وأنّه لما ضربه له موافقٌ، فذلك إضلال اللّه إيّاهم به {ويهدي به} يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتّصديق، فيزيدهم هدًى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنّه موافقٌ ما ضربه اللّه له مثلاً وإقرارهم به وذلك هدايةٌ اللّه لهم به.
وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن قول المنافقين، كأنّهم قالوا: ماذا أراد اللّه بمثلٍ لا يعرفه كلّ أحدٍ يضلّ به هذا ويهدي به هذا. ثمّ استؤنف الكلام والخبر عن اللّه فقال اللّه: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين} وفيما في سورة المدّثّر، من قول اللّه: {وليقول الّذين في قلوبهم مرضٌ والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً كذلك يضلّ اللّه من يشاء ويهدي من يشاء} ما ينبئ عن أنّه في سورة البقرة كذلك مبتدأٌ، أعني قوله: {يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا}). [جامع البيان: 1/ 432-433]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}.
وتأويل ذلك ما حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}:
«هم المنافقون».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة:
«{وما يضلّ به إلاّ الفاسقين} فسقوا فأضلّهم اللّه على فسقهم».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}:
«هم أهل النّفاق».
قال أبو جعفرٍ: وأصل الفسق في كلام العرب: الخروج عن الشّيء، يقال منه: فسقت الرّطبة، إذا خرجت من قشرها؛ ومن ذلك سمّيت الفأرة فويسقةً، لخروجها عن جحرها فكذلك المنافق والكافر سمّيا فاسقين لخروجهما عن طاعة ربّهما، ولذلك قال جلّ ذكره في صفة إبليس: {إلاّ إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه} يعني به: خرج عن طاعته، واتّباع أمره.
- كما حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، مولى ابن عبّاسٍ، عن ابن عبّاسٍ: في قوله: {بما كانوا يفسقون}
«أي: بما تعدوا من أمري».
فمعنى قوله: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين} وما يضلّ اللّه بالمثل الّذي يضربه لأهل الضّلال والنّفاق إلاّ الخارجين عن طاعته والتّاركين اتّباع أمره من أهل الكفر به من أهل الكتاب وأهل الضّلال من أهل النّفاق).
[جامع البيان: 1/ 434-435]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلًا يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضلّ به إلّا الفاسقين}
قوله تعالى: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}
- حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح العسقلانيّ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}:
«فإذا جاءت آجالهم وانقطعت مدّتهم، صاروا كالبعوضة، تحيا ما جاعت وتموت إذا رويت. فكذلك هؤلاء الّذين ضرب لهم هذا المثل إذا امتلئوا من الدّنيا ريًّا أخذهم اللّه فأهلكهم».
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}:
«الأمثال كبيرها وصغيرها، يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنه الحق من ربهم أخذهم اللّه فأهلكهم».
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}:
«الأمثال كبيرها وصغيرها، يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنّه الحقّ من ربّهم ويهديهم اللّه به».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال:
«فلمّا ضرب اللّه هذين المثلين للمنافقين، قال المنافقون: اللّه أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}».
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن قتادة قال: «لمّا ذكر اللّه تبارك وتعالى العنكبوت والذّباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذّباب يذكران؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}».
وروي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالدٍ نحو قول السّدّيّ وقتادة). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 68-69]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فأمّا الّذين آمنوا}
- أخبرنا محمود بن آدم فيما كتب إليّ، قال: سمعت النّضر بن شميلٍ يقول:
«تفسير المؤمن أنّه آمن من عذاب اللّه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 69]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {فيعلمون أنه الحق من ربهم}
[الوجه الأوّل]
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: {فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم}
«يعني هذا المثل».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا العبّاس بن الوليد النّرسيّ، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم}
«أي: يعلمون أنّه كلام الرّحمن».
- حدّثنا أبو زرعة صفوان بن الوليد، أخبرني سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة مثله. وزاد:
«أنّه كلام الرّحمن وأنّه من عند اللّه». وروي نحو ذلك عن الرّبيع بن أنسٍ ومجاهدٍ.
- حدّثنا الحسن بن أحمد أبو فاطمة، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ، حدّثني سرور بن المغيرة، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن في قوله:
{فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} «أي: يعلمون أنّهم ابتلوا بذلك ليعلم اللّه من يعرف أمره ويصدّق قوله ويستيقن بما أنزل اللّه من كتابه أنّه حقٌّ وأنّ ما قال كما قال»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 69]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله:
{وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، أخبرنا سعيدٌ، عن قتادة:
«وأمّا الّذين كفروا في قلوبهم مرضٌ فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلا؟»). [تفسير القرآن العظيم: 1 /69]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلا}؟
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريجٍ: {فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلا} قال غير مجاهدٍ:
«قال ذلك الكافرون لمّا سمعوا ذكر العنكبوت والذّباب وغير ذلك لما ضربه مثلًا من خلقه في كتابه قالوا: {ماذا أراد اللّه بهذا مثلا} أي: ذكر العنكبوت والذّباب، فقال: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا}»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 70]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {يضلّ به كثيرًا}
- حدّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنانٍ، عن عمرو بن مرّة، عن مصعب بن سعدٍ، عن سعدٍ: {يضلّ به كثيرًا}
«يعني الخوارج».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: {وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلًا يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضلّ به إلا الفاسقين}
«فهم أهل النّفاق». وروي عن الرّبيع بن أنسٍ ونحوه). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 70]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ويهدي به كثيرًا}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ويهدي به كثيرًا}
«يعني به المؤمنين»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 70]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله:
{وما يضلّ به إلا الفاسقين}
- وبه عن السّدّيّ {وما يضلّ به إلا الفاسقين} قال:
«هم المنافقون».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، أخبرنا سعيدٌ، عن قتادة: قوله: {وما يضلّ به إلا الفاسقين}
«فسقوا فأضلّهم اللّه على فسقهم».
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن جريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وما يضلّ به إلا الفاسقين} يقول:
«يعني الكافرين»). [تفسير القرآن العظيم: 1 /70]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة}
«يعني الأمثال كلها صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنه الحق من ربهم ويهديهم الله بها {وما يضل به إلا الفاسقين} يقول: يعرفه الفاسقون فيكفرون به»). [تفسير مجاهد: 72]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى:
{إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعرفون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به من كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا:
«لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} وقوله: {أو كصيب من السماء} قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا} إلى قوله: {أولئك هم الخاسرون}».
وأخرج عبد الغني الثقفي في تفسيره، والواحدي، عن ابن عباس قال: «إن الله ذكر آلهة المشركين فقال: {وإن يسلبهم الذباب شيئا} وذكر كيد الآلهة كبيت العنكبوت فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء كان يصنع بهذا فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا} الآية».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال:
«لما ذكر الله العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: «لما أنزلت {يا أيها الناس ضرب مثل} قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب أو ما يشبه هذا الأمثال، فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} لم يرد البعوضة إنما أراد المثل».
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال:
«البعوضة أضعف ما خلق الله».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا أيها الناس لا تغتروا بالله فإن الله لو كان مغفلا شيئا لأغفل البعوضة والذرة والخردلة».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق} قال:
«يؤمن به المؤمنون ويعلمون أنه الحق من ربهم ويهديهم الله به ويعرفه الفاسون فيكفرون به».
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {يضل به كثيرا}
«يعني المنافقين» {ويهدي به كثيرا} «يعني المؤمنين»{وما يضل به إلا الفاسقين} قال: «هم المنافقون»، وفي قوله: {الذين ينقضون عهد الله} «فأقروا به ثم كفروا فنقضوه».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما يضل به إلا الفاسقين}
«يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وما يضل به إلا الفاسقين}
«يقول: فسقوا فأضلهم الله بفسقهم».
وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال:
«الحرورية هم {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}» قال: «إياكم ونقض هذا الميثاق»، وكان يسميهم الفاسقين). [الدر المنثور: 1/ 224-227]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}.
قال أبو جعفرٍ: وهذا وصفٌ من اللّه جلّ ذكره الفاسقين الّذين أخبر أنّه لا يضلّ بالمثل الّذي ضربه لأهل النّفاق غيرهم، فقال: {وما يضلّ} اللّه بالمثل الّذي يضربه على ما وصف قبل في الآيات المتقدّمة إلاّ الفاسقين الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه.
ثمّ اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الّذي وصف اللّه هؤلاء الفاسقين بنقضه،

فقال بعضهم: هو وصيّة اللّه إلى خلقه، وأمره إيّاهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إيّاهم عمّا نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.
وقال آخرون: إنّما نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإيّاهم عنى اللّه جلّ ذكره بقوله {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم} وبقوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر}
فكلّ ما في هذه الآيات فعذلٌ لهم وتوبيخٌ إلى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد اللّه الّذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه اللّه عليهم في التّوراة من العمل بما فيها، واتّباع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث، والتّصديق به وبما جاء به من عند ربّهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن النّاس، بعد إعطائهم اللّه من أنفسهم الميثاق ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه. فأخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً.
وقال بعضهم: إنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل الشّرك والكفر والنّفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلّة الدّالّة على ربوبيّته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتجّ به لرسله من المعجزات الّتي لا يقدر أحدٌ من النّاس غيرهم أن يأتي بمثلها الشّاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبيّنت لهم صحّته بالأدلّة، وتكذيبهم الرّسل والكتب، مع علمهم أنّ ما أتوا به حقٌّ.
وقال آخرون: العهد الّذي ذكره اللّه جلّ ذكره، هو العهد الّذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الّذي وصفه في قوله: {وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم} الآيتين، ونقضهم ذلك، تركهم الوفاء به.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال عندي بالصّواب في ذلك، قول من قال: إنّ هذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الّذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وما قرب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شركه من أهل النّفاق الّذين قد بيّنّا قصصهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وقد دلّلنا على أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم} وقوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر} فيهم أنزلت، وفيمن كان على مثل الّذي هم عليه من الشّرك باللّه. غير أنّ هذه الآيات عندي وإن كانت فيهم نزلت، فإنّه معنيٌّ بها كلّ من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً جميع المنافقين، وبما وافق منها صفة كفّار أحبار اليهود جميع من كان لهم نظيرًا في كفرهم.

وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه يعمّ أحيانًا جميعهم بالصّفة لتقديمه ذكر جميعهم في أوّل الآيات الّتي ذكرت قصصهم، ويخصّ أحيانًا بالصّفة بعضهم لتفصيله في أوّل الآيات بين فريقيهم، أعني فريق المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشّرك باللّه، وفريق كفّار أحبار اليهود، فالّذين ينقضون عهد اللّه: هم التّاركون ما عهد اللّه إليهم من الإقرار بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به وتبيّن نبوّته للنّاس الكاتمون بيان ذلك بعد علمهم به وبما قد أخذ اللّه عليهم في ذلك، كما قال اللّه جلّ ذكره: {وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} ونبذهم ذلك وراء ظهورهم: هو نقضهم العهد الّذي عهد إليهم في التّوراة الّذي وصفناه، وتركهم العمل به.
وإنّما قلت: إنّه عنى بهذه الآيه من قلت إنّه عنى بها، لأنّ الآيات من ابتداء الآيات الخمس والسّتّ من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية الّتي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} وخطابه إيّاهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّةً دون سائر البشر ما يدلّ على أنّ قوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} مقصودٌ به كفّارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنّ الخطاب وإن كان لمن وصفت من الفريقين فداخلٌ في أحكامهم وفيما أوجب اللّه لهم من الوعيد والذّمّ والتّوبيخ كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنّهي.
فمعنى الآية إذًا: وما يضلّ به إلاّ التّاركين طاعة اللّه، الخارجين عن اتّباع أمره ونهيه النّاكثين عهود اللّه الّتي عهدها إليهم في الكتب الّتي أنزلها إلى رسله وعلى ألسن أنبيائه باتّباع أمر رسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به وطاعة اللّه فيما افترض عليهم في التّوراة من تبيين أمره للنّاس، وإخبارهم إيّاهم أنّهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنّه رسولٌ من عند اللّه مفترضةٌ طاعته. وترك كتمان ذلك لهم ونكثهم ذلك، ونقضهم إيّاه هو مخالفتهم اللّه في عهده إليهم فيما وصفت أنّه عهد إليهم بعد إعطائهم ربّهم الميثاق بالوفاء بذلك كما وصفهم به جلّ ذكره بقوله: {فخلف من بعدهم خلفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرضٌ مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللّه إلاّ الحقّ}.
وأمّا قوله: {من بعد ميثاقه} فإنّه يعني من بعد توثّق اللّه منه بأخذ عهوده بالوفاء له بما عهد إليهم في ذلك، غير أنّ التّوثّق مصدرٌ من قولك: توثّقت من فلانٍ توثّقًا، والميثاق اسمٌ منه، والهاء في الميثاق عائدةٌ على اسم اللّه.
وقد يدخل في حكم هذه الآية كلّ من كان بالصّفة الّتي وصف اللّه بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفّار في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض.
- كما حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة:
«قوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} فإيّاكم ونقض هذا الميثاق، فإنّ اللّه قد كره نقضه وأوعد فيه وقدّم فيه في آي من القرآن حجّةً وموعظةً ونصيحةً، وإنّا لا نعلم اللّه جلّ ذكره أوعد في ذنبٍ ما أوعد في نقض الميثاق، فمن أعطى عهد اللّه وميثاقه من ثمرة قلبه فليف به للّه».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: في قوله:
{الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}: «فهي ستّ خلالٍ في أهل النّفاق إذا كانت لهم الظّهرة أظهروا هذه الخلال السّتّ جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر اللّه به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظّهرة أظهروا الخلال الثّلاث: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا»). [جامع البيان: 1/ 435-440]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل}
قال أبو جعفرٍ: والّذي رغّب اللّه في وصله وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرّحم، وقد بيّن ذلك في كتابه فقال تعالى: {فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم} وإنّما عنى بالرّحم: أهل الرّجل الّذين جمعتهم وإيّاه رحم والدةٍ واحدةٍ، وقطع ذلك ظلمها في ترك أداء ما ألزم اللّه من حقوقها وأوجب من برّها ووصلها أداء الواجب لها إليها: من حقوق اللّه الّتي أوجب لها، والتّعطّف عليها بما يحقّ التّعطّف به عليها.
و{أن} الّتي مع {يوصل} في محلّ خفضٍ بمعنى ردّها على موضع الهاء الّتي في {به} فكان معنى الكلام: ويقطعون الّذي أمر اللّه به بأن يوصل. والهاء الّتي في {به} هي كنايةٌ عن ذكر {ما}.
وبما قلنا في تأويل قوله: {ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل} وأنّه الرّحم كان قتادة يقول.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: {ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل}:
«فقطع واللّه ما أمر اللّه به أن يوصل بقطيعة الرّحم والقرابة».
وقد تأوّل بعضهم ذلك أنّ اللّه ذمّهم بقطعهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين به وأرحامهم، واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وألا دلالة على أنّه معنيٌّ بها: بعض ما أمر اللّه بوصله دون بعضٍ.
وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غير بعيدٍ من الصّواب، ولكنّ اللّه جلّ ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آيةٍ من كتابه فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرة تلك، غير أنّها وإن كانت كذلك فهي دالّةٌ على ذمّ اللّه كلّ قاطعٍ قطع ما أمر اللّه بوصله رحمًا كانت أو غيرها). [جامع البيان: 1/ 440-441]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويفسدون في الأرض}
قال أبو جعفرٍ: وفسادهم في الأرض هو ما تقدّم وصفناه قبل من معصيتهم ربّهم وكفرهم به وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوّته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند اللّه أنّه حقٌّ من عنده). [جامع البيان: 1/ 441]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك هم الخاسرون}.
والخاسرون جمع خاسرٍ، والخاسرون: النّاقصون أنفسهم حظوظها بمعصيتهم اللّه من رحمته، كما يخسر الرّجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه. فكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان اللّه إيّاه رحمته الّتي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كان إلى رحمته، يقال منه: خسر الرّجل يخسر خسرًا وخسرانًا وخسارًا، كما قال جرير بن عطيّة:

إنّ سليطًا في الخسار إنّه.......أولاد قومٍ خلقوا أقنّه
يعني بقوله: (في الخسار) أي: فيما يوكسهم حظوظهم من الشّرف والكرم.
وقد قيل: إنّ معنى {أولئك هم الخاسرون} أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الّذي وصف اللّه صفته بالصّفة الّتي وصفه بها في هذه الآية بحرمان اللّه إيّاه ما حرمه من رحمته بمعصيته إيّاه وكفره به. فحمل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإنّ أهل التّأويل ربّما فعلوا ذلك لعللٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه.
وقال بعضهم في ذلك بما حدّثت به، عن المنجاب، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال:
«كلّ شيءٍ نسبه اللّه إلى غير أهل الإسلام من اسمٍ مثل خاسرٍ، فإنّما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنّما يعني به الذّنب»). [جامع البيان: 1/ 441-442]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (
{الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}
قوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا وهب بن جريرٍ، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن مصعب بن سعدٍ، قال: سألت أبي فقلت: قوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} إلى آخر الآية. فقال:
«هم الحروريّة».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} إلى قوله: {أولئك هم الخاسرون} قال:
«هي ستّ خصالٍ في المنافقين إذا كانت فيهم الظّهرة على النّاس أظهروا هذه الخصائص: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر اللّه به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظّهرة عليهم أظهروا الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا».
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، أخبرني بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان:
«قول اللّه: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} يعني: ميثاقه الأوّل الّذي أخذ عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا».
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّادٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ:
«قوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقرّوا به، ثمّ كفروا فنقضوه»، وروي عن الرّبيع بن أنسٍ نحو قول أبي العالية). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 71]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله:
{من بعد ميثاقه}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، أخبرني بكير بن معروفٍ، عن مقاتل ابن حيان:
«قوله: {من بعد ميثاقه} في التّوراة أن يؤمنوا بمحمّدٍ -صلّى اللّه عليه وسلّم- ويصدّقوه، فكفروا ونقضوا الميثاق الأوّل»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 71-72]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله:
{ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل}
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن الصّبّاح، ثنا يزيد بن هارون، ويحيى بن عبّادٍ، وشبابة بن سوّارٍ قالوا: ثنا شعبة، عن عمرو بن قرّة، عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه قال:
«الحروريّة الّذين قال اللّه: {ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل}». والسّياق ليزيد.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ:
«{ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل} من الأرحام».
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد، أخبرني بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان:
«قوله: {ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل} في محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم والنّبيّين والمرسلين من قبله، أن يؤمنوا جميعًا، ولا يفرّقوا بين أحدٍ منهم»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 72]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ويفسدون في الأرض}

[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا يزيد بن هارون، وشبابة بن سوّارٍ، ويحيى بن عبّادٍ، قالوا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه: {ويفسدون في الأرض} فكان سعدٌ يسمّيهم الفاسقين.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباط، عن السدي:
«{ويفسدون في الأرض} يعملون فيها بالمعصية».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، أخبرني بكير بن معروفٍ، عن مقاتلٍ في قوله: {ويفسدون في الأرض} قال:
«أعمالهم السّيّئة الّتي يعملون بها في الأرض»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 72]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله:
{أولئك هم الخاسرون}
- حدّثنا أبو زرعة، به، عن مقاتل بن حيّان:
«{أولئك هم الخاسرون} في الآخرة».
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن شقيقٍ، أنبأ محمّد بن مزاحمٍ أبو وهبٍ، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان:
«قوله: {أولئك هم الخاسرون} في الآخرة، يقول: هم أهل النّار»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 73]

قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} قال: «إياكم ونقض هذا الميثاق فإن الله قد كره نقضه وأوعد فيه وقدم فيه في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وموعظة وحجة، ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به».
وأخرج أحمد والبزار، وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
«ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له».
وأخرج الطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت وأبي أمامة، مثله.
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر، مثله.
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«حسن العهد من الإيمان».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} قال:
«الرحم والقرابة».
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ويفسدون في الأرض} قال:
«يعملون فيها بالمعصية».
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله تعالى {أولئك هم الخاسرون} يقول:
«هم أهل النار».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:
«كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم، مثل خاسر ومسرف وظالم وفاسق فإنما يعني به الكفر وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب»). [الدر المنثور: 1/ 227-228]

تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري]، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه في قوله جلّ وعزّ: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} قال:
«هي مثل الآية الّتي في أوّل المؤمن: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}»). [تفسير الثوري: 43]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون}
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم بما حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم} يقول:
«لم تكونوا شيئًا فخلقكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم يوم القيامة».
- وحدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه: في قوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال:
«هي كالّتي في البقرة: {كنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم}».
- وحدّثني أبو حصينٍ عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه بن يونس، قال: حدّثنا عبثرٌ، قال: حدّثنا حصينٌ، عن أبي مالكٍ: في قوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال: «خلقتنا ولم نكن شيئًا، ثمّ أمتّنا، ثمّ أحييتنا».
- وحدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ: في قوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال:
«كانوا أمواتًا فأحياهم اللّه، ثمّ أماتهم، ثمّ أحياهم».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: في قوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم} قال:
«لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثمّ يميتكم الموتة الحقّ، ثمّ يحييكم. وقوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} مثلها».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عطاءٌ الخراسانيّ، عن ابن عبّاسٍ، قال:
«هو قوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}».

- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: حدّثني أبو العالية: في قول اللّه: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا}: «يقول: حين لم يكونوا شيئًا، ثمّ أحياهم حين خلقهم، ثمّ أماتهم، ثمّ أحياهم يوم القيامة، ثمّ رجعوا إليه بعد الحياة».
- وحدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: في قوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال:
«كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم فهذه ميتةٌ، ثمّ أحياكم فخلقكم فهذه حياةٌ، ثمّ يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتةٌ أخرى، ثمّ يبعثكم يوم القيامة فهذه حياةٌ؛ فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون}».
وقال آخرون بما حدّثنا به أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن السّدّيّ، عن أبي صالحٍ: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون} قال: «يحييكم في القبر، ثمّ يميتكم».
وقال آخرون بما حدّثنا به، بشر بن معاذٍ قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة: قوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا} الآية. قال:
«كانوا أمواتًا في أصلابة آبائهم، فأحياهم اللّه وخلقهم، ثمّ أماتهم الموتة الّتي لا بدّ منها، ثمّ أحياهم للبعث يوم القيامة؛ فهما حياتان وموتتان».
وقال بعضهم بما حدّثني به يونس، قال: أنبأنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: في قول اللّه تعالى: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال:
«خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق». وقرأ: {وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم} حتّى بلغ: {أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذرّيّةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون}.
قال: «فكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق». قال: «وانتزع ضلعًا من أضلاع آدم القصيرى، فخلق منه حوّاء»، ذكره عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: «وذلك قول اللّه تعالى: {يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً}»، قال: «بثّ منهما بعد ذلك في الأرحام خلقًا كثيرًا»، وقرأ: {يخلقكم في بطون أمّهاتكم خلقًا من بعد خلقٍ} قال: «خلقًا بعد ذلك». قال: «فلمّا أخذ عليهم الميثاق أماتهم ثمّ خلقهم في الأرحام، ثمّ أماتهم ثمّ أحياهم يوم القيامة، فذلك قول اللّه: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا}»، وقرأ قول اللّه: {وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا} قال: «يومئذٍ». قال: وقرأ قول اللّه: {واذكروا نعمة اللّه عليكم وميثاقه الّذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا}.
قال أبو جعفرٍ: ولكلّ قولٍ من هذه الأقوال الّتي حكيناها عمّن روّيناها عنه وجهٌ ومذهبٌ من التّأويل.

- فأمّا وجه تأويل من تأوّل قوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم} أي: لم تكونوا شيئًا، فإنّه ذهب إلى نحو قول العرب للشّيء الدّارس والأمر الخامل الذّكر: هذا شيءٌ ميّتٌ، وهذا أمرٌ ميّتٌ؛ يراد بوصفه بالموت خمول ذكره ودروس أثره من النّاس. وكذلك يقال في ضدّ ذلك وخلافه: هذا أمرٌ حيٌّ، وذكرٌ حيٌّ؛ يراد بوصفه بذلك أنّه نابهٌ متعالمٌ في النّاس كما قال أبو نخيلة السّعديّ:

فأحييت لي ذكري وما كنت خاملاً ....... ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض
يريد بقوله: (فأحييت لي ذكري) أي: رفعته وشهّرته في النّاس حتّى نبه فصار مذكورًا حيًّا بعد أن كان خاملاً ميّتًا.
فذلك تأويل قول من قال في قوله: {وكنتم أمواتًا}: لم تكونوا شيئًا، أي: كنتم خمولاً لا ذكر لكم، وذلك كان موتكم، فأحياكم فجعلكم بشرًا أحياءً تذكرون وتعرفون، ثمّ يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم كالّذي كنتم قبل أن يحييكم من دروس ذكركم، وتعفّي آثاركم، وخمول أموركم؛ ثمّ يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ونفخ الرّوح فيها وتصييركم بشرًا كالّذي كنتم قبل الإماتة لتعارفوا في بعثكم وعند حشركم.
- وأمّا وجه تأويل من تأوّل ذلك أنّه الإماتة الّتي هي خروج الرّوح من الجسد، فإنّه ينبغي أن يكون ذهب بقوله: {وكنتم أمواتًا} إلى أنّه خطابٌ لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم. وذلك معنى بعيدٌ، لأنّ التّوبيخ هنالك إنّما هو توبيخٌ على ما سلف وفرط من إجرامهم لا استعتابٌ واسترجاعٌ وقوله جلّ ذكره: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا} توبيخٌ مستعتبٌ عبده، وتأنيبٌ مسترجعٌ خلقه من المعاصي إلى الطّاعة ومن الضّلالة إلى الإنابة، ولا إنابة في القبور بعد الممات ولا توبة فيها بعد الوفاة.
- وأمّا وجه تأويل قول قتادة ذلك: أنّهم كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم. فإنّه عنى بذلك أنّهم كانوا نطفًا لا أرواح فيها، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات الّتي لا أرواح فيها. وإحياؤه إيّاها تعالى ذكره: نفخه الأرواح فيها وإماتته إيّاهم بعد ذلك قبضه أرواحهم، وإحياؤه إيّاهم بعد ذلك: نفخ الأرواح في أجسامهم يوم ينفخ في الصّور ويبعث الخلق للموعود.
- وأمّا ابن زيدٍ فقد أبان عن نفسه ما قصد بتأويله ذلك، وأنّ الإماتة الأولى عنده إعادة اللّه جلّ ثناؤه عباده في أصلاب آبائهم بعد ما أخذهم من صلب آدم، وأنّ الإحياء الآخر: هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمّهاتهم، وأنّ الإماتة الثّانية هي قبض أرواحهم للعود إلى التّراب والمصير في البرزخ إلى اليوم البعث، وأنّ الإحياء الثّالث: هو نفخ الأرواح فيهم لبعث السّاعة ونشر القيامة. وهذا تأويلٌ إذا تدبّره المتدبّر وجده خلافًا لظاهر قول اللّه الّذي زعم مفسّره أنّ الّذي وصفنا من قوله تفسيره. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر في كتابه عن الّذين أخبر عنهم من خلقه أنّهم قالوا: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} وزعم ابن زيدٍ أن تفسيره أنّ اللّه أحياهم ثلاث إحياءاتٍ، وأماتهم ثلاث إماتاتٍ.
قال أبو جعفرٍ: والأمر عندنا وإن كان فيما وصف من استخراج اللّه جلّ ذكره من صلب آدم ذرّيّته، وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف، فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين -أعني قوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا} الآية، وقوله: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}- في شيءٍ؛ لأنّ أحدًا لم يدّع أنّ اللّه أمات من ذرأ يومئذٍ غير الإماتة الّتي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث، فيكون جائزًا أن يوجّه تأويل الآية إلى ما وجّهه إليه ابن زيدٍ.
- وقال بعضهم: الموتة الأولى: مفارقة نطفة الرّجل جسده إلى رحم المرأة، فهي ميتةٌ من لدن فراقها جسده إلى نفخ الرّوح فيها، ثمّ يحييها اللّه بنفخ الرّوح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تاراتٍ تأتي عليها، ثمّ يميته الميتة الثّانية بقبض الرّوح منه. فهو في البرزخ ميّتٌ إلى يوم ينفخ في الصّور فيردّ في جسده روحه، فيعود حيًّا سويًّا لبعث القيامة؛ فذلك موتتان وحياتان.
وإنّما دعا هؤلاء إلى هذا القول لأنّهم قالوا: موت ذي الرّوح مفارقة الرّوح إيّاه، فزعموا أنّ كلّ شيءٍ من ابن آدم حيٌّ ما لم يفارق جسده الحيّ ذا الرّوح، فارقته الرّوح والحياة فصار ميّتًا، كالعضو من أعضائه مثل اليد من يديه، والرّجل من رجليه لو قطعت وأبينت، والمقطوع ذلك منه حيٌّ، كان الّذي بان من جسده ميّتًا لا روح فيه بفراقه سائر جسده الّذي فيه الرّوح. قالوا: فكذلك نطفته حيّةٌ بحياته ما لم تفارق جسده ذا الرّوح، فإذا فارقته مباينةً له صارت ميتةً، نظير ما وصفنا من حكم اليد والرّجل وسائر أعضائه، وهذا قولٌ ووجهٌ من التّأويل لو كان به قائلٌ من أهل القدوة الّذين يرتضى للقرآن تأويلهم.
- وأولى ما ذكرنا من الأقوال الّتي بيّنّا بتأويل قول اللّه جلّ ذكره: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم} الآية، القول الّذي ذكرناه عن ابن مسعودٍ، وعن ابن عبّاسٍ، من أنّ معنى قوله: {وكنتم أمواتًا} أموات الذّكر خمولاً في أصلاب آبائكم نطفًا لا تعرفون ولا تذكرون، فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا، حتّى ذكرتم وعرفتم وحييتم، ثمّ يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رفاتًا لا تعرفون ولا تذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثمّ يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث السّاعة وصيحة القيامة، ثمّ إلى اللّه ترجعون بعد ذلك، كما قال: {ثمّ إليه ترجعون} لأنّ اللّه جلّ ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثمّ يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جلّ ذكره: {يوم يخرجون من الأجداث سراعًا كأنّهم إلى نصبٍ يوفضون} وقال: {ونفخ في الصّور فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون}.
والعلّة الّتي من أجلها اخترنا هذا التّأويل، ما قد قدّمنا ذكره للقائلين به وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل.
وهذه الآية توبيخٌ من اللّه جلّ ثناؤه للقائلين: {آمنّا باللّه وباليوم الآخر} الّذين أخبر اللّه عنهم أنّهم مع قيلهم ذلك بأفواههم غير مؤمنين به وأنّهم إنّما يقولون ذلك خداعًا للّه وللمؤمنين. فعذلهم اللّه بقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم} ووبّخهم واحتجّ عليهم في نكيرهم ما أنكروا من ذلك، وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة فقال: كيف تكفرون باللّه فتجحدون قدرته على إحيائكم بعد إماتتكم وإعادتكم بعد إفنائكم وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم.
القول فى تأويل قوله جل وعز: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا}.
قال أبو جعفرٍ: ثمّ عدّد ربّنا عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود الّذين جمع بين قصصهم وقصص المنافقين في كثيرٍ من آي هذه السّورة الّتي افتتح الخبر عنهم فيها بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، نعمه الّتي سلفت منه إليهم وإلى آبائهم الّتي عظمت منهم مواقعها، ثمّ سلبه كثيرًا منهم كثيرًا منها بما ركبوا من الآثام واجترموا من الإجرام وخالفوا من الطّاعة إلى المعصية، يحذّرهم بذلك تعجيل العقوبة لهم كالّتي عجّلها للأسلاف والأفراط قبلهم، ويخوّفهم حلول مثلاته بساحتهم كالّذي أحلّ بأوّئلهم، ويعرّفهم ما لهم من النّجاة في سرعة الأوبة إليه وتعجيل التّوبة من الخلاص لهم يوم القيامة من العقاب.

فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدّد من نعمه الّتي هم فيها مقيمون بذكر أبينا وأبيهم آدم أبي البشر، صلوات اللّه عليه، وما سلف منه من كرامته إليه وآلائه لديه، وما أحلّ به وبعدوّه إبليس من عاجل عقوبته بمعصيتهما الّتي كانت منهما، ومخالفتهما أمره الّذي أمرهما به وما كان من تغمّده آدم برحمته إذ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلاله بإبليس من لعنته في العاجل، وإعداده له ما أعدّ له من العذاب المقيم في الآجل إذ استكبر وأبى التّوبة إليه والإنابة، منبّهًا لهم على حكمه في المنيبين إليه بالتّوبة، وقضائه في المستكبرين عن الإنابة، إعذارًا من اللّه بذلك إليهم وإنذارًا لهم، ليتدبّروا آياته وليتذكّر منهم أولو الألباب. وخاصًّا أهل الكتاب بما ذكر من قصص آدم وسائر القصص الّتي ذكرها معها وبعدها ممّا علمه أهل الكتاب وجهلته الأمّة الأمّيّة من مشركي عبدة الأوثان، بالاحتجاج عليهم دون غيرهم من سائر أصناف الأمم الّذين لا علم عندهم بذلك لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ليعلموا بإخباره إيّاهم بذلك، أنّه للّه رسولٌ مبعوثٌ، وأنّ ما جاءهم به فمن عنده، إذ كان ما اقتصّ عليهم من هذه القصص من مكنون علومهم، ومصون ما في كتبهم، وخفيّ أمورهم الّتي لم يكن يدّعي معرفة علمها غيرهم وغير من أخذ عنهم وقرأ كتبهم.
وكان معلومًا من محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه لم يكن قطّ كاتبًا ولا لأسفارهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكنهم أن يدّعوا أنّه أخذ ذلك من كتبهم أو عن بعضهم، فقال جلّ ذكره في تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من نعمه مع كفرهم به وتركهم شكره عليها ممّا يجب له عليهم من طاعته: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}.
فأخبرهم جلّ ذكره أنّه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، لأنّ الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع. أمّا في الدّين فدليلٌ على وحدانيّة ربّهم، وأمّا في الدّنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه؛ فلذلك قال جلّ ذكره: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا}.
وقوله: {هو} مكنيٌّ من اسم اللّه جلّ ذكره، عائدٌ على اسمه في قوله: {كيف تكفرون باللّه} ومعنى خلقه ما خلق جلّ ثناؤه: إنشاؤه عينه، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود. و(ما) بمعنى الّذي. فمعنى الكلام إذًا: كيف تكفرون باللّه وقد كنتم نطفًا في أصلاب آبائكم، فجعلكم بشرًا أحياءً، ثمّ يميتكم، ثمّ هو محييكم بعد ذلك، وباعثكم يوم الحشر للثّواب والعقاب، وهو المنعم عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدّلتكم على وحدانيّة ربّكم.
و"كيف" بمعنى التّعجّب والتّوبيخ لا بمعنى الاستفهام، كأنّه قال: ويحكم كيف تكفرون باللّه، كما قال: {فأين تذهبون} وحلّ قوله: {وكنتم أمواتًا فأحياكم} محلّ الحال، وفيه ضمير قد، ولكنّها حذفت لما في الكلام من الدّليل عليها. وذلك أنّ فعل إذا حلّت محلّ الحال كان معلومًا أنّها مقتضيةٌ قد، كما قال جلّ ثناؤه: {أو جاءوكم حصرت صدورهم} بمعنى: قد حصرت صدورهم، وكما تقول للرّجل: أصبحت كثرت ماشيتك، تريد: قد كثرت ماشيتك). [جامع البيان: 1/ 434-454]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (
{كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون}
قوله:
{كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم}
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن- يعني ابن مهديٍّ-، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه: {قالوا: ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال:
«هي الّتي في البقرة: {كنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثم يحييكم}».
وروى عن الضحاك وعطاء ونحو ذلك.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، ثنا بشرٌ -يعني ابن عمارة-، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال:
«كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم فهذه ميتةٌ، ثمّ أحياكم فخلقكم فهذه حياةٌ، ثمّ يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتةٌ أخرى، ثمّ يبعثكم يوم القيامة فهذه حياةٌ، فهما ميتتان، وحياتان. فهو قوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم}».
- حدّثنا أبي، ثنا إبراهيم بن موسى، أنبأ هشام بن يوسف، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: «كنتم أمواتًا فأحياكم في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئًا حتّى خلقكم، ثمّ يميتكم موتة الحقّ، ثمّ يحييكم حين يبعثكم». قال: «وهي مثل قوله: {أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}». وروي عن أبي العالية والحسن البصريّ وأبي صالحٍ والسّدّيّ وقتادة نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 73]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ثمّ إليه ترجعون}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ ثنا آدم أبو جعفرٍ عن الرّبيع عن أبي العالية: {ثمّ إليه ترجعون} قال:
«ترجعون إليه بعد الحياة»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 73]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون}.
أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم} قال:
«لم تكونوا شيئا فخلفكم {ثم يميتكم ثم يحييكم} يوم القيامة».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في قوله: {وكنتم أمواتا}
«في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق ثم يحييكم حياة الحق حين يبعثكم».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في الآية قال:
«كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله فأخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لابد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان».
وأخرج وكيع، وابن جرير عن أبي صالح
في الآية قال: «يميتكم ثم يحييكم في القبر ثم يميتكم».
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال:
«لم تكونوا شيئا حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق ثم يحييكم، وقوله: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} مثلها».
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية يقول:
«لم يكونوا شيئا ثم أماتهم ثم أحياهم ثم يوم القيامة يرجعون إليه بعد الحياة»).
[الدر المنثور: 1/ 228-230]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء} قال:
«خلق الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك حين يقول: {ثم استوى إلى السماء فسوهن سبع سماوات}»، قال: «بعضهن فوق بعض وسبع أرضين بعضهن تحت بعض».
أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فسواهن سبع سموات} قال:
«بعضهن فوق بعض بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 41-42]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وبنحو الّذي قلنا في قوله: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} كان قتادة يقول.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: قوله: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا}:
«نعم واللّه سخّر لكم ما في الأرض»). [جامع البيان: 1/ 454]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ}
اختلف في تأويل قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء}،

- فقال بعضهم: معنى {استوى إلى السّماء}: أقبل عليها، كما تقول: كان فلانٌ مقبلاً على فلانٍ، ثمّ استوى عليّ يشاتمني واستوى إليّ يشاتمني، بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني. واستشهد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشّاعر:

أقول وقد قطعن بنا شرورى.......سوامد واستوين من الضّجوع
فزعم أنّه عنى به أنّهنّ خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى أقبلن.
وهذا من التّأويل في هذا البيت خطأٌ، وإنّما معنى قوله: واستوين من الضّجوع عندي: استوين على الطّريق من الضّجوع خارجاتٍ، بمعنى استقمن عليه.
- وقال بعضهم: لم يكن ذلك من اللّه جلّ ذكره بتحوّلٍ، ولكنّه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثمّ تحوّل إلى الشّام، إنّما يريد تحوّل فعله.
- وقال بعضهم: قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء} يعني به: استوت، كما قال الشّاعر:
أقول له لمّا استوى في ترابه.......على أيّ دينٍ قتّل النّاس مصعب
- وقال بعضهم: {ثمّ استوى إلى السّماء} عمد إليها. وقال: بل كلّ تاركٍ عملاً كان فيه إلى آخر فهو مستوٍ لما عمد ومستوٍ إليه.
- وقال بعضهم: الاستواء: هو العلوّ، والعلوّ: هو الارتفاع. وممّن قال ذلك الرّبيع بن أنسٍ.
حدّثت بذلك، عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: {ثمّ استوى إلى السّماء} يقول:
«ارتفع إلى السّماء».
ثمّ اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع في الّذي استوى إلى السّماء،
- فقال بعضهم: الّذي استوى إلى السّماء وعلا عليها: هو خالقها ومنشؤها.
- وقال بعضهم: بل العالي إليها الدّخان الّذي جعله اللّه للأرض سماءً.
قال أبو جعفرٍ: الاستواء في كلام العرب منصرفٌ على وجوهٍ:
منها: انتهاء شباب الرّجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرّجل.
ومنها: استقامة ما كان فيه أودٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلانٍ أمره: إذا استقام له بعد أودٍ. ومنه قول الطّرمّاح بن حكيمٍ:

طال على رسمٍ مهددٍ أبده.......وعفا واستوى به بلده
يعني: استقام به.
ومنها: الإقبال على الشّيء بالفعل، كما يقال: استوى فلانٌ على فلانٍ بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه.
ومنها: الاستيلاء والاحتواء كقولهم: استوى فلانٌ على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها.
ومنها: العلوّ والارتفاع، كقول القائل: استوى فلانٌ على سريره، يعني به علوّه عليه.
قال أبو جعفرٍ: وأولى المعاني بقول اللّه جلّ ثناؤه: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ} علا عليهنّ وارتفع فدبّرهنّ بقدرته وخلقهنّ سبع سمواتٍ.
والعجب ممّن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول اللّه: {ثمّ استوى إلى السّماء} الّذي هو بمعنى العلوّ والارتفاع هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوّله بمعناه المفهم كذلك أن يكون إنّما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوّله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثمّ لم ينج ممّا هرب منه.

فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: {استوى} أقبل، أفكان مدبرًا عن السّماء فأقبل إليها؟
فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعلٍ ولكنّه إقبال تدبيرٍ، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها علوّ ملكٍ وسلطانٍ لا علوّ انتقالٍ وزوالٍ.
ثمّ لن يقول في شيءٍ من ذلك قولاً إلاّ ألزم في الآخر مثله، ولولا أنّا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كلّ قائلٍ قال في ذلك قولاً لقول أهل الحقّ فيه مخالفًا، وفيما بيّنّا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء اللّه تعالى.
وإن قال لنا قائلٌ: أخبرنا عن استواء اللّه جلّ ثناؤه إلى السّماء، كان قبل خلق السّماء أم بعده؟
قيل: بعده، وقبل أن يسوّيهنّ سبع سمواتٍ، كما قال جلّ ثناؤه: {ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا} والاستواء كان بعد أن خلقها دخانًا، وقبل أن يسوّيها سبع سمواتٍ.
- وقال بعضهم: إنّما قال استوى إلى السّماء ولا سماء، كقول الرّجل لآخر: اعمل هذا الثّوب، وإنّما معه غزلٌ.
وأمّا قوله {فسوّاهنّ} فإنّه يعني هيّأهنّ وخلقهنّ ودبّرهنّ وقوّمهنّ، والتّسوية في كلام العرب: التّقويم والإصلاح والتّوطئة، كما يقال: سوّى فلانٌ لفلانٍ هذا الأمر: إذا قوّمه وأصلحه ووطّأه له. فكذلك تسوية اللّه جلّ ثناؤه سمواته: تقويمه إيّاهنّ على مشيئته، وتدبيره لهنّ على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ.
- كما حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: {فسوّاهنّ سبع سمواتٍ} يقول:
«سوّى خلقهنّ وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ».
وقال جلّ ذكره: {فسوّاهنّ} فأخرج مكنيّهنّ مخرج مكنيّ الجمع. وقد قال قبل: {ثمّ استوى إلى السّماء} فأخرجها على تقدير الواحد. وإنّما أخرج مكنيّهنّ مخرج مكنيّ الجمع؛ لأنّ السّماء جمعٌ واحدها سماوةٌ، فتقدير واحدتها وجمعها إذًا تقدير بقرةٍ وبقرٌ ونخلةٌ ونخلٌ وما أشبه ذلك؛ ولذلك أنّثت مرّةً، فقيل: هذه سماءٌ، وذكّرت أخرى فقيل: {السّماء منفطرٌ به} كما يفعل ذلك بالجمع الّذي لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها، فيقال: هذا بقرٌ وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ وهذه نخلٌ، وما أشبه ذلك.
وكان بعض أهل العربيّة يزعم أنّ السّماء واحدةٌ، غير أنّها تدلّ على السّموات، فقيل: {فسوّاهنّ} يراد بذلك الّتي ذكرت، وما دلّت عليه من سائر السّموات الّتي لم تذكر معها. قال: وإنّما تذكّر إذا ذكّرت وهي مؤنّثةٌ، فيقال: {السّماء منفطرٌ به} كما يذكّر المؤنّث، وكما قال الشّاعر:


فلا مزنةٌ ودقت ودقها ....... ولا أرضٌ أبقل إبقالها
وكما قال أعشى بني ثعلبة:

فإمّا تري لمّتي بدّلت ....... فإنّ الحوادث أزرى بها
- وقال بعضهم: السّماء وإن كانت سماءٌ فوق سماءٍ، وأرضًا فوق أرضٍ، فهي في التّأويل واحدةٌ إن شئت، ثمّ تكون تلك الواحدة جماعًا، كما يقال: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ، وبرمةٌ أعشارٌ للمتكسّرة، وبرمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ، وأخلاقٌ: أي أنّ نواحيه أخلاقٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فإنّك قد قلت: إنّ اللّه جلّ ثناؤه استوى إلى السّماء وهي دخانٌ قبل أن يسوّيها سبع سمواتٍ، ثمّ سوّاها سبعًا بعد استوائه إليها، فكيف زعمت أنّها جماعٌ؟
قيل: إنّهنّ كنّ سبعًا غير مستوياتٍ، فلذلك قال جلّ ذكره: فسوّاهنّ سبعًا.
- كما حدّثنا بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمّد بن إسحاق:
«كان أوّل ما خلق اللّه تبارك وتعالى: النّور والظّلمة، ثمّ ميّز بينهما فجعل الظّلمة ليلاً أسود مظلمًا، وجعل النّور نهارًا مضيئًا مبصرًا، ثمّ سمك السّموات السّبع من دخانٍ، يقال -واللّه أعلم-: من دخان الماء، حتّى استقللن ولم يحبكهنّ، وقد أغطش في السّماء الدّنيا ليلها وأخرج ضحاها، فجرى فيها اللّيل والنّهار، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثمّ دحى الأرض، وأرساها بالجبال، وقدّر فيها الأقوات، وبثّ فيها ما أراد من الخلق، ففرغ من الأرض وما قدّر فيها من أقواتها في أربعة أيّامٍ. ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ كما قال فحبكهنّ، وجعل في السّماء الدّنيا شمسها وقمرها ونجومها، وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها، فأكمل خلقهنّ في يومين.
ففرغ من خلق السّموات والأرض في ستّة أيّامٍ، ثمّ استوى في اليوم السّابع فوق سمواته، ثمّ قال للسّموات والأرض:
{ائتيا طوعًا أو كرهًا} لما أردت بكما، فاطمئنّا عليه طوعًا أو كرهًا،
{قالتا أتينا طائعين}».
فقد أخبر ابن إسحاق أنّ اللّه جلّ ثناؤه استوى إلى السّماء بعد خلقه الأرض وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ، فسوّاهنّ كما وصف.
- وإنّما استشهدنا لقولنا الّذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق لأنّه أوضح بيانًا عن خبر السّموات أنّهنّ كنّ سبعًا من دخانٍ قبل استواء ربّنا إليها لتسويتها من غيره، وأحسن شرحًا لما أردنا الاستدلال به من أنّ معنى السّماء الّتي قال اللّه فيها: {ثمّ استوى إلى السّماء} بمعنى الجمع على ما وصفنا، وأنّه إنّما قال جلّ ثناؤه: {فسوّاهنّ} إذ كانت السّماء بمعنى الجمع على ما بيّنّا.
فإن قال لنا قائلٌ: فما صفة تسوية اللّه جلّ ثناؤه السّموات الّتي ذكرها في قوله: {فسوّاهنّ} إذ كنّ قد خلقن سبعًا قبل تسويته إيّاهنّ؟ وما وجه ذكر خلقهنّ بعد ذكر خلق الأرض، ألأنّها خلقت قبلها، أم لمعنى غير ذلك؟
قيل: قد ذكرنا ذلك في الخبر الّذي روّيناه عن ابن إسحاق، ونزيد ذلك توكيدًا بما انضمّ إليه من أخبار بعض السّلف المتقدّمين وأقوالهم.
- فحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ} قال:
«إنّ اللّه تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسمّاه سماءً، ثمّ أيبس الماء فجعله أرضًا واحدةً، ثمّ فتقها فجعل سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، والحوت هو النّون الّذي ذكره اللّه في القرآن: {ن والقلم} والحوت في الماء والماء على ظهر صفاةٍ، والصّفاة على ظهر ملكٍ، والملك على صخرةٍ، والصّخرة في الرّيح، وهي الصّخرة الّتي ذكر لقمان، ليست في السّماء ولا في الأرض. فتحرّك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثّلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: {أئنّكم لتكفرون بالّذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك ربّ العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها}»يقول: «أنبت شجرها» {وقدّر فيها أقواتها} يقول: «أقواتها لأهلها»{في أربعة أيّامٍ سواءً للسّائلين} يقول: «قل من سأل فهكذا الأمر {ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ} وكان ذلك الدّخان من تنفّس الماء حين تنفّس، فجعلها سماءً واحدةً، ثمّ فتقها فجعلها سبع سمواتٍ في يومين في الخميس والجمعة، وإنّما سمّي يوم الجمعة لأنّه جمع فيه خلق السّموات والأرض {وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها}».

قال: «خلق في كلّ سماءٍ خلقها من الملائكة والخلق الّذي فيها، من البحار وجبال البرد وما لا يعلم. ثمّ زيّن السّماء الدّنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحفظًا تحفظ من الشّياطين. فلمّا فرغ من خلق ما أحبّ استوى على العرش، فذلك حين يقول: {خلق السّموات والأرض في ستّة أيّامٍ} يقول: {كانتا رتقًا ففتقناهما}».
- حدّثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: في قوله: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء} قال: «خلق الأرض قبل السّماء، فلمّا خلق الأرض ثار منها دخانٌ، فذلك حين يقول: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ}» قال: «بعضهنّ فوق بعضٍ، وسبع أرضين بعضهنّ تحت بعضٍ».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: في قوله: {فسوّاهنّ سبع سمواتٍ} قال:
«بعضهنّ فوق بعضٍ، بين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عامٍ».
- وحدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: في قوله حيث ذكر خلق الأرض قبل السّماء، ثمّ ذكر السّماء قبل الأرض:
«وذلك أنّ اللّه خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السّماء، ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ، ثمّ دحا الأرض بعد ذلك فذلك قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها}».

- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني أبو معشرٍ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن عبد اللّه بن سلامٍ: أنّه قال: «إنّ اللّه بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرّواسي في الثّلاثاء والأربعاء، وخلق السّموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعةٍ من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجلٍ؛ فتلك السّاعة الّتي تقوم فيها السّاعة».
فمعنى الكلام إذًا: هو الّذي أنعم عليكم، فخلق لكم ما في الأرض جميعًا وسخّره لكم تفضّلاً منه بذلك عليكم، ليكون لكم بلاغًا في دنياكم، ومتاعًا إلى موافاة آجالكم، ودليلاً لكم على وحدانيّة ربّكم. ثمّ علا إلى السّموات السّبع وهي دخانٌ، فسوّاهنّ وحبكهنّ، وأجرى في بعضهنّ شمسه وقمره ونجومه، وقدّر في كلّ واحدةٍ منهنّ ما قدّر من خلقه). [جامع البيان: 1/ 454-465]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}.
يعني بقوله جلّ جلاله: {وهو} نفسه، وبقوله: {بكلّ شيءٍ عليمٌ} أنّ الّذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض جميعًا، وسوّى السّموات السّبع بما فيهنّ، فأحكمهنّ من دخان الماء وأتقن صنعهنّ، لا يخفى عليه أيّها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب، ما تبدون وما تكتمون في أنفسكم، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم: {آمنّا باللّه وباليوم الآخر} وهم على التّكذيب به منطوون. وكذّبت أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنّور وهم بصحّته عارفون، وجحدوا وكتموا ما قد أخذت عليهم تبيانه لخلقي من أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ونبوّته المواثيق، وهم به عالمون؛ بل أنا عالمٌ بذلك من أمركم، وأمور غيركم، أيي بكلّ شيءٍ عليمٌ.
وقوله: {عليمٌ} بمعنى عالمٍ.

- وروي عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقول: «هو الّذي قد كمل في علمه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، قال: حدّثني عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قال:
«العالم الّذي قد كمل في علمه»). [جامع البيان: 1/ 465-466]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (
{هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}
قوله تعالى: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا}
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ، أخبرني إسماعيل بن أميّة، عن أيّوب بن خالدٍ، عن عبد اللّه بن رافعٍ مولى أمّ سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- بيدي فقال:
«خلق اللّه التّربة يوم السّبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشّجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثّلاثاء، وخلق النّور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدّوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى اللّيل».
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع أنبأ عبد الرّزّاق أنبأ معمرٌ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} قال:
«خلق اللّه الأرض قبل السّماء، فلمّا خلق الأرض ثار منها دخانٌ فذلك حين يقول: {ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ}». قال: «بعضهنّ فوق بعضٍ، وسبع أرضين بعضهنّ تحت بعضٍ».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ قوله: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سماواتٍ} قال:
«إنّ اللّه كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسمّاه سماءً، ثمّ أيبس الماء فجعله أرضًا واحدةً ثمّ فتقها فجعل سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، والحوت هو النّون الّذي ذكر الله في القرآن يقول: {ن والقلم} والحوت في الماء، والماء على صفاةٍ، والصّفاة على ظهر ملكٍ، والملك على الصخرة، الصخرة في الرّيح، وهي الصّخرة الّتي ذكر لقمان، ليست في السّماء، ولا في الأرض، فتحرّك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرّت بالجبال، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: {وجعل فيها رواسي أن تميد بكم} وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين {وتجعلون له أندادًا ذلك ربّ العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها}» يقول: «أنبت شجرها» {وقدّر فيها أقواتها} يقول: «أقواتها لأهلها» {في أربعة أيّامٍ سواءً للسّائلين} يقول: «من سأل فهو كذا الأمر».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، أخبرني سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة في قول اللّه: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} أي:
«سخّر لكم ما في الأرض جميعًا كرامةً من اللّه، ونعمةً لابن آدم»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 74-75]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء}
- حدّثنا عصام بن رواد، ثنا آدم أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء} يقول:
«ارتفع». وروي عن الحسن والرّبيع بن أنسٍ مثله). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 75]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى:
{فسوّاهنّ سبع سماواتٍ}
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: {فسوّاهنّ سبع سماواتٍ} قال:
«بعضهنّ فوق بعضٍ، بين كلّ سمائين مسيرة خمسمائة عامٍ».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قوله: {فسوّاهنّ} يقول:
«سوّى خلقهنّ».
- حدّثنا ابن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {فسوّاهنّ سبع سماواتٍ}:
«بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض»). [تفسير القرآن العظيم: 1 /75]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قول اللّه: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}
«يعني من أعمالكم عليمٌ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/75]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى:
{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم}.
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} قال:
«سخر لكم ما في الأرض جميعا كرامة من الله ونعمة لابن آدم، متاعا وبلغة ومنفعة إلى أجل».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد في قوله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} قال:
«سخر لكم ما في الأرض جميعا» {ثم استوى إلى السماء} قال: «خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات}» يقول: «خلق سبع سموات بعضهن فوق بعض وسبع أرضين بعضهن تحت بعض».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، من طريق السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} قال:
«إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا فتقها واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله: {ن والقلم} والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكرها لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: {وجعل لها رواسي أن تميد بكم} وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء وذلك قوله: {إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض} إلى قوله: {وبارك فيها}» يقول: «أنبت شجرها» {وقدر فيها أقواتها} يقول: «لأهلها» {في أربعة أيام سواء للسائلين} يقول: «من سأل فهكذا الأمر {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تتنفس ثم جعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض {وأوحى في كل سماء أمرها}»قال: «خلق في كل سماء خلقها، من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما لا يعلم، ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش».
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {ثم استوى إلى السماء} يعني:
«خلق سبع سموات» قال: «أجرى النار على الماء فبخر البحر فصعد في الهواء فجعل السموات منها».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي العالية في قوله {ثم استوى إلى السماء} قال:
«ارتفع»، وفي قوله {فسواهن} قال: «سوى خلقهن».
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عمرو قال:
«لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذا كان عرشه على الماء وإذ لا أرض ولا سماء، خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه وأثار ركامه فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا، فأمر الدخان فعلا وسمل ونما فخلق منه السموات، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزبد الجبال».
وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ ومسلم والنسائي، وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال أخذ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيدي فقال:
«خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر».
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية، وابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وابن أبي عاصم في السنة وأبو يعلى، وابن خزيمة في التوحيد، وابن أبي حاتم وأبو أحمد والحاكم في الكنى والطبراني في الكبير، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، واللالكائي في السنة، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:
«هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «بينهما مسيرة خمسمائة عام ومن مسيرة سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام وكثف كل سماء خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين السماء وأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين وركهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه ما بين السماء والأرض والله سبحانه وتعالى علمه فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء».
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، والبزار وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والبيهقي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام كذلك إلى السماء السابعة، والأرضون مثل ذلك وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو حفرتم لصاحبكم ثم دليتموه لوجد الله ثمة» يعني علمه.
وأخرج الترمذي وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال :كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت سحابة، فقال:
«أتدرون ما هذه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: «هذه الغبابة هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى بلد لا يعبدونه ولا يشكرونه، هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك سماء، هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك موجا مكفوفا وسقفا محفوظا، هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك سماء، هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك سماء أخرى، هل تدرون كم ما بينهما؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام»، ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن فوق ذلك العرش، فهل تدرون كم بينهما؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن بين ذلك كما بين السمائين»، ثم قال: «هل تدرون ما هذه؟ هذه أرض، هل تدرون ما تحتها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام».
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه واللالكائي والبيهقي عن ابن مسعود قال:
«بين السماء والأرض خمسمائة عام وما بين كل سماءين خمسمائة عام ومصير كل سماء -يعني غلظ ذلك- مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه».
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه نظر إلى السماء فقال:
«تبارك الله! ما أشد بياضها! والثانية أشد بياضها منها» ثم كذلك حتى بلغ سبع سموات، «وخلق فوق السابعة الماء وجعل فوق الماء العرش وجعل فوق السماء الدنيا الشمس والقمر والنجوم والرجوم».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال:
«هذه موج مكفوف عنكم».
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال:
«السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، وما فوق ذلك صحارى من نور، ولا يعلم ما فوق ذلك إلا الله وملك موكل بالحجب يقال له: ميطاطروش».

وأخرج أبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: «السماء الدنيا من زمردة خضراء واسمها رقيعاء، والثانية من فضة بيضاء واسمها أزقلون، والثالثة من ياقوتة حمراء واسمها قيدوم، والرابعة من درة بيضاء واسمها ماعونا، والخامسة من ذهبة حمراء واسمها ريقا، والسادسة من ياقوتة صفراء واسمها دقناء، والسابعة من نور واسمها عريبا».
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال:
«اسم السماء الدنيا رقيع، واسم السابعة الصراخ».
وأخرج عثمان ابن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية، وابن المنذر عن ابن عباس قال: «سيد السموات السماء التي فيها العرش وسيد الأرضين الأرض التي أنتم عليها».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن السماء من أي شيء هي؟ فكتب إليه:
«إن السماء من موج مكفوف».
وأخرج ابن أبي حاتم عن حبة العوفي قال: سمعت عليا ذات يوم يحلف:
«والذي خلق السماء من دخان وماء».
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال:
«السماء أشد بياضا من اللبن».
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال:
«تحت الأرضين صخرة بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء».
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال:
«تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك».
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة في قوله {فسواهن سبع سماوات} قال:
«بعضهن فوق بعض بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام»). [الدر المنثور: 1/ 230-240]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم}.
أخرج ابن الضريس عن ابن مسعود قال:
«أن أعدل آية في القرآن آخرها اسم من أسماء الله تعالى»). [الدر المنثور: 1/ 240]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:50 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {إنّ اللّه لا يستحى أن يضرب مثلاً مّا بعوضةً فما فوقها...}

فإن قال قائل: أين الكلام الذي هذا جوابه، فإنا لا نراه في سورة البقرة؟
فذكر لنا أن اليهود لما قال الله: {مثل الّذين اتّخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً} قال أعداء الله: وما هذا من الأمثال؟، وقالوا مثل ذلك عند إنزاله: {يأيّها النّاس ضرب مثلٌ فاستمعوا له إنّ الّذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذباباً} إلى قوله {ضعف الطّالب والمطلوب} لذكر الذباب والعنكبوت؛ فأنزل الله: {إنّ اللّه لا يستحى أن يضرب مثلاً مّا بعوضةً فما فوقها}.
فالذي "فوقها" يريد أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب، ولو جعلت في مثله من الكلام "فما فوقها" تريد أصغر منها لجاز ذلك، ولست أستحسنه؛ لأن البعوضة كأنها غاية في الصغر، فأحبّ إليّ أن أجعل "ما فوقها" أكبر منها. ألا ترى أنك تقول: "يعطى من الزكاة الخمسون فما دونها، والدرهم فما فوقه" فيضيق الكلام أن تقول: "فوقه" فيهما أو "دونه" فيهما.
وأما موضع حسنها في الكلام فأن يقول القائل: إن فلانا لشريف، فيقول السامع: وفوق ذاك؛ يريد المدح. أو يقول: إنه لبخيل، فيقول الآخر: وفوق ذاك، يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرفت أنت الرجل فقلت: دون ذلك؛ فكأنّك تحطّه عن غاية الشّرف أو غاية البخل. ألا ترى أنك إذا قلت: "إنه لبخيلٌ، وفوق ذاك"، تريد: فوق البخل، "وفوق ذاك": وفوق الشّرف.
وإذا قلت: دون ذاك، فأنت رجلٌ عرفته فأنزلته قليلا عن درجته. فلا تقولنّ: وفوق ذاك، إلا في مدح أو ذمّ.
قال القرّاء: وأما نصبهم "بعوضة" فيكون من ثلاثة أوجه:
أوّلها: أن توقع الضّرب على البعوضة، وتجعل "ما" صلةً؛ كقوله: {عمّا قليلٍ ليصبحنّ نادمين} يريد: "عن قليل".
المعنى -والله أعلم-: إن الله لا يستحي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلاً.
والوجه الآخر: أن تجعل "ما" اسماً، و"البعوضة" صلةً فتعرّبها بتعريب "ما"، وذلك جائز في "من" و"ما"؛ لأنهما يكونان معرفة في حال ونكرة في حال؛ كما قال حسّان بن ثابت:
فكفى بنا فضلاً على من غَيْرِنا ....... حـــــبّ الـنّــبــيء مــحــمّــدٍ إيّـــانـــا

قال الفراء: ويروى:

... على من غَيْرُنا
والرفع في "بعوضة" ها هنا جائز، لأن الصلة ترفع، واسمها منصوب ومخفوض.
وأما الوجه الثالث -وهو أحبها إليّ- : فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، والعرب إذا ألقت "بين" من كلام -تصلح "إلى" في آخره- نصبوا الحرفين المخفوضين اللذين خفض أحدهما بـ "بين" والآخر بـ "إلى"، فيقولون: "مطرنا ما زبالة فالثّعلبية"، و"له عشرون ما ناقةً فجملاً"، و"هي أحسن الناس ما قرناً فقدما"، يراد به: "ما بين قرنها إلى قدمها"، ويجوز أن تجعل "القرن" و"القدم" معرفة، فتقول: "هي حسنةٌ ما قرنها فقدمها".
فإذا لم تصلح "إلى" في آخر الكلام لم يجز سقوط "بين"؛ من ذلك أن تقول: "دارى ما بين الكوفة والمدينة"، فلا يجوز أن تقول: "دارى ما الكوفة فالمدينة"؛ لأن "إلى" إنما تصلح إذا كان ما بين المدينة والكوفة كلّه من دارك، كما كان المطر آخذا ما بين زبالة إلى الثّعلبية.
ولا تصلح الفاء مكان الواو فيما لا تصلح فيه "إلى"؛ كقولك: دار فلان بين الحيرة فالكوفة؛ محالٌ، وجلست بين عبد الله فزيد، محالٌ، إلا أن يكون مقعدك آخذاً للفضاء الذي بينهما.
وإنما امتنعت الفاء من الذي لا تصلح فيه "إلى"؛ لأن الفعل فيه لا يأتي فيتّصل، "وإلى" تحتاج إلى اسمين يكون الفعل بينهما كطرفة عينٍ، وإن قصر قدر الذي بينهما مما يوجد، فصلحت الفاء في "إلى" لأنك تقول: أخذ المطر أوّله فكذا وكذا إلى آخره، فلمّا كان الفعل كثيراً شيئاً بعد شيء في المعنى، كان فيه تأويلٌ من الجزاء، ومثله أنهم قالوا: إن تأتني فأنت محسنٌ، ومحال أن تقول: إن تأتني وأنت محسن؛ فرضوا بالفاء جوابا في الجزاء، ولم تصلح الواو.
قال الكسائيّ: سمعت أعرابيّاً ورأى الهلال، فقال: "الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك"، يريد: ما بين إهلالك إلى سرارك؛ فجعلوا النصب الذي كان يكون في "بين" فيما بعده إذا سقطت؛ ليعلم أنّ معنى "بين" مرادٌ.
وحكى الكسائيّ عن بعض العرب: "الشّنق: ما خمسًا إلى خمس وعشرين"، يريد ما بين خمس إلى خمس وعشرين، والشّنق: ما لم تجب فيه الفريضة من الإبل، والأوقاص في البقر.
وقوله: {ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً...} كأنه قال -والله أعلم-: ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا ويهدى به هذا، قال الله: {وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}). [معاني القرآن: 1/ 20-23]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً} معناها: أن يضرب مثلا ًبعوضة،
(ما) توكيد للكلام من حروف الزوائد، قال النابغة الذبياني:

قالت ألا ليت ما هذا الحمام لنا ....... إلــــــى حـمـامـتـنــا ونــصــفـــه فـــقــــد

أي: حسب، و(ما) هاهنا: حشو.
قال: وسأل يونس رؤبة عن قول الله تعالى {ما بعوضة} فرفعها، وبنو تميم يعملون آخر الفعلين والأداتين في الاسم، وأنشد رؤبة بيت النابغة مرفوعاً:

قالت ألا ليت ما هذا الحمام لنا ....... إلــــــى حـمـامـتـنــا ونــصــفـــه فـــقــــد
{فما فوقها}: فما دونها في الصغر). [مجاز القرآن: 1/ 35]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({فما فوقها} أي: فما دونها في الصغر). [غريب القرآن وتفسيره: 66]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها} لما ضرب اللّه المثل بالعنكبوت في سورة العنكبوت، وبالذباب في سورة الحج، قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق باللّه عز وجل؟! فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها} من الذباب والعنكبوت.
وكان أبو عبيدة - رحمه اللّه- يذهب إلى أن "فوق" هاهنا بمعنى: "دون" على ما بينا في كتاب «المشكل».
فقالت اليهود: ما أراد اللّه بمثل ينكره الناس فيضلّ به فريق ويهتدي به فريق؟ قال اللّه: {وما يضلّ به إلّا الفاسقين}). [تفسير غريب القرآن: 44]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلا يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضلّ به إلّا الفاسقين}
إن قال قائل: ما معنى ذكر هذا المثل بعقب ما وعد به أهل الجنة وما أعد للكافرين؟
قيل: يتصل هذا بقوله: {فلا تجعلوا للّه أنداداً}؛ لأن اللّه عزّ وجلّ قال: {إنّ الّذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذباباً}.
وقال: {مثل الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً}، فقال الكافرون: إن إله محمد يضرب الأمثال بالذّباب والعنكبوت، فقال اللّه عزّ وجلّ: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}أي: لهؤلاء الأنداد الذين اتخذتموهم من دون اللّه، لأن هذا في الحقيقة مثل هؤلاء الأنداد.
فأما إعراب {بعوضة} فالنصب من جهتين في قولنا، وذكر بعض النحويين جهة ثالثة:
فأما أجود هذه الجهات؛ فأن تكون (ما) زائدة مؤكدة، كأنه قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلاً، ومثلاً بعوضة، و(ما) زائدة مؤكدة نحو قوله: {فبما رحمة من اللّه لنت لهم} المعنى: فبرحمة من الله حقاً، فـ(ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها، والخافض والناصب يتخطاها إلى ما بعدها، فمعناها التوكيد، ومثلها في التوكيد (لا) في قوله: {لئلّا يعلم أهل الكتاب} معناه: لأن يعلم أهل الكتاب.
ويجوز أن يكون "ما" نكرة، فيكون المعنى: "إنّ اللّه لا يستحي أن يضرب شيئا مثلا"؛ وكأن "بعوضة" في موضع وصف شيء، كأنه قال: إن اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً شيئاً من الأشياء، بعوضة فما فوقها.
وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون معناه: ما بين بعوضة إلى ما فوقها، والقولان الأولان قول النحويين القدماء. والاختيار عند جمع البصريين أن يكون (ما) لغواً.
والرفع في {بعوضة} جائز في الإعراب، ولا أحفظ من قرأ به، ولا أعلم هل قرأ به أحد أم لا؟ فالرفع على إضمار "هو"، كأنه قال: مثلاً الذي هو بعوضة، وهذا عند سيبويه ضعيف، وعنه مندوحة، ولكن من قرأ: {تماماً على الذي أحسن} وقد قرئ به، جاز أن يقرأ: {مثلاً ما بعوضة} ولكنه في {الذي أحسن} أقوى لأن "الذي" أطول، وليس للذي مذهب غير الأسماء.
وقالوا في معنى قوله: {فما فوقها} قالوا في ذلك قولين:
قالوا: {فما فوقها} أكبر منها، وقالوا: {فما فوقها} في الصغر.
وبعض النحويين يختارون الأول؛ لأن "البعوضة" كأنها نهاية في الصغر فيما يضرب به المثل، والقول الثاني مختار أيضاً، لأن المطلوب هنا والغرض الصغر وتقليل المثل بالأنداد.
قوله عزّ وجلّ: {فأمّا الّذين آمنوا} يعني: صدقوا، {فيعلمون} أن هذا المثل حق، {وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً} أي: ما أراد بالذباب والعنكبوت مثلاً، فقال اللّه عزّ وجلّ: {يضل به كثيراً} أي: يدعو إلى التصديق به الخلق جميعاً، فيكذب به الكفار فيضلون، {وما يضلّ به إلّا الفاسقين} يدل على أنهم المضلون به.
{ويهدى به كثيراً} يزاد به المؤمنون هداية؛ لأن كلما ازدادوا تصديقاً فقد ازدادوا هداية، والفاء دخلت في جواب "أمّا" في قوله: {فيعلمون}؛ لأن "أما" تأتي بمعنى الشرط والجزاء، كأنّه إذا قال: "أما زيد فقد آمن، وأمّا عمرو فقد كفر" فالمعنى: مهما يكن من شيء فقد آمن زيد، ومهما يكن من شيء فقد كفر عمرو.
وقوله {ماذا}: يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً يكون موضعهما نصباً، المعنى: أي شيء أراد اللّه بهذا مثلاً؟
ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة "الذي" فيكون المعنى: ما الذي أراده اللّه بهذا مثلاً؟، أو أي شيء الذي أراده اللّه بهذا مثلاً؟ ويكون (ما) هنا رفًعا بالابتداء و (ذا) في معنى الذي، وهو خبر الابتداء.
وإعراب {الفاسقين} نصب؛ كأنّ المعنى: وما يضل به أحد إلا الفاسقين). [معاني القرآن: 1 /103-105]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فما فوقها} أي: دونها في الصغر، وقيل: أكبر منها). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 25]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({بَعُوضَةً}: بقة، {فَمَا فَوْقَهَا}: دونها). [العمدة في غريب القرآن: 71-72]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}
أما قوله: {عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل} فـ{أن يوصل} بدل من الهاء في "به"، كقولك "مررت بالقوم بعضهم"، وأما {ميثاقه} فصار مكان "التوثّق" كما قال: {أنبتكم مّن الأرض نباتاً} والأصل "إنباتاً"، وكما قال" العطاء" في مكان "الإعطاء"). [معاني القرآن: 1/ 43]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} يريد أن اللّه سبحانه أمرهم بأمور فقبلوها عنه، وذلك أخذ الميثاق عليهم والعهد إليهم، ونقضهم ذلك: نبذهم إياه بعد القبول وتركهم العمل به). [تفسير غريب القرآن: 44]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}
"عهد الله" هنا -واللّه أعلم-: ما أخذ اللّه على النبيين ومن اتبعهم، ألا يكفروا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، دليل ذلك قوله عزّ وجلّ: {وإذ أخذ اللّه ميثاق النّبيّين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا} فهذا هو العهد المأخوذ على كل من اتبع الأنبياء عليهم السلام: أن يؤمنوا بالرسول المصدق لما معهم، و {إصري} مثل: عهدي.
ويجوز أن يكون عهد اللّه الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم حين قال: {....وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا}.
وقال قوم أن عهد الله عز وجل الاستدلال على توحيده، وأنّ كل ذي تمييز يعلم أن اللّه خالق، فعليه الإيمان به، والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما.
فأمّا إعراب {الّذين} فالنصب على الصفة للفاسقين.
وموضع قوله: {أن يوصل} خفض على البدل من الهاء، والمعنى: ما أمر الله بأن يوصل.
وموضع {أولئك} رفع بالابتداء، و{الخاسرون} خبر الابتداء، و{هم} بمعنى الفصل، وهو الذي يسميه الكوفيون العماد.
ويجوز أن يكون {أولئك} رفًعا بالابتداء، و{هم} ابتداء ثان، و{الخاسرون} خبر لـ{هم}، و{هم الخاسرون} خبر عن {أولئك}).
[معاني القرآن: 1/ 106]

تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً...} على وجه التعجّب والتوبيخ؛ لا على الاستفهام المحض؛ أي: ويحكم كيف تكفرون! وهو كقوله: {فأين تذهبون}، وقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً}، المعنى -والله أعلم-: وقد كنتم، ولولا إضمار "قد" لم يجز مثله في الكلام، ألا ترى أنه قد قال في سورة يوسف: {إن كان قميصه قدّ من دبرٍ فكذبت} المعنى -والله أعلم-: فقد كذبت، وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلاّ وأنت تريد: قد كثر مالك؛ لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأوّل، والحال لا تكون إلا بإضمار "قد" أو بإظهارها؛ ومثله في كتاب الله: {أو جاءوكم حصرت صدورهم} يريد -والله أعلم-: جاءوكم قد حصرت صدورهم، وقد قرأ بعض القرّاء -وهو الحسن البصري-: (حصرةً صدورهم) كأنه لم يعرف الوجه في: "أصبح عبد الله قام" أو "أقبل أخذ شاة"، كأنّه يريد: فقد أخذ شاة.
وإذا كان الأوّل لم يمض؛ لم يجز الثاني بـ"قد"، ولا بغير "قد"، مثل قولك: "كاد قام" ولا "أراد قام"؛ لانّ الإرادة شيء يكون ولا يكون الفعل، ولذلك كان محالا قولك: "عسى قام"؛ لأن "عسى" وإن كان لفظها على فعل فإنها لمستقبل، فلا يجوز "عسى قد قام"؛ ولا "عسى قام"، ولا "كاد قد قام"؛ ولا "كاد قام"؛ لأن ما بعدهما لا يكون ماضيًا؛ فإن جئت بـ"يكون" مع "عسى" و"كاد"؛ صلح ذلك، فقلت: "عسى أن يكون قد ذهب"، كما قال الله: {قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون}.
وقوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} يعني: نطفاً، وكل ما فارق الجسد من شعر أو نطفة فهو: ميتة، والله أعلم.
يقول: {فأحياكم} من النّطف، {ثم يميتكم} بعد الحياة، {ثم يحييكم} للبعث). [معاني القرآن: 1 /23-25]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون}
قوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم} فإنما يقول: كنتم تراباً ونطفاً، فذلك ميّت، وهو سائغ في كلام العرب، تقول للثوب: "قد كان هذا قطنا" و"كان هذا الرّطب بسرًا"، ومثل ذلك قولك للرجل: "اعمل هذا الثوب" وإنما معك غزل). [معاني القرآن: 1/ 43]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً} يعني: نطفاً في الأرحام، وكلّ شيء فارق الجسد من شعر أو ظفر أو نطفة فهو: ميتة. {فأحياكم}: في الأرحام، وفي الدنيا. {ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم}: في البعث.
ومثله قوله حكاية عنهم: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} فالميتة الأولى: إخراج النطفة وهي حية من الرجل، فإذا صارت في الرحم فهي ميتة، فتلك الإماتة الأولى. ثم يحييها في الرحم وفي الدنيا، ثم يميتها، ثم يحييها يوم القيامة). [تفسير غريب القرآن: 44-45]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون}
فكونهم أمواتا أولاً: أنّهم كانوا نطفاً، ثم جعلوا حيواناً، ثم أميتوا، ثم أحيوا، ثم يرجعون إلى اللّه عزّ وجلّ بعد البعث، كما قال: {مهطعين إلى الدّاع} أي: مسرعين.
وقوله عزّ وجلّ: {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً} والأجداث: القبور، وتأويل {كيف} أنها استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب إنما هو للخلق وللمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء، كيف يكفرون وقد ثبتت حجة اللّه عليهم؟!
ومعنى {وكنتم} وقد كنتم، وهذه الواو للحال، وإضمار "قد" جائز إذا كان في الكلام دليل عليه، وكذلك قوله: {أو جاءوكم حصرت صدورهم}، {وإن كان قميصه قدّ من دبر}). [معاني القرآن: 1/ 107]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({وكنتم أمواتا} أي: نطفاً في الأرحام، {فأحياكم} أي: أخرجكم أحياء إلى الدنيا، {ثم يميتكم}: في الدنيا، {ثم يحييكم}: يوم القيامة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 26]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({أَمْوَاتاً}: نطفاً، {فَأَحْيَاكُمْ}: أنشأ خلقكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}: بعد الحياة، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}: يبعثكم بعد الموت). [العمدة في غريب القرآن: 72]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ ...}
الاستواء في كلام العرب على جهتين: إحداهما أن يستوي الرجل و ينتهي شبابه، أو يستوي عن اعوجاج، فهذان وجهان،
ووجه ثالث أن تقول: "كان مقبلاً على فلان ثم استوى عليّ يشاتمني" و"إليّ" سواءٌ، على معنى: أقبل إلي وعليّ؛ فهذا معنى قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء} والله أعلم.
وقال ابن عباس: «{ثم استوى إلى السماء}: صعد»، وهذا كقولك للرجل: "كان قائماً فاستوى قاعداً" و"كان قاعداً فاستوى قائما"، وكلٌّ في كلام العرب جائزٌ.
فأما قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ} فإن "السماء" في معنى جمع، فقال {فسوّاهنّ} للمعنى المعروف أنهنّ سبع سموات، وكذلك الأرض يقع عليها -وهي واحدةٌ- الجمع، ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان، قال الله عز وجل: {ربّ السّموات والأرض} ثم قال: {وما بينهما} ولم يقل "بينهن"، فهذا دليل على ما قلت لك). [معاني القرآن: 1 /25]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({هو الّذي خلق لكم مّا في الأرض جميعاً ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سماواتٍ وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}: هذا باب من المجاز.
أما قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ} وهو إنما ذكر سماء واحدة، فهذا لأن ذكر "السماء" قد دل عليهن كلّهن، وقد زعم بعض المفسرين أن "السماء" جميع مثل "اللبن"، فما كان لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجماعة جاز أن يجمع، فقال: {سوّاهنّ} فزعم بعضهم أن قوله: {السّماء منفطرٌ به} جمع مذكر كـ"اللّبن"، ولم نسمع هذا من العرب، والتفسير الأول جيد، و قال يونس: {السّماء منفطرٌ به} ذكر كما يذكر بعض المؤنث كما قال الشاعر:
فلا مزنةٌ ودقت ودقها ....... ولا أرض أبقـل إبقالـهـا
وقوله:
فـإمّـا تــري لمّـتـى بـدّلـت ....... فإن الحوادث أودى بها
وقد تكون "السماء" يريد به الجماعة كما تقول: "هلك الشاة والبعير"، يعني: كل بعير وكل شاة، وكما قال: {خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنّ} أي: من الأرضين.
وأما قوله: {استوى إلى السماء} فإن ذلك لم يكن من الله تبارك وتعالى لتحول، ولكنه يعني: فعله، كما تقول: "كان الخليفة في أهل العراق يوليهم ثم تحوّل إلى أهل الشام"، إنما تريد تحول فعله). [معاني القرآن: 1/ 44]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({استوى إلى السماء}: عمد وقصد). [غريب القرآن وتفسيره: 66]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ)
: ({ثمّ استوى إلى السّماء} عمد لها، وكلّ من كان يعمل عملاً فتركه بفراغ أو غير فراغ وعمد لغيره: فقد استوى له واستوى إليه.
وقوله: {فسوّاهنّ} ذهب إلى السماوات السبع). [تفسير غريب القرآن: 45]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سماوات وهو بكلّ شيء عليم}
موضع "ما" مفعول به، وتأويله: أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم، فهو لكم، وفيه قول آخر: أن ذلكم دليل على توحيد اللّه عزّ وجلّ.
وقوله عزّ وجلّ: {ثمّ استوى إلى السّماء} فيه قولان:
قال بعضهم: {استوى إلى السّماء}: عمد وقصد إلى السماء. كما تقول: قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه.
وقد قيل أيضاً: "استوى" أي: صعد أمره إلى السماء، وهذا قول ابن عباس.
و"السماء" لفظها لفظ الواحد، ومعناها معنى الجمع، والدليل على ذلك قوله: {فسوّاهنّ سبع سماوات}. ويجوز أن يكون "السماء" جمعاً كما أن السّماوات جمع؛ كأن واحده سماة وسماوة وسماء للجميع، وزعم أبو الحسن الأخفش أن السماء جائز أن يكون واحداً يراد به الجمع كما تقول "كثر الدّرهم والدينار في أيدي الناس"،
و"السماء" في اللغة: السقف، ويقال لكل ما ارتفع وعلا: قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء يا فتى، ومن هذا قيل للسحاب؛ لأنها عالية). [معاني القرآن: 1/ 107-108]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({ثم استوى} أي: عمد). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 26]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({اسْتَوَى}: عمد). [العمدة في غريب القرآن: 72]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الأولى 1434هـ/22-03-2013م, 02:03 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه (رب)، حسن لك أن تعمل فيه (لا).
وسألت الخليل رحمه الله عن قول العرب: ولا سيما زيد، فزعم أنه مثل قولك: ولا مثل زيد، وما لغو. وقال: ولا سيما زيد، كقولهم: دع ما زيد، وكقوله: {مثلا ما بعوضة} فسي في هذا الموضع بمنزلة مثل، فمن ثم عملت فيه لا كما تعمل رب في مثل، وذلك قولك: رب مثل زيد. وقال أبو محجن الثقفي:

يا ربّ مثلك في النساء غريرةٍ ....... بـيـضــاء قــــد مـتّـعـتـهـا بــطـــلاق
). [الكتاب: 2/ 286]
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (ومن الأضداد: «فوق» تكون بمعنى: الأرفع، وبمعنى: الأدون. يقال: زيد فوق عمرو نباهة وجلالة، أي: أرفع منه، وفوق عمرو خسة ودناءة، أي: أدون منه.
وأما قول الله جل ثناؤه: {مثلا ما بعوضة فما فوقها}، قال: تفسيرها: فما دونها، وهو قول الكلبي وذلك لا يجوز عندي.
وأما قول ابن عباس: «فما فوقها». الذباب فوق البعوضة، فهو الذي يستحسن.
وإنما يجوز قول الكلبي في الصفات أن تقول: هذا صغير وفوق صغير. وقليل وفوق القليل، أي: جاوز القليل في قلته فهو دونه في القلة. فأما في الاسم، إذا قلت: هذه نملة وفوق النملة، أو حمار وفوق الحمار فلا يجوز أن تريد به الأصغر من الحمار لأن هذا اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز ذلك فيها). [الأضداد: 133-134]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:

وصبري عمن كنت ما إن أزايله
إن: زائدة، وهي تزاد مغيرة للإعراب، وتزاد توكيدًا، وهذا موضع ذلك، فالموضع الذي تغير فيه الإعراب هو وقوعها بعد"ما" الحجازية، تقول: ما زيدٌ أخاك، وما هذا بشرًا، فإذا أدخلت إن هذه بطل النصب بدخولها، فقلت: ما إن زيد منطلق، قال الشاعر:

وما إن طبنا جبنٌ ولكن ....... مـنـايـانـا ودولــــة آخـريــنــا
فزعم سيبويه أنها منعت "ما" العمل كما منعت "ما" إن الثقيلة أن تنصب تقول: إن زيدًا منطلق، فإذا أدخلت"ما" صارت من حروف الابتداء، ووقع بعدها المبتدأ وخبره والأفعال، نحو: إنما زيد أخوك، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ولولا "ما" لم يقع الفعل بعد"إن" لأن"إن" بمنزلة الفعل، ولا يلي فعل فعلاً لأنه لا يعمل فيه، فأما كان يقوم زيدٌ، {كاد يزيغ قلوب فريق منهم} ففي كان وكاد فاعلان مكنيان.
و"ما" تزاد على ضربين، فأحدهما أن يكون دخولها في الكلام كإلغائها، نحو {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} أي فبرحمة، وكذلك: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} وكذلك {مَثَلاً مَا بَعُوضَةً} وتدخل لتغيير اللفظ، فتوجب في الشيء ما لولا هي لم يقع، نحو ربما ينطلق زيد، و{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ولولا" ما" لم تقع رب على الأفعال، لأنها من عوامل الأسماء، وكذلك جئت بعد ما قام زيد، كما قال المرار:
أعــلــقــة أم الــولــيــد بـــعــــد مـــــــا ....... أفنان رأسك كالثغام المخلس
فلولا" ما" لم يقع بعدها إلا اسم واحد، وكان مخفوضًا بإضافة" بعد" إليه، تقول: جئتك بعد زيد). [الكامل: 1/ 440-442] (م)
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وقال أبو العباس في قوله عز وجل: {مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} يقال: دونها وهو قليل، وتكون ما صلة؛ وما فوقها، أي: أكبر منها، أجود). [مجالس ثعلب: 191]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وما حرف من الأضداد. تكون اسما للشيء، وتكون جحدا له، وتكون مزيدة للتوكيد. فيقول القائل: طعامك ما أكلت، وهو يريد طعامك الذي أكلته، فتكون (ما) اسما للطعام، وتقول: طعامك ما أكلت، وهو يريد: طعامك لم آكل. وتقول: طعامك ما أكلت، وهو يريد: طعامك أكلت، فيؤكد الكلام بـ(ما). وتقول أيضا: عبد الله ما قام، على جحد القيام، وعبد الله ما قام على إثباته. و(ما) زيدت
للتوكيد فكون (ما) جحدا لا يحتاج فيه إلى شاهد لشهرته وبيانه، وكونها اسما شاهده قول الله عز وجل: {مما خطيئاتهم أغرقوا} معناه من خطاياهم.
وقوله أيضا: {فبما نقضهم ميثاقهم}، فمعناه فبنقضهم ميثاقهم. وقوله: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}، معناه: مثلا بعوضة. وقال نابغة بني ذبيان:

الـــمــــرء يـــهــــوي أن يـــعــــيــ.......ـش وطول عيش ما يضره
تـــفـــنـــى بــشــاشــتـــه ويـــــــــبــ....... ـقى بعد حلـو العيـش مـره
وتــصـــرف الأيــــــام حـــتـــى.......مـــــا يــــــرى شــيــئــا يـــســـره
كـم شامـت بــي إن هـلـكــ....... ـت وقـــــــــائــــــــــل: لله دره!
أراد وطول عيش يضره، فأكد بـ(ما). ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (الذي)، والتأويل: وطول عيش الذي يضره، كما قال أبو صخر الهذلي:
هجرتك حتى قلت ما يعرف القلى ....... وزرتـك حتـى قـلـت لـيـس لــه صـبـر
أراد: حتى قلت الذي يعرفه القلى، ولو كانت جحد لفسد معنى البيت. وقال الآخر:

ذريني إنما خطئي وصوبي....... علـي وإن مـا أنفقـت مــال
أراد: وإن الذي أنفقت مال). [كتاب الأضداد: 195-197] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وفوق حرف من الأضداد. يكون بمعنى أعظم،
كقولك: هذا فوق فلان في العلم والشجاعة؛ إذا كان الذي فيه منهما يزيد على ما في الآخر، ويكون (فوق) بمعنى (دون)، كقولك: إن فلانا لقصير، وفوق القصير، وإنه لقليل وفوق القليل؛ وإنه لأحمق وفوق الأحمق؛ أي هو دون المذموم باستحقاق الزيادة من الذم؛ ومن هذا المعنى قول الله عز وجل: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}. يقال: معنى قوله: {فما فوقها}، فما دونها، ويقال: معناه فما هو أعظم منها.
وقال الفراء: الاختيار أن تكون (فوق) في هذه الآية بمعنى أعظم؛ لأن البعوضة نهاية في الصغر؛ ولم يدفع المعنى الآخر، ولا رآه خطأ.
وقال قطرب: فوق تكون بمعنى (دون) مع الوصف؛ كقول العرب: إنه لقليل وفوق القليل؛ ولا تكون بمعنى (دون) مع الأسماء، كقول العرب: هذه نملة، وفوق النملة؛ وهذا حمار وفوق الحمار، قال: لا يجوز أن تكون (فوق) في هاتين المسألتين بمعنى (دون)؛ لأنه لم يتقدمه وصف، إنما تقدمته النملة والحمار، وهما اسمان. ورد قول المفسرين الذين ذكروا فيه أن (فوقا) في الآية بمعنى (دون).
قال أبو بكر: ورده هذا غلط عندي؛ لأن البعوضة وصف للمثل، وما توكيد، والتقدير: (مثلا بعوضة فما دونها). فإن كان الأمر على ما ذكر من أن (فوق) لا تكون بمعنى (دون) إلا بعد تقدم الوصف – لزمه إجازة هذا المعنى في الآية؛ إذ كان الحرف جاء بعد البعوضة؛ وهي وصف للمثل. ويجوز أن تنتصب البعوضة على معنى (بين)؛ ويكون التقدير: مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، فأسقطت (بين) وجعل إعرابها في البعوضة؛ ليعلم أن معناها مراد؛ كما قالت العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وهم يريدون: (ما بين زبالة إلى الثعلبية)، قال الشاعر:

يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم....... ولا حـبـال مـحـب واصــل تـصـل
أراد: ما بين قرن إلى قدم.
وقرأ رؤبة بن العجاج: {مثلا ما بعوضة فما فوقها}، على معنى: مثلا ما هو بعوضة، فأضمر (هو)، كما قال الأعشى:

فـأنـت الـجــواد وأنـــت الـــذي....... إذا ما النفوس ملأن الصدورا
جـــديـــر بـطـعــنــة يــــــوم الــلــقـــا....... ء تضرب منها النساء النحورا
أراد: وأنت الذي هو جدي). [كتاب الأضداد: 249-252]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}

تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وقال بعض أهل اللغة: إذا دخلت (هل) للشيء المعلوم فمعناها الإيجاب، والتأويل: ألم يكن كذا وكذا! على جهة التقرير والتوبيخ، من ذلك قوله جل وعز: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا}، ومنه أيضا: {فأين تذهبون}، لم يرد بهذين الاستفهامين حدوث هلم لم يكن؛ وإنما أريد بهما التقرير والتوبيخ، ومن ذلك قول العجاج:

أطــربــا وأنـــــت قـنــســري....... والدهر بالإنسان دواري
أراد بالتقرير. وأنشدنا ثعلب أبو العباس:

أحافرة على صلع وشيب....... مـعـاذ الله ذلــك أن يكـونـا
). [كتاب الأضداد: 192-193] (م)

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وقالوا: علم علماً، فالفعل كبخل يبخل والمصدر كالحلم، وقالوا: عالم كما قالوا في الضد: جاهل، وقالوا: عليم كما قالوا: حليم. وقالوا: فقه وهو فقيه والمصدر فقه كما قالوا: علم علماً وهو عليم). [الكتاب: 4 /35]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (و«السماء» يؤنث ويذكر، والتذكير قليل، كأنها جمع سماوة وسماءة. قال الله عز وجل: {السماء منفطر به} فذكر. قال الشاعر:

فلـو رفـع السمـاء إلـيـه قـومـا....... لحقنا بالسماء مع السحاب
). [المذكور والمؤنث: 91] (م)


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 09:48 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 09:48 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 09:49 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 09:49 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}
ذكر المفسرون أنه لما ضرب الله تعالى المثلين المتقدمين في هذه السورة قال الكفار: ما هذه الأمثال؟ الله عز وجل أجل من أن يضرب هذه أمثالا، فنزلت الآية.
وقال ابن قتيبة: «إنما نزلت لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت».
وقال قوم: «هذه الآية مثل للدنيا».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق المعنى.
و{يستحيي} أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت.
وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن وغيرهما «يستحي» بكسر الحاء، وهي لغة لتميم، نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة على الياء الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء.
واختلف المتأولون في معنى: {يستحيي} في هذه الآية. فرجح الطبري أن معناه يخشى.
وقال غيره: معناه يترك وهذا هو الأولى.
ومن قال يمتنع أو يمنعه الحياء فهو يترك أو قريب منه.
ولما كان الجليل القدر في الشاهد لا يمنعه من الخوض في نازل القول إلا الحياء من ذلك، رد الله بقوله: {إنّ اللّه لا يستحيي} على القائلين كيف يضرب الله مثلا بالذباب ونحوه، أي إن هذه الأشياء ليست من نازل القول، إذ هي من الفصيح في المعنى المبلغ أغراض المتكلم إلى نفس السامع، فليست مما يستحيى منه.
وحكى المهدوي أن الاستحياء في هذه الآية راجع إلى الناس، وهذا غير مرضي.
وقوله تعالى: {أن يضرب}، إنّ مع الفعل في موضع نصب، كأنها مصدر في موضع المفعول، ومعنى يضرب مثلًا يبين ضربا من الأمثال أي نوعا، كما تقول: هذا من ضرب هذا، والضريب المثيل.
ويحتمل أن يكون مثل ضرب البعث، وضرب الذلة، فيجيء المعنى أن يلزم الحجة بمثل، ومثلًا مفعول، فقيل: هو الأول، وقيل: هو الثاني، قدم وهو في نية التأخير، لأن «ضرب» في هذا المعنى يتعدى إلى مفعولين.
واختلفوا في قوله: {ما بعوضةً} فقال قوم: ما صلة زائدة لا تفيد إلا شيئا من تأكيد. وقيل: ما نكرة في موضع نصب على البدل من قوله مثلًا، وبعوضةً نعت لـ(ما)، فوصفت ما بالجنس المنكر لإبهامها. حكى المهدوي هذا القول عن الفراء والزجاج وثعلب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقيل غير هذا مما هو تخليط دعا إليه الظن أن يضرب إنما يتعدى إلى مفعول واحد.
وقال بعض الكوفيين: نصب بعوضةً على تقدير إسقاط حرف الجر. والمعنى: أن يضرب مثلا ما من بعوضة.
وحكي عن العرب: «له عشرون ما ناقة فجملا»، وأنكر أبو العباس هذا الوجه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يترجح أن ما صلة مخصصة كما تقول جئتك في أمر ما فتفيد النكرة تخصيصا وتقريبا، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:

سلع ما ومثله عشر ما.......عائل ما وعالت البيقورا
وبعوضة على هذا مفعول ثان.
وقال قوم: ما نكرة، كأنه قال شيئا. والآية في هذا يشبهها قول حسان بن ثابت:

فكفى بنا فضلا على من غيرنا.......حبّ النبيّ محمد إيّانا
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد تقدم نظير هذا القول، والشبه بالبيت غير صحيح عندي، والبعوضة فعولة من بعض إذا قطع اللحم، يقال بضع وبعض بمعنى، وعلى هذا حملوا قول الشاعر:

لنعم البيت بيت أبي دثار.......إذا ما خاف بعض القوم بعضا
وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج: «بعوضة» بالرفع.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن «ما» اسم بمنزلة «الذي»، أي لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة بعضهم: «تماما على الذي أحسن» أي على الذي هو أحسن.
وحكى سيبويه ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي هو قائل.
وقوله تعالى: {فما فوقها} من جعل ما الأولى صلة زائدة، ف «ما» الثانية عطف على بعوضة، ومن جعل ما اسما ف «ما» الثانية عطف عليها.
وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: «المعنى فما فوقها في الصغر».
وقال قتادة وابن جريج وغيرهما: «المعنى في الكبر».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والكل محتمل، والضمير في أنّه، عائد على المثل.
واختلف النحويون في ماذا: فقيل هي بمنزلة اسم واحد، بمعنى أي شيء أراد الله، وقيل «ما» اسم «وذا» اسم آخر بمعنى الذي، فـ«ما» في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» خبره، ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ الاستفهام.
وقوله: {مثلًا} نصب على التمييز، وقيل على الحال من «ذا» في بهذا، والعامل فيه الإشارة والتنبيه.
واختلف المتأولون في قوله تعالى: {يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً} فقيل: هو من قول الكافرين، أي: ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى؟
وقيل: بل هو خبر من الله تعالى أنه يضل بالمثل الكفار الذين يعمون به، ويهدي به المؤمنين الذين يعلمون أنه الحق. وفي هذا رد على المعتزلة في قولهم: «إن الله لا يخلق الضلال» ولا خلاف أن قوله تعالى: {وما يضلّ به إلّا الفاسقين} من قول الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {ويهدي به كثيراً} إلى آخر الآية ردا من الله تعالى على قول الكفار يضلّ به كثيراً.
والفسق: الخروج عن الشيء. يقال فسقت الفارة إذا خرجت من جحرها، والرطبة إذا خرجت من قشرها، والفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان، وقراءة جمهور الأمة في هذه الآية: «يضل» بضم الياء فيهما.
وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ «يضل» بفتح الياء، «كثير» بالرفع «ويهدي به كثير. وما يضل به إلا الفاسقون» بالرفع.
قال أبو عمرو الداني: «هذه قراءة القدرية وابن أبي عبلة من ثقات الشاميين ومن أهل السنة، ولا تصح هذه القراءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف».
وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى: «يضل» بضم الياء وفي الثانية «وما يضل» بفتح الياء «به إلا الفاسقون». وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع عليه). [المحرر الوجيز: 1 /153-158]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون (28) هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سماواتٍ وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ (29)}
النقض: رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية: التقدم في الشيء والوصاة به.
واختلف في تفسير هذا العهد:
- فقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر.
- وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد.
- وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وأن لا يعبدوا غيره.
- وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتموا أمره.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فالآية على هذا في أهل الكتاب، وظاهر ما قبل وبعد أنه في جميع الكفار.
وقال قتادة: «هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به فنقض العهد».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لم ينسب الطبري شيئا من هذه الأقوال، وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية، والضمير في ميثاقه يحتمل العودة على العهد أو على اسم الله تعالى، وميثاق مفعال من الوثاقة، وهي الشد في العقد والربط ونحوه، وهو في هذه الآية اسم في موضع المصدر كما قال عمرو بن شييم:

أكفرا بعد ردّ الموت عنّي.......وبعد عطائك المائة الرّتاعا؟

أراد: بعد إعطائك.
وقوله تعالى: {ما أمر اللّه به أن يوصل}، (ما) في موضع نصب بـ{يقطعون} واختلف الشيء الذي أمر بوصله؟
- فقال قتادة: «الأرحام عامة في الناس» .
- وقال غيره: «خاصة فيمن آمن بمحمد، كان الكفار يقطعون أرحامهم».
- وقال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا هو الحق، والرحم جزء من هذا، وأن في موضع نصب بدل من ما، أو مفعول من أجله.
وقيل: أن في موضع خفض بدل من الضمير في به، وهذا متجه.
{ويفسدون في الأرض} يعبدون غير الله ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، والخسران: النقص كان في ميزان أو غيره). [المحرر الوجيز: 1/ 158-160]

تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {كيف تكفرون} لفظه الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي: كيف تكفرون بالله ونعمه عليكم وقدرته هذه؟
وكيف في موضع نصب على الحال والعامل فيها تكفرون، وتقديرها أجاحدين تكفرون أمنكرين تكفرون؟
وكيف مبنية، وخصت بالفتح لخفته،
ومن قال إن كيف تقرير وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن المألوف من شكر المنعم،
والواو في قوله وكنتم واو الحال،
واختلف في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين:
- فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: «فالمعنى كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا دارسين، كما يقال للشيء الدارس ميت، ثم خلقتم وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم أماتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة».
- وقال آخرون: «كنتم أمواتا بكون آدم من طين ميتا قبل أن يحيى ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة آدم ثم يميتكم ثم يحييكم» على ما تقدم.
- وقال قتادة: «كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم» ثم كما تقدم.
- وقال غيره: «كنتم أمواتا في الأرحام قبل نفخ الروح ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا» ثم كما تقدم.
- وقال ابن زيد: «إن الله تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ذلك فهو قوله وكنتم أمواتا، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا» ثم كما تقدم.
- وقال ابن عباس وأبو صالح: «كنتم أمواتا بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال في القبور، ثم أماتكم فيها، ثم أحياكم للبعث».
- وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: «وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والقول الأول هو أولى هذه الأقوال، لأنه الذي لا محيد للكفار عن الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله أولا {كنتم أمواتاً} وإسناده آخرا الإماتة إليه تبارك وتعالى مما يقوي ذلك القول، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها، والضمير في {إليه} عائد على الله تعالى أي: إلى ثوابه أو عقابه، وقيل: هو عائد على الاحياء، والأول أظهر.
وقرأ جمهور الناس «ترجعون» بضم التاء وفتح الجيم.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن يعمر وسلام والفياض بن غزوان ويعقوب الحضرمي: «يرجع ويرجعون وترجعون» بفتح الياء والتاء حيث وقع). [المحرر الوجيز: 1/ 160-161]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وخلق معناه: اخترع وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان خلق بعد إنشائه شيئا، ومنه قول الشاعر:

ولأنت تفري ما خلقت وبعض.......القوم يخلق ثم لا يفري
ومنه قول الآخر:

من كان يخلق ما يقو.......ل فحيلتي فيه قليله
ولكم: معناه للاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها.
وقال قوم: بل معنى لكم إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول إن الأشياء قبل ورود السمع على الإباحة بينته هذه الآية، وخالفهم في هذا التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين بالحظر استثنوا أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة كالتنفس والحركة ويرد على القائلين بالحظر كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في القرآن وإباحة، ويترجح الوقف إذا قدرنا نازلة لا يوجد فيها سمع ولا تتعلق به.
ومعنى الوقف أنه استنفاد جهد الناظر فيما يحزب من النوازل.
وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: «لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع أولها به تعلق أولها حال تستصحب». قال: «فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف»، و{جميعاً} نصب على الحال.
وقوله تعالى: {ثمّ استوى}، ثمّ هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه، واستوى:
- قال قوم: «معناه علا دون تكييف ولا تحديد»، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه.
- وقال ابن كيسان: «معناه قصد إلى السماء». قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أي: بخلقه واختراعه.
- وقيل: معناه: كمل صنعه فيها كما تقول: استوى الأمر. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قلق.
- وحكى الطبري عن قوم: أن المعنى أقبل، وضعفه.
- وحكي عن قوم «المستوي» هو الدخان. وهذا أيضا يأباه رصف الكلام،
- وقيل: المعنى استولى، كما قال الشاعر الأخطل:

قد استوى بشر على العراق.......من غير سيف ودم مهراق
وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: {على العرش استوى} [طه: 5].
والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.
{فسوّاهنّ} قيل: المعنى جعلهن سواء، وقيل: سوى سطوحها بالإملاس، وسبع نصب على البدل من الضمير، أو على المفعول بـ«سوّى»، بتقدير حذف الجار من الضمير، كأنه قال: فسوّى منهن سبع، وقيل: نصب على الحال، وقال: سواهن إما على أن السماء جمع، وإما على أنه مفرد اسم جنس، فهو دال على الجمع.
وقوله تعالى: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ} معناه بالموجودات وتحقق علمه بالمعدومات من آيات أخر، وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات). [المحرر الوجيز: 1 /161-164]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 09:49 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 09:49 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلًا يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضلّ به إلّا الفاسقين (26) الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) }
قال السّدّيّ في تفسيره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من الصّحابة: «لمّا ضرب اللّه هذين المثلين للمنافقين -يعني قوله: {مثلهم كمثل الّذي استوقد نارًا} [البقرة: 17] وقوله {أو كصيّبٍ من السّماء}[البقرة: 19] الآيات الثّلاث- قال المنافقون: اللّه أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل اللّه هذه الآية إلى قوله: {هم الخاسرون}».
وقال عبد الرّزّاق، عن معمر، عن قتادة: «لمّا ذكر اللّه العنكبوت والذّباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذّباب يذكران؟ فأنزل اللّه [تعالى هذه الآية] {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}».
وقال سعيدٌ، عن قتادة: «أي إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ أن يذكر شيئًا ما، قلّ أو كثر، وإنّ اللّه حين ذكر في كتابه الذّباب والعنكبوت قال أهل الضّلالة: ما أراد اللّه من ذكر هذا؟ فأنزل اللّه: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها}».
قلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعارٌ أنّ هذه الآية مكّيّةٌ، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيدٍ، عن قتادة أقرب واللّه أعلم. وروى ابن جريج عن مجاهدٍ نحو هذا الثّاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتمٍ: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالدٍ نحو قول السّدّيّ وقتادة.
وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ عن الرّبيع بن أنسٍ في هذه الآية قال: «هذا مثلٌ ضربه اللّه للدنيا؛ إذ البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء القوم الّذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلؤوا من الدّنيا ريًّا أخذهم اللّه تعالى عند ذلك»، ثمّ تلا {فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيءٍ} [الأنعام: 44].
هكذا رواه ابن جريرٍ، ورواه ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، بنحوه، فاللّه أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النّزول، وقد اختار ابن جريرٍ ما حكاه السّدي؛ لأنّه أمسّ بالسّورة، وهو مناسبٌ،
ومعنى الآية: أنّه تعالى أخبر أنّه لا يستحيي، أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما، أي: أيّ مثلٍ كان، بأيّ شيءٍ كان، صغيرًا كان أو كبيرًا.
و "ما" هاهنا للتّقليل وتكون {بعوضةً} منصوبةً على البدل، كما تقول: لأضربنّ ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيءٍ [أو تكون "ما" نكرةً موصوفةً ببعوضةٍ]. واختار ابن جريرٍ أن ما موصولة، و {بعوضةً} معربةٌ بإعرابها، قال: وذلك سائغٌ في كلام العرب، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنّهما يكونان معرفةً تارةً، ونكرةً أخرى، كما قال حسّان بن ثابتٍ:
وكفى بنا فضلا على من غيرنا.......حب النّبيّ محمّدٍ إيّانا
قال: ويجوز أن تكون {بعوضةً} منصوبةً بحذف الجارّ، وتقدير الكلام: إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضةٍ إلى ما فوقها.
[وهذا الّذي اختاره الكسائيّ والفرّاء. وقرأ الضّحّاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت "بعوضةٌ" بالرّفع، قال ابن جنّيٍّ: وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله: {تمامًا على الّذي أحسن} [الأنعام: 154] أي: على الّذي أحسن هو أحسن، وحكى سيبويه: ما أنا بالّذي قائلٌ لك شيئًا، أي: يعني بالّذي هو قائلٌ لك شيئًا].
وقوله: {فما فوقها} فيه قولان:
أحدهما: فما دونها في الصّغر، والحقارة، كما إذا وصف رجلٌ باللّؤم والشّحّ، فيقول السّامع: نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت. وهذا قول الكسائيّ وأبي عبيدة، قال الرّازيّ: وأكثر المحقّقين، وفي الحديث: «لو أنّ الدّنيا تزن عند اللّه جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماءٍ».
والثّاني: فما فوقها: فما هو أكبر منها؛ لأنّه ليس شيءٌ أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [قول قتادة بن دعامة و] اختيار ابن جرير.
[ويؤيّده ما رواه مسلمٌ عن عائشة، رضي اللّه عنها: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما من مسلمٍ يشاك شوكةً فما فوقها إلّا كتبت له بها درجةٌ ومحيت عنه بها خطيئةٌ»].
فأخبر أنّه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا ولو كان في الحقارة والصّغر كالبعوضة، كما [لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من] ضرب المثل بالذّباب والعنكبوت في قوله: {يا أيّها النّاس ضرب مثلٌ فاستمعوا له إنّ الّذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذّباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطّالب والمطلوب} [الحجّ: 73]، وقال: {مثل الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتًا وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 41] وقال تعالى: {ألم تر كيف ضرب اللّه مثلا كلمةً طيّبةً كشجرةٍ طيّبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السّماء * تؤتي أكلها كلّ حينٍ بإذن ربّها ويضرب اللّه الأمثال للنّاس لعلّهم يتذكّرون * ومثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرارٍ * يثبّت اللّه الّذين آمنوا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة ويضلّ اللّه الظّالمين ويفعل اللّه ما يشاء} [إبراهيم: 24-27]، وقال تعالى: {ضرب اللّه مثلا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيءٍ [ومن رزقناه منّا رزقًا حسنًا]} الآية [النّحل: 75]، ثمّ قال: {وضرب اللّه مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيءٍ وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجّهه لا يأت بخيرٍ [هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل]} الآية [النّحل: 76]، كما قال: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم} الآية [الرّوم: 28]. وقال: {ضرب اللّه مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون [ورجلا سلمًا لرجلٍ]} الآية [الزّمر: 29]، وقد قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] وفي القرآن أمثالٌ كثيرةٌ.
قال بعض السّلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: {وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلا العالمون}
وقال مجاهدٌ: «قوله: {إنّ اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها} الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنّها الحقّ من ربّهم، ويهديهم اللّه بها».
وقال قتادة: «{فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} أي: يعلمون أنّه كلام الرّحمن، وأنّه من عند اللّه».
وروي عن مجاهدٍ والحسن والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك.
وقال أبو العالية: «{فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم} يعني: هذا المثل: {وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلا} كما قال في سورة المدّثّر: {وما جعلنا أصحاب النّار إلا ملائكةً وما جعلنا عدّتهم إلا فتنةً للّذين كفروا ليستيقن الّذين أوتوا الكتاب ويزداد الّذين آمنوا إيمانًا ولا يرتاب الّذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الّذين في قلوبهم مرضٌ والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلا كذلك يضلّ اللّه من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربّك إلا هو} [المدّثّر: 31]، وكذلك قال هاهنا: {يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضلّ به إلا الفاسقين}».
قال السّدّيّ في تفسيره، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من الصّحابة: {يضلّ به كثيرًا} «يعني: المنافقين»، {ويهدي به كثيرًا} «يعني: المؤمنين»، فيزيد هؤلاء ضلالةً إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا، من المثل الّذي ضربه اللّه بما ضربه لهم وأنّه لما ضربه له موافقٌ، فذلك إضلال اللّه إيّاهم به {ويهدي به} يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتّصديق، فيزيدهم هدًى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنّه موافقٌ ما ضربه اللّه له مثلًا وإقرارهم به، وذلك هدايةٌ من اللّه لهم به {وما يضلّ به إلا الفاسقين} قال: «هم المنافقون».
وقال أبو العالية: {وما يضلّ به إلا الفاسقين} قال: «هم أهل النّفاق». وكذا قال الرّبيع بن أنسٍ.
وقال ابن جريجٍ عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وما يضلّ به إلا الفاسقين} «يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به».
وقال قتادة: «{وما يضلّ به إلا الفاسقين} فسقوا، فأضلّهم اللّه على فسقهم».
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثت عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرّة، عن مصعب بن سعدٍ، عن سعدٍ {يضلّ به كثيرًا} «يعني: الخوارج»). [تفسير ابن كثير: 1/ 206-209]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقال شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن مصعب بن سعدٍ، قال: سألت أبي فقلت: قوله تعالى: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} إلى آخر الآية، فقال: «هم الحروريّة». وهذا الإسناد إن صحّ عن سعد بن أبي وقّاصٍ، رضي اللّه عنه، فهو تفسيرٌ على المعنى، لا أنّ الآية أريد منها التّنصيص على الخوارج، الّذين خرجوا على عليٍّ بالنّهروان، فإنّ أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنّما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنّهم سمّوا خوارج لخروجهم على طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللّغة: هو الخارج عن الطّاعة أيضًا. وتقول العرب: فسقت الرّطبة: إذا خرجت من قشرتها ؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقةٌ، لخروجها عن جحرها للفساد. وثبت في الصّحيحين، عن عائشة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور».
فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكنّ فسق الكافر أشدّ وأفحش، والمراد من الآية: الفاسق الكافر، واللّه أعلم، بدليل أنّه وصفهم بقوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}.
وهذه الصّفات صفات الكفّار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرّعد: {أفمن يعلم أنّما أنزل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو الألباب * الّذين يوفون بعهد اللّه ولا ينقضون الميثاق * والّذين يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب} الآيات، إلى أن قال: {والّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللّعنة ولهم سوء الدّار} [الرّعد: 19-25].
وقد اختلف أهل التّفسير في معنى العهد الّذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه،
- فقال بعضهم: هو وصيّة اللّه إلى خلقه وأمره إيّاهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إيّاهم عمّا نهاهم عنه من معصيته في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به.
- وقال آخرون: بل هي في كفّار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد اللّه الّذي نقضوه هو ما أخذه اللّه عليهم في التّوراة من العمل بما فيها واتّباع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث والتّصديق به، وبما جاء به من عند ربّهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك [عن] النّاس بعد إعطائهم اللّه من أنفسهم الميثاق ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنّهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا. وهذا اختيار ابن جريرٍ رحمه اللّه وقول مقاتل بن حيّان.
- وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشّرك والنّفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده: ما وضع لهم من الأدلّة الدّالّة على ربوبيّته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتجّ به لرسله من المعجزات الّتي لا يقدر أحدٌ من النّاس غيرهم أن يأتي بمثلها الشّاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك: تركهم الإقرار بما ثبتت لهم صحّته بالأدلّة وتكذيبهم الرّسل والكتب مع علمهم أنّ ما أتوا به حقٌّ، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيّان نحو هذا، وهو حسنٌ، [وإليه مال الزّمخشريّ، فإنّه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد اللّه؟ قلت: ما ركّز في عقولهم من الحجّة على التّوحيد، كأنّه أمرٌ وصّاهم به ووثّقه عليهم وهو معنى قوله: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنزّلة عليهم لقوله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40].
- وقال آخرون: العهد الّذي ذكره [اللّه] تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الّذي وصف في قوله: {وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى [شهدنا]} الآيتين [الأعراف: 172، 173] ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به. وهكذا روي عن مقاتل بن حيّان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جريرٍ في تفسيره.
وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، في قوله: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} إلى قوله: {الخاسرون} قال: «هي ستّ خصالٍ من المنافقين إذا كانت فيهم الظّهرة على النّاس أظهروا هذه الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر اللّه به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظّهرة عليهم أظهروا الخصال الثّلاث: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا».
وكذا قال الرّبيع بن أنسٍ أيضًا.
وقال السّدّيّ في تفسيره بإسناده، قوله تعالى: {الّذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه} قال: «هو ما عهد إليهم في القرآن فأقرّوا به ثمّ كفروا فنقضوه».
وقوله: {ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل}:
- قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسّره قتادة كقوله تعالى: {فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم} [محمّدٍ: 22] ورجّحه ابن جريرٍ.
- وقيل: المراد أعمّ من ذلك فكلّ ما أمر اللّه بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيّان في قوله: {أولئك هم الخاسرون} قال: «في الآخرة»، وهذا كما قال تعالى: {أولئك لهم اللّعنة ولهم سوء الدّار} [الرّعد: 25].
وقال الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ: «كلّ شيءٍ نسبه اللّه إلى غير أهل الإسلام من اسمٍ مثل خاسرٍ، فإنّما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنّما يعني به الذّنب».
وقال ابن جريرٍ في قوله: {أولئك هم الخاسرون} الخاسرون: جمع خاسرٍ، وهم النّاقصون أنفسهم [و] حظوظهم بمعصيتهم اللّه من رحمته، كما يخسر الرّجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان اللّه إيّاه رحمته الّتي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرّجل يخسر خسرًا وخسرانًا وخسارًا، كما قال جرير بن عطيّة:
إنّ سليطًا في الخسار إنّه.......أولاد قومٍ خلقوا أقنّه
). [تفسير ابن كثير: 1/ 209-211]

تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون (28)}
يقول تعالى محتجًّا على وجوده وقدرته، وأنّه الخالق المتصرّف في عباده: {كيف تكفرون باللّه} أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! {وكنتم أمواتًا فأحياكم} أي: قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون * أم خلقوا السّماوات والأرض بل لا يوقنون} [الطّور: 35، 36]، وقال {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدّهر لم يكن شيئًا مذكورًا} [الإنسان: 1] والآيات في هذا كثيرةٌ.
وقال سفيان الثّوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، رضي اللّه عنه: {قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافرٍ: 11] قال: «هي الّتي في البقرة: {وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم}».
وقال ابن جريج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{كنتم أمواتًا فأحياكم}: أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتّى خلقكم، ثمّ يميتكم موتة الحقّ، ثمّ يحييكم حين يبعثكم». قال: «وهي مثل قوله: {[ربّنا] أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}».
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال: «كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتةٌ، ثمّ أحياكم فخلقكم فهذه حياةٌ، ثمّ يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتةٌ أخرى، ثمّ يبعثكم يوم القيامة فهذه حياةٌ أخرى. فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم}».
وهكذا روي عن السّدّيّ بسنده، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ -وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ وعن ناسٍ من الصّحابة-وعن أبي العالية والحسن البصريّ ومجاهدٍ وقتادة وأبي صالحٍ والضّحّاك وعطاءٍ الخراسانيّ نحو ذلك.
وقال الثّوريّ، عن السّدّيّ عن أبي صالحٍ: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون} قال: «يحييكم في القبر، ثمّ يميتكم».
وقال ابن جريرٍ عن يونس، عن ابن وهبٍ، عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: «خلقهم في ظهر آدم ثمّ أخذ عليهم الميثاق، ثمّ أماتهم ثمّ خلقهم في الأرحام، ثمّ أماتهم، ثمّ أحياهم يوم القيامة. وذلك كقول اللّه تعالى: {قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}»، وهذا غريبٌ والّذي قبله.
والصّحيح ما تقدّم عن ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ، وأولئك الجماعة من التّابعين، وهو كقوله تعالى: {قل اللّه يحييكم ثمّ يميتكم ثمّ يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون}[الجاثية: 26].

[وعبّر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: {أمواتٌ غير أحياءٍ} [النّحل: 21]، وقال: {وآيةٌ لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون} [يس: 33]). [تفسير ابن كثير: 1/ 212-213]

تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سمواتٍ وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ (29)}
لمّا ذكر تعالى دلالةً من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلًا آخر ممّا يشاهدونه من خلق السّماوات والأرض، فقال: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء} أي: قصد إلى السّماء، والاستواء هاهنا تضمّن معنى القصد والإقبال؛ لأنّه عدّي بإلى {فسوّاهنّ} أي: فخلق السّماء سبعًا، والسّماء هاهنا اسم جنسٍ، فلهذا قال: {فسوّاهنّ}.
{وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ} أي: وعلمه محيطٌ بجميع ما خلق. كما قال: {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السّجدة وهو قوله: {قل أئنّكم لتكفرون بالّذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك ربّ العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيّامٍ سواءً للسّائلين * ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين * فقضاهنّ سبع سماواتٍ في يومين وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها وزيّنّا السّماء الدّنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم} [فصّلت: 9-12].
ففي هذا دلالةٌ على أنّه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أوّلًا ثمّ خلق السّماوات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثمّ أعاليه بعد ذلك، وقد صرّح المفسّرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا إن شاء اللّه.
فأمّا قوله تعالى: {أأنتم أشدّ خلقًا أم السّماء بناها * رفع سمكها فسوّاها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها} [النّازعات: 27-32]
- فقد قيل: إنّ {ثمّ} هاهنا إنّما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشّاعر:
قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه.......ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه
- وقيل: إنّ الدّحى كان بعد خلق السّماوات، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ.
وقد قال السّدّيّ في تفسيره، عن أبي مالكٍ -وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ- وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من الصّحابة {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ سبع سماواتٍ [وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ]} قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلمّا أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسمّاه سماءً. ثمّ أيبس الماء فجعله أرضًا واحدةً، ثمّ فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، والحوت هو النّون الّذي ذكره اللّه في القرآن: {ن والقلم} والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاةٍ، والصّفاة على ظهر ملك، والملك على صخرةٍ، والصّخرة في الرّيح، وهي الصّخرة الّتي ذكر لقمان -ليست في السّماء ولا في الأرض، فتحرّك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النّحل: 15]. وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثّلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: {قل أئنّكم لتكفرون بالّذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك ربّ العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها} [فصّلت: 9، 10]. يقول: «أنبت شجرها» {وقدّر فيها أقواتها} يقول:«أقواتها لأهلها» {في أربعة أيّامٍ سواءً للسّائلين} [فصّلت: 10] يقول: «من سأل فهكذا الأمر. {ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ} [فصّلت: 11] وذلك الدّخان من تنفّس الماء حين تنفّس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنّما سمّي يوم الجمعة لأنّه جمع فيه خلق السّماوات والأرض، {وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها} [فصلت: 12]»، قال: «خلق اللّه في كلّ سماءٍ خلقها من الملائكة والخلق الّذي فيها، من البحار وجبال البرد وما لا نعلم، ثمّ زيّن السّماء الدّنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحفظًا تحفظ من الشّياطين. فلمّا فرغ من خلق ما أحبّ استوى على العرش، فذلك حين يقول: {خلق السّماوات والأرض في ستّة أيّامٍ ثمّ استوى على العرش} [الأعراف: 54] ويقول: {كانتا رتقًا ففتقناهما} [الأنبياء: 30]».
وقال ابن جريرٍ: حدّثني المثنّى، حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، حدّثني أبو معشرٍ عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن عبد اللّه بن سلّامٍ أنّه قال: «إنّ اللّه بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرّواسي في الثّلاثاء والأربعاء، وخلق السّماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعةٍ من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل، فتلك السّاعة الّتي تقوم فيها السّاعة».
وقال مجاهدٌ في قوله: {هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} قال: «خلق اللّه الأرض قبل السّماء، فلمّا خلق الأرض ثار منها دخانٌ، فذلك حين يقول: {ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ}»، {فسوّاهنّ سبع سماواتٍ} قال: «بعضهنّ فوق بعضٍ، وسبع أرضين، يعني بعضهنّ تحت بعضٍ».
وهذه الآية دالّةٌ على أنّ الأرض خلقت قبل السّماء، كما قال في آية السّجدة: {قل أئنّكم لتكفرون بالّذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك ربّ العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيّامٍ سواءً للسّائلين * ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين * فقضاهنّ سبع سماواتٍ في يومين وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها وزيّنّا السّماء الدّنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم}[فصّلت: 9-12] فهذه وهذه دالّتان على أنّ الأرض خلقت قبل السّماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلّا ما نقله ابن جريرٍ عن قتادة: أنّه زعم أنّ السّماء خلقت قبل الأرض، وقد توقّف في ذلك القرطبيّ في تفسيره لقوله تعالى: {أأنتم أشدّ خلقًا أم السّماء بناها * رفع سمكها فسوّاها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها} [النّازعات: 27-31] قالوا: فذكر خلق السّماء قبل الأرض.
وفي صحيح البخاريّ: أنّ ابن عبّاسٍ سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأنّ الأرض خلقت قبل السّماء وأنّ الأرض إنّما دحيت بعد خلق السّماء، وكذلك أجاب غير واحدٍ من علماء التّفسير قديمًا وحديثًا، وقد قرّرنا ذلك في تفسير سورة النّازعات،
وحاصل ذلك أنّ الدّحي مفسّرٌ بقوله: {والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} [النّازعات: 30-32] ففسّر الدّحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوّة إلى الفعل لمّا اكتملت صورة المخلوقات الأرضيّة ثمّ السّماويّة دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النّباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثّوابت والسّيّارة، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتمٍ وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الّذي رواه مسلمٌ والنّسائيّ في التّفسير -أيضًا- من رواية ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أميّة، عن أيّوب بن خالدٍ، عن عبد اللّه بن رافعٍ مولى أمّ سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيدي فقال: «خلق اللّه التّربة يوم السّبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشّجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثّلاثاء، وخلق النّور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدّوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى اللّيل».
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلمٍ، وقد تكلّم عليه عليّ بن المدينيّ والبخاريّ وغير واحدٍ من الحفّاظ، وجعلوه من كلام كعبٍ، وأنّ أبا هريرة إنّما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنّما اشتبه على بعض الرّواة فجعلوه مرفوعًا، وقد حرّر ذلك البيهقيّ). [تفسير ابن كثير: 1/ 213-215]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:41 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة