العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 09:43 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,019
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (11) إلى الآية (16) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (11) إلى الآية (16) ]


{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 02:17 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون}
اختلف أهل التّأويل في تأويل هذه الآية، فروي عن سلمان الفارسيّ أنّه كان يقول: «لم يجئ هؤلاء بعد ».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثّام بن عليٍّ، قال: حدّثنا الأعمش، قال: سمعت المنهال بن عمرٍو، يحدّث عن عبّاد بن عبد اللّه، عن سلمان، قال: «ما جاء هؤلاء بعد الّذين {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون}».
- حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن شريكٍ، قال: حدّثني أبي، قال حدّثني الأعمش، عن زيد بن وهبٍ وغيره، عن سلمان أنّه قال في هذه الآية: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} قال: «ما جاء هؤلاء بعد».
- وقال آخرون بما حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: « {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} هم المنافقون، أمّا {لا تفسدوا في الأرض} فإنّ الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: «{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} يقول: لا تعصوا في الأرض. قال: فكان فسادهم على أنفسهم ذلك معصية اللّه جلّ ثناؤه، لأنّ من عصى اللّه في الأرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأرض، لأنّ إصلاح الأرض والسّماء بالطّاعة».
وأولى التّأويلين بالآية تأويل من قال: إنّ قول اللّه تبارك اسمه: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} نزلت في المنافقين الّذين كانوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وإن كان معنيًّا بها كلّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة. وقد يحتمل قول سلمان عند تلاوة هذه الآية: «ما جاء هؤلاء بعد»، أن يكون قاله بعد فناء الّذين كانوا بهذه الصّفة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبرًا منه عمّن هو جاء منهم بعدهم ولمّا يجئ بعد، لا أنّه عنى أنّه لم يمض ممّن ذلك صفته أحدٌ.
وإنّما قلنا أولى التّأويلين بالآية ما ذكرنا، لإجماع الحجّة من أهل التّأويل على أنّ ذلك صفة من كان بين ظهراني أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المنافقين، وأنّ هذه الآيات فيهم نزلت، والتّأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن من قولٍ لا دلالة على صحّته من أصلٍ ولا نظيرٍ.
والإفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى اللّه جلّ ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر اللّه بحفظه، فذلك جملة الإفساد، كما قال جلّ ثناؤه في كتابه مخبرًا عن قيل ملائكته: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء} يعنون بذلك: أتجعل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك؟ فكذلك صفة أهل النّفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربّهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشكّهم في دين اللّه الّذي لا يقبل من أحدٍ عملاً إلاّ بالتّصديق به والإيقان بحقّيّته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشّكّ والرّيب وبمظاهرتهم أهل التّكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء اللّه إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً فذلك إفساد المنافقين في أرض اللّه، وهم يحسبون أنّهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. فلم يسقط اللّه جلّ ثناؤه عنهم عقوبته، ولا خفّف عنهم أليم ما أعدّ من عقابه لأهل معصيته بحسبانهم أنّهم فيما أتوا من معاصي اللّه مصلحون، بل أوجب لهم الدّرك الأسفل من ناره والأليم من عذابه والعار العاجل بسبّ اللّه إيّاهم وشتمه لهم، فقال تعالى: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} وذلك من حكم اللّه جلّ ثناؤه فيهم أدلّ الدّليل على تكذيبه تعالى قول القائلين: إنّ عقوبات اللّه لا يستحقّها إلاّ المعاند ربّه فيما لزمه من حقوقه وفروضه بعد علمه وثبوت الحجّة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إيّاه). [جامع البيان: 1/ 296 - 299]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا إنّما نحن مصلحون}.
- وتأويل ذلك كالّذي قاله ابن عبّاسٍ، الّذي حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: «{إنّما نحن مصلحون} أي قالوا: إنّما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب».
وخالفه في ذلك غيره.
- حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: «إذا ركبوا معصية اللّه، فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنّما نحن على الهدى».
قال أبو جعفرٍ: وأيّ الأمرين كان منهم في ذلك، أعني في دعواهم أنّهم مصلحون، فهم لا شكّ أنّهم كانوا يحسبون أنّهم فيما أتوا من ذلك مصلحون، فسواءٌ بين اليهود والمسلمين كانت دعواهم الإصلاح أو في أديانهم، وفيما ركبوا من معصية اللّه، وكذبهم المؤمنين فيما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهروا مستبطنون، لأنّهم كانوا في جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم محسنين، وهم عند اللّه مسيئون، ولأمر اللّه مخالفون؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه قد كان فرض عليهم عداوة اليهود وحربهم مع المسلمين، وألزمهم التّصديق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به من عند اللّه كالّذي ألزم من ذلك المؤمنين، فكان لقاؤهم اليهود على وجه الولاية منهم لهم، وشكّهم في نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيما جاء به أنّه من عند اللّه أعظم الفساد، وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحًا وهدًى في أديانهم، أو فيما بين المؤمنين واليهود، فقال جلّ ثناؤه فيهم: {ألا إنّهم هم المفسدون} دون الّذين ينهونهم من المؤمنين عن الإفساد في الأرض {ولكن لا يشعرون} ). [جامع البيان: 1/ 299 - 300]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون (11) }
قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض}
[الوجه الأول]
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: «يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية اللّه لأنّه من عصى اللّه في الأرض أو أمر بمعصية اللّه فقد أفسد في الأرض لأنّ صلاح الأرض والسّماء بالطّاعة».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} أمّا لا تفسدوا في الأرض، فإنّ الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية». وروي عن قتادة والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك من قول أبي العالية.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ وعيسى بن يونس- والسّياق لوكيعٍ- قالا: ثنا الأعمش، عن المنهال، عن عبّاد بن عبد اللّه الأسديّ، عن سلمان: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} قال سلمان: «لم يجئ أهل هذه الآية بعد». ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 44 - 45]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {قالوا إنّما نحن مصلحون}
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة، عن محمّد ابن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} أي إنّما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب، يقول اللّه: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}». ). [تفسير القرآن العظيم: 1/45]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.
- أخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: «الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية».
- وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} قال: «إذا ركبوا معصية فقيل لهم لا تفعلوا كذا قالوا إنما نحن على الهدى».
- وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «{إنما نحن مصلحون} أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب».
- وأخرج وكيع، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله الأسدي قال: قرأ سلمان هذه الآية {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} قال: «لم يجيء أهل هذه الآية بعد». ). [الدر المنثور: 1/ 162 - 163]

تفسير قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.
وهذا القول من اللّه جلّ ثناؤه تكذيبٌ للمنافقين في دعواهم إذا أمروا بطاعة اللّه فيما أمرهم اللّه به، ونهوا عن معصية اللّه فيما نهاهم اللّه عنه. قالوا: إنّما نحن مصلحون لا مفسدون، ونحن على رشدٍ وهدًى فيما أنكرتموه علينا دونكم لا ضالّون. فكذّبهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك من قيلهم، فقال: {ألا إنّهم هم المفسدون} المخالفون أمر اللّه عزّ وجلّ، المتعدّون حدوده الرّاكبون معصيته، التّاركون فروضه وهم لا يشعرون ولا يدرون أنّهم كذلك، لا الّذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين وينهونهم عن معاصي اللّه في أرضه من المسلمين). [جامع البيان: 1/301]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون (13) }
قوله تعالى: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الربيع ابن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} قال: « هم المنافقون». ). [تفسير القرآن العظيم: 1/45]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون}
قال أبو جعفرٍ: وتأويل قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس} يعني: وإذا قيل لهؤلاء الّذين وصفهم اللّه ونعتهم بأنّهم يقولون {آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} صدّقوا بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به من عند اللّه كما صدّق به النّاس، ويعني بالنّاس المؤمنين الّذين آمنوا بمحمّدٍ ونبوّته وما جاء به من عند اللّه.
- كما حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمّارٍ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: «{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس} يقول: وإذا قيل لهم صدّقوا كما صدّق أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، قولوا: إنّه نبيٌّ ورسولٌ، وإنّ ما أنزل عليه حقٌّ، وصدّقوا بالآخرة، وأنّكم مبعوثون من بعد الموت».
وإنّما أدخلت الألف واللاّم في النّاس وهم بعض النّاس لا جميعهم؛ لأنّهم كانوا معروفين عند الّذين خوطبوا بذلك فى هذه الآية بأعيانهم. وإنّما معناه: آمنوا كما آمن النّاس الّذين تعرفونهم من أهل اليقين والتّصديق باللّه وبمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وما جاء به من عند اللّه وباليوم الآخر، فلذلك أدخلت الألف واللاّم فيه كما أدخلتا في قوله: {الّذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم} لأنّه أشير بدخولهما إلى ناسٍ معروفين عند من خوطب بذلك). [جامع البيان: 1/ 301 - 302]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء}
قال أبو جعفرٍ: والسّفهاء جمع سفيهٍ، كما العلماء جمع عليمٍ، والحكماء جمع حكيمٍ والسّفيه: الجاهل الضّعيف الرّأي، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضارّ ولذلك سمّى اللّه عزّ وجلّ النّساء والصّبيان سفهاء، فقال تعالى: {ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل اللّه لكم قيامًا} فقال عامّة أهل التّأويل: هم النّساء والصّبيان لضعف آرائهم، وقلّة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارّ الّتي تصرف إليها الأموال.
وإنّما عنى المنافقون بقيلهم أنؤمن كما آمن السّفهاء، إذ دعوا إلى التّصديق بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبما جاء به من عند اللّه، والإقرار بالبعث، فقيل لهم: آمنوا كما آمن أصحاب محمّدٍ وأتباعه من المؤمنين المصدّقين به من أهل الإيمان واليقين والتّصديق باللّه وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وفي كتابه وباليوم الآخر، فقالوا إجابةً لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمن أهل الجهل ونصدّق بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم كما صدّق به هؤلاء الّذين لا عقول لهم ولا أفهام.
- كالّذي حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قالوا: « {أنؤمن كما آمن السّفهاء} يعنون أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: « {قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء} يعنون أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهبٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: {قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء} قال: «هذا قول المنافقين، يريدون أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء} يقولون: أنقول كما تقول السّفهاء؟ يعنون أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، لخلافهم لدينهم».). [جامع البيان: 1/ 302 - 304]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون}.
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ من اللّه تعالى عن المنافقين الّذين تقدّم نعته لهم ووصفه إيّاهم بما وصفهم به من الشّكّ والتّكذيب، أنّهم هم الجهّال في أديانهم، الضّعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم الّتي اختاروها لأنفسهم من الشّكّ والتكذيب والرّيب في أمر اللّه وأمر رسوله وأمر نبوّته، وفيما جاء به من عند اللّه، وأمر البعث، لإساءتهم إلى أنفسهم بما أتوا من ذلك، وهم يحسبون أنّهم إليها يحسنون. وذلك هو عين السّفه، لأنّ السّفيه إنّما يفسد من حيث يرى أنّه يصلح ويضيّع من حيث يرى أنّه يحفظ. فكذلك المنافق يعصي ربّه من حيث يرى أنّه يطيعه، ويكفر به من حيث يرى أنّه يؤمن به، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنّه يحسن إليها، كما وصفهم به ربّنا جلّ ذكره فقال: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} وقال: ألا إنّهم هم السّفهاء دون المؤمنين المصدّقين باللّه وبكتابه وبرسوله وثوابه وعقابه، ولكن لا يعلمون. وكذلك كان ابن عبّاسٍ يتأوّل هذه الآية.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر بن عمّارٍ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، «يقول اللّه جلّ ثناؤه: {ألا إنّهم هم السّفهاء} يقول: الجهّال {ولكن لا يعلمون} يقول: ولكن لا يعقلون».
وأمّا وجه دخول الألف واللاّم في السّفهاء فشبيهٌ بوجه دخولهما في النّاس في قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس} وقد بيّنّا العلّة في دخولهما هنالك، والعلّة في دخولهما في السّفهاء نظيرتها في دخولهما في النّاس هنالك سواءٌ.
والدّلالة الّتي تدلّ عليه هذه الآية من خطأ قول من زعم أنّ العقوبة من اللّه لا يستحقّها إلاّ المعاند ربّه بعد علمه بصحّة ما عانده فيه نظيرة دلالة الآيات الأخر الّتي قد تقدّم ذكرنا تأويلها في قوله: {ولكن لا يشعرون} ونظائر ذلك). [جامع البيان: 1/ 304 - 305]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا}
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلاء أبو كريبٍ، ثنا عثمان بن سعيدٍ، الزّيّات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: «{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس} يقول: وإذا قيل لهم صدّقوا».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 45]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {كما آمن الناس}
- به عن ابن عبّاسٍ: «{كما آمن النّاس} صدّقوا كما صدّق أصحاب محمّدٍ- صلّى اللّه عليه وسلّم- أنّه نبيٌّ ورسولٌ، وأنّ ما أنزل اللّه حقٌّ، وصدّقوا بالآخرة وأنّكم تبعثون من بعد الموت».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 46]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {قالوا أنؤمن}
- وبه عن ابن عبّاسٍ: « {قالوا أنؤمن} يقول: أنقول».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 46]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {كما آمن السّفهاء}
- وبه عن ابن عبّاسٍ قالوا: «{أنؤمن كما آمن السّفهاء} يقولون: أنقول كما يقول السّفهاء، يعنون أصحاب محمّدٍ- صلّى اللّه عليه وسلّم- بخلافهم لدينهم».
- حدّثنا عصام بن الرّوّاد، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: «{قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء} يعنون أصحاب محمّدٍ- صلّى اللّه عليه وسلّم».
وكذا فسّره السّدّيّ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 46]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {ألا إنّهم هم السّفهاء}
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعي، د ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، «يقول اللّه: {ألا إنّهم هم السّفهاء} يقول: الجهّال».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 46]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ولكن لا يعلمون}
- حدّثنا عليّ بن الحسين به، عن ابن عبّاسٍ: «{ولكن لا يعلمون} يقول: ولكن لا يعقلون».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 46]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما أمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}.
- أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} قال: «صدقوا كما صدق أصحاب محمد أنه نبي ورسول وأن ما أنزل عليه حق {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} يعنون أصحاب محمد {ألا إنهم هم السفهاء} يقول: الجهال {ولكن لا يعلمون} يقول: لا يعقلون».
- وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسند واه عن ابن عباس في قوله: {آمنوا كما من الناس} قال: «أبو بكر وعمر وعثمان وعلي».
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {كما آمن السفهاء} قال: «يعنون أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم».
- وأخرج عن الربيع، وابن زيد مثله). [الدر المنثور: 1/ 163 - 164]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنبأنا معمر بن قتادة في قوله: {وإذا خلو إلى شياطينهم} قال: «المشركون».). [تفسير عبد الرزاق: 1/39]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب
قال مجاهدٌ: {إلى شياطينهم} «أصحابهم من المنافقين والمشركين» {محيطٌ بالكافرين} [البقرة: 19]: «اللّه جامعهم» {على الخاشعين} [البقرة: 45]: «على المؤمنين حقًّا»
قال مجاهدٌ: {بقوّةٍ} [البقرة: 63]: «يعمل بما فيه»، وقال أبو العالية: {مرضٌ} [البقرة: 10]: «شكٌّ» {وما خلفها} [البقرة: 66]: «عبرةٌ لمن بقي» {لا شية} [البقرة: 71]: «لا بياض».
وقال غيره: {يسومونكم} [البقرة: 49]: " يولونكم الولاية، - مفتوحةٌ - مصدر الولاء، وهي الرّبوبيّة، إذا كسرت الواو فهي الإمارة، وقال بعضهم: الحبوب الّتي تؤكل كلّها فومٌ "
وقال قتادة: {فباءوا}: «فانقلبوا»، وقال غيره: «{يستفتحون} [البقرة: 89] يستنصرون، {شروا} [البقرة: 102]: باعوا، {راعنا} [البقرة: 104]: من الرّعونة، إذا أرادوا أن يحمّقوا إنسانًا، قالوا: راعنًا، {لا يجزي} [لقمان: 33]: لا يغني، {خطوات} [البقرة: 168]: من الخطو، والمعنى: آثاره {ابتلى} [البقرة: 124]: اختبر ». ). [صحيح البخاري: / 18]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله: بابٌ كذا)
لهم بغير ترجمةٍ قوله: (قال مجاهدٌ) إلى آخر ما أورده عنه من التّفاسير سقط جميع ذلك للسّرخسيّ قوله: ({إلى شياطينهم} أصحابهم من المنافقين والمشركين) وصله عبد بن حميدٍ عن شبابة عن ورقاء عن بن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: « إلى أصحابهم »، فذكره ومن طريق شيبان عن قتادة قال: «إلى إخوانهم من المشركين ورءوسهم وقادتهم في الشّرّ»، وروى الطّبرانيّ نحوه عن ابن مسعود ومن طريق ابن عبّاسٍ قال: «كان رجالٌ من اليهود إذا لقوا الصّحابة قالوا إنّا على دينكم وإذا خلوا إلى شياطينهم وهم أصحابهم قالوا إنّا معكم»، والنّكتة في تعدية خلوا بإلى مع أنّ أكثر ما يتعدّى بالباء أنّ الّذي يتعدّى بالباء يحتمل الانفراد والسّخرية تقول خلوت به إذا سخرت منه والّذي يتعدّى بإلى نصٌّ في الانفراد أفاد ذلك الطّبريّ، ويحتمل أن يكون ضمّن خلا معنى ذهب وعلى طريقة الكوفيّين بأنّ حروف الجرّ تتناوب فإلى بمعنى الباء أو بمعنى مع.
قوله: ({محيطٌ بالكافرين} اللّه جامعهم) وصله عبد بن حميدٍ بالإسناد المذكور عن مجاهدٍ ووصله الطّبريّ من وجهٍ آخر عنه وزاد في جهنّم ومن طريق ابن عبّاس في قوله: {محيط بالكافرين} قال: {منزلٌ بهم النّقمة}
تنبيهٌ قوله: {واللّه محيط بالكافرين} جملة مبتدأٍ وخبرٍ اعترضت بين جملة {يجعلون اصابعهم} وجملة {يكاد البرق يخطف أبصارهم}
قوله: ({صبغة} دينٌ) وصله عبد بن حميدٍ من طريق منصورٍ عن مجاهدٍ قال: «قوله: {صبغة اللّه} أي دين اللّه».
ومن طريق بن أبي نجيحٍ عنه قال: «{صبغة اللّه} أي فطرة اللّه»، ومن طريق قتادة قال: «إنّ اليهود تصبغ أبناءها تهوّدًا وكذلك النّصارى وإنّ صبغة اللّه الإسلام وهو دين اللّه الّذي بعث به نوحًا ومن كان بعده»، انتهى.
وقراءة الجمهور صبغة بالنّصب وهو مصدرٌ انتصب عن قوله: {ونحن له مسلمون} على الأرجح، وقيل منصوبٌ على الإغراء أي الزموا وكأن لفظ صبغة ورد بطريق المشا كله؛ لأنّ النّصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء المعموديّة ويزعمون أنّهم يطهّرونهم بذلك فقيل للمسلمين الزموا صبغة اللّه فإنّها أطهر.
قوله: ({على الخاشعين} على المؤمنين حقًّا) وصله عبد بن حميدٍ عن شبابة بالسّند المذكور عن مجاهد وروى بن أبي حاتمٍ من طريق أبي العالية قال: في قوله: {إلّا على الخاشعين}، قال: «يعني الخائفين»، ومن طريق مقاتل بن حبّان قال:«يعني به المتواضعين».
قوله: ({بقوّةٍ} يعمل بما فيه)، وصله عبد بالسّند المذكور وروى بن أبي حاتمٍ والطّبريّ من طريق أبي العالية قال:« القوّة الطّاعة»، ومن طريق قتادة والسّدّيّ قال: «القوّة الجدّ والاجتهاد».
قوله: (وقال أبو العالية: «مرض شكّ»)، وصله بن أبي حاتمٍ من طريق أبي جعفرٍ الرّازيّ عن أبي العالية في قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} «أي شكٌّ»، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ مثله ومن طريق عكرمة قال: «الرّياء» ومن طريق قتادة في قوله: {فزادهم اللّه مرضا}«أي نفاقًا».
وروى الطّبريّ من طريق قتادة في قوله: {في قلوبهم مرض} قال: «ريبةٌ وشكٌّ في أمر اللّه تعالى».
قوله: ({وما خلفها} عبرةً لمن بقي)، وصله بن أبي حاتمٍ من طريق أبي جعفرٍ الرّازيّ عن أبي العالية في قوله: {فجعلناها نكالًا لما بين يديها} «أي عقوبةً لما خلا من ذنوبهم»، {وما خلفها} «أي عبرةً لمن بقي بعدهم من النّاس».
قوله: ({لاشية فيها} لابياض فيها)، تقدّم في ترجمة موسى من أحاديث الأنبياء قوله: (وقال غيره يسومونكم يولونكم) هو بضمّ أوّله وسكون الواو، والغير المذكور هو أبو عبيدٍ القاسم بن سلّامٍ ذكره كذلك في الغريب المصنّف، وكذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى في المجاز ومنه قول عمرو بن كلثومٍ:

إذا ما الملك سام النّاس خسفًا....... أبينا أن نقرّ الخسف فينا


ويحتمل أن يكون السّوم بمعنى الدّوام أي يديمون تعذيبكم ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرّعي، وقال الطّبريّ: معنى يسومونكم يوردونكم أو يذيقونكم أو يولونكم.
قوله: (الولاية مفتوحةً) أي مفتوحة الواو (مصدر الولاء وهي الرّبوبيّة وإذا كسرت الواو فهي الإمارة) هو معنى كلام أبي عبيدة قال: في قوله تعالى: {هنالك الولاية لله الحق} الولاية بالفتح مصدر الولي وبالكسر ووليت العمل والأمر تليه وذكر البخاريّ هذه الكلمة وإن كانت في الكهف لا في البقرة ليقوّي تفسير يسومونكم يولونكم.
قوله: (وقال بعضهم الحبوب الّتي تؤكل كلّها فومٌ) هذا حكاه الفرّاء في معاني القرآن عن عطاءٍ وقتادة قال: «الفوم كل حب يختبز»، وأخرج بن جرير وبن أبي حاتم من طرق عن بن عبّاسٍ ومجاهدٍ وغيرهما: «أنّ الفوم الحنطة»، وحكى بن جرير أن في قراءة بن مسعودٍ الثّوم بالمثلّثة وبه فسّره سعيد بن جبيرٍ وغيره فإن كان محفوظًا فالفاء تبدل من الثّاء في عدّة أسماءٍ فيكون هذا منها واللّه أعلم.
قوله: (وقال قتادة فباءوا فانقلبوا) وصله عبد بن حميدٍ من طريقه.
قوله: (وقال غيره يستفتحون يستنصرون) هو تفسير أبي عبيدة وروى مثله الطّبريّ من طريق العوفيّ عن بن عبّاس ومن طريق الضّحّاك عن بن عبّاس قال: «أي يستظهرون»، وروى بن إسحاق في السّيرة النّبويّة عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخٍ لهم قالوا: «فينا وفي اليهود نزلت وذلك أنّا كنّا قد علوناهم في الجاهليّة فكانوا يقولون إنّ نبيًّا سيبعث قد أظلّ زمانه فنقتلكم معه فلمّا بعث اللّه نبيّه واتّبعناه كفروا به فنزلت»، وأخرجه الحاكم من وجهٍ آخر عن بن عبّاسٍ مطوّلًا.
قوله: (شروا باعوا)، هو قول أبي عبيدة أيضًا قال: «في قوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} أي باعوا» وكذا أخرجه بن أبي حاتمٍ من طريق السّدّيّ.
قوله: ({راعنا} من الرّعونة إذا أرادوا أن يحمّقوا إنسانًا قالوا راعنا) قلت: هذا على قراءة من نوّن وهي قراءة الحسن البصريّ وأبي حيوة ووجهه أنّها صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي لا تقولوا قولًا راعنًا أي قولًا ذا رعونةٍ، وروى بن أبي حاتمٍ من طريق عبّاد بن منصورٍ عن الحسن قال: الرّاعن السّخريّ من القول نهاهم اللّه أن يسخروا من محمّدٍ ويحتمل أن يضمّن القول التّسمية أي لا تسمّوا نبيّكم راعنًا الرّاعن الأحمق والأرعن مبالغةٌ فيه وفي قراءة أبيّ بن كعبٍ لا تقولوا راعونا وهي بلفظ الجمع وكذا في مصحف بن مسعودٍ وفيه أيضًا أرعونا وقرأ الجمهور راعنا بغير تنوينٍ على أنّه فعل أمرٍ من المراعاة وإنّما نهوا عن ذلك لأنّها كلمةٌ تقتضي المساواة وقد فسّرها مجاهدٌ: «لا تقولوا اسمع منّا ونسمع منك»، وعن عطاءٍ: «كانت لغةً تقولها الأنصار فنهوا عنها»، وعن السّدّيّ قال: كان رجلٌ يهوديٌّ يقال له رفاعة بن زيدٍ يأتي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول له ارعني سمعك واسمع غير مسمعٍ فكان المسلمون يحسبون أنّ في ذلك تفخيمًا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا يقولون ذلك فنهوا عنه، وروى أبو نعيمٍ في الدّلائل بسند ضعيف جدا عن بن عبّاسٍ قال: « راعنا بلسان اليهود السّب القبيح فسمع سعد بن معاذٍ ناسًا من اليهود خاطبوا بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لئن سمعتها من أحدٍ منكم لأضربنّ عنقه ».
قوله: ({لاتجزى} لا تغني) هو قول أبي عبيدة في قوله تعالى: {لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئا} أي لاتغنى، وروى بن أبي حاتم من طريق السّديّ قال: يغنى لاتغنى نفسٌ مؤمنةٌ عن نفسٍ كافرةٍ من المنفعة شيئًا.
قوله: ({خطوات} من الخطو والمعنى آثاره) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {لا تتبعوا خطوات الشّيطان} هي الخطا واحدتها خطوةٌ ومعناها آثار الشّيطان، وروى بن أبي حاتمٍ من طريق عكرمة قال: « خطوات الشّيطان نزغات الشّيطان»، ومن طريق مجاهدٍ:«خطوات الشّيطان خطاه »، ومن طريق القاسم بن الوليد قلت لقتادة فقال: «كلّ معصية اللّه فهي من خطوات الشّيطان»، وروى سعيد بن منصورٍ عن أبي مجلزٍ قال: « خطوات الشّيطان النّذور في المعاصي»كذا قال واللّفظ أعمّ من ذلك فمن في كلامه مقدّرةٌ.
قوله: ({ابتلى} اختبر) هو تفسير أبي عبيدة والأكثر، وقال: الفرّاء أمره وثبت هذا في نسخة الصّغانيّ). [فتح الباري: 8/ 161 - 163]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: (2 باب
وقال مجاهد: «{إلى شياطينهم} أصحابهم من المنافقين والمشركين {محيط بالكافرين} الله جامعهم {على} {الخاشعين} على المؤمنين حقًا »، وقال أبو العالية: «{مرض}شكّ {وما خلفها} عبرة لمن بقي {لا شية} لا بياض »).
أما تفاسير مجاهد فقال عبد بن حميد ثنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذه الجمل الثّلاثة.
وأما تفاسير أبي العالية فقال ابن أبي حاتم ثنا عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني ثنا آدم بن أبي إياس ثنا أبو جعفر الرّازيّ عن الرّبيع بن أنس عن أبي العالية: «يقول الله: {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] يعني شكّ ».، وبه إلى أبي العالية في قوله: {وما خلفها} «أي عبرة لمن بقي بعدهم من النّاس».
وتفسير {لا شية} تقدم في أحاديث الأنبياء.
قوله: (وقال غيره {يسومونكم} [البقرة: 49] يولونكم) قلت: الغير هو أبي عبيدالقاسم بن سلام قاله في الغريب المصنّف له، وحكاه ابن جرير أيضا وتفسير الآيتين تقدم في أحاديث الأنبياء.
قوله فيه: (وقال قتادة:{فباؤوا} [البقرة: 61] فانقلبوا)، قال عبد الرّزّاق في تفسيره ثنا معمر عن قتادة بهذا.
قوله: (وقال بعضهم الحبوب الّتي تؤكل كلها فوم)، قلت: هو قول عطاء حكاه عنه الفراء في معانيه أسنده عنه الطّبريّ وغيره.
قوله فيه: (وقال مجاهد: {بقوّة} يعمل بما فيه)، قال عبد بن حميد ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا
قوله فيه: (وقال مجاهد: المنّ صمغه والسلوى الطير)، قال عبد ثنا شبابة ثنا ورقاء ح وقال الفريابيّ ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا.
قوله: (وقال غيره {يستفتحون}[البقرة: 89] يستنصرون، {شروا}[البقرة: 102] باعوا، {راعنا} من الرعونة إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا راعنا، {لا يجزي} لا يغني {خطوات} من الخطو والمعنى آثاره).
أما تفسير {يستفتحون} فذكره عبد عن مجاهد بسنده المذكور.
وأما شروا ولا تجزي فرواه الطّبريّ عن السّديّ، وأما راعنا فروي عن الحسن نحوه). [تغليق التعليق: 4/ 171 - 174]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (بابٌ) أي: هذا باب، كذا وقع بلا ترجمة في رواية الكل.
(قال مجاهدٌ: {إلى شياطينهم} أصحابهم من المنافقين والمشركين)
أشار به إلى تفسير قوله تعالى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} وهذا التّعليق وصله عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وروي عن قتادة قال: «إلى إخوانهم من المشركين ورؤوسهم »، ومعنى: خلوا رجعوا، ويجوز أن يكون من الخلوة يقال: خلوت به وخلوت معه وخلوت إليه والكل بمعنى واحد، والشيطان المتمرد العاتي من الجنّ والإنس ومن كل شيء، واشتقاقه من: شطن، أي: بعد عن الخير، وقيل: من شاط يشيط إذا التهب واحترق، فعلى الأول النّون أصليّة، وعلى الثّاني زائدة.
({محيطٌ بالكافرين}: الله جامعهم)
أشار به إلى آخر قوله تعالى: {أو كصيب من السّماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصّواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين}. وفسره بقوله: (الله جامعهم) وهذا وصله عبد بن حميد بالإسناد المذكور عن مجاهد، وقال الزّمخشريّ: وإحاطة الله بالكافرين مجاز، والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط حقيقة، وهذه الجملة اعتراض لا محل لها. انتهى. قلت: هي جملة إسمية، فالجملة لا يكون لها محل من الإعراب إلاّ إذا وقعت في موقع المفرد، ومعنى قوله: مجاز، استعارة تمثيلية شبه حاله تعالى مع الكفّار في أنهم لا يفوتونه ولا محيص لهم من عذابه بحال المحيط بالشّيء لأنّه لا يفوته المحاط.
({صبغةٌ}: دينٌ)
أشار بهذا إلى أن الصبغة الّتي في قوله تعالى: {صبغة الله} [البقرة: 138] مفسرة: بالدّين، وكذا فسرها مجاهد، رواه عنه عبد بن حميد من طريق منصور عنه قال: «صبغة الله، أي: دين الله ».، وروي من طريق ابن أبي نجيح عنه، قال: «صبغة الله أي: فطرة الله ».
({على الخاشعين}: على المؤمنين حقًّا)
أشار به إلى قول الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصّلاة وإنّها الكبيرة إلاّ على الخاشعين} [البقرة: 45] ثمّ فسر الخاشعين بقوله: (على المؤمنين حقًا) ووصله عبد بن حميد عن شبابة بالسند المذكور عن مجاهد، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال: في قوله تعالى: {إلاّ على الخاشعين} [البقرة: 45] « يعني: الخائفين »، ومن طريق مقاتل بن حبان، قال: «يعني به المتواضعين ».
(قال مجاهدٌ: «{بقوّةٍ} يعمل بما فيه »).
أشار به إلى قوله تعالى: {خذوا ما آتيناكم بقوّة} [البقرة: 63 - 93] ثمّ فسر القوّة بقوله: (يعمل بما فيه)، وعن أبي العالية: «القوّة الطّاعة »، وعن قتادة والسّديّ: «القوّة الجد والاجتهاد ».
(وقال أبو العالية: «مرضٌ شكٌّ »).
أشار به إلى قوله تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} ثمّ حكى عن أبي العالية أنه قال: «مرض شكّ »، ووصل هذا ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرّازيّ عن أبي العالية، واسمه: رفيع بن مهران الرياحي.
({وما خلفها}: عبرةٌ لمن بقي).
أشار به إلى قوله تعالى: {فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] ثمّ فسر قوله: {وما خلفها} بقوله: (عبرة لمن بقي) ومعنى الآية: {فجعلناها}، أي: المسخة الّتي تفهم من قوله قبل هذا: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا} أي: عبرة، تنكل من اعتبر بها، أي: تمنعه، ومنه النكل وهو القيد. قوله: {لما بين يديها} [البقرة: 65] أي: لما قبلها. قوله: {وما خلفها} [البقرة: 66] أي، وما بعدها من الأمم والقرون، وفسّر البخاريّ قوله: {وما خلفها} بقوله: (عبرة لمن بقي) بعدهم من النّاس، وكذا فسره أبو العالية، ورواه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر عنه، وقال الزّمخشريّ: وقيل: نكالاً عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدمها من الذّنوب وما تأخّر منها.
({لا شية}: لا بياض).
أشار به إلى قوله تعالى: {إنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها} ثمّ فسر قوله: {لا شية}، بقوله: (لا بياض) وقال الزّمخشريّ: {لا شية فيها}: لا لمعة في بقيتها من لون آخر سوى الصّفرة، فهي صفراء كلها حتّى قرنها وظلفها،
والشية في الأصل مصدر وشاه وشياً وشيه إذا خلط بلونه لون آخر قلت: أصل شية، وشي حذفت الواو منه ثمّ عوض عنها التّاء كما في عدّة.
(وقال: غيره).
أي: غير أبي العالية، وهو أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وأراد بهذا: أن تفسير الألفاظ المذكورة إلى هنا من قول أبي العالية المذكور، والّذي بعدها من قول غيره.
({يسومونكم}: يولونكم).
أشار به إلى قوله تعالى: {يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49]، ثمّ فسر قوله: {يسومونكم} [الأعراف: 141] بقوله: {يولونكم} [إبراهيم: 6] بضم الياء وسكون الواو، وهو تفسير أبي عبيدة.
وقال الطّبريّ: معنى يسومونكم يوردونكم أو يذيقونكم أو يولونكم، وقيل: معناه يصرفونكم في العذاب مرّة كذا ومرّة كذا، كما يفعل في الإبل السّائمة.
({الولاية}: مفتوحة مصدر الولاء وهي الرّبوبيّة وإذا كسرت الواو فهي الإمارة).
أشار به إلى قوله تعالى: {هنالك الولاية لله الحق} [الكهف: 44] قوله: (مفتوحة) أي: حال كونها مفتوحة، الواو مصدر الولاء، وهي الربوبية، ومن أسماء الله تعالى: الوالي، وهو مالك الأشياء جميعها المنصرف فيها، ومن أسمائه: الوليّ لأمور العالم والخلائق القائم بها.
قوله: (وإذا كسرت الواو) أي: الواو الّتي في: الولاية، فتكون بمعنى: الإمارة، بسكر الهمزة، وهذا كلام أبي عبيدة حيث قال في قوله تعالى: {هنالك الولاية لله الحق}، «الولاية بالفتح مصدر الوليّ، وبالكسر مصدر وليت العمل والأمر تليه ».
(وقال بعضهم: الحبوب الّتي تؤكل كلّها فومٌ).
أشار بهذا إلى قوله تعالى: {فادع لنا ربك يخرج لنا ممّا تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها} [البقرة: 61] وحكى عن البعض وأراد به عطاء وقتادة: الحبوب الّتي تؤكل كلها فوم، بالفاء، وهكذا حكاه الفراء عنهما في: (معاني القرآن) حيث قال: كل حب يختبز، وروى ابن جرير الطّبريّ وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما: «أن الفوم الحنطة »، وقال الزّمخشريّ: البقل ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطايب البقول الّتي يأكلها النّاس: كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها والفوم الحنطة، ومنه: فوموا لنا، أي: اخبزوا، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش: الثوم، بالثاء المثلّثة، وبه فسره سعيد بن جبير وغيره.
(وقال قتادة: « {فباؤوا} فانقلبوا »).
أي: قال قتادة بن دعامة السدوسي في تفسير قوله: {فباؤوا بغضب من الله} «أي: فانقلبوا »، وقال الزّمخشريّ: فباؤوا، من قولك: باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أي: صاروا أحقاء بغضبه، وقال الزّجاج: البوء التّسوية، بقوله: باؤوا، أي: استوى عليهم غضب الله، ويقال: البوء الرّجوع أي: رجعوا وانصرفوا بذلك، وهو قريب من تفسير قتادة.
(وقال غيره: {يستفتحون} يستنصرون).
أي: وقال غير قتادة، وهو أبو عبيدة إن معنى قوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا} [البقرة: 89] «يعني: يستنصرون»، وروى الطّبريّ من طريق الضّحّاك عن ابن عبّاس:« يستظهرون»، قال الله تعالى: {ولما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} قوله: {ولما جاءهم} أي: اليهود {كتاب من عند الله} وهو القرآن الّذي أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم {مصدق لما معهم} يعني: من التّوراة، قوله: (وكانوا أي اليهود: من قبل، أي: من قبل مجيبي القرآن على لسان هذا الرّسول يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، فيقولون: إنّه سيبعث نبي في آخر الزّمان نقتلكم معه قتل عاد). قوله: {فلمّا جاءهم ما عرفوا} يعني: فلمّا بعث محمّد صلى الله عليه وسلم ورأوه وعرفوه {كفروا به فلعنة الله على الكافرين} قال الزّمخشريّ: أي: عليهم، وضعا للظّاهر موضع المضمر، واللّام للعهد، ويجوز أن يكون للجنس. ويدخلوا فيه دخولا أولياً.
({شروا}: باعوا).
أشار به إلى قوله تعالى: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} [البقرة: 102] ثمّ فسره بقوله: (باعوا) وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السّديّ.
(راعنا من الرّعونة إذا أرادوا أن يحمّقوا إنساناً قالوا راعنا).
أشار به إلى قوله تعالى: {يا أيها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا قولوا أنظرنا} الآية نهى الله تعالى المؤمنين أن يشتبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص، فإذا أرادوا أن يقولوا: إسمع لنا، يقولون: راعنا، ويورون بالرعونة الحماقة، ومنها: الراعن وهو الأحمق، والأرعن عن مبالغة فيه فنهى الله تعالى المؤمنين عن مشابهة الكفّارة قولا وفعلاً، فقال: {يا أيها الّذين آمنوا لا تقولوا راعنا} الآية، وروى أحمد من حديث ابن عمر عن النّبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقرأ عبد الله بن مسعود: عوناً، وقرأ الحسن: راعنا، بالتّنوين من الرعن وهو الحماقة أي: لا تقولوا قولا راعنا منسوبا إلى الرعن، بمعنى: رعينا، وقرأ الجمهور بلا تنوين على أنه فعل أمر من المراعاة، والّذي قاله البخاريّ يمشي على قراءة الحسن.
({لا تجزي}: لا تغني).
أشار به إلى قوله تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} [البقرة: 48] وفسره بقوله: {لا تغني} [البقرة: 123] وكذلك فسره أبو عبيدة، وروى ابن أبي حاتم من طريق السّديّ، قال: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا.
({خطواتٍ}: من الخطو والمعنى آثاره).
أشار به إلى قوله تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشّيطان} [البقرة: 168 - 208] وقال: خطوات من الخطو والخطو مصدر خطا يخطو خطواً، والخطوة بالضّمّ بعدما بين القدمين في المشي، وبالفتح المرة، وجمع الخطوة في الكثرة: خطى، وفي القلّة: خطوات، بتثليث الطّاء، وفسّر خطوات الشّيطان بقوله: {آثاره} [الأنعام: 142] ). [عمدة القاري: 18/ 83 - 86]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب
قال مجاهدٌ: {إلى شياطينهم}«أصحابهم من المنافقين والمشركين»، {محيطٌ بالكافرين}«اللّه جامعهم»، {صبغة} «دين»، {على الخاشعين} «على المؤمنين حقًّا»، قال مجاهدٌ: «{بقوّةٍ} يعمل بما فيه»، وقال أبو العالية: «{مرضٌ} شكٌّ {وما خلفها} عبرةٌ لمن بقي {لا شية} لا بياض »، وقال غيره: {يسومونكم} يولونكم {الولاية} مفتوحةٌ مصدر الولاء وهي الرّبوبيّة، إذا كسرت الواو فهي الإمارة، وقال بعضهم: الحبوب الّتي تؤكل كلّها {فومٌ} وقال قتادة: {فباءوا} فانقلبوا، وقال غيره: {يستفتحون} يستنصرون {شروا} باعوا {راعنا} من الرّعونة إذا أرادوا أن يحمّقوا إنسانًا، قالوا: راعنا {لا تجزي} لا تغني {خطوات} من الخطو، والمعنى آثاره.
(باب) بالتنوين بغير ترجمة.
(قال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد عن ورقاء عن أبي نجيح عنه في قوله تعالى: {وإذا خلوا} ({إلى شياطينهم}): أي (أصحابهم من المنافقين والمشركين)، وسموا شياطين لأنهم ماثلوا الشياطين في تمرّدهم وهم المظهرون كفرهم إضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. قال القطب: فهو استعارة وإضافة الشياطين إليهم قرينة الاستعارة.
وقال مجاهد أيضًا فيما وصله عبد بن حميد بالإسناد المذكور في قوله تعالى: {والله} ({محيط بالكافرين}) [البقرة: 19] أي (الله جامعهم)، زاد الطبري في جهنم، قال البيضاوي كالزمخشري: أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، وجملة والله محيط اعتراض لا محل لها. وقال القطب: فهو استعارة تمثيلية شبه حال تقريع الكفار في أنهم لا يفوتونه ولا محيص لهم عن عذابه بحال المحيط بالشيء في أنه لا يفوته المحاط به، واستعير لجانب المشبه الإحاطة، وقوله: والجملة اعتراض لا على لها قال أبو حيان: لأنها دخلت بين هاتين الجملتين وهما: {يجعلون أصابعهم} و {يكاد البرق} وهما من قصة واحدة.
({صبغة}) أي (دين) يريد قوله تعالى: {صبغة الله} وهذا وصله أيضًا عبد بن حميد عن مجاهد أيضًا. وقال البيضاوي: أي صبغنا الله صبغته وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة تحلية المصبوغ.
وقال مجاهد أيضًا في قوله تعالى: {إلا} ({على الخاشعين}) أي (على المؤمنين حقًّا)، وصله عنه عبد بن حميد.
(قال مجاهد) أيضًا: ({بقوّة}) [البقرة: 63] أي (يعمل بما فيه)، وصله عنه عبد بن حميد أيضًا وسقط لأبي ذر قوله قال مجاهد:
(وقال أبو العالية): فيما وصله ابن أبي حاتم عنه في قوله تعالى: {في قلوبهم} ({مرض}) [البقرة: 10] أي (شك) ، وقال: أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم عنه في قوله تعالى: {نكالًا لما بين يديها} ({وما خلفها}) أي (عبرة لمن بقي) أي من بعدهم من الناس، وقوله تعالى: ({لا شية}) [البقرة: 71] فيها بالياء من غير همز أي (لا بياض) فيها.
(وقال غيره): هو أبو عبيد القاسم بن سلام في قوله تعالى: {يسومونكم} أي (يولونكم).
بضم أوّله وسكون الواو وقال في قوله تعالى: {هنالك} ({الولاية} مفتوحة) واوها (مصدر الولاء) بفتح الواو والمد (وهي الربوبية، وإذا كسرت الواو فهي الإمارة) بكسر الهمزة وإنما ذكر هذه ليؤيد بها تفسير يسومونكم: يولونكم.
(وقال بعضهم الحبوب التي تؤكل كلها {فوم})
ذكره الفراء في معاني القرآن عن عطاء وقتادة.
(وقال قتادة): فيما وصله عبد بن حميد في قوله: ({فباؤوا}) أي ( فانقلبوا . وقال غيره): في قوله تعالى: ({يستفتحون}) أي (يستنصرون) كذا قاله أبو عبيدة أي على المشركين ويقولون: اللهم أنصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة، وقال في قوله تعالى: {ولبئس ما} ({شروا}) [البقرة: 102] {به أنفسهم} أي (باعوا) وقوله تعالى: ({راعنا}) (من الرعونة، إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانًا قالوا راعنا)، بالتنوين صفة لمصدر محذوف أي قولًا ذا رعن عن نسبة إلى الرعن والرعونة الحمق، والجملة في محل نصب بالقول، وفي قوله تعالى: ({لا تجزي})
[البقرة: 48] أي (لا تغني)، وفي قوله تعالى: {لا تتبعوا} ({خطوات}) {الشيطان} [البقرة: 168] (من الخطو، والمعنى آثاره). أي آثار الشيطان، وجميع ما ذكر من قوله قال مجاهد التالي الباب إلى هنا ثابت للمستملي والكشميهني، ساقط للحموي). [إرشاد الساري: 7/ 9]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون}.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآية نظيرة الآية الأخرى الّتي أخبر اللّه جلّ ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم اللّه ورسوله والمؤمنين، فقال: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر} ثمّ أكذبهم تعالى ذكره بقوله: {وما هم بمؤمنين} وأنّهم بقيلهم ذلك يخادعون اللّه والّذين آمنوا، وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنّهم يقولون للمؤمنين المصدّقين باللّه وكتابه ورسوله بألسنتهم: آمنّا وصدّقنا بمحمّدٍ وبما جاء به من عند اللّه، خداعًا عن دمائهم وأموالهم وذراريّهم، ودرءًا لهم عنها، وأنّهم إذا خلوا إلى مردتهم وأهل العتوّ والشّرّ والخبث منهم ومن سائر أهل الشّرك الّذين هم على مثل ما هم عليه من الكفر باللّه وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم، وقد دلّلنا فيما مضى من كتابنا على أنّ شياطين كلّ شيءٍ مردته، قالوا لهم: {إنّا معكم} أي إنّا معكم على دينكم، وظهراؤكم على من خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، إنّما نحن مستهزئون باللّه وبكتابه ورسوله وأصحابه.
- كالّذي حدّثنا محمّد بن العلاء: قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال حدّثنا بشر بن عمّارٍ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} قال: «كان رجالٌ من اليهود إذا لقوا أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو بعضهم، قالوا: إنّا على دينكم، وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم {قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون} ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «إذا خلوا إلى شياطينهم من يهود الّذين يأمرونهم بالتّكذيب، وخلاف ما جاء به الرّسول {قالوا إنّا معكم} أي إنّا على مثل ما أنتم عليه {إنّما نحن مستهزئون} ».
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} أمّا شياطينهم، فهم رءوسهم في الكفر ».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ العقديّ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٍ، عن قتادة، قوله: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} أي رؤسائهم وقادتهم في الشّرّ، قالوا: {إنّما نحن مستهزئون}».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أنبأنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «المشركون».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو الباهليّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى بن ميمونٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللّه عزّ وجلّ: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفّار ».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو حذيفة، عن شبل بن عبّادٍ، عن عبد اللّه بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «أصحابهم من المنافقين والمشركين ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «إخوانهم من المشركين، {قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون} ».
- حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} قال: «إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ، قالوا إنّا نحن معكم إنّما نحن إخوانكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزءوا بالمؤمنين.».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {شياطينهم}: «أصحابهم من المنافقين والمشركين ».
فإن قال لنا قائلٌ: أرأيت قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} فكيف قيل {: خلوا إلى شياطينهم}؟ ولم يقل خلوا بشياطينهم؟ فقد علمت أنّ الجاري بين النّاس في كلامهم خلوت بفلانٍ أكثر وأفشى من خلوت إلى فلانٍ، ومن قولك: إنّ القرآن أفصح البيان.
قيل: قد اختلف في ذلك أهل العلم بلغة العرب، فكان بعض نحويّي البصرة يقول: يقال خلوت إلى فلانٍ، إذا أريد به: خلوت إليه في الحاجةٍ خاصّةٍ؛ لا يحتمل إذا قيل كذلك إلاّ الخلاء إليه في قضاء الحاجة. فأمّا إذا قيل: خلوت به احتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخر: في السّخرية به، فعلى هذا القول {وإذا خلوا إلى شياطينهم} لا شكّ أفصح منه لو قيل: وإذا خلوا بشياطينهم لما في قول القائل: إذا خلوا بشياطينهم من التباس المعنى على سامعيه الّذي هو منتفٍ عن قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} فهذا أحد الأقوال.
والقول الآخر: أن توجّه معنى قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} وإذا خلوا مع شياطينهم، إذ كانت حروف الصّفات يعاقب بعضها بعضًا كما قال اللّه مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنّه قال للحواريّين: {من أنصاري إلى اللّه} يريد مع اللّه، وكما توضع على في موضع من وفي وعن والباء، كما قال الشّاعر:

إذا رضيت عليّ بنو قشيرٍ ....... لعمر اللّه أعجبني رضاها

بمعنى عنّي.
وأمّا بعض نحويّي أهل الكوفة فإنّه كان يتأوّل أنّ ذلك بمعنى: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} وإذا صرفوا خلاءهم إلى شياطينهم؛ فيزعم أنّ الجالب إلى المعنى الّذي دلّ عليه الكلام: من انصراف المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم، لا قوله خلوا، وعلى هذا التّأويل لا يصلح في موضع إلى غيرها لتغيّر الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها.
وهذا القول عندي أولى بالصّواب، لأنّ لكلّ حرفٍ من حروف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره، فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها. ولإلى في كلّ موضعٍ دخلت من الكلام حكمٌ وغير جائزٍ سلبها معانيها في أماكنها). [جامع البيان: 1/ 306 - 310]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّما نحن مستهزئون}.
أجمع أهل التّأويل جميعًا لا خلاف بينهم، على أنّ معنى قوله: {إنّما نحن مستهزئون} إنّما نحن ساخرون، فمعنى الكلام إذًا: وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مردتهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنّا معكم على ما أنتم عليه من التّكذيب بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبما جاء به ومعاداته ومعاداة أتباعه، إنّما نحن ساخرون بأصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم في قيلنا لهم إذا لقيناهم {آمنّا باللّه وباليوم الآخر}.
- كما حدّثنا محمّد بن العلاء، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «قالوا: {إنّما نحن مستهزئون} ساخرون بأصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّما نحن مستهزئون} أي إنّما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم ».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ العقديّ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة: «{إنّما نحن مستهزئون} إنّما نستهزئ بهؤلاء القوم ونسخر بهم ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: «{إنّما نحن مستهزئون} أي نستهزئ بأصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ».). [جامع البيان: 1/ 311 - 312]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون (14) }
قوله تعالى: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا}
- وبه عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} قال: «كان رجالٌ من اليهود إذا لقوا أصحاب النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- أو بعضهم قالوا: إنّا على دينكم ».
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة عن، محمد ابن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٌ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد ابن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ:« {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} أي صاحبكم رسول اللّه، ولكنّه إليكم خاصّةً ».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 46 - 47]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وإذا خلوا}
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ، قوله: «{خلوا} يعني مضوا ».
- حدّثنا عليّ بن الحسين: ثنا محمّد بن العلاء: ثنا عثمان بن سعيدٍ عن بشر ابن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} وهم إخوانهم. ».
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثنا محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} من يهود الّذين يأمرونهم بالتّكذيب وخلاف ما جاء به الرّسول- صلّى اللّه عليه وسلّم. ».
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا عبد الوهّاب بن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «إلى رؤسائهم وقادتهم في الشّرك والشّرّ ».
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين ».
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالك.
{وإذا خلوا إلى شياطينهم}
{اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون (15)}
يعني رؤس اليهود، وكعب بن الأشرف. قال أبو محمّدٍ: وكذا فسّره أبو العالية والسّدّيّ والرّبيع بن أنسٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 47 - 48]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {قالوا إنّا معكم}
- حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا أبو غسّان، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٌ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{قالوا إنّا معكم} أي إنّا على مثل ما أنتم عليه ».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 48]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {إنما نحن مستهزؤن}
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيدٍ، عن بشر، بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضحاك، عن ابن عبّاسٍ: «{قالوا إنّا معكم، إنّما نحن مستهزؤن} ساخرون بأصحاب محمّدٍ- صلّى اللّه عليه وسلّم- »، وروي عن قتادة والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 48]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} أصحابهم المنافقين والمشركين ».). [تفسير مجاهد: 69]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}
- أخرج الواحدي والثعلبي بسنده عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ بيد علي وقال: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت فأثنوا عليه خيرا، فرجع المسلمون إلى النّبيّ وأخبروه بذلك فنزلت هذه الآية.».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا} الآية، قال: «كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النّبيّ أو بعضهم قالوا: أنا على دينكم {وإذا خلوا إلى شياطينهم} وهم إخوانهم {قالوا إنا معكم} أي على مثل ما أنتم عليه {إنما نحن مستهزؤون} قال: ساخرون بأصحاب محمد {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم {ويمدهم في طغيانهم} قال: في كفرهم {يعمهون} قال: يترددون».
- وأخرج البيهقي في الأسماء عن ابن عباس في قوله: «{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} وهم منافقو أهل الكتاب فذكرهم وذكر استهزاءهم وأنهم {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} على دينكم {إنما نحن مستهزؤون} بأصحاب محمد، يقول الله {الله يستهزئ بهم} في الآخرة يفتح لهم بابا في جهنم من الجنة ثم يقال لهم: تعالوا فيقبلون يسبحون في النار والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم فضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله {الله يستهزئ بهم} في الآخرة ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب، فذلك قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} [المطففون الآية 34] ».
- أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} أي صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة {وإذا خلوا إلى شياطينهم} من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب {قالوا إنا معكم} أي إنا على مثل ما أنتم عليه {إنما نحن مستهزؤون} أي إنما نحن مستهزئون بالقوم ونلعب بهم».
- وأخرج ابن الأنباري عن اليماني أنه قرأ (وإذا لاقوا الذين آمنوا).
- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {وإذا خلوا} قال:«مضوا».
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «رؤوسهم في الكفر».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «أصحابهم من المنافقين والمشركين».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «إلى إخوانهم من المشركين ورؤوسهم وقادتهم في الشر {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون} يقولون: إنما نسخر من هؤلاء القوم ونستهزئ بهم». ). [الدر المنثور: 1/ 164 - 167]

تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون}
قال أبو جعفرٍ: اختلف في صفة استهزاء اللّه جلّ جلاله الّذي ذكر أنّه فاعله بالمنافقين الّذين وصف صفتهم، فقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالّذي أخبرنا تبارك اسمه أنّه فاعلٌ بهم يوم القيامة في قوله تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسورٍ له بابٌ باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى} الآية، وكالّذي أخبرنا أنّه فعل بالكفّار بقوله: {ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثمًا} فهذا وما أشبهه من استهزاء اللّه جلّ وعزّ وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشّرك به، عند قائلي هذا القول ومتأوّلي هذا التّأويل.
وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم: توبيخه إيّاهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه والكفر به، كما يقال: إنّ فلانًا ليهزأ منه اليوم ويسخر منه؛ يراد به توبيخ النّاس إيّاه ولومهم له، أو إهلاكه إيّاهم وتدميره بهم، كما قال عبيد بن الأبرص:

سائل بنا حجر ابن أمّ قطّام إذ ....... ظلّت به السّمر النّواهل تلعب

فزعموا أنّ السّمر وهي القنا لا لعبٌ منها، ولكنّها لمّا قتلتهم وشرّدتهم جعل ذلك من فعلها لعبًا بمن فعلت ذلك به؛ قالوا: فكذلك استهزاء اللّه جلّ ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النّفاق والكفر به، إمّا إهلاكه إيّاهم وتدميره بهم وإمّا إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتةً، أو توبيخه لهم ولأئمّته إيّاهم قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسّخرية.
وقال آخرون: قوله: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم} على الجوّاب، كقول الرّجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به: أنا الّذي خدعتك ولم تكن منه خديعةٌ ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا: وكذلك قوله: {ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين} واللّه يستهزئ بهم على الجواب، واللّه لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى عندهم أنّ المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله: {إنّما نحن مستهزئون اللّه يستهزئ بهم} وقوله: {يخادعون اللّه وهو خادعهم} وقوله: {فيسخرون منهم سخر اللّه منهم} و{نسوا اللّه فنسيهم} وما أشبه ذلك، إخبارٌ من اللّه أنّه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إيّاهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الّذي عليه استحقّوا العقاب في اللّفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جلّ ثناؤه: {وجزاء سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها} ومعلومٌ أنّ الأولى من صاحبها سيّئةٌ إذ كانت منه للّه تبارك وتعالى معصيةً، وأنّ الأخرى عدلٌ لأنّها من اللّه جزاءٌ للعاصي على المعصية، فهما وإن اتّفق لفظاهما مختلفا المعنى، وكذلك قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} فالعدوان الأوّل ظلمٌ، والثّاني جزاءٌ لا ظلمٌ، بل هو عدلٌ؛ لأنّه عقوبةٌ للظّالم على ظلمه وإن وافق لفظه لفظ الأوّل، وإلى مثل هذا المعنى وجّهوا كلّ ما في القرآن من نظائر ذلك ممّا هو خبرٌ عن مكر اللّه جلّ وعزّ بقومٍ، وما أشبه ذلك.
وقال آخرون: إنّ معنى ذلك أنّ اللّه جلّ وعزّ أخبر عن المنافقين أنّهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنّا معكم على دينكم في تكذيب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به، وإنّما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدّقنا بمحمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام وما جاء به مستهزئون؛ يعنون: إنّا نظهر لهم ما هو عندنا باطلٌ لا حقٌّ ولا هدًى، قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر اللّه أنّه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدّنيا خلاف الّذي لهم عنده في الآخرة، كما أظهروا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين في الدّين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصّواب في ذلك من القول والتّأويل عندنا، أنّ معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزإ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا، وهو بذلك من قيله وفعله به مورّطه مساءته باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسّخرية والمكر.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللّه جلّ ثناؤه قد جعل لأهل النّفاق في الدّنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار باللّه وبرسوله وبما جاء به من عند اللّه المدخلهم في عداد من يشملهم اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين أحكام المسلمين المصدّقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحقّقة لهم صحّة إيمانهم، مع علم اللّه عزّ وجلّ بكذبهم، واطّلاعه على خبث اعتقادهم وشكّهم فيما ادّعوا بألسنتهم أنّهم به مصدّقون حتّى ظنّوا في الآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدّنيا أنّهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، واللّه جلّ جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدّنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم؛ معدٌّ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشرّ عباده، حتّى ميّز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدّرك الأسفل من النار. كان معلومًا أنّه جلّ ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إيّاه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور الّتي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدّنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداءٌ، وحشره إيّاهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذّبين إلى أن ميّز بينهم وبينهم، مستهزئًا بهم وساخرًا ولهم خادعًا وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاء والسّخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالمٌ أو عليه فيها عادلٍ، بل ذلك معناه في كلّ أحواله إذا وجدت الصّفات الّتي قدّمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عبّاسٍ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا بشر بن عمّارٍ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {اللّه يستهزئ بهم} قال: «يسخر بهم للنّقمة منهم».
وأمّا الّذين زعموا أنّ قول اللّه تعالى ذكره: {اللّه يستهزئ بهم} إنّما هو على وجه الجواب، وأنّه لم يكن من اللّه استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ؛ فنافون على اللّه عزّ وجلّ ما قد أثبته اللّه عزّ وجلّ لنفسه وأوجبه لها، وسواءٌ قال قائلٌ: لم يكن من اللّه جلّ ذكره استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا سخريةٌ بمن أخبر أنّه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال: لم يخسف اللّه بمن أخبر أنّه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنّه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك: إنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبرنا أنّه مكر بقومٍ مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنّه خسف بهم، وعن آخرين أنّه أغرقهم، فصدّقنا اللّه تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرّق بين شيءٍ منه، فما برهانك على تفريقك ما فرّقت بينه بزعمك أنّه قد أغرق وخسف بمن قد أخبر أنّه أغرق وخسف به، ولم يمكر به أخبر أنّه قد مكر به؟ ثمّ نعكس القول عليه في ذلك فلن يقول في أحدهما شيئًا إلاّ ألزم في الآخر مثله.
فإن لجأ إلى أن يقول إنّ الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن اللّه عزّ وجلّ منفيٌّ.
قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: {اللّه يستهزئ بهم} وسخر اللّه منهم ومكر اللّه بهم، وإن لم يكن من اللّه عندك هزءٌ ولا سخريةٌ؟
فإن قال: لا، كذّب بالقرآن وخرج من ملّة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الّذي قلت: {اللّه يستهزئ بهم} وسخر اللّه منهم؛ يلعب اللّه بهم ويعبث، ولا لعب من اللّه ولا عبثٌ؟ فإن قال: نعم، وصف اللّه بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه وعلى تخطئة واصفه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجّة من العقول على ضلال مضيفه إليه. وإن قال: لا أقول يلعب اللّه به ولا يعبث، وقد أقول يستهزئ بهم ويسخر منهم؛ قيل: فقد فرّقت بين معنى اللّعب، والعبث، والهزء، والسّخرية، والمكر، والخديعة. ومن الوجه الّذي جاز قيل هذا ولم يجز قيل هذا افترق معنياهما، فعلم أنّ لكلّ واحدٍ منهما معنًى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النّوع موضعٌ غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه، وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن وفّق لفهمه). [جامع البيان: 1/ 312 - 318]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويمدّهم}.
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {ويمدّهم}.
فقال بعضهم بما حدّثني به، موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ويمدّهم} « يملي لهم».
وقال آخرون بما حدّثني به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، عن ابن المبارك، عن ابن جريجٍ، قراءةً عن مجاهدٍ: {يمدّهم} قال: «يزيدهم».
وكان بعض نحويّي البصرة يتأوّل ذلك أنّه بمعنى: يمدّ لهم، ويزعم أنّ ذلك نظير قول العرب: الغلام يلعب الكعاب، يراد به يلعب بالكعاب. قال: وذلك أنّهم قد يقولون قد مددت له وأمددت له في غير هذا المعنى، وهو قول اللّه: {وأمددناهم} وهذا من أمددناهم، قال: ويقال قد مدّ البحر فهو مادٌّ، وأمدّ الجرح فهو ممدٌّ.
وحكي عن يونس الجرميّ أنّه كان يقول: ما كان من الشّرّ فهو مددت، وما كان من الخير فهو أمددت. ثمّ قال: وهو كما فسّرت لك إذا أردت أنّك تركته فهو مددت له، وإذا أردت أنّك أعطيته قلت: أمددت.
وأمّا بعض نحويّي الكوفة فإنّه كان يقول: كلّ زيادةٍ حدثت في الشّيء من نفسه فهو مددت بغير ألفٍ، كما تقول: مدّ النّهر، ومدّه نهر آخر غيره: إذا اتّصل به فصار منه. وكلّ زيادةٍ أحدثت في الشّيء من غيره فهو بألفٍ، كقولك: أمدّ الجرح، لأنّ المدّة من غير الجرح، وأمددت الجيش بمددٍ.
وأولى هذه الأقوال بالصّواب في قوله: {ويمدّهم} أن يكون بمعنى يزيدهم، على وجه الإملاء والتّرك لهم في عتوّهم وتمرّدهم، كما وصف ربّنا أنّه فعل بنظرائهم في قوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} فكذلك قوله: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون} يعني: يذرهم ونتركهم فيه ويملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم.
ولا وجه لقول من قال ذلك بمعنى يمدّ لهم لأنّه لا تدافع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل: مدّ النّهر نهرٌ آخر، بمعنى: اتّصل به فصار زائدًا ماء المتّصل به بماء المتّصل من غير تأوّلٍ منهم، ذلك أنّ معناه مدّ النّهر نهرٌ آخر، فكذلك ذلك في قول اللّه: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون}). [جامع البيان: 1/ 318 - 320]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {في طغيانهم}.
قال أبو جعفرٍ: والطّغيان الفعلان، من قولك: طغى فلانٌ يطغى طغيانًا إذا تجاوز في الأمر حدّه فبغى ومنه قول اللّه: {كلاّ إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} أي يتجاوز حدّه. ومنه قول أميّة بن أبي الصّلت:

ودعا اللّه دعوةً لات هنّا ........ بعد طغيانه فظلّ مشيرا

وإنّما عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله: {ويمدّهم في طغيانهم} أى: يملي لهم ويذرهم يبغون في ضلالتهم وكفرهم حيارى يتردّدون.
- كما حدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {في طغيانهم يعمهون} قال: «في كفرهم يتردّدون».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {في طغيانهم} «في كفرهم».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة: {في طغيانهم يعمهون} «أي في ضلالتهم».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {في طغيانهم} «في ضلالتهم».
- وحدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {في طغيانهم} قال: «طغيانهم، كفرهم وضلالتهم». ). [جامع البيان: 1/ 321 - 322]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يعمهون}.
قال أبو جعفرٍ: والعمه نفسه: الضّلال، يقال منه: عمه فلانٌ يعمه عمهانًا وعموهًا: إذا ضلّ ومنه قول رؤبة بن العجّاج يصف مضلّةً من المهامه:

ومخفقٌ من لهلهٍ ولهله ....... من مهمهٍ يجتبنه في مهمه.

أعمى الهدى بالجاهلين العمّه والعمه:
جمع عامهٍ، وهم الّذين يضلّون فيه فيتحيّرون.
فمعنى قوله جلّ ثناؤه إذن: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون} في ضلالهم وكفرهم الّذي قد غمرهم دنسه وعلاهم رجسه، يتردّدون حيارى ضلاّلاً لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً؛ لأنّ اللّه قد طبع على قلوبهم وختم عليها، فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلاً.
وبنحو ما قلنا في العمه جاء تأويل المتأوّلين.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {يعمهون} « يتمادون في كفرهم».
- وحدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، عن معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {يعمهون} قال: «يتمادون».
- وحدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: في قوله {يعمهون} قال: «يتردّدون».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {يعمهون} «المتلدّد».
- وحدّثنا محمّد بن عمرٍو الباهليّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى بن ميمونٍ قال: حدّثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {في طغيانهم يعمهون} قال: «يتردّدون».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال حدّثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- وحدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، عن ابن المبارك، عن ابن جريجٍ قراءةً عن مجاهدٍ مثله.
- وحدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {يعمهون} قال: «يتردّدون».). [جامع البيان: 1/ 322 - 324]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {اللّه يستهزئ بهم}
- به عن ابن عبّاسٍ: «يقول اللّه عزّ وجلّ: {اللّه يستهزئ بهم} يسخر منهم للنّقمة منهم».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 48]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ويمدّهم}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يمدّهم} يقول: «يملي لهم».
- حدّثنا الحسين بن الحسن، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن حاتمٍ الهرويّ، أنبأ الحجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، « {يمدّهم} يزيدهم».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، قوله: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون}، « يعني يتردّدون، يقول: زادهم ضلالة إلى ضلالتهم، وعمًى إلى عماهم».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 48]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {في طغيانهم}
[الوجه الأول]
- وبه عن أبي العالية في قوله: {ويمدّهم في طغيانهم} «يعني في ضلالتهم.».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {في طغيانهم} قال: « في كفرهم»، قال أبو محمّدٍ: وتابع أبا العالية قتادة والرّبيع بن أنسٍ، وتابع ابن عبّاسٍ السّدّيّ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 48 - 49]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {يعمهون}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {يعمهون} قال: «يتمادون». وكذا فسّره السّدّيّ، وخالفه آخرون فقالوا: «يتردّدون».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة، أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يعمهون} قال: «في كفرهم يتردّدون».
وكذلك فسّره مجاهدٌ، وأبو مالكٍ، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا عليّ بن الحسن، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشامٍ، عن سفيان عن، الأعمش: {في طغيانهم يعمهون} قال: «يلعبون».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 49]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل:
{في طغيانهم يعمهون} «يعني في ضلالتهم يعني يترددون يقول زادهم الله ضلالة إلى ضلالتهم وعمى إلى عماهم».). [تفسير مجاهد: 69 - 70]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (- وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح في قوله: {الله يستهزئ بهم} قال: «يقال: لأهل النار وهم في النار اخرجوا وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله: {الله يستهزئ بهم} ويضحك عليهم المؤمنون حين غلقت دونهم، ذلك قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون} [المطففون الآية 34 - 35] الآية.».
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ي قوله: {ويمدهم} قال: «يملي لهم»، {في طغيانهم يعمهون} قال: « في كفرهم يتمادون».
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يعمهون} قال: «يتمادون».
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل: {يعمهون} قال: «يلعبون ويترددون»، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: «نعم، أما سمعت قول الشاعر:

أراني قد عمهت وشاب رأسي ....... وهذا اللعب شين بالكبير.»

- وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {ويمدهم} قال: «يزيدهم»، {في طغيانهم يعمهون} قال: «يلعبون ويترددون في الضلالة».). [الدر المنثور: 1/ 168 - 169]

تفسير قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} حتى بلغ {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} قال: «هذه في المنافقين».). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 39] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف اشترى هؤلاء القوم الضّلالة بالهدى، وإنّما كانوا منافقين لم يتقدّم نفاقهم إيمانٌ فيقال فيهم باعوا هداهم الّذي كانوا عليه بضلالتهم التّى استبدلوها منه؟ وقد علمت أنّ معنى الشّراء المفهوم اعتياض شيءٍ ببذل شيءٍ مكانه عوضًا منه، والمنافقون الّذين وصفهم اللّه بهذه الصّفة لم يكونوا قطّ على هدًى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟
قيل: قد اختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فنذكر ما قالوا فيه، ثمّ نبيّن الصّحيح من التّأويل في ذلك إن شاء اللّه.
- حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} «أي الكفر بالإيمان».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} يقول: «أخذوا الضّلالة وتركوا الهدى».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} «استحبّوا الضّلالة على الهدى».
- وحدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: « {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} آمنوا ثمّ كفروا».
- وحدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
قال أبو جعفرٍ: فكأنّ الّذين قالوا في تأويل ذلك: أخذوا الضّلالة وتركوا الهدى، وجّهوا معنى الشّراء إلى أنّه أخذ المشتري المشتري مكان الثّمن المشترى به، فقالوا: كذلك المنافق والكافر قد أخذا مكان الإيمان الكفر، فكان ذلك منهما شراءً للكفر والضّلالة اللّذين أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى، وكان الهدى الّذي تركاه هو الثّمن الّذي جعلاه عوضًا من الضّلالة الّتي أخذاها.
وأمّا الّذين تأوّلوا أنّ معنى قوله: {اشتروا}: استحبّوا، فإنّهم لمّا وجدوا اللّه جلّ ثناؤه قد وصف الكفّار في موضعٍ آخر فنسبهم إلى استحبابهم الكفر على الهدى، فقال: {وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى} صرفوا قوله: {اشتروا الضّلالة بالهدى} إلى ذلك وقالوا: قد تدخل الباء مكان على، وعلى مكان الباء، كما يقال: مررت بفلانٍ ومررت على فلانٍ بمعنى واحدٍ، وكقول اللّه جلّ ثناؤه: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطارٍ يؤدّه إليك} يريد: على قنطارٍ، فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء: أولئك الّذين اختاروا الضّلالة على الهدى، وأراهم وجّهوا معنى قول اللّه جلّ ثناؤه: {اشتروا} إلى معنى اختاروا، لأنّ العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واشتريته يعنون اخترته عليه.
ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة:


فقد أخرج الكاعب المسترا ....... ة من خدرها وأشيع القمارا


يعني بالمستراة: المختارة.
وقال ذو الرّمّة في الاشتراء بمعنى الاختيار:


يذبّ القصايا عن شراةٍ كأنّها ....... جماهير تحت المدجنات الهواضب


يعني بالشّراة: المختارة.
وقال آخر في مثل ذلك:


إنّ الشّراة روقة الأموال ....... وحزرة القلب خيار المال


قال أبو جعفرٍ: وهذا وإن كان وجهًا من التّأويل فلست له بمختارٍ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه قال: {فما ربحت تجارتهم} فدلّ بذلك على أنّ معنى قوله: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} معنى الشّراء الّذي يتعارفه النّاس من استبدال شيءٍ مكان شيءٍ وأخذ عوضٍ على عوضٍ.
وأمّا الّذين قالوا: إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا، فإنّه لا مؤنة عليهم لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم، لأنّ الأمر إذا كان كذلك فقد تركوا الإيمان، واستبدلوا به الكفر عوضًا من الهدى، وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشّراء والبيع، ولكنّ دلائل أوّل الآيات في نعوتهم إلى آخرها دالّةٌ على أنّ القوم لم يكونوا قطّ استضاءوا بنور الإيمان ولا دخلوا في ملّة الإسلام، أوما تسمع اللّه جلّ ثناؤه من لدن ابتدأ في نعتهم إلى أن أتى على صفتهم إنّما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم بدعواهم التّصديق بنبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به، خداعًا للّه ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم واستهزاءً في نفوسهم بالمؤمنين، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون، يقول اللّه جلّ جلاله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}، ثمّ اقتصّ قصصهم إلى قوله: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} فأين الدّلالة على أنّهم كانوا مؤمنين فكفروا؟.
فإن كان قائل هذه المقالة ظنّ أنّ قوله: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} هو الدّليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر، فلذلك قيل لهم: اشتروا؛ فإنّ ذلك تأويلٌ غير مسلّمٍ له، إذ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذ شيءٍ بترك آخر غيره، وقد يكون بمعنى الاختيار وبغير ذلك من المعاني، والكلمة إذا احتملت وجوهًا لم يكن لأحدٍ صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعضٍ إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها.
قال أبو جعفرٍ: والّذي هو أولى عندي بتأويل الآية ما روّينا عن ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ من تأويلهما قوله: {اشتروا الضّلالة بالهدى} أخذوا الضّلالة وتركوا الهدى، وذلك أنّ كلّ كافرٍ باللّه فإنّه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا باكتسابه الكفر الّذي وجد منه بدلاً من الإيمان الّذي أمر به، أوما تسمع اللّه جلّ ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله: {ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السّبيل} وذلك هو معنى الشّراء، لأنّ كلّ مشترٍ شيئًا فإنّما يستبدل مكان الّذي يؤخذ منه من البدل آخر بديلاً منه، فكذلك المنافق والكافر استبدلا بالهدى الضّلالة والنّفاق، فأضلّهما اللّه وسلبهما نور الهدى فترك جميعهم في ظلماتٍ لا يبصرون). [جامع البيان: 1/ 324 - 329]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم}
قال أبو جعفرٍ: وتأويل ذلك أنّ المنافقين بشرائهم الضّلالة بالهدى خسروا ولم يربحوا، لأنّ الرّابح من التّجّار المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلاً هو أنفس من سلعته أو أفضل من ثمنها الّذي يبتاعها به، فأمّا المستبدل من سلعته بدلاً دونها ودون الثّمن الّذي يبتاعها به فهو الخاسر في تجارته لا شكّ، فكذلك الكافر والمنافق لأنّهما اختارا الحيرة والعمى على الرّشاد والهدى والخوف والرّعب على الخفض والأمن، فاستبدلا في العاجل بالرّشاد الحيرة، وبالهدى الضّلالة، وبالخفض الخوف، وبالأمن الرّعب؛ مع ما قد أعدّ لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب، فخابا وخسرا، ذلك هو الخسران المبين.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول: حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} «قد واللّه رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضّلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السّنّة إلى البدعة».
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: فما وجه قوله: {فما ربحت تجارتهم} وهل التّجارة ممّا تربح أو توكس فيقال ربحت أو وضعت؟
قيل: إنّ وجه ذلك على غير ما ظننت؛ وإنّما معنى ذلك: فما ربحوا في تجارتهم لا فيما اشتروا ولا فيما شروا، ولكنّ اللّه جلّ ثناؤه خاطب بكتابه عربًا فسلك في خطابه إيّاهم وبيانه لهم مسلك خطاب بعضهم بعضًا وبيانهم المستعمل بينهم، فلمّا كان فصيحًا لديهم قول القائل لآخر: خاب سعيك ونام ليلك، وخسر بيعك، ونحو ذلك من الكلام الّذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله؛ خاطبهم بالّذي هو في منطقهم من الكلام فقال: {فما ربحت تجارتهم} إذ كان معقولاً عندهم أنّ الرّبح إنّما هو في التّجارة كما النّوم في اللّيل، فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك عن أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم، وإن كان ذلك معناه، كما قال الشّاعر:


وشرّ المنايا ميّتٌ وسط أهله ....... كهلك الفتاة أسلم الحيّ حاضره


يعني بذلك: وشرّ المنايا منيّة ميّتٍ وسط أهله؛ فاكتفى بفهم سامع قيله مراده من ذلك عن إظهار ما ترك إظهاره وكما قال رؤبة بن العجّاج:


حارث قد فرّجت عنّي همّي ....... فنام ليلي وتجلّى غمّي


فوصف بالنّوم اللّيل، ومعناه أنّه هو الّذي نام. وكما قال جرير بن الخطفيّ:


وأعور من نبهان أمّا نهاره ....... فأعمى وأمّا ليله فبصير


فأضاف العمى والإبصار إلى اللّيل والنّهار، ومراده وصف النّبهانيّ بذلك). [جامع البيان: 1/ 330 - 332]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما كانوا مهتدين}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وما كانوا مهتدين} ما كانوا رشداء في اختيارهم الضّلالة على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النّفاق بالتّصديق والإقرار). [جامع البيان: 1/ 332]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) }
وقوله: {أولئك الّذين اشتروا}
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} قال: «استحبّوا الضّلالة على الهدى».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 49]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {اشتروا الضّلالة بالهدى}
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة، عن محمّد ابن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ: عن ابن عبّاسٍ: {أولئك الّذين اشتروا الضلالة بالهدى} «أي الكفر بالإيمان».
- حدّثنا الحسن بن الصّبّاح، ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} « آمنوا ثمّ كفروا».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} يقول: «أخذوا الضّلالة وتركوا الهدى».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 49 - 50]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}
- حدثنا الحسن محمد بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، ثنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} قال: «هذه في المنافقين».
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ ابن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} «قد- واللّه- رأيتموهم فخرجوا من الهدى إلى الضّلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن، إلى الخوف، ومن السّنّة إلى البدعة، يقول: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}». ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 50]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} يقول: «آمنوا ثم كفروا فلما أضاءت ما حوله قال أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين وإلى الهدي وأما ذهاب نورهم فإقبالهم إلى الكافرين وإلى الضلالة».). [تفسير مجاهد: 70]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}.
- أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال: «الكفر بالإيمان».
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} قال: « أخذوا الضلالة تركوا الهدى».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال: «آمنوا ثم كفروا».
- وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} قال:«استحبوا الضلال على الهدى»،{فما ربحت تجارتهم} قال: «قد والله رأيتم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة».). [الدر المنثور: 1/ 169 - 170]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:29 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون}
أما قوله: {وإذا قيل لهم} فمنهم من يضم أوله؛ لأنه في معنى "فعل" فيريد أن يترك أوله مضموماً ليدل على معناه.
ومنهم من يكسره؛ لأن الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم، والكسر القياس.
ومنهم من يقول في الكلام: "قد قُولَ لَهُ" و"قد بوع المتاع" إذا أراد "قد بيع" و"قيل"، جعلها واواً حين ضم ما قبلها، لأن الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم.
ومنهم من يروم الضم في "قيل" مثل رومهم الكسر في "ردّ"، لغةٌ لبعض العرب أن يقولوا "ردّ" فيكسرون الراء ويجعلون عليها حركة الدال التي في موضع العين.
وبعضهم لا يكسر الراء ولكنه يشمها الكسر كما يروم في "قيل" الضم، وقال الفرزدق:


وما حلّ من جهل حبا حلمائنا ولا قائـل المعـروف فينـا يعنّـف


سمعناه ممن ينشده من العرب هكذا). [معاني القرآن: 1/ 30-31]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون (11)}
معناه: لا تصدوا عن دين اللّه، فيحتمل {إنّما نحن مصلحون} ضربين من الجواب:
أحدهما: أنهم يظنون أنهم مصلحون.
والثاني: أن يريدوا أن هذا الذي يسمونه إفساداً هو عندنا إصلاح.
فأما إعراب {قيل}: فآخره مبني على الفتح، وكذلك كل فعل ماضٍ مبني على الفتح، والأصل في قيل: "قول" ولكن الكسرة نقلت إلى القاف؛ لأن العين من الفعل في قولك: "قال" نقلت من حركة إلى سكون، فيجب أن تلزم هذا السكون في سائر تصرف الفعل.
وبعضهم يروم الضمة في "قيل"، وقد يجوز في غير القرآن: "قد قول ذاك "، وأفصح اللغات "قيل" و"غيض".
{وسيق الّذين اتقوا ربّهم}: إن شئت قلت: "قيل"، و"غيض"، و"سيق" تروم في سائر أوائل ما لم يسم فاعله الضم في هذا الباب). [معاني القرآن: 1/ 87]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون}
فيه قولان:
أحدهما: أنهم قالوا: نحن مصلحون، فليس من عادتنا الإفساد.
والآخر: أنهم قالوا هذا الذي تسمونه فسادا ًهو عندنا صلاح). [معاني القرآن: 1/ 92]

تفسير قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله تعالى: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}
معنى ذلك:
"ألا" التنبيه، كما قال الشاعر:


ألا إن الــــدهـــــر يـــــــــوم ولـــيـــلــــة وليس على شيء قويم بمستمر


وقوله تعالى: {ولكن لا يشعرون}
قال ابن كيسان: يقال: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم.
قال: ففيه جوابان:
أحدهما: أنهم كانوا يعملون الفساد ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم.
والوجه الثاني: أن يكون فسادهم عندهم صلاحاً وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه). [معاني القرآن: 1/ 93]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنهم هم السّفهاء ولكن لاّ يعلمون}
أما قوله: {أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنهّم هم السّفهاء} فقد قرأهما قوم مهموزتين جميعاً، وقالوا: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم} و {ولا يحيق المكر السّيّئ إلاّ بأهله} وقالوا (أئذا) ، (أئنا) كل هذا يهمزون فيه همزتين، وكل هذا ليس من كلام العرب إلا شاذاً، ولكن إذا اجتمعت همزتان شتى ليس بينهما شيء: فإن إحداهما تخفف في جميع كلام العرب إلا في هذه اللغة الشاذة القليلة، وذلك أنه إذا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة أبدلوا الآخرة منهما أبداً، فجعلوها:
إن كان ما قبلها مفتوحاً: ألفاً ساكنة نحو: "آدم" و"آخر" و"آمن".
وإن كان ما قبلها مضموماً: جعلت واواً نحو: "أوزُزْ" إذا أمرته أن يؤز.
وإن كان ما قبلها مكسوراً: جعلت ياء نحو: "إيت".
وكذلك إن كانت الآخرة متحركة -بأي حركة كانت- والأولى مضمومة أو مكسورة؛ فالآخرة تتبع الأولى نحو: "أنا أُفْعِلُ" من "آب"، فتقول "أووب"، ونحو: "جاء" في الرفع والنصب والجر.
فأما المفتوحة فلا تتبعها الآخرة إذا كانت متحركة؛ لأنها لو تبعتها جعلت همزة مثلها، ولكن تكون على موضعها، فإن كانت مكسورة جعلت ياء، وإن كانت مضمومة جعلت واواً، وإن كانت مفتوحة جعلت أيضاً واواً؛ لأن الفتحة تشبه الألف، وأنت إذا احتجت إلى حركتها جعلتها واواً ما لم يكن لها أصل في الياء معروف، فهذه الفتحة ليس لها أصل في الياء، فجعلت الغالب عليها الواو نحو: "آدم" و"أوادم"، فلذلك جعلت الهمزتان إذا التقتا وكانتا من كلمتين شتى مخففة إحداهما، ولم يبلغ من استثقالهما ما أن تجعلا مثل المجتمعتين في كلمة واحدة؛ ولأن اللتين في كلمة واحدة لا تفارق إحداهما صاحبتها، وهاتان تتغيران عن حالهما وتصير كل واحدة منها على حيالها أثقل منهما في كلمتين؛ لأن ما في الكلمتين كلّ واحدة على حيالها، فتخفيف الآخرة أقيس، كما أبدلوا الآخرة حين اجتمعتا في كلمة واحدة، وقد تخفف الأولى.
فمن خفف الآخرة في قوله: {كما آمن السّفهاء ألا} قال: (السفهاء ولا) فجعل الألف في (ألا) واواً، ومن خفف الأولى جعل الألف التي في (السفهاء) كالواو وهمز ألف (ألاّ).
وأما {أأنذرتهم} فإن الأولى لا تخفف؛ لأنها أول الكلام، والهمزة إذا كانت أول الكلام لم تخفف؛ لأن المخففة ضعفت حتى صارت كالساكن فلا يبتدأ بها، وقد قال بعض العرب (آإذا) و(آانذرتهم) و(آانا قلت لك كذا وكذا) فجعل ألف الاستفهام إذا ضمت إلى همزة يفصل بينها وبينها بألف لئلا تجتمع الهمزتان، كل ذا قد قيل، وكل ذا قد قرأه الناس.
وإذا كانت الهمزة ساكنة؛ فهي في لغة هؤلاء الذين يخففون إن كان ما قبلها مكسوراً: ياء، نحو: (أنبيهم بأسمايهم) ونحو: (نبّينا)، وإن كان مضموماً: جعلوها واواً نحو: "جونه"، وإن كان ما قبلها مفتوحاً: جعلوه ألفاً نحو: "راس" و"فاس"، وإن كانت همزة متحركة بعد حرف ساكن حرّكوا الساكن بحركة ما بعده وأذهبوا الهمزة، يقولون في: {في الأرض}: (فلرض)، وفي: {ما لكم مّن إله}: (منلاهٍ)، يحركون الساكن بالحركة التي كانت في الهمزة -أي حركة كانت- ويحذفون الهمزة.
وإذا اجتمعت همزتان من كلمتين شتى والأولى مكسورة والآخرة مكسورة؛ فأردت أن تخفف الآخرة جعلتها بين الياء الساكنة وبين الهمزة؛ لأن الياء الساكنة تكون بعد المكسورة نحو "هؤلاء يماء الله"، تجعل الآخرة بين بين والأولى محققة.
وإن كانت الآخرة مفتوحة نحو: "هؤلاء أخواتك"، أو مضمومة نحو: "هؤلاء أمّهاتك" لم تجعل بين بين، وجعلت ياء خالصة لانكسار ما قبلها؛ لأنك إنما تجعل المفتوح بين الألف الساكنة وبين الهمزة، والمضموم بين الواو الساكنة وبين الهمزة إذا أردت بين بين، وهذا لا يثبت بعد المكسور. وإن كان الأول مهموزاً أو غير مهموز فهو سواء إذا أردت تخفيف الآخرة، من ذلك قولهم : "مئين" و"مئير" في قول من خفف.
وإن كان الحرف مفتوحاً بعده همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة جعلت بين بين؛ لأن المفتوح تكون بعده الألف الساكنة والياء الساكنة، نحو : "البيع"، والواو الساكنة نحو: "القول"، وهذا مثل {يتفيّؤ ظلاله} و{ويمسك السّماء أن تقع على الأرض} و(آاذا) و(آانا) إذا خففت الآخرة في كل هذا جعلتها بين بين، والذي نختار تخفيف الآخرة إذا اجتمعت همزتان، إلا أنا نحققهما في التعليم كلتيهما نريد بذلك الاستقصاء. وتخفيف الآخرة قراءة أهل المدينة، وتحقيقهما جميعاً قراءة أهل الكوفة، وبعض أهل البصرة.
ومن زعم أن الهمزة لا تتبع الكسرة إذا خففت وهي متحركة، وإنما تجعل في موضعها دخل عليه أن يقول: "هذا قاروٌ" و"هؤلاء قاروون" و(يستهزوون)، وليس هذا كلام من خفف من العرب، إنما يقولون: (يستهزئون) و(قارئون).
وإذا كان ما قبل الهمزة مضموماً وهي: جعلتها بين بين، وإن كانت مكسورة أو مفتوحة: لم تكن بين بين وما قبلها مضموم؛ لأن المفتوحة بين الألف الساكنة والهمزة، والمكسورة بين الياء الساكنة والهمزة، وهذا لا يكون بعد المضموم، ولكن تجعلها واوا بعد المضموم إذا كانت مكسورة أو مفتوحة فتجعلها واواً خالصة؛ لأنهما يتبعان ما قبلهما، نحو: "مررت بأكموٍ" و"رأيت أكمواً" و"هذا غلاموبيك" تجعلها واواً إذا أردت التخفيف، إلا أن تكون المكسورة مفصولة فتكون على موضعها لأنها قد بعدت.
والواو قد تقلب إلى الياء مع "هذا" و"ذلك"، نحو: "هذا غلاميخوانك" و"ولا يحيق المكر السّيّئ يلا".
وإذا كانتا في معنى "فعل" والهمزة في موضع العين: جعلت بين بين؛ لأن الياء الساكنة تكون بعد الضمة، ففي "قيل" يقولون: "قيل"، ومثل ذلك "سيل" و"ريس" فيجعلها بين بين إذا خففت، ويترك ما قبلها مضموماً.
وأما "روس" فليست "فعل"، وإنما هي "فعل" فصارت واوا ً؛ لأنها بعد ضمة معها في كلمة واحدة). [معاني القرآن: 1/ 32-35]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس} يعني: المسلمين، {قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء}؟! أي: الجهلة، ومنه يقال: سفه فلان رأيه؛ إذا جهله، ومنه قيل للبذاء سفه؛ لأنه جهل). [تفسير غريب القرآن: 41]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون (13)}
أصل السفه في اللغة: خفة الحلم، وكذلك يقال : ثوب سفيه إذا كان رقيقاً باليا.
وقوله عزّ وجلّ: {ألا إنّهم هم السّفهاء} معنى (ألا) استفتاح وتنبيه، وقوله: {هم السفهاء} يجوز أن يكون خبر "إنّ" و "هم" فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون: العماد. ويجوز أن يكون "هم" ابتداء، و"السفهاء" خبر الابتداء، و"هم السفهاء" خبر إن). [معاني القرآن: 1/ 88]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}
قال ابن عباس: «(الناس) ههنا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم».
{قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} قال أبو إسحاق: أصل السفه في اللغة: رقة الحلم، يقال ثوب سفيه، أي: بال رقيق). [معاني القرآن: 1/ 93-94]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} أي: لا يعلمون أن وبال ذلك يرجع عليهم، ويقال: إذا وصفوا بالسفه فلم لا يكون ذلك عذراً لهم؟
فالجواب: أنه إنما لحقهم ذلك إذ عابوا الحق فأنزلوا أنفسهم تلك المنزلة، كما قال تعالى: {إن هم إلا كالأنعام} لصدهم وإعراضهم، إذ بعده {بل هم أضل سبيلاً}؛ لأن الأنعام قد يصرفها راعيها كيف شاء وهؤلاء لا يهتدون بالإنذار والعظة، وأيضاً؛ فإذا سفهوا المؤمنين فهم في تلك الحال مستحقون لهذا الاسم .
وقوله تعالى: {ولكن لا يعلمون} الجواب عنه كالجواب عن: {ولكن لا يشعرون}). [معاني القرآن: 1/ 94-95]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({آمَنَ النَّاسُ}: المسلمون. {السُّفَهَاء}: الجهال). [العمدة في غريب القرآن: 70]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({الشّياطين}: كل عاتٍ متمرد من الجن والإنس والدواب فهو شيطان). [مجاز القرآن: 1/ 32]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون}
قوله: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا} فأذهب الواو؛ لأنه كان حرفاً ساكناً لقي اللام وهي ساكنة، فذهبت لسكونه ولم تحتج إلى حركته؛ لأن فيما بقي دليلاً على الجمع، وكذلك كل «واو» كان ما قبلها مضموماً من هذا النحو.
فإذا كان ما قبلها مفتوحاً لم يكن بد من حركة الواو؛ لأنك لو ألقيتها لم تستدل على المعنى، نحو: {اشتروا الضّلالة} وحركت الواو بالضم؛ لأنك لو قلت "اشترا الضلالة" فألقيت الواو لم تعرف إنه جمع، وإنما حركتها بالضم؛ لأن الحرف الذي ذهب من الكلمة مضموم، فصار يقوم مقامه، وقد قرأ قوم -وهي لغة لبعض العرب- : (اشْتَرَوِا الضّلالة) لما وجدوا حرفاً ساكناً قد لقي ساكناً كسروا كما يكسرون في غير هذا الموضع، وهي لغة شاذة.
وأما قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} فإنك تقول "خلوت إلى فلان في حاجة" كما تقول: "خلوت بفلان"، إلاّ إن "خلوت بفلان" له معنيان: أحدهما هذا، والآخر سخرت به.
وتكون "إلى" في موضع "مع"؛ نحو: {من أنصاري إلى اللّه}، كما كانت "من" في معنى "على" في قوله: {ونصرناه من القوم} أي: على القوم، وكما كانت الباء في معنى "على" في قوله: "مررت به" و"مررت عليه" وفي كتاب الله عز وجل: {مّن أن تأمنه بدينارٍ} يقول: "على دينار"، وكما كانت "في" في معنى "على" نحو: {في جذوع النّخل} يقول "على جذوع النخل".
وزعم يونس أن العرب تقول: "نزلت في أبيك" تريد "عليه"، وتقول: "ظفرت عليه" أي: "به"، و"رضيت عليه" أي: "عنه"، قال الشاعر:


إذا رضيت عليّ بنو قشير لعمر اللّـه أعجبنـي رضاهـا


). [معاني القرآن: 1/ 35-36]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون (14)} أنبأ الله المؤمنين بما يسره المنافقون من الكفر، ومعنى "شياطينهم" في اللغة: مردتهم، وعتاتهم في الكفر.
ويقال: "خلوت إليه" و"معه"، ويقال: "خلوت به"، وهو على ضربين:
أحدهما: جعلت خلوتي معه، كما قال: "خلوت إليه"، أي: جعلت خلوتي معه، وكذلك يقال: خلوت إليه.
ويصلح أن يكون: "خلوت به": سخرت منه.
ونصب {معكم} كنصب الظروف، تقول: "إنا معكم" و"إنا خلفكم" معناه: إنا مستقرون معكم، ومستقرون خلفكم، والقراءة المجمع عليها فتح العين، وقد يجوز في الاضطرار إسكان العين، ولا يجوز أن يقرأ بها. ويجوز "إنّا معكم" للشاعر إذا اضطر، قال الشاعر:


قريشي منكمو وهواي معكم وإن كــانــت زيـارتـكــم لـمـامــا


وفي قوله عزّ وجلّ: {خلوا إلى} وجهان:
إن شئت أسكنت الواو وخففت الهمزة وكسرتها فقلت: (خلوا إلى) وإن شئت ألقيت الهمزة وكسرت الواو فقلت: (خلو لي) وكذلك يقرأ أهل الحجاز، وهو جيد بالغ.
و"إنا" الأصل فيه "إننا"، كما قال اللّه عزّ وجلّ: {إنّني معكما}، ولكن النون حذفت؛ لكثرة النونات، والمحذوف النون الثانية من إن؛ لأن في "إن" نونين الأولى ساكنة والثانية متحركة.
وقوله عزّ وجلّ: {إنما نحن مستهزئون}: "نحن" مبنية على الضم؛ لأن "نحن" يدل على الجماعة، وجماعة المضمرين يدل عليهم إذا ثنيت الواحد من لفظه الميم والواو، نحو: "فعلوا" و"أنتم"، فالواو من جنس الضمة، فلم يكن بد من حركة "نحن" فحركت بالضم؛ لأن الضم من الواو؛ ألا ترى أن واو الجماعة إذا حركت؛ لالتقاء السّاكنين ضمت، نحو: {اشتروُا الضلالة}، وقد حركها بعضهم إلى الكسر، فقال: (اشتروِا الضلالة)؛ لأن اجتماع السّاكنين يوجب كسر الأولى إذا كانا من كلمتين، والقراءة المجمع عليها: {اشتروُا الضلالة} بالضم، وقد رويت: (اشتروَا الضلالة) بالفتح، وهو شاذ جدّاً.
و{مستهزئون}: القراءة الجيدة فيه: تحقيق الهمزة، فإذا خففت الهمزة جعلت الهمزة بين الواو والهمزة، فقلت: (مستهزؤون). فهذا الاختيار بعد التحقيق.
ويجوز أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول: (مستهزيون)، فأما (مستهزون) فضعيف لا وجه له إلا شاذّاً، على لغة من أبدل الهمزة ياء، فقال في استهزأت: (استهزيت)، فيجب على لغة (استهزيت) أن يقال: (مستهزون) ). [معاني القرآن: 89/ -90]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا إنا معكم}
روى أسباط، عن السدي: أما شياطينهم: فهم رؤساؤهم في الكفر.
ويبين ما قاله قوله جل وعز: {شياطين الإنس والجن}، و"شيطان" مشتق من الشطن: وهو الحبل. أي: هو ممدود في الشر، ومنه بئر شطون). [معاني القرآن: 1/ 95-96]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} فأخبر سبحانه بما يكتمون). [معاني القرآن: 1/ 96]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({مُسْتَهْزِؤُونَ}: نسخر منهم). [العمدة في غريب القرآن: 70]

تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({في طغيانهم يعمهون} أي: بغيهم وكفرهم، يقال: رجل عمهٌ وعامه، أي: جائر عن الحق، قال رؤبة:


ومـهــمــهٍ أطــرافـــه فـــــي مـهــمــهأعمى الهدى بالجاهلين العمّه


). [مجاز القرآن: 1/ 32]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون}
أما قوله: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون} فهو في معنى "ويمدّ لهم"، كما قالت العرب: "الغلام يلعب الكعاب" تريد: "يلعب بالكعاب"، وذلك أنهم يقولون "قد مددت له"، و"أمددته" في غير هذا المعنى، وهو قوله جل ثناؤه: {وأمددناهم بفاكهةٍ} وقال: {ولو جئنا بمثله مدداً} وقال بعضهم:(مداداً) و (مدّاً) من "أمددناهم"، وتقول "مدّ النهر فهو مادّ" و"أمدّ الجرح فهو ممدّ"، وقال يونس: ما كان من الشرّ فهو: "مددت"، وما كان من الخير فهو: "أمددت"، فتقول كما فسرت له فإذا أردت أنك تركته قلت: "مددت له" وإذا أردت أنك أعطيته قلت: "أمددته"). [معاني القرآن: 1/ 36-37]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({يمدهم}: يتركهم ويملى لهم.
{في طغيانهم}: في عتوهم وكفرهم.
{يعمهون}: يتحيرون ويترددون. يقال رجل عمة وعامة). [غريب القرآن وتفسيره: 65]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ)
: ({اللّه يستهزئ بهم} أي: يجازيهم جزاء الاستهزاء جزاء النسيان، وقد ذكرت هذا وأمثاله في كتاب «المشكل». ومثله قوله: {نسوا اللّه فنسيهم} أي: جازاهم جزاء النسيان، وقد ذكرت هذا وأمثاله في كتاب «المشكل».
{ويمدّهم} أي: يتمادى بهم، ويطيل لهم.
{في طغيانهم} أي: في عتوّهم وتكبّرهم، ومنه قوله: {إنّا لمّا طغى الماء} أي: علا.
{يعمهون}: يركبون رؤوسهم فلا يبصرون، ومثله قوله: {أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمّن يمشي سويًّا على صراطٍ مستقيمٍ}، يقال: رجل عمه وعامه، أي: جائر عن الطريق، وأنشد أبو عبيدة:


ومـهــمــه أطــرافـــه فـــــي مـهــمــهأعمى الهدى بالجاهلين العمّه


). [تفسير غريب القرآن: 41-42]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون (15)}
فيه أوجه من الجواب: فمعنى استهزاء اللّه بهم: أن أظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف ما لهم في الآخرة، كما أظهروا من الإسلام خلاف ما أسرّوا.
ويجوز أن يكون استهزاؤه بهم: أخذه إياهم من حيث لا يعلمون، كما قال عزّ وجلّ: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}.
ويجوز - واللّه أعلم، وهو الوجه المختار عند أهل اللغة- أن يكون معنى (يستهزئ بهم): يجازيهم على هزئهم بالعذاب، فسمّى جزاء الذنب باسمه كما قال عزّ وجلّ: {وجزاء سيّئة سيّئة مثلها}، فالثانية ليست سيئة في الحقيقة، ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام. وكذلك قوله عزّ وجلّ: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} فالأول ظلم، والثاني ليس بظلم، ولكنه جيء في اللغة باسم الذنب؛ ليعلم أنّه عقاب عليه وجزاء به، فهذه ثلاثة أوجه واللّه أعلم.
وكذلك يجري هذا المجرى قوله عزّ وجلّ: {يخادعون اللّه وهو خادعهم}، {ويمكرون ويمكر الله}.
وقوله عزّ وجلّ: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون}
معنى {ويمدّهم}: يمهلهم، وهو يدل على الجواب الأول.
و{في طغيانهم} معناه: في غلوّهم وكفرهم، ومعنى {يعمهون} في اللغة: يتحيرون، يقال: رجل عمه وعامه، أي: متحير، قال الراجز:


ومـهــمــه أطــرافـــه فـــــي مـهــمــهأعمى الهدى بالجاهلين العمّه


). [معاني القرآن: 1/ 90-91]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {الله يستهزئ بهم} فيه أجوبه:
أصحها: أن معناه: يجازيهم على استهزائهم، فسمي جزاء الذنب باسمه لازدواج الكلام، وليعلم أنه عقاب عليه وجزاء به، كما قال عز وجل: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}.
وقيل: هو ما روي في الحديث أن المؤمنين يعطون نوراً فيحال بينهم وبينه.
وقيل: هو أن الله أظهر لهم من أحكامه خلاف ما لهم في الآخرة، كما أظهروا للمسلمين خلاف ما أسروا. واستشهد صاحب هذا القول بأن بعده: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون}.
وقيل: هو مثل {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} وهذه الأقوال ترجع إلى الأول؛ لأنها مجازة أيضاً.
ومن أحسن ما قيل فيه: أن معنى {يستهزئ بهم}: يصيبهم، كما قال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم}). [معاني القرآن: 1/ 96-97]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} أي: يمدهم في تجاوزهم متحيرين، قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية}.
وقال مجاهد: «{يعمهون}: يترددون»، والمعنى على قوله: يترددون في ضلالتهم.
وحكى أهل اللغة: عمه يعمه عموها وعمها وعمهاناً فهو عمه وعامه، إذا حار). [معاني القرآن: 1/ 98]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({يستهزئ بهم}: أي: يجازيهم جزاء الاستهزاء. {ويمدهم}: يملي لهم. و{طغيانهم}: بغيهم.
و{يعمهون}: يتحيرون). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 24]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}: يجازيهم بأعمالهم. {يَعْمَهُونَ}: يتحيرون). [العمدة في غريب القرآن: 71]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {فما ربحت تّجارتهم...}
ربما قال القائل: كيف تربح التجارة وإنما يربح الرجل التاجر؟
وذلك من كلام العرب: ربح بيعك وخسر بيعك، فحسن القول بذلك؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم، ومثله من كتاب الله: {فإذا عزم الأمر} وإنما العزيمة للرجال.
ولا يجوز الضمير إلا في مثل هذا، فلو قال قائل: قد خسر عبدك؛ لم يجز ذلك، إن كنت تريد أن تجعل العبد تجارةً يربح فيه أو يوضع؛ لأنه قد يكون العبد تاجراً فيربح أو يوضع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجوراً فيه، فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزّك ورقيقك؛ كان جائزاً؛ لدلالة بعضه على بعض). [معاني القرآن: 1/ 14-15]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تّجارتهم وما كانوا مهتدين}
قوله: {فما ربحت تّجارتهم} فهذا على قول العرب: "خاب سعيك" وإنما هو الذي خاب، وإنما يريد "فما ربحوا في تجارتهم"، ومثله {بل مكر اللّيل والنّهار} و{ولكنّ البرّ من آمن باللّه} إنما هو "ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله"، وقال الشاعر:


وكيف تواصل من أصبحت خــلالــتـــه كـــأبــــي مـــرحــــب


وقال الشاعر:


وشـــرّ المـنـايـا مـيّــتٌ وســـط أهــلــه كهلك الفتاة أسلم الحيّ حاضره


إنما يريد: "وشر المنايا منية ميّت وسط أهله"، ومثله: "أكثر شربي الماء" و"أكثر أكلي الخبر" وليس أكلك بالخبز ولا شربك بالماء، ولكن تريد: أكثر أكلي أكل الخبز وأكثر شربي شرب الماء، قال: {وسأل القرية} يريد: "أهل القرية". {والعير} أي: "واسأل أصحاب العير"، وقال: {ومثل الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق} فإنما هو - والله أعلم - "مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به" فحذف هذا الكلام، ودل ما بقي على معناه، ومثل هذا في القرآن كثير.
وقد قال بعضهم: {ومثل الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق} يقول "مثلهم في دعائهم الآلهة كمثل الذي ينعق بالغنم" ؛ لأن آلهتهم لا تسمع ولا تعقل، كما لا تسمع الغنم ولا تعقل). [معاني القرآن: 1/ 38]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} أي: استبدلوا. وأصل هذا: أن من اشترى شيئاً بشيء، فقد استبدل منه.
{فما ربحت تجارتهم} والتجارة لا تربح وإنما يربح فيها، وهذا على المجاز. ومثله: {فإذا عزم الأمر} وإنما يعزم عليه، وقد ذكرت هذا وأشباهه في كتاب «المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 42]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16)}
{أولئك} موضعه رفع بالابتداء، وخبره {الّذين اشتروا الضّلالة}، وقد فسّرنا واو (اشتروا) وكسرتها؛ فأمّا من يبدل من الضمة همزة فيقول: (اشترؤ الضلالة) فغالط؛ لأن الواو المضمومة التي تبدل منها همزة إنّما يفعل بها ذلك إذا لزمت صفتها نحو قوله عزّ وجلّ: {وإذا الرّسل أقتت} إنّما الأصل: وقتت، وكذلك: "أدؤر"، إنما أصلها: أَدور.
وضمة الواو في قوله: {اشتروا الضلالة} إنما هي لالتقاء السّاكنين، ومثله: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم} لا ينبغي أن تهمز الواو فيه.
ومعنى الكلام: أن كل من ترك شيئاً وتمسك بغيره، فالعرب تقول للذي تمسك به قد اشتراه، وليس ثم شراء ولا بيع، ولكن رغبته فيه بتمسكه به كرغبة المشتري بماله ما يرغب فيه. قال الشاعر:


أخــذت بالجـمّـة رأســا أزعــرا وبالثنايـا الواضحـات الــدّردرا


وبالطويـل العمـر عمـرا أقصـرا كما اشترى الكافر إذ تنصّرا


وقوله عزّ وجلّ: {فما ربحت تجارتهم} معناه: فما ربحوا في تجارتهم؛ لأن التجارة لا تربح وإنما يربح فيها ويوضع فيها، والعرب تقول: قد خسر بيعك وربحت تجارتك، يريدون بذلك الاختصار وسعة الكلام، قال الشاعر:


وكيف تواصل من أصبحت خــلالــتـــه كـــأبــــي مـــرحــــب


يريد: كخلالة أبي مرحب، وقال اللّه عزّ وجلّ: {بل مكر اللّيل والنّهار} والليل والنهار لا يمكران، إنما معناه: بل مكرهم في الليل والنهار).
[معاني القرآن: 1/ 91-93]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}
قال مجاهد: «آمنوا ثم كفروا».
ويقال: كيف قال {اشتروا} وإنما يقال: اشتريت كذا بكذا إذا دفعت شيئا أخذت غيره؟
والجواب عن قول مجاهد: إنهم كفروا بعد الإيمان، فصار الكفر لهم بدلاً من الإيمان، وصاروا بمنزلة من باع شيئاً بشيء.
وقيل: لما أعطوا بألسنتهم الإيمان وأبوه بقلوبهم، فباعوا هذا الذي ظهر بألسنتهم بالذي في قلوبهم، والذي في قلوبهم هو الحاصل لهم، فهو بمنزلة العوض أخرج من أيديهم.
وقيل: لما سمعوا التذكرة والهدى ردوها واختاروا الضلالة، فكانوا بمنزلة من دفع إليه شيء فاشترى به غيره.
قال ابن كيسان: قيل هو مثل قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فلما كان خلقهم للعبادة، صار ما خلفها مبدلاً عنها بصدهم عما خلقوا له.
وأصل الضلالة: الحيرة، وسمي النسيان "ضلالة": لما فيه من الحيرة، كما قال جل وعز: {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين} أي: الناسين، ويسمى الهلاك "ضلالة"، كما قال عز وجل: {وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد}). [معاني القرآن: 1/ 98-100]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} فأنزلوا منزلة من اتجر؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة. والمعنى : فما ربحوا في تجارتهم، ومثله قول العرب: خسر بيعه؛ لأنه قد عرف المعنى). [معاني القرآن: 1/ 100-101]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {وما كانوا مهتدين} أي: بفعلهم الذي فعلوه من إيثار الضلالة على الهدى، ويجوز: وما كانوا مهتدين في علم الله عز وجل). [معاني القرآن: 1/ 101]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({اشْتَرُوُاْ}: استبدلوا). [العمدة في غريب القرآن: 71]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الأولى 1434هـ/22-03-2013م, 01:51 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)}
[لا يوجد]


تفسير قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)}
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ (ت: 328هـ): (والسفاه الطيش والخفة في العقل يقال رجل سفيه من قوم سفهاء وقد سفه الرجل يسفه سفاهةً وسفهًا وسفه يسفه لغة وهو رجل سفيه وسفي). [شرح المفضليات: 797] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) }
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال: العمه: الذي لا يعرف الحجة. والطغيان: هو الضلال. وقال: أصل الطغيان: الإرتفاع، ومنه طغى الماء، أي ارتفع. قال: ثم ضرب مثلاً للمتكبر). [مجالس ثعلب: 596]


تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (واشتريت حرف من الأضداد. يقال: اشتريت الشيء على معنى قبضته وأعطيت ثمنه. وهو المعنى المعروف عند الناسـ ويقال: اشتريته إذا بعته، قال الله عز وجل: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}، قال جماعة من المفسرين: معناه باعوا الضلالة بالهدى. وقال بعض أهل اللغة: كل من آثر شيئا على شيء فالعرب تجعل الإيثار له بمنزلة شرائه، واحتجوا بقول الشاعر:

أخــذت بالـجـمـة رأســـا أزعـــرا وبالثنـايـا الواضـحـات الـــدردرا
وبالـطـويـل الـعـمـر عـمــرا أنــــزرا كما اشترى المسلم إذ تنصرا

ويقال: شريت الشيء إذا بعته، وشريته إذا ابتعته، قال الله عز وجل: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}، فمعناه من يبيع نفسه. وقال الشاعر:

فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى شـــــروا هـــــذه الــدنــيــا بـجـنــاتــه الــخــلــد

أراد باعوا هذه الدنيا. وقال الشماخ:

فلمـا شراهـا فـاضـت العـيـن عـبـرة وفي الصدر حزاز من اللوم حامز

أراد باعها. وقال الحميري:

وشــريـــت بـــــردا لـيـتـنــي من بعد برد كنت هامه
أو هـامـة تـدعـو صــدى بـيـن المـشـقـر واليـمـامـه

أراد: وبعت بردا. وقال الآخر في معنى (ابتعت):

اشروا لها خاتنا وابغوا لخاتنها مـعــاولا ســتــة فـيـهــن تــذريــب
أرادوا اشتروا لها). [كتاب الأضداد: 72-73]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 12:09 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 12:09 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 12:09 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 12:10 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : ( {ولا تفسدوا في الأرض}: معناه بالكفر وموالاة الكفرة، ونحن اسم من ضمائر المرفوع مبني على الضم، إذ كان اسما قويا يقع للواحد المعظم والاثنين والجماعة، فأعطي أسنى الحركات.
وأيضا فلما كان في الأغلب ضمير جماعة، وضمير الجماعة في الأسماء الظاهرة الواو أعطي الضمة إذ هي أخت الواو، ولقول المنافقين: {إنّما نحن مصلحون} ثلاث تأويلات:
أحدها: جحد أنهم مفسدون وهذا استمرار منهم على النفاق.
والثاني: أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح من حيث هم قرابة توصل.
والثالث: أنهم مصلحون بين الكفار والمؤمنين، فلذلك يداخلون الكفار.
وألا استفتاح كلام، و «إن» بكسر الألف استئناف، وهم الثاني رفع بالابتداء، والمفسدون خبره والجملة خبر «إن»، ويحتمل أن يكون فصلا ويسميه الكوفيون: «العماد» ويكون المفسدون خبر «إن»، فعلى هذا لا موضع ل هم من الإعراب، ويحتمل أن يكون تأكيدا للضمير في أنهم فموضعه نصب، ودخلت الألف واللام في قوله: المفسدون لما تقدم ذكر اللفظة في قوله: لا تفسدوا فكأنه ضرب من العهد، ولو جاء الخبر عنهم ولم يتقدم من اللفظة ذكر لكان ألا إنهم مفسدون. قاله الجرجاني.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه الألف واللام تتضمن المبالغة كما تقول زيد هو الرجل أي حق الرجل، فقد تستغني عن مقدمة تقتضي عهدا، ولكن بجملته حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا لا يشعرون أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد لا يشعرون أن الله يفضحهم، وهذا مع أن يكون قولهم إنّما نحن مصلحون جحدا محضا للإفساد. والاحتمال الأول هو بأن يكون قولهم: إنّما نحن مصلحون اعتقادا منهم أنه صلاح في صلة القرابة، أو إصلاح بين المؤمنين والكافرين). [المحرر الوجيز: 1/ 121-122]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤن (14)}
المعنى صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، مثل ما صدقه المهاجرون والمحققون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خفت عقولهم؟ والسفه الخفة والرقة الداعية إلى الخفة يقال «ثوب سفيه» إذا كان رقيقا مهلهل النسج، ومنه قول ذي الرمة:

مشين كما اهتزت رماح تسفهت ....... أعاليها مرّ الرياح النواسم

وهذا القول إنما كانوا يقولونه في خفاء فأطلع الله عليه نبيه والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هو في حيزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء للرّين الذي على قلوبهم.
وقال قوم: «الآية نزلت في منافقي اليهود، والمراد بالناس عبد الله بن سلام ومن أسلم من بني إسرائيل».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا تخصيص لا دليل عليه.
ولقوا أصله لقيوا استثقلت الضمة على الياء فسكنت فاجتمع الساكنان فحذفت الياء. وقرأ ابن السميفع «لاقوا الذين». وهذه كانت حال المنافقين إظهار الإيمان للمؤمنين وإظهار الكفر في خلواتهم بعضهم مع بعض، وكان المؤمنون يلبسونهم على ذلك لموضع القرابة فلم تلتمس عليهم الشهادات ولا تقرر تعينهم في النفاق تقررا يوجب لوضوحه الحكم بقتلهم وكان ما يظهرونه من الإيمان يحقن دماءهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه فينفر الناس حسبما قال عليه السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال له في وقت قول عبد الله بن أبي ابن سلول: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» القصة: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق» فقال: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».
فهذه طريقة أصحاب مالك رضي الله عنه في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين مع علمه بكفرهم في الجملة. نص على هذا محمد بن الجهم وإسماعيل القاضي والأبهري وابن الماجشون واحتج بقوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلّا قليلًا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلًا} [الأحزاب: 60- 61]. قال قتادة: «معناه إذا هم أعلنوا النفاق».
قال مالك رحمه الله: «النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليسن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين».
قال القاضي إسماعيل: «لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه وحده، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أقوى من انفراد زيد وغيره أن اللفظ ليس بصريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر.
قال الشافعي رحمه الله: «السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه». وبه قال أصحاب الرأي والطبري وغيرهم.
قال الشافعي وأصحابه: «وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله فمن قال إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله على المنافقين».
قال الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول اللّه واللّه يشهد إنّ المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1].
قال الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأهل الحديث: فالمعنى الموجب لكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع العلم بهم أن الله تعالى نهاه عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان وصلوا فكذلك هو الزنديق.
واحتج ابن حنبل بحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار عن رجل من الأنصار في الذي شهد عليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفاق فقال: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»، قالوا: بلى ولا شهادة له، قال: «أليس يصلي؟»، قالوا: بلى ولا صلاة له، قال: «أولئك الذين نهاني الله عنهم».
وذكر أيضا أهل الحديث ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيهم: «لعل الله سيخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ويصدق المرسلين ويخلص العبادات لرب العالمين».
قال أبو جعفر الطبري في كتاب اللطيف في باب المرتد: «إن الله تعالى قد جعل الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله ظاهرهم في قوله تعالى: {واللّه يشهد إنّ المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1].
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ينفصل المالكيون عما ألزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموض عليه بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول لم أرد بها ولا أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا). [المحرر الوجيز: 1/ 122-126]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} وصلت {خلوا} بـ {إلى} وعرفها أن توصل بالباء فتقول خلوت بفلان من حيث نزلت خلوا في هذا الموضع منزلة ذهبوا وانصرفوا، إذ هو فعل معادل لقوله لقوا، وهذا مثل ما تقدم من قول الفرزدق:

كيف تراني قالبا مجنّي ....... فقد قتل الله زيادا عني

لما أنزله منزلة صرف ورد.
قال مكي: «يقال خلوت بفلان بمعنى سخرت به فجاءت إلى في الآية زوالا عن الاشتراك في الباء».
وقال قوم: إلى بمعنى مع، وفي هذا ضعف ويأتي بيانه إن شاء الله في قوله تعالى: {من أنصاري إلى اللّه} [آل عمران: 52، الصف: 14].
وقال قوم: إلى بمعنى الباء إذ حروف المعاني يبدل بعضها من بعض. وهذا ضعيف يأباه الخليل وسيبويه وغيرهما.
واختلف المفسرون في المراد بالشياطين فقال ابن عباس رضي الله عنه: «هم رؤساء الكفر».
وقال ابن الكلبي وغيره: «هم شياطين الجن».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا في الموضع بعيد.
وقال جمع من المفسرين: «هم الكهان». ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر والمنافقين حتى يقدر كل واحد شيطان غيره، فمنهم الخالون، ومنهم الشياطين.
ومستهزؤن معناه نتخذ هؤلاء الذين نصانعهم بإظهار الإيمان هزوا ونستخف بهم.
ومذهب سيبويه رحمه الله أن تكون الهمزة مضمومة على الواو في مستهزؤن. وحكى عنه أبو علي أنها تخفف بين بين.
ومذهب أبي الحسن الأخفش أن تقلب الهمزة ياء قلبا صحيحا فيقرأ «مستهزيون».
قال ابن جني: «حمل الياء الضمة تذكرا لحال الهمزة المضمومة والعرب تعاف ياء مضمومة قبلها كسرة».
وأكثر القراء على ما ذهب إليه سيبويه، ويقال «هزىء واستهزأ» بمعنى، فهو «كعجب واستعجب»، ومنه قول الشاعر [أوس بن حجر]:

ومستعجب مما يرى من أناتنا ....... ولو زبنته الحرب لم يترمرم

). [المحرر الوجيز: 1/ 127-128]

تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16)}
اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء: «هي تسمية العقوبة باسم الذنب».
والعرب تستعمل ذلك كثيرا، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم]:

ألا لا يجهلن أحد علينا ....... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وقال قوم: إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزو حسبما يروى أن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم، وما يروى أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج، نحا هذا المنحى ابن عباس والحسن، وقال قوم: استهزاؤه بهم هو استدراجهم من حيث لا يعلمون، وذلك أنهم بدرور نعم الله الدنيوية عليهم يظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء.
ويمدّهم معناه يزيدهم في الطغيان. وقال مجاهد: «معناه يملي لهم»، قال يونس بن حبيب: «يقال مد في الشر وأمد في الخير»، وقال غيره: «مد الشيء ومده ما كان مثله ومن جنسه، وأمدّه ما كان مغايرا له، تقول: مدّ النهر ومدّه نهر آخر، ويقال أمدّه».
قال اللحياني: «يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثره مده يمده مدّا، وفي التنزيل: {والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحرٍ} [لقمان: 27]. ومادة الشيء ما يمده دخلت فيه الهاء للمبالغة».
قال ابن قتيبة وغيره: «مددت الدواة وأمددتها بمعنى».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يشبه أن يكون «مددتها» جعلت إلى مدادها آخر، و «أمددتها» جعلتها ذات مداد، مثل «قبر، وأقبر، وحصر، وأحصر»، ومددنا القوم صرنا لهم أنصارا، وأمددناهم بغيرنا. وحكى اللحياني أيضا أمدّ الأمير جنده بالخيل، وفي التنزيل: {وأمددناكم بأموالٍ وبنين} [الإسراء: 6].
قال بعض اللغويين: {ويمدّهم في طغيانهم} يمهلهم ويلجهم، فتحتمل اللفظة أن تكون من المد الذي هو المطل والتطويل، كما فسر في: {عمدٍ ممدّدةٍ} [الهمزة: 9]. ويحتمل أن تكون من معنى الزيادة في نفس الطغيان، والطغيان الغلو وتعدي الحد كما يقال: «طغا الماء وطغت النار». وروي عن الكسائي إمالة طغيانهم.
ويعمهون يترددون حيرة، والعمه الحيرة من جهة النظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر من التحير في ظلام أو فلاة أو هم). [المحرر الوجيز: 1/ 128 -130]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: {أولئك} إشارة إلى المتقدم ذكرهم، وهو رفع بالابتداء والّذين خبره، واشتروا صلة ل الّذين، وأصله اشتريوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فحذفت لالتقاء الساكنين، وقيل استثقلت الضمة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء وحركت الواو بعد ذلك للالتقاء بالساكن بعدها، وخصت بالضم لوجوه منها أن الضمة أخت الواو وأخف الحركات عليها، ومنها أنه لما كانت واو جماعة ضمت كما فعل بالنون في «نحن». ومنها أنها ضمت اتباعا لحركة الياء المحذوفة قبلها.
قال أبو على: «صار الضم فيها أولى ليفصل بينها وبين واو «أو» و «لو» إذ هذان يحركان بالكسر».
وقرأ أبو السمال قعنب العدوي بفتح الواو في: «اشتروا الضلالة».
وقرأها يحيى بن يعمر بكسر الواو، والضلالة والضلال: التلف نقيض الهدى الذي هو الرشاد إلى المقصد.
واختلفت عبارة المفسرين عن معنى قوله: {اشتروا الضّلالة بالهدى} فقال قوم: «أخذوا الضلالة وتركوا الهدى».
وقال آخرون: استحبوا الضلالة وتجنبوا الهدى كما قال تعالى: {فاستحبّوا العمى على الهدى} [فصلت: 17].
وقال آخرون: الشراء هنا استعارة وتشبيه، لما تركوا الهدى وهو معرض لهم ووقعوا بدله في الضلالة واختاروها شبهوا بمن اشترى فكأنهم دفعوا في الضلالة هداهم إذ كان لهم أخذه.
وبهذا المعنى تعلق مالك رحمه الله في منع أن يشتري الرجل على أن يتخير في كل ما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز فيه التفاضل.
وقال قوم: الآية فيمن كان آمن من المنافقين ثم ارتد في باطنه وعقده ويقرب الشراء من الحقيقة على هذا.
وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} ختم للمثل بما يشبه مبدأه في لفظة الشراء، وأسند الربح إلى التجارة كما قالوا: «ليل قائم ونهار صائم». والمعنى فما ربحوا في تجارتهم.
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «فما ربحت تجاراتهم» بالجمع.
وقوله تعالى: {وما كانوا مهتدين} قيل المعنى في شرائهم هذا، وقيل على الإطلاق، وقيل في سابق علم الله، وكل هذا يحتمله اللفظ). [المحرر الوجيز: 1/ 130 -131]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 12:10 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 12:10 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون (11) ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) }
قال السّدّيّ في تفسيره: عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الطّيّب الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} أمّا لا تفسدوا في الأرض، قال: «الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية».
وقال أبو جعفرٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: «يعني: لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية اللّه؛ لأنّه من عصى اللّه في الأرض أو أمر بمعصية اللّه، فقد أفسد في الأرض؛ لأنّ صلاح الأرض والسّماء بالطّاعة».
وهكذا قال الرّبيع بن أنسٍ، وقتادة.
وقال ابن جريج، عن مجاهدٍ: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} قال: «إذا ركبوا معصية اللّه، فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنّما نحن على الهدى، مصلحون».
وقد قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثّام بن عليٍّ، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن عبّاد بن عبد اللّه الأسديّ، عن سلمان الفارسيّ: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} قال سلمان: «لم يجئ أهل هذه الآية بعد».
وقال ابن جريرٍ: حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حدّثنا عبد الرّحمن بن شريك، حدّثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ وغيره، عن سلمان، في هذه الآية، قال: «ما جاء هؤلاء بعد».
قال ابن جريرٍ: يحتمل أنّ سلمان أراد بهذا أنّ الّذين يأتون بهذه الصّفة أعظم فسادًا من الّذين كانوا في زمان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، لا أنّه عنى أنّه لم يمض ممّن تلك صفته أحدٌ.
قال ابن جريرٍ: فأهل النّفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربّهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دينه الّذي لا يقبل من أحدٍ عملٌ إلّا بالتّصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشّكّ والرّيب، ومظاهرتهم أهل التّكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء اللّه، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا. فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنّهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
وهذا الّذي قاله حسنٌ، فإنّ من الفساد في الأرض اتّخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: {والّذين كفروا بعضهم أولياء بعضٍ إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ} [الأنفال: 73] فقطع اللّه الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا} [النّساء: 144] ثمّ قال: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرًا} [النّساء: 145] فالمنافق لمّا كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأنّ الفساد من جهة المنافق حاصلٌ؛ لأنّه هو الّذي غرّ المؤمنين بقوله الّذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنّه استمرّ على حالته الأولى لكان شرّه أخفّ، ولو أخلص العمل للّه وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون} أي: «إنّما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب».). [تفسير ابن كثير: 1/ 180-181]

تفسير قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (يقول اللّه: {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} يقول: ألا إنّ هذا الّذي يعتمدونه ويزعمون أنّه إصلاحٌ هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا). [تفسير ابن كثير: 1/ 181]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء ألا إنّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون (13) }
يقول [اللّه] تعالى: وإذا قيل للمنافقين: {آمنوا كما آمن النّاس} أي: كإيمان النّاس باللّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنّة والنّار وغير ذلك، ممّا أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا اللّه ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزّواجر {قالوا أنؤمن كما آمن السّفهاء} يعنون -لعنهم اللّه-أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، رضي اللّه عنهم، قاله أبو العالية والسّدّيّ في تفسيره، بسنده عن ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ وغير واحدٍ من الصّحابة، وبه يقول الرّبيع بن أنسٍ، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلةٍ واحدةٍ وعلى طريقةٍ واحدةٍ وهم سفهاء!!
والسّفهاء: جمع سفيهٍ، كما أنّ الحكماء جمع حكيمٍ [والحلماء جمع حليمٍ] والسّفيه: هو الجاهل الضّعيف الرّأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضارّ؛ ولهذا سمّى اللّه النّساء والصّبيان سفهاء، في قوله تعالى: {ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل اللّه لكم قيامًا} [النّساء: 5] قال عامّة علماء السّلف: هم النّساء والصّبيان.
وقد تولّى اللّه، سبحانه، جوابهم في هذه المواطن كلّها، فقال: {ألا إنّهم هم السّفهاء} فأكّد وحصر السّفاهة فيهم.
{ولكن لا يعلمون} يعني: ومن تمام جهلهم أنّهم لا يعلمون بحالهم في الضّلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى). [تفسير ابن كثير: 1/ 181-182]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون (14) اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون (15) }
يقول [اللّه] تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: {آمنّا} أي: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومصانعةً وتقيّةً، وليشركوهم فيما أصابوا من خيرٍ ومغنمٍ، {وإذا خلوا إلى شياطينهم} يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم، فضمّن {خلوا} معنى انصرفوا؛ لتعديته بإلى، ليدلّ على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به.
ومنهم من قال: "إلى" هنا بمعنى "مع"، والأوّل أحسن، وعليه يدور كلام ابن جريرٍ.
وقال السّدّيّ عن أبي مالكٍ: «{خلوا} يعني: مضوا، و {شياطينهم} يعني: سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين».
قال السّدّيّ في تفسيره، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة عن ابن مسعودٍ، عن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} «يعني: هم رؤوسهم من الكفر».
وقال الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ: «وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم».
وقال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} «من يهود الّذين يأمرونهم بالتّكذيب وخلاف ما جاء به الرّسول».
وقال مجاهدٌ: «{وإذا خلوا إلى شياطينهم} إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين».
وقال قتادة: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} قال: «إلى رؤوسهم، وقادتهم في الشّرك، والشّرّ».
وبنحو ذلك فسّره أبو مالكٍ، وأبو العالية والسّدّيّ، والرّبيع بن أنسٍ.
قال ابن جريرٍ: وشياطين كلّ شيءٍ مردته، وتكون الشّياطين من الإنس والجنّ، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكلّ نبيٍّ عدوًّا شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا} [الأنعام: 112].
وفي المسند عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نعوذ باللّه من شياطين الإنس والجنّ»، فقلت: يا رسول اللّه، وللإنس شياطينٌ؟ قال: «نعم».
وقوله تعالى: {قالوا إنّا معكم} قال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أي إنّا على مثل ما أنتم عليه {إنّما نحن مستهزئون} أي: إنّما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم».
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «قالوا {إنّما نحن مستهزئون} ساخرون بأصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
وكذلك قال الرّبيع بن أنسٍ، وقتادة.
وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلةً على صنيعهم: {اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون} ). [تفسير ابن كثير: 1/ 182 -183]

تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلةً على صنيعهم: {اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون}
وقال ابن جريرٍ: أخبر اللّه تعالى أنّه فاعلٌ بهم ذلك يوم القيامة، في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسورٍ له بابٌ باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب} الآية [الحديد: 13]، وقوله تعالى: {ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذابٌ مهينٌ} [آل عمران: 178]، قال: فهذا وما أشبهه، من استهزاء اللّه، تعالى ذكره، وسخريّته ومكره وخديعته للمنافقين، وأهل الشّرك به عند قائل هذا القول، ومتأوّل هذا التّأويل.
قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إيّاهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.
قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرّجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الّذي خدعتك، ولم تكن منه خديعةٌ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا: وكذلك قوله: {ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين} [آل عمران: 54] و {اللّه يستهزئ بهم} على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى: أنّ المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله: {إنّما نحن مستهزئون * اللّه يستهزئ بهم}، وقوله: {يخادعون اللّه وهو خادعهم} [النّساء: 142]، وقوله: {فيسخرون منهم سخر اللّه منهم} [التّوبة: 79] و {نسوا اللّه فنسيهم} [التّوبة: 67] وما أشبه ذلك، إخبارٌ من اللّه تعالى أنّه يجازيهم جزاء الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إيّاهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الّذي عليه استحقّوا العقاب في اللّفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: {وجزاء سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها} [الشّورى: 40] وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194]، فالأوّل ظلمٌ، والثّاني عدلٌ، فهما وإن اتّفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.
قال: وإلى هذا المعنى وجّهوا كلّ ما في القرآن من نظائر ذلك.
قال: وقال آخرون: إنّ معنى ذلك: أنّ اللّه أخبر عن المنافقين أنّهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنّا معكم على دينكم، في تكذيب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به، وإنّما نحن بما يظهر لهم -من قولنا لهم: صدّقنا بمحمّدٍ، عليه السّلام، وما جاء به مستهزئون؛ فأخبر اللّه تعالى أنّه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدّنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الّذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنّكال.
ثمّ شرع ابن جريرٍ يوجّه هذا القول وينصره؛ لأنّ المكر والخداع والسّخرية على وجه اللّعب والعبث منتفٍ عن اللّه، عزّ وجلّ، بالإجماع، وأمّا على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عبّاسٍ: حدّثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان، حدّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله تعالى: {اللّه يستهزئ بهم} قال: «يسخر بهم للنّقمة منهم».
وقوله تعالى: {ويمدّهم في طغيانهم يعمهون} قال السّدّيّ: عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصّحابة [قالوا] {يمدهم}: «يملي لهم».
وقال مجاهدٌ: «يزيدهم».
قال ابن جريرٍ: والصّواب يزيدهم على وجه الإملاء والتّرك لهم في عتوّهم وتمرّدهم، كما قال: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110].
والطّغيان: هو المجاوزة في الشّيء. كما قال: {إنّا لمّا طغى الماء حملناكم في الجارية} [الحاقّة: 11]، وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {في طغيانهم يعمهون} «في كفرهم يتردّدون».
وكذا فسّره السّدّيّ بسنده عن الصّحابة، وبه يقول أبو العالية، وقتادة، والرّبيع بن أنسٍ، ومجاهدٌ، وأبو مالكٍ، وعبد الرّحمن بن زيدٍ: «في كفرهم وضلالتهم».
قال ابن جريرٍ: والعمه: الضّلال، يقال: عمه فلانٌ يعمه عمهًا وعموهًا: إذا ضلّ.
قال: وقوله: {في طغيانهم يعمهون} في ضلالهم وكفرهم الّذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يتردّدون [حيارى] ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأنّ اللّه تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون سبيلًا.
[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب، وقد يستعمل العمى في القلب -أيضًا-: قال اللّه تعالى: {فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور} [الحجّ: 46] ويقال: عمه الرّجل يعمه عموهًا فهو عمهٌ وعامهٌ، وجمعه عمّهٌ، وذهبت إبله العمهاء: إذا لم يدر أين ذهبت). [تفسير ابن كثير: 1/ 183 -185]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) }
قال السّدّيّ في تفسيره، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من الصّحابة: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} قال: «أخذوا الضّلالة وتركوا الهدى».
وقال [محمّد] بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} «أي: الكفر بالإيمان».
وقال مجاهدٌ: «آمنوا ثمّ كفروا»
وقال قتادة: «استحبّوا الضّلالة على الهدى [أي: الكفر بالإيمان]»، وهذا الّذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: {وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى} [فصّلت: 17].
وحاصل قول المفسّرين فيما تقدّم: أنّ المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضّلال، واعتاضوا عن الهدى بالضّلالة، وهو معنى قوله تعالى: {أولئك الّذين اشتروا الضّلالة بالهدى} أي بذلوا الهدى ثمنًا للضّلالة، وسواءٌ في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثمّ رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: {ذلك بأنّهم آمنوا ثمّ كفروا فطبع على قلوبهم} [المنافقون: 3]، أو أنّهم استحبّوا الضّلالة على الهدى، كما يكون حال فريقٍ آخر منهم، فإنّهم أنواعٌ وأقسامٌ؛ ولهذا قال تعالى: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، {وما كانوا مهتدين} أي: راشدين في صنيعهم ذلك.
قال ابن جريرٍ: حدّثنا بشرٌ، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} «قد -واللّه-رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضّلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السّنّة إلى البدعة»، وهكذا رواه ابن أبي حاتمٍ، من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، بمثله سواء). [تفسير ابن كثير: 1/ 185 - 186]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:42 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة