العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 11:22 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (183) إلى الآية (185) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (183) إلى الآية (185) ]


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 07:10 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) }
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (ثم قال في رمضان: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام} مساكين، فمن شاء صام، ومن شاء افتدى بطعام مساكين، {فمن تطوع خيرا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}؛ ثم نسختها الآية الأخرى التي تليها، فقال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر}؛ قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}؛ قال: كانوا إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى مثلها من القابلة، فاختان رجلٌ نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، وهو عمر بن الخطاب، فجعل الله في ذلك رخصة وبركة، فنسخها فقال: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام من الليل} ). [الجامع في علوم القرآن: 3/ 65-66]
(م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (
نا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «كتب الله تعالى شهر رمضان على الناس كما كتبه على الذين من قبلهم وقد كان كتب على الناس قبل أن ينزل شهر رمضان صوم ثلاثة أيام من كل شهر»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 69]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن سوّار بن أبي حكيمٍ، عن عطاءٍ - في قوله عزّ وجلّ: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} -، قال: «ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهر».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معاوية، عن حجّاج بن أرطأة، عن أبي جعفرٍ، قال: «نسخ شهر رمضان كلّ صوم»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 679]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}:
- حدّثنا مسدّدٌ، حدّثنا يحيى، عن عبيد اللّه، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال: «كان عاشوراء يصومه أهل الجاهليّة، فلمّا نزل رمضان قال: من شاء صامه، ومن شاء لم يصمه».
- حدّثنا عبد اللّه بن محمّدٍ، حدّثنا ابن عيينة، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها: «كان عاشوراء يصام قبل رمضان فلمّا نزل رمضان قال: من شاء صام، ومن شاء أفطر».
- حدّثني محمودٌ، أخبرنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، قال: «دخل عليه الأشعث وهو يطعم فقال: اليوم عاشوراء؟ فقال: كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل رمضان ترك فادن فكل».
- حدّثني محمّد بن المثنّى، حدّثنا يحيى، حدّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريشٌ في الجاهليّة، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصومه فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا نزل رمضان كان رمضان الفريضة، وترك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه»). [صحيح البخاري: 6/ 24-25]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( {قوله باب يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}:

أمّا قوله: {كتب} فمعناه: فرض والمراد بالمكتوب فيه اللّوح المحفوظ، وأمّا قوله: { كما} فاختلف في التّشبيه الّذي دلّت عليه الكاف هل هو على الحقيقة فيكون صيام رمضان قد كتب على الّذين من قبلنا أو المراد مطلق الصّيام دون وقته وقدره فيه قولان:
- وورد في أول حديث مرفوع عن بن عمر أورده بن أبي حاتمٍ بإسنادٍ فيه مجهولٌ ولفظه: «صيام رمضان كتبه اللّه على الأمم قبلكم» وبهذا قال الحسن البصريّ والسّدّيّ وله شاهدٌ آخر أخرجه التّرمذيّ من طريق معقلٍ النّسّابة وهو من المخضرمين ولم تثبت له صحبةٌ ونحوه عن الشّعبيّ وقتادة. والقول الثّاني أنّ التّشبيه واقعٌ على نفس الصّوم وهو قول الجمهور وأسنده بن أبي حاتم والطبري عن معاذ وبن مسعود وغيرهما من الصّحابة والتّابعين وزاد الضّحّاك ولم يزل الصّوم مشروعًا من زمن نوحٍ وفي قوله: {لعلّكم تتّقون} إشارةٌ إلى أنّ من قبلنا كان فرض الصّوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال الّتي كلّفوا بها وأمّا هذه الأمّة فتكليفها بالصّوم ليكون سببًا لاتّقاء المعاصي وحائلًا بينهم وبينها فعلى هذا المفعول المحذوف يقدّر بالمعاصي أو بالمنهيات ثمّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها حديث بن عمر وقد تقدّم في كتاب الصّيام من وجهٍ آخر مع شرحه، ثانيها حديث عائشة أورده من وجهين عن عروة عنها وقد تقدّم شرحه كذلك، ثالثها حديث بن مسعود.
- قوله: (حدثني محمود) هو بن غيلان وثبت كذلك في روايةٍ كذا قال أبو عليٍّ الجيّانيّ وقد وقع في نسخة الأصيليّ عن أبي أحمد الجرجانيّ حدّثنا محمّدٌ بدل محمودٍ وقد ذكر الكلاباذيّ أنّ البخاريّ روى عن محمود بن غيلان وعن محمّدٍ وهو بن يحيى الذّهليّ عن عبيد اللّه بن موسى قال أبو عليٍّ الجيّانيّ لكن هنا الاعتماد على ما قال الجماعة عن محمود بن غيلان المروزيّ قوله: (عن عبد اللّه) هو بن مسعودٍ قوله: (قال: دخل عليه الأشعث وهو يطعم» أي يأكل، وفي رواية مسلمٍ من وجهٍ آخر عن إسرائيل بسنده المذكور إلى علقمة قال: «دخل الأشعث بن قيسٍ على بن مسعودٍ وهو يأكل» وهو ظاهرٌ في أنّ علقمة حضر القصّة ويحتمل أن يكون لم يحضرها وحملها عن بن مسعودٍ كما دلّ عليه سياق رواية الباب ولمسلمٍ أيضًا من طريق عبد الرّحمن بن يزيد قال: «دخل الأشعث بن قيسٍ على عبد اللّه وهو يتغذّى»، قوله: «فقال اليوم عاشوراء» كذا وقع مختصرًا وتمامه في رواية مسلمٍ بلفظ فقال أي الأشعث: «يا أبا عبد الرّحمن» وهي كنية بن مسعود وأوضح من ذلك رواية عبد الرّحمن بن يزيد المذكورة «فقال» أي ابن مسعودٍ: «يا أبا محمّدٍ» وهي كنية الأشعث «ادن إلى الغداء فقال أو ليس اليوم يوم عاشوراء»، قوله: «كان يصام
قبل أن ينزل رمضان» في رواية عبد الرّحمن بن يزيد: «إنّما هو يومٌ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان»، قوله: «فلمّا نزل رمضان ترك» زاد مسلمٌ في روايته: «فإن كنت مفطرا فأطعم»، وللنّسائيّ من طريق عبد الرّحمن بن يزيد عن عبد اللّه: «كنّا نصوم عاشوراء فلمّا نزل رمضان لم نؤمر به ولم ننه عنه وكنّا نفعله» ولمسلمٍ من حديث جابر بن سمرة نحو هذه الرّواية واستدلّ بهذا الحديث على أنّ صيام عاشوراء كان مفترضًا قبل أن ينزل فرض رمضان ثمّ نسخ وقد تقدّم القول فيه مبسوطًا في أواخر كتاب الصّيام وإيراد هذا الحديث في هذه التّرجمة يشعر بأنّ المصنّف كان يميل إلى ترجيح القول الثّاني ووجهه أنّ رمضان لو كان مشروعًا قبلنا لصامه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يصم عاشوراء أوّلًا والظّاهر أنّ صيامه عاشوراء ما كان إلّا عن توقيفٍ ولا يضرّنا في هذه المسألة اختلافهم هل كان صومه فرضا أو نفلا). [فتح الباري: 8/ 178-179]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (بابٌ: {يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}:
أي: هذا باب فيه ذكر قوله: {يا أيها الّذين آمنوا} الآية. قوله: {كتب} أي: فرض عليكم الصّيام وهو الإمساك عن المفطرات الثّلاث: الأكل والشرب والجماع نهارا مع النّيّة. قوله: {كما كتب على الّذين من قبلكم} أي: على الأمم الّذين مضوا قبلكم. قال النّسفيّ في (تفسيره): «تكلموا في قضيّة التّشبيه، قيل: إنّه تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر الواجب»، وكان الصّوم على آدم عليه الصّلاة والسّلام، أيّام البيض، وصوم عاشوراء على قوم موسى، وكان على كل أمة صوم، والتشبيه لا يقتضي التّسوية من كل وجه، ويقال: هذا قول الجمهور، وأسنده ابن أبي حاتم والطبري عن معاذ وابن مسعود وغيرهما من الصّحابة والتّابعين، وزاد الضّحّاك: «ولم يزل الصّيام مشروعا في زمن نوح عليه السّلام»، وقال النّسفيّ: «وقيل: هذا التّشبيه في الأصل والقدر والوقت جميعًا». وكان على الأوّلين صوم رمضان لكنهم زادوا في العدد ونقلوه من أيّام الحر إلى أيّام الاعتدال، وروى فيه ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر مرفوعا بإسناد فيه مجهول، ولفظه: «صيام رمضان كتبه الله تعالى على الأمم قبلكم»، وبهذا قال الحسن البصريّ والسّديّ.
- حدّثنا مسدّد حدّثنا يحيى عن عبيد الله قال: أخبرني نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان عاشوراء يصومه أهل الجاهليّة فلمّا نزل رمضان قال من شاء صامه ومن شاء لم يصمه». [انظر الحديث 1892 وطرفه]
مطابقته للتّرجمة تؤخذ من قوله: (فلمّا نزل رمضان). ويحيى هو ابن سعيد القطّان، وعبيد الله هذا هو ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد مضى هذا في كتاب الصّيام في: باب صوم يوم عاشوراء، من وجه آخر. وتقدم الكلام فيه هناك. قوله: (فلمّا نزل رمضان) أي: صوم رمضان.
- حدّثنا عبد الله بن محمّدٍ حدّثنا ابن عيينة عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان عاشوراء يصام قبل رمضان فلمّا نزل رمضان قال من شاء صام ومن شاء أفطر».
مطابقته للتّرجمة مثل مطابقة الّذي قبله وابن عيينة هو سفيان والحديث مضى في الصّيام في باب صوم يوم عاشوراء، فإنّه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن الزّهريّ بأتم منه قوله: «كان عاشوراء»، أي: يوم عاشوراء «يصام فيه» قوله: «قبل رمضان»، أي: قبل فرض شهر رمضان.
- حدّثني محمودٌ أخبرنا عبيد الله عن إسرائيل عن منصورٍ عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: «دخل عليه الأشعث وهو يطعم فقال: اليوم عاشوراء، فقال: كان يصام قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان ترك فادن فكل».
مطابقته للتّرجمة مثل ذلك. ومحمود هو ابن غيلان. قال الكرماني: وفي بعض النّسخ: محمّد، والأول أصح، وعبيد الله هو ابن موسى بن باذام الكوفي وهو شيخ البخاريّ أيضا روى عنه هنا بالواسطة، وإسرائيل هو أبو يونس، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النّخعيّ، وعلقمة هو ابن قيس، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث أخرجه مسلم في الصّوم عن إسحاق ابن منصور.
قوله: «دخل عليه الأشعث»، بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلّثة، ابن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة الكنديّ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في وفد كندة، وكان رئيسهم. وقال ابن إسحاق عن الزّهريّ قدم في ستّين راكبًا من كندة وأسلم وكان في الجاهليّة رئيسا مطاعًا في كندة، وكان في الإسلام وجيها في قومه إلاّ أنه كان ممّن ارتدّ عن الإسلام بعد النّبي صلى الله عليه وسلم ثمّ راجع الإسلام في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربعين بعد مقتل عليّ بن أبي طالب بأربعين يومًا بالكوفة. قوله: «وهو يطعم»، أي: والحال أن عبد الله كان يأكل. قوله: «فقال» أي: الأشعث، قوله: «فقال كان يصام» أي: فقال عبد الله، كان عاشوراء يصام قبل أن ينزل فرض صوم رمضان. قوله: «ترك» على صيغة المجهول، أي: ترك صومه، قوله: «فادن» أمر، من: دنا يدنو وكذلك قوله: «فكل» أمر من أكل.
- حدّثني محمّد بن المثنّى حدثنا يحيى حدثنا هشامٌ قال أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريشٌ في الجاهليّة وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصومه فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلمّا نزل رمضان كان رمضان الفريضة وترك عاشوراء فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه».
مطابقته للتّرجمة ظاهرة ويحيى هو القطّان، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه. والحديث مضى في الصّيام في: باب صيام عاشوراء فإنّه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام. ومضى الكلام فيه هناك). [عمدة القاري: 18/ 102-103]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}:
باب ذكر قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} مصدر صام يصوم صيامًا الأصل صوامًا فأبدلت الواو ياء، والصوم لغة الإمساك وشرعًا الإمساك عن المفطرات الثلاث الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية {كما كتب على الذين عن قبلكم} قيل موضعه نصب نعت مصدر محذوف أي كتب كتبًا وقيل كاف كما في موضع نصب على النعت تقديره كتابًا كما أو صومًا كما أو علي الحال كان الكلام كتب عليكم الصيام مشبهًا ما كتب على الذين من قبلكم، والمعنى كما قيل صومكم كصومهم في عدد الأيام كما روي أن رمضان كتب على النصارى فوقع في برد أو حر شديد فحوّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين يومًا كفارة لتحويله فالتشبيه حقيقة. وروى ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسناد فيه مجهول: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم»، أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره، فالتشبيه واقع على نفس الصوم فقط وكان الصوم على آدم عليه الصلاة والسلام أيام البيض وعلى قوم موسى عاشوراء فالتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه {لعلكم تتقون} لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان.
- حدّثنا مسدّدٌ حدّثنا يحيى، عن عبيد اللّه، قال: أخبرني نافعٌ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان عاشوراء يصومه أهل الجاهليّة، فلمّا نزل رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء لم يصمه».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر -رضي الله عنهما-) أنه (قال:كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية) قريش ولعلهم اقتدوا في ذلك بشرع سبق (فلما نزل رمضان) أي صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة (قال) عليه الصلاة والسلام: «من شاء صامه ومن شاء لم يصمه».
- حدّثنا عبد اللّه بن محمّدٍ، حدّثنا ابن عيينة، عن الزّهريّ، عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان عاشوراء يصام قبل رمضان، فلمّا نزل رمضان من شاء صام ومن شاء أفطر».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: «كان عاشوراء يصام قبل رمضان فلما نزل رمضان») أي فرض صومه زاد هنا لغير أبي ذر لفظة قال: «من شاء صام» أي عاشوراء «ومن شاء أفطر».
- حدّثني محمودٌ أخبرنا عبيد اللّه، عن إسرائيل عن منصورٍ، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد اللّه قال: «دخل عليه الأشعث وهو يطعم فقال: اليوم عاشوراء فقال: كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل رمضان ترك فادن فكل».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (أخبرنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن موسى بن باذام الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه (قال: «دخل عليه الأشعث») بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وبعد العين المهملة المفتحة مثلثة ابن قيس الكندي، وكان ممن أسلم ثم ارتدّ بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم رجع إلى الإسلام في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه «وهو يطعم» بفتح أوّله وثالثه أي والحال أن عبد الله كان يأكل، «فقال» أي الأشعث: «اليوم عاشوراء» وعند مسلم من رواية عبد الرحمن بن يزيد «فقال» أي ابن مسعود يا أبا محمد وهي كنية الأشعث: «ادن إلى الغداء، قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء، فقال:» أي ابن مسعود «كان يصام» يعني عاشوراء «قبل أن ينزل» بضم أوّله وفتح ثالثه لأبي ذر ولغيره بفتح ثم كسر «رمضان فلما نزل رمضان ترك» بضم أوّله مبنيًّا للمفعول أي ترك صومه «فادن» بهمزة الوصل أي فاقرب «فكل».
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم.
- حدّثني محمّد بن المثنّى، حدّثنا يحيى، حدّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريشٌ في الجاهليّة، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمّا نزل رمضان كان رمضان الفريضة وترك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه».
وبه قال: (حدّثنا) وفي الفرع كأصله حدّثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصومه») زاد في كتاب الصوم في رواية أبوي الوقت وذر وابن عساكر في الجاهلية «فلما قدم المدينة صامه» على عادته «وأمر» الناس «بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وترك عاشوراء فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه».
واستدل بهذا على أن صيام عاشوراء كان فريضة قبل نزول رمضان ثم نسخ، لكن في حديث معاوية السابق في الصيام سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه» وهو دليل مشهور ومذهب الشافعية والحنابلة أنه لم يكن فرضًا قط ولا نسخ برمضان وبقية مبحث ذلك سبقت في الصوم). [إرشاد الساري: 7/ 22-23]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}:
- أخبرنا عبيد الله بن سعيدٍ، حدّثنا يحيى، عن هشامٍ، أخبرني أبي، عن عائشة، قالت:
«كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريشٌ في الجاهليّة، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فنزل صوم رمضان فكان رمضان هو الفريضة، فمن شاء صام يوم عاشوراء، ومن شاء ترك»
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدّثنا اللّيث، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، أنّ عراكًا، أخبره، أنّ عروة أخبره، عن عائشة:
أنّ قريشًا، كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهليّة، ثمّ أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصيامه حتّى فرض رمضان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من شاء فليصمه، ومن شاء أفطره»).
[السنن الكبرى للنسائي: 10/ 23]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (
القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}.
يعني اللّه تعالى ذكره بقوله: يا أيّها الّذين آمنوا باللّه ورسوله، وصدّقوا بهما وأقرّوا.
ويعني بقوله: {كتب عليكم الصّيام} فرض عليكم الصّيام.
والصّيام مصدرٌ من قول القائل: صمت عن كذا وكذا، يعني كففت عنه، أصوم عنه صومًا وصيامًا، ومعنى الصّيام: الكفّ عمّا أمر اللّه بالكفّ عنه؛ ومن ذلك قيل: صامت الخيل إذا كفّت عن السّير، ومنه قول نابغة بني ذبيان:


خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ ....... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما

ومنه قول اللّه تعالى ذكره: {إنّي نذرت للرّحمن صومًا} يعني صمتًا عن الكلام.
وقوله: {كما كتب على الّذين من قبلكم} يعني: فرض عليكم مثل الّذي فرض على الّذين من قبلكم.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في الّذين عنى اللّه بقوله: {كما كتب على الّذين من قبلكم} وفي المعنى الّذي وقع فيه التّشبيه بين فرض صومنا، وصوم الّذين من قبلنا، فقال بعضهم: الّذين أخبرنا اللّه عن الصّوم الّذي فرضه علينا أنّه كمثل الّذي كان عليهم هم النّصارى، وقالوا: التّشبيه الّذي شبّه من أجله أحدهما بصاحبه هو اتّفاقهما في الوقت والمقدار الّذي هو لازمٌ لنا اليوم فرضه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثت عن يحيى بن زيادٍ، عن محمّد بن أبان، عن أبي أميّة الطّنافسيّ، عن الشّعبيّ، أنّه قال: «لو صمت السّنة كلّها لأفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحوّلوه إلى الفصل، وذلك أنّهم كانوا ربّما صاموه في القيظ يعدون ثلاثين يومًا، ثمّ جاء بعدهم قرنٌ فأخذوا بالثّقة فى أنفسهم فصاموا قبل الثّلاثين يومًا وبعدها يومًا، ثمّ لم يزل الآخر يستنّ سنّة القرن الّذي قبله حتّى صارت إلى خمسين، فذلك قوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}».
وقال آخرون: بل التّشبيه إنّما هو من أجل أنّ صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة، وذلك كان فرض اللّه جلّ ثناؤه على المؤمنين في أوّل ما افترض عليهم الصّوم. ووافق قائلو هذا القول القائلي القول الأوّل أنّ الّذين عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله: {كما كتب على الّذين من قبلكم} النّصارى.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} أما الّذين من قبلنا فالنّصارى، كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النّوم، ولا ينكحوا النّساء شهر رمضان. فاشتدّ على النّصارى صيام رمضان، وجعل يقلّب عليهم في الشّتاء، والصّيف؛ فلمّا رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشّتاء، والصّيف، وقالوا: نزيد عشرين يومًا نكفّر بها ما صنعنا. فجعلوا صيامهم خمسين، فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النّصارى، حتّى كان من أمر أبي قيس بن صرمة، وعمر بن الخطّاب ما كان، فأحلّ اللّه لهم الأكل والشّرب والجماع إلى طلوع الفجر».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} قال: «كتب عليهم الصّوم من العتمة إلى العتمة».
وقال آخرون: الّذين عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله: {كما كتب على الّذين من قبلكم} أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: «{يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} أهل الكتاب».
وقال بعضهم: بل ذلك كان على النّاس كلّهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} قال: «كتب شهر رمضان على النّاس، كما كتب على الّذين من قبلهم. قال: وقد كتب اللّه على النّاس قبل أن ينزل رمضان صوم ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ».
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: «{يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} رمضان كتبه اللّه على من كان قبلهم».
وأولى هذه الأقوال بالصّواب قول من قال: معنى الآية: يا أيّها الّذين آمنوا فرض عليكم الصّيام كما فرض على الّذين من قبلكم من أهل الكتاب، أيّامًا معدوداتٍ، وهي شهر رمضان كلّه؛ لأنّ من بعد إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم كان مأمورًا باتّباع إبراهيم، وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه كان جعله للنّاس إمامًا، وقد أخبرنا اللّه عزّ وجلّ أنّ دينه كان الحنيفيّة المسلمة، وأمر نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم من اتباعه بمثل الّذي أمر به من قبله من الأنبياء.
وأمّا التّشبيه فإنّما وقع على الوقت، وذلك أنّ من كان قبلنا إنّما كان فرض عليهم شهر رمضان مثل الّذي فرض علينا سواءً.
وأمّا تأويل قوله: {لعلّكم تتّقون} فإنّه يعني به: لتتّقوا أكل الطّعام وشرب الشّراب وجماع النّساء فيه، يقول: فرضت عليكم الصّوم والكفّ عمّا تكونون بترك الكفّ عنه مفطرين لتتّقوا ما يفطركم في وقت صومكم.
وبمثل الّذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «أمّا قوله: {لعلّكم تتّقون} يقول فتتّقون من الطّعام، والشّرب، والنّساء مثل ما اتّقوا، يعني مثل الّذي اتّقى النّصارى قبلكم»). [جامع البيان: 3/ 152-156]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (183)}:
قوله: {يا أيها الذين آمنوا}: قد تقدم تفسيره في آية 104). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 303]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {كتب عليكم}:
وبه عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: «{كتب عليكم} يعني: فرض عليكم»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 303]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}:
اختلفت الرّواية في ذلك على ثلاثة أوجهٍ:
الوجه الأول:
فأحد ذلك: أنّه كتب على الأمم قبلنا صيام ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ المسعوديّ، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ وصام يوم عاشوراء، فصام تسعة عشر شهرًا من ربيعٍ الأوّل إلى رمضان، ثمّ قال: «إنّ اللّه قد افترض عليكم شهر رمضان».
- أخبرني محمّد بن سعد بن محمّد بن الحسن بن عطيّة العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، حدّثني أبي عن جدّي عطيّة، عن ابن عبّاسٍ: «قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} وكان ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ، ثمّ نسخ الّذي أنزل اللّه من صيام رمضان».
- حدّثنا عبد اللّه بن سليمان بن الأشعث، ثنا حم بن نوحٍ البلخيّ ثنا أبو معاذٍ خالد بن سليمان الحدّانيّ، ثنا أبو مصلحٍ نصر بن مشارسٍ، عن الضّحّاك بن مزاحمٍ في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} قال: «كان الصّوم الأوّل، صامه نوحٌ فمن بعده حتّى صامه نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، وكان صومهم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ إلى العشاء. وهكذا صامه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم». وروي عن عطاءٍ وقتادة، أنّهما قالا: «كتب على من قبلنا ثلاثة أيّامٍ»كما قاله ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ رضي اللّه عنهم، نحو ذلك.
والوجه الثّاني: أنّه فرض على الأمم قبلنا شهر رمضان كما كتبه اللّه على هذه الأمّة.
- ذكره أبو زرعة، ثنا حامد بن يحيى البلخيّ وسلمة بن شبيبٍ والسّياق لسلمة قالا ثنا أبو عبد الرّحمن المقرئ، ثنا سعيد بن أبي أيّوب، حدّثني عبد اللّه بن الوليد، عن أبي الرّبيع رجلٌ من أهل المدينة عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «صيام رمضان كتبه اللّه على الأمم قبلكم». في حديثٍ طويلٍ، اختصر منه ذلك.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشّارٍ، حدّثني سرور بن المغيرة عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون. أيّامًا معدوداتٍ} فقال: «نعم واللّه، لقد كتب الصّيام على كلّ أمّةٍ خلت كما كتبه علينا، شهرًا كاملا وأيّامًا معدوداتٍ عددًا معلومًا». وروي عن السّدّيّ نحو ذلك.
والوجه الثّالث: أنّ صيامهم كان من العتمة إلى العتمة.
حدّثنا أبي، ثنا عيسى بن زيادٍ الرّازيّ، ثنا يحيى بن الضّريس، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن من حدّثه، عن ابن عمر قال: «أنزلت {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} كتب عليهم أنّ أحدهم إذا صلّى على العتمة ونام، حرّم عليه الطّعام والشّراب والنّساء إلى مثلها» وروي عن ابن عبّاسٍ وأبي العالية وعبد الرّحمن بن أبي ليلى ومجاهدٍ وسعيد بن جبيرٍ ومقاتل بن حيّان والرّبيع بن أنسٍ وعطاءٍ الخراسانيّ، نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 303-305]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {على الّذين من قبلكم}:
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان ابن عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ في قوله: «{كتب عليكم الصيام كما كتب على الّذين من قبلكم} يعني بذلك أهل الكتاب». وروي عن عطاءٍ الخراسانيّ والشّعبيّ والسّدّيّ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 305]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لعلّكم تتّقون}:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حمّادٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ في قوله: {لعلّكم تتّقون} يقول: «فتتّقون من الطّعام والشّراب والنّساء مثل ما اتّقوا»، وروي عن مقاتل بن حيّان، نحو ذلك، وفيه زيادةٌ: تتّقون الطّعام والشّراب والجماع بعد النّوم، أو بعد عشاء الآخرة). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 305]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني عبد اللّه بن الحسين القاضي بمرو، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا المسعوديّ، حدّثني عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ رضي اللّه عنه، قال: «أمّا أحوال الصّيام فإنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة، فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ، وصيام يوم عاشوراء، ثمّ إنّ اللّه فرض عليه الصّيام، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} إلى هذه الآية {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا فأجزأ ذلك عنه، ثمّ إنّ اللّه أنزل الآية الأخرى: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فأثبت اللّه صيامه على المقيم الصّحيح، ورخّص فيه للمريض وللمسافر، وثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصّيام، فهذان حولان، وكانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثمّ إنّ رجلًا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائمًا حتّى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ثمّ نام فلم يأكل، ولم يشرب حتّى أصبح فأصبح صائمًا............... فألقيت نفسي فنمت، وأصبحت صائمًا وكان عمر قد أصاب من النّساء من جاريةٍ أو حرّةٍ، بعدما نام، فأتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فأنزل اللّه: {أحلّ لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم} إلى قوله: {ثمّ أتمّوا الصّيام إلى اللّيل}» هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه» ). [المستدرك: 2/ 301]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخرى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}:
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن ابن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم
قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة إيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج».
وأخرج أحمد وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس ثم إن الله أنزل عليه {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة الآية 144] الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول وقال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا حتى نفسوا أو كادوا ثم إن رجلا من الأنصار يقال له عبد الله بن يزيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم ولو قلت أني لم أكن نائما لصدقت إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مثنى مثنى حتى فرغ الأذان ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال: غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علمها بلالا فليؤذن بها»، فكان بلال أول من أذن بها قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به غير أنه سبقني فهذان حولان، قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببعضها فكان الرجل يسر إلى الرجل كم صلى فيقول واحدة أو اثنتين فيصليهما ثم يدخل مع القوم صلاتهم فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني فجاء وقد سبقه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببعضها فثبت معه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قام فقضى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا» فهذه ثلاثة أحوال.
وأمّا أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} إلى قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه ثم إن الله أنزل الآية الأخرى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس} إلى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى إذا أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما فرآه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهدا شديدا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا» قال: يا رسول الله عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائما قال: وكان عمر قد أصاب النساء بعد ما نام فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة الآية 187] إلى قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «{كما كتب على الذين من قبلكم} يعني بذلك أهل الكتاب».
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: «إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فكانوا ربما صاموه في القيظ فحولوه إلى الفصل وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوما فذلك قوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}».
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «الذين من قبلنا هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا في شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا فلم تزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى قبيل طلوع الفجر».
وأخرج ابن حنظلة في تاريخه والنحاس في ناسخه والطبراني عن معقل بن حنظلة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرا ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فوه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا: ما تدع من هذه الثلاثة أيام شيئا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع ففعل فصارت خمسين يوما».
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «كتب عليهم الصيام من العتمة إلى العتمة».
وأخرج ابن جرير عن مجاهد {كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «أهل الكتاب».
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: «{لعلكم تتقون} من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: {أياما معدودات} قال: «وكان هذا صيام الناس ثلاثة أيام من كل شهر ولم يسم الشهر أياما معدودات، قال: وكان هذا صيام الناس قبل ذلك ثم فرض الله عليهم شهر رمضان».
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال: «نسخ شهر رمضان كل صوم».
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: «{أياما معدودات} يعني أيام رمضان ثلاثين يوما».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كتب عليكم الصيام} قال: «كان ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ بالذي أنزل الله من صيام شهر رمضان فهذا الصوم الأول من العتمة وجعل الله فيه فدية طعام مسكين فمن شاء من مسافر أو مقيم يطعم مسكينا ويفطر وكان في ذلك رخصة له فأنزل الله في الصوم الآخر {فعدة من أيام أخر} ولم يذكر الله في الأخر فدية طعام مسكين فنسخت الفدية وثبت في الصوم الأخر {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وهو الإفطار في السفر وجعله عدة من أيام أخر».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «هو شهر رمضان كتبه الله على من كان قبلكم وقد كانوا يصومون من كل شهر ثلاثة أيام ويصلون ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي حتى افترض عليهم شهر رمضان».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: «كان الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان صومهم من شهر ثلاثة أيام إلى العشاء وهكذا صامه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: «لقد كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتب علينا شهرا كاملا».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: «كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم وتصديق ذلك في كتاب الله {كتب عليكم} الآية، قال: فكان أول أمر النصارى أن قدموا يوما قالوا: حتى لا نخطئ ثم قدموا يوما وأخروا يوما قالوا: لا نخطئ ثم إن آخر أمرهم صاروا إلى أن قالوا: نقدم عشرا ونؤخر عشرا حتى لا نخطئ فضلوا».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: «أنزلت {كتب عليكم الصيام} الآية، كتب عليهم أن أحدهم إذا صلى العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها».
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: {كتب عليكم الصيام} الآية، قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم شيئا لم يحل له أن يطعم إلى القابلة والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو ثابت عليهم وقد رخص لكم في ذلك».
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: «كان عاشوراء يصام فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر».
وأخرج سعيد، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: «{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} الآية، يعني بذلك أهل الكتاب وكان كتابه على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: إن الرجل يأكل ويشرب وينكح مابينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد فإذا صلى العتمة أو رقد منع من ذلك إلى مثلها من القابلة فنسختها هذه الآية {أحل لكم ليلة الصيام}»). [الدر المنثور: 2/ 171-178]


تفسير قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وحدثني عبد الله بن عمر عن نافع قال: «كان عبد الله ابن عمر يعطيني المصحف فأمسك عليه، قال: فقلنا له: كيف كان يقرأ هذه الآية في سورة البقرة، قال: كان يقرأها: فديةٌ طعام مساكين»). [الجامع في علوم القرآن: 3/ 47]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (ثم قال: «في رمضان وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مساكين، فمن شاء صام، ومن شاء افتدى بطعام مساكين، {فمن تطوع خيرا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}؛ ثم نسختها الآية الأخرى التي تليها، فقال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر}؛ قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}؛ قال: كانوا إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى مثلها من القابلة، فاختان رجلٌ نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، وهو عمر بن الخطاب، فجعل الله في ذلك رخصة وبركة، فنسخها فقال: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام من الليل}»). [الجامع في علوم القرآن: 3/ 65-66]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن أبي ذئب عن ابن شهاب: «أنه سئل عن هذه الآية: وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مساكين، فقال: إنها منسوخة، قال: وبلغنا أن هذه للمريض الذي يتدارك عليه الصوم يكفر عن كل يومٍ أفطره بمدٍ من حنطة»). [الجامع في علوم القرآن: 3/ 84-85]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال: «كانت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة يطيقان الصوم وهو شديد عليهما فرخص لهما أن يفطرا ويطعما ثم نسخ ذلك بعد فقال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 69-70]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وأخبرني من سمع سعيد بن جبير ومجاهدا وعكرمة: «كانوا يقرؤونها وعلى الذين يطوقونه يقول يكلفونه الذين يكلفون الصوم ولا يطيقونه فيطعمون ويفطرون».

قال معمر وأخبرني ابن طاوس عن أبيه مثل ذلك). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 70]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر قال أخبرني ثابت البناني: «أن أنس بن مالك كبر حتى كان لا يطيق الصوم فكان يفطر ويطعم»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 70]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا ابن جريج قال أخبرني محمد بن عباد عن جعفر عن أبي عمرو مولى عائشة عن عائشة: «أنها كانت تقرؤها وعلى الذين يطوقونه»).[تفسير عبد الرزاق: 1/ 70]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا ابن جريج عن عطاء: «أنه كان يقرؤها وعلى الذين يطوقونه»، قال ابن جريج: «وكان مجاهدا يقرؤها كذلك أيضا»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 70]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة قال: «الأيام المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق»). [تفسير عبد الرزاق: 2/ 37] (م)
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيدٍ في قول اللّه جلّ وعزّ: {وعلى الذين يطيقونه فدية} قال: «الشّيخ الكبير الّذي يصوم فيعجز والحامل إن يشتدّ عليها الصّوم يطعمان لكل يوم مسكينا»).
[تفسير الثوري: 56]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن منصورٍ عن مجاهدٍ قال: «كان ابن عبّاسٍ يقرؤها (وعلى الذين يَطَّيَقونه) قال: الشّيخ الكبير الّذي لا يطيق الصوم»). [تفسير الثوري: 56]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (حدثنا سفيان الثوري عن خصيفٍ عن مجاهدٍ في قول اللّه جلّ وعزّ:
{فمن
تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له}
قال: «أن يطعم مسكينا»). [تفسير الثوري: 57]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}:

- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا يعقوب بن عبد الرّحمن، عن عبد الرّحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، - في قوله عزّ وجلّ: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} -، قال: «هو الكبير الّذي كان يصومه، فعجز، والمرأة الحبلى الّتي يشقّ عليها، فعليهما طعام مسكينٍ كلّ يومٍ حتّى ينقضي شهر رمضان».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عتّاب بن بشيرٍ، عن خصيف، عن زياد بن أبي مريم، في قوله عزّ وجلّ: «{وعلى الّذين يطيقونه} يعني: من الّذين بلغوا الأعمال، فوجب عليهم الصّيام، فمن كان من هؤلاء به علّة من مرضٍ أو عطاس، أو ذا علّة من رجلٍ أو امرأةٍ معذورةٍ، فترك الصّيام، أو الشّيخ الكبير، فعليه فديةٌ طعام مسكينٍ لكلّ يومٍ، {فمن تطوّع خيرًا} يعني: يطعم كلّ يومٍ مسكينين، وأن تصوموا خيرٌ لكم من ذلك».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن عمران بن حدير، عن عكرمة: «أنّه كان يقرأ: (وعلى الّذين يطوّقونه)، وقال: «لو كان: (يطيقونه) إذًا صاموا».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا مروان بن معاوية، قال: نا عمران بن حدير، عن عكرمة: «كان يقرأ: (وعلى الّذين يطوّقونه)، ويقرأ: إنّ الّذين (يطيقونه) هم الّذين يصومونه، والّذين (يطوّقونه) هم الّذين ضعفوا، عليهم الفدية».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد الرّحمن بن زيادٍ، عن شعبة، عن أيّوب، وخالدٍ، عن محمّد بن سيرين، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه قرأ سورة البقرة على المنبر، ففسّرها، فلمّا أتى على هذه الآية قرأ: {طعام مسكينٍ}».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد الرّحمن، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: «هي منسوخة».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، قال: نا ليث، عن طاوس، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه كان يقرأ: (فدية طعام مساكين)».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، عن عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أنّه كان يقرأ: (فدية طعام مساكين)».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن عبّاد بن راشدٍ، وغيره، عن الحسن: «أنّه كان يقرؤها كذلك»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 680-693]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله: {أيّامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر، وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ، فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له، وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} وقال عطاءٌ: «يفطر من المرض كلّه، كما قال اللّه تعالى» وقال الحسن، وإبراهيم: «في المرضع أو الحامل، إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثمّ تقضيان، وأمّا الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام فقد أطعم أنسٌ بعد ما كبر عامًا أو عامين، كلّ يومٍ مسكينًا، خبزًا ولحمًا، وأفطر» قراءة العامّة: {يطيقونه} وهو أكثر .
- حدّثني إسحاق، أخبرنا روحٌ، حدّثنا زكريّاء بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، سمع ابن عبّاسٍ، يقرأ وعلى الّذين يطوّقونه فلا يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ قال ابن عبّاسٍ: «ليست بمنسوخةٍ هو الشّيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كلّ يومٍ مسكينًا»). [صحيح البخاري: 6/ 25]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله: باب قوله تعالى: {أيّامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ} إلى قوله: {إن كنتم تعلمون}:
ساق الآية كلّها وانتصب أيّامًا بفعلٍ مقدّرٍ يدلّ عليه سياق الكلام كصوموا أو صاموا وللزّمخشريّ في إعرابه كلامٌ متعقّبٌ ليس هذا موضعه قوله وقال عطاءٌ: «يفطر من المرض كلّه كما قال اللّه تعالى» وصله عبد الرّزّاق عن بن جريجٍ قال: «قلت لعطاءٍ: من أيّ وجعٍ أفطر في رمضان؟، قال: من المرض كلّه، قلت: يصوم فإذا غلب عليه أفطر؟، قال: نعم». وللبخاريّ في هذا الأثر قصّةٌ مع شيخه إسحاق بن راهويه ذكرتها في ترجمة البخاريّ من تعليق التّعليق وقد اختلف السّلف في الحدّ الّذي إذا وجده المكلّف جاز له الفطر والّذي عليه الجمهور أنّه المرض الّذي يبيح له التّيمّم مع وجود الماء وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصّوم أو على عضوٍ من أعضائه أو زيادةً في المرض الّذي بدأ به أوتماديه، وعن بن سيرين متى حصل للإنسان حالٌ يستحقّ بها اسم المرض فله الفطر وهو نحو قول عطاء وعن الحسن والنّخعيّ إذ لم يقدر على الصّلاة قائمًا يفطر، قوله: وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثمّ تقضيان كذا وقع لأبي ذرٍّ وللأصيليّ بلفظ أو الحامل ولغيرهما والحامل بالواو وهو أظهر وأمّا أثر الحسن فوصله عبد بن حميدٍ من طريق يونس بن حميدٍ عن الحسن هو البصريّ قال المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت وهي بمنزلة المريض، ومن طريق قتادة عن الحسن تفطران وتقضيان وأمّا قول إبراهيم وهو النّخعيّ فوصله عبد بن حميدٍ أيضًا من طريق أبي معشرٍ عن النّخعيّ قال الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا صومًا، قوله: وأمّا الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام فقد أطعم أنس بن مالكٍ بعد ما كبر عامًا أو عامين كلّ يومٍ مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر وروى عبد بن حميدٍ من طريق النّضر بن أنسٍ عن أنسٍ أنّه أفطر في رمضان وكان قد كبر فأطعم مسكينًا كلّ يومٍ وروّيناه في فوائد محمّد بن هشام بن ملاسٍ عن مروان عن معاوية عن حميدٍ قال ضعف أنسٌ عن الصّوم عام توفّي فسألت ابنه عمر بن أنسٍ أطاق الصّوم قال لا فلمّا عرف أنّه لايطيق القضاء أمر بجفانٍ من خبزٍ ولحمٍ فأطعم العدة أو أكثر تنبيه قوله فقد أطعم الفاء جواب للدليل الدّالّ على جواز الفطر وتقدير الكلام وأمّا الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام فإنّه يجوز له أن يفطر ويطعم فقد أطعم إلخ، وقوله: كبر بفتح الكاف وكسر الموحّدة أي أسنّ وكان أنسٌ حينئذٍ في عشر المائة كما تقدّم التّنبيه عليه قريبًا قوله قراءة العامّة يطيقونه وهو أكثر يعني من أطاق يطيق وسأذكر ما خالف ذلك في الّذي بعده قوله: حدثني إسحاق هو بن راهويه وروح بفتح الرّاء هو بن عبادة، قوله: سمع ابن عبّاسٍ يقول في رواية الكشميهنيّ يقرأ قوله يطوّقونه بفتح الطّاء وتشديد الواو مبنيًّا للمفعول مخفّف الطّاء من طوّق بضمّ أوّله بوزن قطع وهذه قراءة بن مسعودٍ أيضًا وقد وقع عند النّسائيّ من طريق بن أبي نجيحٍ عن عمرو بن دينارٍ يطوّقونه يكلّفونه وهو تفسيرٌ حسنٌ أي يكلّفون إطاقته، وقوله: طعام مسكينٍ زاد في رواية النّسائيّ واحد، وقوله: فمن تطوع خيرا زاد في رواية النّسائيّ فزاد مسكينٍ آخر، قوله: قال بن عبّاسٍ ليست بمنسوخةٍ هو الشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة هذا مذهب بن عبّاسٍ وخالفه الأكثر وفي هذا الحديث الّذي بعده ما يدلّ على أنّها منسوخةٌ وهذه القراءة تضعف تأويل من زعم أنّ لا محذوفةٌ من القراءة المشهورة وأنّ المعنى وعلى الّذين لا يطيقونه فديةٌ وأنّه كقول الشّاعر فقلت يمين اللّه أبرح قاعدًا أي لا أبرح قاعدًا ورد بدلالة القسم على النّفي بخلاف الآية ويثبت هذا التّأويل أنّ الأكثر على أنّ الضّمير في قوله يطيقونه للصّيام فيصير تقدير الكلام وعلى الّذين يطيقون الصّيام فديةٌ والفدية لا تجب على المطيق وإنّما تجب على غيره والجواب عن ذلك أنّ في الكلام حذفًا تقديره وعلى الّذين يطيقون الصّيام إذا أفطروا فديةٌ وكان هذا في أوّل الأمر عند الأكثر ثمّ نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر وقد تقدّم في الصّيام حديث ابن أبي ليلى قال حدّثنا أصحاب محمّدٍ لمّا نزل رمضان شقّ عليهم فكان من أطعم كلّ يومٍ مسكينًا ترك الصّوم ممّن يطيقه ورخّص لهم في ذلك فنسختها وأن تصوموا خير لكم وأما على قراءة ابن عبّاسٍ فلا نسخ لأنّه يجعل الفدية على من تكلّف الصّوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفّر وهذا الحكم باقٍ وفي الحديث حجّةٌ لقول الشّافعيّ ومن وافقه أنّ الشّيخ الكبير ومن ذكر معه إذا شقّ عليهم الصّوم فأفطروا فعليهم الفدية خلافًا لمالكٍ ومن وافقه واختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبرٍ ثمّ قوي على القضاء بعد فقال الشّافعيّ وأحمد يقضون ويطعمون وقال الأوزاعيّ والكوفيّون لا أطعام). [فتح الباري: 8/ 179-180]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:
- حدّثنا عيّاش بن الوليد، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أنّه قرأ: (فدية طعام مساكين) قال: «هي منسوخةٌ».
- حدّثنا قتيبة، حدّثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللّه، عن يزيد، مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة، قال: «لمّا نزلت: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتّى نزلت الآية الّتي بعدها فنسختها». قال أبو عبد اللّه: «مات بكيرٌ، قبل يزيد»). [صحيح البخاري: 6/ 25] (م)
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( قوله باب {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:

ذكر فيه حديث بن عمر أنه قرأ فدية طعام بالإضافة ومساكين بلفظ الجمع وهي قراءة نافع وبن ذكوان والباقون بتنوين فديةٍ وتوحيد مسكينٍ وطعام بالرّفع على البدليّة وأمّا الإضافة فهي من إضافة الشّيء إلى نفسه والمقصود به البيان مثل خاتم حديدٍ وثوب حريرٍ لأنّ الفدية تكونً طعامًا وغيره ومن جمع مساكين فلمقابلة الجمع بالجمع ومن أفرد فمعناه فعلى كلّ واحدٍ ممّن يطيق الصّوم ويستفاد من الإفراد أنّ الحكم لكلّ يومٍ يفطر فيه إطعام مسكينٍ ولا يفهم ذلك من الجمع والمراد بالطّعام الإطعام.
- قوله: قال هي منسوخةٌ هو صريح في دعوى النّسخ ورجحه بن المنذر من جهة قوله وأن تصوموا خيرٌ لكم قال لأنّها لو كانت في الشّيخ الكبير الّذي لا يطيق الصّيام لم يناسب أن يقال له وأن تصوموا خير لكم مع أنّه لا يطيق الصّيام.
- قوله: في حديث بن الأكوع لمّا نزلت وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ إلخ هذا أيضًا صريحٌ في دعوى النّسخ وأصرح منه ما تقدم من حديث بن أبي ليلى ويمكن إن كانت القراءة بتشديد الواو ثابتةً أن يكون الوجهان ثابتين بحسب مدلول القرائن واللّه أعلم.

- قوله: قال أبو عبد اللّه هو المصنّف وثبت هذا الكلام في رواية المستملي وحده قوله: مات بكيرٌ قبل يزيد أي مات بكير بن عبد اللّه بن الأشجّ الرّاوي عن يزيد وهو بن أبي عبيدٍ قبل شيخه يزيد وكانت وفاته سنة عشرين ومائةٍ وقيل قبلها أو بعدها ومات يزيد سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومائة). [فتح الباري: 8/ 181]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فيه
وقال عطاء: «يفطر من المرض كله كما قال الله تعالى» وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: «إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثمّ تقضيان
وأما الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام فقد أطعم أنس بعدما كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزًا ولحمًا وأفطر».
أما قول عطاء فقال عبد الرّزّاق في جامعه عن ابن جريج قال: «قلت لعطاء من أي وجع يفطر في رمضان؟، قال: منه كله، قلت: يصوم حتّى إذا غلب أفطر؟، قال: نعم، كما قال الله».
وله طريق ثاني في ترجمة البخاريّ آخر الكتاب
وأما قول إبراهيم فقال عبد ثنا محمّد بن بشر عن سعيد عن أبي معشر عن النّخعيّ قال: «الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضيتا مكان ذلك صوما».
أما قول الحسن فقال عبد أنا عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: «تفطران وتقضيان صياما».
ثنا قبيصة عن سفيان عن يونس عن الحسن قال: «المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت وهي بمنزلة المريض».
وأما قول أنس فقال عبد أنا يزيد بن هارون أنا شعبة عن قتادة عن النّضر بن أنس عن أنس بن مالك: «أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر فأطعم مسكينا كل يوم».
أنا يزيد بن هارون أنا حميد الطّويل وأنس بن مالك: «أنه كان في العام الّذي مات فيه لم يستطع أنس أن يصوم رمضان فأطعم ثلاثين مسكينا خبزًا ولحمًا وزيادة حفنة أو حفنتين».
أنا عبد الرّزّاق عن معمر عن ثابت قال: «كبر أنس بن مالك حتّى كان لا يطيق الصّوم فكان يفطر ويطعم».
قرأنا على محمّد بن علّي الصّالحي البزاعي عن زينب بنت إسماعيل بن إبراهيم فيما قرئ عليها وهو يسمع أن أحمد بن عبد الدّائم أخبرهم أنا يحيى بن محمود الثّقفيّ أنا عبد الواحد بن محمّد الشّيرازيّ أنا عبيدالله بن المعتز بن منصور أنا محمّد بن الفضل بن محمّد بن إسحاق بن خزيمة ثنا جدي ثنا علّي بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا حميد عن أنس: «أنه ضعف عن صوم شهر رمضان وكبر عنه فأمر بمساكين فأطعموا خبزًا ولحمًا حتّى أشبعوا قال فحدثني ابنه وأنس جالس أن المساكين أكثر من عدد الأيّام».
وأخبرنيه عاليا إبراهيم بن أحمد القارئ عن فاطمة بنت محمّد بن جميل سماعا أن عبد الرّحمن بن مكي كتب إليهم أنا السلفي أنا مكي بن منصور أنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العبّاس الأصم ثنا محمّد بن هشام بن ملاس ثنا مروان بن معاوية ثنا حميد قال: «ضعف أنس عن الصّوم عام توفّي فيه قال حميد سألت ابنه عمر بن أنس أطاق الصّوم؟، قال: لا فلمّا عرف أنه لا يستطيع القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر»). [تغليق التعليق: 4/ 176-178]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): (باب قوله: {أيّاما معدوداتٍ فمن كان منكم مريضا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيرا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}:

أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: {أيّامًا معدودات} إلى آخر الآية. قوله: {أيّامًا}، منصوب بفعل محذوف تقديره: صوموا أيّامًا معدودات. يعني: في أيّام معدودات أي: مؤقتا بعدد معلوم، وقيل: منصوب بقوله: {ولعلكم تتّقون أيّامًا} أي: في أيّام. وقال الزّمخشريّ: «انتصاب: أيّامًا بالصيام كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة»، وقال بعضهم: وللزمخشري في إعرابه كلام متعقب ليس هذا موضعه. قلت: التعقيب في كلام المتعقب من غير تأمل. وقد سمعت الأساتذة الكبار من علماء العرب والعجم: أن من رد على الزّمخشريّ في غير الاعتقاديات فهو رد عليه، والمتعقب هو أبو البقاء حيث قال: لا يجوز أن ينصب بالصيام لأنّه مصدر وقد فرق بينه وبين أيّام بقوله: كما كتب. وما يعمل فيه المصدر كالصلة، ولا يفرق بين الصّلة والموصول بأجنبي انتهى. قلت: قال القاضي أيضا نصبها ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما، بل بإضمار صوموا. قلت: للزمخشري فيه دقة نظر وهو أنه إنّما قال: انتصاب أيّامًا بالصيام نظرا إلى أن قوله: {كما كتب} حال فلا يكون أجنبيّا عن العامل والمعمول. وقال صاحب اللّباب: «يجوز أن ينتصب بالصيام إذا جعلت {كما كتب} حالا». وقال الزّجاج: «الأجود أن يكون العامل في أيّامًا، الصّيام كأن المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أيّامًا معدودات». ولقد أجاد من قال:

وكم من عائب قولا صحيحا ....... وآفته من الفهم السقيم

قوله: {أو على سفر} أي: أو راكب سفر قوله: {فعدّة} أي: فعليه عدّة، وقرئ بالنّصب يعني: فليصم عدّة. قوله: {من أيّام أخر}، وفي قراءة أبي: {من أيّام أخر متتابعات}. قوله: {وعلى الّذين يطيقونه}، أي: الصّوم أي: الّذين لا عذر لهم إن أفطروا {فدية طعام مسكين} نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وكان ذلك في أول الإسلام حين فرض عليهم الصّوم ولم يتعودوه فاشتدّ عليهم. فرخص لهم في الإفطار والفدية، وقرأ ابن عبّاس: (يطوقونه)، أي: يكلفونه. وعنه: (يتطوقونه)، يعني: يتكلفونه، وهم الشّيوخ والعجائز وحكمهم الإفطار والفدية.
قوله: {فمن تطوع خيرا} أي: زاد على مقدار الفدية قوله: {فهو خير له} أي: فالتطوع خير له وقرئ: (فمن يطوع)، بمعنى: يتطوّع. قوله: {وأن تصوموا} أي: وصومكم أيها المطيقون {خير لكم} من الفدية وتطوع الخير، وفي قراءة أبي: (والصّيام خير لكم).
وقال عطاءٌ: «يفطر من المرض كلّه كما قال الله تعالى»،
أي: قال عطاء بن أبي رباح: يفطر المريض مطلقًا، أي مرض كان: كما قال الله عزّ وجلّ، من غير قيد، وهذا التّعليق وصله عبد الرّزّاق عن ابن جريج قال: «قلت لعطاء: من أي وجع أفطر في رمضان؟ قال: من المرض كله».
وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: «إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تقطران ثمّ تقضيان».
أي: قال الحسن البصريّ وإبراهيم النّخعيّ الخ. وتعليق الحسن وصله عبد بن حميد من طريق يونس بن عبيد عنه قال: «المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض». ومن طريق قتادة عن الحسن: «تفطران وتقضيان، وتعليق إبراهيم وصله عبد بن حميد أيضا من طريق أبي معشر عنه قال: «الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا صومهما، وأمّا الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام فقد أطعم أنسٌ بعد ما كبر عاما أو عامين كلّ يوم مسكينا خبرا ولحما وأفطر».
أي: وأما الشّيخ الكبير إذا لم يقدر على الصّوم فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر بكسر الباء الموحدة. قوله: (عاما)، أي: في عام. قوله: (أو عامين) شكّ من الرّاوي تقدير الكلام. أما الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّوم. فقد استحق الأكل يأكل وليس قوله: فقد أطعم جواب أما بل هو دليل على الجواب محذوفا كما قلناه: وروى عبد بن حميد من طريق النّضر بن أنس عن أنس: «أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكينا كل يوم». انتهى وكان أنس حينئذٍ في عشرة المائة.
قراءة العامة يطيقونه وهو أكثر
دأب البخاريّ أنه يذكر عند عقيب آية من القرآن ما يتعلّق بلغة لفظ منها أو بقراءة فيها. قوله: (يطيقونه) من أطاق يطيق، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
- حدّثني إسحاق أخبرنا روحٌ حدّثنا زكريّا بن إسحاق حدّثنا عمرو بن دينارٍ عن عطاء سمع ابن عبّاسٍ يقرأ {وعلى الّذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال ابن عبّاسٍ: «ليست بمنسوخةٍ هو الشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كلّ يومٍ مسكينا».
إسحاق هو ابن راهويه. قال بعضهم: وقال صاحب (التّوضيح)، إسحاق هو ابن إبراهيم، كما صرح به أبو نعيم في (مستخرجه) قلت روى البخاريّ عن خمسة أنفس كل منهم يسمى إسحاق بن إبراهيم ولم يبين أي إسحاق بن إبراهيم هو، والظّاهر أنه إسحاق ابن إبراهيم الّذي يقال له. راهويه، لأنّه روى عن روح بن عبادة عن زكريّا بن إسحاق المكّيّ عن عمرو بن دينار المكّيّ عن عطاء ابن أبي رباح المكّيّ.
قوله: (يطوقونه) بضم الياء وتخفيف الطّاء وتشديد الواو على البناء للمجهول بمعنى يتكلفونه، وكذا وقع تفسيره عند النّسائيّ وهي قراءة ابن مسعود أيضا قوله: (قال ابن عبّاس) إلى آخره إشارة إلى أن ابن عبّاس لا يرى النّسخ في هذا، وقد خالفه الجمهور. وحديث مسلمة الّذي يأتي عن قريب يدل على أنّها منسوخة وحاصل الأمر أن النّسخ ثابت في حق الصّحيح القيم بإيجاب الصّيام عليه لقوله تعالى: {فمن شهد منك الشّهر فليصمه} وأما الشّيخ الفاني الهرم الّذي لا يستطيع الصّوم فله أن يفطر ولا قضاء عليه، ولكنه هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة، فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب كالصّبيّ وهو أحد قولي الشّافعي. والثّاني: هو الصّحيح وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عبّاس على قراءة: يطوقون، أي: يتجشمونه. كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاريّ حيث قال: وأما الشّيخ الكبير، الخ كما مر آنفا). [عمدة القاري: 18/ 104-105]

قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {أيّامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} وقال عطاءٌ: «يفطر من المرض كلّه كما قال اللّه تعالى»، وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: «إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثمّ تقضيان وأمّا الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام فقد أطعم أنسٌ بعد ما كبر عامًا أو عامين كلّ يومٍ مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر». قراءة العامّة يطيقونه وهو أكثر
باب قوله عز وجل وسقط ذلك لغير أبي ذر {أيامًا معدودات} أي مؤقتات بعدد معلوم ونصب أيامًا بعامل مقدر أي صوموا أيامًا، وهذا النصب إما على الظرفية أو المفعول به اتساعًا وقيل نصب بكتب إما على الظرف أو المفعول به، وردّه أبو حيان فقال: أما النصب على الظرفية فإنه محل للفعل والكتابة ليست واقعة في الأيام لكن متعلقها هو الواقع في الأيام وأما على المفعول اتساعًا فإن ذلك مبني على كونه ظرفًا لكتب وتقدم أنه خطأ ومعدودات صفة والمراد به رمضان أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونسخ به وهو عاشوراء كما مر {فمن كان منكم مريضًا} مرضًا يضره الصوم ويشق عليه معه {أو على سفر} في موضع نصب عطفًا على خبر كان وأو للتنويع {فعدّة} أي فعليه صوم عدّة أيام المرض أو السفر {من أيام أخر} إن أفطر فحذف الشرط والمضاف والمضاف إليه للعلم به {وعلى الذين يطيقونه} إن أفطروا {فدية طعام مسكين} نصف صاع من بر أو صاع من غيره ثم نسخ ذلك {فمن تطوّع خيرًا} فزاد في الفدية {فهو} أي فالتطوّع {خير له} وله في محل رفع صفة لخير فيتعلق بمحذوف أي خير كائن له {وأن تصوموا} أيها المطيقون وأن مصدرية أي صومكم وهو مرفوع بالابتداء خبره {خير لكم} من الفدية وتطوّع الخير {وإن كنتم تعلمون} [البقرة: 184] شرط حذف جوابه تقديره اخترتموه أو معناه إن كنتم من أهل العلم أو التدبر علمتم أن الصوم خير لكم.
وقال عطاء: هو ابن أبي رباح فيما وصله عبد الرزاق: «يفطر من المرض كله كما قال الله تعالى» والذي عليه الجمهور: «أنه يباح الفطر لمرض يضر معه الصوم ضررًا يبيح التيمم وإن طرأ على الصوم ويقض».
وقال الحسن البصري فيما وصله عبد بن حميد وإبراهيم النخعي فيما وصله عبد بن حميد أيضًا في المرضع والحامل بالواو ولأبي ذر: أو الحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ولو كان في المرضع من غيرها ثم تقضيان. ويجب مع ذلك الفدية في الخوف على الولد أخذًا من آية {وعلى الذين يطيقونه فدية} قال ابن عباس: «إنها نسخت إلا في حق الحامل والمرضع». رواه البيهقي عنه لا في الخوف على المس كالمريض فلا فدية عليه.
(وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام) فإنه يفطر وتجب عليه الفدية دون القضاء (فقد أطعم أنس بعد ما كبر) بكسر الموحدة وشق عليه الصوم وكان حينئذٍ في عشرة المائة (عامًا أو عامين) بالشك من الراوي (كل يوم مسكينًا خبرًا ولحمًا وأفطر) وهذا رواه عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس لكن الواجب لكل يوم فات صومه مد وهو رطل وثلث، وبالكيل المصري نصف قدح من جنس الفطرة فلا يجزئ نحو دقيق وسويق ومثل الكبير المريض الذي لا يطيق الصوم ولا يرجى برؤه للآية السابقة على القول بأنها لم تنسخ أصلًا (قراءة العامة يطيقونه) بكسر الطاء وسكون التحتية من أطاق يطيق كأقام يقيم (وهو أكثر).
- حدّثني إسحاق أخبرنا روحٌ، حدّثنا زكريّاء بن إسحاق حدّثنا عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ: «سمع ابن عبّاسٍ، يقرأ وعلى الّذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ قال ابن عبّاسٍ: ليست بمنسوخةٍ هو الشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كلّ يومٍ مسكينًا».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا روح) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا زكريا بن إسحاق) المكي قال: (حدّثنا عمرو بن دينار عن عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (سمع) ولأبي الوقت أنه سمع (ابن عباس) -رضي الله عنهما- (يقرأ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يقول: «وعلى الذين يطوّقونه» بفتح الطاء مخففة وواو مشددة مبنيًا للمفعول من طوّق بفتح أوّله بوزن قطع. قال مجاهد: «يتحملونه». وعن عمرو بن دينار فيما رواه النسائي من طريق ابن أبي نجيح: «يكلفونه أي يكلفون إطاقته»، وفي نسخة يطوقونه فلا يطيقونه ({فدية طعام مسكين} قال ابن عباس: «ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان»كذا في اليونينية باللام وسقطت من الفرع كغيره (مكان كل يوم) أفطراه (مسكينًا) وفيه دليل للشافعي ومن وافقه أن الشيخ الكبير ومن ذكر معه إذا شق عليه الصوم فأفطر فعليه الفدية خلافًا لمالك ومن وافقه، ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد يقضي ويطعم عند الشافعي وأحمد، وقال الكوفيون: لا إطعام). [إرشاد الساري: 7/ 23-24]
قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {أياماً معدوداتٍ فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوع خيراً فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}:
قوله: «وقال عطاء يفطر الخ» والذي عليه الجمهور أنه يباح الفطر لمرض يضرّ معه الصوم ضرراً يبيح التيمم، وإن طرأ على الصوم ويقضي. قوله: «تفطران ثم تقضيان» ويجب مع ذلك الفدية في الخوف على الولد أخذاً من آية، وعلى الذين يطيقونه فدية.
قال ابن عباس: «أنها نسخت إلا في حق الحامل والمرضع». رواه البيهقي عنه لا في الخوف على النفس كالمريض فلا فدية عليه). [حاشية السندي على البخاري: 3/ 39-40]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ}:
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا بكرٌ يعني ابن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكيرٍ، عن يزيد، مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع، قال: «لمّا نزلت هذه الآية {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد منّا أن يفطر ويفتدي حتّى نزلت الآية الّتي بعدها فنسختها
».
- أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا ورقاء، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: « تطيقونه: تكلّفونه فديةٌ طعام مسكينٍ واحدٍ، فمن تطوّع فزاد مسكينًا آخر ليست بمنسوخةٍ، فهو خيرٌ له {وأن تصوموا خيرٌ لكم} لا يرخّص في هذا إلّا للكبير الّذي لا يطيق الصّيام، والمريض الّذي لا يشفى».
- أخبرنا محمّد بن عبد الوهّاب، حدّثنا محمّد بن سابقٍ، حدّثنا ورقاء، حدّثنا ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «الّذين يطوّقونه»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/ 23-24]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}:
- أخبرنا عليّ بن محمّد بن عليٍّ، حدّثنا خلف بن تميمٍ، عن بشيرٍ أبي إسماعيل، حدّثني خيثمة، عن أنس بن مالكٍ، في صوم رمضان في السّفر: قلت: «فأين هذه الآية {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} قال: إنّها نزلت يوم نزلت، يعني على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونحن نرتحل جياعًا وننزل على غير شبعٍ، واليوم نرتحل شباعًا وننزل على شبعٍ»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/ 24]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أيّامًا معدوداتٍ}:
يعني تعالى ذكره: كتب عليكم أيّها الّذين آمنوا الصّيام أيّامًا معدوداتٍ.
ونصب أيّامًا بمضمرٍ من الفعل، كأنّه قيل: كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم أن تصوموا أيّامًا معدوداتٍ، كما يقال: أعجبني الضّرب زيدًا.
وقوله: {كما كتب على الّذين من قبلكم} من صلة الصّيام، كأنّه قيل: كتب عليكم الّذي هو مثل الّذي كتب على الّذين من قبلكم أن تصوموا أيّامًا معدوداتٍ.
ثمّ اختلف أهل التّأويل فيما عنى اللّه جلّ وعزّ بقوله: {أيّامًا معدوداتٍ} فقال بعضهم: الأيّام المعدودات: صوم ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ. قال: وكان ذلك الّذي فرض على النّاس من الصّيام قبل أن يفرض عليهم شهر رمضان.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: «كان عليهم الصّيام ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ، ولم يسمّ الشّهر أيّامًا معدوداتٍ، قال: وكان هذا صيام النّاس قبل ثمّ فرض اللّه عزّ وجلّ على النّاس شهر رمضان».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: «{يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون} وكان ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ، ثمّ نسخ ذلك بالّذي أنزل من صيام رمضان، فهذا الصّوم الأوّل من العتمة».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عتبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ، ثمّ أنزل اللّه جلّ وعزّ فرض شهر رمضان، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} حتّى بلغ: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ}».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: «قد كتب اللّه تعالى ذكره على النّاس قبل أن ينزل رمضان صوم ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ.
وقال آخرون: بل الأيّام الثّلاثة الّتي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصومها قبل أن يفرض رمضان كان تطوّعًا صومهنّ، وإنّما عنى اللّه جلّ وعزّ بقوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون أيّامًا معدوداتٍ} أيّام شهر رمضان، لا الأيّام الّتي كان يصومهنّ قبل وجوب فرض صوم شهر رمضان.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: حدّثنا أصحابنا: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ تطوّعًا لا فريضةً؛ قال، ثمّ نزل صيام رمضان».
- قال أبو موسى: قوله قال عمرو بن مرّة، حدّثنا أصحابنا، يريد ابن أبي ليلى، كان ابن أبي ليلى القائل حدّثنا أصحابنا.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت عمرو بن مرّة، قال: سمعت ابن أبي ليلى، فذكر نحوه.
وقد ذكرنا قول من قال: عنى بقوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} شهر رمضان.
وأولى ذلك بالصّواب عندي قول من قال: عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله: {أيّامًا معدوداتٍ} أيّام شهر رمضان، وذلك أنّه لم يأت خبرٌ تقوم به حجّةٌ بأنّ صومًا فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ثمّ نسخ بصوم شهر رمضان، وأنّ اللّه تعالى قد بيّن في سياق الآية أنّ الصّيام الّذي أوجبه جلّ ثناؤه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات بإبانته عن الأيّام الّتي أخبر أنّه كتب علينا صومها بقوله: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن}، فمن ادّعى أنّ صومًا كان قد لزم المسلمين فرضه غير صوم شهر رمضان الّذين هم مجمعون على وجوب فرض صومه، ثمّ نسخ ذلك سئل البرهان على ذلك من خبرٍ تقوم به حجّةٌ، إذ كان لا يعلم ذلك إلاّ بخبرٍ يقطع العذر.
وإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا للّذي بيّنّا، فتأويل الآية: كتب عليكم أيّها المؤمنون الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون أيّامًا معدوداتٍ هي شهر رمضان.
وجائزٌ أيضًا أن يكون معناه: {كتب عليكم الصّيام} كتب عليكم شهر رمضان.
وأمّا المعدودات: فهي الّتي تعدّ مبالغها وساعات أوقاتها.
ويعنى بقوله معدوداتٍ: محصياتٍ). [جامع البيان: 3/ 156-160]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ}:
يعني بقوله جلّ ثناؤه: من كان منكم مريضًا ممّن كلّف صومه أو كان صحيحًا غير مريضٍ، وكان على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر. يقول: فعليه صوم عدّة الأيّام الّتي أفطرها في مرضه أو في سفره من أيّامٍ أخر، يعني من أيّامٍ أخر غير أيّام مرضه أو سفره إن هو أفطر فى مرضه أو سفره.
والرّفع في قوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} نظير الرّفع في قوله: {فاتّباعٌ بالمعروف} وقد مضى بيان ذلك هنالك بما أغنى عن إعادته.
وأمّا قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فإنّ قراءة كافّة المسلمين: {وعلى الّذين يطيقونه} وعلى ذلك خطوط مصاحفهم، وهي القراءة الّتي لا يجوز لأحدٍ من أهل الإسلام خلافها لنقل جميعهم تصويب ذلك قرنًا عن قرنٍ. وكان ابن عبّاسٍ يقرؤها فيما روي عنه: وعلى الّذين يطوّقونه.
ثمّ اختلف قرّاء ذلك: {وعلى الّذين يطيقونه} في معناه، فقال بعضهم: كان ذلك في أوّل ما فرض الصّوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدى فأطعم لكلّ يومٍ أفطره مسكينًا حتّى نسخ ذلك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عتبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ، قال: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيّامٍ. من كلّ شهرٍ، ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض شهر رمضان فأنزل اللّه تعالى ذكره: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام} حتّى بلغ: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم مسكينًا. ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ أوجب الصّيام على الصّحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصّوم فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ} إلى آخر الآية».
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: حدّثنا أصحابنا: «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ تطوّعًا غير فريضةٍ، قال: ثمّ نزل صيام رمضان، قال: وكانوا قومًا لم يتعوّدوا الصّيام، قال: وكان يشتدّ عليهم الصّوم، قال: فكان من لم يصم أطعم مسكينًا، ثمّ نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} فكانت الرّخصة للمريض، والمسافر، وأمرنا بالصّيام».
- قال محمّد بن المثنّى: قوله قال عمرٌو، حدّثنا أصحابنا: يريد ابن أبي ليلى، كأنّ ابن أبي ليلى، القائل حدّثنا أصحابنا.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت عمرو بن مرّة، قال: سمعت ابن أبي ليلى فذكر نحوه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «كان من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم نصف صاعٍ مسكينًا، فنسخها {شهر رمضان} إلى قوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، بنحوه، وزاد فيه قال: «فنسختها هذه الآية، وصارت الآية الأولى للشّيخ الّذي لا يستطيع الصّوم يتصدّق مكان كلّ يومٍ على مسكينٍ نصف صاعٍ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ أبو تميلة، قال: حدّثنا الحسين، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، والحسن البصريّ، قوله: «{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء منهم أن يصوم صام، ومن شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكينٍ افتدى وتمّ له صومه. ثمّ قال: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} ثمّ استثنى من ذلك فقال: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}».
- حدّثنا أبو هشامٍ الرّفاعيّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: «سألت الأعمش عن قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعامٌ مسكينٍ} فحدّثنا عن إبراهيم، عن علقمة، قالا: نسختها: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثنا محمد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: «نسخت هذه الآية يعني: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} الّتي بعدها: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّام أخر}».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: «{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: نسختها: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}.
- حدّثنا الوليد بن شجاعٍ أبو همّامٍ، قال: حدّثنا عليّ بن مسهرٍ، عن عاصمٍ، عن الشّعبيّ، قال: «نزلت هذه الآية: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان الرّجل يفطر فيتصدّق عن كلّ يومٍ على مسكينٍ طعامًا، ثمّ نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} فلم تنزل الرّخصة إلاّ للمريض، والمسافر».

- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا عليّ بن مسهرٍ، عن عاصمٍ، عن الشّعبيّ، قال: «نزلت هذه الآية للنّاس عامّةً: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} وكان الرّجل يفطر، ويتصدّق بطعامه على مسكينٍ، ثمّ نزلت هذه الآية: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} قال: فلم تنزل الرّخصة إلاّ للمريض، والمسافر».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، قال: «دخلت على عطاءٍ، وهو يأكل في شهر رمضان فقال: إنّي شيخٌ كبيرٌ إنّ الصّوم نزل، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر، وأطعم مسكينًا، حتّى نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} فوجب الصّوم على كلّ أحدٍ إلاّ مريضًا، أو مسافرًا، أو شيخًا كبيرًا مثلي يفتدي».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، قال: قال اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} قال ابن شهابٍ: «كتب اللّه الصّيام علينا، فكان من شاء افتدى ممّن يطيق الصّيام من صحيحٍ أو مريضٍ أو مسافرٍ، ولم يكن عليه غير ذلك. فلمّا أوجب اللّه على من شهد الشّهر الصّيام، فمن كان صحيحًا يطيقه وضع عنه الفدية، وكان من كان على سفرٍ أو كان مريضًا فعدّةٌ من أيّامٍ أخر. قال: وبقيت الفدية الّتي كانت تقبل قبل ذلك للكبير الّذي لا يطيق الصّيام، والّذي يعرض له العطش أو العلّة الّتي لا يستطيع معها الصّيام».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: «جعل اللّه في الصّوم الأوّل فديةً طعام مسكينٍ، فمن شاء من مسافرٍ، أو مقيمٍ أن يطعم مسكينًا، ويفطر كان ذلك رخصةً له، فأنزل اللّه في الصّوم الآخر: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} ولم يذكر اللّه في الصّوم الآخر فديةً طعام مسكينٍ، فنسخت الفديةً، وثبت في الصّوم الآخر: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وهو الإفطار في السّفر، وجعله عدّةً من أيّامٍ أخر».
- حدّثني أحمد بن عبد الرّحمن بن وهبٍ، قال: أخبرني عمّي عبد اللّه بن وهبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللّه، عن يزيد، مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع، أنّه قال: «كنّا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكينٍ، حتّى أنزلت: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عاصمٍ الأحول، عن الشّعبيّ في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «كانت النّاس كلّهم، فلمّا نزلت: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} أمروا بالصّوم، والقضاء، فقال: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عليّ بن مسهرٍ، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «نسختها الآية الّتي بعدها: {وأن تصوموا خيرٌ لكم إنٍ كنتم تعلمون}».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن محمّد بن سليم، عن ابن سيرين، عن عبيدة، {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «نسختها الآية الّتي تليها: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: حدّثنا الفضل بن خالدٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك، قوله: «{كتب عليكم الصّيام} الآية، فرض الصّوم من العتمة إلى مثلها من القابلة، فإذا صلّى الرّجل العتمة حرّم عليه الطّعام، والجماع إلى مثلها من القابلة،
ثمّ نزل الصّوم الآخر بإحلال الطّعام، والجماع باللّيل كلّه، وهو قوله: {وكلوا واشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} إلى قوله: {ثمّ أتمّوا الصّيام إلى اللّيل} وأحلّ الجماع أيضًا فقال: {أحلّ لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم} وكان في الصّوم الأوّل الفدية، فمن شاء من مسافرٍ، أو مقيمٍ أن يطعم مسكينًا ويفطر فعل ذلك، ولم يذكر اللّه تعالى ذكره في الصّوم الآخر الفدية، وقال: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} فنسخ هذا الصّوم الآخر الفدية».
وقال آخرون: بل كان قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} حكمًا خاصًّا للشّيخ الكبير، والعجوز اللّذين يطيقان الصّوم كان مرخّصًا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكينٍ، ويفطرا، ثمّ نسخ ذلك بقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فلزمهما من الصّوم مثل الّذي لزم الشّابّ إلاّ أن يعجزا عن الصّوم فيكون ذلك الحكم الّذي كان لهما قبل النّسخ ثابتًا لهما حينئذٍ بحاله.

ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «كان الشّيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، وهما يطيقان الصّوم رخّص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويطعما لكلّ يومٍ مسكينًا، ثمّ نسخ ذلك بعد ذلك: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} وثبت للشّيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصّوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وعلى الّذين يطيقونه} قال: «الشّيخ الكبير والعجوز الكبيرة ثمّ ذكر مثل حديث بشرٍ عن يزيد».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا معاذ بن هشامٍ، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، قال: «كان الشّيخ، والعجوز لهما الرّخصة أن يفطرا ويطعما بقوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: فكانت لهم الرّخصة ثمّ نسخت بهذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فنسخت الرّخصة عن الشّيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصّوم. وبقيت للحامل والمرضع أن يفطرا وتطعما».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاج بن المنهال، قال، حدّثنا همّام بن يحيى، قال: سمعت قتادة، يقول في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «كان فيها رخصةٌ للشّيخ الكبير، والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصّوم أن يطعما مكان كلّ يومٍ مسكينًا، ويفطرا، ثمّ نسخ ذلك بالآية الّتي بعدها فقال: {شهر رمضان} إلى قوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} فنسختها هذه الآية فكان أهل العلم يرون ويرجون الرّخصة ثبتت للشّيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا لم يطيقا الصّوم أن يفطرا ويطعما عن كلّ يومٍ مسكينًا، وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها، وللمرضع إذا ما خشيت على ولدها».
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: «{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان الشّيخ والعجوز يطيقان صوم رمضان، فأحلّ اللّه لهما أن يفطراه إن أرادا ذلك، وعليهما الفدية لكلّ يومٍ يفطران فيه طعام مسكينٍ، فأنزل اللّه بعد ذلك: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}».
وقال آخرون ممّن قرأ ذلك: {وعلى الّذين يطيقونه} لم ينسخ ذلك ولا شيءٌ منه، وهو حكمٌ مثبتٌ من لدن نزلت هذه الآية إلى قيام السّاعة. وقالوا: إنّما تأويل ذلك: وعلى الّذين كانوا يطيقونه في حال شبابهم، وحداثتهم، وفي حال صحّتهم وقوّتهم إذا مرضوا أو كبروا فعجزوا من الكبر عن الصّوم فديةٌ طعام مسكينٍ؛ لا أنّ القوم كان رخّص لهم في الإفطار وهم على الصّوم قادرون إذا افتدوا.

ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ،
قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «أما الّذين يطيقونه فالرّجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك ثمّ يعرض له الوجع، أو العطش، أو المرض الطّويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم؛ فإنّ أولئك عليهم مكان كلّ يومٍ إطعام مسكينٍ، فإن أطعم مسكينًين فهو خيرٌ له، ومن تكلّف الصّيام فصامه فهو خيرٌ له».

- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،؛ عن عزرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران، ويطعمان مكان كلّ يومٍ مسكينًا ولا يقضيان صومًا».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبدة، عن سعيد، عن قتاده، عن عزرة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه رأى أمّ ولدٍ له حاملاً أو مرضعًا، فقال أنت بمنزلة الّذي لا يطيقه، عليك أن تطعمي مكان كلّ يومٍ مسكينًا ولا قضاء عليك».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبدة، عن سعيدٍ، عن عليّ بن ثابتٍ، عن نافع، عن ابن عمر، مثل قول ابن عبّاسٍ في الحامل والمرضع.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أنّ ابن عبّاسٍ، قال: لأمّ ولدٍ له حبلى أو مرضعٍ أنت بمنزلة الّذين لا يطيقونه، عليك الفداء، ولا صوم عليك. هذا إذا خافت على نفسها».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: «{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} هو الشّيخ الكبير كان يطيق صوم شهر رمضان وهو شابٌّ فكبر، وهو لا يستطيع صومه فليتصدّق على مسكينٍ واحدٍ لكلّ يومٍ أفطره حين يفطر وحين يتسحّر».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبيدة، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، نحوه، غير أنّه لم يقل حين يفطر وحين يتسحّر.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرّحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، أنّه قال: في قول اللّه تعالى ذكره: {فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «هو الكبير الّذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل الّتي ليس عليها الصّيام. فعلى كلّ واحدٍ منهما طعام مسكينٍ مدٌّ من حنطةٍ لكلّ يومٍ حتّى ينقضي رمضان».
وقرأ ذلك آخرون: وعلى الّذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ وقالوا: إنّه الشّيخ الكبير والمرأة العجوز اللّذان قد كبرا عن الصّوم، فهما يكلّفان الصّوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكان كلّ يومٍ أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت لم تنسخ، وأنكروا قول من قال إنّها منسوخةٌ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، حدّثنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه كان يقرؤها: يطوّقونه».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عليّ بن مسهرٍ، عن عصامٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه كان يقرأ وعلى الّذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ قال: فكان يقول: هي للنّاس اليوم قائمةٌ».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه كان يقرؤها: وعلى الّذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ هو الشيخ الكبير يفطر ويطعم».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا قبيصة، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه كان يقرؤها: وعلى الّذين يطوّقونه ويقول: هو الشّيخ الكبير يفطر، ويطعم عنه».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا أيّوب، عن عكرمة: «أنّه قال في هذه الآية: وعلى الّذين يطوّقونه وكذلك كان يقرؤها أنّها ليست منسوخةً كلّف الشّيخ الكبير أن يفطر ويطعم مكان كلّ يومٍ مسكينًا».
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: «أنّه قرأ وعلى الّذين يطوّقونه».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن عمران بن حديرٍ، عن عكرمة، قال: «الّذين يطيقونه يصومونه ولكنّ الّذين يطوّقونه يعجزون عنه».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: حدّثني محمّد بن عبّاد بن جعفرٍ، عن أبي عمرٍو، مولى عائشة: «أنّ عائشة، كانت تقرأ يطوّقونه».
- حدّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: «أنّه كان يقرؤها: يطوّقونه»، قال ابن جريجٍ: وكان مجاهدٌ يقرؤها كذلك.
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا خالدٌ، عن عكرمة، {وعلى الّذين يطيقونه} قال: قال ابن عبّاسٍ: «هو الشّيخ الكبير».
- حدّثنا إسماعيل بن موسى السّدّيّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «وعلى الّذين يطوّقونه قال: يتجشّمونه، يتكلّفونه».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، عن مسلمٍ الملائيّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «الشّيخ الكبير الّذي لا يطيق فيفطر ويطعم كلّ يومٍ مسكينًا».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وعطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه: {وعلى الّذين يطيقونه} قال: «يكلّفونه، {فديةٌ طعام مسكينٍ} واحدٍ، قال: «فهذه ليست بمنسوخةٌ لا يرخّص فيها إلاّ للكبير الّذي لا يطيق الصّيام، أو مريضٍ يعلم أنّه لا يشفى». هذا عن مجاهدٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «{الّذين يطيقونه} يتكلّفونه {فديةٌ طعام مسكينٍ} واحدٍ ولم يرخّص هذا إلاّ للشّيخ الكبير الّذي لا يطيق الصّوم، أو المريض الّذي يعلم أنّه لا يشفى». هذا عن مجاهدٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ: «أنّه كان يقول ليست بمنسوخةٍ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} يقول: «من لم يطق الصّوم إلاّ على جهدٍ فله أن يفطر، ويطعم كلّ يومٍ مسكينًا، والحامل، والمرضع، والشّيخ الكبير والّذي به سقمٌ دائمٌ».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبيدة، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه تعالى ذكره: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «هو الشّيخ الكبير، أو المرأة الّذي كان يصوم في شبابه، فلمّا كبر ضعف عن الصّوم قبل أن يموت، فهو يطعم كلّ يومٍ مسكينًا».
- قال هنّادٌ: قال عبيدة: «فقلت لمنصورٍ الّذي يطعم كلّ يومٍ نصف صاعٍ؟ قال: نعم».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن الأسود، قال: «سألت مجاهدًا عن امرأةٍ لي وافق تاسعها شهر رمضان، ووافق حرًّا شديدًا، فأمرني أن تفطر وتطعم. قال: وقال مجاهدٌ وتلك الرّخصة أيضًا في المسافر، والمريض، فإنّ اللّه يقول: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ}».

- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن عاصمٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: «قال الحامل، والمرضع، والشّيخ الكبير الّذي لا يستطيع الصّوم يفطرون في رمضان، ويطعمون عن كلّ يومٍ مسكينًا. ثمّ قرأ: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ}».
- حدّثنا عليّ بن سعيدٍ الكنديّ، قال: حدّثنا حفصٌ، عن حجّاجٍ، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن عليٍّ، في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «الشّيخ الكبير الّذي لا يستطيع الصّوم يفطر ويطعم مكان كلّ يومٍ مسكينًا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «هم الّذين يتكلّفونه، ولا يطيقونه، الشّيخ، والشّيخة».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن الحجّاج، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن عليٍّ، قال: «هو الشّيخ والشّيخة».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن عمران بن حديرٍ، عن عكرمة: «أنّه كان يقرؤها: {وعلى الّذين يطيقونه} فأفطر».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم، عمّن، حدّثه، عن ابن عبّاسٍ، قال: «هي مثبتةٌ للكبير، والمرضع، والحامل، وعلى الّذين يطيقون الصّيام».
- حدّثنا المثنّى، قال. حدّثنا سويدٌ، قال، حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريجٍ، قال: «قلت لعطاءٍ، ما قوله: {وعلى الّذين يطيقونه} قال: بلغنا أنّ الكبير إذا لم يستطع الصّوم يفتدي من كلّ يومٍ بمسكينٍ، قلت: الكبير الّذي لا يستطيع الصّوم، أو الّذي لا يستطيعه إلاّ بالجهد؟ قال: بل الكبير الّذي لا يستطيعه بجهدٍ، ولا بشيءٍ، فأمّا من استطاع بجهدٍ فليصمه ولا عذر له في تركه».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبيد اللّه بن أبي يزيد: «{وعلى الّذين يطيقونه} الآية، كأنّه يعني الشّيخ الكبير».
- قال ابن جريجٍ، وأخبرني ابن طاووسٍ، عن أبيه، أنّه كان يقول: «نزلت في الكبير الّذي لا يستطيع صيام رمضان فيفتدي من كلّ يومٍ بطعام مسكينٍ قلت له: كم طعامه؟ قال: لا أدري، غير أنّه قال: طعام يومٍ.»
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضّحّاك، في قوله: {فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «الشّيخ الكبير الّذي لا يطيق الصّوم يفطر ويطعم عن كلّ يومٍ مسكينًا».
قال أبو جعفرٍ: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} منسوخٌ بقول اللّه تعالى ذكره: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} لأنّ الهاء الّتي في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه} من ذكر الصّيام. ومعناه: وعلى الّذين يطيقون الصّيام فديةٌ طعام مسكينٍ. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أنّ من كان مطيقًا من الرّجال الأصحّاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان فغير جائزٍ له الإفطار فيه، والافتداء منه بطعام مسكينٍ، كان معلومًا أنّ الآية منسوخةٌ». هذا مع ما يؤيّد هذا القول من الأخبار الّتي ذكرناها آنفًا عن معاذ بن جبلٍ، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع، من أنّهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكينٍ لكلّ يومٍ وأنّهم كانوا يفعلون ذلك حتّى نزلت: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فألزموا فرض صومه، وبطل الخيار، والفدية.
فإن قال قائلٌ: وكيف تدّعي إجماعًا من أهل الإسلام على أنّ من أطاق صومه وهو بالصّفة الّتي وصفت فغير جائزٍ له إلاّ صومه،
وقد علمت قول من قال: الحامل، والمرضع إذا خافتا على أولادهما لهما الإفطار، وإن أطاقتا الصّوم بأبدانهما، مع الخبر الّذي روي في ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي.
- حدّثنا به هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا قبيصة، عن سفيان، عن أيّوب، عن أبي قلابة، عن أنسٍ، قال: أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتغدّى فقال: «تعال أحدّثك، إنّ اللّه وضع عن المسافر والحامل والمرضع الصّوم وشطر الصّلاة».
قيل: إنّا لم ندع إجماعًا في الحامل، والمرضع، وإنّما ادّعينا في الرّجال الّذين وصفنا صفتهم. فأمّا الحامل، والمرضع فإنّما علمنا أنّهنّ غير معنيّاتٍ بقوله: {وعلى الّذين يطيقونه} إذ خلا الرّجال أن يكونوا معنيّين به لأنّهنّ لو كنّ معنيّاتٍ بذلك دون غيرهنّ من الرّجال لقيل: وعلى اللّواتي يطقنه فديةٌ طعام مسكينٍ؛ لأنّ ذلك كلام العرب إذا أفرد الكلام بالخبر عنهنّ دون الرّجال؛ فلمّا قيل: {وعلى الّذين يطيقونه} كان معلومًا أنّ المعنيّ به الرّجال دون النّساء، أو الرّجال والنّساء. فلمّا صحّ بإجماع الجميع على أنّ من أطاق من الرّجال المقيمين الأصحّاء صوم شهر رمضان فغير مرخّصٍ له في الإفطار والافتداء، فخرج الرّجال من أن يكونوا معنيّين بالآية، وعلم أنّ النّساء لم يردن بها لما وصفنا من أنّ الخبر عن النّساء إذا انفرد الكلام بالخبر عنهنّ وعلى اللّواتي يطقنه، والتّنزيل بغير ذلك.
وأمّا الخبر الّذي روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّه إن كان صحيحًا، فإنّما معناه أنّه وضع عن الحامل، والمرضع الصّوم ما دامتا عاجزتين عنه حتّى تطيقا فتقضيا،
كما وضع عن المسافر في سفره حتّى يقيم فيقضيه، لا أنّهما أمرتا بالفدية، والإفطار بغير وجوب قضاءٍ، ولو كان في قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه وضع عن المسافر والمرضع والحامل الصّوم». دلالةٌ على أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّما عنى أنّ اللّه تعالى ذكره وضع عنهم بقوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاءٌ، وأن لا يلزمه بإفطاره ذلك إلاّ الفدية؛ لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد جمع بين حكمه وبين حكم الحامل، والمرضع، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهر كتاب اللّه ولما أجمع عليه جميع أهل الإسلام.
وقد زعم بعض أهل العربيّة من أهل البصرة أنّ معنى قوله: {وعلى الّذين يطيقونه} وعلى الّذين يطيقون الطّعام، وذلك لتأويل أهل العلم مخالفٌ.
وأمّا قراءة من قرأ ذلك: وعلى الّذين يطوّقونه فقراءةٌ لمصاحف أهل الإسلام خلافٌ، وغير جائزٍ لأحدٍ من أهل الإسلام الاعتراض بالرّأي على ما نقله المسلمون وراثةً عن نبيّهم صلّى اللّه عليه وسلّم نقلاً ظاهرًا قاطعًا للعذر، لأنّ ما جاءت به الحجّة من الدّين هو الحقّ الّذي لا شكّ فيه أنّه من عند اللّه، ولا يعترض على ما قد ثبت وقامت به حجّةٌ أنّه من عند اللّه بالآراء والظّنون والأقوال الشّاذّة.
وأمّا معنى الفدية فإنّه الجزاء من قولك: فديت هذا بهذا: أي جزيته به، وأعطيته بدلاً منه.
ومعنى الكلام: وعلى الّذين يطيقون الصّيام جزاءٌ طعام مسكينٍ لكلّ يومٍ أفطره من أيّام صيامه الّذي كتب عليه.
وأمّا قوله: {فديةٌ طعام مسكينٍ} فإنّ القرّاء مختلفةٌ في قراءته، فبعضٌ يقرأ بإضافة الفدية إلى الطّعام، وخفض الطّعام؛ وذلك قراءة معظم قرّاء أهل المدينة؛ بمعنى: وعلى الّذين يطيقونه أن يفدوه طعام مسكينٍ؛ فلمّا جعل مكان أن يفديه الفدية أضيف إلى الطّعام، كما يقال: لزمني غرامة درهمٍ لك بمعنى لزمني أن أغرم لك درهمًا.
وآخرون يقرءونه بتنوين الفدية؛ ورفع الطّعام بمعنى الإبانة بالطّعام عن معنى الفدية الواجبة على من أفطر في صومه الواجب، كما يقال لزمني غرامة درهمٍ لك، فتبيّن بالدّرهم عن معنى الغرامة ما هي وما حدّها، وذلك قراءة عظم قرّاء أهل العراق.
وأولى القراءتين بالصّواب قراءة من قرأ: فديةٌ طعامٌ بإضافة الفدية إلى الطّعام، وترك تنوينها وخفض الطعام؛ لأنّ الفدية اسمٌ للفعل، وهي غير الطّعام المفديّ به الصّوم. وذلك أنّ الفدية مصدرٌ من قول القائل: فديت صوم هذا اليوم بطعام مسكينٍ، أفديه فديةً، كما يقال: جلست جلسةً، ومشيت مشيةً، فالفدية فعلٌ، والطّعام غيرها.
فإذ كان ذلك كذلك، فبيّن أنّ أصحّ القراءتين إضافة الفدية إلى الطّعام، وواضحٌ خطأ قول من قال: إنّ ترك إضافة الفدية إلى الطّعام أصحّ في المعنى من أجل أنّ الطّعام عنده هو الفدية.
فيقال لقائل ذلك: قد علمنا أنّ الفدية مقتضيةٌ مفديًّا ومفديًّا به وفديةً، فإن كان الطّعام هو الفدية والصّوم هو المفديّ به، فأين اسم فعل المفتدى الّذي هو فديةٌ؟ إنّ هذا القول خطأٌ بيّنٌ غير مشكلٍ.
وأمّا الطّعام فإنّه مضافٌ إلى المسكين والقرّاء في قراءة ذلك مختلفون، فقرأه بعضهم بتوحيد المسكين بمعنى: وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ واحدٍ لكلّ يومٍ أفطره.
- كما حدّثني محمّد بن يزيد الرّفاعيّ، قال: حدّثنا حسين الجعفيّ، عن أبي عمرٍو: «أنّه قرأ (فديةٌ) رفعٌ منوّنٌ (طعام) رفعٌ بغير تنوينٍ (مسكينٍ). وقال: عن كلّ يومٍ مسكينٌ».
وعلى ذلك عظم قرّاء أهل العراق.
وقرأه آخرون بجمع المساكين: (فديةٌ طعام مساكين) بمعنى: وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مساكين عن الشّهر إذا أفطر الشّهر كلّه.
- كما حدّثنا أبو هشامٍ محمّد بن يزيد الرّفاعيّ، عن يعقوب، عن بشّارٍ، عن عمرٍو، عن الحسن: «طعام مساكين عن الشّهر كلّه».
وأعجب القراءتين إليّ في ذلك قراءة من قرأ طعام مسكينٍ على الواحد بمعنى: وعلى الّذين يطيقونه عن كلّ يومٍ أفطروه فديةٌ طعام مسكينٍ؛ لأنّ في إبانة حكم المفطر يومًا واحدًا وصولاً إلى معرفة حكم المفطر جميع الشّهر وليس في إبانة حكم المفطر جميع الشّهر وصولٌ إلى إبانة حكم المفطر يومًا واحدًا وأيّامًا هي أقلّ من أيّام جميع الشّهر، وأنّ كلّ واحدٍ يترجم عن الجميع وأنّ الجميع لا يترجم به عن الواحد، فلذلك اخترنا قراءة ذلك بالتّوحيد.
واختلف أهل العلم في مبلغ الطّعام الّذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا، فقال بعضهم: كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاعٍ من قمح.
وقال بعضهم: كان الواجب مدًّا من قمح ومن سائر أقواتهم.
وقال بعضهم: كان ذلك نصف صاعٍ من قمح أو صاعًا من تمرٍ أو زبيبٍ.
وقال بعضهم: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره.
وقال بعضهم: كان ذلك سحورًا وعشاءً يكون للمسكين إفطارًا.
وقد ذكرنا بعض هذه المقالات فيما مضى قبل فكرهنا إعادة ذكرها). [جامع البيان: 3/ 160-183]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم بما؛
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وعطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{فمن تطوّع خيرًا} فزاد طعام مسكينٍ آخر فهو خيرٌ له {وأن تصوموا خيرٌ لكم}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ مثله.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن خصيفٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {فمن تطوّع خيرًا} قال: «من أطعم المسكين صاعًا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه: {فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له} قال: «إطعام مساكين عن كلّ يومٍ فهو خيرٌ له».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حنظلة، عن طاووسٍ، نحوه.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن ليثٍ، عن طاووسٍ {فمن تطوّع خيرًا} قال: «طعام مسكينٍ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن ليثٍ، عن طاووسٍ، مثله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء، مثله.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عمر بن هارون، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: «أنّه قرأ: {فمن تطوّع} بالتّاء خفيفة الطّاء {خيرًا}، قال: زاد على مسكينٍ».
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له} فإن أطعم مسكينين فهو خيرٌ له».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرني ابن طاووسٍ، عن أبيه {فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له} قال: «من أطعم مسكينًا آخر».
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تطوّع خيرًا فصام مع الفدية.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ: «{فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له} يريد أنّ من صام مع الفدية فهو خيرٌ له».
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تطوّع خيرًا فزاد المسكين على قدر طعامه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: «{فمن تطوّع خيرًا} فزاد طعامًا فهو خيرٌ له».
والصّواب من القول في ذلك عندنا أنّ اللّه تعالى ذكره عمّم بقوله: {فمن تطوّع خيرًا} فلم يخصّص بعض معاني الخير دون بعضٍ، فإن جمع الصّوم مع الفدية من تطوّع الخير وزيادة مسكينٍ على جزاء الفدية من تطوّع الخير، وزيادة المسكينٍ على قدر قوت يومه من تطوّع الخير.
وجائزٌ أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله: {فمن تطوّع خيرًا} أيّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه {فهو خيرٌ له} لأنّ كلّ ذلك من تطوّع الخير ونوافل الفضل). [جامع البيان: 3/ 183-186]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {وأن تصوموا} ما كتب عليكم من صوم شهر رمضان فهو خيرٌ لكم من أن تفطروه وتفتدوا.
- كما حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{وأن تصوموا خيرٌ لكم} ومن تكلّف الصّيام فصامه فهو خيرٌ له».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني يونس، عن ابن شهابٍ: «{وأن تصوموا خيرٌ لكم} أي أنّ الصّيام خيرٌ لكم من الفدية».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: «وأن تصوموا هو خيرٌ لكم».
وأمّا قوله: {إنّ كنتم تعلمون} فإنّه يعني: إن كنتم تعلمون خير الأمرين لكم أيّها الّذين آمنوا من الإفطار، والفدية، أو الصّوم على ما أمركم اللّه به). [جامع البيان: 3/ 186-187]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {أيّامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون (184)}:
قوله: {أيّامًا معدودات}:
الوجه الأول:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاء: {أيّامًا معدوداتٍ} قال: «كتب عليهم الصّيام ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ ولم يسمّ الشّهر». {
أيّامًا معدوداتٍ} قال: «كان هذا صيام النّاس قبل ذلك ثمّ فرض اللّه على النّاس شهر رمضان».
والوجه الثّاني:
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليّ بن الحسن بن شقيقٍ أنبأ محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان: «{أيّامًا معدوداتٍ} يعني أيّام رمضان ثلاثين يومًا»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 305-306]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ}:
وبه عن مقاتل بن حيّان، قوله: «{فمن كان منكم مريضا أو على سفرٍ} في الصّوم الأوّل فعدّةٌ من أيّامٍ أخر».
- حدّثنا أبي، ثنا ابن نفيلٍ الحرّانيّ، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: ثنا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «أحيل الصّوم على ثلاثة أحوالٍ فأمّا المريض، فرخّص لمن اشتدّ عليه أن يفطر ويطعم مكان كلّ يومٍ مسكينًا، فلم يكن عليه شيءٌ حتّى نسخه: فعدّةٌ من أيّامٍ أخر فأمروا بالصّوم»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 306]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا أبو خالدٍ يعني الأحمر، عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ: «إن شاء تابع، وإن شاء فرّق، لأنّ اللّه يقول: فعدّةٌ من أيّامٍ أخر».
وروي عن أبي عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبلٍ، وأبي هريرة وعمرو بن العاص وأنس بن مالكٍ ورافع بن خديجٍ وعبيدة السّلمانيّ وعبيد بن عميرٍ وسعيد بن المسيّب وأبي سلمة بن عبد الرّحمن وأبي جعفرٍ وسالمٍ وعطاءٍ وأبي ميسرة وطاوسٍ وعبد الرّحمن الأسود وسعيد بن جبيرٍ والنّخعيّ والحكم وعكرمة وعطاء بن دينارٍ وأبي الزّناد وقتادة وزيد بن أسلم وربيعة ومكحولٍ والحسن بن صالحٍ والثّوريّ ومالكٍ والأوزاعيّ والشّافعيّ. وأحمد بن حنبلٍ وإسحاق بن راهويه قالوا جميعًا: «يقضي متفرّقًا».
وروي عن عليّ بن أبي طالبٍ وابن عمر وعروة بن الزّبير والشّعبيّ ونافع بن جبير بن مطعمٍ. وابن سيرين، أنّهم قالوا: «يقضي متتابعا»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 306-307]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وعلى الذين يطيقونه}:
الوجه الأول:
من فسّر بأنّها منسوخةٌ إلّا الشّيخ الهرم والحامل والمرضعة.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وعلى الّذين يطيقونه} قال: «يكلّفونه، وهو:
الشّيخ الكبير الهرم، والعجوز الكبيرة الهرمة يطعمون لكلّ يومٍ مسكينًا ولا يقضون».
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا محمّد بن بشرٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عروة عن سعيد بن جبيرٍ أنّ ابن عبّاسٍ قال: «رخّص للشّيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصّوم، إن شاءا أطعما ولم يصوما، ثمّ نسخت بعد ذلك، فقال اللّه: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيّامٍ أخر} وثبت للشّيخ الكبير والعجوز الكبيرة، إذا كان لا يطيقان الصّوم، أن يطعما، وللحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا، مكان كلّ يومٍ مسكينًا، ولا قضاء عليهما».
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا محمّد بن بشرٍ، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عليّ بن ثابتٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه قال لأمّ ولده: «إمّا حاملٌ وإمّا مرضعٌ، أنت بمنزلة الّذين لا يطيقونه، عليك الطّعام ولا قضاء عليك» وقال أبو زرعة: «الشّيخ الكبير والحامل والمرضع، يطعمون لكلّ يومٍ مدًّا من حنطة، ولا يقضوا».
الوجه الثاني:
من فسّر بأنّ الآية منسوخةٌ:
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ وعثمان بن عطاءٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: «{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} صائمًا، ثمّ إن شاء أفطر وأطعم لذلك مسكينًا، فنسختها هذه الآية {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدًى للنّاس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
وروي عن سلمة بن الأكوع وعلقمة وعبيدة السّلمانيّ والشّعبيّ وعطاءٍ الخراسانيّ وزيد بن أسلم والزهري، نحو ذلك
الوجه الثالث:

من فسّر أنّ الآية نزلت في الحامل والمرضع، ثمّ نسخ.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو سليمٍ عبد الرّحمن بن الضّحّاك، ثنا الوليد ثني خليد بن دعلجٍ عن الحسن وقتادة: «أن قول الله: {وعلى الذين يطيقونه} فيمنعهم منه حملٌ أو رضاعٌ أو نحو ذلك»- مثل قول مجاهدٍ ومحمّد بن كعبٍ قالا: «ثمّ نسخ اللّه ذلك بالآية الأخرى، قوله: {فمن شهد منكم الشّهر} إلى قوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}».
الوجه الرابع:

ومن فسّر بأنّ الآية محكمةٌ:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: «{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} واحدٍ ليست بمنسوخةٍ، لا يرخّص هذا إلا للكبير الّذي لا يطيق، أو مريضٍ يعلم أنّه لا يشفى».
- حدّثنا أبي، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ عثمان بن الأسود، قال: «سألت مجاهدًا عن امرأتي وكانت حاملا، فوافق تاسعها، شهر رمضان في حرٍّ شديدٍ، فشكت إليّ الصّوم، قد شقّ عليها. قال: مرها فلتفطر وتطعم مسكينًا كلّ يومٍ، فإذا صحّت فتقض».
قال أبو محمّدٍ: «واتّفق قول مجاهدٍ، على إزالة القضاء عن الشّيخ وإلزامه الفدية، وأوجب على الحامل الفدية والقضاء». وكذلك قول الحسن، وإبراهيم النّخعيّ في أحد أقواله. وهو: قول الشّافعيّ وأحمد بن حنبلٍ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 307-308]

قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فديةٌ طعام مسكينٍ}:
- حدّثنا هارون بن إسحاق الهمدانيّ، ثنا المحاربيّ، عن مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، في هذه الآية {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «الشّيخ الكبير الّذي لا يطيق الصّيام، يتصدّق لكلّ يوم نصف صاعٍ».
وروي عن مجاهدٍ والحسن وسعيد بن جبيرٍ وإبراهيم النّخعيّ ومقاتل بن حيّان وحسن بن صالحٍ: «أنّه يتصدّق بنصف صاعٍ» وروي عن أبي هريرة وأحد القولين عن ابن عباس ومكحول وعطاءٍ وسعيد بن المسيّب وأبي قلابة ويحيى بن أبي كثيرٍ: «أنّه يتصدّق عن كلّ يومٍ، بمدٍّ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 308-309]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له}
- حدّثنا أبي، ثنا أبو معمرٍ المنقريّ، ثنا عبد الوارث، ثنا حميد بن قيسٍ، ثنا مجاهدٌ عن ابن عبّاسٍ: {فمن تطوّع خيرًا} يقول: «من زاد فأطعم أكثر من مسكينٍ، فهو خيرٌ له». وروي عن عطاءٍ وطاوسٍ وأحد قولي مجاهدٍ والحسن والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان، نحو ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا مقاتل بن محمّدٍ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان عن خصيفٍ عن مجاهدٍ، قال: {فمن تطوّع خيرًا} قال: «أعطى كلّ مسكينٍ صاعًا».
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني اللّيث، حدّثني يونس، عن ابن شهابٍ: «قول اللّه: {فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له} يريد، أنّ من صام مع الفدية، فهو خيرٌ له»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 309]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}
الوجه الأول:

- حدّثني محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر العدنيّ، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قوله: {وأن تصوموا خيرٌ لكم} قال: «الصّيام خيرٌ إن استطاع».
وروي عن مجاهدٍ وطاوسٍ ومقاتل بن حيّان: «أنّ الصّيام خيرٌ من الإطعام».
والوجه الثّاني:
- أخبرنا الحسن بن عليّ بن عفّان، فيما كتب إليّ، ثنا ابن نميرٍ، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، ثنا عبد الرّحمن بن أبي ليلي، ثنا أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ورضي عنهم، قالوا: «أحيل الصّوم على ثلاثة أحوالٍ. فكان من أطعم كلّ يومٍ مسكينًا، ترك الصّوم ممّن يطيقونه رخّص لهم في ذلك، فنسخه {وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} فأمروا بالصوم».
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي ثنا أبو سليمان عبد الرّحمن بن الضّحّاك، ثنا الوليد قال: «
قلت لخليدٍ: أرأيت قول اللّه تعالى: {وأن تصوموا خيرٌ لكم} فأخبرني عن الحسن وقتادة، أنّهما قالا: كانت: أن تصوموا على جهدٍ، حتّى لا تستطيعوا، خيرٌ لهم من الفدية، حتّى نسخت بقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}» ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 309-310]

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {وعلى الذين يطيقونه} قال: «يتكفلونه ولا يستطيعونه طعام مسكين فمن تطوع خيرا فأطعم مسكينا آخر فهو خير له وليست منسوخة، قال ابن عباس: ولم يرخص في هذه الآية إلا للشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام والمريض الذي علم أنه لا يشفى»). [تفسير مجاهد: 97]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني عبد اللّه بن الحسين القاضي بمرو، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا المسعوديّ، حدّثني عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ رضي اللّه عنه، قال: «أمّا أحوال الصّيام فإنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة، فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ، وصيام يوم عاشوراء، ثمّ إنّ اللّه فرض عليه الصّيام، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} إلى هذه الآية {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا فأجزأ ذلك عنه، ثمّ إنّ اللّه أنزل الآية الأخرى {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فأثبت اللّه صيامه على المقيم الصّحيح، ورخّص فيه للمريض وللمسافر، وثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصّيام، فهذان حولان، وكانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثمّ إنّ رجلًا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائمًا حتّى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ثمّ نام فلم يأكل، ولم يشرب حتّى أصبح فأصبح صائمًا............... فألقيت نفسي فنمت، وأصبحت صائمًا وكان عمر قد أصاب من النّساء من جاريةٍ أو حرّةٍ، بعدما نام، فأتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فأنزل اللّه: {أحلّ لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] إلى قوله: {ثمّ أتمّوا الصّيام إلى اللّيل} [البقرة: 187]». هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2/ 301] (م)
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ د س) - عطاء رحمه الله: «أنه سمع ابن عباس يقرأ: {وعلى الذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال ابن عباس: ليست بمنسوخةٍ، هي للشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كلّ يومٍ مسكيناً» هذه رواية البخاري.
وفي رواية أبي داود قال: «{وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكينٍ افتدى، وتمّ له صومه، فقال الله تبارك وتعالى: {فمن تطوّع خيراً فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم} ثم قال: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيامٍ أخر}».
وفي أخرى له: أثبتت للحبلى والمرضع، يعني الفدية والإفطار.
وفي أخرى له: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «كانت رخصةً للشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة - وهما يطيقان الصّيام - أن يفطرا، ويطعما مكان كل يومٍ مسكيناً، والحبلى والمرضع: إذا خافتا - يعني على أولادهما - أفطرتا وأطعمتا».
وأخرجه النسائي قال: في قول الله عزّ وجلّ: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: «يطيقونه: يكلّفونه، فديةٌ طعام مسكين واحد، فمن تطوّع: فزاد على مسكينٍ آخر، ليست بمنسوخة، فهو خير له {وأن تصوموا خير لكم} لا يرخص في هذا إلا للذي لا يطيق الصّيام أو مريضٍ لا يشفى».
شرح الغريب:
(يطوّقونه) أي: يكلّفونه، كأنه يجعل في أعناقهم مثل الطّوق). [جامع الأصول: 2/ 21-22]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت د س) - سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: قال: «لما نزلت هذه الآية: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها».
وفي رواية: حتّى نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} أخرجه الجماعة إلا الموطأ). [جامع الأصول: 2/ 23]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ) - عبد الله بن عمررضي الله عنهما: قرأ (فدية طعام مساكين)، قال: «هي منسوخة» أخرجه البخاري). [جامع الأصول: 2/ 23]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ س) عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: عن أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم قالوا: «نزل شهر رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يومٍ مسكيناً ترك الصّوم، ممن يطيقه، ورخّص لهم في ذلك، فنسختها {وأن تصوموا خيرٌ لكم} فأمروا بالصّوم». أخرجه البخاري). [جامع الأصول: 2/ 23]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخرى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن ابن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم
قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج».
وأخرج أحمد وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن معاذ بن جبل قال: «أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس ثم إن الله أنزل عليه {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة الآية 144] الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول وقال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا حتى نفسوا أو كادوا ثم إن رجلا من الأنصار يقال له عبد الله بن يزيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم ولو قلت أني لم أكن نائما لصدقت إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مثنى مثنى حتى فرغ الأذان ثم أمهل ساعة ثم قال: مثل الذي قال غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علمها بلالا فليؤذن بها»، فكان بلال أول من أذن بها قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به غير أنه سبقني، فهذان حولان. قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببعضها فكان الرجل يسر إلى الرجل كم صلى فيقول واحدة أو اثنتين فيصليهما ثم يدخل مع القوم صلاتهم فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني فجاء وقد سبقه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببعضها فثبت معه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قام فقضى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا» فهذه ثلاثة أحوال.
وأمّا أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} إلى قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه ثم إن الله أنزل الآية الأخرى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس}إلى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى إذا أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما فرآه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهدا شديدا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا» قال: يا رسول الله عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائما قال: وكان عمر قد أصاب النساء بعد ما نام فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة الآية 187] إلى قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}».

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «{كما كتب على الذين من قبلكم} يعني بذلك أهل الكتاب».
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: «إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فكانوا ربما صاموه في القيظ فحولوه إلى الفصل وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوما فذلك قوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}».
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «الذين من قبلنا هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا في شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا فلم تزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى قبيل طلوع الفجر».
وأخرج ابن حنظلة في تاريخه والنحاس في ناسخه والطبراني عن معقل بن حنظلة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشرا ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فوه فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا: ما تدع من هذه الثلاثة أيام شيئا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع ففعل فصارت خمسين يوما».
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «كتب عليهم الصيام من العتمة إلى العتمة».
وأخرج ابن جرير عن مجاهد {كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «أهل الكتاب».
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: «{لعلكم تتقون} من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: {أياما معدودات} قال: «وكان هذا صيام الناس ثلاثة أيام من كل شهر ولم يسم الشهر أياما معدودات، قال: وكان هذا صيام الناس قبل ذلك ثم فرض الله عليهم شهر رمضان».
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال: «نسخ شهر رمضان كل صوم».
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل: «{أياما معدودات} يعني أيام رمضان ثلاثين يوما».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كتب عليكم الصيام} قال: «كان ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ بالذي أنزل الله من صيام شهر رمضان فهذا الصوم الأول من العتمة وجعل الله فيه فدية طعام مسكين فمن شاء من مسافر أو مقيم يطعم مسكينا ويفطر وكان في ذلك رخصة له فأنزل الله في الصوم الآخر {فعدة من أيام أخر} ولم يذكر الله في الأخر فدية طعام مسكين فنسخت الفدية وثبت في الصوم الأخر {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وهو الإفطار في السفر وجعله عدة من أيام أخر».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} قال: «هو شهر رمضان كتبه الله على من كان قبلكم وقد كانوا يصومون من كل شهر ثلاثة أيام ويصلون ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي حتى افترض عليهم شهر رمضان».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: «كان الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان صومهم من شهر ثلاثة أيام إلى العشاء وهكذا صامه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: «لقد كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتب علينا شهرا كاملا».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: «كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم وتصديق ذلك في كتاب الله {كتب عليكم} الآية، قال: فكان أول أمر النصارى أن قدموا يوما قالوا: حتى لا نخطى ء ثم قدموا يوما وأخروا يوما قالوا: لا نخطئ ثم إن آخر أمرهم صاروا إلى أن قالوا: نقدم عشرا ونؤخر عشرا حتى لا نخطئ فضلوا».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: «أنزلت {كتب عليكم الصيام} الآية، كتب عليهم أن أحدهم إذا صلى العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها».
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: {كتب عليكم الصيام} الآية، قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم شيئا لم يحل له أن يطعم إلى القابلة والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو ثابت عليهم وقد رخص لكم في ذلك».
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: «كان عاشوراء يصام فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر».
وأخرج سعيد، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: «{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} الآية، يعني بذلك أهل الكتاب وكان كتابه على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: إن الرجل يأكل ويشرب وينكح مابينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد فإذا صلى العتمة أو رقد منع من ذلك إلى مثلها من القابلة فنسختها هذه الآية {أحل لكم ليلة الصيام}»). [الدر المنثور: 2/ 173-178] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأمّا قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية}:
أخرج عبد بن حميد عن ابن سيرين قال: «كان ابن عباس يخطب فقرأ هذه الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية} قال: قد نسخت هذه الآية».
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية} فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم نزلت هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فنسخت الأولى إلا الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر».
وأخرج أبو داود عن ابن عباس: «{وعلى الذين يطيقونه فدية} ومن شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه فقال: {فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم} وقال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} الآية».
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس في الآية قال: «كانت مرخصة الشيخ الكبير والعجوز وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ثم نسخت بعد ذلك فقال الله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وأثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان أن يفطرا ويطعما وللحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا ولا قضاء عليهما».
وأخرج الدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن خزيمة وأبو عوانة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس، وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي في "سننه" عن سلمة بن الأكوع قال: «لما نزلت هذه الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية} من شاء منا صام ومن شاء أن يفطر ويفتدي فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}».
وأخرج ابن حبان عن سلمة بن الأكوع قال: «كنا في رمضان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى حتى نزلت هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}».
وأخرج البخاري عن أبي ليلى قال: «نبأ أصحاب منا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك رمضان فشق عليهم ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها {وأن تصوموا خير لكم} فأمروا بالصوم».
وأخرج ابن جرير عن أبي ليلى: «نبأ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا من غير فريضة ثم نزل صيام رمضان وكانوا قوما لم يتعودوا الصيام فكان مشقة عليهم فكان من لم يصم أطعم مسكينا ثم نزلت هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فكانت الرخصة للمريض والمسافر وأمرنا بالصيام».
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عامر الشعبي قال: «لما نزلت هذه الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية} أفطر الأغنياء وأطعموا وجعلوا الصوم على الفقراء فأنزل الله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فصام الناس جميعا».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد عن أبي ليلى قال: «دخلت على عطاء بن أبي رباح في شهر رمضان وهو يأكل فقلت له: أتأكل قال: إن الصوم أول ما نزل كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا كل يوم فلما نزلت {فمن تطوع خيرا فهو خير له} كان من تطوع أطعم مسكينين فلما نزلت {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وجب الصوم على كل مسلم إلا مريضا أو مسافرا أو الشيخ الكبير الفاني مثلي فإنه يفطر ويطعم كل يوم مسكينا».
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في المصنف والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن ابن عمر: «أنه كان يقرأ {فدية طعام مسكين} وقال: هي منسوخة نسختها الآية التي بعدها {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.
وأخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق والفريابي والبخاري وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف والطبراني والدارقطني والبيهقي من طرق عن ابن عباس: «أنه كان يقرأ (وعلى الذين يطوقونه) مشددة قال: يكلفونه ولا يطيقونه ويقول: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير الهرم والعجوز الكبيرة الهرمة يطعمون لكل يوم مسكينا ولا يقضون».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححاه والبيهقي عن ابن عباس {وعلى الذين يطيقونه} قال: «يكلفونه فدية طعام مسكين واحد {فمن تطوع خيرا} زاد طعام مسكين آخر {فهو خير له وأن تصوموا خير لكم} قال: فهذه ليست منسوخة ولا يرخص إلا للكبير الذي لا يطيق الصوم أو مريض يعلم أنه لا يشفى».
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن عائشة: «كانت تقرأ (يطوقونه)».
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير: «أنه قرأ (وعلى الذين يطوقونه)».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن الأنباري عن عكرمة: «أنه كان يقرأ (وعلى الذين يطوقونه) قال: يكلفونه، وقال: ليس هي منسوخة الذين يطيقونه يصومونه والذين يطوقونه عليهم الفدية».
وأخرج ابن جرير، وابن الأنبياري عن ابن عباس: «أنه قرأ (وعلى الذين يطيقونه) قال: يتجشمونه يتكلفونه».
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه، وابن جرير عن عكرمة: «أنه كان يقرؤها (وعلى الذين يطَيَّقُونه) وقال: ولو كان يطيقونه إذن صاموا».
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: «نزلت {وعلى الذين يطيقونه فدية} في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينا».
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس {وعلى الذين يطيقونه} قال: «ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يفطر ويتصدق لكل يوم نصف صاع من بر مدا لطعامه ومدا لإدامه».
وأخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال: «هذه الآية نزلت في مولى قيس بن السائب {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فأفطر وأطعم لكل يوم مسكينا».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وعلى الذين يطيقونه} قال: «من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينا والحامل والمرضع والشيخ الكبير والذي سقمه دائم».
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: {وعلى الذين يطيقونه} قال: «الشيخ الكبير الذي لايستطيع الصوم يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينا».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وأبو يعلى، وابن المنذر والدارقطني والبيهقي عن أنس بن مالك: «أنه ضعف عن الصوم عاما قبل موته فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم».
وأخرج الطبراني عن قتادة: «أن إنسانا ضعف عن الصوم قبل موته عاما فأفطر وأطعم كل يوم مسكينا».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير والدارقطني وصححه عن ابن عباس، أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضع: «أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم عليك الطعام ولا قضاء عليك».
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم والدارقطني عن نافع قال: «أرسلت إحدى بنات ابن عمر إلى ابن عمر تسأله عن صوم رمضان وهي حامل قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينا».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: «تفطر الحامل التي في شهرها والمرضع التي تخاف على ولدها يفطران ويطعمان كل يوم مسكينا كل واحد منهما ولا قضاء عليهما».
وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن الأسود قال: «سألت مجاهدا عن إمرأتي وكانت حاملا وشق عليها الصوم فقال: مرها فلتفطر ولتطعم مسكينا كل يوم فإذا صحت فلتقض».
وأخرج عبد بن حميد عن الحين قال: «المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت وهي بمنزلة المريض».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن الحسن قال: «يفطران ويقضيان صياما».
وأخرج عبد بن حميد عن النخعي قال: «الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا مكان ذلك صوما».
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: «إذ خشي الإنسان على نفسه في رمضان فليفطر»). [الدر المنثور: 2/ 178-187]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأمّا قوله تعالى: {طعام مسكين}.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن سيرين قال: «قرأ ابن عباس سورة البقرة على المنبر فلما أتى على هذه الآية قرأ {طعام مسكين}».
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {فدية طعام مسكين} قال: «واحد».
وأخرج وكيع عن عطاء في قوله: {فدية طعام مسكين} قال: «مد بمد أهل مكة».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عكرمة قال: «سألت طاوسا عن أمي وكان أصابها عطاش فلم تستطع أن تصوم فقال: تفطر وتطعم كل يوم مدا من بر، قلت: بأي مد قال: بمد أرضك».
وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال: «من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه كل يوم مد من قمح».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن سفيان قال: «ما الصدقات والكفارات إلا بمد النّبيّ صلى الله عليه وسلم»). [الدر المنثور: 2/ 187-188]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأمّا قوله تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير له}.
وأخرج وكيع عن مجاهد في قوله: {فمن تطوع خيرا} قال: «أطعم المسكين صاعا».
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: {فمن تطوع خيرا} قال: «أطعم مسكينين».
وأخرج عبد بن حميد، عن طاووس {فمن تطوع خيرا} قال: «أطعم مساكين».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد عن أنس: «أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر وأطعم أربعة مساكين لكل يوم».
وأخرج الدارقطني في "سننه" من طريق مجاهد قال: «سمعت قيس بن السائب يقول: إن شهر رمضان يفتديه الإنسان أن يطعم لكل يوم مسكينا فأطعموا عني مسكينين»). [الدر المنثور: 2/ 188-189]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.
أخرج ابن جرير عن ابن شهاب في قوله: «{وأن تصوموا خير لكم} أي أن الصيام خير لكم من الفدية».
وأخرج مالك وأحمد، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز وجل: [إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي للصائم فرحتان: فرحة عند فطره فرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك]».

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: [الصوم لي وأنا أجزي به، للصائم فرحتان.
إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فجازاه فرح، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك]».
وأخرج أحمد والبيهقي، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال ربنا: [الصيام جنة يستجن بها العبد من النار وهو لي وأنا أجزي به]»، قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جنة حصينة من النار».
وأخرج البيهقي عن أيوب بن حسان الواسطي قال: «سمعت رجلا سأل سفيان بن عينية فقال: يا أبا محمد فيما يرويه النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، فقال ابن عينية: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لايبقى إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة».
وأخرج مالك، وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: [كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإن سابه أو شاتمه أحد فليقل إني إمرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عن الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرح بهما: إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه]».
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي، وابن خزيمة والبيهقي عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «للجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال: أين الصائمون فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد»، زاد ابن خزيمة: «ومن دخل منه شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا».
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام لا رياء فيه، قال الله: [هو لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي]».
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وأخرج النسائي والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة».
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعمله مضاعف ودعاؤه مستجاب وذنبه مغفور».
وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو الحسن محمد بن أحمد بن جميع الغساني وأبو سعيد بن الأعرابي والبيهقي عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد أصبح صائما إلا فتحت له أبواب السماء وسبحت أعضاؤه واستغفر له أهل السماء الدنيا إلى أن توارى بالحجاب فإن صلى ركعة أو ركعتين أضاءت له السموات نورا وقال أزواجه من الحور العين اللهم اقبضه إلينا فقد اشتقنا إلى رؤيته وإن هلل أو سبح أو كبر تلقاه سبعون ألف ملك يكتبون ثوابها إلى أن توارى بالحجاب».
وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من منعه الصيام من الطعام والشراب يشتهيه أطعمه الله من ثمار الجنة وسقاه من شرابها».
وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أوحى إلى نبي من بني اسرائيل: أخبر قومك أن ليس عبد يصوم يوما ابتغاء وجهي إلا صححت جسمه وأعظمت أجره».
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال: «بينما نحن في البحر غزاة إذ مناد ينادي: يا أهل السفينة خبروا بخبركم، قال أبو موسى: قلت: ألا ترى الريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوعة والسفينة لنا تجري في لجة البحر، قال: أفلا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه قلت: بلى، قال: فإن الله قضى على نفسه أيما عبد عطش نفسه لله في الدنيا يوما فإن حقا على الله أن يرويه يوم القيامة».
وأخرج أحمد والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به، قال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له».
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي رباح قال: «توضع الموائد يوم القايمة للصائمين فيأكلون والناس في كرب الحساب».
وأخرج البيهقي عن كعب الأحبار قال: «ينادي يوم القيامة مناد: إن كل حارث يعطي بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب».
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أهل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل ولأهل الصيام باب يقال له الريان».
وأخرج مالك في الموطأ، وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة».
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جنة وحصن حصينة من النار».
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة والبيهقي عن عثمان بن أبي العاصي الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال».
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي، وابن خزيمة والبيهقي عن عبيدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جنة ما لم يخرقها».
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة ما لم يخرقها»، قيل وبم يخرقها؟ «بكذب أو غيبة».
وأخرج الترمذي والبيهقي عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال: «سبحان الله نصف الميزان والحمد لله تملأ الميزان والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض والوضوء نصف الميزان والصيام نصف الصبر».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام نصف الصبر وأن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام».
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم».
وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن أم عمارة بنت كعب: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقربت إليه طعاما فقال: «كلي»، فقالت: إني صائمة، فقال: «إن الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا أو يقضوا».
وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن بريدة قال: دخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغذى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تغذى يا بلال»، قال: إني صائم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نأكل رزقنا وفضل رزق بلال في الجنة أشعرت يا بلال أن الصائم تسبح عظامه وتستغفر له الملائكة ما أكل عنده».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر قال: «الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة».
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: «الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة».
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: «الصائم إذا أكل عنده سبحت مفاصله».
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن خليل مثله.
وأخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن سلمة بن قيصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يوما ابتغاء وجه الله بعده الله من جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما».
وأخرج أحمد والبزار من حديث أبي هريرة، مثله.
وأخرج البزار والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم ودعوة المسافر ودعوة المظلوم».
وأخرج البيهقي عن أنس قال: خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وفيه فئة من أصحابه فقال: «من كان عنده طول فلينكح وإلا فعليه بالصوم فإن له وجاء ومجسمة للعرق».
وأخرج الترمذي، وابن ماجه عن سهل بن سعد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة باب يدعى الريان يدعى له الصائمون فمن كان من الصائمين دخله ومن دخله لا يظمأ أبدا».
وأخرج ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد».

وأخرح البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للصوم يوم القايمة حوضا ما يرده غير الصوام».
وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن ابن عباس: «أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى في سرية في البحر فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف من قومهم يهتف: يا أهل السفينة قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، قال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبرا قال: إن الله قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش».
وأخرج ابن سعد والترمذي وصححه والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات عن الحرث الأشعري: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني اسرائيل أن يعملوا بها وأنه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني اسرائيل أن يعملوا بها فإما تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعد على الشرف فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وأمركم أن تعملوا بهن، أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي فأعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى سيده فإيكم يرضى أن يكون عبده كذلك، وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ولفوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أفدي نفسي منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم، وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى به على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله».
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا».
وأخرج أحمد، وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع والطبراني والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني به ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني به قال: فيشفعان».
وأخرج أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن رجلا صام يوما تطوعا ثم أعطى ملء الأرض ذهبا لم يستوف ثوابه دون يوم الحساب».
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا».
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض».
وأخرج الطبراني عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوما في سبيل الله بعدت من النار مسيرة مائة عام».
وأخرج الترمذي والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفا».

وأخرح الترمذي عن أبي أمامة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض».
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم إحتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين».
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائمون تنفح من أفواههم ريح المسك وتوضع لهم يوم القيامة مائدة تحت العرش فيأكلون منها والناس في شدة».
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جعل مائدة عليها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لا يقعد عليها إلا الصائمون».
وأخرج أبو الشيخ بن حبان في الثواب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة تخرج الصوام من قبورهم يعرفون برياح صيامهم أفواههم أطيب من ريح المسك فيلقون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك فيقال لهم: كلوا فقد جعتم واشربوا فقد عطشتم ذروا الناس واستريحوا فقد أعييتم إذ استراح الناس فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس في عناء وظمأ».
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال عن مغيب بن سمى قال: «تركد الشمس فوق رؤوسهم على أذرع وتفتح أبواب جهنم فتهب عليهم لفحها وسمومها وتخرج عليها نفحاتها حتى تجري الأرض من عرقهم أنتن من الجيف والصائمون في ظل العرش».
وأخرج الأصبهاني في الترغيب من طريق أحمد بن أبي الحواري أنبأنا أبو سليمان قال: جاءني أبو علي الأصم بأحسن حديث سمعته في الدنيا قال: «توضع للصوام مائدة يأكلون والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهؤلاء يأكلون فيقول طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم».
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام».
وأخرج البيهقي عن نافع قال ابن عمر: «كان يقال: إن لكل مؤمن دعوة مستجابة عند إفطاره إما أن تعجل له في دنياه أو تدخر له في آخرته فكان ابن عمر يقول عند إفطاره: يا واسع المغفرة اغفر لي».
وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: «من شهد منكم جنازة؟»، قال عمر: أنا، قال: «من عاد مريضا؟»، قال عمر: أنا، قال: «من تصدق بصدقة؟»، قال عمر: أنا، قال: «من أصبح صائما؟»، قال عمر: أنا، قال: «وجبت وجبت».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال: خرجنا إلى معاوية فمررنا براهب فقال: «توضع الموائد فأول من يأكل منها الصائمون».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه عنه صوم الدهر كله وإن صامه».
وأخرج الدارقطني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفطر يوما من رمضان من غير عذر فعليه صوم شهر».
وأخرج الدارقطني عن رجاء بن جميل قال: كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: «من أفطر يوما من رمضان صام اثني عشر يوما لأن الله رضي من عباده شهرا من اثني عشر شهرا».
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني أفطرت يوما من رمضان فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «تصدق واستغفر وصم يوما مكانه».
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير سفر ولا مرض لم يقضه أبدا وإن صام الدهر كله».
وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي، قال: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يقضه أبدا طول الدهر»). [الدر المنثور: 2/ 190-206]


تفسير قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) }
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني مسلمة بن علي عن معاوية عن عطاء بن أبي رباح قال: «أربع رخص وليس بعزيمة، {وإذا حللتم فاصطادوا}؛ فإن شئت فاصطد، وإن شئت فاترك، {ومن كان مريضا أو على سفرٍ}؛ فإن شئت فصم، وإن شئت فأفطر، {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها}؛ فإن شئت فكل وإن شئت فاترك، {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}؛ فإن شاء انتشر، وإن شاء ثبت»). [الجامع في علوم القرآن: 1/ 11-12] (م)
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (ثم قال: «في رمضان: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام} مساكين، فمن شاء صام، ومن شاء افتدى بطعام مساكين، {فمن تطوع خيرا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}، ثم نسختها الآية الأخرى التي تليها، فقال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيامٍ أخر}، قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}، قال: كانوا إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى مثلها من القابلة، فاختان رجلٌ نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، وهو عمر بن الخطاب، فجعل الله في ذلك رخصة وبركة، فنسخها فقال: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام من الليل}»). [الجامع في علوم القرآن: 3/ 65-66] (م)
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري قال: قال عبيدة السّلمانيّ في قول اللّه جلّ وعزّ: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: «من صام أوّله فليصم آخره»).
[تفسير الثوري: 57]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {ولتكملوا العدّة}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: أخبرني عبّاد بن راشدٍ، قال: «سمعت الحسن: يقرأ: (ولتكملوا العدة)»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 693]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:

- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو شهاب، عن ليث، عن رجلٍ، عن ابن عمر، - في هذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} - قال: «من أدركه رمضان في أهله، ثمّ أراد السّفر، فليصم». [سنن سعيد بن منصور: 2/ 694]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلزٍ، قال: «إذا حضر شهر رمضان فلا يسافرنّ فيه أحدٌ، فإن كان لا بدّ فاعلًا، فليصم إذا سافر»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 695]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:
- حدّثنا عيّاش بن الوليد، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أنّه قرأ: (فدية طعام مساكين) قال: «هي منسوخةٌ».
- حدّثنا قتيبة، حدّثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللّه، عن يزيد، مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة، قال: «لمّا نزلت: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتّى نزلت الآية الّتي بعدها فنسختها» قال أبو عبد اللّه: «مات بكيرٌ، قبل يزيد»). [صحيح البخاري: 6/ 25]
قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:

أي: هذا في بيان قوله تعالى: {فمن شهد} أي: فمن كان شاهدا أي حاضرا مقيما غير مسافر في الشّهر فليصمه ولا يفطر قال الزّمخشريّ: «الشّهر، منصوب على الظّرف وكذلك الهاء في: {فليصمه} ولا يكون مفعولا لأنّه انتهى». قلت: أراد بهذا الرّد على من قال أنه مفعول به ومثل لما قاله بقوله كقولك: شهدت الجمعة، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر.
- حدّثنا عياش بن الوليد حدّثنا عبد الأعلى حدّثنا عبيد الله عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنّه قرأ فدية طعام مساكين قال هي منسوخةٌ».
عيّاش، بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة ابن الوليد الرقام البصريّ يروي عن عبد الأعلى السّامي البصريّ عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
قوله: {فدية طعام} بالإضافة، (مساكين) بالجمع وهي قراءة نافع وابن ذكوان والباقون بتنوين فدية، وتوحيد: مسكين، وطعام بالرّفع على أنه بدل من فدية. قوله: (هي منسوخة)، أي: الآية الّتي هي قوله: {وعلى الّذين يطيقونه} وقد مر الكلام فيه عن قريب، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: {وأن
تصوموا خير لكم} قال: «لأنّها لو كانت في الشّيخ الكبير الّذي لا يطيق الصّيام لم يناسب أن يقال: {وأن تصوموا خير لكم} مع أنه لا يطيق الصّيام».
- حدّثنا قتيبة حدّثنا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة قال: «لمّا نزلت: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد أن يفطر ويقتدي حتّى نزلت الآية الّتي بعدها فنسختها».
هذا أيضا صريح في دعوى النّسخ وأخرجه مسلم في الصّوم وأبو داود والتّرمذيّ أيضا فيه والنّسائيّ في التّفسير، خمستهم عن قتيبة عن بكر بن مضر. قال أبو عبد الله: «مات بكيرٌ قبل يزيد».
أبو عبد الله هو البخاريّ نفسه، هذا ثبت في رواية المستعلى وحده، أي: مات بكير بن عبد الله بن الأشج الرّاوي عن يزيد بن أبي عبيد مولى مسلمة قبل شيخه يزيد، وكانت وفاة بكير سنة عشرين ومائة، وقيل: قبلها أو بعدها، ومات يزيد سنة ستّ أو سبع وأربعين ومائة). [عمدة القاري: 18/ 105-106]
قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:
{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} "من" يجوز أن تكون شرطية وموصولة، ومنكم في موضع نصب على الحال من المستكنّ في شهد فيتعلق بمحذوف أي كائنًا منكم والشهر نصب على الظرفية، والمراد بشهد وحضر ومفعوله محذوف أي فمن حضر منكم
المصر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، والفاء جواب الشرط أو زائدة في الخبر والهاء نصب على الظرفية كما في الكشاف، وتعقب بأن الفعل لا يتعدى لضمير الظرف إلا بفي إلا أن يتوسع فيه فينصب نصب المفعول به.
- حدّثنا عيّاش بن الوليد، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا عبيد اللّه عن نافعٍ، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قرأ {فديةٌ طعام مساكين} قال: «هي منسوخةٌ».
وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بالمثناة التحتية والشين المعجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) السامي البصري قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قرأ فدية طعام) بغير تنوين وجر طعام على الإضافة (مساكين) بالجمع وهي رواية أبي ذر، وقراءة نافع وابن ذكوان مقابلة الجمع بالجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون بالتنوين والرفع على أن فدية مبتدأ خبره في الجار قبله، وطعام بدل من فدية أو عطف بيان وتخصيص فدية بتقديم الجار وإضافتها سوغ الابتداء مسكين بالتوحيد مراعاة لأفراد العموم أي على كل واحد ممن يطيق الصوم.
فإن قلت: أفردوا المسكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقوله جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون. أجيب: بأن الإفراد أحسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينًا، وقرأ هشام بالتنوين والرفع والجمع.
(قال: هي منسوخة) أي بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فأثبت الله تعالى صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر، وكذا الشيخ الفاني الذي لا يستطيع.
- حدّثنا قتيبة حدّثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللّه عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة قال: «لمّا نزلت: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدى حتّى نزلت الآية الّتي بعدها فنسختها».
قال أبو عبد الله: «مات بكيرٌ قبل يزيد».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ومضر بميم مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فراء ابن محمد بن حكيم المصري (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين ابن يعقوب بن عبد الله مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المصري أحد الأئمة الأعلام (عن بكير بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا ابن الأشج مولى بني مخزوم المدني نزيل مصر (عن يزيد) بن أبي عبيد الأسلمي (مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة) بن الأكوع أنه (قال: لما نزلت {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر ويفتدي) فعل (حتى نزلت الآية التي بعدها) {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (فنسختها) كلها أو بعضها فيكون حكم الإطعام باقيًا على من لم يطق الصوم لكبر، وقال مالك: «جميع الإطعام منسوخ لكنه مستحب».
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي، وأخرجه النسائي في التفسير.
(قال أبو عبد الله) البخاري: (مات بكير) هو ابن عبد الله بن الأشج (قبل) شيخه (يزيد) بن أبي عبيد الأسلمي، وكانت وفاته في سنة عشرين ومائة أو قبلها أو بعدها، وتوفي يزيد سنة ست أو سبع وأربعين ومائة وسقط قوله قال أبو عبد الله الخ في رواية غير المستملي). [إرشاد الساري: 7/ 24-25]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدًى لّلنّاس وبيّناتٍ مّن الهدى والفرقان}:
قال أبو جعفرٍ: «الشّهر فيما قيل مأخوذ أصله من الشّهرة، يقال منه: قد شهر فلانٌ سيفه إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه، يشهره شهرًا، وكذلك شهر الشّهر إذا طلع هلاله، وأشهرنا نحن إذا دخلنا في الشّهر».
وأمّا رمضان فإنّ بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنّه سمّي بذلك لشدّة الحرّ الّذي كان يكون فيه حتّى ترمض فيه الفصال كما يقال للشّهر الّذي يحجّ فيه ذو الحجّة، والّذي يرتبع فيه ربيع الأوّل وربيع الآخر.
وأمّا مجاهدٌ فإنّه كان يكره أن يقال رمضان ويقول: لعلّه اسمٌ من أسماء اللّه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن مجاهدٍ: «أنّه كره أن يقول: رمضان لعلّه اسمٌ من أسماء اللّه، لكنّ نقول كما قال اللّه: {شهر رمضان}».
وقد بيّنت فيما مضى أنّ {شهر رمضان} مرفوعٌ على قوله: {أيّامًا معدوداتٍ}، هنّ شهر رمضان، وجائزٌ أن يكون رفعه بمعنى ذلك شهر رمضان، وبمعنى كتب عليكم شهر رمضان.
وقد قرأه بعض القرّاء: {شهر رمضان} نصبًا، بمعنى: كتب عليكم الصّيام أن تصوموا شهر رمضان. وقرأه بعضهم نصبًا بمعنى أن تصوموا شهر رمضان خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون وقد يجوز أيضًا نصبه على وجه الأمر بصومه كأنّه قيل: شهر رمضان فصوموه، وجائزٌ نصبه على الوقت كأنّه قيل: كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان.
وأمّا قوله: {الّذي أنزل فيه القرآن} فإنّه ذكر أنّه نزل في ليلة القدر من اللّوح المحفوظ إلى سماء الدّنيا في ليلة القدر من شهر رمضان، ثمّ أنزل إلى محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم على ما أراد اللّه إنزاله إليه. كما.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، عن الأعمش، عن حسّان بن أبي الأشرس، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أنزل القرآن جملةً من الذّكر في ليلة أربعٍ وعشرين من رمضان، فجعل في بيت العزّة». قال أبو كريبٍ: حدّثنا أبو بكرٍ، وقال ذلك السّدّيّ.
- حدّثني عيسى بن عثمان، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حسّان، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «نزل القرآن جملةً واحدةً في ليلة القدر في شهر رمضان، فجعل في سماء الدّنيا».
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن رجاءٍ، قال: حدّثنا عمران القطّان، عن قتادة، عن ابن أبي المليح، عن واثلة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلةٍ من شهر رمضان، وأنزلت التّوراة لستٍّ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت، وأنزل القرآن لأربعٍ وعشرين من رمضان».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «{شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} أما أنزل فيه القرآن، فإنّ ابن عبّاسٍ، قال شهر رمضان، واللّيلة المباركة: ليلة القدر، فإنّ ليلة القدر هي اللّيلة المباركة، وهي من رمضان، نزل القرآن جملةً واحدةً من الزّبر إلى البيت المعمور، وهو موقع النّجوم، في السّماء الدّنيا حيث وقع القرآن، ثمّ نزّل محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك في الأمر، والنّهي وفي الحروب رسلاً رسلاً».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أنزل اللّه القرآن إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر، فكان اللّه إذا أراد أن يوحي منه شيئًا أوحاه، فهو قوله: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر}».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، فذكر نحوه، وزاد فيه: فكان بين أوّله وآخره عشرون سنةً.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أنزل القرآن كلّه جملةً واحدةً في ليلة القدر في رمضان إلى السّماء الدّنيا، فكان اللّه إذا أراد أن يحدّث في الأرض شيئًا أنزله منه حتّى جمعه».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أنزل القرآن في ليلة القدر من السّماء العليا إلى السّماء جملةً واحدةً، ثمّ فرّق في السّنين بعد قال: وتلا ابن عبّاسٍ، هذه الآية: {فلا أقسم بمواقع النّجوم} قال: نزّل متفرّقًا».
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن داود، عن الشّعبيّ، قال: «بلغنا أنّ القرآن، نزل جملةً واحدةً إلى السّماء الدّنيا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قرأة عن ابن جريجٍ، في قوله: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} قال: قال ابن عبّاسٍ: «أنزل القرآن جملةً واحدةً على جبريل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه ما أمرٍ»، قال ابن جريجٍ: «كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كلّ شيءٍ ينزل من القرآن في تلك السّنة، فيتنزل ذلك من السّماء السّابعة على جبريل في السّماء الدّنيا فلا ينزل جبريل من ذلك على محمّدٍ إلاّ ما أمره به ربّه ومثل ذلك: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر} و{إنّا أنزلناه في ليلة مباركةٍ}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عن محمّد بن أبي المجالد، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ: «قال له رجلٌ إنّه قد وقع في قلبي الشّكّ من قوله: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} وقوله: {إنّا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ} وقوله: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر} وقد أنزل اللّه في شوّالٍ، وذي القعدة وغيره، قال: إنّما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلةٍ مباركةٍ جملةً واحدةً، ثمّ أنزل على مواقع النّجوم رسلاً في الشّهور، والأيّام».
وأمّا قوله: {هدًى للنّاس} فإنّه يعني رشادًا للنّاس إلى سبيل الحقّ، وقصد المنهج.
وأمّا قوله: {وبيّناتٍ} فإنّه يعني: وواضحاتٍ من الهدى، يعني من البيان الدّالّ على حدود اللّه، وفرائضه، وحلاله، وحرامه.
وقوله: {والفرقان} يعني: والفصل بين الحقّ والباطل كما.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «أمّا {وبيّناتٍ من الهدى والفرقان} فبيّناتٍ من الحلال، والحرام»). [جامع البيان: 3/ 187-192]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}:
اختلف أهل التّأويل في معنى شهود الشّهر. فقال بعضهم: هو مقام المقيم في داره، قالوا: فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيمٌ في داره فعليه صوم الشّهر كلّه، غاب بعد مسافرٍ أو أقام فلم يبرح.
ذكر من قال ذلك.
- حدّثني محمّد بن حميدٍ، ومحمّد بن عيسى الدّامغانيّ، قالا، حدّثنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} قال: «هو إهلاله بالدّار. يريد إذا هلّ وهو مقيمٌ».
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال في قوله: «{فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فإذا شهده وهو مقيمٌ فعليه الصّوم أقام، أو سافر، وإن شهده وهو في سفرٍ، فإن شاء صام، وإن شاء أفطر».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، عن محمّدٍ، عن عبيدة، في الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر، قال: «إذا شهدت أوّله فصم آخره، ألا تراه يقول: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، عن هشامٍ القردوسيّ عن محمّد بن سيرين، قال: «سألت عبيدة، عن رجلٍ أدرك رمضان وهو مقيمٌ، قال: من صام أوّل الشّهر فليصم آخره، ألا تراه يقول: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: «أمّا من شهد منكم الشّهر فليصمه، فمن دخل عليه رمضان وهو مقيمٌ في أهله فليصمه، وإن خرج فيه فليصمه فإنّه دخل عليه وهو في أهله».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا قتادة، عن محمّد بن سيرين، عن عبيدة السّلمانيّ، عن عليٍّ، فيما يحسب حمّادٌ قال: «من أدركه رمضان وهو مقيمٌ ولم يخرج فقد لزمه الصّوم، لأنّ اللّه يقول: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ. قال: حدّثنا عبد الرّحيم، عن إسماعيل بن مسلمٍ، عن محمّد بن سيرين، قال: «سألت عبيدة السّلمانيّ، عن قول اللّه: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} قال: من كان مقيمًا فليصمه، ومن أدركه ثمّ سافر فيه فليصمه».
- حدّثنا هنّادٌ قال: حدّثنا وكيعٌ، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: «من شهد أوّل رمضان فليصم آخره».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أنّ عليًّا، كان يقول: «إذا أدركه رمضان وهو مقيمٌ ثمّ سافر فعليه الصّوم».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبد الرّحيم، عن عبيدة الضّبّيّ، عن إبراهيم، قال: «كان يقول إذا أدركك رمضان فلا تسافر فيه، فإن صمت فيه يومًا أو اثنين ثمّ سافرت فلا تفطر صمه».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختريّ، قال كنّا عند عبيدة. فقرأ هذه الآية: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} قال: «من صام شيئًا منه في المصر فليصم بقيّته إذا خرج. قال: «وكان ابن عبّاسٍ يقول: إن شاء صام، وإن شاء أفطر».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال، حدّثنا عبد الوهّاب، وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قالا جميعًا: حدّثنا أيّوب، عن أبي يزيد، عن أمّ ذرّة، قالت: «أتيت عائشة في رمضان، قالت: من أين جئت؟ قلت: من عند أخي حنينٍ، قالت: ما شأنه؟ قالت: ودّعته يريد يرتحل، قالت فأقرئيه السّلام ومريه فليقم، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطّريق لأقمت له».
- حدّثنا هنّادٌ، قال، حدّثنا إسحاق بن عيسى، عن أفلح، عن عبد الرّحمن، قال: «جاء إبراهيم بن طلحة إلى عائشة، يسلّم عليها، قالت: وأين تريد؟ قال: أردت العمرة، قالت فجلست حتّى إذا دخل عليك الشّهر خرجت فيه، قال: قد خرج ثقلي، قالت. اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج يعني شهر رمضان».
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ما شهد منه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاق: «أنّ أبا ميسرة، خرج في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا ماءً فشرب».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، قال: «خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا، فمرّ بالفرات وهو صائمٌ، فأخذ منه كفًّا فشربه وأفطر».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرثدٍ: «أنّ أبا ميسرة، سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر هكذا قال هنّادٌ عن مرثدٍ، وإنّما هو أبو مزيدٍ».
- حدّثني محمّد بن عمارة الأسديّ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مزيدٍ: «أنّه خرج مع أبي ميسرة في رمضان، فلمّا انتهى إلى الجسر أفطر».
- حدّثنا هنّادٌ، وأبو هشامٍ، قالا: حدّثنا وكيعٌ، عن المسعوديّ، عن الحسن بن سعدٍ، عن أبيه، قال: «كنت مع عليٍّ، في ضيعةٍ له على ثلاثٍ من المدينة، فخرجنا نريد المدينة في شهر رمضان وعليٌّ، راكبٌ وأنا ماشٍ، قال: فصام قال هنّادٌ: وأفطرت قال أبو هشامٍ: وأمرني فأفطرت».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن عتبة، عن الحسن بن سعدٍ، عن أبيه قال: «كنت مع عليّ بن أبي طالبٍ، وهو جائى من أرضٍ له فصام، وأمرني فأفطرت فدخل المدينة ليلاً وكان راكبًا وأنا ماشٍ».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، وحدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن مهديٍّ، قالا جميعًا: حدّثنا سفيان، عن عيسى بن أبي عزّة، عن الشّعبيّ: «أنّه سافر في شهر رمضان، فأفطر عند باب الجسر».
- حدّثني ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: «قال لي سفيان أحبّ إليّ أن تتمّه».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، عن شعبة، قال: «سألت الحكم وحمّادًا وأردت أن أسافر في رمضان فقالا لي: اخرج، وقال حمّادٌ: قال إبراهيم: أمّا إذا كان العشر فأحبّ إليّ أن يقيم».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن قتادة، عن الحسن، وسعيد بن المسيّب، قالا: «من أدركه الصّوم وهو مقيمٌ رمضان ثمّ سافر، قالا: إن شاء أفطر».
وقال آخرون: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} يعني فمن شهده عاقلاً بالغًا مكلّفًا فليصمه.
وممّن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه، كانوا يقولون: «من دخل عليه شهر رمضان وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صومه، فإن جنّ بعد دخوله عليه وهو بالصّفة الّتي وصفنا، ثمّ أفاق بعد انقضائه لزمه قضاء ما كان فيه من أيّام الشّهر مغلوبًا على عقله، لأنّه كان ممّن شهده وهو ممّن عليه فرض».
قالوا: «فكذلك لو دخل عليه شهر رمضان وهو مجنونٌ إلاّ أنّه ممّن لو كان صحيح العقل كان عليه صومه، فلم ينقض الشّهر حتّى صحّ وبرأ وأفاق قبل انقضاء الشّهر بيومٍ أو أكثر من ذلك فإنّ عليه قضاء صوم الشّهر كلّه سوى اليوم الّذي صامه بعد إفاقته؛ لأنّه ممّن قد شهد الشّهر».
وقالوا: «ولو دخل عليه شهر رمضان وهو مجنونٌ فلم يفق حتّى انقضى الشّهر كلّه ثمّ أفاق لم يلزمه قضاء شيءٍ منه؛ لأنّه لم يكن ممّن شهده مكلّفًا صومه».
وهذا تأويلٌ لا معنى له، لأنّ الجنون إن كان يسقط عمّن كان به فرض الصّوم من أجل فقد صاحبه عقله جميع الشّهر فقد يجب أن يكون ذلك سبيل كلّ من فقد عقله جميع شهر الصّوم. وقد أجمع الجميع على أنّ من فقد عقله جميع شهر الصّوم بإغماءٍ أو برسامٍ، ثمّ أفاق بعد انقضاء الشّهر أنّ عليه قضاء الشّهر كلّه ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوز الاعتراض به على الأمّة، وإذا كان ذلك إجماعًا فالواجب أن يكون سبيل كلّ من كان زائل العقل جميع شهر الصّوم سبيل المغمى عليه. وإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أنّ تأويل الآية غير الّذي تأوّلها به قائلو هذه المقالة من أنّه شهود الشّهر أو بعضه مكلّفًا صومه. وإذا بطل ذلك، فتأويل المتأوّل الّذي زعم أنّ معناه: فمن شهد أوّله مقيمًا حاضرًا فعليه صوم جميعه أبطل وأفسد لتظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه خرج عام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صام بعضه وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «سافر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في رمضان من المدينة إلى مكّة، حتّى إذا أتى عسفان نزل به، فدعا بإناءٍ فوضعه على يده ليراه النّاس، ثمّ شربه صلّى اللّه عليه وسلّم».
- حدّثنا ابن حميدٍ، وسفيان بن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثنا هنّادٌ، حدّثنا عبيدة، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابن عبّاسٍ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثنا هنّادٌ، وأبو كريبٍ، قالا: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، قال: حدّثنا ابن إسحاق، قال حدّثني الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لسفره عام الفتح لعشرٍ مضين من رمضان، فصام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصام النّاس معه، حتّى أتى الكديد ما بين عسفان، وأمج ثم أفطر».
- حدّثنا هنّاد، وأبو كريبٍ، قالا: حدّثنا عبدة، عن محمّد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ، قال: «خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعشرٍ أو لعشرين مضت من رمضان عام الفتح، فصام حتّى إذا كان بالكديد أفطر».
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا سالم بن نوحٍ، قال: حدّثنا عمر بن عامرٍ، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: «خرجنا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لثمان عشرة مضت من رمضان، فمنّا الصّائم، ومنّا المفطر، فلم يعب الصّائم على المفطر، ولا المفطر على الصّائم».
فإذا كان فاسدا هذان التّأويلان بما عليه دلّلنا من فسادهما، فبيّن أنّ الصّحيح من التّأويل هو الثّالث، وهو قول من قال: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} جميع ما شهد منه مقيمًا، ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر). [جامع البيان: 3/ 192-201]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}:
يعني تعالى ذكره بذلك: ومن كان مريضًا أو على سفرٍ في الشّهر فأفطر فعليه صيام عدّة الأيّام الّتي أفطرها من أيّامٍ أخر غير أيّام شهر رمضان.
ثمّ اختلف أهل العلم في المرض الّذي أباح اللّه معه الإفطار وأوجب معه عدّة من أيّامٍ أخر، فقال بعضهم: هو المرض الّذي لا يطيق صاحبه معه القيام لصلاته.
ذكر من قال ذلك.
- حدّثنا معاذ بن شعبة البصريّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، وإسماعيل بن مسلمٍ، عن الحسن، أنّهما قالا: «إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائمًا أفطر».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن مغيرة أو عبيدة، عن إبراهيم في المريض إذا لم يستطع الصّلاة قائمًا: «فليفطر يعني في رمضان».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا حفص بن غياثٍ، عن إسماعيل، قال: «سألت الحسن، متى يفطر الصّائم؟ قال إذا جهده الصّوم، قال: إذا لم يستطع أن يصلّي الفرائض كما أمر».
وقال بعضهم: وهو كلّ مرضٍ كان الأغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادةً غير محتملةٍ وذلك هو قول محمّد بن إدريس الشّافعيّ، حدّثنا بذلك عنه الرّبيع.
وقال آخرون: وهو كلّ مرضٍ يسمّى مرضًا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا الحسن بن خالدٍ الرّبعيّ، قال: حدّثنا طريف بن شهاب العطارديّ: «أنّه دخل على محمّد بن سيرين، في رمضان وهو يأكل فلم يسأله، فلمّا فرغ قال: إنّه وجعت إصبعي هذه».
والصّواب من القول في ذلك عندنا، أنّ المرض الّذي أذن اللّه تعالى ذكره بالإفطار معه في شهر رمضان من كان الصّوم جاهده جهدًا غير محتملٍ، فكلّ من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدّةٍ من أيّامٍ أخر، وذلك أنّه إذا بلغ ذلك الأمر، فإنّ لم يكن مأذونًا له في الإفطار فقد كلّف عسرًا ومنع يسرًا، وذلك غير الّذي أخبر اللّه أنّه أراده بخلقه بقوله: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وأمّا من كان الصّوم غير جاهده، فهو بمعنى الصّحيح الّذي يطيق الصّوم، فعليه أداء فرضه.
وأمّا قوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} فإنّ معناها: أيّامٌ معدودةٌ سوى هذه الأيّام.
وأمّا الأخر فإنّها جمع أخرى كجمعهم الكبرى على الكبر، والقربى على القرب.
فإن قال قائلٌ: أوليست الأخر من صفة الأيّام؟
قيل: بلى.
فإن قال: أوليس واحد الأيّام يومٌ وهو مذكّرٌ؟
قيل: بلى.
فإن قال: فكيف يكون واحد الأخر أخرى وهي صفةٌ لليوم ولم يكن آخر؟
قيل: إنّ واحد الأيّام وإن كان إذا نعت بواحد الأخر فهو آخر، فإنّ الأيّام في الجمع تصير إلى التّأنيث، فتصير نعوتها وصفاتها كهيئة صفات المؤنّث، كما يقال: مضت الأيّام جمعٌ، ولا يقال: أجمعات، ولا أيّامٌ آخرات.
فإن قال لنا قائلٌ: فإنّ اللّه تعالى قال: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} ومعنى ذلك عندك: فعليه عدّةٌ من أيّامٍ أخر كما قد وصفت فيما مضى. فإن كان ذلك تأويله، فما قولك فيمن كان مريضًا أو على سفرٍ فصام الشّهر وهو ممّن له الإفطار، أيجزيه ذلك من صيام عدّةٍ من أيّامٍ أخر، أو غير مجزيه ذلك؟ وفرض صوم عدّةٍ من أيّامٍ أخر ثابتٌ عليه بهيئته وإن صام الشّهر كلّه، وهل لمن كان مريضًا أو على سفرٍ صيام شهر رمضان، أم ذلك محظورٌ عليه، وغير جائزٍ له صومه، والواجب عليه الإفطار فيه حتّى يقيم هذا ويبرأ هذا؟
قيل: قد اختلف أهل العلم في كلّ ذلك، ونحن ذاكرو اختلافهم في ذلك، ومخبرون بأولاه بالصّواب إن شاء اللّه. فقال بعضهم: الإفطار في المرض عزمةٌ من اللّه واجبةٌ، وليس بترخيصٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، جميعًا، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «الإفطار في السّفر عزمةٌ».
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا وهب بن جريرٍ، قال: أخبرنا شعبه، عن يعلى، عن يوسف بن الحكم، قال: «سألت ابن عمر، أو سئل عن الصّوم في السّفر، فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجلٍ بصدقةٍ فردّها عليك ألم تغضب؟ فإنّها صدقةٌ من اللّه تصدّق بها عليكم».
- حدّثنا نصر بن عبد الرّحمن الأزديّ، قال: حدّثنا المحاربيّ، عن عبد الملك بن حميدٍ، قال: «قال أبو جعفرٍ كان أبي لا يصوم في السّفر وينهى عنه».
- وحدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا عبيدٌ، عن الضّحّاك: «أنّه كره الصّوم في السّفر».
وقال أهل هذه المقالة: من صام في السّفر فعليه القضاء إذا قام.
ذكر من قال ذلك.
- حدّثنا نصر بن عليٍّ الجهضميّ، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا ربيعة بن كلثومٍ، عن أبيه، عن رجلٍ: «أنّ عمر، أمر الّذي صام في السّفر أن يعيد».
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عديٍّ، عن شعبه، عن عمرو بن دينارٍ، عن رجلٍ من بني تميمٍ، عن أبيه، قال: «أمر عمر رجلاً صام في السّفر أن يعيد صومه».
- حدّثني أبو حميدٍ الحمصيّ، قال: حدّثنا عليّ بن معبدٍ، عن عبيد اللّه بن عمرٍو، عن عبد الكريم، عن عطاءٍ، عن المحرّر بن أبي هريرة، قال: «كنت مع أبي في سفرٍ في رمضان، فكنت أصوم، ويفطر، فقال لي أبي: أما إنّك إذا أقمت قضيت».
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا سليمان بن داود، قال: حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ، مولى قريبة، قال: «سمعت عروة، يأمر رجلاً صام في السّفر أن يقضي».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الصّمد، قال: حدّثنا شعبة، عن عاصمٍ مولى قريبة: «أنّ رجلاً صام في السّفر فأمره عروة أن يقضي».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن صبيحٍ، قال: حدّثنا ربيعة بن كلثومٍ، عن أبيه كلثومٍ: «أنّ قومًا قدموا على عمر بن الخطّاب، وقد صاموا رمضان في سفرٍ، فقال لهم واللّه لكأنّكم كنتم تصومون فقالوا: واللّه يا أمير المؤمنين لقد صمنا، قال: فأطقتموه؟ قالوا: نعم، قال: فاقضوه فاقضوه فاقضوه».
وعلّة من قال هذه المقالة أنّ اللّه تعالى ذكره فرض بقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} صوم شهر رمضان على من شهده مقيمًا غير مسافرٍ، وجعل على من كان مريضًا، أو مسافرًا صوم عدّةٍ من أيّامٍ أخر غير أيّام شهر رمضان بقوله: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} قالوا: فكما غير جائزٍ للمقيم إفطار أيّام شهر رمضان وصوم عدّة أيّامٍ أخر مكانها؛ لأنّ الّذي فرضه اللّه عليه بشهوده الشّهر صوم الشّهر دون غيره، فكذلك غير جائزٍ لمن لم يشهده من المسافرين مقيمًا صومه؛ لأنّ الّذي فرضه اللّه عليه عدّةً من أيّامٍ أخر، واعتلّوا أيضًا من الخبر.
- بما حدّثنا به، محمّد بن عبد اللّه بن سعيدٍ الواسطيّ، قال: حدّثنا يعقوب بن محمّدٍ الزّهريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن موسى، عن أسامة بن زيدٍ، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن عبد الرّحمن بن عوفٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر».
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن سعيدٍ، قال: حدّثنا يزيد قال: أخبرنا يزيد بن عياضٍ، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر».
وقال آخرون: إباحة الإفطار في السّفر رخصةٌ من اللّه تعالى ذكره رخّصها لعباده، والفرض الصّوم، فمن صام ففرضه أدّى، ومن أفطر فبرخصة اللّه له أفطر، قالوا: وإن صام في سفرٍه فلا قضاء عليه إذا أقام.
ذكر من قال ذلك.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا أيّوب، قال: حدّثنا عروة، وسالمٌ: «أنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أميرٌ على المدينة فتذاكروا الصّوم في السّفر، قال سالمٌ: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر، وقال عروة: وكانت عائشة تصوم، فقال سالمٌ:إنّما أحدث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدث عن عائشة، حتّى ارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللّهمّ غفرا إذا كان يسرًا فصوموا، وإذا كان عسرًا فأفطروا».
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، قال: حدّثني رجلٌ، قال: «ذكر الصّوم في السّفر عند عمر بن عبد العزيز»، ثمّ ذكر نحو حديث ابن بشّارٍ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن محمّد بن إسحاق، وحدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، حدّثنا ابن إسحاق، عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد اللّه، قال: «خرج عمر بن الخطّاب، في بعض أسفاره في ليالٍ بقيت من رمضان، فقال: إنّ الشّهر قد تَسَعْسَعَ ، - قال: أبو كريبٍ في حديثه أو تَسَغْسَغَ، ولم يشكّ يعقوب - فلو صمنا فصام وصام النّاس معه، ثمّ أقبل مرّةً قافلاً حتّى إذا كان بالرّوحاء أهلّ هلال شهر رمضان، فقال: إنّ اللّه قد قضى السّفر، فلو صمنا ولم نثلم شهرنا قال: فصام وصام النّاس معه».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: حدّثني أبي، وحدّثنا محمّد بن عمارة، قال: أخبرنا عبيد اللّه، قال: أخبرنا بشير بن سلمان، عن خيثمة، قال: «سألت أنس بن مالكٍ، عن الصّوم في السّفر، قال: قد أمرت غلامي أن يصوم فأبى. قلت: فأين هذه الآية: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} قال: نزلت ونحن يومئذٍ نرتحل جياعًا وننزل على غير شبعٍ، وإنا اليوم نرتحل شباعًا وننزل على شبعٍ».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ: عن بشير بن سلمان، عن خيثمة، عن أنسٍ، نحوه.
- حدّثنا هنّادٌ، وأبو السّائب، قالا: حدّثنا أبو معاوية، عن عاصمٍ، عن أنسٍ: «أنّه سئل عن الصّوم في السّفر فقال: من أفطر فبرخصة اللّه، ومن صام فالصّوم أفضل».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن أشعث بن عبد الملك، عن محمّد بن عثمان بن أبي العاص، قال: «الفطر في السّفر رخصةٌ، والصّوم أفضل».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عبد الصّمد، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا أبو الفيض، قال: «كان علينا أمير بالشّام، فنهانا عن الصّوم في السّفر، فسألت أبا قرصافة رجلاً من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من بني ليثٍ قال عبد الصّمد: سمعت رجلاً من قومه يقول: إنّه واثلة بن الأسقع قال: لو صمت في السّفر ما قضيت».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن بسطام بن مسلمٍ، عن عطاءٍ، قال: «إن صمتم أجزأ عنكم، وإن أفطرتم فرخصةٌ».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن كهمسٍ، قال: «سألت سالم بن عبد اللّه عن الصّوم في السّفر، فقال: إن صمتم أجزأ عنكم، وإن أفطرتم فرخصةٌ».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبد الرّحيم، عن طلحة بن عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: «من صام فحقٌّ أدّاه، ومن أفطر فرخصةٌ أخذ بها».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن حمّادٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «الفطر في السّفر رخصةٌ، والصّوم أفضل».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن حجّاجٍ، عن عطاءٍ، قال: «هو تعليمٌ وليس بعزمٍ، يعني قول اللّه: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} إن شاء صام، وإن شاء لم يصم».
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشامٍ، عن الحسن، في الرّجل يسافر في رمضان، قال: «إن شاء صام، وإن شاء أفطر».
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا سفيان بن حبيبٍ، قال: حدّثنا العوّام بن حوشبٍ، قال: «قلت لمجاهدٍ: الصّوم في السّفر؟ قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصوم فيه ويفطر، قال: قلت: فأيّهما أحبّ إليك؟ قال: إنّما هي رخصةٌ، وأن تصوم رمضان أحبّ إليّ».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن حمّادٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، وإبراهيم، ومجاهدٍ، أنّهم قالوا: «الصّوم في السّفر، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، والصّوم أحبّ إليهم».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: «قال لي مجاهدٌ في الصّوم في السّفر، يعني صوم رمضان، واللّه ما منهما إلاّ حلال الصّوم، والإفطار، وما أراد اللّه بالإفطار إلاّ التّيسير لعباده».
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الأشعث ابن سليمٍ، قال: «صحبت أبي، والأسود بن يزيد، وعمرو بن ميمونٍ، وأبا وائلٍ، إلى مكّة، فكانوا يصومون رمضان وغيره في السّفر».
- حدّثنا عليّ بن حسنٍ الأزديّ. قال: حدّثنا معافًى بن عمران، عن سفيان، عن حمّادٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: «الفطر في السّفر رخصةٌ، والصّوم أفضل».
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن سعيدٍ الواسطيّ، قال: حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا صالح بن محمّد بن صالحٍ، عن أبيه، قال: «قلت للقاسم بن محمّدٍ: إنّا نسافر في الشّتاء في رمضان، فإن صمت فيه كان أهون عليّ من أن أقضيه في الحرّ. فقال قال اللّه: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ما كان أيسر عليك فافعل».
قال أبو جعفرٍ: «وهذا القول عندنا أولى بالصّواب لإجماع الجميع على أنّ مريضًا لو صام شهر رمضان وهو ممّن له الإفطار لمرضه أنّ صومه ذلك مجزئٌ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدّةٍ من أيّامٍ أخر، فكان معلومًا بذلك أنّ حكم المسافر حكمًه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره؛ لأنّ الّذي جعل للمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدّةٍ من أيّامٍ أخر مثل الّذي جعل من ذلك للمريض، وأمر به من القضاء. ثمّ في دلالة الآية كفايةٌ مغنيةٌ عن استشهاد شاهدٍ على صحّة ذلك بغيرها، وذلك قول اللّه تعالى ذكره: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فلا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدّةً من أيّامٍ أخر، وقد تكلّف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتّى قضاه وأدّاه».
فإن ظنّ ذو غباوةٍ أنّ الّذي صامه لم يكن فرضه الواجب، فإنّ في قول اللّه تعالى ذكره: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام}، {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} ما ينبئ عن أنّ المكتوب صومه من الشّهور على كلّ مؤمنٍ هو شهر رمضان مسافرًا كان أو مقيمًا، لعموم اللّه تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام} {شهر رمضان} وأنّ قوله: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} معناه: ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فأفطر برخصة اللّه فعليه صوم عدّة أيّامٍ أخر مكان الأيّام الّتي أفطر في سفره أو مرضه. ثمّ في تظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله إذ سئل عن الصّوم في السّفر: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر الكفاية الكافية عن الاستدلال على صحّة ما قلنا في ذلك بغيره.
- حدّثنا هنّادٌ، قال: حدّثنا عبد الرّحيم، ووكيعٌ، وعبدة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّ حمزة سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الصّوم في السّفر، وكان يسرد الصّوم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر».
- حدّثنا أبو كريبٍ، وعبيد بن إسماعيل الهبّاريّ، قالا: حدّثنا ابن إدريس، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه: «أنّ حمزة سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكر نحوه».
- حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، قال: حدّثنا أبو زرعة وهب اللّه بن راشدٍ قال: أخبرنا حيوة بن شريحٍ، قال: أخبرنا أبو الأسود، أنّه سمع عروة بن الزّبير، يحدّث عن أبي مراوحٍ، عن حمزة الأسلميّ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: يا رسول اللّه إنّي أسرد الصّيام فأصوم في السّفر؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّما هي رخصةٌ من اللّه لعباده، فمن قبلها فعلها فحسنٌ جميلٌ، ومن تركها فلا جناح عليه». فكان حمزة يصوم الدّهر، فيصوم في السّفر والحضر؛ وكان عروة بن الزّبير يصوم الدّهر، فيصوم في السّفر، والحضر، حتّى إن كان ليمرض فما يفطر؛ وكان أبو مراوحٍ يصوم الدّهر، فيصوم في السّفر، والحضر.
ففي هذا مع نظائره من الأخبار الّتي يطول باستيعابها الكتاب الدّلالة الدّالّة على صحّة ما قلنا من أنّ الإفطار رخصةٌ لا عزم، والبيان الواضح على صحّة ما قلنا في تأويل قوله: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر}.
فإن قال قائلٌ: فإنّ الأخبار بما قلت وإن كانت متظاهرةً، فقد تظاهرت أيضًا بقوله: ليس من البرّ الصّيام في السّفر؟
قيل: ذلك إذا كان الصائمٌ بمثل الحال الّتي جاء الأثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال في ذلك لمن قال له.
- حدّثنا الحسين بن يزيد السّبيعيّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن محمّد بن عمرو بن الحسن، عن جابرٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى رجلاً في سفر قد ظلّل عليه، وعليه جماعةٌ، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: صائمٌ، قال: «ليس من البرّ الصّوم في السّفر».
قال أبو جعفرٍ: أخشى أن يكون هذا الشّيخ غلط وبين ابن إدريس ومحمّد بن عبد الرّحمن شعبة.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ،
قال: حدّثنا شعبة، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّ، عن محمّد بن عمرو بن الحسن بن عليٍّ، عن جابر بن عبد اللّه، قال: رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلاً قد اجتمع النّاس عليه، وقد ظلّل عليه، فقالوا: هذا رجلٌ صائمٌ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر».
فمن بلغ منه الصّوم ما بلغ من الّذي قال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ذلك، فليس من البرّ صومه؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره قد حرّم على كلّ أحدٍ تعريض نفسه لما فيه هلاكها، وله إلى نجاتها سبيلٌ، وإنّما يطلب البرّ بما ندب اللّه إليه وحضّ عليه من الأعمال لا بما نهى عنه.
وأمّا الأخبار الّتي رويت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر». فقد يحتمل أن يكون قيل لمن بلغ منه الصّوم ما بلغ من هذا الّذي ظلّل عليه إن كان قيل ذلك، وغير جائزٍ عليه أن يضاف إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قيل ذلك؛ لأنّ الأخبار الّتي جاءت بذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واهية الأسانيد لا يجوز الاحتجاج بها في الدّين.
وإن قال قائلٌ: وكيف عطف على المريض وهو اسمٌ بقوله: {أو على سفرٍ} وعلى صفةٍ لا اسمٍ؟
قيل: جاز أن ينسق بعلى على المريض؛ لأنّها في معنى الفعل، وتأويل ذلك: أو مسافرًا، كما قال تعالى ذكره: {دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا} فعطف بالقاعد والقائم على اللاّم الّتي في لجنبه؛ لأنّ معناها الفعل، كأنّه قال: دعانا مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا). [جامع البيان: 3/ 201-218]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}:
يعني تعالى ذكره بذلك: يريد اللّه بكم أيّها المؤمنون بترخيصه لكم في حال مرضكم وسفركم في الإفطار، وقضاء عدّة أيّامٍ أخر من الأيّام الّتي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد برئكم من مرضكم التّخفيف عليكم، والتّسهيل عليكم لعلمه بمشقّة ذلك عليكم في هذه الأحوال.
{ولا يريد بكم العسر} يقول: ولا يريد بكم الشّدّة، والمشقّة عليكم، فيكلّفكم صوم الشّهر في هذه الأحوال، مع علمه شدّة ذلك عليكم وثقل حمله عليكم لو حمّلكم صومه.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال: «اليسر: الإفطار في السّفر، والعسر: الصّيام في السّفر».
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: «سألت ابن عبّاسٍ، عن الصّوم في السّفر، فقال يسرٌ، وعسرٌ، فخذ بيسر اللّه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شبلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {يريد اللّه بكم اليسر} قال: «هو الإفطار في السّفر، وجعل عدّةً من أيّامٍ أخر {ولا يريد بكم العسر}».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: «{يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فأريدوا لأنفسكم ما أراد اللّه بكم».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزريّ، عن طاووسٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «لا تعب على من صام، ولا على من أفطر، يعني في السّفر في رمضان {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}».
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: حدّثنا الفضل بن خالدٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ، في قوله: «{يريد اللّه بكم اليسر} الإفطار في السّفر، {ولا يريد بكم العسر} الصّيام في السّفر»). [جامع البيان: 3/ 218-219]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولتكملوا العدّة}:
يعني تعالى ذكره بذلك: {ولتكملوا العدّة} عدّة ما أفطرتم من أيّامٍ شهر رمضان فى سفركم أو مرضكم من أيّامٍ أخر أوجبت عليكم قضاء عدّةٍ من أيّامٍ أخر بعد برئكم من مرضكم، أو إقامتكم من سفركم.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، في قوله: {ولتكملوا العدّة} قال: «عدّة ما أفطر المريض والمسافر».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ولتكملوا العدّة} قال: «إكمال العدّة: أن يصوم ما أفطر من رمضان في سفرٍ أو مرضٍ إلى أن يتمّه، فإذا أتمّه فقد أكمل العدّة».
فإن قال قائلٌ: ما الّذي عليه بهذه الواو الّتي في قوله: {ولتكملوا العدّة} عطفت؟
قيل: اختلف أهل العربيّة في ذلك، فقال بعضهم: هي عاطفةٌ على ما قبلها كأنّه قيل: ويريد لتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه.
وقال بعض نحويّي الكوفة: وهذه اللاّم الّتي في قوله: {ولتكملوا} لام كي، لو ألقيت كان صوابًا. قال: والعرب تدخلها في كلامها على إضمار فعلٍ بعدها، ولا تكون شرطًا للفعل الّذي قبلها، وفيها الواو؛ ألا ترى أنّك تقول: جئتك لتحسن إليّ، ولا تقول: جئتك ولتحسن إليّ؛ فإذا قلته فأنت تريد: ولتحسن جئتك. قال: وهذا في القرآن كثيرٌ، منه قوله: {ولتصغى إليه أفئدةٌ} وقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السّموات والأرض وليكون من الموقنين} ولو لم تكن فيه الواو كان شرطًا على قولك: أريناه ملكوت السّموات والأرض ليكون، فإذا كانت الواو فيها فلها فعلٌ مضمرٌ بعدها، وليكون من الموقنين أريناه.
وهذا القول أولى بالصّواب في العربيّة؛ لأنّ قوله: {ولتكملوا العدّة} ليس قبله لامٌ بمعنى الّتي في قوله: {ولتكملوا العدّة} فتعطف بقوله: {ولتكملوا العدّة} عليها، وإنّ دخول الواو معها يؤذن بأنّها شرطٌ لفعلٍ بعدها، إذ كانت الواو لو حذفت كانت شرطًا لما قبلها من الفعل). [جامع البيان: 3/ 219-221]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولتكبّروا اللّه على ما هداكم}:
يعني تعالى ذكره: ولتعظّموا اللّه بالذّكر له بما أنعم عليكم به من الهداية الّتي خذل عنها غيركم من أهل الملل الّذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثل الّذي كتب منه، فضلّوا عنه بإضلال اللّه إيّاهم، وخصّكم بكرامته فهداكم له، ووفّقكم لأداء ما كتب اللّه عليكم من صومه، وتشكروه على ذلك بالعبادة له. والذّكر الّذي خصّهم اللّه على تعظيمه به التّكبير يوم الفطر فيما تأوّله جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن داود بن قيسٍ، قال: سمعت زيد بن أسلم، يقول: {ولتكبّروا اللّه على ما هداكم} قال: «إذا رئى الهلال، فالتّكبير من حين يرى الهلال حتّى ينصرف الإمام في الطّريق والمسجد إلاّ أنّه إذا حضر الإمام كفّ فلا يكبّر إلاّ بتكبيره».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان، يقول: {ولتكبّروا اللّه على ما هداكم} قال: «بلغنا أنّه التّكبير يوم الفطر».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، كان ابن عبّاسٍ يقول: «حقٌّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوّالٍ أن يكبّروا اللّه حتّى يفرغوا من عيدهم؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره يقول: {ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم}».
قال ابن زيدٍ: «ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلّى كبّروا، فإذا جلسوا كبّروا، فإذا جاء الإمام صمتوا، فإذا كبّر الإمام كبّروا، ولا يكبّرون إذا جاء الإمام إلاّ بتكبيره، حتّى إذا فرغ وانقضت الصّلاة فقد انقضى العيد»، قال يونس، قال ابن وهبٍ، قال عبد الرّحمن بن زيدٍ: «والجماعة عندنا على أن يغدوا بالتّكبير إلى المصلّى»). [جامع البيان: 3/ 221-222]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولعلّكم تشكرون}:
يعني تعالى ذكره بذلك: ولتشكروا اللّه على ما أنعم به عليكم من الهداية والتّوفيق. وتيسير ما لو شاء عسّر عليكم.
و لعلّ في هذا الموضع بمعنى كي، ولذلك عطف به على قوله: {ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم ولعلّكم تشكرون}). [جامع البيان: 3/ 222]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني عبد اللّه بن الحسين القاضي بمرو، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا المسعوديّ، حدّثني عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ رضي اللّه عنه، قال: «أمّا أحوال الصّيام: فإنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة، فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ، وصيام يوم عاشوراء، ثمّ إنّ اللّه فرض عليه الصّيام، فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم} إلى هذه الآية {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا فأجزأ ذلك عنه، ثمّ إنّ اللّه أنزل الآية الأخرى: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فأثبت اللّه صيامه على المقيم الصّحيح، ورخّص فيه للمريض وللمسافر، وثبت الإطعام للكبير الّذي لا يستطيع الصّيام، فهذان حولان، وكانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثمّ إنّ رجلًا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائمًا حتّى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ثمّ نام فلم يأكل، ولم يشرب حتّى أصبح فأصبح صائمًا............... فألقيت نفسي فنمت، وأصبحت صائمًا وكان عمر قد أصاب من النّساء من جاريةٍ أو حرّةٍ، بعدما نام، فأتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فأنزل اللّه: {أحلّ لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] إلى قوله: {ثمّ أتمّوا الصّيام إلى اللّيل} [البقرة: 187]» هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/ 301] (م)
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن}:
- عن ابن عبّاسٍ أنّه سئل عن قوله: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} وقوله: {إنّا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ} [الدخان: 3] فقال: «إنّه قد أنزل في رمضان في ليلة القدر في ليلةٍ مباركةٍ جملةً واحدةً، ثمّ أنزل على مواقع النّجوم رسلًا في الشّهور والأيّام».
رواه الطّبرانيّ، وفيه سعد بن طريفٍ، وهو متروكٌ). [مجمع الزوائد: 6/ 316]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}:
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن عدي والبيهقي في "سننه" والديلمي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: «لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا شهر رمضان».
وأخرج وكيع، وابن جرير عن مجاهد قال: «لا تقل رمضان فإنك لا تدري ما رمضان لعله اسم من أسماء الله عز وجل ولكن قل شهر رمضان كما قال الله عز وجل».
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر قال: «إنما سمي رمضان لأن الذنوب ترمض فيه وإنما سمي شوالا لأنه يشول الذنوب كما تشول الناقة ذنبها».
وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما سمي رمضان لأن رمضان يرمض الذنوب».
وأخرج ابن مردويه والأصبهاني عن عائشة قالت: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما رمضان؟ قال: «أرمض الله فيه ذنوب المؤمنين وغفرها لهم»، قيل: فشوال؟ قال: «شالت فيه ذنوبهم فلم يبق فيه ذنب إلا غفره».
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وابن ماجه عن أبي بكرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «شهرا عيد لا ينقصان
رمضان وذو الحجة».
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه عن أنس: «أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان».
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن طلحة بن عبيد الله: «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني بما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: «شهر رمضان إلا إن تطوع»، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق».
وأخرج مالك، وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين».
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبيهقي عن عرفجة قال: كنا عند عتبة ابن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان إذ دخل رجل من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسكت عتبة بن فرقد قال: يا أبا عبد الله حدثنا عن رمضان كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رمضان شهر مبارك تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب السعير وتصفد فيه الشياطين وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر حتى ينقضي رمضان».
وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عند كل فطر عتقاء من النار».
وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».
وأخرج ابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وعرف حدوده وحفظ مما ينبغي أن يحفظ منه كفر ما قبله».
وأخرج ابن ماجه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن لله عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة».
وأخرج الترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتح أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عز وجل عتقاء من النار وذلك عند كل ليلة».
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «نبشركم قد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم».
وأخرج أحمد والبزار وأبو الشيخ في الثواب والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم تعط أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله كل يوم جنته ثم قال: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك وتصفد الشياطين ولا يخلصوا فيه إلى ما يخلصون في غيره ويغفر لهم آخر ليلة»، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: «لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله».
وأخرج البيهقي والأصبهاني، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي: أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا، وأما الثانية فإنه خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعا»، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: «لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم أعطوا أجورهم».
وأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار فإذا كان آخر ليلة أعتق بعدد من مضى».
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب واحد الشهر كله، وغلت الجن ونادى مناد من كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير تمم وأبشر ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر نغفر له؟ هل من تائب نتوب عليه؟ هل من داع نستجيب له؟ هل من سائل نعطي سؤله؟ ولله عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفا فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا ستين ألفا».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أظلكم شهركم هذا - يعني شهر رمضان - بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مر على المسلمين شهر خير لهم منه ولا يأتي على المنافقين شهر شر لهم منه بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخل وذلك أن المؤمن يعد فيه النفقة للقوة في العبادة ويعد فيه المنافق اغتياب المؤمنين واتباع عوراتهم فهو غنم للمؤمنين وغرم على الفاجر».
وأخرج العقيلي وضعفه، وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والخطيب والأصبهاني في الترغيب عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وتطوع ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء»، قلنا: يا رسول الله ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء ومن أشبع صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر له وأعتقه من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم وخصلتان لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الجنة وتعوذون به من النار».
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فقال: «شهر فرض الله عليكم صيامه وسننت أنا قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي تليها كفارة والجمعة إلى الجمهة التي تليها كفارة ما بينهما والشهر إلى الشهر يعني شهر رمضان إلى شهر رمضان كفارة إلا من ثلاث الإشراك بالله وترك السنة ونكث الصفقة»، فقلت: يا رسول الله أما الإشراك بالله فقد عرفناه، فما نكث الصفقة وترك السنة؟ قال: «أما نكث الصفقة فأن تبايع رجلا بيمينك ثم تخالف إليه فتقاتله بسيفك وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة».
وأخرج ابن خزيمة والبيهقي والأصبهاني عن أنس بن مالك قال: لما أقبل شهر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله ماذا تستقبلون وماذا يستقبلكم؟» قال عمر بن الخطاب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وحي نزل أو عدو حضر قال: «لا ولكن شهر رمضان يغفر الله في أول لية لكل أهل هذه القبلة»، وفي القوم رجل يهز رأسه فيقول: بخ بخ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «كأن ضاق صدرك بما سمعت»، قال: لا والله يا رسول ولكن ذكرت المنافق. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «المنافق كافر وليس للكافر في ذا شيء».
وأخرج البيهقي، عن جابر بن عبد الله قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر جعل له ثلاث عتبات فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العتبة الأولى قال: آمين ثم صعد العتبة الثانية فقال: آمين حتى إذا صعد العتبة الثالثة قال: آمين، فقال المسلمون: يا رسول الله رأيناك تقول آمين آمين آمين ولا نرى أحدا فقال: «إن جبريل صعد قبلي العتبة الأولى فقال: يا محمد، فقلت لبيك وسعديك، فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين، فلما صعد العتبة الثانية قال: يا محمد قلت: لبيك وسعديك، قال: من أدرك شهر رمضان وصام نهاره وقام ليله ثم مات ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله فقل آمين، فقلت: آمين، فلما صعد العتبة الثالثة قال: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قال: من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات ولم يغفر له فدخل فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين».

وأخرج الحاكم وصححه من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احضروا المنبر» فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الثانية قال: آمين، ثم لما ارتقى الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه قال: «إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين».

وأخرج ابن حبان عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فلما رقى عتبة قال: آمين، ثم رقى أخرى قال: آمين، ثم رقى عتبة ثالثة فقال: آمين، ثم قال: «أتاني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فقلت: آمين، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله، فقلت: آمين، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله، فقلت: آمين».
وأخرج ابن خزيمة، وابن حبان عن أبي هريرة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: «آمين آمين آمين»، قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت آمين آمين آمين فقال: «إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين».
وأخرج البيهقي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان شد مئزره ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ».
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان تغير لونه وكثرت صلاته وابتهل في الدعاء وأشفق منه».
وأخرج البزار والبيهقي عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذادخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل».
وأخرج البيهقي عن ابن عباس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن في رمضان ينادي مناد بعد الثلث الأول أو ثلث الليل الآخر: ألا سائل يسأل فيعطى ألا مستغفر يستغفر فيغفر له ألا تائب يتوب فيتوب الله عليه».
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أنس قال: قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال: «صدقة في رمضان».
وأخرج البيهقي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجنة لتتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان وإن الحور العين لتتزين من الحول إلى الحول لصوام رمضان فإذا دخل رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لي في هذا الشهر من عبادك ويقول الحور: اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجا، فمن لم يقذف مسلما فيه ببهتان ولم يشرب مسكرا كفر الله عنه ذنوبه ومن قذف فيه مسلما أو شرب فيه مسكرا أحبط الله عمله لسنة فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله جعل الله لكم أحد عشر شهرا تأكلون فيها وتشربون وتتلذذون وجعل لنفسه شهرا فاتقوا رمضان فإنه شهر الله».
وأخرج الدارقطني في الإفراد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي، وابن عساكر عن ابن عمرو أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش من ورق الجنة على الحور العين فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك أزواجا تقر بهم أعيننا وتقر أعينهم بنا».
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن خزيمة وأبو الشيخ في الثواب وابن مردويه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي مسعود الأنصاري قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأهل رمضان فقال: «لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن يكون السنة كلها، فقال رجل: يا نبي الله حدثنا فقال: «إن الجنة للتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة فتنظر الحور العين إلى ذلك فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجا تقر بهم أعيننا وتقر أعينهم بنا، فيقال: فما من عبد يصوم يوما من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مما نعت الله {حور مقصورات في الخيام} [الرحمن الآية 72] على كل امرأة منهن سبعون حلة ليس منها حلة على لون أخرى ويعطى سبعين لونا من الطيب ليس منه لون على ريح الآخر - لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها وسبعون ألف وصيف مع كل وصيفة صحفة من ذهب فيها لون طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لم يجدها لأوله لكل امرأة منهن سبعون سريرا من ياقوتة حمراء على كل سرير سبعون فراشا بطائنها من استبرق فوق كل فراش سبعون أريكة ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحا بالدر عليه سواران من ذهب هذا بكل يوم صامه من رمضان سوى ما عمل من الحسنات».
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يكون آخر ليلة من رمضان وليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله ألفا وخمسمائة حسنة بكل سجدة وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة حمراء لها ستون ألف باب فيها قصر من ذهب موشح بياقوتة حمراء فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من شهر رمضان واستغفر له كل يوم سبعون ألف ملك من صلاة الغداة إلى أن توارى بالحجاب وكان له بكل سجدة يسجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمسمائة عام».
وأخرج البزار والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهور رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة».
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال: «سيد الشهور من رمضان وسيد الأيام الجمعة».
وأخرج البيهقي عن كعب قال:«إن الله اختار ساعات الليل والنهار فجعل منهن الصلوات المكتوبة واختار الأيام فجعل منهن الجمعة واختار الشهور فجعل منهن شهر رمضان واختار الليالي فجعل منهن ليلة القدر واختار البقاع فجعل منها المساجد».
وأخرج أبو الشيخ في الثواب والبيهقي والأصبهاني عن ابن عباس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الجنة لتعد وتتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة تصفق ورق الجنة وحلق المصاريع يسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه فيثب الحور العين حتى يشرفن على شرف الجنة فينادين: هل من خاطب إلى الله فيزوجه ثم يقول الحور العين: يا رضوان الجنة ما هذه الليلة فيجيبهن بالتلبية ثم يقول: من هذه أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنة على الصائمين من أمة محمد ويا جبريل إهبط إلى الأرض فاصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال ثم اقذفهم في البحار حتى لا يفسدوا على أمة محمد حبيبي صيامهم ويقول الله عز وجل في ليلة من شهر رمضان لمناد ينادي ثلاث مرات: هل من سائل فأعطيه سؤله هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له من يقرض المليء غير المعدم والوفي غير الظلوم قال: وله في كل يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، وإذا كان ليلة القدر يأمر الله جبريل فيهبط في كبكبة من الملائكة إلى الأرض ومعهم لواء أخضر فيركز اللواء على ظهر الكعبة وله ستمائة جناح منها جناحان لا ينشرهما إلا في تلك الليلة فينشرهما في تلك الليلة فتجاوز المشرق إلى من المغرب فيحث جبريل الملائكة في هذه الليلة فيسلمون على كل قائم وقاعد ومصل وذاكر يصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر ينادي جبريل: معاشر الملائكة الرحيل الرحيل، فيقولون: يا جبريل فما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول جبريل: نظر الله إليهم في هذه الليلة فعفا عنهم وغفر لهم إلا أربعة»، قلنا: يا رسول الله من هم؟، قال: «رجل مدمن خمر وعاق لوالديه وقاطع رحم ومشاحن» قلنا: يا رسول الله ما المشاحن؟، قال: «هو المصارم، فإذا كانت ليلة القدر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة فإذا كانت غداة الفطر بعث الله الملائكة في كل بلاد فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمع من خلق الله إلا الجن والأنس فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله للملائكة: [ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟] فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفيه أجره، فيقول: [فإني أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامه رضاي ومغفرتي]، ويقول: [يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسالوني اليوم شيئا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم ولا لدنياكم إلا نظرت لكم فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود انصرفوا مغفورا من لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم]، فتفرح الملائكة ويستغفرون بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان».

وأخرج البيهقي في الشعب عن كعب الأحبار قال: «أوحى الله إلى موسى عليه السلام: إني افترضت على عبادي الصيام وهو شهر رمضان، يا موسى من وافى القيامة وفي صحيفته عشر رمضانات فهو من الأبدال ومن وافى القيامه وفي صحيفته عشرون رمضانا فهو من المخبتين ومن وافى القيامة وفي صفحته ثلاثون رمضانا فهو من أفضل الشهداء عندي ثوابا يا موسى إني آمر حملة العرش إذا دخل شهر رمضان أن يمسكوا عن العبادة فكلما دعا صائمو رمضان بدعوة وأن يقولوا آمين وإني أوجبت على نفسي أن لا أرد دعوة صائمي رمضان، يا موسى إني ألهم في رمضان السموات والأرض والجبال والدواب والهوام أن يستغفروا لصائمي رمضان، يا موسى اطلب ثلاثة ممن يصوم رمضان فصل معهم وكل واشرب معهم فإني لا أنزل عقوبتي ولا نقمتي في بقعة فيها ثلاثة ممن يصوم رمضان، يا موسى إن كنت مسفرا فاقدم وإن كنت مريضا فمرهم أن يحملوك وقل للنساء والحيض والصبيان الصغار أن يبرزوا معك حيث يبرز صائمو رمضان من
عند صوم رمضان فإني لو أذنت لسمائي وأرضي لسلمتا عليهم ولكلمتاهم ولبشرتاهم بما أجيزهم إني أقول لعبادي الذين صاموا رمضان ارجعوا إلى رحالكم فقد أرضيتموني وجعلت ثوابكم من صيامكم أن أعتقكم من النار وأن أحاسبكم حسابا يسيرا وأن أقيل لكم العثرة وأخلف لكم النفقة وأن لا أفضحكم بين يدي أحد وعزتي لا تسألوني شيئا بعد صيام رمضان موقفكم هذا من آخرتكم إلا أعطيتكم ولا تسألوني شيئا من أمر دنياكم إلا نظرت لكم».
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي والأصبهاني عن عمر بن الخطاب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاكر الله في رمضان مغفور وسائل الله فيه لا يخيب».
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي في الشمائل والنسائي والبيهقي عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه جبريل كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليه القرآن فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.
وأخرج ابن ماجه عن أنس قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد الحرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم».
وأخرج البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة من رمضان وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة».
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه، وإذا نظر الله إلى عبده لم يعذبه أبدا، ولله في كل يوم ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع ما أعتق في الشهر كله، فإذا كانت ليلة القدر ارتجت الملائكة وتجلى الجبار بنوره مع أنه لا يصفه الواصفون فيقول لملائكته وهم في عيدهم من الغد: [يا معشر الملائكة ما جزاء الأجير إذا وفى عمله؟] تقول الملائكة: يوفى أجره، فيقول الله: [أشهدكم أني قد غفرت لهم].
وأخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وحضر رمضان: «أتاكم شهر بركة يغشاكم الله فيه فتنزل الرحمة وتحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل».
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتغل فيه الشياطين، بعدا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له، إذا لم يغفر له فيه فمتى؟».
وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شهر رمضان شهر أمتي يمرض مريضهم فيعودنه فإذا صام مسلم لم يكذب ولم يغتب وفطره طيب ويسعى إلى العتمات محافظا على فرائضه خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها».
وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في ترغيبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوما من رمضان فسلم من ثلاث ضمنت له الجنة». فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا رسول الله على ما فيه سوى الثلاث قال: «على ما فيه سوى الثلاث، لسانه وبطنه وفرجه».
وأخرج الأصبهاني عن الزهري قال: «تسبيحة في شهر رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره».
وأخرج الأصبهاني عن معلى بن الفضل قال: «كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ويدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم».
وأخرج الأصبهاني عن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فضل الجمعة في شهر رمضان على سائر أيامه كفضل رمضان على سائر الشهور».
وأخرج الأصبهاني عن إبراهيم النخعي قال: «صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعة».
وأخرج الأصبهاني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم رمضان سلمت السنة وإذا سلمت الجمعة سلمت الأيام».
وأخرج الأصبهاني من طريق الأوزاعي عن مكحول والقاسم بن مخيمرة وعبد بن أبي لبابة قالوا: سمعنا أبا لبابة الباهلي ووائلة بن الأسقع وعبد الله بن بشر سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الجنة لتتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صان نفسه ودينه في شهر رمضان زوجه الله من الحور العين وأعطاه قصرا من قصور الجنة ومن عمل سيئة أو رمى بها مؤمنا ببهتان أو شرب مسكرا في شهر رمضان أحبط الله عمله سنة»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا شهر رمضان لأنه شهر الله جعل لكم أحد عشر شهرا تشبعون فيها وتروون وشهر رمضان شهر الله فاحفظوا فيه أنفسكم».
وأخرج الأصبهاني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمتي لن يخزوا أبدا ما أقاموا شهر رمضان»، فقال رجل من الأنصار: وما خزيهم من إضاعتهم شهر رمضان؟ فقال: «إنتهاك المحارم، من عمل سوءا أو زني أو سرق لم يقبل منه شهر رمضان ولعنة الرب والملائكة إلى مثلها من الحول فإن مات قبل شهر رمضان فليبشر بالنار فاتقوا شهر رمضان فإن الحسنات تضاعف فيه وكذلك السيئات».
وأخرج الأصبهاني، عن علي، قال: لما كان أول ليلة من رمضان قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى على الله وقال: «أيها الناس قد كفاكم الله عدوكم من الجنة ووعدكم الإجابة وقال: {ادعوني أستجب لكم} [غافر الآية 60] إلا وقد وكل الله بكل شيطان مريد سبعة من الملائكة فليس بمحلول حتى ينقضي شهر رمضان ألا وأبواب السماء مفتحة من أول ليلة منه إلى آخر ليلة منه إلا والدعاء فيه مقبول». حتى إذا كان أول ليلة من العشر شمر وشد المئزر وخرج من بيته واعتكفهن وأحيا الليل، قيل: وما شد المئزر؟ قال: كان يعتزل النساء فيهن.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن إسحاق بن أبي إسحاق، أن أبا هريرة قال لكعب: «تجدون رمضان عندكم قال: نجده حطة».
وأخرج أحمد والبزار، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن مردويه والبيهقي عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وصمت رمضان وقمته وآتيت الزكاة فمن أنا؟، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه».
وأخرج البيهقي عن علي: «أنه كان يخطب إذا حضر رمضان ثم يقول: هذا الشهر المبارك الذي فرض الله صيامه ولم يفرض قيامه ليحذر الرجل أن يقول: أصوم إذا صام فلان وأفطر إذا أفطر ألا إن الصيام ليس من الطعام والشراب ولكن من الكذب والباطل واللغو ألا لا تقدموا الشهر إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأتموا العدة».). [الدر المنثور: 2/ 206-231]

قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأما قوله تعالى: {الذي أنزل فيه القرآن}:
أخرج أحمد، وابن جرير ومحمد بن نصر، وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان والأصبهاني في الترغيب عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان».
وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: «أنزل الله صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزل التوراة على موسى لست خلون من رمضان وأنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة خلت من رمضان وأنزل الإنجيل على عيسى لثماني عشرة خلت من رمضان وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين خلت من رمضان».
وأخرج ابن الضريس عن أبي الجلد قال: أنزل الله صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خلون شهر من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة وأعطيت المبين مكان الإنجيل وأعطيت المثاني مكان الزبور وفضلت بالمفصل».
وأخرج محمد بن نصر عن عائشة قالت: «أنزلت الصحف الأولى في أول يوم من رمضان وأنزلت التوراة في ست من رمضان وأنزل الإنجيل في اثنتي عشرة من رمضان وأنزل الزبور في ثماني عشرة من رمضان وأنزل القرآن في أربع وعشرين من رمضان».
وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مقسم قال: «سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر الآية 1] وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان الآية 3] وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم وشهر ربيع الأول، فقال ابن عباس: في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجم مرسلا في الشهور والأيام».
وأخرج الفريابي، وابن جرير ومحمد بن نصر والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: «نزل القرآن جملة، وفي لفظ: فصل القرآن من الذكر لأربعة وعشرين من رمضان فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتله ترتيلا».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «شهر رمضان والليلة المباركة وليلة القدر فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في رمضان نزل القرآن جملة من الذكر إلى البيت المعمور وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن ثم نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسلا رسلا».
وأخرج ابن الضريس والنسائي ومحمد بن نصر، وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: «أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه حتى جمعه».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «نزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر فكان لا ينزل منه إلا ما أمر به».
وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير قال: «نزل القرآن جملة واحدة في رمضان في ليلة القدر فجعل في بيت العزة ثم أنزل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة جواب كلام الناس».
وأخرج أبو يعلى، وابن عساكر عن الحسن بن علي، أنه لما قتل علي قام خطيبا فقال: «والله لقد قتلتم الليلة رجلا في ليلة نزل فيها القرآن فيها رفع عيسى بن مريم وفيها قتل يوشع بن نون وفيها تيب على بني اسرائيل».
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: «بلغني أنه كان ينزل فيه من القرآن حتى انقطع الوحي وحتى مات محمد صلى الله عليه وسلم فكان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا فلا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا بما أمره ربه».
وأخرج عبد بن حميد، وابن الضريس عن داود بن أبي هند قال: «قلت لعامر الشعبي: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فهل كان نزل عليه في سائر السنة إلا ما في رمضان قال: بلى ولكن جبريل كان يعارض محمدا ما أنزل في السنة في رمضان فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسخ ما ينسخ وينسيه ما يشاء».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} يقول: «الذي أنزل صومه في القرآن»). [الدر المنثور: 2/ 232-236]

قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأمّا قوله تعالى: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {هدى للناس} قال: «يهتدون به»، {وبينات من الهدى} قال: «فيه الحلال والحرام والحدود».
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {وبينات من الهدى والفرقان} قال: «بينات من الحلال والحرام»). [الدر المنثور: 2/ 236]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأما قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: «كان يوم عاشوراء يصام قبل أن ينزل شهر رمضان فلما نزل رمضان ترك».
أخرج ابن أبي شيبة ومسلم، عن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: «هو هلاكه بالدار».
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: «من كان مسافرا في بلد مقيم فليصمه».
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: «إذا كان مقيما».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن علي، قال: «من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم لأن الله يقول: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}».
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: «من أدركه رمضان في أهله ثم أراد السفر فليصم».
وأخرج الدارقطني بسند ضعيف، عن جابر بن عبد الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أفطر يوما من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنه فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعا من تمر للمساكين»). [الدر المنثور: 2/ 237-238]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأمّا قوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}.
أخرج ابن جرير عن الحسن وابراهيم النخعي قالا: «إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائما أفطر».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: «الصيام في السفر مثل الصلاة تقصر إذا أفطرت وتصوم إذا وفيت الصلاة».
وأخرج سفيان بن عينية، وابن سعد، وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير والبيهقي في "سننه" عن أنس بن مالك القشيري، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعلى الحبلى والمرضع».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس، أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «يسر وعسر فخذ بيسر الله».
وأخرج مالك والشافعي، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه عن عائشة إن حمزة الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر».
وأخرج الدارقطني وصححه عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله إني أجد قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي رخصة من الله تعالى من أخذ بها فحسن وإن أحب أن يصوم فلا جناح عليه».
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد ومسلم عن الصوم في السفر فقال: «إن شئت أن تصوم فصم وإن شئت أن تفطر فأفطر».
وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن عائشة قالت: «كل قد فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقد صام وأفطر وأتم وقصر في السفر».
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن معاذ بن جبل قال: «صام النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزلت عليه آية الرخصة في السفر».
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عياض قال: «خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم مسافرا في رمضان فنودي في الناس: من شاء صام ومن شاء أفطر، فقيل لأبي عياض: كيف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صام وكان أحقهم بذلك».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: «لا أعيب على من صام وعلى من أفطر في السفر».
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وعامر «أنهما اتفقا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون في رمضان فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر».
وأخرج مالك والشافعي، وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود عن أنس بن مالك قال: «سافرنا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم».
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر وكانوا يرون أنه من وجد قوة فصام محسن ومن وجد ضعفا فأفطر محسن».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من البر الصيام في السفر».
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد بن حميد والنسائي، وابن ماجه والحاكم وصححه عن كعب بن عاصم الأشعري أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من البر الصيام في السفر».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: «لأن أفطر في رمضان في السفر أحب إلي من أن أصوم».
وأخرج ابن أبي شيبه، وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: «الإفطار في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر، أنه سأل عن الصوم في السفر فقال: «رخصة نزلت من السماء فإن شئتم فردوها».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر، أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «لو تصدقت بصدقة فردت ألم تكن تغضب إنما هو صدقة صدقها الله عليكم».
وأخرج النسائي، وابن ماجه، وابن جرير عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: «الإفطار في السفر كالمفطر في الحضر».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: «الإفطار في السفر عزمة».
وأخرج عبد بن حميد عن محرز بن أبي هريرة: «أنه كان في سفر فصام رمضان فلما رجع أمره أبو هريرة أن يقضيه».
وأخرج عبد بن حميد عن عامر بن ربيعة: «أن عمر أمر رجلا صام لامضان في السفر أن يعيد».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد عن عامر بن عبد العزيز، أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «إن كان أهون عليك فصم»، وفي لفظ: «إذا كان يسر فصوموا وإن كان عسر فأفطروا، قال الله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}».
وأخرج عبد بن حميد والنسائي، وابن جرير عن خيثمة قال: «سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر فقال: يصوم، قلت: فأين هذه الآية {فعدة من أيام أخر}، قال: إنها نزلت يوم نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع واليوم نرتحل شباعا وننزل على شبع».
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن أنس قال: «من أفطر فهي رخصة ومن صام فهو أفضل».
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد أنهم قالوا: في الصوم في السفر: «إن شئت فأفطر وإن شئت فصم والصوم أفضل».
وأخرج عبد بن حميد من طريق العوام عن مجاهد قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر في السفر ويرى أصحابه أنه يصوم ويقول: «كلوا إني أظل يطعمني ربي ويسقيني»، قال العوام: فقلت لمجاهد: فأي ذلك يرى؟ قال: صوم في رمضان أفضل من صوم في غير رمضان.
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي البختري قال: قال عبيدة: «إذا سافر الرجل وقد صام في رمضان فليصم ما بقي ثم قرأ هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}»، قال: وكان ابن عباس يقول: «من شاء صام ومن شاء أفطر».
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين: «سألت عبيدة قلت: أسافر في رمضان قال: لا».
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: «إذا أدرك الرجل رمضان فلا يخرج فإن خرج وقد صام شيئا منه فليصمه في السفر فإنه إن يقضه في رمضان أحب إلي من أن يقضيه في غيره».
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز قال: «إذا دخل شهر رمضان فلا يسافرن الرجل فإن أبى إلا أن يسافر فليصم»
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم: «أن إبراهيم بن محمد جاء إلى عائشة يسلم عليها وهو في رمضان فقالت: أين تريد قال: العمرة، قالت: قعدت حتى دخل هذا الشهر لا تخرج، قال: فإن أصحابي وأهلي قد خرجوا قالت: وإن فردهم ثم أقم حتى تفطر».
وأخرج عبد بن حميد عن أم درة قالت: «كنت عند عائشة فجاء رسول إلي وذلك في رمضان فقالت لي عائشة: ما هذا فقلت: رسول أخي يريد أن نخرج، قالت: لا تخرجي حتى ينقضي الشهر فإن رمضان لو أدركني وأنا في الطريق لأقمت».
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «لا بأس أن يسافر الرجل في رمضان ويفطر إن شاء».
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «لم يجعل الله رمضان قيدا».
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: «من أدركه شهر رمضان فلا بأس أن يسافر ثم يفطر».
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود عن سنان بن سلمة بن محبق الهذلي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه».
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تصدق بفطر رمضان على مريض أمتي ومسافرها».
وأخرج الطبراني عن أنس بن مالك عن رجل من كعب قال: أغارت علينا خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيت إليه وهو يأكل فقال: «اجلس فأصب من طعامنا هذا»، فقلت: يا رسول الله إني صائم، قال: «اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصوم: إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر ووضع الصوم عن المسافر والمريض والحامل».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة {فعدة من أيام أخر} قال: «إن شاء وصل وإن شاء فرق».
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس في قضاء رمضان قال: «إن شاء تابع وإن شاء فرق لأن الله تعالى يقول: {فعدة من أيام أخر}».
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن ابن عباس في قضاء رمضان: «صم كيف شئت». وقال ابن عمر: «صمه كما أفطرته».
وأخرج مالك، وابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: «يصوم شهر رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو سفر».
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أنس، أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: «إنما قال الله: {فعدة من أيام أخر} فإذا أحصى العدة فلا بأس بالتفريق».
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقا فقال: «إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فاحصر العدة واصنع ما شئت».
وأخرج الدارقطني عن رافع بن خديج قال: «احصر العدة وصم كيف شئت».
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن معاذ بن جبل، أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: «احصر العدة وصم كيف شئت».
وأخرج الدارقطني عن عمرو بن العاص قال: «فرق قضاء رمضان إنما قال الله: {فعدة من أيام أخر}».
وأخرج وكيع، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة: «أن امرأة سألته: كيف تقضي رمضان فقال: صومي كيف شئت وأحصي العدة فإنما {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}».
وأخرج ابن المنذر والدارقطني وصححه والبيهقي في "سننه" عن عائشة قالت: «نزلت: {فعدة من أيام أخر متتابعات} فسقطت متتابعات»، قال البيهقي: «أي نسخت».
وأخرج الدارقطني وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يفرقه».
وأخرج الدارقطني وضعفه عن عبد الله بن عمرو سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن قضاء رمضان فقال: «يقضيه تباعا وإن فرقه أجزأه».
وأخرج الدارقطني عن ابن عمر أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «في قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع».
وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن محمد بن المنكدر قال: «بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال: «ذاك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء فالله تعالى أحق أن يقضى ويغفر»، قال الدارقطني: إسناده حسن إلا أنه مرسل ثم رواه من طريق آخر موصولا، عن جابر مرفوعا وضعفه.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن والبيهقي في الأسماء والصفات.
عن ابن عباس في قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال: «اليسر الإفطار في السفر والعسر الصوم في السفر».
وأخرج ابن مردويه عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي فتراءاه ببصره ساعة فقال: «أتراه يصلي صادقا؟» قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال: «لا تسمعه فتهلكه» وقال: «إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولا يريد بهم العسر».
وأخرج أحمد عن الأعرج أنه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم أيسره».
وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو يعلى والطبراني، وابن مردويه عن عروة التميمي قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علينا حرج في كذا؟ فقال: «أيها الناس إن دين الله يسر» ثلاثا يقوله.
وأخرج البزار عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا».
وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق».
وأخرج البزار، عن جابر قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».
وأخرج أحمد عن أبي ذر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام ذلول لا يركب إلا ذلولا».
وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «الدين يسر ولن يغالب الدين أحد إلا غلبه سددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».
وأخرج الطيالسي وأحمد والبيهقي عن بريدة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلقنا نمشي جميعا فإذا رجل بين أيدينا يصلي يكثر الركوع والسجود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تراه مرائيا؟» قلت: الله ورسوله أعلم، فأرسل يدي فقال: «عليكم هديا قاصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه».
وأخرج البيهقي عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباده فإن المنبت لا يقطع سفرا ولا يستبقي ظهرا».
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الدين متين فأوغل به برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المنبت لا سفر قطع ولا ظهرا أبقى فاعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدا واحذر حذرا تخشى أن تموت غدا».
وأخرج الطبراني والبيهقي عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات».
وأخرج البيهقي من طريق معبد الجهني عن بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم أفضل من العمل وخير الأعمال أوسطها ودين الله بين القاسي والغالي والحسنة بين الشيئين لا ينالها إلا بالله وشر السير الحقحقة».
وأخرج ابن عبيد والبيهقي عن إسحاق بن سويد قال: «تعبد عبد الله بن مطرف، فقال له مطرف: يا عبد الله العلم أفضل من العمل والحسنة بين الشيئين وخير الأمور أوساطها وشر السير الحقحقة».
وأخرج أبو عبيد والبيهقي عن تميم الداري قال: «خذ من دينك لنفسك ومن نفسك لدينك حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها».
وأخرج البيهقي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه».
وأخرج البزار والطبراني، وابن حبان عن ابن عباس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه».
وأخرج أحمد والبزار، وابن خزيمة، وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما لا يحب أن تؤتى معصيته».
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله قال: «الحنيفية السمحة».
وأخرج الطبراني عن ابن عمر، أن رجلا قال له: إني أقوى على الصيام في السفر فقال ابن عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة».
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن يزيد بن أديم قال: حدثني أبو الدرداء ووأئلة بن الأسقع وأبو أمامة وأنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه».
وأخرج أحمد عن عائشة قالت: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبه لأنظر زفن الحبشة حتى كنت الذي مللت وانصرفت عنهم قالت: وقال يومئذ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة» أي أرسلت بحنيفية سمحة.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: «إن دين الله وضع دون الغلو وفوق التقصير».
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: «لا تعب على من صام في السفر ولا على من أفطر خذ بأيسرهما عليك، قال الله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}».
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: «خذ بأيسرهما عليك فإن الله لم يرد إلا اليسر».
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: {ولتكملوا العدة} قال: «عدة رمضان»
وأخرج أبو ادود والنسائي، وابن المنذر والدارقطني في "سننه" عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين».
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم ولا تصوموا حتى تروه ثم صوموا حتى تروه فإن حال دونه الغمام فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا».
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غيم عليكم الشهر فأكملوا العدة، وفي لفظ: فعدوا ثلاثين».
وأخرج الدارقطني عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر بصوم فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فإكملوا العدة ثلاثين يوما ثم أفطروا فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا وهكذا» وحبس إبهامه في الثالثة.
وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنا اصطحبنا أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنهم حدثونا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين فإن شهد ذو عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا».
وأخرج الدارقطني عن أبي مسعود الأنصاري: «أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصبح صائما لتمام الثلاثين من رمضان فجاء أعرابيان فشهدا أن لآ إله إلا الله وأنهما أهلاه بالأمس فأمرهم فأفطروا».
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {ولتكملوا العدة} قال: «عدة ما أفطر المريض والمسافر».
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم والمروزي في كتاب العيدين عن زيد بن أسلم في قوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} قال: «لتكبروا يوم الفطر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله يقول: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله}».
وأخرج الطبراني في المعجم الصغير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زينوا أعيادكم بالتكبير».
وأخرج المروزي والدارقطني والبيهقي في السنن عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى يعني في التكبير».
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الزهري: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى حيث تقضى الصلاة فإذا قضى الصلاة قطع التكبير»، وأخرجه البيهقي من وجه آخر موصولا عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وضعفه.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق نافع عن عبد الله: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيدين رافعا صوته بالتهليل والتكبير».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: «إن من السنة أن تكبر يوم العيد».
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة والمروزي عن ابن مسعود: «أنه كان يكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد».
وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس: «أنه كان يكبر الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر ولله الحمد الله أكبر وأجل على ما هدانا».
وأخرج البيهقي عن أبي عثمان النهدي قال: «كان عثمان يعلمنا التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا اللهم أنت أعلى وأجل من أن يكون لك صاحبة أو يكون لك ولد أو يكون لك شريك في الملك أو يكون لك ولي من الذل وكبره تكبيرا اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا»). [الدر المنثور: 2/ 238-259]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 3 جمادى الأولى 1434هـ/14-03-2013م, 11:35 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم...}: يقال: ما كتب على الذين قبلنا، ونحن نرى النصارى يصومون أكثر من صيامنا وفي غير شهرنا،؟
... وحدثني محمد بن أبان القرشي , عن أبى أميّة الطنافسيّ , عن الشّعبيّ أنه قال: لو صمت السنة كلها ,لأفطرت اليوم الذي يشكّ فيه, فيقال: من شعبان، ويقال: من رمضان, وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فحوّلوه إلى الفصل,وذلك أنهم كانوا ربما صاموه في القيظ فعدّوه ثلاثين يوما، ثم جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثقة في أنفسهم, فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل الآخر يستّن سنّة الأوّل حتى صارت إلى خمسين, فذلك قوله: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}). [معاني القرآن: 1/111]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({كتب عليكم الصّيام}, أي: فرض عليكم). [مجاز القرآن: 1/66]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}
قال: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}). [معاني القرآن: 1/125]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({كتب عليكم الصّيام}: فرض). [تفسير غريب القرآن: 73]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}
المعنى: فرض عليكم الصيام فرضا كالذي فرض على الذين من قبلكم.
وقيل: إنه قد كان فرض على النصارى صوم رمضان فنقلوه عن وقته، وزادوا فيه، ولا أدري كيف وجه هذا الحديث، ولا ثقة ناقليه، ولكن الجملة أن اللّه عزّ وجلّ قد أعلمنا أنه فرض على من كان قبلنا الصيام، وأنه فرض علينا كما فرضه على الذين من قبلنا.
وقوله عزّ وجلّ: {لعلّكم تتّقون}
المعنى: أنّ الصّيام وصلة إلى التقي، لأنه من البر الذي يكف الإنسان عن كثير مما تتطلع إليه النفس من المعاصي، فلذلك قيل :{لعلّكم تتّقون}
و " لعل " ههنا على ترجي العباد، والله عزّ وجلّ من وراء العلم أتتقون أم لا, ولكن المعنى : أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى). [معاني القرآن: 1/252]

تفسير قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {أيّاماً مّعدوداتٍ...}
نصبت على أن كلّ ما لم تسمّ فاعله إذا كان فيها اسمان أحدهما غير صاحبه رفعت واحداً, ونصبت الآخر؛ كما تقول: أعطي عبد الله المال, ولا تبال أكان المنصوب معرفة أو نكرة, فإن كان الآخر نعتا للأوّل , وكانا ظاهرين رفعتهما جميعاً, فقلت: ضرب عبد الله الظريف، رفعته؛ لأنه عبد الله, وإن كان نكرة نصبته , فقلت: ضرب عبد الله راكباً, ومظلوماً, وماشياً, وراكباً). [معاني القرآن: 1/112]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (قوله: {فعدّةٌ مّن أيّامٍ أخر...}
رفع على ما فسرت لك في قوله :{فاتباع بالمعروف}, ولو كانت نصبا ً, كان صواباً). [معاني القرآن: 1/112]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ...}
يقال: وعلى الذين يطيقون الصوم, ولا يصومون أن يطعم مسكيناً مكان كل يومٍ يفطره, ويقال: على الذين يطيقونه الفدية يريد الفداء، ثم نسخ هذا فقال تبارك وتعالى: {وأن تصوموا خيرٌ لّكم} من الإطعام). [معاني القرآن: 1/112]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({أيّاماً مّعدوداتٍ فمن كان منكم مّريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ مّن أيّامٍ أخر وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيراً فهو خيرٌ لّه وأن تصوموا خيرٌ لّكم إن كنتم تعلمون}
ثم قال: {أيّاماً}, أي: كتب الصّيام أياماً؛ لأنك شغلت الفعل بالصيام حتى صار هو يقوم مقام الفاعل، وصارت الأيّام كأنك قد ذكرت من فعل بها.
وقال: {فمن كان منكم مّريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ مّن أيّامٍ أخر} , يقول: "فعليه عدّةٌ" رفع، وإن شئت نصبت "العدّة" على "فليصم عدّةً" إلاّ أنّه لم يقرأ.
وقال: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} وقد قرئت {فدية طعام مسكين} , وهذا ليس بالجيد، إنما الطعام تفسير للفدية، وليست الفديةبإ ضافة إلى الطعام, وقوله: {يطيقونه}, يعني : الصيام, وقال بعضهم {يطوّقونه}, أي: يتكلّفون الصيام, ومن قال: {مساكين} , فهو يعني : جماعة الشهر ؛ لأن لكل يوم مسكيناً, ومن قال: {مسكين} , فإنما أخبر ما يلزمه في ترك اليوم الواحد.
وقال: {وأن تصوموا خيرٌ لّكم}؛ لأن "أن" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة الاسم كأنه قال:" والصيام خيرٌ لكم"). [معاني القرآن: 1/125-126]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} , أي: فعليه عدّة من أيام أخر مثل عدّة ما فاته.
{وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيراً فهو خيرٌ له} , وهذا منسوخ بقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}, والشهر منصوب لأنه ظرف, ولم ينصب بإيقاع شهد عليه, كأنه قال: فمن شهد منكم في الشهر , ولم يكن مسافرا فليصم؛ لأن الشهادة للشهر قد تكون للحاضر والمسافر). [تفسير غريب القرآن: 73-74]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {أيّاماً معدودات فمن كان منكم مريضاًأو على سفر فعدّة من أيّام أخر وعلى الّذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}
نصب (أيّاما) على ضربين:
أجودهما: أن تكون على الظرف كأنه كتب عليكم الصيام في هذه الأيام , والعامل فيه الصيام , كان المعنى : كتب عليكم أن تصوموا أياماً معدودات.

وقال بعض النحويين: إنه منصوب مفعول ما لم يسمّ فاعله , نحو: أعطي زيد المال, وليس هذا بشيء ؛ لأن الأيام ههنا معلقة بالصوم, وزيد والمال مفعولان لأعطى, فلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل, وليس في هذا إلا نصب الأيام بالصيام.
وقوله عزّ وجلّ: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر}أي: فعليه عدة، أو فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام أخر.
و( أخر) في موضع جر، إلا أنها لا تنصرف ففتح فيها المجرور.
ومعنى {وعلى الذين يطيقونه} أي: يطيقون الصوم فدية طعام مسكين، أي: إن أفطر , وترك الصوم , كان فدية تركه طعام مسكين.
وقد قرئ {طعام مساكين}فمعنى: طعام مساكين فدية أيام يفطر فيها , وهذا بإجماع , وبنص القرآن منسوخ, نسخته الآية التي تلي هذه.
وقوله عزّ وجلّ:{وأن تصوموا خير لكم}
رفع خير خبر الابتداء, المعنى : صومكم خير لكم, هذا كان خيراً لهم مع جواز الفدية، فأما ما بعد النسخ , فليس بجائز أن يقال: الصوم خير من الفدية والإفطار في هذا الوقت؛ لأنه ما لا يجوز ألبتّة فلا يقع تفضيل عليه فيوهم فيه أنه جائز, وقد قيل: إن الصوم الذي كان فرض في أول الإسلام: صوم ثلاثة أيام في كل شهر , ويوم عاشوراء، ولكن شهر رمضان نسخ الفرض في ذلك الصوم كله). [معاني القرآن: 1/253]

تفسير قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {شهر رمضان...}
رفع مستأنف أي: ولكم "شهر رمضان" {الّذي أنزل فيه القرآن} , وقرأ الحسن نصباً على التكرير "وان تصوموا" شهر رمضان "خير لكم" , والرفع أجود, وقد تكون نصباً من قوله :{كتب عليكم الصيام}, شهر رمضان, توقع الصيام عليه: أن تصوموا شهر رمضان.
وقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} دليل على نسخ الإطعام, يقول: من كان سالماً ليس بمريض, أو مقيماً, ليس بمسافر فليصم , {ومن كان مريضاً أو على سفرٍ} قضى ذلك, {يريد اللّه بكم اليسر} في الإفطار في السفر , {ولا يريد بكم العسر}: الصوم فيه). [معاني القرآن: 1/112-113]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ولتكملوا العدّة...}
في قضاء ما أفطرتم, وهذه اللام في قوله:{ولتكملوا العدّة}, لام كى , لو ألقيت كان صواباً,والعرب تدخلها في كلامها على إضمار فعلٍ بعدها, ولا تكون شرطا للفعل الذي قبلها وفيها الواوألا ترى أنك تقول: جئتك لتحسن إليّ، ولا تقول جئتك ولتحسن إليّ, فإذا قلته ,فأنت تريد: ولتحسن إليّ جئتك, وهو في القرآن كثير, منه قوله: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} , ومنه قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السّموات والأرض وليكون من الموقنين} , لو لم تكن فيه الواو كان شرطاً على قولك: أريناه ملكوت السموات ليكون, فإذا كانت الواو فيها فلها فعل مضمر بعدها {وليكون من الموقنين} أريناه, ومنه في غيراللام قوله: {إنّا زيّنّا السّماء الدّنيا بزينةٍ الكواكب}, ثم قال :{وحفظاً}, لو لم تكن الواو , كان الحفظ منصوباً بـ "زينا", فإذا كانت فيه الواو , وليس قبله شيء , ينسق عليه , فهو دليل على أنه منصوب بفعلٍ مضمرٍ بعد الحفظ؛ كقولك في الكلام: قد أتاك أخوك ومكرما لك، فإنما ينصب المكرم على أن تضمر أتاك بعده). [معاني القرآن: 1/113-114]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدًى لّلنّاس وبيّناتٍ مّن الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ مّن أيّامٍ أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم ولعلّكم تشكرون}
{ولتكملوا العدّة}, وهو معطوف على ما قبله كأنه قال "ويريد لتكملوا العدّة" , {ولتكبّروا اللّه}, وأما قوله: {يريد اللّه ليبيّن لكم}, فإنما معناه : يريد هذا ليبين لكم, قال الشاعر:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما = تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فمعناه: أريد هذا الشيء لأنسى ذكرها, أو يكون أضمر "أن" بعد اللام وأوصل الفعل إليها بحرف الجر.
قال: {فهدى اللّه الّذين آمنوا لما اختلفوا فيه}, فعدّى الفعل بحرف الجر، والمعنى: عرّفهم الاختلاف حتى تركوه".
ثم قال: {شهر رمضان} على تفسير الأيام، كأنه حين قال: {أيّاماً مّعدوداتٍ}, فسرها فقال: "هي شهر رمضان", وقد نصب بعضهم {شهر رمضان} , وذلك جائز على الأمر، كأنه قال: "شهر رمضان فصوموا"، أو جعله ظرفاً على {كتب عليكم الصّيام} , {شهر رمضان}, أي: "في شهر رمضان" , و"رمضان" في موضع جر ؛ لأن الشهر أضيف إليه ,ولكنه لا ينصرف.
وقال: {الّذي أنزل فيه القرآن هدىً لّلنّاس وبيّناتٍ مّن الهدى} فموضع {هدىً} و{بيّناتٌ} نصب لأنه قد شغل الفعل بـ{القرآن} , وهو كقولك: "وجد عبد الله ظريفا".
وأما قوله: {والفرقان} , فجرّ على{وبيناتٍ من الفرقان}). [معاني القرآن: 1/127]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم ولعلّكم تشكرون}
القراءة بالرفع , ويجوز النصب، وهي قراءة ليست بالكثيرة , ورفعه على ثلاثة أضرب:
أحدها: الاستئناف, المعنى: الصيام الذي كتب عليكم, أو الأيام التي كتبت عليكم شهر رمضان،
ويجوز أن يكون: رفعه على البدل من الصيام , فيكون مرفوعاً على ما لم يسم فاعله، المعنى : كتب عليكم شهر رمضان.

ويجوز أن يكون: رفعه على الابتداء , ويكون الخبر: {الّذي أنزل فيه القرآن}, والوجهان اللذان شرحناهما :" الذي " فيهما رفع على صفة الشهر، ويكون الأمر بالفرض فيه :{فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}
ومعنى من شهد: من كان شاهدا غير مسافر , فليصم، ومن كان مسافراً, أو مريضاً , فقد جعل له أن يصوم عدة أيام المرض , وأيام السفر من أيام أخر، ومن نصب شهر رمضان , نصبه على وجهين:
أحدهما: أن يكون بدلا من أيام معدودات.

والوجه الثاني: على الأمر، كأنه قال : عليكم شهر رمضان, على الإغراء.
وقوله عزّ وجلّ: {يريد اللّه بكم اليسر}أي: أن ييسّر عليكم بوضعه عنكم الصوم في السفر , والمرض.
وقوله عزّ وجلّ: {ولتكمّلوا العدّة}, قرئ بالتشديد، ولتكملوا بالتخفيف, من كمّل يكمّل، وأكمل يكمل.
ومعنى اللام والعطف ههنا معنى لطيف هذا الكلام معطوف محمول على المعنى
(المعنى: فعل اللّه ذلك ؛ ليسهل عليكم , ولتكملوا العدة.
قال الشاعر:
بادت وغيّر آيَهن مع البِلَى ..... إلا رواكد جمرُهنّ هباءُ
ومشجَّجٍ أمّا سَواءُ قَذالِه ..... فبدا وغيَّر سارَه المَعْزَاءُ

فعطف مشجج على معنى بها رواكد ومشجج، لأنه إذ قال بادت إلاّ رواكد , علم أن المعنى : بقيت رواكد ومشجج). [معاني القرآن: 1/253-254]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الآخرة 1434هـ/11-04-2013م, 10:08 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) }
[لا يوجد]



تفسير قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (هذا باب أن وإن الخفيفتين
اعلم أن أن تكون في الكلام على أربعة أوجه: فوجه: أن تكون هي والفعل الذي تنصبه مصدراً؛ نحو قولك: أريد أن تقوم يا فتى؛ أي: أريد قيامك، وأرجو أن تذهب يا فتى، أي: أرجو ذهابك. فمن ذلك قول الله: {وأن تصوموا خيرٌ لكم} أي والصيام خير لكم. ومثله: {وأن يستعففن خيرٌ لهن}.
ووجه آخر: أن تكون مخففة من الثقيلة. وذلك قوله عز وجل: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}. لو نصبت بها وهي مخففة لجاز. فإذا رفعت ما بعدها فعلى حذف التثقيل والمضمر في النية، فكأنه قال: إنه الحمد لله رب العالمين. وقد مضى تفسير هذا في موضع عملها خفيفةً.
والوجه الثالث أن تكون في معنى أي التي تقع للعبارة والتفسير، وذلك قوله عز وجل: {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم}. ومثله: بينت له الحديث أن قد كان كذا وكذا. تريد: أي امشوا، وأي قد كان كذا وكذا.
ووجه رابع: أن تكون زائدة مؤكدة؛ وذلك قولك: لما أن جاء زيد قمت، ووالله أن لو فعلت لأكرمتك.
وأما إن المكسورة فإن لها أربعة أوجه مخالفةً لهذه الوجوه.
فمن ذلك إن الجزاء؛ وذلك قولك: إن تأتني آتك، وهي أصل الجزاء؛ كما أن الألف أصل الاستفهام.
وتكون في معنى ما. تقول: إن زيد منطلق، أي: ما زيد منطلق.
وكان سيبويه لا يرى فيها إلا رفع الخبر؛ لأنها حرف نفي دخل على ابتداء وخبره؛ كما تدخل ألف الاستفهام فلا تغيره. وذلك كمذهب بني تميم في ما.
وغيره يجيز نصب الخبر على التشبيه بليس؛ كما فعل ذلك في ما. وهذا هو القول، لأنه لا فصل بينها وبين ما في المعنى، وذلك قوله عز وجل: {إن الكافرون إلا في غرورٍ} وقال: {إن يقولون إلا كذباً}. فهذان موضعان.
والموضع الثالث: أن تكون إن المكسورة المخففة من الثقيلة، فإذا رفعت ما بعدها لزمك أن تدخل اللام على الخبر، ولم يجز غير ذلك؛ لأن لفظها كلفظ التي في معنى ما، وإذا دخلت اللام علم أنها الموجبة لا النافية، وذلك قولك: إن زيداً لمنطلق. وعلى هذا قوله عز وجل: {إن كل نفسٍ لما عليها حافظ} {وإن كانوا ليقولون}.
وإن نصبت بها لم تحتج إلى اللام إلا أن تدخلها توكيداً؛ كما تقول: إن زيداً لمنطلق.
والموضع الرابع: أن تدخل زائدةً مع ما، فتردها إلى الابتداء، كما تدخل ما على إن الثقيلة، فتمنعها عملها، وتردها إلى الابتداء في قولك: إنما زيد أخوك، و{إنما يخشى الله من عباده العلماء} وذلك قولك: ما إن يقوم زيد، وما إن زيدٌ منطلق. لا يكون الخبر إلا مرفوعاً لما ذكرت لك. قال زهير:


ما إن يكاد يخليهم لوجهتهـم ....... تخالج الأمر إن الأمر مشترك


وقال الآخر:

وما إن طبنا جبنٌ ولكن ....... مـنـايـانـا ودولــــة آخـريــنــا


فإن قال قائل: فما بالها لما خففت من الثقيلة المكسورة اختير بعدها الرفع، ولم يصلح ذلك في المخففة من المفتوحة إلا أن ترفع على أن يضمر فيها? قيل: لأن المفتوحة وما بعدها مصدرٌ، فلا معنى لها للابتداء، والمكسورة، إنما دخلت على الابتداء وخبره، فلما نقصت عن وزن الفعل رجع الكلام إلى أصله.
ومن رأى النصب بها أو بالمفتوحة مع التخفيف قال: هما بمنزلة الفعل، فإذا خففتا كانتا بمنزلة فعل محذوف منه، فالفعل يعمل محذوفاً عمله تاماً. فذلك قولك: لم يك زيداً منطلقاً، فعمل عمله والنون فيه. والأقيس الرفع فيما بعدها، لأن إن إنما أشبهت الفعل باللفظ لا بالمعنى، فإذا نقص اللفظ ذهب الشبه. ولذلك الوجه الآخر وجهٌ من القياس كما ذكرت لك.
وكان الخليل يقرأ إن هذان لساحران، فيؤدي خط المصحف ومعنى إن الثقيلة في قراءة ابن مسعود إن ذان لساحران). [المقتضب: 2/358-361]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واعلم أن الصلة موضحة للاسم؛ فلذلك كانت في هذه الأسماء المبهمة، وما شاكلها في المعنى؛ ألا ترى أنك لو قلت: جاءني الذي، أو مررت بالذي لم يدللك ذلك على شيءٍ حتى تقول: مررت بالذي قام، أو مررت بالذي من حاله كذا وكذا، أو بالذي أبوه منطلق. فإذا قلت: هذا وما أشبهه وضعت اليد عليه. فإذا قلت: أريد أن تقوم يا فتى، فتقوم من صلة أن حتى تم مصدراً، فصار المعنى: أريد قيامك، وكذلك يسرني أن تقوم يا فتى. تقوم من صلة أن حتى تم مصدرا، فصار المعنى: يسرني قيامك. قال الله عز وجل: {وأن يستعففن خيرٌ لهن}، و{وأن تصوموا خيرٌ لكم} فهذا على ما وصفت لك). [المقتضب: 3/197] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ولو قلت: أتتني جاريتك وامرأة أخرى كان غير جائز. فإن قلت: أتاني أخوك، وإنسان آخر جاز وإن عنيت بالإنسان امرأة؛ لأن الباب الذي ذكرتها به يجمعها. وكذلك: جاءتني جاريتك وإنسان آخر، وأنت تعني بالإنسان رجلاً فهو جيد بالغ. فأما قوله:


صلى علـى عـزة الرحمـن وابنتهـا ....... ليلى وصلى على جاراتها الأخر


فإنه جعل ابنتها جارة لها، ولولا ذلك لم يجز. ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {فعدةٌ من أيامٍ أخر} لما قدم من ذكر الأيام. وكذلك: {منه آياتٌ محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهاتٌ}. فهذا باب هذا. وكان حد آخر أن يكون معه من كذا، وكذا إلا أن أفعل يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون نعتاً قائماً في المنعوت، نحو: أحمر، وأصفر، وأعور.
والوجه الآخر: أن يكون للتفضيل، نحو: هذا أفضل من زيد، وأكبر من عبد الله فإن أردت هذا الوجه لم يكن إلا أن تقول: من كذا، كذا، أو بالألف واللام؛ نحو: هذا الأصغر، والأكبر. فأما قوله في الآذان: الله أكبر، فتأويله: كبير؛ كما قال عز وجل: {وهو أهون عليه}. فإنما تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيءٌ أهون عليه من شيءٍ. ونظير ذلك قوله:

لعمرك ما أدري وإني لأوجل ....... على أينا تعدو المنية أول

أي: إني لوجل. فأما إذا أردت من كذا وكذا فلا بد من منه أو الألف واللام؛ كقولك: جاءني زيد ورجل آخر، إنما معناه: آخر منه. ولكن علم أن الآخر لا يكون إلا بعد مذكور أو بعد أول، فلم يحتج إلى منه. والدليل على أن الأصل هذا قولهم في مؤنثه: أخرى؛ كما تقول: هذا أول منك، وهذه الأولى، والأوسط، والوسطى، والأكبر والكبرى. فلولا أن آخر قد استغنى فيه عن ذكر من كذا لكان لازماً؛ كما يلزم قولك: هذه أول من ذاك؛ ولذلك قلت: في أخر بغير الصرف؛ لأنها محدودة عن وجهها؛ لأن الباب لا يستعمل إلا بالألف واللام أو من كذا. فلما سقط، من كذا سقط ما يعاقبه، فلم يصرف. قال الله عز ذكره: {وأخر متشابهاتٌ} فلم يصرف. وقال: {فعدةٌ من أيامٍ أخر}، فلم يصرف. فهذان دليلان بينان مع المعنى الذي يجمعه). [المقتضب: 3/244-247]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فتأنيث الأفعل الفعلى من هذا الباب، فكان حدٌّ آخر أن يكون معه من نحو قولك: جاءني زيدٌ ورجل آخر انما كان اصله آخر منه؛ كما تقول: أكبر منه، وأصغر منه. فلما كان لفظ آخر يغني عن من لما فيه من البيان أنه رجلٌ معه. وكذلك: ضربت رجلاً آخر، قد بينت أنه ليس بالأول استغناءً عن من بمعناه. فكان معدولاً عن الألف واللام خارجاً عن بابه، فكان مؤنثه كذلك فقلت: جاءتني امرأة أخرى، ولا يجوز جاءتني امرأة صغرى ولا كبرى، إلا أن يقول: الصغرى أو الكبرى، أو تقول: أصغر منك أو أكبر، فلما جمعناها فقلنا: أخر كانت معدولة عن الألف واللام؛ فذلك الذي منعها الصرف. قال الله عز وجل: {وأخر متشابهاتٌ} وقال: {فعدةٌ من أيامٍ أخر} ). [المقتضب: 3/377] (م)

تفسير قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) }
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت: 206هـ): (ثمّ الشهور
...
ورمضان لشدّة الرمض فيه والحرّ يكون فعلان من ذلك). [الأزمنة: 38]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (ورمضان، يجمع: رمضانات؛ ورماضين، لأكثر العدد؛ وأرمضة لأقل العدد. وإن قلت: أرماض، جاز.
وإنما سمي «رمضان»، لرموض الحر وشدة وقع الشمس فيه. وقال بعضهم: لارتماض الأرض بالحر.
ويقال: هذا شهر رمضان، وهذا رمضان، بلا ذكر «شهر».
قال الله تعالى: -ولا حذف فيه-: {شهر رمضان}. ثم قال الشاعر –فحذف-:




أبيض من أخت بني إبـاض ....... جارية في رمضان الماضي


تقطع الحديث بالإيماض). [الأيام والليالي: 45]
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (باب
قول الله عز وجل: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} هي أيام العشر.
قول الله عز وجل: {واذكروا الله في أيام معدودات} المعدودات: أيام التشريق.
قال أبو جعفر: حدثنا هناد، عن وكيع، عن سفيان
عن مغيرة، عن إبراهيم في قول الله عز وجل: {الحج أشهر معلومات} قال: «شوال، وذو القعدة، وذو الحجة».
حدثنا هناد قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يقول: « الأيام المعدودات: أيام التشريق. والمعلومات: أيام العشر».
حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة، عن الملك، عن عطاء {واذكروا الله في أيام} قال: « أيام منى. و{أيام معدودات}، قال: أيام العشر ».
وقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر حُرُم} يقال: شهر وأشهر، للقليل ما دون العشرة، فإذا أجزت العشرة فهي الشهور. قال الله عز وجل: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا}.
فقال: «الشهور» لما جاوزت العشرة، وقال: {الحج أشهر معلومات} لما كانت ثلاثة. وقال: (منها) للكثير، و(منهن) للقليل. وذلك قوله: {منها أربعة حرم} أي من الاثني عشر، ثم قال: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} يعني في الأربعة الأشهر الحرم، فعادت «النون» على القلة، و«الهاء» على الكثرة.
وقوله تبارك وتعالى: {شهر رمضان} يقرأ بالرفع والنصب، والإدغام {شهر رمضان} تدغم الراء عند الراء. فمن نصب شهر «رمضان» فعلى قوله عز وجل: {وأن تصوموا} –شهر رمضان- {خير لكم}.
ومن رفع بالعائد، وهو قوله عز وجل: {فيه القرآن}. وإن شئت قلت أرفعه «بهدى» كأنك قلت: شهر رمضان هدى للناس وبينات. وإن شئت رفعت «الشهر» بـ«الذي» وكان «هدى» في موضع نصب، فينبغي حينئذ أن تنصب «بينات». والقراءة بالرفع في قراءة بعضهم). [الأيام والليالي: 89-92] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ونذكر آيات من القرآن ربما غلط في مجازها النحويون. قال الله عز وجل: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}، مجاز الآية أن المفعول الأول محذوف، ومعناه: يخوفكم من أوليائه.

وفي القرآن: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، والشهر لا يغيب عنه أحد، ومجاز الآية: فمن كان منكم شاهدًا بلده في الشهر فليصمه، والتقدير {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ} أي فمن كان شاهدًا في شهر رمضان فليصمه، نصب الظروف لا نصب المفعول به.
وفي القرآن في مخاطبة فرعون: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}، فليس معنى ننجيك نخلصك، لكن نلقيك على نجوة من الأرض، ببدنك: بدرعك، يدل على ذلك لتكون لمن خلفك آية.
وفي القرآن: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ}، فالوقف {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} أي ويخرجونكم لأن تؤمنوا بالله ربكم). [الكامل: 3/1503-1504] (م)


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 07:03 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 07:03 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 07:03 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 07:03 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وكتب: معناه فرض.
والصيام في اللغة الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال، ومنه قول النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة ....... تحت العجاج وخيل تعلك اللّجما
أي خيل ثابتة ممسكة، ومنه قول الله تعالى: {إنّي نذرت للرّحمن صوماً} [مريم: 26] أي إمساكا عن الكلام، ومنه قول امرئ القيس: كأنّ الثّريّا علّقت في مصامها أي في موضع ثبوتها وامتساكها، ومنه قوله:
فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بجسرة ....... ذمول إذا صام النّهار وهجّرا
أي وقفت الشمس عن الانتقال وثبتت، والصيام في الشرع إمساك عن الطعام والشراب مقترنة به قرائن من مراعاة أوقات وغير ذلك، فهو من مجمل القرآن في قول الحذاق، والكاف من قوله كما في موضع نصب على النعت، تقديره كتبا كما، أو صوما كما، أو على الحال كأن الكلام: كتب عليكم الصيام مشبها ما كتب على الذين من قبلكم.
وقال بعض النحاة: الكاف في موضع رفع على النعت للصيام إذ ليس تعريفه بمحض لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة فلذلك جاز نعته ب كما إذ لا تنعت بها إلا النكرات فهو بمنزلة كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول.
واختلف المتأولون في موضع التشبيه، فقال الشعبي وغيره: «المعنى كتب عليكم رمضان كما كتب على النصارى»، قال: «فإنه كتب عليهم رمضان فبدلوه لأنهم احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره قرنا بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوما، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي».
قال النقاش: «وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي»، وقيل: بل مرض ملك من ملوكهم فنذر إن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم آخر سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله.
وقال السدي والربيع: «التشبيه هو أن من الإفطار إلى مثله لا يأكل ولا يشرب ولا يطأ، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان في النصارى أولا، وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله بسبب عمر وقيس بن صرمة بما يأتي من الآيات في ذلك».
وقال عطاء: «التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وفي بعض الطرق: ويوم عاشوراء كما كتب على الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان».
وقالت فرقة: التشبيه كتب عليكم كصيام بالإطلاق، أي قد تقدم في شرع غيركم، ف {الّذين} عام في النصارى وغيرهم، {ولعلّكم} ترجّ في حقهم، و{تتّقون} قال السدي: {معناه تتقون الأكل والشرب والوطء بعد النوم على قول من تأول ذلك}، وقيل: تتقون على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام: «جنة» ووجاء وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات). [المحرر الوجيز: 1/ 434-436]

تفسير قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وأيّاماً مفعول ثان ب كتب، قاله الفراء، وقيل: هي نصب على الظرف، وقيل: نصبها ب الصّيام، وهذا لا يحسن إلا على أن يعمل الصيام في الكاف من كما على قول من قدر: صوما كما، وإذا لم يعمل في الكاف قبح الفصل بين المصدر وبين ما عمل فيه بما عمل فيه غيره، وذلك إذا كان العامل في الكاف كتب، وجوز بعضهم أن يكون أيّاماً ظرفا يعمل فيه الصّيام، ومعدوداتٍ، قيل: رمضان، وقيل: الثلاثة الأيام.
وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ}، التقدير: فأفطر فعدّةٌ من أيّامٍ أخر، وهذا يسمونه فحوى الخطاب.
واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر: فقال قوم: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المريض صح الفطر قياسا على المسافر أنه يفطر لعلة السفر وإن لم تدعه إلى الفطر ضرورة، وقاله ابن سيرين.
وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف من الصوم تزيده صح له الفطر، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك رحمه الله، وبه يناظرون، وأما لفظ مالك فهو: «المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به».
وقال الحسن: «إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر».
وقالت فرقة: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر، وهذا قول الشافعي رحمه الله.
واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال قوم والشافعي ومالك في بعض ما روي عنه: «الصوم أفضل لمن قوي»، وجل مذهب مالك التخيير.
وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: «الفطر أفضل».
وقال مجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: «أيسرهما أفضلهما»، وكره ابن حنبل وغيره الصوم في السفر.
وقال ابن عمر: «من صام في السفر قضى في الحضر»، وهو مذهب عمر رضي الله عنه، ومذهب مالك في استحبابه الصوم لمن قدر عليه. وتقصير الصلاة حسن، لأن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة في أمر الصيام، والصواب المبادرة بالأعمال. وقال ابن عباس رضي الله عنه: «الفطر في السفر عزمة»، وذهب أنس بن مالك إلى الصوم، وقال: «إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع، ونغدو إلى جوع»، والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح، ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة، واختلف في قدر ذلك، فقال مالك: «يوم وليلة ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلا»، وروي عنه: يومان، وروي عنه في العتبية: خمسة وأربعون ميلا، وفي المبسوط: أربعون ميلا، وفي المذهب: ستة وثلاثون ميلا، وفيه: ثلاثون.
وقال ابن عمر وابن عباس والثوري: الفطر في سفر ثلاثة أيام، وفي غير المذهب: يقصر في ثلاثة أميال فصاعدا.
وقوله تعالى: {فعدّةٌ} مرفوع على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح أن يرتفع على ابتداء والخبر بعده والتقدير فعدة أمثل له، ويصح فعليه عدة، واختلف في وجوب تتابعها على قولين، وأخر لا ينصرف عند سيبويه لأنه معدول عن الألف واللام لأن هذا البناء إنما يأتي بالألف واللام كما تقول الفضل والكبر فاجتمع فيه العدل والصفة، وجاء في الآية أخر ولم يجئ أخرى لئلا تشكل بأنها صفة للعدة، والباب أن جمع ما لا يعقل يجري في مثل هذا مجرى الواحدة المؤنثة ومنه قوله تعالى:{ يا جبال أوّبي معه} [سبأ: 10]، إلى غير ذلك.
وقرأ جمهور الناس «يطيقونه» بكسر الطاء وسكون الياء والأصل «يطوقونه» نقلت حركة الواو إلى الطاء وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ حميد «يطوقونه» وذلك على الأصل، والقياس الإعلال.
وقرأ ابن عباس «يطوقونه» بمعنى يكلفونه.
وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار «يطوقونه» بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة.
وقرأت فرقة «يطيّقونه» بضم الياء وفتح الطاء وشد الياء المفتوحة.
وقرأ ابن عباس «يطيّقونه» بفتح الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة بمعنى يتكلفونه، وحكاها النقاش عن عكرمة، وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف.
وقرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان «فدية طعام مساكين» بإضافة الفدية.
وقرأ هاشم عن ابن عامر «فدية طعام مساكين» بتنوين الفدية.
وقرأ الباقون «فدية» بالتنوين «طعام مسكين» بالإفراد، وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم، وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية.
قال أبو علي: «فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون؟، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينا، ونظير هذا قوله تعالى: {والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} [النور: 4] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون».
واختلف المتأولون في المراد بالآية فقال معاذ بن جبل وعلقمة والنخعي والحسن البصري وابن عمر والشعبي وسلمة بن الأكوع وابن شهاب: «كان فرض الصيام هكذا على الناس من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} [البقرة: 185].
وقالت فرقة: وعلى الّذين يطيقونه أي على الشيوخ والعجّز، الذين يطيقون، لكن بتكلف شديد فأباح الله لهم الفدية والفطر، وهي محكمة عند قائلي هذا القول. وعلى هذا التأويل تجيء قراءة يطوقونه و «يطوقونه».
وقال ابن عباس: «نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجّز خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ثم نسخت بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} [البقرة: 185]، فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم».
وقال السدي: «وعلى الّذين يطيقونه أي على الذين كانوا يطيقونه وهم بحالة الشباب ثم استحالوا بالشّيخ فلا يستطيعون الصوم»، وهي عنده محكمة، ويلزم الشيوخ عنده الفدية إذا أفطروا، ونحوه عن ابن عباس.
وقال مالك: «لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة، وتستحب لمن قدر عليها»، والآية عنده إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: «على الشيخ العاجز الإطعام».
وحكى الطبري عن عكرمة أنه كان يقرؤها «وعلى الذين يطّيّقونه» فأفطر، ومذهب مالك رحمه الله وجماعة من العلماء أن قدر الدية مد لكل مسكين.
وقال قوم: قوت يوم، وقال قوم: عشاء وسحور.
وقال سفيان الثوري: «نصف صاع من قمح أو صاع من تمر أو زبيب»، والضمير في يطيقونه عائد على الصّيام، وقيل على الطعام وهو قول ضعيف.
واختلف في الحامل فقال ابن عمر وابن عباس: «تفدي وتفطر ولا قضاء عليها».
وقال الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة ومالك: «تقضي الحامل إذا أفطرت ولا فدية عليها».
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل ومجاهد: «تقضي وتفدي إذا أفطرت»، وكذلك قال مالك في المرضع: «إنها إذا أفطرت تقضي وتفدي»، هذا هو المشهور عنه، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: «لا إطعام على المرضع».
وقوله تعالى: {فمن تطوّع خيراً فهو خيرٌ له} الآية، قال ابن عباس وطاوس وعطاء والسدي: «المراد من أطعم مسكينين فصاعدا».
وقال ابن شهاب: «من زاد الإطعام على الصوم» وقال مجاهد: «من زاد في الإطعام على المد»، وخيرٌ الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث، وخيرٌ الأول قد نزل منزلة مالا أو نفعا، وقرأ أبيّ بن كعب «والصوم خير لكم» بدل وأن تصوموا.
وقوله تعالى:{إن كنتم تعلمون} يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا). [المحرر الوجيز: 1/ 436-441]

تفسير قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدًى للنّاس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم ولعلّكم تشكرون (185) وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الدّاع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون (186) }
الشهر مشتق من الاشتهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ورمضان علقه الاسم من مدة كان فيها في الرمض وشدة الحر، وكان اسمه قبل ذلك ناثرا، كما سمي ربيع من مدة الربيع، وجمادى من مدة الجمود، وكره مجاهد أن يقال رمضان دون أن يقال شهر رمضان كما قال الله تعالى، وقال: «لعل رمضان اسم من أسماء الله عز وجل».
وقرأ جمهور الناس «شهر» بالرفع، ووجهه خبر ابتداء أي ذلكم شهر، وقيل: بدل من الصيام، وقيل: على الابتداء وخبره الّذي أنزل فيه القرآن، وقيل: ابتداء وخبره فمن شهد، والّذي أنزل نعت له، فمن قال إن الصّيام في قوله: {كتب عليكم الصّيام} [البقرة: 183] هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هاهنا بالابتداء، ومن قال: إن الصّيام هنالك هو رمضان وهو الأيام المعدودة قال هنا بخبر الابتداء أو بالبدل من الصيام، وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب «شهر» بالنصب، ورواها أبو عمارة عن حفص عن عاصم ورواها هارون عن أبي عمرو، وهي على الإغراء، وقيل: نصب ب تصوموا وقيل:نصب على الظرف، وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه.
واختلف في إنزال القرآن فيه: فقال الضحاك: «أنزل في فرضه وتعظيمه والحض عليه»، وقيل: بدىء بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس فيما يؤثر: «أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان ثم كان جبريل ينزله رسلا رسلا في الأوامر والنواهي والأسباب»، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين».
وترك ابن كثير همزة القرآن مع التعريف والتنكير حيث وقع، وقد قيل: إن اشتقاقه على هذه القراءة من قرن، وذلك ضعيف، وهدىً في موضع نصب على الحال من القرآن، فالمراد أن القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ هدى، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ والمحكم كله، فالألف واللام في الهدى للعهد والمراد الأول، والفرقان المفرق بين الحق والباطل، وشهد بمعنى حضر، والشّهر نصب على الظرف، والتقدير: من حضر المصر في الشهر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي والزهري وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو حيوة «فليصمه» بتحريك اللام، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن على أصلها الذي هو الكسر، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعبيدة السلماني: «من شهد» أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، وقال جمهور الأمة: «من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيما»، وقال أبو حنيفة وأصحابه: «من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه»، ونصب الشّهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب شهد، وقوله تعالى: {أو على سفرٍ} بمنزلة أو مسافرا فلذلك عطف على اسم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويحيى بن وثاب وابن هرمز وعيسى بن عمر «اليسر» و «العسر» بضم السين، والجمهور: بسكونه، وقال مجاهد والضحاك بن مزاحم: «اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر»، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم «دين الله يسر».
وقوله تعالى: {ولتكملوا العدّة} معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر فيها، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو في بعض ما روي عنه «ولتكمّلوا» بتشديد الميم، وقد روي عنهما التخفيف كالجماعة، وهذه اللام متعلقة إما ب يريد فهي اللام الداخلة على المفعول، كالذي في قولك ضربت لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة وهي مع الفعل مقدرة بأن، كأن الكلام: ويريد لأن تكملوا، هذا قول البصريين، ونحوه قول قيس كثير بن صخر: أريد لأنسى ذكرها وإما بفعل مضمر بعد، تقديره ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة، وهذا قول بعض الكوفيين، ويحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام.
وقوله: {ولتكبّروا اللّه} حض على التكبير في آخر رمضان، واختلف الناس في حده، فقال ابن عباس: «يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره»، وقال قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة، وقال سفيان: «هو التكبير يوم الفطر»، وقال مالك: «هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام»، ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء: «الله أكبر، الله أكبر الله أكبر»، ثلاثا، ومن العلماء من يكبر ثم يهلل ويسبح أثناء التكبير، ومنهم من يقول: «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا». وقد قيل غير هذا، والجميع حسن واسع مع البدأة بالتكبير.
و{هداكم}، وقيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم، وتعميم الهدى جيد، {ولعلّكم تشكرون} ترجّ في حق البشر، أي على نعمة الله في الهدى). [المحرر الوجيز: 1/ 442-446]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 07:03 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 07:03 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,165
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (183) أيّامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون (184)}
يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمّة وآمرًا لهم بالصّيام، وهو: الإمساك عن الطّعام والشّراب والوقاع بنيّةٍ خالصةٍ للّه عزّ وجلّ، لما فيه من زكاة النّفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرّديئة والأخلاق الرّذيلة. وذكر أنّه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوةٌ، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل ممّا فعله أولئك، كما قال تعالى: {لكلٍّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا ولو شاء اللّه لجعلكم أمّةً واحدةً ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات} [المائدة: 48]؛ ولهذا قال هاهنا: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون} لأنّ الصّوم فيه تزكيةٌ للبدن وتضييقٌ لمسالك الشّيطان؛ ولهذا ثبت في الصّحيحين: «يا معشر الشّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّه له وجاءٌ» ثمّ بيّن مقدار الصّوم، وأنّه ليس في كلّ يومٍ، لئلّا يشقّ على النّفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيّامٍ معدوداتٍ. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ، ثمّ نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه. وقد روي أنّ الصّيام كان أوّلًا كما كان عليه الأمم قبلنا، من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ -عن معاذٍ، وابن مسعودٍ، وابن عبّاسٍ، وعطاءٍ، وقتادة، والضّحّاك بن مزاحمٍ. وزاد: «لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوحٍ إلى أن نسخ اللّه ذلك بصيام شهر رمضان».
وقال عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن البصريّ: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون * أيّامًا معدوداتٍ} فقال: «نعم، واللّه لقد كتب الصّيام على كلّ أمّةٍ قد خلت كما كتب علينا شهرًا كاملًا»
و{أيّامًا معدوداتٍ}: عددًا معلومًا». وروي عن السّدّيّ، نحوه.
وروى ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي عبد الرّحمن المقريّ، حدّثنا سعيد بن أبي أيّوب، حدّثني عبد اللّه بن الوليد، عن أبي الرّبيع، رجلٍ من أهل المدينة، عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «صيام رمضان كتبه اللّه على الأمم قبلكم..» في حديثٍ طويلٍ اختصر منه ذلك.
وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عمّن حدّثه عن ابن عمر، قال أنزلت: {كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون} كتب عليهم إذا صلّى أحدهم العتمة ونام حرّم اللّه عليه الطّعام والشّراب والنّساء إلى مثلها.
قال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن ابن عبّاسٍ، وأبي العالية، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، ومجاهدٍ، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيّان، والرّبيع بن أنسٍ، وعطاءٍ الخراسانيّ، نحو ذلك.
وقال عطاءٌ الخراسانيّ، عن ابن عبّاسٍ: {كما كتب على الّذين من قبلكم}«يعني بذلك: أهل الكتاب». وروي عن الشّعبيّ والسّدّيّ وعطاء الخراساني، مثله). [تفسير ابن كثير: 1/ 497]


تفسير قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ بيّن حكم الصّيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسّفر؛ لما في ذلك من المشقّة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدّة ذلك من أيّامٍ أخر. وأمّا الصّحيح المقيم الذي يطيق الصّيام، فقد كان مخيّرًا بين الصّيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كلّ يومٍ مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكينٍ عن كلّ يومٍ، فهو خيرٌ، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعودٍ، وابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، ومقاتل بن حيّان، وغيرهم من السّلف؛ ولهذا قال تعالى: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا المسعوديّ، حدّثنا عمرو بن مرّة، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبلٍ، رضي اللّه عنه، قال: «أحيلت الصّلاة ثلاثة أحوالٍ، وأحيل الصّيام ثلاثة أحوالٍ؛ فأمّا أحوال الصّلاة فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة، وهو يصلّي سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل عليه: {قد نرى تقلّب وجهك في السّماء فلنولّينّك قبلةً ترضاها} [البقرة: 144] فوجهه الله إلى مكّة. هذا حولٌ».
قال: «وكانوا يجتمعون للصّلاة ويؤذن بها بعضهم بعضًا حتّى نقسوا أو كادوا ينقسون. ثمّ إنّ رجلًا من الأنصار، يقال له: عبد اللّه بن زيدٍ، أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللّه، إنّي رأيت فيما يرى النّائم -ولو قلت: إنّي لم أكن نائمًا لصدقت -أنّي بينا أنا بين النّائم واليقظان إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللّه -مثنى حتّى فرغ من الأذان، ثمّ أمهل ساعةً، ثمّ قال مثل الذي قال، غير أنّه يزيد في ذلك: قد قامت الصّلاة -مرّتين -قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «علّمها بلالًا فليؤذن بها». فكان بلالٌ أوّل من أذّن بها. قال: وجاء عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه، فقال: يا رسول اللّه، إنّه قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنّه سبقني، فهذان حالان».
قال: «وكانوا يأتون الصّلاة -قد سبقهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ببعضها، فكان الرّجل يشير إلى الرّجل إذًا كم صلّى، فيقول: واحدةٌ أو اثنتين، فيصلّيهما، ثمّ يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء معاذٌ فقال: لا أجده على حالٍ أبدًا إلّا كنت عليها، ثمّ قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ببعضها، قال: فثبت معه، فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قام فقضى، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّه قد سنّ لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا». فهذه ثلاثة أحوالٍ».
وأمّا أحوال الصّيام فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة، فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيّامٍ، وصام عاشوراء، ثمّ إنّ اللّه فرض عليه الصّيام، وأنزل اللّه تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم}.
إلى قوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه. ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل الآية الأخرى: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} فأثبت الله صيامه على المقيم الصّحيح ورخّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصّيام، فهذان حالان».
قال: «وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثمّ إنّ رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائمًا حتّى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء، ثمّ نام فلم يأكل ولم يشرب، حتّى أصبح فأصبح صائمًا، فرآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد جهد جهدًا شديدًا، فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟» قال: يا رسول اللّه، إنّي عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائمًا. قال: وكان عمر قد أصاب من النّساء بعد ما نام، فأتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك له، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {أحلّ لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم} إلى قوله: {ثمّ أتمّوا الصّيام إلى اللّيل}».وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث المسعوديّ، به.
وقد أخرج البخاريّ ومسلمٌ من حديث الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنّها قالت: كان عاشوراء يصام، فلمّا نزل فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وروى البخاريّ عن ابن عمر وابن مسعودٍ، مثله.
وقوله: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كما قال معاذٌ: «كان في ابتداء الأمر: من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كلّ يومٍ مسكينًا». وهكذا روى البخاريّ عن سلمة بن الأكوع أنّه قال: «لمّا نزلت: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها».
وروي أيضًا من حديث عبيد اللّه عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: «هي منسوخةٌ».
وقال السّدّيّ، عن مرّة، عن عبد اللّه، قال: «لمّا نزلت هذه الآية: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} قال: يقول: {وعلى الّذين يطيقونه} أي: يتجشّمونه، قال عبد اللّه: «فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا {فمن تطوّع} قال: يقول: أطعم مسكينًا آخر {فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم} فكانوا كذلك حتّى نسختها: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه}».
وقال البخاريّ أيضًا: حدّثنا إسحاق، أخبرنا روحٌ، حدّثنا زكريّا بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ سمع ابن عبّاسٍ يقرأ: " وعلى الذين يطوّقونه فديةٌ طعام مسكينٍ ". قال ابن عبّاسٍ: «ليست منسوخةً، هو للشّيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كلّ يومٍ مسكينًا».
وهكذا روى غير واحدٍ عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، نحوه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا عبد الرّحيم، عن أشعث بن سوّارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: «نزلت هذه الآية: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} في الشّيخ الكبير الذي لا يطيق الصّوم ثمّ ضعف، فرخّص له أن يطعم مكان كلّ يومٍ مسكينًا».
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدّثنا محمّد بن أحمد، حدّثنا الحسين بن محمّد بن بهرام المحرميّ، حدّثنا وهب بن بقيّة، حدّثنا خالد بن عبد اللّه، عن ابن أبي ليلى، قال: «دخلت على عطاءٍ في رمضان، وهو يأكل، فقال: قال ابن عبّاسٍ: «نزلت هذه الآية: {وعلى الّذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ} فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثمّ نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلّا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كلّ يومٍ مسكينًا وأفطر». فحاصل الأمر أنّ النّسخ ثابتٌ في حقّ الصّحيح المقيم بإيجاب الصّيام عليه، بقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} وأمّا الشّيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصّيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنّه ليست له حالٌ يصير إليها يتمكّن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كلّ يومٍ مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا يجب عليه إطعامٌ؛ لأنّه ضعيفٌ عنه لسنّه، فلم يجب عليه فديةٌ كالصّبيّ؛ لأنّ اللّه لا يكلّف نفسًا إلّا وسعها، وهو أحد قولي الشّافعيّ. والثّاني -وهو الصّحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنّه يجب عليه فديةٌ عن كلّ يومٍ، كما فسّره ابن عبّاسٍ وغيره من السّلف على قراءة من قرأ: {وعلى الّذين يطيقونه} أي: يتجشّمونه، كما قاله ابن مسعودٍ وغيره، وهو اختيار البخاريّ فإنّه قال: وأمّا الشّيخ الكبير إذا لم يطق الصّيام، فقد أطعم أنسٌ -بعد أن كبر عامًا أو عامين -كلّ يومٍ مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر.
وهذا الذي علّقه البخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصليّ في مسنده، فقال: حدّثنا عبيد اللّه بن معاذ، حدّثنا أبي، حدّثنا عمران، عن أيّوب بن أبي تميمة قال: «ضعف أنس بن مالكٍ عن الصّوم، فصنع جفنةً من ثريدٍ، فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم».
ورواه عبد بن حميدٍ، عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حدير -عن أيوب، به.
ورواه عبدٌ أيضًا، من حديث ستّةٍ من أصحاب أنسٍ، عن أنسٍ -بمعناه.
وممّا يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلافٌ كثيرٌ بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فديةٍ. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء. وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاةً في كتاب الصّيام الذي أفردناه. وللّه الحمد والمنّة). [تفسير ابن كثير: 1/ 498-501]

تفسير قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدًى للنّاس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم ولعلّكم تشكرون (185)}
يمدح تعالى شهر الصّيام من بين سائر الشّهور، بأن اختاره من بينهنّ لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصّه بذلك، قد ورد الحديث بأنّه الشّهر الذي كانت الكتب الإلهيّة تنزل فيه على الأنبياء.
قال الإمام أحمد بن حنبلٍ، رحمه اللّه: حدّثنا أبو سعيدٍ مولى بني هاشمٍ، حدّثنا عمران أبو العوّام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة -يعني ابن الأسقع-أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلةٍ من رمضان. وأنزلت التّوراة لستٍّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل اللّه القرآن لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان».
وقد روي من حديث جابر بن عبد اللّه وفيه: أنّ الزّبور أنزل لثنتي عشرة ليلةً خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدّم. رواه ابن مردويه.
أمّا الصّحف والتّوراة والزّبور والإنجيل -فنزل كلٌّ منها على النّبيّ الذي أنزل عليه جملةً واحدةً، وأمّا القرآن فإنّما نزل جملةً واحدةً إلى بيت العزّة من السّماء الدّنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1]. وقال: {إنّا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ} [الدّخان: 3]، ثمّ نزل بعد مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. هكذا روي من غير وجهٍ، عن ابن عبّاسٍ، كما قال إسرائيل، عن السّدّيّ، عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم، عن ابن عبّاسٍ أنّه سأله عطيّة بن الأسود، فقال: «وقع في قلبي الشّكّ من قول اللّه تعالى: {شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن} وقوله: {إنّا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ} وقوله: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر} وقد أنزل في شوّال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجّة، وفي المحرّم، وصفرٍ، وشهر ربيعٍ. فقال ابن عبّاسٍ: «إنّه أنزل في رمضان، في ليلة القدر وفي ليلةٍ مباركةٍ جملةً واحدةً، ثمّ أنزل على مواقع النّجوم ترتيلًا في الشّهور والأيّام». رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه.
وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ قال: «أنزل القرآن في النّصف من شهر رمضان إلى سماء الدّنيا فجعل في بيت العزّة، ثمّ أنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عشرين سنةً لجواب كلام النّاس».
وفي رواية عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السّماء الدّنيا جملةً واحدةً، وكان اللّه يحدث لنبيّه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلّا جاءهم اللّه بجوابه، وذلك قوله: {وقال الّذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنثبّت به فؤادك ورتّلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحقّ وأحسن تفسيرًا} [الفرقان: 32، 33]».
قال فخر الدّين: «ويحتمل أنّه كان ينزل في كلّ ليلة قدرٍ ما يحتاج النّاس إلى إنزاله إلى مثله من اللّوح إلى سماء الدّنيا، وتوقّف»، هل هذا أولى أو الأوّل؟ وهذا الذي جعله احتمالًا نقله القرطبيّ عن مقاتل بن حيّان، وحكى الإجماع على أنّ القرآن نزل جملةً واحدةً من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا، وحكى الرّازيّ عن سفيان بن عيينة وغيره أنّ المراد بقوله: {الّذي أنزل فيه القرآن} أي: في فضله أو وجوب صومه، وهذا غريبٌ جدًّا.
وقوله: {هدًى للنّاس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان} هذا مدحٌ للقرآن الذي أنزله اللّه هدًى لقلوب العباد ممّن آمن به وصدّقه واتّبعه {وبيّناتٍ} أي: ودلائل وحجج بيّنةٌ واضحةٌ جليّةٌ لمن فهمها وتدبّرها دالّةٌ على صحّة ما جاء به من الهدى المنافي للضّلال، والرّشد المخالف للغيّ، ومفرّقًا بين الحقّ والباطل، والحلال، والحرام.
وقد روي عن بعض السّلف أنّه كره أن يقال: إلّا "شهر رمضان" ولا يقال: "رمضان"؛ قال ابن أبي حاتمٍ:
حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن بكّار بن الريّان، حدّثنا أبو معشرٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظي، وسعيدٍ -هو المقبري-عن أبي هريرة، قال: «لا تقولوا: رمضان، فإنّ رمضان اسمٌ من أسماء اللّه تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان».
قال ابن أبي حاتمٍ: وقد روي عن مجاهدٍ، ومحمّد بن كعبٍ نحو ذلك، ورخّص فيه ابن عبّاسٍ وزيد بن ثابتٍ.
قلت: أبو معشرٍ هو نجيح بن عبد الرّحمن المدنيّ إمامٌ في المغازي، والسّير، ولكن فيه ضعفٌ، وقد رواه ابنه محمّدٌ عنه فجعله مرفوعًا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عديٍّ -وهو جديرٌ بالإنكار-فإنّه متروكٌ، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاريّ، رحمه اللّه، في كتابه لهذا فقال: "بابٌ يقال رمضان" وساق أحاديث في ذلك منها: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه» ونحو ذلك.
وقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} هذا إيجاب حتمٍ على من شهد استهلال الشّهر -أي كان مقيمًا في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيحٌ في بدنه -أن يصوم لا محالة. ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدّمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويفدي بإطعام مسكينٍ عن كلّ يومٍ، كما تقدّم بيانه. ولمّا حتّم الصّيام أعاد ذكر الرّخصة للمريض وللمسافر في الإفطار، بشرط القضاء فقال: {ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} معناه: ومن كان به مرضٌ في بدنه يشقّ عليه الصّيام معه، أو يؤذيه أو كان على سفرٍ أي في حال سفرٍ -فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه بعدّة ما أفطره في السّفر من الأيّام؛ ولهذا قال: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} أي: إنّما رخّص لكم في الفطر في حال المرض وفي السّفر، مع تحتّمه في حقّ المقيم الصّحيح، تيسيرًا عليكم ورحمةً بكم.
وهاهنا مسائل تتعلّق بهذه الآية:
إحداها: أنّه قد ذهب طائفةٌ من السّلف إلى أنّ من كان مقيمًا في أوّل الشّهر ثمّ سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السّفر والحالة هذه، لقوله: {فمن شهد منكم الشّهر فليصمه} وإنّما يباح الإفطار لمسافرٍ استهلّ الشّهر وهو مسافرٌ، وهذا القول غريبٌ نقله أبو محمّد بن حزمٍ في كتابه المحلى، عن جماعةٍ من الصّحابة والتّابعين. وفيما حكاه عنهم نظرٌ، واللّه أعلم. فإنّه قد ثبتت السّنّة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتّى بلغ الكديد، ثمّ أفطر، وأمر النّاس بالفطر. أخرجه صاحبا الصّحيح.
الثّانية: ذهب آخرون من الصّحابة والتّابعين إلى وجوب الإفطار في السّفر، لقوله: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} والصّحيح قول الجمهور، أنّ الأمر في ذلك على التّخيير، وليس بحتم؛ لأنّهم كانوا يخرجون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شهر رمضان. قال: «فمنا الصّائم ومنّا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصّائم ». فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصّيام، بل الّذي ثبت من فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه كان في مثل هذه الحالة صائمًا، لما ثبت في الصّحيحين عن أبي الدّرداء قال: «خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شهر رمضان في حرٍّ شديدٍ، حتّى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدّة الحرّ وما فينا صائمٌ إلّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعبد اللّه بن رواحة».
الثّالثة: قالت طائفةٌ منهم الشّافعيّ: الصّيام في السّفر أفضل من الإفطار، لفعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كما تقدّم، وقالت طائفةٌ: بل الإفطار أفضل، أخذًا بالرّخصة، ولما ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنه سئل عن الصّوم في السّفر، فقال: «من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه». وقال في حديث آخر: «عليكم برخصة اللّه التي رخّص لكم» وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة: أن حمرة بن عمرٍو الأسلميّ قال: يا رسول اللّه، إنّي كثير الصّيام، أفأصوم في السّفر؟ فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». وهو في الصّحيحين. وقيل: إن شقّ الصّيام فالإفطار أفضل لحديث جابرٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى رجلًا قد ظلّل عليه، فقال: «ما هذا؟»قالوا: صائمٌ، فقال: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر». أخرجاه. فأمّا إن رغب عن السّنّة، ورأى أنّ الفطر مكروهٌ إليه، فهذا يتعيّن عليه الإفطار، ويحرم عليه الصّيام، والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابرٍ، وغيرهما: من لم يقبل رخصة اللّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة.
الرّابعة: القضاء، هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التّفريق؟ فيه قولان: أحدهما: أنّه يجب التّتابع، لأنّ القضاء يحكي الأداء. والثّاني: لا يجب التّتابع، بل إنّ شاء فرّق، وإن شاء تابع. وهذا قول جمهور السّلف والخلف، وعليه ثبتت الدّلائل ؛ لأنّ التّتابع إنّما وجب في الشّهر لضرورة أدائه في الشّهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيّامٍ عدّة ما أفطر. ولهذا قال تعالى: {فعدّةٌ من أيّامٍ أخر} ثمّ قال: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو سلمة الخزاعيّ، حدّثنا ابن هلالٍ، عن حميد بن هلالٍ العدويّ، عن أبي قتادة، عن الأعرابيّ الذي سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:«إن خير دينكم أيسره، إنّ خير دينكم أيسره».
وقال أحمد أيضًا: حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلالٍ، حدّثنا غاضرة بن عروة الفقيمي، حدّثني أبي عروة، قال: «كنّا ننتظر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج رجلا يقطر رأسه من وضوءٍ أو غسلٍ، فصلّى، فلمّا قضى الصّلاة جعل النّاس يسألونه: علينا حرجٌ في كذا؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ دين اللّه في يسرٍ» ثلاثًا يقولها».
ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلالٍ، به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شعبة قال: حدّثنا أبو التّيّاح، سمعت أنس بن مالكٍ يقول: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: «يسّروا، ولا تعسّروا، وسكّنوا ولا تنفّروا». أخرجاه في الصّحيحين. وفي الصّحيحين أيضًا: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لمعاذٍ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «بشّرا ولا تنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا». وفي السّنن والمسانيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالحنيفيّة السّمحة».
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدّثنا عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا يحيى ابن أبي طالبٍ، حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاءٍ، حدّثنا أبو مسعودٍ الجريري، عن عبد اللّه بن شقيقٍ، عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلّي فتراءاه ببصره ساعةً، فقال: «أتراه يصلّي صادقًا؟» قال: قلت: يا رسول اللّه، هذا أكثر أهل المدينة صلاةً، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تسمعه فتهلكه». وقال: «إنّ اللّه إنّما أراد بهذه الأمّة اليسر، ولم يرد بهم العسر».
ومعنى قوله: {يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدّة} أي: إنّما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسّفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر، وإنّما أمركم بالقضاء لتكملوا عدّة شهركم.
وقوله: {ولتكبّروا اللّه على ما هداكم} أي: ولتذكروا اللّه عند انقضاء عبادتكم، كما قال: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرًا} [البقرة: 200] وقال: {فإذا قضيتم الصّلاة فاذكروا اللّه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم} [النّساء: 103]، {فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه واذكروا اللّه كثيرًا لعلّكم تفلحون} [الجمعة: 10] وقال: {وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشّمس وقبل الغروب * ومن اللّيل فسبّحه وأدبار السّجود} [ق: 39، 40]؛ ولهذا جاءت السّنّة باستحباب التّسبيح، والتّحميد والتّكبير بعد الصّلوات المكتوبات.
وقال ابن عبّاسٍ: «ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا بالتّكبير»؛ ولهذا أخذ كثيرٌ من العلماء مشروعيّة التّكبير في عيد الفطر من هذه الآية: {ولتكملوا العدّة ولتكبّروا اللّه على ما هداكم} حتّى ذهب داود بن عليٍّ الأصبهانيّ الظّاهريّ إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: {ولتكبّروا اللّه على ما هداكم} وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة -رحمه اللّه -أنّه لا يشرع التّكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه، على اختلافٍ في تفاصيل بعض الفروع بينهم.
وقوله: {ولعلّكم تشكرون} أي: إذا قمتم بما أمركم اللّه من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلّكم أن تكونوا من الشّاكرين بذلك). [تفسير ابن كثير: 1/ 501-505]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:30 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة