العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 09:45 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (21) إلى الآية (22) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (21) إلى الآية (22) ]

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 02:19 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف


تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني خالد بن حميد عن عقيل، عن ابن شهاب قال: كل شيء في القرآن {يا أيها الناس}، ما لم يكن سورة تامة، فإنما أنزل الله ذلك بمكة، وكل شيء في القرآن {يا أيها الذين آمنوا}، فإنما أنزل كله بالمدينة حين استحكم الأمر). [الجامع في علوم القرآن: 1/ 56]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قول الله جل وعز: {يا أيها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون} قال: «تطيعون ».). [تفسير الثوري: 42]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}.
فأمر جلّ ثناؤه الفريقين اللّذين أخبر اللّه عن أحدهما أنّه سواءٌ عليهم أنذروا أم لم ينذروا أنّهم لا يؤمنون، لطبعه على قلوبهم، وسمعهم، وعن الآخر أنّه يخادع اللّه والّذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قلبه: آمنّا باللّه واليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكّه في حقيقة ما يبدي من ذلك؛ وغيرهم من سائر خلقه المكلّفين، بالاستكانة والخضوع له بالطّاعة، وإفراد الرّبوبيّة له، والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة؛ لأنّ جلّ ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم.
فقال لهم جلّ ذكره: فالّذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم وهو يقدر على ضرّكم ونفعكم أولى بالطّاعة ممّن لا يقدر لكم على نفعٍ ولا ضرٍّ.
وكان ابن عبّاسٍ فيما روي لنا عنه يقول في ذلك نظير ما قلنا فيه، غير أنّه ذكر عنه أنّه كان يقول في معنى: {اعبدوا ربّكم} «وحّدوا ربّكم».
وقد دلّلنا فيما مضى من كتابنا هذا على أنّ معنى العبادة الخضوع للّه بالطّاعة والتّذلّل له بالاستكانة.
والّذي أراد ابن عبّاسٍ إن شاء اللّه بقوله في تأويل قوله: {اعبدوا ربّكم} وحّدوه: أي أفردوا الطّاعة والعبادة لربّكم دون سائر خلقه.
- حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال اللّه: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم} للفريقين جميعًا من الكفّار والمنافقين، أي وحّدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم} يقول: خلقكم وخلق الّذين من قبلكم.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآية من أدلّ دليلٍ على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه غير جائزٍ إلاّ بعد إعطاء اللّه المكلّف المعونة على ما كلّفه. وذلك أنّ اللّه أمر من وصفنا بعبادته والتّوبة من كفره، بعد إخباره عنهم أنّهم لا يؤمنون وأنّهم عن ضلالتهم لا يرجعون). [جامع البيان: 1/ 384 - 386]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لعلّكم تتّقون}.
وتأويل ذلك: لعلّكم تتّقون بعبادتكم ربّكم الّذي خلقكم، وطاعتكم إيّاه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكم له بالعبادة، لتتّقوا سخطه وغضبه أن يحلّ عليكم، وتكونوا من المتّقين الّذين رضي عنهم ربّهم.
وكان مجاهدٌ يقول في تأويل قوله: {لعلّكم تتّقون} «تطيعون».
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {لعلّكم تتّقون} قال:«لعلّكم تطيعون».
والّذي أظنّ أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا: لعلّكم أن تتّقوا ربّكم بطاعتكم إيّاه وإقلاعكم عن ضلالتكم.
فإن قال لنا قائلٌ: فكيف قال جلّ ثناؤه: {لعلّكم تتّقون} أولم يكن عالمًا بما يصير إليه أمرهم إذا هم عبدوه وأطاعوه، حتّى قال لهم: لعلّكم إذا فعلتم ذلك أن تتّقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إيّاه مخرج الشّكّ؟
قيل له: ذلك على غير المعنى الّذي توهّمت، وإنّما معنى ذلك: {اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم}، لتتّقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالرّبوبيّة والعبادة، كما قال الشّاعر:

وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا ....... نكفّ ووثّقتم لنا كلّ موثق.
فلمّا كففنا الحرب كانت عهودكم ....... كلمح سرابٍ في الملا متألّق

يريد بذلك: قلتم لنا كفّوا لنكفّ. وذلك أنّ لعلّ في هذا الموضع لو كان شكًّا لم يكونوا وثّقوا لهم كلّ موثق). [جامع البيان: 1/ 386 - 387]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (21)}
قوله تعالى: {يا أيّها النّاس}
- حدّثنا محمّد بن نحيى ابنا أبو غسّان ثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {يا أيّها النّاس} «أي الفريقين جميعًا من الكفّار والمنافقين».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 59 - 60]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {اعبدوا ربّكم}
- وبه عن ابن عبّاسٍ: قوله: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم} «أي وحّدوا ربّكم».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 60]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {الّذي خلقكم والّذين من قبلكم}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ: ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم} يقول: «خلقكم وخلق الّذين من قبلكم». وروي عن مجاهدٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 60]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لعلّكم}
- حدّثنا موسى بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن ابن أبي حمّادٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ. قوله: {لعلّكم} يعني: غير آيةٍ في الشّعراء لعلّكم تخلدون يعني كأنّكم تخلدون). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 60]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لعلّكم تتقون}
[الوجه الأول]
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ، ثنا آدم ثنا، أبو صفوان القاسم بن يزيد ابن عوانة عن يحيى أبي النّضر، ثنا جويبرٌ عن الضّحّاك في قوله: {لعلّكم تتّقون} قال: «يقول: لعلّكم تتّقون النّار بالصّلوات الخمس».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ، ثنا أبو داود الحفريّ عن سفيان ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ {لعلّكم تتّقون} «لعلّكم تطيعونه».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 60]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}.
- أخرج البزار والحاكم، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: «ما كان (يا أيها الذين آمنوا) أنزل بالمدينة وما كان {يا أيها الناس} فبمكة».
- وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: «قرأنا المفصل ونحن بمكة حجيجا ليس فيها (يا أيها الذين آمنوا)».
- وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الضريس، وابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن علقمة قال: «كل شيء في القرآن {يا أيها الناس} فهو مكي وكل شيء في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) فإنه مدني».
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الضحاك مثله.
- وأخرج أبو عبيد عن ميمون بن مهران قال: «ما كان في القرآن {يا أيها الناس} ويا بني آدم فإنه مكي وما كان (يا أيها الذين آمنوا) فإنه مدني».
- وأخرج ابن أبي شيبه، وابن مردويه عن عروه قال: «ما كان (يا أيها الناس) بمكة وما كان (يا أيها الذين آمنوا) بالمدينة».
- وأخرج ابن أبي شيبه، وابن مردويه عن عروة قال: «ما كان من حج أو فريضة فإنه نزل بالمدينة أو حد أو جهاد فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والقرون وضرب الأمثال فإنه نزل بمكة».
- وأخرج ابن أي شيبة عن عكرمة قال: «كل سورة فيها (يا أيها الذين آمنوا) فهي مدنية».
- وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الناس} «فهي للفريقين جميعا من الكفار والمؤمنين»، {اعبدوا} قال: «وحدوا».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} يقول: «خلقكم وخلق الذين من قبلكم».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله: {لعلكم} «يعني كي غير آية في الشعراء {لعلكم تخلدون} [الشعراء 129] يعني كأنكم تخلدون».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله بن غنية قال: «{لعل} من الله واجب».
- وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {لعلكم تتقون} قال: «تطيعون».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {لعلكم تتقون} قال: «تتقون النار».). [الدر المنثور: 1/ 177 - 180]

تفسير قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن مجاهدٍ {فلا تجعلوا للّه أندادا} قال: «عدلاء»، {وأنتم تعلمون} «يا أهل الكتاب تعلمون أنّه واحد في التوراة والإنجيل». ). [تفسير الثوري: 42]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون}
- حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللّه قال: سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " أيّ الذّنب أعظم عند اللّه؟ قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك». قلت: إنّ ذلك لعظيمٌ، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك». قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»). [صحيح البخاري: 6/ 18]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون})
الأنداد: جمع ندٍّ بكسر النّون وهو النّظير وروى بن أبي حاتمٍ من طريق أبي العالية قال: «الند: العدل»، ومن طريق الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ قال: «الأنداد الأشباه»، وسقط لفظ باب لأبي ذر ثمّ ذكر المصنّف حديث بن مسعودٍ أيّ الذّنب أعظم وسيأتي شرحه في كتاب التّوحيد إن شاء اللّه تعالى). [فتح الباري: 8/ 163]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب: قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}
ذكر هذه الآية توطئة للحديث الّذي ذكره بعدها، ولما خاطب الله عز وجل أولا النّاس من المؤمنين والكفّارة والمنافقين بقوله: {يا أيها النّاس اعبدوا ربكم الّذي خلقكم} إلى قوله: {فلا تجعلوا} أي: وحدوا ربكم الّذي من صفاته ما ذكر، خاطب الكفّار والمنافقين بقوله: {فلا تجعلوا الله أنداداً} وهو جمع: ند بكسر النّون وتشديد الدّال وهو النظير قوله: {وأنتم تعلمون} جملة حالية، أي: والحال أنكم تعلمون أن الله تعالى منزه عن الأنداد والأضداد والأشباه.
ومن أول الباب إلى هنا سقط جميعه من رواية السّرخسيّ ولهذا إلّا يوجد في كثير من النّسخ، ويوجد بعضه في بعض.
- حدّثني عثمان بن أبي شيبة حدّثنا جريرٌ عن منصورٍ عن أبي وائلٍ عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ الذّنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»، قلت: إنّ ذالك لعظيمٌ قلت: ثمّ أيّ؟ قال: « وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك»، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك».
ذكر هذا الحديث مناسباً للآية الّتي قبله. وعثمان هو أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر اسمه عبد الله، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، وهو جدهما، وأبوهما محمّد بن أبي شيبة وهو شيخ مسلم أيضا، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث أخرجه البخاريّ أيضا هنا عن مسدّد، وأخرجه في التّوحيد أيضا عن قتيبة وفي الأدب عن محمّد بن كثير وفي المحاربين عن عمرو بن عليّ. وأخرجه مسلم في الإيمان عن عثمان بن إسحاق. وأخرجه أبو داود في الطّلاق عن محمّد بن كثير. وأخرجه التّرمذيّ في التّفسير عن بندار. وأخرجه النّسائيّ فيه عن عمرو بن عليّ وفيه وفي الرّجم عن قتيبة وفي المحاربة عن محمّد بن بشار.
قوله:(أن تجعل لله ندا) قدمه لأنّه أعظم الذّنوب، قال الله تعالى: {إن الشّرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ثمّ ثناه بالقتل لأن عند الشّافعيّة أكبر الكبائر بعد الشّرك القتل ثمّ ثلثه بالزّنا، لأنّه سبب لاختلاط الأنساب لا سيما مع حليلة الجار، لأن الجار يتوقّع من جاره الذب عنه وعن حريمه فإذا قابل هذا بالذب عنه كان من أقبح الأشياء.
قوله: (ثمّ أي؟) قال ابن الجوزيّ: أي: ههنا مشدد منون، كذا سمعته من أبي محمّد بن الخشاب، قال: لا يجوز إلاّ تنوينه لأنّه إسم معرب غير مضاف.
قوله: (وأن تقتل ولدك) فيه ذمّ شديد للبخيل لأن بخله أدّاه إلى قتل ولده مخافة أن يأكل معه.
قوله: (تخاف)، في موضع الحال.
قوله: (أن تزاني) من باب المفاعلة من الزّنا، معناه: أن تزني برضاها، ولأجل هذا ذكره من باب المفاعلة.
قوله:(حليلة)، بالحاء المهملة: الزّوجة، سميت بذلك لكونها تحل له فهي حليلة بمعنى محلّة لكونها تحل معه بضم الحاء، وقيل: لأن كلا منهما يحل أزرة الآخر، وهي أيضا: عرسه وظعينته وربضه وطلعته وحنته وبيته وقعيدته وشاعته وبعلته وضبينته وجارته وفرشه وزوجته وعشيرته وأهله). [عمدة القاري: 18 / 86 - 87]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون}
(قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا}) جمع ند وهو المثل والنظير ({وأنتم تعلمون}) حال من ضمير فلا تجعلوا، ومفعول تعلمون متروك أي وحالكم أنكم من ذوي العلم والنظر وإصابة الرأي فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات، منفرد بوجود الذات، متعال عن مشابهة المخلوقات، أوله مفعول أي: وأنتم تعلمون أنه الذي خلق ما ذكر أو أنتم تعلمون أن لا ندّ له، وعلى كل التقديرين متعلق العلم محذوف إما حوالة على العقل أو للعلم به، وسقط لأبي ذر قوله تعالى فقط.
- حدّثني عثمان بن أبي شيبة حدّثنا جريرٌ عن منصورٍ عن أبي وائلٍ عن عمرو بن شرحبيل عن عبد اللّه قال: سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أيّ الذّنب أعظم عند اللّه؟ قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك» قلت إنّ ذلك لعظيمٌ قلت ثمّ أيّ؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك».
قلت ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». [الحديث 4477 - أطرافه في: 4761، 6001، 6811، 6861، 7520، 7532].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عثمان بن أبي شيبة) الحافظ الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور عن أبي وائل) بالهمز شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) بالصرف وعدمه الهمداني (عن عبد الله) بن مسعود أنه (قال: سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي الذنب أعظم عند الله قال):
(أن تجعل لله ندًّا) أي مثلًا ونظيرًا (وهو خلقك) وغيره لا يستطيع خلق شيء موجود الخلق يدل على الخالق، واستقامة الخلق تدل على توحيده ولو كان المدبر اثنين لم يكن على الاستقامة، ولذا قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل:

أربًا واحدًا أم ألف رب ....... أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعًا ....... كذلك يفعل الرجل البصير

(قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟) بالتشديد من غير تنوين. قال الفاكهاني: لأنه موقوف عليه في كلام السائل ينتظر الجواب منه عليه الصلاة والسلام والتنوين لا يوقف عليه إجماعًا وتنوينه مع وصله بما بعده خطأ، بل ينبغي أن يوقف عليه وقفة لطيفة ثم يؤتى بما بعده. اهـ.
قال في المصابيح: هذا عجيب لأن الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعي حال المحكي عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته التي هو فيها، وقد قيده ابن الجوزي في مشكل الصحيحين بالتشديد والتنوين كما في الفرع وقال: هكذا سمعته من ابن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه لأنه اسم معرب غير مضاف.
(قال: وأن تقتل) في الفرع بإسقاط الواو وثبتت في أصله (ولدك) حال كونك (تخاف أن يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) بفتح الهاء المهملة وكسر اللام الأولى أي زوجته فإنه زنا وإبطال لما أوصى الله تعالى به من حفظ حقوق الجيران.
وهذا الحديث أورد هنا أيضًا وفي التوحيد والأدب والمحاربين ومسلم في الإيمان والنسائي فيه والرجم والمحاربة). [إرشاد الساري: 7 / 9 - 10]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون}
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيلٍ، عن عبد الله، قال: سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الذّنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك» قلت: إنّ ذلك لعظيمٌ، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ تقتل ولدك أن يطعم معك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»). [السنن الكبرى للنسائي: 10 /9]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذي جعل لكم الأرض فراشًا}.
وقوله: {الّذي جعل لكم الأرض فراشًا} مردودٌ على الّذي الأولى في قوله: {اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم} وهما جميعًا من نعت {ربّكم} فكأنّه قال: اعبدوا ربّكم الخالقكم، والخالق الّذين من قبلكم، الجاعل لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا وموطئًا وقرارًا يستقرّ عليها. يذكر ربّنا جلّ ذكره بذلك من قيله عبادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، ليذكروا أياديه عندهم فينيبوا إلى طاعته، تعطّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجةٍ منه إلى عبادتهم، ولكن ليتمّ نعمته عليهم ولعلّهم يهتدون.
- كما حدّثني موسى بن هارون، قال، حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «{الّذي جعل لكم الأرض فراشًا} فهي فراشٌ يمشي عليها، وهي المهاد والقرار».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة: {الّذي جعل لكم الأرض فراشًا} قال: «مهادًا لكم».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: «{الّذي جعل لكم الأرض فراشًا} أي مهادًا».). [جامع البيان: 1 / 387 - 388]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {والسّماء بناءً}.
قال أبو جعفرٍ: وإنّما سمّيت السّماء سماءً لعلوّها على الأرض وعلى سكّانها من خلقه، وكلّ شيءٍ كان فوق شيءٍ آخر فهو لما تحته سماءٌ.
ولذلك قيل لسقف البيت سماؤه، لأنّه فوقه مرتفعٌ عليه ولذلك قيل: سما فلانٌ لفلانٍ: إذا أشرف له وقصد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق:

سمونا لنجران اليماني وأهله ....... ونجران أرضٌ لم تديّث مقاوله

وكما قال نابغة بني ذبيان:

سمت لي نظرةٌ فرأيت منها ....... تحيت الخدر واضعة القرام

يريد بذلك: أشرفت لي نظرةٌ وبدت، فكذلك السّماء: سمّيت للأرض سماءً لعلوّها وإشرافها عليها.
- كما حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {والسّماء بناءً}، «إبنتى السّماء على الأرض كهيئة القبّة، وهي سقفٌ على الأرض».
- وحدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: في قول اللّه {والسّماء بناءً} قال: «جعل السّماء سقفًا لك».
وإنّما ذكر السّماء والأرض جلّ ثناؤه فيما عدّد عليهم من نعمه الّتي أنعمها عليهم، لأنّ منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أنّ الّذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النّعم هو المستحقّ عليهم الطّاعة والمستوجب منهم الشّكر والعبادة دون الأصنام والأوثان الّتي لا تضرّ ولا تنفع). [جامع البيان: 1 / 388 - 390]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقًا لكم}.
يعني بذلك أنّه أنزل من السّماء مطرًا، فأخرج بذلك المطر ممّا أنبتوه في الأرض من زرعهم وغرسهم ثمراتٍ رزقًا لهم غذاءً وأقواتًا. فنبّههم بذلك على قدرته وسلطانه، وذكّرهم به آلاءه لديهم، وأنّه هو الّذي خلقهم وهو الّذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له ندًّا وعدلاً من الأوثان والآلهة، ثمّ زجرهم عن أن يجعلوا له ندًّا مع علمهم بأنّ ذلك كما أخبرهم، وأنّه لا ندّ له ولا عدل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سواه). [جامع البيان: 1 / 390]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادًا}
قال أبو جعفرٍ: والأنداد، جمع ندٍّ، والنّدّ: العدل والمثل، كما قال حسّان بن ثابتٍ:


أتهجوه ولست له بندٍّ ....... فشرّكما لخيركما الفداء


يعني بقوله: ولست له بندٍّ: لست له بمثلٍ ولا عدلٍ. وكلّ شيءٍ كان نظير الشّيء وشبيهًا فهو له ندٌّ.
- كما حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} «أي عدلا».
- وحدّثني المثنّى، قال: حدّثني أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} «أي عدلا».
- وحدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} قال: «أكفاء من الرّجال تطيعونهم في معصية اللّه».
- وحدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قول اللّه: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} قال: «الأنداد: الآلهة الّتي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له».
- وحدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} قال: «أشباهًا».
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمة: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} «أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللّصّ الدّار، ولولا كلبنا صاح في الدّار ونحو هذا».
فنهاهم اللّه تعالى أن يشركوا به شيئًا وأن يعبدوا غيره، أو يتّخذوا له ندًّا وعدلاً في الطّاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقى الّذي أرزقكم، وملكي إيّاكم، ونعمتي الّتي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطّاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًّا من خلقي، فإنّكم تعلمون أنّ كلّ نعمةٍ عليكم منّي). [جامع البيان: 1 / 390 - 392]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأنتم تعلمون}
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في الّذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها جميع المشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب.
وقال بعضهم: عني بذلك أهل الكتابين: التّوراة، والإنجيل.
ذكر من قال: عني بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفّار أهل الكتابين.
- حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «نزل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفّار والمنافقين. وإنّما عني بقوله: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} أي لا تشركوا باللّه غيره من الأنداد الّتي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنّه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أنّ الّذي يدعوكم إليه الرّسول من توحيده هو الحقّ لا شكّ فيه».
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة، في قوله: {وأنتم تعلمون} «أي تعلمون أنّ اللّه خلقكم وخلق السّموات والأرض، ثمّ تجعلون له أندادًا».
ذكر من قال: عني بذلك أهل الكتابين
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} « أنّه إلهٌ واحدٌ في التّوراة والإنجيل».
- وحدّثني المثنّى بن إبراهيم قال: حدّثنا قبيصة قال: حدّثنا سفيان، عن مجاهدٍ مثله.
- وحدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وأنتم تعلمون}، يقول: «وأنتم تعلمون أنّه لا ندّ له في التّوراة والإنجيل».
قال أبو جعفرٍ: وأحسب أنّ الّذي دعا مجاهدًا إلى هذا التّأويل، وإضافة ذلك إلى أنّه خطابٌ لأهل التّوراة والإنجيل دون غيرهم، الظّنّ منه بالعرب أنّها لم تكن تعلم أنّ اللّه خالقها ورازقها بجحودها وحدانيّة ربّها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإنّ ذلك لقولٌ، ولكنّ اللّه جلّ ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنّها كانت تقرّ بوحدانيّةٍ، غير أنّها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جلّ ثناؤه: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ اللّه}، وقال: {قل من يرزقكم من السّماء والأرض أمّن يملك السّمع والأبصار ومن يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ ومن يدبّر الأمر فسيقولون اللّه فقل أفلا تتّقون}.
قال أبو جعفرٍ: والّذي هو أولى بتأويل قوله: {وأنتم تعلمون} إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانيّة اللّه، وأنّه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم، نظير الّذي كان من ذلك عند أهل الكتابين. ولم يكن في الآية دلالةٌ على أنّ اللّه جلّ ثناؤه عنى بقوله: {وأنتم تعلمون} أحد الحزبين، بل مخرج الخطاب بذلك عامٌ للنّاس كافّةً، لأنّه تحدّى النّاس كلّهم بقوله: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم} أن يكون تأويله ما قاله ابن عبّاسٍ وقتادة، من أنّه يعني بذلك كلّ مكلّفٍ عالمٍ بوحدانيّة اللّه، وأنّه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره، كائنًا من كان من النّاس، عربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا أو أمّيًّا، وإن كان الخطاب لكفّار أهل الكتاب الّذين كانوا حوالي دار هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأهل النّفاق منهم وممّن بين ظهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النّفاق بمقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم). [جامع البيان: 1 / 392 - 395]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({الّذي جعل لكم الأرض فراشًا والسّماء بناءً وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون (22)}
قوله تعالى:{الّذي جعل لكم الأرض فراشًا}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ- يعني الرّازيّ- عن الرّبيع، عن أبي العالية: {الّذي جعل لكم الأرض فراشا} قال: «مهادا».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {الّذي جعل لكم الأرض فراشًا} « أمّا فراشًا فهي فراشٌ يمشى عليها وهي المهاد والقرار».
وروي عن قتادة والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 60 - 61]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {والسّماء بناءً}
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن بشّارٍ، ثنا وهب بن جريرٍ ثنا أبي قال: سمعت محمد ابن إسحاق يحدّث عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمّد بن جبير بن مطعمٍ، عن أبيه عن جدّه: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «ويحك! أتدري ما اللّه؟ إنّ اللّه على عرشه وعرشه على سماواته وسماواته، على أرضيه هكذا». وقال بإصبعه مثل القبّة.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {والسّماء بناءً} «أمّا السّماء بناءً، فبناء السّماء على الأرض كهيئة القبّة وهي سقفٌ على الأرض». وروي عن قتادة نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 61]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأنزل من السّماء ماءً}
- حدّثنا أحمد بن الفضل العسقلانيّ ثنا بشر بن بكير حدثني أمّ عبد اللّه يعني- ابنة خالد بن معدان عن أبيها، قال: «إنّ المطر ماءٌ يخرج من تحت العرش فينزل من سماءٍ إلى سماءٍ حتّى يجتمع في السّماء الدّنيا فيقع في شيءٍ يقال له الإبزم فيجتمع فيه ثم يجئ السّحاب السّوداء فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها اللّه حيث يشاء».
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عباد بن العراء ثنا سفيان بن حسينٍ، عن الحكم عن أبي ظبيان عن ابن عبّاسٍ قال: «يرسل الله الريح فتسل الماء من السّحاب فيمرّ به السّحاب فتدرّه كما تدر الناقة وثجاج مثل الغزالي غير أنّه مفرّقٌ».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 61]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فأخرج به من الثّمرات رزقًا لكم}
- حدّثنا أبي، ثنا عليّ بن جعفرٍ الأحمر ثنا محمّد بن سليمان بن الأصبهانيّ، عن عمّه عبد الرّحمن عن عكرمة قال: «ما أنزل اللّه من السّماء قطرةً إلا أنبت بها في الأرض عشبةً أو في البحر لؤلؤةً».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 61]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {فلا تجعلوا للّه أندادًا}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا بشر- يعني: بن عمارة- عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} قال: «أشباهًا».
- حدّثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصمٍ الضّحّاك بن مخلدٍ: حدثني أبو عمر، حدّثني أبو عاصمٍ، أنبأ شبيب بن بشرٍ، ثنا عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} قال: «الأنداد هو الشّرك أخفى من دبيب النّمل على صفاةٍ سوداء، في ظلمة اللّيل. وهو أن يقول: واللّه، وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللّصوص، ولولا البطّ في الدّار لأتى اللّصوص. وقول الرّجل لصاحبه: ما شاء اللّه وشئت، وقول الرّجل: لولا اللّه وفلانٌ. لا تجعل فيها فلان، فإنّ هذا كلّه به شركٌ».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ عن الرّبيع عن أبي العالية في قوله: {أندادًا} «أي عدلا شركًا».- وروي عن الرّبيع بن أنسٍ وقتادة والسّدّيّ وأبي مالكٍ وإسماعيل بن أبي خالدٍ نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 62]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأنتم تعلمون}
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد ابن إسحاق، قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} «أي لا تشركوا باللّه غيره من الأنداد الّتي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنّه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم الّذي يدعوكم إليه الرّسول من توحيده هو الحقّ لا يشكّ فيه».
- أخبرني عمرو بن ثورٍ القيساريّ فيما كتب إليّ، ثنا الفريابيّ ثنا سفيان، عمّن حدّثه عن مجاهدٍ في قوله: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} قال: «تعلمون أنّه إلهٌ واحدٌ في التّوراة والإنجيل».
- حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ عن قتادة: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} «أنّ اللّه خلقكم وخلق السّماوات والأرض، ثمّ أنتم تجعلون له أندادًا».). [تفسير القرآن العظيم: 1 / 62]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}
- أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} قال: «هي فراش يمشي عليها وهي المهاد والقرار»، {والسماء بناء} قال: «بنى السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض».
- وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت المواشي، استسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله» فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال: «ويحك أتدري ما الله إن شأنه أعظم من ذاك وإنه لا يستشفع به على أحد وإنه لفوق سمواته على عرشه وعرشه على سمواته وسمواته على أرضيه هكذا - وقال بأصابعه مثل القبة - وإنه لئط به أطيط الرحل بالراكب».
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن إياس بن معاوية قال: «السماء مقببة على الأرض مثل القبة».
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: «شيء من أطراف السماء محدق بالأرضين والبحار كأطراف الفسطاط».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي برة قال: «ليست السماء مربعة ولكنها مقببة يراها الناس خضراء».). [الدر المنثور: 1 / 179 - 181]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم}.
- أخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن، أنه سئل المطر من السماء أم من السحاب قال: «من السماء إنما السحاب علم ينزل عليه الماء من السماء».
- وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: «لا أدري المطر أنزل قطرة من السماء في السحاب أم خلق في السحاب فأمطر».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: «السحاب غربال المطر ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض والبذر ينزل من السماء».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال:«المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حيث يجمع في السماء الدنيا فيجتمع في موضع يقال له الأبزم فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها الله حيث يشاء».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: «ينزل الماء من السماء السابعة فتقع القطرة منه على السحابة مثل البعير».
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال: «المطر منه من السماء ومنه ماء يسقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات وأما النبات فما كان من السماء».
- وأخرج ابن ابي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: «ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة».
- وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن ابن عباس قال: «إذا جاء القطر من السحاب تفتحت له الأصداف فكان لؤلؤا».
- وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: «يخلق الله اللؤلؤ في الأصداف من المطر تفتح الأصداف أفواهها عند المطر فاللؤلؤة العظيمة من القطرة العظيمة واللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة».
- وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن المطلب بن حنطب، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء».
- وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: «ما نزل مطر من السماء إلا ومعه البذر، أما أنكم لو بسطتم نطعا لرأيتموه».
- وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: «المطر مزاجه من الجنة فإذا عظم المزاج عظمت البركة وإن قل المطر وإذا قل المزاج قلت البركة وإن كثر المطر».
- وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: «ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة ويكتبون حيث يقع ذلك المطر ومن يرزقه وما يخرج منه مع كل قطرة».). [الدر المنثور: 1 / 182 - 185]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}.
- أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فلا تجعلوا لله أندادا} «أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع {وأنتم تعلمون} أنه لا رب لكم يرزقكم غيره».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «الأنداد هو الشرك».
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {الأنداد} قال: «أشباها».
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {فلا تجعلوا لله أندادا} قال: «أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله».
- وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله عز وجل {أندادا} قال: «الأشباه والأمثال»، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: «نعم، أما سمعت قول لبيد:

أحمد الله فلا ند له ....... بيديه الخير ما شاء فعل»

- وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {أندادا} قال: «شركاء».
- وأخرج ابن أبي حاتم عن عوف بن عبد الله قال: خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم من المدينة فسمع مناديا ينادي للصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على الفطرة»، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: «خلع الأنداد».
- وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي، وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: «جعلتني لله ندا ما شاء الله وحده».
- وأخرج ابن سعد عن قتيلة بنت صيفي قال: جاء حبر من الأحبار إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون قال: «وكيف»، قال: يقول أحدكم: لا والكعبة، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنه قد قال فمن حلف فليحلف برب الكعبة»، فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم {وتجعلون له أندادا} قال: «وكيف ذلك»، قال: يقول أحدكم ما شاء الله وشئت، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم للحبر: «أنه قد قال فمن قال منكم فليقل ما شاء ثم شئت».
- وأخرج أحمد، وابن ماجه والبيهقي عن طفيل بن سخبرة أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فخطب فقال: «إن طفيلا رأى رؤيا وأنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم فلا تقولوها ولكن قولوا: ما شاء الله وحده لا شريك له».
- وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن حذيفة ابن اليمان عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان».
- وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله: {فلا تجعلوا لله أندادا} «أي عدلاء»، {وأنتم تعلمون} قال: «إن الله خلقكم وخلق السموات والأرض»
- وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {فلا تجعلوا لله أندادا} «أي عدلاء»، {وأنتم تعلمون} قال: «تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل لا ند له».). [الدر المنثور: 1 / 185 - 188]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:44 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (21)} معناه: أن الله احتجّ على العرب بأنه خالقهم وخالق من قبلهم؛ لأنّهم كانوا مقرين بذلك، والدليل على ذلك قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله}، قيل لهم: إن كنتم مقرين بأنه خالقكم؛ فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام.
وقوله {لعلكم تتقون} معناه: تتقون الحرمات بينكم، وتكفون عما تأتون مما حرمه اللّه، فأما "لعل" وفيها قولان ههنا، عن بعض أهل اللغة: أحدهما: معناها: كي تتقوا، والذي يذهب إليه سيبويه في مثل هذا أنه ترج لهم، كما قال في قصة فرعون: {لعلّه يتذكّر أو يخشى} كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما، واللّه عزّ وجلّ من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمر فرعون.
وأما إعراب {يا أيّها}: فـ"أي" اسم مبهم مبني على الضم؛ لأنه منادى مفرد، و"الناس" صفة لـ"أي" لازمة، تقول: (يا أيها الرجل أقبل)، ولا يجوز: (يا لرجل)؛ لأن "يا" تنبيه بمنزلة التّعريف في الرجل، فلا يجمع بين "يا" وبين الألف واللام فتصل إلى الألف واللام بـ"أي"، و"ها" لازمة لـ"أي" للتّنبيه، وهي عوض من الإضافة في "أي"؛ لأن أصل "أي": أن تكون مضافة في الاستفهام والخبر.
وزعم سيبويه، عن الخليل: أن المنادى المفرد مبني، وصفته مرفوعة رفعا ًصحيحاً؛ لأن النداء يطرد في كل اسم مفرد، فلما كانت البنية مطردة في المفرد خاصة؛ شبه بالمرفوع فرفعت صفته.
والمازني يجيز في (يا أيها الرجل) النصب في "الرجل"، ولم يقل بهذا القول أحد من البصريين غيره، وهو قياس؛ لأن موضع المفرد المنادى نصب، فحملت صفته على موضعه، وهذا في غير: (يا أيها الرجل) جائز عند جميع النحويين نحو قولك: (يا زيدُ الظريفُ) و(الظريفَ)، والنحويون لا يقولون إلا (يا أيها الرجل)، (يا أيها الناس)، والعرب لغتها في هذا الرفع ولم يرد عنها غيره، وإنما المنادى في الحقيقة "الرجل"، ولكن "أيّ" صلة إليه، وقال أبو الحسن الأخفش: إن "الرجل" أن يكون صلة لـ"أي" أقيس، وليس أحد من البصريين يتابعه على هذا القول). [معاني القرآن: 1 / 96-99]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({الّذي جعل لكم الأرض فراشاً} أي: مهاداً ذللّها لكم فصارت مهاداً.
{فلا تجعلوا لله أنداداً}: واحدها ندٌّ، معناها: أضداد، قال حسّان:

أتـهـجـوه ولـســت لـــه بــنٍــدّ فشرّكما لخيركما الفداء).

[مجاز القرآن: 1 / 34]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({الّذي جعل لكم الأرض فراشاً والسّماء بناءً وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقاً لّكم فلا تجعلوا للّه أنداداً وأنتم تعلمون}
قوله: {فلا تجعلوا للّه أنداداً} فقطع الألف؛ لأنه اسم تثبت الألف فيه في التصغير، فإذا صغرت قلت: "أنيداداً".
وواحد "الأنداد": ندٌّ. و"الندّ": المثل). [معاني القرآن: 1 / 40]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({أندادا}: واحدهم ند، ويقال نديد وهو شبيه). [غريب القرآن وتفسيره: 66]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ)
: ({أنداداً}: أي: شركاء أمثالا. يقال: هذا ندّ هذا ونديده، {وأنتم تعلمون} أي: تعقلون). [تفسير غريب القرآن: 43]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {الّذي جعل لكم الأرض فراشا والسّماء بناء وأنزل من السّماء ماء فأخرج به من الثّمرات رزقا لكم فلا تجعلوا للّه أندادا وأنتم تعلمون} معناه: وطاء، لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها.
وقوله: {والسماء بناء}: كل ما علا على الأرض فاسمه "بناء"، ومعناه: إنه جعلها سقفاً، كما قال عزّ وجلّ: {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً}.
ويجوز في قوله: {جعل لكم الأرض} وجهان: الإدغام والإظهار، تقول: "جعلَ لكم" و"جعلْ لكم الأرض"، فمن أدغم: فلاجتماع حرفين من جنس واحد وكثرة الحركات، ومن أظهر -وهو الوجه وعليه أكثر القراء-: فلأنهما منفصلان من كلمتين.
وقوله عزّ وجلّ: {فلا تجعلوا للّه أندادا وأنتم تعلمون} هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأنه الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله أمثالاً، وأنتم تعلمون أنهم لا يخلقون واللّه الخالق. وفي اللغة: فلان ندّ فلان ونديد فلان، قال جرير:

أتـيـمـا تجـعـلـون إلــــيّ نــــدّا وما تيم لذي حسب نديد

فهذه الآية والتي قبلها احتجاج عليهم في تثبيت توحيد اللّه عزّ وجلّ.
ثم احتج عليهم فيما يلي هذه الآية بتثبيت أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين (23)}). [معاني القرآن: 1 / 99-100]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (و"الفراش": المهد). [ياقوتة الصراط: 171]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (و"الند": المِثْل، ومنه قوله عز وجل: {فلا تجعلوا لله أنداداً} أي: أمثالاً).
[ياقوتة الصراط: 172]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({أَندَاداً}: أشباهاً). [العمدة في غريب القرآن: 71]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11 جمادى الأولى 1434هـ/22-03-2013م, 01:56 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]


تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (والند يقع على معنيين متضادين؛ يقال: فلان
ند فلان إذا كان ضده، وفلان نده إذا كان مثله؛ وفسر الناس قول الله جل وعز: {فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون} على جهتين:
قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: «معناه فلا تجعلوا لله أعدالا، فالأعدال جمع عِدْل والعِدْل المثل».
وقال أبو العباس، عن الأثرم، عن أبي عبيدة: {فلا تجعلوا لله أندادًا} أضدادا.
ويقال: فلان ندي، ونديدي، ونديدتي، فالثلاث اللغات بمعنى واحد.
قال حسان لأبي سفيان بن الحارث:


أتهجـوه ولسـت لــه بـنـد فشركما لخيركما الفداء

وقال لبيد:


أحـمــد الله فـــلا نــــد لــــه بيديه الخير ما شاء فعل


وقال الآخر:


أتـيـمـا تجـعـلـون إلــــي نــــدا وما تيم لذي حسب نديد


وقال لبيد في إدخال الهاء:


لكي لا يكون السندري نديدتي وأشـتــم أقـوامــا عـمـومـا عمـاعـمـا


العماعم: الجماعات. ويروى: «وعما عماعما»، فالعم الرجال البالغون. ويستعمل في غير الرجال أيضا، اشترى بعض الشعراء نخلا، بعضه بالغ، وبعضه غير بالغ، فعذل في ذلك، فقال:


فـعــم لـعـمـكـم نــافــع وطفل لطفلكم يؤمل


أراد: فالبالغ من النخل ينفع الرجال البالغين، والذي ليس ببالغ ينفع الأطفال، ويؤمل بلوغه لهم؛ وإنما دخلت الهاء في «نديدة» للمبالغة، كما قالوا: رجل علامة ونسابة، وجاءني كريمة القوم؛ يراد به البالغ في الكرم، المشبه بالداهية. ويقولون في الذم: رجل هلباجة، إذا كان أحمق، فيشبهونه بالهيمة.
ويقال في تثنية الند: ندان، وفي جمعه أنداد. ومن العرب من لا يثنيه ولا يجمعه ولا يؤنثه؛ فيقول: الرجلان ندي، والرجال ندي، والمرأة ندي، والنساء ندي، كما قالوا: القوم مثلي، والقوم أمثالي؛ قال الله عز وجل: {ثم لا يكونوا أمثالكم}، وقال تبارك وتعالى في موضع آخر: {إنكم إذا مثلهم}
ومجرى «ند» إذا وحد مجرى قولهم: رجل كرم، ورجال كرم، ونساء كرم، ومنزل حمد، ودار حمد، أي محمودة، ورجال شرط وقزم؛ إذا كانوا سقاطا لا أقدار لهم). [كتاب الأضداد: 23-26]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (21) الّذي جعل لكم الأرض فراشاً والسّماء بناءً وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا للّه أنداداً وأنتم تعلمون (22)}
«يا» حرف نداء، وفيه تنبيه، و «أي» هو المنادى.
قال أبو علي: «اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفا فكان يجتمع تعريفان، و «ها» تنبيه وإشارة إلى المقصود، وهي بمنزلة ذا في الواحد، والنّاس نعت لازم لأي».
وقال مجاهد: «يا أيّها النّاس حيث وقع في القرآن مكي، ويا أيّها الّذين آمنوا مدني».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدني (يا أيّها النّاس)، وأما قوله في (يا أيّها الّذين آمنوا) فصحيح.
وقوله تعالى: {اعبدوا ربّكم} معناه وحدوه وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم.
و «لعل» في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى بمعنى ترجّ وتوقّع.
وقال سيبويه ورؤساء اللسان: هي على بابها، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى، و{لعلّكم} متعلقة بقوله: {اعبدوا ربّكم}، ويتجه تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل مولود على الفطرة فهو إن تأمله متأمل توقّع له ورجا أن يكون متقيا.
و{تتّقون} مأخوذ من الوقاية، وأصله «توتقيون» نقلت حركة الياء إلى القاف وحذفت للالتقاء مع الواو الساكنة وأدغمت الواو الأولى في التاء). [المحرر الوجيز: 1 / 143-144]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {الّذي جعل} نصب على إتباع الذي المتقدم، ويصح أن يكون مرفوعا على القطع.
وما ذكر مكي من إضمار أعني أو مفعول ب تتّقون فضعيف.
و{جعل} بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين، و{فراشاً} معناه تفترشونها وتستقرون عليها، و{ما في الأرض} مما ليس بفراش كالجبال والبحار فهو من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد والبحار يركب فيها إلى سائر منافعها، و{السّماء} قيل هو اسم مفرد جمعه «سماوات»، وقيل هو جمع واحده «سماوة»، وكل ما ارتفع عليك في الهواء فهو سماء، والهواء نفسه علوا يقال له «سماء»، ومنه الحديث:
«خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعا»، واللفظة من السمو وتصاريفه.
وقوله تعالى: {بناءً} تشبيه بما يفهم، كما قال تعالى: {والسّماء بنيناها بأيدٍ} [الذاريات: 47].
وقال بعض الصحابة: «بناها على الأرض كالقبة».
وقوله: وأنزل من السّماء يريد السحاب، سمي بذلك تجوزا لما كان يلي السماء ويقاربها وقد سموا المطر سماء للمجاورة، ومنه قول الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قوم ....... رعيناه وإن كانوا غضابا

فتجوز أيضا في رعيناه، فبتوسط المطر جعل السماء عشبا، وأصل ماءً موه يدل على ذلك قولهم في الجمع مياه وأمواه، وفي التصغير مويه، وانطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك، أي هي معدة أن يصح الانتفاع بها فهي رزق، ورد بهذه الآية بعض الناس قول المعتزلة إن الرزق ما يصح تملكه، وليس الحرام برزق، وواحد الأندادند، وهو المقاوم والمضاهي كان مثلا أو خلافا أو ضدا، ومن حيث قاوم وضاهى فقد حصلت مماثلة ما.
وقال أبو عبيدة معمر والمفضل: الضد الند، وهذا التخصيص منهما تمثيل لا حصر.
واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية؟
فقالت جماعة من المفسرين: المخاطب جميع المشركين. فقوله على هذا: وأنتم تعلمون يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار، وقيل المراد كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم، أن الله لا ند له.
وقال ابن فورك: «يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين»، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد. وهذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرق من جعل لله ندا، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله، لا رب غيره). [المحرر الوجيز: 1 / 144-146]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 06:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال اللّه تعالى: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم} للفريقين جميعًا من الكفّار والمنافقين، أي: وحّدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم». ). [تفسير ابن كثير: 1 / 195] (م)

تفسير قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (21) الّذي جعل لكم الأرض فراشًا والسّماء بناءً وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون (22) }
شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانيّة ألوهيّته، بأنّه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعم الظّاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشًا، أي: مهدًا كالفراش مقرّرة موطّأةً مثبّتةً بالرّواسي الشّامخات، {والسّماء بناءً} وهو السّقف، كما قال في الآية الأخرى: {وجعلنا السّماء سقفًا محفوظًا وهم عن آياتها معرضون} [الأنبياء: 32] وأنزل لهم من السّماء ماءً -والمراد به السّحاب هاهنا-في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزّروع والثّمار ما هو مشاهدٌ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرّر هذا في غير موضعٍ من القرآن. ومن أشبه آيةٍ بهذه الآية قوله تعالى: {اللّه الّذي جعل لكم الأرض قرارًا والسّماء بناءً وصوّركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطّيّبات ذلكم اللّه ربّكم فتبارك اللّه ربّ العالمين} [غافرٍ: 64] ومضمونه: أنّه الخالق الرّازق مالك الدّار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحقّ أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره؛ ولهذا قال: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} وفي الصّحيحين عن ابن مسعودٍ، قال: قلت: يا رسول اللّه، أيّ الذّنب أعظم؟ قال: «أن تجعل للّه ندًّا، وهو خلقك». الحديث. وكذا حديث معاذ: «أتدري ما حقّ اللّه على عباده؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا» الحديث. وفي الحديث الآخر: «لا يقولنّ أحدكم: ما شاء اللّه وشاء فلانٌ، ولكن ليقل ما شاء اللّه، ثمّ شاء فلانٌ».
وقال حمّاد بن سلمة: حدّثنا عبد الملك بن عميرٍ، عن ربعيّ بن حراش، عن الطّفيل بن سخبرة، أخي عائشة أمّ المؤمنين لأمّها، قال: رأيت فيما يرى النّائم، كأنّي أتيت على نفرٍ من اليهود، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود، قلت: إنّكم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: عزير ابن اللّه. قالوا: وإنّكم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمّدٌ. قال: ثمّ مررت بنفرٍ من النّصارى، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النّصارى. قلت: إنّكم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: المسيح ابن اللّه. قالوا: وإنّكم لأنتم القوم لولا أنّكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمّدٌ. فلمّا أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثمّ أتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته، فقال: «هل أخبرت بها أحدًا؟ » فقلت: نعم. فقام، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: «أمّا بعد، فإنّ طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنّكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء اللّه وشاء محمّدٌ، ولكن قولوا: ما شاء اللّه وحده». هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حمّاد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه من وجهٍ آخر، عن عبد الملك بن عميرٍ به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيدٍ الثّوريّ، عن الأجلح بن عبد اللّه الكنديّ، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رجلٌ للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما شاء اللّه وشئت. فقال: «أجعلتني للّه ندًّا ؟ قل: ما شاء اللّه وحده». رواه ابن مردويه، وأخرجه النّسائيّ، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به.
وهذا كلّه صيانةٌ، وحمايةٌ لجناب التّوحيد، واللّه أعلم.
وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال اللّه تعالى: {يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم} للفريقين جميعًا من الكفّار والمنافقين، أي: وحّدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم».
وبه عن ابن عبّاسٍ: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} «أي: لا تشركوا باللّه غيره من الأنداد الّتي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنّه لا ربّ لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من توحيده هو الحقّ الّذي لا شكّ فيه». وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصمٍ، حدّثنا أبي عمرٌو، حدّثنا أبي الضّحّاك بن مخلدٍ أبو عاصمٍ، حدّثنا شبيب بن بشرٍ، حدّثنا عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قول اللّه، عزّ وجلّ {فلا تجعلوا للّه أندادًا [وأنتم تعلمون]} قال: «الأنداد هو الشّرك، أخفى من دبيب النّمل على صفاة سوداءٍ في ظلمة اللّيل، وهو أن يقول: واللّه وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللّصوص، ولولا البطّ في الدّار لأتى اللّصوص، وقول الرّجل لصاحبه: ما شاء اللّه وشئت، وقول الرّجل: لولا اللّه وفلانٌ. لا تجعل فيها "فلان". هذا كلّه به شركٌ».
وفي الحديث: أنّ رجلًا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما شاء اللّه وشئت، فقال: «أجعلتني للّه ندًّا». وفي الحديث الآخر: "نعم القوم أنتم، لولا أنّكم تندّدون، تقولون: ما شاء اللّه، وشاء فلانٌ".
قال أبو العالية: {فلا تجعلوا للّه أندادًا} «أي عدلاء شركاء». وهكذا قال الرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، والسّدي، وأبو مالكٍ: وإسماعيل بن أبي خالدٍ.
وقال مجاهدٌ: {فلا تجعلوا للّه أندادًا وأنتم تعلمون} قال: «تعلمون أنّه إلهٌ واحدٌ في التّوراة والإنجيل».
ذكر حديثٍ في معنى هذه الآية الكريمة:
قال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا أبو خلفٍ موسى بن خلفٍ، وكان يعد من البدلاء، حدّثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، عن زيد بن سلّامٍ، عن جدّه ممطورٍ، عن الحارث الأشعريّ، أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ، أمر يحيى بن زكريّا، عليه السّلام، بخمس كلماتٍ أن يعمل بهنّ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، وكان يبطئ بها، فقال له عيسى، عليه السّلام: إنّك قد أمرت بخمس كلماتٍ أن تعمل بهنّ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإمّا أن تبلغهنّ، وإمّا أن أبلغهنّ. فقال: يا أخي، إنّي أخشى إن سبقتني أن أعذّب أو يخسف بي». قال: «فجمع يحيى بن زكريّا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتّى امتلأ المسجد، فقعد على الشّرف، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ اللّه أمرني بخمس كلماتٍ أن أعمل بهنّ، وآمركم أن تعملوا بهنّ، وأوّلهنّ: أن تعبدوا اللّه لا تشركوا به شيئًا، فإنّ مثل ذلك مثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهبٍ، فجعل يعمل ويؤدّي غلّته إلى غير سيّده فأيّكم يسرّه أن يكون عبده كذلك؟ وإنّ اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصّلاة؛ فإنّ اللّه ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صلّيتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصّيام، فإنّ مثل ذلك كمثل رجلٍ معه صرّةً من مسكٍ في عصابةٍ، كلّهم يجد ريح المسك. وإنّ خلوف فم الصّائم عند اللّه أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصّدقة؛ فإنّ مثل ذلك كمثل رجلٍ أسره العدوّ، فشدّوا يديه إلى عنقه، وقدّموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتّى فكّ نفسه. وأمركم بذكر اللّه كثيرًا؛ وإنّ مثل ذلك كمثل رجلٍ طلبه العدوّ سراعا في أثره، فأتى حصنًا حصينًا فتحصّن فيه، وإنّ العبد أحصن ما يكون من الشّيطان إذا كان في ذكر اللّه».
قال: وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «وأنا آمركم بخمسٍ اللّه أمرني بهنّ: الجماعة، والسّمع، والطّاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللّه؛ فإنّه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلّا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهليّةٍ فهو من جثيّ جهنّم». قالوا: يا رسول اللّه، وإن صام وصلّى ؟ فقال: «وإن صلّى وصام وزعم أنّه مسلمٌ؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سمّاهم اللّه عزّ وجلّ: المسلمين المؤمنين عباد اللّه».
هذا حديثٌ حسنٌ، والشّاهد منه في هذه الآية قوله: «وإنّ اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا».
وهذه الآية دالّةٌ على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدلّ به كثيرٌ من المفسّرين كالرّازيّ وغيره على وجود الصّانع فقال: وهي دالّةٌ على ذلك بطريق الأولى، فإنّ من تأمّل هذه الموجودات السّفليّة والعلويّة واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النّفع بها محكمةٌ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل: ما الدّليل على وجود الرّبّ تعالى؟ فقال: يا سبحان اللّه، إنّ البعرة لتدلّ على البعير، وإنّ أثر الأقدام لتدلّ على المسير، فسماءٌ ذات أبراجٍ، وأرضٌ ذات فجاجٍ، وبحارٌ ذات أمواجٍ؟ ألا يدلّ ذلك على وجود اللّطيف الخبير؟
وحكى فخر الدّين عن الإمام مالكٍ أنّ الرّشيد سأله عن ذلك فاستدلّ باختلاف اللّغات والأصوات والنّغمات، وعن أبي حنيفة أنّ بعض الزّنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإنّي مفكّرٌ في أمرٍ قد أخبرت عنه ذكروا لي أنّ سفينةً في البحر موقرةٌ فيها أنواعٌ من المتاجر وليس بها أحدٌ يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتّى تتخلّص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحدٌ. فقالوا: هذا شيءٌ لا يقوله عاقلٌ، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلويّ والسّفليّ وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانعٌ!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحقّ وأسلموا على يديه.
وعن الشّافعيّ: أنّه سئل عن وجود الصّانع، فقال: هذا ورق التّوت طعمه واحدٌ تأكله الدّود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النّحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشّاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظّباء فيخرج منها المسك وهو شيءٌ واحدٌ.
وعن الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصنٌ حصينٌ أملس، ليس له باب ولا منفذٌ، ظاهره كالفضّة البيضاء، وباطنه كالذّهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوانٌ سميعٌ بصيرٌ ذو شكلٍ حسنٍ وصوتٍ مليحٍ، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدّجاجة.
وسئل أبو نواسٍ عن ذلك فأنشد:

تأمّل في نبات الأرض وانظر ....... إلى آثار ما صنع المليك
عيونٌ من لجينٍ شاخصاتٌ ....... بأحداقٍ هي الذّهب السّبيك
على قضب الزّبرجد شاهداتٌ ....... بأنّ اللّه ليس له شريك

وقال ابن المعتزّ:

فيا عجبًا كيف يعصى الإله ....... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيءٍ له آيةً ....... تدلّ على أنّه واحد

وقال آخرون: من تأمّل هذه السّماوات في ارتفاعها واتّساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصّغار المنيرة من السّيّارة ومن الثّوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كلّ يومٍ وليلةٍ دويرةٌ ولها في أنفسها سيرٌ يخصّها، ونظر إلى البحار الملتفّة للأرض من كلّ جانبٍ، والجبال الموضوعة في الأرض لتقرّ ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال: {ومن الجبال جددٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانها وغرابيب سودٌ * ومن النّاس والدّوابّ والأنعام مختلفٌ ألوانه كذلك إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء} [فاطرٍ: 27، 28] وكذلك هذه الأنهار السّارحة من قطرٍ إلى قطرٍ لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوّعة والنّبات المختلف الطّعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتّحاد طبيعة التّربة والماء، علم وجود الصّانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبرّه بهم لا إله غيره ولا ربّ سواه، عليه توكّلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدّالّة على هذا المقام كثيرةٌ جدًّا). [تفسير ابن كثير: 1 / 194-198]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:00 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة