العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 09:41 AM
عبد العزيز الداخل عبد العزيز الداخل غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,020
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (6) إلى الآية (10) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (6) إلى الآية (10) ]

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) }




رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 02:16 AM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا}
اختلف أهل التّأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؛ فكان ابن عبّاسٍ يقول، كما حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك من ربّك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما قد جاءنا من قبلك ».
فكان ابن عبّاسٍ يرى أنّ هذه الآية نزلت في اليهود الّذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توبيخًا لهم في جحودهم نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكذيبهم به، مع علمهم به ومعرفتهم بأنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم وإلى النّاس كافّةً.
- وقد حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ صدر، سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجالٍ سمّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود، ومن المنافقين من الأوس والخزرج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم.
وقد روي عن ابن عبّاسٍ في تأويل ذلك قولٌ آخر.
- وهو ما حدّثنا به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنى معاويه بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على أن يؤمن جميع النّاس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره اللّه جلّ ثناؤه أنّه لا يؤمن إلاّ من سبق من اللّه السّعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلاّ من سبق له من اللّه الشّقاء في الذّكر الأوّل».
- وقال آخرون بما حدّثت به، عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال:«آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، إلى قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ} قال: وهم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار} قال: فهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ».
وأولى هذه التّأويلات بالآية تأويل ابن عبّاسٍ الّذي ذكره محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ عنه؛ وإن كان لكلّ قولٍ ممّا قاله الّذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهبٌ.
فأمّا مذهب من تأوّل في ذلك ما قاله الرّبيع بن أنسٍ، فهو أنّ اللّه تعالى ذكره لمّا أخبر عن قومٍ من أهل الكفر بأنّهم لا يؤمنون، وأنّ الإنذار غير نافعهم، ثمّ كان من الكفّار من قد نفعه اللّه بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه لإيمانه باللّه وبالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من عند اللّه بعد نزول هذه السّورة؛ لم يجز أن تكون الآية نزلت إلاّ في خاصٍّ من الكفّار. وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الأحزاب لا شكّ أنّهم ممّن لم ينفعه اللّه عزّ وجلّ بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه حتّى قتلهم اللّه تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ، علم أنّهم ممّن عنى اللّه جلّ ثناؤه بهذه الآية.
وأمّا علّتنا في اختيارنا ما اخترنا من التّأويل في ذلك، فهي أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم وذمّ أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإنّ الجنس يجمع جميعهم بأنّهم بنو إسرائيل.
وإنّما احتجّ اللّه جلّ ثناؤه بأوّل هذه السّورة لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الّذين كانوا مع علمهم بنبوّته منكرين نبوّته بإظهار نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانت تسرّه الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أنّ الّذي أطلعه على علم ذلك هو الّذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام، إذ كان ذلك من الأمور الّتي لم يكن محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيمكنهم ادّعاء اللّبس في أمره عليه الصّلاة والسّلام أنّه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند اللّه، وأنّى يمكنهم ادّعاء اللّبس في صدق أمّيٍّ نشأ بين أمّيّين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجّم، وانبعث على أخبار قرّاءٍ كتبةٍ، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم الّتي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إنّ أمر من كان كذلك لغير مشكلٍ، وإنّ صدقه والحمد للّه لبيّنٌ.
وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا من أنّ الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هم أحبار اليهود الّذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتصّ من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم} الآيات، واحتجاجه لنبيّه عليهم بما احتجّ به عليهم فيها عند جحودهم نبوّته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مؤمني أهل الكتاب وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطًا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعضٍ تبعٌ، إلاّ أن تأتي دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عمّا ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفًا حينئذٍ انصرافه عنه.
وأمّا معنى الكفر في قوله: {إنّ الّذين كفروا} فإنّه الجحود؛ وذلك أنّ الأحبار من يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وستروه عن النّاس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
وأصل الكفر عند العرب تغطية الشّيء ولذلك سمّوا اللّيل كافرًا لتغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشّاعر:

فتذكّرا ثقلاً رثيدًا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر

وقال لبيد بن ربيعة:

في ليلةٍ كفر النّجوم غمامها

يعني غطّاها.

فكذلك الأحبار من اليهود غطّوا أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وكتموه النّاس مع علمهم بنبوّته ووجودهم صفته في كتبهم. فقال اللّه جلّ ثناؤه فيهم: {إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون} وهم الّذين أنزل اللّه عزّ وجلّ فيهم: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}). [جامع البيان: 1/ 258 -262]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}
وتأويل {سواءٌ}: معتدلٌ، مأخوذٌ من التّساوي، كقولك: متساوٍ هذان الأمران عندي، وهما عندي سواءٌ؛ أي هما متعادلان عندي، ومنه قول اللّه جلّ ثناؤه: {فانبذ إليهم على سواءٍ} يعني بذلك أعلمهم وآذنهم بالحرب حتّى يستوي علمك وعلمهم بما عليه كلّ فريقٍ منهم للفريق الآخر. فكذلك قوله: {سواءٌ عليهم} معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم الإنذار أم ترك الإنذار لأنّهم كانوا لا يؤمنون، وقد ختمت على قلوبهم وسمعهم. ومن ذلك قول عبيد اللّه بن قيس الرّقيّات:

تقدت بي الشّهباء نحو ابن جعفرٍ ....... سواءٌ عليها ليلها ونهارها

يعني: بذلك: معتدلٌ عندها السّير في اللّيل والنّهار، لأنّه لا فتورٌ فيه. ومنه قول الآخر:

وليلٍ يقول المرء من ظلماته ....... سواءٌ صحيحات العيون وعورها

لأنّ الصّحيح لا يبصر فيه إلاّ بصرًا ضعيفًا من ظلمته.
وأمّا قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبرٌ؛ لأنّه وقع موقع أيّ، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ لوقوع ذلك موقع أيّ، وذلك أنّ معناه إذا قلت ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لمّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواءٍ: أفعلت أم لم تفعل.
وقد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع سواءٍ وليس باستفهامٍ، لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ مستثبتٌ صاحبه أيّهما عنده، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر، فلمّا كان قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} بمعنى التّسوية، أشبه ذلك الاستفهام إذ أشبهه في التّسوية، وقد بيّنّا الصّواب في ذلك.
فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمّد على هؤلاء الّذين جحدوا نبوّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها، وكتموا بيان أمرك للنّاس بأنّك رسولي إلى خلقي، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبيّنوه للنّاس ويخبروهم أنّهم يجدون صفتك في كتبهم؛ {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} فإنّهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحقّ ولا يصدّقون بك وبما جئتهم به.
- كما حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكرٍ وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك؛ فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك). [جامع البيان: 1/ 263 -265]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}
- حدّثني أبي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالحٍ المصريّ، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، حدّثني عبيد اللّه بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد اللّه بن عمرٍو، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
قيل يا رسول اللّه إنّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نأيس. فقال: « ألا أخبركم؟» ، ثمّ قال: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هؤلاء أهل النّار»، قالوا: لسنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: « أجل».
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما جاءنا قبلك، {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك».
- حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع ابن أنسٍ، عن أبي العالية قال: « آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: هم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمت اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار}».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 40]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشاوة ولهم عذاب عظيم}
أخرج ابن جريج، وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير في السنة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ونحو هذا من القرآن، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: قيل يا رسول الله أنا تقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ فنكاد نيأس فقال: «ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار»، قالوا: بلى يا رسول الله، «{ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} إلى قوله: {المفلحون} هؤلاء أهل الجنة»، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء، ثم قال: «{إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم} إلى قوله {عظيم} هؤلاء أهل النار»، قلنا: لسنا هم يا رسول الله، قال: «أجل».
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «{إن الذين كفروا} أي: بما أنزل إليك وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاء من قبلك، {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك فكيف يسمعون منك إنذارا وتخويفا وقد كفروا بما عندهم من نعتك، {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} أي: عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوا به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به وأن آمنوا بكل ما كان قبلك ولهم بما هو عليه من خلافك، {عذاب عظيم} فهذا في الأحبار من يهود».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {إن الذين كفروا}
قال: «نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب وهم الذين ذكرهم في هذه الآية {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم الآية 28] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر ولم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان، أبو سفيان والحكم بن أبي العاص».
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} قال: «وعظتهم أم لم تعظهم».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون». ). [الدر المنثور: 1/ 152 -155]

تفسير قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (قال سفيان [الثوري]: وكان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرءونها {على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة}). [تفسير الثوري: 41]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ} ]
- نا هشيمٌ، قال: نا أبو الأشهب، عن الحسن، وأبي رجاءٍ، قرأ أحدهما: (غشاوة) والآخر: (غشوة) ). [سنن سعيد بن منصور: 2/546]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ}
قال أبو جعفرٍ: وأصل الختم: الطّبع، والخاتم: هو الطّابع يقال منه: ختمت الكتاب، إذا طبعته.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يختم على القلوب، وإنّما الختم طبعٌ على الأوعية والظّروف والغلف.
قيل: فإنّ قلوب العباد أوعيةٌ لما أودعت من العلًوم وظروفٌ لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع الّتي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظّروف.
فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفها لنا فنفهمها؟ أهي مثل الختم الّذي يعرف لمّا ظهر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟
قيل: قد اختلف أهل التّأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.
- فحدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرّمليّ، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذا، يعني الكفّ، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى هكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها»، قال: «ثمّ يطبع عليه بطابعٍ»، قال مجاهدٌ: «وكانوا يرون أنّ ذلك الرّين».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: «القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتّى يقبض أصابعه كلّها، وكان أصحابنا يرون أنّه الرّان».
- حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ: الختم ختمٌ على القلب والسّمع.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عبد اللّه بن كثيرٍ، أنّه سمع مجاهدًا، يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ ذلك كلّه».
وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه جلّ ثناؤه عن تكبّرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
والحقّ في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- وهو ما حدّثنا به، محمّد بن يسارٍ، قال: حدّثنا صفوان بن عيسى، قال: حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتّى يغلّق قلبه؛ فذلك الرّان الّذي قال اللّه جلّ ثناؤه: {كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}».
فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب، إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه عزّ وجلّ والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر منها مخلّصٌ، فذلك هو الطّبع والختم الّذي ذكره اللّه تبارك وتعالى في قوله: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلاّ بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصلّ الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم، إلاّ بعد فضّه خاتمه وحلّه رباطه عنها.
ويقال لقائلي القول الثّاني الزّاعمين أنّ معنى قوله جلّ ثناؤه: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الّذي دعوا إليه من الإقرار بالحقّ تكبّرًا: أخبرونا عن استكبار الّذين وصفهم اللّه جلّ ثناؤه بهذه الصّفة وإعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللّواحق به، أفعلٌ منهم، أم فعلٌ من اللّه تعالى ذكره بهم؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم وذلك قولهم، قيل لهم: فإنّ اللّه تبارك وتعالى قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وسمعهم، وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبّره عن الإقرار به، وهو فعله عندكم ختمًا من اللّه على قلبه وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه فعل اللّه عزّ وجلّ دون فعل الكافر؟ فإن زعموا أنّ ذلك جازٌ أن يكون كذلك، لأنّ تكبّره وإعراضه كانا عن ختم اللّه على قلبه وسمعه، فلمّا كان الختم سببًا لذلك جاز أن يسمّى مسبّبه به؛ تركوا قولهم، وأوجبوا أنّ الختم من اللّه على قلوب الكفّار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبّره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به، وذلك دخولٌ فيما أنكروه.
وهذه الآية من أوضح الدلّيل على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر أنّه ختم على قلوب صنفٍ من كفّار عباده وأسماعهم، ثمّ لم يسقط التّكليف عنهم ولم يضع عن أحدٍ منهم فرائضه ولم يعذره في شيءٍ ممّا كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطّبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أنّ لجميعهم منه عذابًا عظيمًا على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك أنّهم لا يؤمنون). [جامع البيان: 1/ 265 -268]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ}
قال أبو جعفرٍ: وقوله: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} خبر مبتدأٍ بعد تمام الخبر عمّا ختم اللّه جلّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الّذين مضت قصصهم، وذلك أنّ {غشاوةٌ} مرفوعةٌ بقوله: {وعلى أبصارهم} فذلك دليلٌ على أنّه خبر مبتدأٍ، وأنّ قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} قد تناهى عند قوله: {وعلى سمعهم} وذلك هو القراءة الصّحيحة عندنا لمعنيين.
أحدهما: اتّفاق الحجّة من القرّاء والعلماء على الشّهادة بتصحيحها، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عمّا هم على تخطئته مجمعون؛ وكفى بإجماع الحجّة على تخطئة قراءة شاهدًا على خطئها.
والثّاني: أنّ الختم غير موصوفةٍ به العيون في شيءٍ من كتاب اللّه، ولا في خبرٍ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا موجودٌ في لغة أحدٍ من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورةٍ أخرى: {وختم على سمعه وقلبه} ثمّ قال: {وجعل على بصره غشاوةً} فلم يدخل البصر في معنى الختم، وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحدٍ من النّاس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلّتين اللّتين ذكرت، وإن كان لنصبها مخرجٌ معروفٌ في العربيّة.
وبما قلنا في ذلك من القول والتّأويل، روي الخبر عن ابن عبّاسٍ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم».
فإن قال قائلٌ: وما وجه مخرج النّصب فيها؟
قيل له: أن تنصبها بإضمار جعل كأنّه قال: وجعل على أبصارهم غشاوةً؛ ثمّ أسقط جعل؛ إذ كان في أوّل الكلام ما يدلّ عليه، وقد يحتمل نصبها على اتّباعها موضع السّمع إذ كان موضعه نصبًا، وإن لم يكن حسنًا إعادة العامل فيه على غشاوةٍ ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضًا، كما قال تعالى ذكره: {يطوف عليهم ولدانٌ مخلّدون بأكوابٍ وأباريق}، ثمّ قال: {وفاكهةٍ ممّا يتخيّرون ولحم طيرٍ ممّا يشتهون وحورٍ عينٍ} فخفض اللّحم والحور العين على العطف به على الفاكهة إتباعًا لآخر الكلام أوّله، ومعلومٌ أنّ اللّحم لا يطاف به ولا بالحور العين، ولكنّ ذلك كما قال الشّاعر يصف فرسه:

علفتها تبنًا وماءً باردًا ....... حتّى شتت همّالةً عيناها

ومعلومٌ أنّ الماء يشرب ولا يعلف، ولكنّه نصب ذلك على ما وصفت قبل. وكما قال الآخر:

ورأيت زوجك في الوغى ....... متقلّدًا سيفًا ورمحا

وكان ابن جريجٍ يقول في انتهاء الخبر عن الختم إلى قوله: {وعلى سمعهم} وابتداء الخبر بعده؛ بمثل الّذي قلنا فيه، ويتأوّل فيه من كتاب اللّه: {فإن يشإ اللّه يختم على قلبك}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: «الختم على القلب والسّمع، والغشاوة على البصر قال اللّه تعالى ذكره: {فإن يشإ اللّه يختم على قلبك} وقال: {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً}».
والغشاوة في كلام العرب: الغطاء ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص:

تبعتك إذ عيني عليها غشاوةٌ ....... فلمّا انجلت قطّعت نفسي ألومها

ومنه يقال: تغشّانى الهمّ: إذا تجلّله وركبه. ومنه قول نابغة بني ذبيان:

هلاّ سألت بني ذبيان ما حسبي ....... إذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما

يعني بذلك: إذا تجلّله وخالطه.
وإنّما أخبر اللّه تعالى ذكره نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم عن الّذين كفروا به من أحبار اليهود، أنّه قد ختم على قلوبهم وطبع عليها فلا يعقلون للّه تبارك وتعالى موعظةً وعظهم بها فيما آتاهم من علم ما عندهم من كتبه، وفيما حدّد في كتابه الّذي أوحاه وأنزله إلى نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وعلى سمعهم فلا يسمعون من محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّ اللّه تحذيرًا ولا تذكيرًا ولا حجّةً أقامها عليهم بنبوّته، فيتذكّروا ويحذروا عقاب اللّه عزّ وجلّ في تكذيبهم إيّاه، مع علمهم بصدقه وصحّة أمره؛ وأعلمه مع ذلك أنّ على أبصارهم غشاوةً عن أن يبصروا سبيل الهدى فيعلموا قبيح ما هم عليه من الضّلالة والرّدى.
وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن جماعةٍ من أهل التّأويل.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ} أي عن الهدى أن يصيبوه أبدًا بغير ما كذّبوك به من الحقّ الّذي جاءك من ربّك، حتّى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكلّ ما كان قبلك».
- حدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} يقول فلا يعقلون، ولا يسمعون ويقول: وجعل على أبصارهم غشاوةً، يقول: على أعينهم فلا يبصرون.
وأمّا آخرون فإنّهم كانوا يتأوّلون أنّ الّذين أخبر اللّه عنهم من الكفّار أنّه فعل ذلك بهم هم قادة الأحزاب الّذين قتلوا يوم بدرٍ.
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال: «هاتان الآيتان إلى قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ} هم: {الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار} وهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ فلم يدخل من القادة أحدٌ في الإسلام إلاّ رجلان: أبو سفيان بن حربٍ، والحكم بن أبي العاص».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن الحسن، قال:«أمّا القادة فليس فيهم نجيبٌ، ولا ناجٍ، ولا مهتدٍ».
وقد دلّلنا فيما مضى على أولى هذين التّأويلين بالصّواب فكرهنا إعادته). [جامع البيان: 1/ 269 - 273]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولهم عذابٌ عظيمٌ}
وتأويل ذلك عندي كما قاله ابن عبّاسٍ وتأوّله.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «ولهم بما هم عليه من خلافك عذابٌ عظيمٌ، قال: فهذا في الأحبار من يهود فيما كذّبوك به من الحقّ الّذي جاءك من ربّك بعد معرفتهم».). [جامع البيان: 1/274]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
قوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٌ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: قوله: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ} أي: عن الهدى أن يصيبوه أبدًا بغير ما كذّبوك به من الحقّ الّذي جاءك من ربّك حتّى يؤمنوا به وإن آمنوا بكلّ ما كان قبلك، ولهم بما هم عليه من خلافك عذابٌ عظيمٌ، فهذا في الأحبار من يهود فيما كذّبوا به من الحقّ بعد معرفته».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} يقول: «فلا يسمعون ولا يعقلون».
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن المثنّى، ثنا محمّد بن جهضمٍ، ثنا أبو معشرٍ، عن سعيدٍ المقبريّ قال: «ختم اللّه على قلوبهم بالكفر».
- حدّثنا موسى بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن ابن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ:«ختم اللّه يعني طبع اللّه».
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المرّوذيّ، ثنا شيبان بن عبد الرّحمن- يعني النّحويّ- عن قتادة قال:«استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فـ {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ}، فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون، ولا يعقلون».
- حدّثنا الحسين بن الحسن، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن حاتمٍ الهرويّ، أنبأ الحجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ: {ختم اللّه على قلوبهم} قال: «الطّبع ثبتت الذّنوب على القلب تحفّ به من كلّ نواحيه حتّى تلتقي عليه. فالتقاؤها عليه الطّبع. والطّبع الختم».). [تفسير القرآن العظيم: 1/41]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ}
- أخبرنا محمّد بن سعد بن محمّد بن الحسن بن عطيّة العوفي فيما كتب إليّ حدّثني أبي، حدّثني عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ في قوله: «{ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ}: يقول: جعل على أبصارهم غشاوةٌ، يقول: على أعينهم فهم لا يبصرون.). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 41- 42]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {عذابٌ} يقول:«نكالٌ».
- قرأت على محمّد بن الفضل بن موسى، ثنا محمّد بن عليٍّ، أنبأ محمد ابن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان، قوله: «{ولهم عذابٌ عظيمٌ} يعني عذاب وافر».). [تفسير القرآن العظيم: 1/42]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال:«الختم على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم».
وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود قال: «{ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} فلا يعقلون ولا يسمعون وجعل على أبصارهم، يقول: أعينهم {غشاوة} فلا يبصرون».
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: «أخبرني عن قوله عز وجل: {ختم الله على قلوبهم}»، قال: «طبع الله عليها»، قال: «وهل تعرف العرب ذلك»، قال: «أما سمعت الأعشى وهو يقول: وصهباء طاف يهود بها ....... فأبرزها وعليها ختم».
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء: قرأ أحدهما {غشاوة} والآخر (غشوة)). [الدر المنثور: 1/ 155 - 156]

تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} حتى بلغ {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} قال:«هذه في المنافقين».). [تفسير عبد الرزاق: 1/39]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}
قال أبو جعفرٍ: أمّا قوله: {ومن النّاس} فإنّ في النّاس وجهين: أحدهما أن يكون جمعًا لا واحد له من لفظه، وإنّما واحدهم إنسانٌ وواحدتهم إنسانةٌ.
والوجه الآخر: أن يكون أصله أناسٌ أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثمّ دخلتها الألف واللاّم المعرّفتان، فأدغمت اللاّم الّتي دخلت مع الألف فيها للتّعريف في النّون، كما قيل في: {لكنّا هو اللّه ربّي} على ما قد بيّنّا في اسم اللّه الّذي هو اللّه.
وقد زعم بعضهم أنّ النّاس لغةٌ غير أناسٍ، وأنّه سمع العرب تصغّره نويسٌ من النّاس، وأنّ الأصل لو كان أناسٌ لقيل في التّصغير: أنيسٌ، فردّ إلى أصله.
قال أبو جعفرٍ: وأجمع جميع أهل التّأويل على أنّ هذه الآية نزلت في قومٍ من أهل النّفاق، وأنّ هذه الصّفة صفتهم.
ذكر بعض من قال ذلك من أهل التّأويل بأسمائهم.
- حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني: المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم».
وقد سميّ في حديث ابن عبّاسٍ هذا أسماؤهم عن أبيّ بن كعبٍ، غير أنّي تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرّزّاق، قال: أنبأنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} حتّى بلغ: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} قال: «هذه في المنافقين».
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو الباهليّ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى بن ميمونٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: «هذه الآية إلى ثلاث عشرة في نعت المنافقين».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن إسماعيل السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} «هم المنافقون».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، في قوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر} إلى: {فزادهم اللّه مرضًا ولهم عذابٌ أليمٌ} قال: «هؤلاء أهل النّفاق».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، في قوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} قال: «هذا المنافق يخالف قوله فعله وسرّه علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه».
وتأويل ذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه لمّا جمع لرسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أمره في دار هجرته واستقرّ بها قراره وأظهر اللّه بها كلمته، وفشا في دور أهلها الإسلام، وقهر بها المسلمون من فيها من أهل الشّرك من عبدة الأوثان، وذلّ بها من فيها من أهل الكتاب؛ أظهر أحبار يهودها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الضّغائن وأبدوا له العداوة والشّنآن حسدًا وبغيًا إلاّ نفرًا منهم، هداهم اللّه للإسلام فأسلموا، كما قال اللّه جلّ ثناؤه: {ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ} وطابقهم سرًّا على معاداة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وبغيهم الغوائل قومٌ من أراهط الأنصار الّذين آووا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونصروه كانوا قد عسوا في شركهم وجاهليّتهم قد سمّوا لنا بأسمائهم، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم.
وظاهروهم على ذلك في خفاءٍ غير جهارٍ حذار القتل على أنفسهم والسّباء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، وركونًا إلى اليهود، لما هم عليه من الشّرك وسوء البصيرة بالإسلام، فكانوا إذا لقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأهل الإيمان به من أصحابه، قالوا لهم حذارًا على أنفسهم: إنّا مؤمنون باللّه وبرسوله وبالبعث، وأعطوهم بألسنتهم كلمة الحقّ ليدرءوا عن أنفسهم حكم اللّه فيمن اعتقد ما هم عليه مقيمون من الشّرك لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم، وإذا لقوا إخوانهم من اليهود وأهل الشّرك والتّكذيب بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به فخلوا بهم، قالوا: {إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون} فإيّاهم عنى جلّ ذكره بقوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني بقوله تعالى خبرًا عنهم: {آمنّا باللّه}: صدّقنا باللّه.
وقد دلّلنا على أنّ معنى الإيمان التّصديق فيما مضى قبل من كتابنا هذا قبل.
وقوله: {وباليوم الآخر} يعني بالبعث يوم القيامة، وإنّما سمّي يوم القيامة اليوم الآخر: لأنّه آخر يومٍ، لا يوم بعده سواه.
فإن قال قائلٌ: وكيف لا يكون بعده يومٌ، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء، ولا زوال؟
قيل: إنّ اليوم عند العرب إنّما سمّي يومًا بليلته الّتي قبله، فإذا لم يتقدّم النّهار ليلٌ لم يسمّ يومًا، فيوم القيامة يومٌ لا ليل له بعده سوى اللّيلة الّتي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيّام، ولذلك سمّاه اللّه جلّ ثناؤه: اليوم الآخر، ونعته بالعقم، ووصفه بأنّه يومٌ عقيمٌ لأنّه لا ليل بعده.
وأمّا تأويل قوله: {وما هم بمؤمنين} ونفيه عنهم جلّ ذكره اسم الإيمان، وقد أخبر عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم آمنّا باللّه وباليوم الآخر؛ فإنّ ذلك من اللّه جلّ وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبروا عن اعتقادهم من الإيمان بقلوبهم والإقرار بالبعث، وإعلامٌ منه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الّذي يبدونه له بأفواههم خلاف ما في ضمائر قلوبهم، وضدّ ما في عزائم نفوسهم.
وفي هذه الآية دلالةٌ واضحةٌ على بطول ما زعمته الجهميّة من أنّ الإيمان هو التّصديق بالقول دون سائر المعاني غيره، وقد أخبر اللّه جلّ ثناؤه عن الّذين ذكرهم في كتابه من أهل النّفاق أنّهم قالوا بألسنتهم: {آمنّا باللّه وباليوم الآخر} ثمّ نفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذ كان اعتقادهم غير مصدّقٍ قيلهم ذلك.
وقوله: {وما هم بمؤمنين} يعني بمصدّقين بما يزعمون أنّهم به مصدّقون). [جامع البيان: 1/ 274 - 279]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون (9)}
قوله تعالى: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر}
- حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني- المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم».
- حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} قال: «هؤلاء المنافقون». قال أبو محمّدٍ: وكذلك فسّره الحسن، وقتادة، والسّدّيّ). [تفسير القرآن العظيم: 1/42]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى:{وما هم بمؤمنين}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: {وما هم بمؤمنين} قال: «مصدّقين».). [تفسير القرآن العظيم: 1/42]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}.
أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني: المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم».
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس، أن سورة البقرة إلى المائة منها هي رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} قال: «المراد بهذه الآية المنافقون».
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} حتى بلغ {وما كانوا مهتدين} قال:«هذه في المنافقين».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} الآية، قال: «هذا نعت المنافق نعت عبدا خائن السريرة كثير الإخلاف يعرف بلسانه وينكر بقلبه ويصدق بلسانه ويخالف بعمله ويصبح على حال ويمسي على غيره ويتكفأ تكفؤ السفينة كلما هبت ريح هب فيها.».
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: «لم يكن عندهم أخوف من هذه الآية {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}».
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: كان محمد يتلو هذه الآية عند ذكر الحجاج ويقول: «أنا لغير ذلك أخوف {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}».
وأخرج ابن سعد عن أبي يحيى قال سأل رجل حذيفة وأنا عنده فقال: وما النفاق قال: «أن تتكلم باللسان ولا تعمل به».). [الدر المنثور: 1/ 156 - 158]


تفسير قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون}
قال أبو جعفرٍ: وخداع المنافق ربّه والمؤمنين إظهاره بلسانه من القول والتّصديق خلاف الّذي في قلبه من الشّكّ والتّكذيب ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم اللّه عزّ وجلّ، اللاّزم من كان بمثل حاله من التّكذيب لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التّصديق والإقرار، من القتل والسّباء، فذلك خداعه ربّه وأهل الإيمان باللّه.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكون المنافق للّه وللمؤمنين مخادعًا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقدٌ إلاّ تقيّةً؟
قيل: لا تمتنع العرب أن تسمّي من أعطى بلسانه غير الّذي هو في ضميره تقيّةً لينجو ممّا هو له خائفٌ، فنجا بذلك ممّا خافه مخادعًا لمن تخلّص منه بالّذي أظهر له من التّقيّة، فكذلك المنافق سمّي مخادعًا للّه وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيّةً ممّا تخلّص به من القتل والسّباء فى العاجل، وهو لغير ما أظهر مستبطنٌ، وذلك من فعله وإن كان خدّاعًا للمؤمنين في عاجل الدّنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ؛ لأنّه يظهر لها بفعله ذلك بها أنّه يعطيها أمنيّتها ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها به حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومذيقها من غضب اللّه وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنّه إليها محسنٌ، كما قال جلّ ثناؤه: {وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون} إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم وإسخاطهم عليهم ربّهم بكفرهم وشكّهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنّهم على عمياء من أمرهم مقيمون.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك كان ابن زيدٍ يقول.
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألت عبد الرّحمن بن زيدٍ، عن قول اللّه، جلّ ذكره: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا} إلى آخر الآية، قال: «هؤلاء المنافقون يخادعون اللّه ورسوله والّذين آمنوا، أنّهم مؤمنون بما أظهروا».
وهذه الآية من أوضح الدّليل على تكذيب اللّه قول الزّاعمين: إنّ اللّه لا يعذّب من عباده إلاّ من كفر به عنادًا، بعد علمه بوحدانيّته، وبعد تقرّر صحّة ما عاند ربّه تبارك وتعالى عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه قد أخبر عن الّذين وصفهم بما وصفهم به من النّفاق وخداعهم إيّاه والمؤمنين أنّهم لا يشعرون أنّهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون، وأنّهم بخداعهم الّذي يحسبون أنّهم به يخادعون ربّهم وأهل الإيمان به مخدوعون، ثمّ أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذّبونه من نبوّة نبيّه واعتقاد الكفر به، وبما كانوا يكذبون في زعمهم أنّهم مؤمنون، وهم على الكفر مصرّون.
فإن قال لنا قائلٌ: قد علمت أنّ المفاعلة لا تكون إلاّ من فاعلين، كقولك: ضاربت أخاك، وجالست أباك؛ إذا كان كلّ واحدٍ مجالس صاحبه ومضاربه. فأمّا إذا كان الفعل من أحدهما فإنّما يقال: ضربت أخاك أوجلست إلى أبيك، فمن خادع المنافق فجاز أن يقال فيه: يخادع اللّه والمؤمنون.
قيل: قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إنّ ذلك حرفٌ جاء بهذه الصّورة، أعني يخادع بصورة يفاعل وهو بمعنى يفعل في حروفٍ أمثالها شاذّةٌ من منطق العرب، نظير قولهم: قاتلك اللّه، بمعنى قتلك اللّه.
وليس القول في ذلك عندي كالّذي قال، بل ذلك من التّفاعل الّذي لا يكون إلاّ من اثنين كسائر ما يعرف من معنى يفاعل ومفاعلٍ في كلّ كلام العرب، وذلك أنّ المنافق يخادع اللّه جلّ ثناؤه بكذبه بلسانه على ما قد تقدّم وصفه، واللّه تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالّذي أخبر في قوله: {ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنّما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثمًا} وبالمعنى الّذي أخبر أنّه، فاعلٌ به في الآخرة بقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للّذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} الآية، فذلك نظير سائر ما يأتي من معاني الكلام بفاعلٍ ومفاعلٌ.
وقد كان بعض أهل النّحو من أهل البصرة يقول: لا تكون المفاعلة إلاّ من شيئين، ولكنّه إنّما قيل: يخادعون اللّه عند أنفسهم بظنّهم أن لا يعاقبوا، فقد علموا خلاف ذلك في أنفسهم بحجّة اللّه تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته {وما يخدعون إلاّ أنفسهم} قال: وقد قال بعضهم: {وما يخدعون} يقول: يخدعون أنفسهم بالتّخلية بها. وقد تكون المفاعلة من واحدٍ في أشياء كثيرةٍ). [جامع البيان: 1/ 279 - 283]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما يخدعون إلاّ أنفسهم}
إن قال لنا قائلٌ: أوليس المنافقون قد خدعوا المؤمنين بما أظهروا بألسنتهم من قيل الحقّ عن أنفسهم وأموالهم وذراريّهم حتّى سلمت لهم دنياهم وإن كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟
قيل: خطأٌ أن يقال إنّهم خدعوا المؤمنين؛ لأنّا إذا قلنا ذلك أوجبنا لهم حقيقة خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين، كما أنّا لو قلنا: قتل فلانٌ فلانًا، أوجبنا له حقيقة قتلٍ كان منه لفلانٍ، ولكنّا نقول: خادع المنافقون ربّهم والمؤمنين، ولم يخدعوهم بل خدعوا أنفسهم، كما قال جلّ ثناؤه دون غيرها، نظير ما تقول في رجلٍ قاتل آخر فقتل نفسه ولم يقتل صاحبه: قاتل فلانٌ فلانًا ولم يقتل إلاّ نفسه، فتوجب له مقاتلة صاحبه، وتنفي عنه قتله صاحبه، وتوجب له قتل نفسه.
فكذلك تقول: خادع المنافق ربّه والمؤمنين، ولم يخدع إلاّ نفسه، فتثبت منه مخادعة ربّه والمؤمنين، وتنفي أن يكون خدع غير نفسه؛ لأنّ الخادع هو الّذي قد صحّت له الخديعة ووقع منه فعلها، فالمنافقون لم يخدعوا غير أنفسهم، لأنّ ما كان لهم من مالٍ وأهلٍ فلم يكن المسلمون ملكوه عليهم في حال خداعهم إيّاهم عنه بنفاقهم ولا قبلها فيستنقذوه بخداعهم منهم، وإنّما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غير الّذي في ضمائرهم، وبحكم اللّه لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريّهم في ظاهر أمورهم بحكم ما انتسبوا إليه من الملّة، واللّه بما يخفون من أمورهم عالمٌ. وإنّما الخادع من ختل غيره عن شيئه، والمخدوع غير عالمٍ بموضع خديعة خادعه، فأمّا والمخادع عارفٌ بخداع صاحبه إيّاه، وغير لاحقه من خداعه إيّاه مكروهٌ، بل إنّما يتجافى للظّانّ به أنّه له مخادعٌ استدراجًا ليبلغ غايةً يتكامل له عليه الحجّة للعقوبة الّتي هو به موقعٌ عند بلوغه إيّاها. والمستدرج غير عالمٍ بحال نفسه عند مستدرجه، ولا عارفٍ باطّلاعه على ضميره، وأنّ إمهال مستدرجه إيّاه وتركه معالجة عقوبته على جرمه ليبلغ المخاتل المخادع من استحقاقه عقوبة مستدرجه بكثرة إساءته وطول عصيانه إيّاه وكثرة صفح المستدرج وطول عفوه عنه أقصى غايةٍ، فإنّما هو خادعٌ نفسه لا شكّ دون من حدّثته نفسه أنّه له مخادعٌ، ولذلك نفى اللّه جلّ ثناؤه عن المنافق أن يكون خدع غير نفسه، إذ كانت الصّفة الّتي وصفنا صفته.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خداع المنافق ربّه وأهل الإيمان به، وأنّه غير صائرٍ بخداعه ذلك إلى خديعةٍ صحيحةٍ إلاّ لنفسه دون غيرها لما يورّطها بفعله من الهلاك والعطب، فالواجب إذًا أن يكون الصّحيح من القراءة: {وما يخدعون إلاّ أنفسهم} دون: وما يخادعون، لأنّ لفظ المخادع غير موجبٍ تثبيت خديعةٍ على صحّةٍ، ولفظ خادعٍ موجبٌ تثبيت خديعةٍ على صحّةٍ، ولا شكّ أنّ المنافق قد أوجب تثبيت خديعة اللّه لنفسه بما ركب من خداعه ربّه ورسوله والمؤمنين بنفاقه، فلذلك وجبت الصّحّة لقراءة من قرأ: {وما يخدعون إلاّ أنفسهم}.
ومن الدّلالة أيضًا على أنّ قراءة من قرأ: {وما يخدعون} أولى بالصّحّة من قراءة من قرأ: (وما يخادعون ) أنّ اللّه جلّ ثناؤه قد أخبر عنهم أنّهم يخادعون اللّه والمؤمنين في أوّل الآية، فمحالٌ أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنّهم قد فعلوه، لأنّ ذلك تضادٌّ في المعنى، وذلك غير جائزٍ من اللّه جلّ ثناؤه). [جامع البيان: 1/ 283 - 285]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما يشعرون}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وما يشعرون} وما يدرون، يقال: ما شعر فلانٌ بهذا الأمر، وهو لا يشعر به إذا لم يدر به ولم يعلم شعرًا وشعورًا، وقال الشّاعر:

عقّوا بسهمٍ ولم يشعر به أحدٌ ....... ثمّ استفاءوا وقالوا حبّذا الوضح

يعني بقوله: لم يشعر به أحد: لم يدر به أحدٌ ولم يعلم.
فأخبر اللّه تعالى ذكره عن المنافقين، أنّهم لا يشعرون بأنّ اللّه خادعهم بإملائه لهم واستدراجه إيّاهم الّذي هو من اللّه جلّ ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجّة والمعذرة، ومنهم لأنفسهم خديعةٌ، ولها في الآجل مضرّةٌ. كالّذي؛ حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألت ابن زيدٍ عن قوله: {وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون} قال: «ما يشعرون أنّهم ضرّوا أنفسهم بما أسرّوا من الكفر والنّفاق وقرأ قول اللّه: {يوم يبعثهم اللّه جميعًا} قال: هم المنافقون حتّى بلغ {ويحسبون أنّهم على شيءٍ} قد كان الإيمان ينفعهم عندكم».). [جامع البيان: 1/ 285 - 286]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {يخادعون اللّه}
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ ثنا زيد بن المبارك، ثنا محمّد بن ثورٍ، عن ابن جريجٍ في قوله: {يخادعون اللّه} قال: «يظهرون لا إله إلا اللّه، يريدون أن يحرّزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك».
{في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللّه مرضًا ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون (10)}
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ ابن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والّذين آمنوا وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون} « نعت المنافق: خنع الأخلاق، يصدّق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعلمه، ويصبح على حال ويسمى على غيره، ويسمى على حال ويصبح على غيره، يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 42 - 43]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.}
أخرج أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة، إن قائلا من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غدا، قال: «لا تخدع الله»، قال: وكيف نخادع الله، قال: «أن تعمل بما أمرك به تريد به غيره فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله فإن المرائي ينادى به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء، يا كافر يا فاجر يا خاسر يا غادر، ضل عملك وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم عند الله فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع وقرأ من القرآن: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} [الكهف الآية 110] الآية و{إن المنافقين يخادعون الله} [النساء الآية 142] الآية.».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: {يخادعون الله} قال: «يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دمائهم وأموالهم وفي أنفسهم غير ذلك».
وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: {يخادعون الله والذين آمنوا} قال: «هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا أنهم يؤمنون بما أظهروه»، وعن قوله {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} قال:« ما يشعرون بأنهم ضروا أنفسهم بما أسروا من الكفر والنفاق ثم قرأ {يوم يبعثهم الله جميعا}، قال: هم المنافقون، حتى بلغ قوله {ويحسبون أنهم على شيء} [المجادلة الآية 18] .».
وأخرج البيهقي في الشعب عن قيس بن سعد قال: «لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم المكر والخديعة في النار لكنت أمكر
هذه الأمة». ). [الدر المنثور: 1/ 158 - 160]

تفسير قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضًا ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون}
قال أبو جعفرٍ: وأصل المرض: السّقم، ثمّ يقال ذلك في الأجساد والأديان فأخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّ في قلوب المنافقين مرضًا، وإنّما عنى تبارك وتعالى بخبره عن مرض قلوبهم الخبر عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد، ولكن لمّا كان معلومًا بالخبر عن مرض القلب أنّه معنيٌّ به مرض ما هم معتقدوه من الاعتقاد استغنى بالخبر عن القلب بذلك، والكناية به عن تصريح الخبر عن ضمائرهم واعتقاداتهم؛ كما قال عمر بن لجأٍ:

وسبّحت المدينة لا تلمها ....... رأت قمرًا بسوقهم نهارا

يريد وسبّح أهل المدينة. فاستغنى بمعرفة السّامعين خبره بالخبر عن المدينة عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسيّ:

هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالك ....... إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي

يريد: هلاّ سألت أصحاب الخيل؟ ومنه قولهم: يا خيل اللّه اركبي، يراد: يا أصحاب خيل اللّه اركبوا، والشّواهد على ذلك أكثر من أن يحصيها الكتابٌ، وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن وفّق لفهمه.
فكذلك معنى قول اللّه جلّ ثناؤه: {في قلوبهم مرضٌ} إنّما يعني في اعتقاد قلوبهم الّذي يعتقدونه في الدّين والتّصديق بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبما جاء به من عند اللّه مرضٌ وسقم، فاجتزأ بدلالة الخبر عن قلوبهم على معناه عن تصريح الخبر عن اعتقادهم.
والمرض الّذي ذكر اللّه جلّ ثناؤه أنّه في اعتقاد قلوبهم الّذي وصفناه هو شكّهم في أمر محمّدٍ، وما جاء به من عند اللّه وتحيّرهم فيه، فلا هم به موقنون إيقان إيمانٍ، ولا هم له منكرون إنكار إشراكٍ؛ ولكنّهم كما وصفهم اللّه عزّ وجلّ مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما يقال: فلانٌ تمرّض في هذا الأمر، أي يضعّف العزم ولا يصحّح الرّويّة فيه.
وبمثل الّذي قلنا في تأويل ذلك تظاهر القول في تفسيره من المفسّرين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{في قلوبهم مرضٌ} أي شكٌّ».
- وحدّثت عن المنجاب، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: «المرض: النّفاق».
- حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {في قلوبهم مرضٌ} يقول: «في قلوبهم شكٌّ».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبد الرّحمن بن زيدٍ في قوله: {في قلوبهم مرضٌ} قال: «هذا مرضٌ في الدّين وليس مرضًا في الأجساد، قال: هم المنافقون.».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءةً عن سعيدٍ، عن قتادة، في قوله: {في قلوبهم مرضٌ} قال: «في قلوبهم ريبةٌ وشكٌّ في أمر اللّه جلّ ثناؤه».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ: {في قلوبهم مرضٌ} قال: «هؤلاء أهل النّفاق، والمرض الّذي في قلوبهم الشّكّ في أمر اللّه».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبد الرّحمن بن زيدٍ: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر} حتّى بلغ: {في قلوبهم مرضٌ} قال: «المرض: الشّكّ الّذي دخلهم في الإسلام».). [جامع البيان: 1/ 286 - 289]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فزادهم اللّه مرضًا}.
قد دلّلنا آنفًا على أنّ تأويل المرض الّذي وصف اللّه جلّ ثناؤه أنّه في قلوب المنافقين: هو الشّكّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم وما هم عليه، في أمر محمّدٍ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر نبوّته وما جاء به، مقيمون.
فالمرض الّذي أخبر اللّه جلّ ثناؤه عنهم أنّه زادهم على مرضهم هو نظير ما كان في قلوبهم من الشّكّ والحيرة قبل الزّيادة، فزادهم اللّه بما أحدث من حدوده وفرائضه الّتي لم يكن فرضها قبل الزّيادة الّتي زادها المنافقين، من الشّكّ والحيرة إذ شكّوا وارتابوا في الّذي أحدث لهم من ذلك، إلى المرض والشّكّ الّذي كان في قلوبهم في السّالف من حدوده وفرائضه الّتي كان فرضها قبل ذلك، كما زاد المؤمنين به إلى إيمانهم الّذي كانوا عليه قبل ذلك بالّذي أحدث لهم من الفرائض والحدود إذ آمنوا به، إلى إيمانهم بالسّالف من حدوده وفرائضه إيمانًا، كالّذي قال جلّ ثناؤه في تنزيله: {وإذا ما أنزلت سورةٌ فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيمانًا فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأمّا الّذين في قلوبهم مرضٌ فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} فالزّيادة الّتي زيدها المنافقون من الرّجاسة إلى رجاستهم هو ما وصفنا، والزّيادة الّتي زيدها المؤمنون إلى إيمانهم هو ما بيّنّا، وذلك هو التّأويل المجمع عليه.
ذكر بعض من قال ذلك من أهل التّأويل.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {فزادهم اللّه مرضًا} قال: «شكًّا».
- حدّثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {فزادهم اللّه مرضًا} يقول:«فزادهم اللّه شكًّا».
- حدّثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قراءةً عن سعيدٍ، عن قتادة: {فزادهم اللّه مرضًا} يقول:«فزادهم اللّه ريبةً وشكًّا في أمر اللّه».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قول اللّه: {في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللّه مرضًا} قال: « زادهم رجسًا». وقرأ قول اللّه عزّ وجلّ: {فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون} {وأمّا الّذين في قلوبهم مرضٌ فزادتهم رجسًا إلى رجسهم} قال: «شرًّا إلى شرّهم، وضلالةً إلى ضلالتهم».
- وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: «{فزادهم اللّه مرضًا} فزادهم اللّه شكًّا».). [جامع البيان: 1/ 289 - 291]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولهم عذابٌ أليمٌ}
قال أبو جعفرٍ: والأليم: هو الموجع، ومعناه: ولهم عذابٌ مؤلمٌ، فصرف مؤلمٍ إلى أليمٍ كما يقال: ضربٌ وجيعٌ بمعنى موجعٌ، واللّه بديع السّموات والأرض بمعنى مبدع. ومنه قول عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ:

أمن ريحانة الدّاعي السّميع ....... يؤرّقني وأصحابي هجوع

بمعنى المسمع. ومنه قول ذي الرّمّة:

ونرفع من صدور شمردلاتٍ ....... يصدّ وجوهها وهجٌ أليم

ويروى يصكّ.
وإنّما الأليم صفةٌ للعذاب، كأنّه قال: ولهم عذابٌ مؤلمٌ. وهو مأخوذٌ من الألم، والألم: الوجع.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: «الأليم: الموجع».
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، قال: «العذاب الأليم، الموجع».
- وحدّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، في قوله {أليمٌ} قال: «هو العذاب الموجع وكلّ شيءٍ في القرآن من الأليم فهو الموجع».). [جامع البيان: 1/ 291 - 293]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {بما كانوا يكذبون}
اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {بما كانوا يكذبون} مخفّفة الذّال مفتوحة الياء، وهي قراءة عظم قرأة أهل الكوفة.
وقرأه آخرون: (يكذّبون ) بضمّ الياء وتشديد الذّال، وهي قراءة أهل المدينة والحجاز والبصرة.
وكأنّ الّذين قرءوا ذلك بتشديد الذّال وضمّ الياء رأوا أنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما أوجب للمنافقين العذاب الأليم بتكذيبهم نبيّهم محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به، وأنّ الكذب لولا التّكذيب لا يوجب لأحدٍ اليسير من العذاب، فكيف بالأليم منه؟
وليس الأمر في ذلك عندي كالّذي قالوا؛ وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ أنبأ عن المنافقين في أوّل النّبأ عنهم في هذه السّورة بأنّهم يكذبون بدعواهم الإيمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعًا للّه عزّ وجلّ ولرسوله وللمؤمنين، فقال: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون اللّه والّذين آمنوا} بذلك من قيلهم مع استسرارهم الشّكّ والرّيبة {وما يخدعون} بصنيعهم ذلك {إلاّ أنفسهم} دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين {وما يشعرون} بموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج اللّه عزّ وجلّ إيّاهم بإملائه لهم، {في قلوبهم مرضٌ} شك النفاقٌ وريبته، واللّه زائدهم شكًّا وريبةً بما كانوا يكذبون اللّه ورسوله والمؤمنين بقولهم بألسنتهم: {آمنّا باللّه وباليوم الآخر} وهم في قيلهم ذلك كذبةٌ لاستسرارهم الشّكّ والمرض في اعتقادات قلوبهم، في أمر اللّه وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فأولى في حكمة اللّه جلّ جلاله أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم، دون ما لم يجر له ذكرٌ من أفعالهم؛ إذ كان سائر آيات تنزيله بذلك نزل؛ وهو أن يفتتح ذكر محاسن أفعال قومٍ ثمّ يختم ذلك بالوعد على ما افتتح به ذكره من أفعالهم، ويفتتح ذكر مساوئ أفعال آخرين ثمّ يختم ذلك بالوعيد على ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم، فكذلك الصّحيح من القول في الآيات الّتي افتتح فيها ذكر بعض مساوئ أفعال المنافقين أن يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذكره من قبائح أفعالهم.
فهذا هذا مع دلالة الآية الأخرى على صحّة ما قلنا وشهادتها بأنّ الواجب من القراءة ما اخترنا، وأنّ الصّواب من التّأويل ما تأوّلنا من أنّ وعيد اللّه المنافقين في هذه الآية العذاب الأليم على الكذب الجامع معنى الشّكّ والتّكذيب، وذلك قول اللّه تبارك وتعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول اللّه واللّه يعلم إنّك لرسوله واللّه يشهد إنّ المنافقين لكاذبون اتّخذوا أيمانهم جنّةً فصدّوا عن سبيل اللّه إنّهم ساء ما كانوا يعملون}
والآية الأخرى في المجادلة: {اتّخذوا أيمانهم جنّةً فصدّوا عن سبيل اللّه فلهم عذابٌ مهينٌ} فأخبر جلّ ثناؤه أنّ المنافقين، بقيلهم ما قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون، كاذبون، ثمّ أخبر تعالى ذكره أنّ العذاب المهين لهم على ذلك من كذبهم، ولو كان الصّحيح من القراءة على ما قرأه القارئون في سورة البقرة: {ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون} لكانت القراءة في السّورة الأخرى: واللّه يشهد إنّ المنافقين لمكذّبون، ليكون الوعيد لهم من العذاب المهين الّذي هو عقيب ذلك وعيدًا على التّكذيب، لا على الكذب.
وفي إجماع المسلمين على أنّ الصّواب من القراءة في قوله: {واللّه يشهد إنّ المنافقين لكاذبون} بمعنى الكذب، وأنّ إيعاد اللّه تبارك وتعالى فيه المنافقين العذاب الأليم على ذلك من كذبهم، أوضح الدّلالة على أنّ الصّحيح من القراءة في سورة البقرة: {بما كانوا يكذبون} بمعنى الكذب، وأنّ الوعيد من اللّه تعالى ذكره للمنافقين فيها على الكذب حقٌّ، لا على التّكذيب الّذي لم يجز له ذكرٌ نظير الّذي في سورة المنافقين سواءٌ.
وقد زعم بعض نحويّي البصرة أنّ ما من قول اللّه تبارك اسمه: {بما كانوا يكذبون} اسمٌ للمصدر، كما أنّ أنّ والفعل اسمان للمصدر في قولك: أحبّ أن تأتيني، وأنّ المعنى إنّما هو بكذبهم وتكذيبهم. قال: وأدخل كان ليخبر أنّه كان فيما مضى، كما تقال: ما أحسن ما كان عبد اللّه. فأنت تعجب من عبد اللّه لا من كونه، وإنّما وقع التّعجّب في اللّفظ على كونه.
وكان بعض نحويّي الكوفة ينكر ذلك من قوله ويستخطئه ويقول: إنّما ألغيت كان في التّعجّب لأنّ الفعل قد تقدّمها، فكأنّه قال: حسنًا كان زيدٌ، وحسنٌ كان زيدٌ يبطل كان، ويعمل مع الأسماء والصّفات الّتي بألفاظ الأسماء إذا جاءت قبل كان ووقعت كان بينها وبين الأسماء، وأمّا العلّة في إبطالها إذا أبطلت في هذه الحال فشبيه الصّفات والأسماء بفعل ويفعل اللّتي لا يظهر عمل كان فيهما، ألا ترى أنّك تقول: يقوم كان زيدٌ، ولا يظهر عمل كان في يقوم، وكذلك قام كان زيدٌ، فلذلك أبطل عملها مع فاعلٍ تمثيلاً بفعل ويفعل، وأعملت مع فاعلٍ أحيانًا لأنّه اسمٌ كما تعمل في الأسماء، فأمّا إذا تقدّمت كان الأسماء والأفعال وكان الاسم والفعل بعدها، فخطأٌ عنده أن تكون كان مبطلةٌ؛ فلذلك أحال قول البصريّ الّذي حكيناه، وتأوّل قول اللّه عزّ وجلّ: {بما كانوا يكذبون} أنّه بمعنى: الّذي يكذبونه). [جامع البيان: 1/ 293 - 296]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {في قلوبهم مرض}
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا محمّد بن أبي بكرٍ المقدسي، ثنا عبد العزيز بن عبد الصّمد، عن مالك بن دينارٍ، عن عكرمة {في قلوبهم مرضٌ} قال: «الزّنا».
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ، ثنا عبد الرّزّاق، ثنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه {في قلوبهم مرضٌ} قال: «ذلك في بعض أمور النّساء».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ {في قلوبهم مرضٌ} قال: «المرض النّفاق».
والوجه الثّالث:
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة، عن محمّد ابن إسحاق قال: فيما حدّثنا محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{في قلوبهم مرضٌ} أي شكٌّ».
- حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح العسقلانيّ، ثنا آدم بن أبي إياسٍ، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية: «يقول اللّه: {في قلوبهم مرضٌ} يعني الشّكّ». قال أبو محمّدٍ: وكذا روي عن مجاهدٍ، والحسن، وعكرمة، والرّبيع بن أنسٍ، والسّدّيّ، وقتادة). [تفسير القرآن العظيم: 1/43]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فزادهم اللّه مرضًا}
[الوجه الأول]
- حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{فزادهم اللّه مرضًا} أي شكًّا».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، يقول: «{فزادهم اللّه مرضًا} يعني شكًّا».
الوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن عليّ بن سعيدٍ النّسائيّ، ثنا قتيبة بن سعيدٍ، ثنا جعفر بن سليمان الضّبعيّ، عن محمّد بن عليٍّ، عن سعدٍ الإسكاف، عن زيد بن عليٍّ أنّه قال: «المرض مرضان: مرض زنًا، ومرض نفاقٍ».
- حدّثنا أبي، ثنا أبو عمر حفص بن عمر، ثنا الحارث بن وجيهٍ، عن مالك بن دينارٍ قال: سألت عكرمة عن قوله: {فزادهم اللّه مرضًا} قال: «زنًا».
الوجه الثّالث:
- حدّثنا محمّد بن عليٍّ أنبأ العبّاس، ثنا يزيد، ثنا سعيدٌ، عن قتادة، في قوله: «{فزادهم اللّه مرضًا} أي نفاقًا».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 43 - 44]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: {ولهم عذابٌ أليمٌ}
- حدّثنا عصام بن روّادٍ العسقلانيّ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع ابن أنسٍ عن أبي العالية، في قوله: {ولهم عذابٌ أليمٌ} قال: «الأليم الموجع في القرآن كلّه». قال: وكذلك فسّره سعيد بن جعفرٍ، والضّحّاك بن مزاحمٍ، وقتادة وأبو مالكٍ، وأبو عمران الجونيّ، ومقاتل بن حيّان). [تفسير القرآن العظيم: 1/44]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {بما كانوا يكذبون}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ، في قوله: «{بما كانوا يكذبون} يقول: يبدّلون ويحرّفون».). [تفسير القرآن العظيم: 1/44]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}
أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {مرض} قال: «شك»، {فزادهم الله مرضا} أي قال: «شكا».
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {في قلوبهم مرض} قال: «النفاق»، {ولهم عذاب أليم} قال:« نكال موجع»، {بما كانوا يكذبون} قال: «يبدلون ويحرفون».
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} قال: «النفاق»، قال: وهل تعرف العرب ذلك، قال: «نعم.
أما سمعت قول الشاعر:
أجامل أقواما حياء وقد أرى ....... صدروهم تغلي علي مراضها».

قال: فأخبرني عن قوله {ولهم عذاب أليم}، قال: «{الأليم} الموجع »، قال: وهل تعرف العرب ذلك، قال: «نعم، أما سمعت قول الشاعر:
نام من كان خليا من ألم ....... وبقيت الليل طولا لم أنم».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كل شيء في القرآن {أليم} فهو الموجع».
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «{الأليم} الموجع في القرآن كله».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {مرض} قال: «ريبة وشك في أمر الله»، {فزادهم الله مرضا} قال: «ريبة وشكا»، {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} قال: «إياكم والكذب فإنه من باب النفاق وإنا والله ما رأينا عملا قط أسرع في فساد قلب عبد من كبر أو كذب».
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {في قلوبهم مرض} قال: «هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأجساد، وهم المنافقون والمرض الشك الذي دخل في الإسلام.»
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: {في قلوبهم مرض} قال: «هؤلاء أهل النفاق، والمرض في قلوبهم الشك في أمر الله عز وجل {فزادهم الله مرضا} قال: شكا».
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: «العذاب الأليم، هم الموجع وكل شيء في القرآن من {الأليم} فهو الموجع»). [الدر المنثور: 1/ 160 - 162]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 02:21 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أآنذرتهم أم لم تنذرهم}: هذا كلام هو إخبارٌ، خرج مخرج الاستفهام؛ وليس هذا إلا في ثلاثة مواضع، هذا أحدها، والثاني: ما أبالي أقبلت أم أدبرت، والثالث: ما أدري أولّيت أم جاء فلان).
[مجاز القرآن: 1/31]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({إن الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}
فأما قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإنما دخله حرف الاستفهام وليس باستفهام لذكره "السواء"؛ لأنه إذا قال في الاستفهام: "أزيد عندك أم عمرو؟" -وهو يسأل أيهما عندك- فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحق بالاستفهام من الآخر، فلما جاءت التسوية في قوله: {أأنذرتهم} أشبه بذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية، ومثلها: {سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} ولكن {أستغفرت} ليست بممدودة؛ لأن الألف التي فيها ألف وصل؛ لأنها من (استغفر يَستغفر) فالياء مفتوحة من "يفعل"، وأما {أأنذرتهم} ففيها ألفان: ألف (أنذرت) وهي مقطوعة؛ لأنه يقول "يُنذر" فالياء مضمومة، ثم جعلت معها ألف الاستفهام، فلذلك مددت وخففت الآخرة منهما؛ لأنه لا يلتقي همزتان، وقال: {أفلا تبصرون}، {أم أنا خيرٌ مّن هذا الّذي هو مهينٌ}، وقال بعضهم إنه على قوله: {أفلا تبصرون}، وجعل قوله: {أم أنا خيرٌ مّن هذا الّذي هو مهينٌ} بدلاً من {تبصرون}؛ لأن ذلك عنده بصراً منهم أن يكون عندهم هكذا، وهذه "أم" التي تكون في معنى "أيهما"، وقد قال قوم: "إنها يمانية"، وذلك أن أهل اليمن يزيدون "أم" في جميع الكلام، وأما ما سمعنا من اليمن فيجعلون "أم" مكان الألف واللام الزائدتين، يقولون "رأيت امرجل" و"قام امرجل" يريدون "الرجل"، ولا يشبه أن تكون (أم أنا خيرٌ) على لغة أهل اليمن. وقد زعم أبو زيد أنه سمع أعرابياً فصيحاً ينشدهم:

يا دهر أم كان مشيي رقصا بل قد تكون مشيتـي ترقّصـا

فسأله فقال: معناه: ما كان مشيي رقصا، فـ"أم" ههنا زائدة، وهذا لا يعرف، وقال علقمة بن عبدة:

وما القلب أم ما ذكره ربعيّةً يخطّ لها مـن ثرمـداء قليـب

يريد "ما ذكره ربيعةً " يجعله بدلاً من "القلب".
وقال بعض الفقهاء: "إن معناه: أنه قال فرعون: {أفلا تبصرون} أم أنتم بصراء"، وقال الشاعر:

فيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍوبـيـن النّـقـا أأنـــت أم أمّ سـالــم

يريد: "أأنت أحسن أم أمّ سالم" فأضمر "أحسن".
يريد: "أليس أنا خيراً من هذا الذي هو مهين"، ولها موضع آخر تكون فيه منقطعة من الكلام؛ كأنك تميل إلى أوله، قال: {لاريب فيه من رّبّ العالمين}، {أم يقولون افتراه} وهذا لم يكن قبله استفهام، وهذا قول العرب: "إنها لإبل"، ثم يقولون "أم شاءٌ"، وقولهم"لقد كان كذا وكذا أم حدّثت نفسي"، ومثل قول الشاعر:

كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍغلس الظلام من الرّباب خيالا

وليس قوله: {أم يقولون افتراه}؛ لأنه شك، ولكنه قال هذا ليقبّح صنيعهم كما تقول: "ألست الفاعل كذا وكذا" ليس تستفهم إنما توبخّه، ثم قال: {بل هو الحقّ من رّبّك}، ومثل هذا في القرآن كثير، قال: {فذكّر فما أنت بنعمة ربّك بكاهنٍ ولا مجنونٍ}، ثم قال: {أم يقولون شاعرٌ نّتربّص به} و {أم عندهم خزائن ربّك} كل هذا على استفهام الاستئناف، وليس لـ"أم" غير هذين الموضعين؛ لأنه أراد أن ينبه، ثم ذكر ما قالوا عليه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ليقبح ما قالوا عليه، نحو قولك للرجل "ألخير أحبّ إليك أم الشرّ"؟، وأنت تعلم أنه يقول "الخير"، ولكن أردت أن تقبح عنده ما صنع، وأما قوله: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}، فقد نهاه عن الآثم والكفور جميعاً، وقد قال بعض الفقهاء: إن "أو" تكون بمنزلة الواو، وقال:


يهيـنـون مـــن حـقــروا شـأيــهوإن كان فيهم يفي أو يبرّ

يقول: "يفي ويبرّ"، وكذلك هي عندهم ههنا، وإنما هي بمنزلة "كل اللحم أو التمر" إذا رخصت له في هذا النحو، فلو أكل كله أو واحداً منه لم يعص، فيقع النهي عن كل ذا في هذا المعنى، فيكون إن ركب الكل أو واحداً قد عصى، كما كان في الأمر إن صنع واحداً أطاع، وقال: {وأرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون}، ومعناه "ويزيدون"، ومخرجها في العربية إنك تقول: "لا تجالس زيداً أو عمراً أو خالداً"، فإن أتى واحداً منهم أو كلّهم كان عاصياً، كما أنك إذا قلت: "اجلس إلى فلان أو فلان أو فلان" فجلس إلى واحد منهم أو كلهّم كان مطيعاً، فهذا مخرجه من العربية.
وأرى الذين قالوا: إنما "أو" بمنزلة (الواو) إنما قالوها؛ لأنهم رأوها في معناها، وأما {وأرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون}، فإنما يقول {أرسلناه إلى مائة ألفٍ} عند الناس، ثم قال: {أو يزيدون} عند الناس؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يكون منه شكّ، وقد قال قوم: إنما "أو" ههنا بمنزلة "بل"، وقد يقول الرجل "لأذهبنّ إلى كذا وكذا"، ثم يبدو له بعد فيقول "أو أقعد"، فقال ههنا: {أرسلناه إلى مائة ألفٍ} عند الناس، ثم قال: {أو يزيدون} عند الناس، أي: أن الناس لا يشكون أنهم قد زادوا، والوجه الآخر "هكذا" أي: "فكذا حال الناس فيهم " أي: أن الناس يشكون فيهم، وكذا حال "أم" المنقطعة إن شئت جعلتها على "بل" فهو مذهب حسن، وقال متمّم بن نويرة:

فلـو كــان البـكـاء يــردّ شيـئـاً بكيـت علـى جبيـرٍ أو عفـاقٍ
على المرأين إذ هلكا جميعا بشـأنـهـمـا وحـــــزنٍ واشـتــيــاق

وقال ابن أحمر:

فقلت البثي شهرين أو نصف ثالثٍ إلــــى ذاك مــــا قــــد غيّـبـتـنـي غـيـابـيـا

وأما قوله: {أإنا لمبعوثون}، {أو آباؤنا الأوّلون} فإن هذه الواو واو عطف؛ كأنهم قالوا: {أأنا لمبعوثون} فقيل لهم: "نعم وآباؤكم الأوّلون"، فقالوا: {أو آباؤنا}، وقوله: {أولم ير الإنسان}، {أولم يهد لهم}، وأشباه هذا في القرآن كثير، فالواو مثل الفاء في قوله: {أفلم يهد لهم}، وقوله: {أفلم يدّبّروا القول}، وإن شئت جعلت هذه الفاءات زائدة، وإن شئت جعلتها جواباً لشيء، كنحو ما يقولون: "قد جاءني فلان" فيقول: "أفلم أقض حاجته؟" فجعل هذه الفاء معلقة بما قبلها). [معاني القرآن: 1/20-24]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {إنّ الّذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
(إنّ) تنصب (الذين)، وهي تنصب الأسماء وترفع الأخبار، ومعناها في الكلام التوكيد، وهي آلة من آلات القسم، وإنّما نصبت ورفعت؛ لأنها تشبه بالفعل، وشبهها به أنها لا تلي الأفعال ولا تعمل فيها، وإنما يذكر بعدها الاسم والخبر كما يذكر بعد الفعل: الفاعل والمفعول، إلا أنه قدم المفعول به فيها؛ ليفصل بين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظ الفعل، وبين ما يشبه به وليس لفظه لفظ الفعل، وخبرها ههنا جملة الكلام، أعني قوله:{سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}.
وترفع {سواء} بالابتداء، وتقوم {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} مقام الخبر، كأنه بمنزلة قولك "سواء عليهم الإنذار وتركه".
و{سواء} موضوع موضع (مستو) لأنك لا تقيم المصادر مقام أسماء الفاعلين إلا وتأويلها تأويل أسمائهم.
فأما دخول ألف الاستفهام، ودخول "أم" التي للاستفهام والكلام خبر؛ فإنّما وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها ألف الاستفهام و"أم"، تقول: أزيد في الدار أم عمرو؟، فإنما دخلت الألف وأم؛ لأن علمك قد استوى في زيد وعمرو.
وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة ولكنك أردت أن تبين لك الذي علمت ويخلص لك علمه من غيره، فلهذا تقول: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو؟، وإنما تريد أن تسوّي عند من تخبره العلم الذي قد خلص عندك. وكذلك {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} دخلت الألف و"أم" للتسوية.
فأما {أأنذرتهم} فزعم سيبويه أن من العرب من يحقق الهمزة، ولا يجمع بين الهمزتين وإن كانتا من كلمتين، فأما أهل الحجاز فلا يحققون واحدة منهما، وأما بعض القراء - ابن أبي إسحاق وغيره - فيجمعون في القراءة بينهما، فيقرؤون (أأنذرتهم) وكثير من القراء يخفّف إحداهما.
وزعم سيبويه أن الخليل كان يرى تخفيف الثانية فيقول: (أانذرتهم) فيجعل الثانية بين الهمزة والألف، ولا يجعلها ألفا خالصة، ومن جعلها ألفاً خالصة فقد أخطأ من جهتين:
إحداهما: أنه جمع بين ساكنين، والأخرى: إنّه أبدل من همزة متحركة قبلها حركة ألفاً والحركة الفتح، وإنما حق الهمزة إذا حركت وانفتح ما قبلها: أن تجعل بين بين، أعني: بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها.
فتقول في سأل: "سال"، وفي رؤوف: "رووف"، وفي بئس: "بيس"، بين بين، وهذا في الحكم واحد وإنما تحكمه المشافهة.
وكان غير الخليل يجيز في مثل قوله تعالى: {فقد جاء أشراطها} تخفيف الأولى.
وزعم سيبويه: أن جماعة من العرب يقرؤون: {فقد جاء أشراطها} يحققون الثانية ويخففون الأولى، وهذا مذهب أبى عمرو بن العلاء وأما الخليل فيقول بتحقيق الأولى فيقول: {فقد جاء أشراطها}.
قال الخليل: وإنّما اخترت تخفيف الثانية لإجماع الناس على بدل الثانية في قولك: آدم، وآخر؛ لأن الأصل في آدم: "أادم"، وفي آخر: "أاخر"، وقول الخليل أقيس، وقول أبى عمرو جيد أيضاً.
قال أبو إسحاق: الهمزة التي للاستفهام ألف مبتدأة، ولا يمكن تخفيف الهمزة المبتدأة، ولكن إن ألقي همزة ألف الاستفهام على سكون الميم من عليهم فقلت: "عليهم أنذرتهم" جاز. ولكن لم يقرأ به أحد، والهمزتان في قوله: {فقد جاء أشراطها} همزتان في وسط الكلمة ويمكن تخفيف الأولى.
فأما من خفف الهمزة الأولى قوله: {أأنذرتهم} فإنه طرحها ألبتّة وألقى حركتها على الميم، ولا أعلم أحداً قرأ بها، والواجب على لغة أهل الحجاز أن يكون "عليهمَ أنذرتهم" فيفتح الميم، ويجعل الهمزة الثانيةبين بين، وعلى هذا مذهب جميع أهل الحجاز.
ويجوز أن يكون {لا يؤمنون} خبر "إنّ"، كأنه قيل: "إنّ الذين كفروا لا يؤمنون، سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم".
هؤلاء قوم أنبأ اللّه -تبارك وتعالى- النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنهم لا يؤمنون كما قال عزّ وجلّ: {ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد}.
فأما الهمزتان إذا كانتا مكسورتين نحو قوله عزّ وجلّ: {على البغاء إن أردن تحصّناً} وإذا كانتا مضمومتين نحو قوله: {أولياء أولئك} فإن أبا عمرو يخفف الهمزة الأولى فيهما فيقول: "على البغا إن أردن" ، "وأوليا أولئك " فيجعل الهمزة الأولى من البغاء بين الهمزة والياء ويكسرها، ويجعل الهمزة في قولك "أولياء أولئك" الأولى بين الواو والهمزة ويضمها.
وحكى أبو عبيدة أن أبا عمرو كان يجعل مكان الهمزة الأولى كسرة في "البغاء إن" وضمة في "أولياء أولئك".
أبو عبيدة لا يحكي إلا ما سمع؛ لأنه الثقة المأمون عند العلماء، إلا إنّه لا يضبط مثل هذا الموضع؛ لأن الذي قاله محال، لأن الهمزة إذا سقطت وأبدلت منها كسرة وضمة -على ما وصف-: بقيت الحركتان في غير حرف، وهذا محال؛ لأن الحركة لا تكون في غير محرّك.
قال أبو إسحاق: والذي حكيناه آنفاً رواية سيبويه، عن أبي عمرو، وهو اضبط لهذا.
وأما قوله: {السفهاء ألا}، وقوله: {وإليه النشور * أأمنتم من في السماء أن} فإن الهمزتين إذا اختلفتا: حكى أبو عبيدة أن أبا عمرو كان يبدل من الثانية فتحة، وهذا خلاف ما حكاه سيبويه، والقول فيه أيضاً محال؛ لأن الفتحة لا تقوم بذاتها، إنما تقوم على حرف.
وجملة ما يقول النحويون في المسالة الأولى في مثل قوله: {على البغاء إن} أو {أولياء أولئك} ثلاثة أقوال على لغة غير أهل الحجاز:-
فأحد هذه الثلاثة: وهو مذهب سيبويه والخليل: أن يجعل مكان الهمزة الثانية همزة بين بين، فإذا كان مضموماً جعل الهمزة بين الواو والهمزة، فقال: "أولياء أولئك"، وإذا كان مكسوراً جعل الهمزة بين الياء والهمزة، فقال: "على البغاءين"، وأمّا أبو عمرو فقرأ على ما ذكرناه، وأمّا ابن أبي إسحاق ومذهبه مذهب جماعة من القراء - فيجمع بين الهمزتين، فيقرأ (أولياء أولئك) و (على البغاء إن أردن) بتحقيق الهمزتين.
وأمّا اختلاف الهمزتين نحو (السفهاء ألا) فأكثر القراء على مذهب ابن أبي إسحاق، وأما أبو عمرو فيحقق الهمزة الثانية في رواية سيبويه، ويخفف الأولى فيجعلها بين الواو والهمزة، فيقول: (السفهاء ألا) بين بين.
ويقول: (من في السماي أن) فيحقق الثانية، وأما سيبويه والخليل فيقولان: (السفهاء ولا) فيجعلان الهمزة الثانية واواً خالصة، وفي قوله: (من السماءين) ياء خالصة مفتوحة فهذا جميع ما في هذا الباب.
وقد ذكر أبو عبيدة أن بعضهم روى عن أبي عمرو أنه كان إذا اجتمعت همزتان طرحت إحداهما، وهذا ليس بثبت؛ لأن القياس لا يوجبه.
وأبو عبيد لم يحقق في روايته؛ لأنه قال: رواه بعضهم، وباب رواية القراءة عن المقرئ يجب أن يقل الاختلاف فيه.
فإن كان هذا صحيحاً عنه فهو يجوّزه في نحو: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}، وفي مثل قوله: {آلذّكرين حرّم أم الأنثيين} فيطرح همزة الاستفهام؛ لأن "أم" تدل عليها.
قال الشاعر:

لـعـمـرك مــــا أدري إن كــنــت داريــــا شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر

وقال عمر بن أبي ربيعة:

لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بـسـبـع رمـيــن الـجـمـر أم بـثـمــان

البيت الأول أنشده الخليل وسيبويه، والبيت الثاني صحيح أيضًا). [معاني القرآن: 1/78-82]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}
هم الكفار الذين ثبت في علم الله تعالى أنهم كفار، وهو لفظ عام يراد به الخاص، كما قال تعالى: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون}، ثم قال جل وعز: {ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد}.
وقال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}). [معاني القرآن: 1/86-87]


تفسير قوله تعالى:{ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ...}
انقطع معنى "الختم" عند قوله: {وعلى سمعهم} ورفعت "الغشاوة" بـ"على"، ولو نصبتها بإضمار "وجعل" لكان صواباً، وزعم المفضّل أن عاصم بن أبى النّجود كان ينصبها، على مثل قوله في الجاثية: {أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلّه اللّه على علمٍ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً} ومعناهما واحد؛ والله أعلم.
وإنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع ويدلّ أوّله على آخره؛ كقولك: قد أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس الحسن؛ فقد ترى البناء لا يقع على العبيد والإماء ولا على الدوابّ ولا على الثياب، ولكنه من صفات اليسار؛ فحسن الإضمار لمّا عرف، ومثله في سورة الواقعة: {يطوف عليهم ولدانٌ مخلّدون * بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من معينٍ}، ثم قال: {وفاكهةٍ ممّا يتخيّرون * ولحم طيرٍ ممّا يشتهون * وحورٍ عينٍ}، فخفض بعض القراء ورفع بعضهم الحور العين، قال الذين رفعوا: الحور العين لا يطاف بهنّ؛ فرفعوا على معنى قولهم: "وعندهم حورٌ عينٌ"، أو "مع ذلك حور عينٌ"؛ فقيل: الفاكهة واللحم لا يطاف بهما، إنما يطاف بالخمر وحدها -والله أعلم- ثم أتبع آخر الكلام أوّله، وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه:

علفتـهـا تـبـنـاً ومـــاءً بـــارداً حتى شتت همّالةً عيناها

والكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر.
وأمّا ما لا يحسن فيه الضمير لقلّة اجتمّاعه، فقولك: قد أعتقت مباركاً أمس وآخر اليوم يا هذا؛ وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم؛ لأن هذا مختلف، لا يعرف أنك أردت ابتعت، ولا يجوز أن تقول: ضربت فلاناً وفلانًا؛ وأنت تريد بالآخر: وقتلت فلاناً؛ لأنه ليس هاهنا دليل، ففي هذين الوجهين ما تعرف به ما ورد عليك إن شاء الله). [معاني القرآن: 1/12-14]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم}: ثم انقطع النصب، فصار خبراً فارتفعت فصار {غشاوة}؛ كأنها في التمثيل، قال: {وعلى أبصارهم غشاوة} أي: غطاء، قال الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة:

تبـعـتـك إذ عـيـنـى عـلـيـهـا غــشــاوة فلما انجلت قطّعت نفسي ألومها
). [مجاز القرآن: 1/31]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ}
أما قوله: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ} فإن الختم ليس يقع على الأبصار، إنما قال: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} ثم قال: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} مستأنفاً.
وقوله: {ختم اللّه}؛ لأن ذلك كان لعصيانهم الله فجاز ذلك اللفظ، كما تقول: "أهلكته فلانة" إذا أعجب بها وهي لا تفعل به شيئا؛ لأنه هلك في اتباعها، أو يكون "ختم" حكم بها أنها مختوم عليها). [معاني القرآن: 1/24]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({غشاوة}: غطاء).[غريب القرآن وتفسيره: 64]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (والخاتم بمنزلة الطّابع، وإنما أراد: أنه أقفل عليها وأغلقها، فليست تعي خيراً ولا تسمعه، وأصل هذا: أن كلّ شيء ختمته، فقد سددته وربطته.
ثم قال عز وجل: وعلى {أبصارهم غشاوةٌ} ابتداء، وتمام الكلام الأول عند قوله: {وعلى سمعهم}.

والغشاوة: الغطاء، ومنه يقال: غشّه بثوب، أي: غطّه. ومنه قيل: غاشية السّرج، لأنها غطاء له، ومثله قوله: {لهم من جهنّم مهادٌ ومن فوقهم غواشٍ}). [تفسير غريب القرآن: 40]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7)}
معنى ختم في اللغة وطبع معنى واحد، وهو: التغطية على الشيء، والاستيثاق من ألا يدخله شيء، كما قال عزّ وجلّ: {أم على قلوب أقفالها}
وقال جلّ ذكره: {كلا بل ران على قلوبهم} معناه : غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون. وكذلك: {طبع عليها بكفرهم} وهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكنهم لم يستعملوا هذه الحواس استعمالاً يجزي عنهم، فصاروا كمن لا يسمع ولا يبصر. قال الشاعر:


.......أصم عما ساءه سميع

وكذلك قوله جلّ وعزّ {وعلى أبصارهم غشاوة}: هي الغطاء، فأما قوله: {وعلى سمعهم} وهو يريد: "وعلى أسماعهم"، ففيه ثلاثة أوجه:

فوجه منها: أن السمع في معنى المصدر فوحّد، كما تقول: يعجبني حديثكم ويعجبني ضربكم فوحّد؛ لأنه مصدر.
ويجوز أن يكون لما أضاف السمع إليهم دل على معنى "أسماعهم". قال الشاعر:


بها جيف الحسرى فأمّا عظامها فـبـيـض وأمّـــا جـلـدهــا فـصـلـيـب

وقال الشاعر أيضاً:

لا تنـكـري القـتـل وقـــد سبـيـنـا في حلقكم عظم وقد شجينا

معناه : في حلوقكم، وقال:

كأنـه وجـه تركييـن قـد غضـبـا مستهدف لطعان غير تذييب

أما {غشاوة} فكل ما كان مشتملاً على الشيء: فهو في كلام العرب مبني على "فعالة "، نحو: الغشاوة والعمامة والقلادة والعصابة، وكذلك أسماء الصناعات؛ لأن معنى الصناعة الاشتمال على كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك على كل من استولى على شيء ما استولى عليه الفعالة، نحو: الحلاقة والإمارة.

والرفع في {غشاوة} هو الباب، وعليه مذهب القرّاء.
والنصب جائز في النحو على أن المعنى: {وجعل على أبصارهم غشاوة} كما قال اللّه عز وجل في موضع آخر: {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} ومثيله من الشعر مما حمل على معناه، قوله:

يا ليت بعلك قد غدا متقـلـدا سيـفـا ورمـحــا

معناه : متقلداً سيفاً، وحاملاً رمحاً.

ويروي: "غشوة"، والوجه ما ذكرناه. وإنما "غشوة" رد إلى الأصل؛ لأن المصادر كلها ترد إلى "فعلة"، والرفع والنصب في "غشوة" مثله في "غشاوة"). [معاني القرآن: 1/83-84]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}
أي: طبع الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وغطى عليها، على جهة الجزاء بكفرهم وصدهم الناس عن دين الله.
وهؤلاء الكفار: هم الذين سبق في علمه من أنهم لا يؤمنون، ويكون مثل قولهم "أهلكه المال"، "وهب المال بعقله" أي: هلك فيه وبسبه، فهو كقوله: {فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى} فإن ذلك من الله عن فعلهم في أمره). [معاني القرآن: 1/87-88]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم}
قال سيبويه: غشاوة أي: غطاء). [معاني القرآن: 1/88]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (والختم: منع القلب من الإيمان). [ياقوتة الصراط: 170]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({ختم الله}: طبع الله). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 24]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({غِشَاوَةٌ}: غطاء). [العمدة في غريب القرآن: 70]

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)}
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}

ثم قال: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر} فجعل اللفظ واحداً، ثم قال: {وما هم بمؤمنين} فجعل اللفظ جميعاً، وذلك أن (من)اللفظ بها لفظ واحد، ويكون جميعاً في المعنى، ويكون اثنين، فإن لفظت بفعله على معناه: فهو صحيح، وإن جعلت فعله على لفظه واحداً: فهو صحيح، و مما جاء من ذلك قوله: {بلى من أسلم وجهه للّه وهو محسنٌ فله أجره عند ربه و لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} وقال: {ومنهم مّن يستمعون إليك} وقال: {ومنهم مّن ينظر إليك} وقال: {ومن يقنت منكنّ للّه ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرّتين} فقال: {يقنت} فجعله على اللفظ؛ لأن اللفظ في {من} مذكر، وجعل {تعمل} و{نؤتها} على المعنى،
وقد قال بعضهم: (ويعمل) فجعله على اللفظ؛ لأن لفظ (من) مذكر، وقد قال بعضهم: (ومن تقنت) فجعله على المعنى؛ لأنه يعني: امرأة.
وهي حجة على من قال: لا يكون اللفظ في (من) على المعنى إلا أن تكون (من) في معنى (الذي)، فأما في المجازاة والاستفهام فلا يكون اللفظ في (من) على المعنى.
وقولهم هذا خطأ؛ لأن هذا الموضع الذي فيه (ومن تقنت) مجازاة، وقد قالت العرب: "ما جاءت حاجتك" فأنثوا "جاءت"؛ لأنها لـ"ما"، وإنما أنثوا؛ لأن معنى "ما" هو الحاجة، وقد قالت العرب أو بعضهم: "من كانت أمّك" فنصب، وقال الشاعر:

تعـشّ فـإن عاهدتـنـي لا تخونـنـينكن مثل من يا ذئب يصطحبان

ويروى "تعال فإن" وقد جعل "من" بمنزلة رجل، قال الشاعر:

ربّ من انضجت غيظاً صدره قــد تمـنّـى لـــي شـــرّاً لـــم يـطــع

فلولا أنها نكرة بمنزلة "رجل" لم تقع عليها "ربّ"، وكذلك (ما) نكرة إلا أنها بمنزلة "شيء"، ويقال: أن قوله: {هذا ما لديّ عتيدٌ} على هذا، جعل (ما) بمنزلة "شيء" ولم يجعلها بمنزلة "الذي"، فقال: "ذا شيءٌ لديّ عتيد"، وقال الشاعر:

ربّ ما تكره النفوس من الأمرلــــــه فـــرجـــةٌ كـــحــــل الــعــقـــال

فلولا إنها نكرة بمنزلة "من" لم تقع عليها "ربّ"، وقد يكون {هذا ما لديّ عتيدٌ} على وجه آخر، أخبر عنهما خبراً واحداً كما تقول: "هذا أحمر أخضر"، وذلك أن قوماً من العرب يقولون: "هذا عبد اللّه مقبلٌ"، وفي قراءة ابن مسعود: {وهذا بعلي شيخٌ} كأنه أخبر عنهما خبراً واحداً، أو يكون كأنه رفعه على التفسير كأنه إذا قال: {هذا ما لديّ}، قيل: ما هو؟، أو علم أنه يراد ذلك منه فقال: {عتيد} أي: ما عندي عتيد، وكذلك {وهذا بعلي شيخٌ}، وقال الراجز:

من يك ذا بتٍّ فهذا بتّىمـقـيّــظٌ مـصـيّــف مـشـتّــى

وقال: {إن اللّه نعمّا يعظكم به}، فـ"ما" ههنا اسم ليست له صلة؛ لأنك إن جعلت {يعظكم به} صلة لـ(ما) صار كقولك: "إن الله نعم الشيء" أو "نعم شيئاً " فهذا ليس بكلام، ولكن تجعل (ما) اسماً وحدها كما تقول: "غسلته غسلاً نعمّا"، تريد به: "نعم غسلاً"، فإن قيل: كيف تكون (ما) اسما وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها؟

قلت: "هي بمنزلة "يا أيّها الرجل"؛ لأن "أيّا" ههنا اسم، ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ههنا، لأنك إذا قلت "غسلته غسلاً نعمّا" فإنما تريد المبالغة والجودة، فاستغني بهذا حتى تكلم به وحده، ومثل "ما أحسن زيدا" (ما) ههنا وحدها اسم، وقوله "إني مما أن أصنع كذا وكذا" (ما) ههنا وحدها اسم كأنه قال: "إني من الأمر" أو "من أمري صنيعي كذا وكذا"،
ومما جاء على المعنى قوله: {كمثل الذي استوقد ناراً أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} لأن "الذي" يكون للجميع، كما قال: {والّذي جاء بالصّدق وصدّق به أولئك هم المتّقون}). [معاني القرآن: 1/25-27]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8)}
عنى بذلك: المنافقين، وإعراب (من) الوقف إلا أنها فتحت لالتقاء السّاكنين: سكون النون من قولك (من)، وسكون النون الأولى من (الناس)، وكان الأصل أن يكسر لالتقاء السّاكنين، ولكنها فتحت لثقل اجتماع كسرتين لو كان: (مِنِ النّاسِ) لثقل ذلك.
فأما عن (الناس) فلا يجوز فيه إلا الكسر؛ لأن أول "عن" مفتوح، و(من) إعرابها الوقف؛ لأنها لا تكون اسما تاما في الخبر إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في بعض الاسم.
فأما الإدغام في الياء في (من يقول) فلا يكون غيره، تقول: "من يقوّم" فتدغم بغنة وبغير غنة.
وقوله عزّ وجلّ: {وما هم بمؤمنين} دخلت الباء مؤكدة لمعنى النفي؛ لأنك إذا قلت: "ما زيد أخوك" فلم يسمع السامع " ما " ظن أنك موجب فإذا قلت: "ما زيد بأخيك" و{ما هم بمؤمنين} علم السامع أنك تنفي، وكذلك جميع ما في كتاب الله عزّ وجلّ). [معاني القرآن: 1/83-85]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر}

روى إسماعيل السدي، عن ابن عباس قال: "هم المنافقون".
قال أهل اللغة: النفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو جُحْرٌ يخرج منه اليربوع إذا أخذ عليه الجُحْر الذي يدخل فيه، فقيل: منافق؛ لأنه يدخل الإسلام باللفظ ويخرج منه بالعقد). [معاني القرآن: 1/88]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {وما هم بمؤمنين} فنفى عنهم الإيمان؛ لأنهم لا اعتقاد لهم ولا عمل). [معاني القرآن: 1/89]

تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({يخادعون} في معنى: يخدعون، ومعناها: يظهرون غير ما في أنفسهم، ولا يكاد يجئ يفاعل إلاّ من اثنين، إلا في حروف هذا أحدهما؛ قوله: {قاتلهم الله} معناها: قتلهم الله). [مجاز القرآن: 1/31]

قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون}
أما قوله: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا} ولا تكون المفاعلة إلا من شيئين، فإنه إنمّا يقول: {يخادعون اللّه} عند أنفسهم يمنونها أن لا يعاقبوا وقد علموا خلاف ذلك في أنفسهم، ذلك لحجة الله الواقعة على خلقه بمعرفته.
{وما يخدعون إلاّ أنفسهم} وقال بعضهم: (يخادعون)، يقول: يخدعون أنفسهم بالمخادعة لها، وبها نقرأ.
وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة تقول: "باعدته مباعدةً" و"جاوزته مجاوزةً" في أشياء كثيرة، وقد قال: {وهو خادعهم} فذا على الجواب، يقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به "أنا الذي خدعتك" ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، وكذلك {ومكروا ومكر اللّه} و{اللّه يستهزئ بهم} على الجواب، والله لا يكون منه المكر والهزء، والمعنى: أن المكر حاق بهم والهزء صار بهم).
[معاني القرآن: 1/26-28]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقوله: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلّا أنفسهم} يريد: إنهم يخادعون المؤمنين باللّه فإذا خادعوا المؤمنين: فكأنهم خادعوا الله، وخداعهم إيّاهم: قولهم لهم إذا لقولهم: {قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم} أي: مردتهم، قالوا: {إنّا معكم، إنّما نحن مستهزؤن}.
وما يُخَادِعون إلّا أنفسهم لأن وبال هذه الخديعة وعاقبتها راجعة عليهم، وهم لا يشعرون). [تفسير غريب القرآن: 40]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون (9)}
يعني به: المنافقين أيضاً.
ومعنى {يخادعون}: يظهرون غير ما في نفوسهم، والتقية تسمّى -أيضاً- خداعاً، فكأنهم لمّا أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعاً، وجاء بـ"فاعل" لغير اثنين؛ لأن هذا المثال يقع كثيراً في اللغة للواحد نحو "عاقبت اللص" و"طارقت النعل".
وقوله عزّ وجلّ: {وما يخدعون إلّا أنفسهم} تأويله أن الخداع يرجع عليهم بالعذاب والعقاب، {وما يشعرون} أي: وما يعلمون أنه يرجع عليهم بالعذاب، يقال: "ما شعرت به" أي: ما علمت به، و"ليت شعري ما صنعت" معناه: ليت علمي). [معاني القرآن: 1/85]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا}

المخادعة في اللغة: إظهار خلاف الاعتقاد، وتسمى التقية خداعاً، وهو يكون من واحد.
قال ابن كيسان: لأن فيه معنى راوغت كأنه قابل شيئاً بشيء). [معاني القرآن: 1/89]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {وما يخدعون إلا أنفسهم} أي أن عقوبة ذلك ترجع عليهم،

وفرق أهل اللغة بين "خادع" و"خدع"، فقالوا: "خادع" أي: قصد الخدع وإن لم يكن خدع، و"خدع" معناه: بلغ مراده.
والاختيار عندهم "يخادعون" في الأولى؛ لأنه غير واقع، والاختيار في الثاني "يخدعون"؛ لأنه أخبر تعالى أنه واقع بهم لما يطلع عليه من أخبارهم، فعاد ما ستروه وأظهروا غيره وبالاً عليهم .
وقال محمد بن يزيد: يجوز في الثاني: (وما يخادعون) أي: بتلك المخادعة بعينها إنما يخادعون أنفسهم بها؛ لأن وبالها يرجع عليهم.
ثم قال تعالى: {وما يشعرون} أي: وما يشعرون بذلك، والمعنى: ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم). [معاني القرآن: 1/89-90]

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (والخدع: منع الحق). [ياقوتة الصراط: 170]

قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({يُخَادِعُونَ}: ينافقون). [العمدة في غريب القرآن: 70]

تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({في قلوبهم مرضٌ} أي: شكّ ونفاق.
{عذابٌ أليمٌ} أي: موجع من الألم، وهو في موضع "مفعل"، قال ذو الرمة:

ونرفع في صدور شمردلاتٍيـصـكّ وجوهـهـا وهــجٌ ألـيــم

الشّمردلة: الطويلة من كل شيء). [مجاز القرآن: 1/32]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({في قلوبهم مّرضٌ فزادهم اللّه مرضاً ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون}

أما قوله: {فزادهم اللّه مرضاً}؛ فمن فخم: نصب الزاي، فقال: (زَادَهم)، ومن أمال: كسر الزاي، فقال: (زِادَهم)؛ لأنها من "زِدْت" أولها مكسور.
فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو -وهم بعض أهل الحجاز- ويقولون أيضاً: {ولمن خاف مقام ربّه} و {فانكحوا ما طاب لكم مّن النّساء} و{وقد خاب} ولا يقولون (قِالَ) ولا (زِار)؛ لأنه يقول (قُلت) و(زُرت) فأوله مضموم، فإنما يفعلون هذا في ما كان أوله من "فعلت" مكسوراً، إلاّ أنهم ينحون الكسرة كما ينحون الياء في قوله: {وسقاهم ربّهم} و {قد أفلح من زكّاها} ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم.
وما كان من نحو هذا من بنات الواو وكان ثالثاً نحو: {والقمر إذا تلاها} ونحو: {والأرض وما طحاها} فإن كثيراً من العرب يفخمه ولا يميله؛ لأنها ليست بياء فتميل إليها؛ لأنها من "طحوت" و"تلوت".
فإذا كانت رابعة فصاعداً؛ أمالوا وكانت الإمالة هي الوجه؛ لأنها حينئذ قد انقلبت إلى الياء، ألا ترى أنك تقول: "غزوت" و"أغزيت"، ومثل ذلك: {واللّيل إذا يغشاها} و{قد أفلح من تزكّى} و{والنّهار إذا تجلّى} أمالها؛ لأنها رابعة، و"تجلّى" فعلت منها بالواو؛ لأنها من "جلوت"، و"زكا" من "زكوت يزكو" و{واللّيل إذا يغشاها} من "الغشاوة".
وقد يميل ما كان منه بالواو نحو: {تلاها} و{طحاها} ناسٌ كثير؛ لأن الواو تنقلب إلى الياء كثيراً مثل قولهم في حور:حير، وفي مشوب: مشيب، وقالوا "أرضٌ مسنيّة" إذا كان يسنوها المطر، فأمالوها إلى الياء؛ لأنها تنقلب إليها، وأمالوا كل ما كان نحو: "فَعْلَى" و"فُعْلَى"، نحو: بشرى ومرضى وسكرى؛ لأن هذا لو ثنّي كان بالياء، فمالوا إليها.
وأما قوله: {بما كانوا يكذبون} فـ{يكذّبون}: يجحدون، وهو الكفر، وقال بعضهم: {يكذّبون} خفيفة، وبها نقرأ، يعني "يكذبون على الله وعلى الرسل" جعل "ما" والفعل اسماً للمصدر، كما جعل "أن" والفعل اسما للمصدر في قوله "أحبّ أن تأتيني".
وأما المعنى فإنما هو "بكذبهم" و"تكذيبهم", وأدخل "كان"؛ ليخبر أنه كان فيما مضى، كما تقول: "ما أحسن ما كان عبد الله" فأنت تَعْجَبُ من" عبد الله لا من "كونه"، وإنما وقع التعجب في اللفظ على كونه، وقال: {فاصدع بما تؤمر} وليس هذا في معنى "فاصدع بالذي تؤمر به"، لو كان هذا المعنى: لم يكن كلاماً حتى تجيء بـ"به"، ولكن "اصدع بالأمر" جعل "ما تؤمر" اسماً واحداً، وقال: {ولا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا} يقول: بالإتيان، يجعل "ما" و"أتوا" اسماً للمصدر، وإن شئت قلت: "أتوا" ههنا "جاءوا" كأنه يقول: "بما جاءوا" يريد "جاءوه" كما تقول "يفرحون بما صنعوا" أي: "بما صنعوه"، ومثل هذا في القرآن كثير، وتقديره "بكونهم يكذبون" فـ"يكذبون" مفعول لـ"كان" كما تقول: "سرني زيد بكونه يعقل" أي: بكونه عاقلاً). [معاني القرآن: 1/28-30]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({يخادعون} يظهرون خلاف ما في نفوسهم.

{في قلوبهم مرض}: أي شك ونفاق.
{أليم}: موجع، في معنى "مؤلم"). [غريب القرآن وتفسيره: 65]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({في قلوبهم مرضٌ} أي: شك ونفاق، ومنه يقال: فلان يمرّض في الوعد وفي القول، إذا كان لا يصححه ولا يؤكده). [تفسير غريب القرآن: 41]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10)} معناه: نفاق، وقد يقال: السّقم والمرض في البدن وفي الدّين جميعاً، كما يقال: الصحة في البدن والدّين جميعاً.

فمعنى قوله: {مرض} قال أبو عبيدة: معناه: شك ونفاق، والمرض في القلب: يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين.
وقوله: {فزادهم اللّه مرضاً} فيه جوابان:
قال بعضهم: زادهم الله بكفرهم. كما قال عزّ وجلّ: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم}.
وقال بعض أهل اللغة: فزادهم اللّه بما أنزل عليهم من القرآن، فشكوا فيه كما شكوا في الذي قبله. قال: والدليل على ذلك قوله عزّ وجلّ: {وإذا ما أنزلت سورة} إلى قوله: {فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} وهذا قول بين واضح، واللّه أعلم.
وقوله عزّ وجلّ: {ولهم عذاب أليم} معناه موجع يصل وجعه إلى قلوبهم. وتأويل {أليم} في اللغة: مؤلم.

قال الشاعر- وهو عمرو بن معد يكرب الزبيدي- :
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقـنـي وأصحـابـي هـجــوع

معنى {السميع}: المسمع.

وقوله عزّ وجلّ: {بما كانوا يكذبون} ويقرأ: (يكذّبون).
فمن قرأ (يكذبون) بالتخفيف: فإن كذبهم قولهم: أنهم مؤمنون، قال الله عزّ وجلّ: {وما هم بمؤمنين}. وأما (يكذّبون) بالتثقيل، فمعناه: بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم). [معاني القرآن: 1/86-87]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا}

روى السدي، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس قال:"يقول: في قلوبهم شك".
وقال غيره: المرض: النفاق والرياء، والمرض: في الجسد، كما أن العمى: في القلب، ويقال: مرض فلان: أصابته علة في بدنه .
فإن قيل: بم أصابهم المرض؟
قيل: فعل هذا بهم عقوبة. وقيل: بإنزال القرآن أصابهم المرض كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}.
ثم قال تعالى: {ولهم عذاب أليم} يقال: آلم إذا أوجع، وهو مؤلم وأليم، والألم: الوجع، وجمع أليم: آلام كأشراف، والأليم: الشديد الوجع.
ثم قال تعالى: {بما كانوا يكذبون}
قال أبو حاتم: أي: بتكذيبهم الرسل، وردهم على الله، وتكذيبهم بآياته، قال: ومن خفف فالمعنى عنده: بكذبهم وقولهم آمنا ولم يؤمنوا فذلك كذب). [معاني القرآن: 1/90-92]

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (والمرض: الكفر، ومنه قوله عز وجل: {في قلوبهم مرض}). [ياقوتة الصراط: 171]

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (والأليم: المؤلم). [ياقوتة الصراط: 171]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({مَّرَضٌ}: نفاق. {أَلِيمٌ}: مؤلم). [العمدة في غريب القرآن: 70]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الأولى 1434هـ/20-03-2013م, 08:26 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) }
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (باب الممدود المفتوح أوله من ذلك العطاء والثناء والغناء والسماء والبلاء والسواء والبواء). [المقصور والممدود: 86] (م)


تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما قولك: مائة درهم، ومائة جارية، وألف غلام، وألف جارية فلا يكون فيه غلا هذا؛ لأنه ليس بمنزلة ثلاثة وما بعدها إلى عشرة ولا ثلاث عشر؛ لأن الثلاث والثلاثة على مئين وقع، أو على ألوف، أو غير ذلك. ففيهن أقل العدد مما وقعن عليه.
ومجاز مائة وألف في أنه لا يكون لأدنى العدد مجاز أحد عشر درهماً فما فوق.
فأما قوله عز وجل: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائةٍ سنين} فإنه على البدل لأنه لما قال: ثلاثمائة ثم ذكر السنين ليعلم ما ذلك العدد? ولو قال قائل: أقاموا سنين يا فتى، ثم قال: مئين أو ثلاثمائة لكان على البدل، ليبين: كم مقدار تلك السنين?
قد قرأ بعض القراء بالإضافة فقال: ثلاث مائة سنين وهذا خطأ في الكلام غير جائز. وإنما يجوز مثله في الشعر للضرورة، وجوازه في الشعر أنا نحمله على المعنى؛ لأنه في المعنى جماعة وقد جاز في الشعر أن تفرد وأنت تريد الجماعة إذا كان في الكلام دليل على الجمع فمن ذلك قوله:

كلوا في نصف بطنكم تعيشوا فــــإن زمـانـكــم زمــــنٌ خـمــيــص

وقال آخر:

إن تقـتـلـوا الـيــوم فــقــد سـبـيـنـا في حلقكم عظمٌ وقد شجينا

وينشد: شربنا.
وقال علقمة بن عبدة:

بها جيف الحسرى فأما عظامها فـبـيـضٌ وأمـــا جـلـدهــا فـصـلـيـب

وأما قوله عز وجل: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} فليس من هذا؛ لأن السمع مصدر، والمصدر يقع للواحد والجمع.
وكذلك قول الشاعر، وهو جرير:

إن العيون التي في طرفها مرضٌ قتلـنـنـا ثــــم لــــم يـحـيـيـن قـتـلانــا

لأن الطرف مصدر. وأما قول الله عز وجل: {ثم يخرجكم طفلاً} وقوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً} فإنه أفرد هذا، لأن مخرجهما مخرج التمييز؛ كما تقول: زيد أحسن الناس ثوباً، وأفره الناس مركباً. وإنه ليحسن ثوباً، ويكثر أمةً وعبداً). [المقتضب: 2/168-171] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: "طرفها ساج" ولم يقل: "أطرافها" لأن تقديرها تقدير المصدر، من طرفت طرفًا، قال الله عز وجل: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}
لأن السمع في الأصل مصدر. قال جرير:

إن العيون التي في طرفها مرضٌ قتلننـا ثــم لــم يحيـيـن قتـلانـا ).

[الكامل: 1/370-371]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قوله: لست بالطبع الحريص. فالطبع: الشديد الطمع الذي لا يفهم لشدة طمعه. وإنما أخذ هذا من طبع السيف، يقال: طبع السيف. يا فتى! وهو سيف طبع، إذا ركبه الصدأ حتى يغطي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه وإنما هو تغطية وحجاب. يقال: طبع الله على قلب فلان. كما قال جل وعز: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}. هذا الوقف. ثم قال: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} وكذلك: رين على قلبه. وغين على قلبه؛ فالرين يكون من أشياء تألف عليه فتغطيه. قال الله جل وعز: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. وأما غين على قلبه. فهي غشاوة تعتريه، والغينة: القطعة من الشجر الملتف تغطي ما تحتها، قال الشاعر:

كـأنــي بـيــن خـافـيـتـي عــقــابأصاب حمامة في يوم غين).

[الكامل: 2/985-986]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قوله: لست بالطبع الحريص. فالطبع: الشديد الطمع الذي لا يفهم لشدة طمعه. وإنما أخذ هذا من طبع السيف، يقال: طبع السيف. يا فتى! وهو سيف طبع، إذا ركبه الصدأ حتى يغطي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه وإنما هو تغطية وحجاب. يقال: طبع الله على قلب فلان. كما قال جل وعز: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}. هذا الوقف. ثم قال: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} وكذلك: رين على قلبه. وغين على قلبه؛ فالرين يكون من أشياء تألف عليه فتغطيه. قال الله جل وعز: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. وأما غين على قلبه. فهي غشاوة تعتريه، والغينة: القطعة من الشجر الملتف تغطي ما تحتها، قال الشاعر:

كـأنــي بـيــن خـافـيـتـي عــقــابأصاب حمامة في يوم غين).

[الكامل: 2/985-986] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)}

تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)}

تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)}
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (

فإنـي غـيـر هاجيـكـم ولـكـن أقول عراكم الحدث الأليم

...
(الأليم) الموجع). [شرح أشعار الهذليين: 2/811-812]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328هـ): ( والسميع من الأضداد؛ يقال: السميع للذي يسمع، والسميع للذي يسمع غيره، والأصل فيه مسمع.
فصرف عن (مُفْعِل) إلى (فَعِيل)، كما قال تبارك وتعالى: {ولهم عذاب أليم}، أراد مؤلم موجع. وقال عمرو بن معدي كرب:

أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقـنـي وأصحـابـي هـجــوع

أراد المسمع. وقال ذو الرمة:

وترفع من صدور شمردلاتيـصـك وجوهـهـا وهــج ألـيــم

أراد (مؤلم) ). [كتاب الأضداد: 83-84] (م)


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 11:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 11:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 11:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 11:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة:

في ليلة كفر النجوم غمامها

أي سترها ومنه سمي الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده، قال الشاعر: [ثعلبة بن صغيرة]:

فتذكر ثقلا رثيدا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر

ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، فــــ «كفر» في الدين معناه غطى قلبه بالرّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله.
واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها.
فقال قوم: «هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد».
وقال ابن عباس: «نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم»، وقال الربيع بن أنس: «نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية.
وقوله: {سواءٌ عليهم} معناه معتدل عندهم، ومنه قول الشاعر: [أعشى قيس]:

وليل يقول الناس من ظلماته ....... سواء صحيحات العيون وعورها

قال أبو علي: في اللفظة أربع لغات: سوى بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك.
ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا: «قي، وقواء»، وسواءٌ رفع على خبر إنّ، أو رفع على الابتداء وخبره فيما بعده، والجملة خبر إنّ، ويصح أن يكون خبر إنّ لا يؤمنون.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع: «آنذرتهم» بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مد أبي عمرو أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفا، وابن كثير لا يفعل ذلك.
وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية، وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر: فبالهمزتين «أأنذرتهم»، وما كان مثله في كل القرآن.
وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما.
وقرأ الزهري وابن محيصن «أنذرتهم» بحذف الهمزة الأولى، وتدل أم على الألف المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين.
قال الله عز وجل: {فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود} [فصلت: 13]، وقال: {إنّا أنذرناكم عذاباً قريباً} [النساء: 40] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه.
وقوله تعالى: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبرا سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهما أخرج زيد أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهاما). [المحرر الوجيز: 1/ 110-112]

تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ختم اللّه} مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعا إصبعا.
وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختما.
وقال آخرون ممن حمله على المجاز: «الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلانا وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه».
وقرأ الجمهور: وعلى سمعهم.
وقرأ ابن أبي عبلة: «وعلى أسماعهم»، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضا فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة:

هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ....... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما

وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي]:

تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ....... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره.
وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه «غشاوة» بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقف على قوله وعلى سمعهم.
وقرأ الباقون «غشاوة» بالرفع.
قال أبو علي: «وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به» وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب:

... ... ... ... ....... «متقلدا سيفا ورمحا»

وقول الآخر:

... ... ... ... ....... علفتها تبنا وماء باردا

ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة».
قال: «ولم أسمع من الغشاوة فعلا مصرفا بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة».
وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله على قلوبهم.
وقال آخرون: «الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد ذكرنا اعتراض أبي عليّ هذا القول.
وقرأ أبو حيوة «غشوة»، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش.
وقال الثوري: «كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «غشية» بفتح الغين والياء والرفع».
وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك.
وقوله تعالى: {ولهم عذابٌ عظيمٌ}: معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، وعظيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد). [المحرر الوجيز: 1/ 112 -115]

تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون (9)}
كان أصل النون أن تكسر لالتقاء الساكنين، لكنها تفتح مع الألف واللام، ومن قال: استثقلت كسرتان تتوالى في كلمة على حرفين فمعترض بقولهم من ابنك ومن اسمك وما أشبهه.
واختلف النحويون في لفظة النّاس فقال قوم: «هي من نسي فأصل ناس نسي قلب فجاء نيس تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فقيل ناس، ثم دخلت الألف واللام».
وقال آخرون: ناس اسم من أسماء الجموع دون هذا التعليل، دخلت عليه الألف واللام.
وقال آخرون: «أصل ناس أناس دخلت الألف واللام فجاء الأناس، حذفت الهمزة فجاء الناس أدغمت اللام في النون لقرب المخارج».
وهذه الآية نزلت في المنافقين.
وقوله تعالى: {من يقول آمنّا باللّه} رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ من ومعناها، وحسن ذلك لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد، لو قلت ومن الناس من يقولون ويتكلم لم يجز.
وسمى الله تعالى يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل، ثم نفى تعالى الإيمان عن المنافقين، وفي ذلك رد على الكرامية في قولهم إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب). [المحرر الوجيز: 1/ 115-116]

تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (واختلف المتأولون في قوله تعالى: {يخادعون اللّه}.
فقال الحسن بن أبي الحسن: «المعنى يخادعون رسول الله فأضاف الأمر إلى الله تجوزا لتعلق رسوله به، ومخادعتهم هي تحيلهم في أن يفشي رسول الله والمؤمنون لهم أسرارهم فيتحفظون مما يكرهونه ويتنبهون من ضرر المؤمنين على ما يحبونه».
وقال جماعة من المتأولين: «بل يخادعون الله والمؤمنين، وذلك بأن يظهروا من الإيمان خلاف ما أبطنوا من الكفر ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا وفازوا، وإنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب وما شعروا لذلك».
واختلف القراء في يخادعون الثاني.
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «يخادعون».
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: «وما يخدعون».
وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة: «يخدعون» بضم الياء.
وقرأ قتادة ومورق العجلي: «يخدّعون» بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال وشدها.
فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر: [عمرو بن كلثوم]:

ألا لا يجهلن أحد علينا ....... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فجعل انتصاره جهلا، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل. وتتجه أيضا هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر: [الكميت]

تذكر من أنّى ومن أين شربه ....... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الإبل

وأنشد ابن الأعرابي:

لم تدر ما لا ولست قائلها ....... عمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامر نفسيك ممتريا في ....... ها وفي أختها ولم تكد


وقال الآخر:

يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة ....... أيستوتغ الذوبان أم لا يطورها

وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:

وكنت كذات الضنء لم تدر إذ بغت ....... تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني

ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلك الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول: «خادعت الرجل» بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، والمصدر «خدع» بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم وفيها.
ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين: إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى: {واختار موسى قومه} [الأعراف: 155] أي من قومه، وإما أن يكون «يخدعون» أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم، ونحوه قول الله تعالى: {ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله تعالى: {هل لك إلى أن تزكّى} [النازعات: 18] وإنما يقال هل لك في كذا، ولكن لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة الكلام، ومنه قول الفرزدق:

كيف تراني قالبا مجني ....... قد قتل الله زيادا عنّي

لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر: [نحيف العامري]:

إذا رضيت عليّ بنو قشير ....... لعمر الله أعجبني رضاها

لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي.
وأما الكسائي فقال في هذا البيت: «وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجرى نقائضها».
ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله.
قال الخليل: «يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد فاعل إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي تجيء فيه فاعل.
وقوله تعالى: {وما يشعرون}: معناه وما يعلمون علم تفطن وتهد، وهي لفظة مأخوذة من الشعار كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس، والشعار الثوب الذي يلي جسد الإنسان، وهو مأخوذ من الشعر، والشاعر المتفطن لغريب المعاني.
وقولهم: «ليت شعري» معناه ليت فطنتي تدرك، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [المنخل الهذلي].

عقوا بسهم فلم يشعر به أحد ....... ثم استفاؤوا وقالوا حبّذا الوضح

واختلف ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له؛ فقالت طائفة: «وما يشعرون أن ضرر تلك المخادعة راجع عليهم لخلودهم في النار».
وقال آخرون: «وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم في قولهم آمنا»). [المحرر الوجيز: 1/ 116-119]

تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللّه مرضاً ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون (11) ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)}
المرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين وذلك إما أن يكون شكا، وإما جحدا بسبب حسدهم مع علمهم بصحة ما يجحدون، وبنحو هذا فسر المتأولون.
وقال قوم: «المرض غمهم بظهور أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقرأ الأصمعي عن أبي عمر: «مرض» بسكون الراء وهي لغة في المصدر قال أبو الفتح: «وليس بتخفيف».
واختلف المتأولون في معنى قوله فزادهم اللّه مرضاً فقيل هو دعاء عليهم، وقيل هو خبر أن الله قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض.
وقرأ حمزة: «فزادهم» بكسر الزاي، وكذلك ابن عامر، وكان نافع يشم الزاي إلى الكسر، وفتح الباقون.
وأليمٌ معناه مؤلم كما قال الشاعر وهو عمرو بن معدي كرب:

أمن ريحانة الداعي السميع ....... ... ... ... ...

بمعنى: مسمع.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «يكذّبون» بضم الياء وتشديد الذال.
وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الذال، فالقراءة بالتثقيل يؤيدها قوله تعالى قبل: {وما هم بمؤمنين}، فهذا إخبار بأنهم يكذبون.
والقراءة بالتخفيف يؤيدها أن سياق الآيات إنما هي إخبار بكذبهم، والتوعد بالعذاب الأليم، متوجه على الكذب في مثل هذه النازلة، إذ هو منطو على الكفر، وقراءة التثقيل أرجح.
وإذا ظرف زمان، وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة خرجت فإذا زيد ظرف مكان، لأنها تضمنت جثة، وهذا مردود لأن المعنى «خرجت فإذا حضور زيد» فإنما تضمنت المصدر، كما يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم: «اليوم خمر، وغدا أمر» فمعناه وجود خمر ووقوع أمر، والعامل في إذا في هذه الآية قالوا. وأصل قيل قول نقلت حركة الواو إلى القاف فقلبت ياء لانكسار ما قبلها.
وقرأ الكسائي: «قيل وغيض وسيء وسيئت وحيل وسيق وجيء» بضم أوائل ذلك كله، وروي مثل ذلك عن ابن عامر، وروي أيضا عنه أنه كسر «غيض وقيل وجيء»، الغين والقاف والجيم حيث وقع من القرآن وضم نافع من ذلك كله حرفين «سيء وسيئت» وكسر ما بقي. وكان ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة يكسرون أوائل هذه الحروف كلها، والضمير في لهم هو عائد إلى المنافقين المشار إليهم قبل.
وقال بعض الناس: «الإشارة هنا هي إلى منافقي اليهود».
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية:«لم يجئ هؤلاء بعد»، ومعنى قوله: لم ينقرضوا بل هم يجيئون في كل زمان). [المحرر الوجيز: 1/ 119-121]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 11:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27 جمادى الأولى 1435هـ/28-03-2014م, 11:25 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,166
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
يقول تعالى: {إنّ الّذين كفروا} أي: غطوا الحقّ وستروه، وقد كتب اللّه تعالى عليهم ذلك، سواءٌ عليهم إنذارك وعدمه، فإنّهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: {إنّ الّذين حقّت عليهم كلمة ربّك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كلّ آيةٍ حتّى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97]، وقال في حقّ المعاندين من أهل الكتاب: {ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قبلتك} الآية [البقرة: 145] أي: إنّ من كتب اللّه عليه الشّقاوة فلا مسعد له، ومن أضلّه فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وبلّغهم الرّسالة، فمن استجاب لك فله الحظّ الأوفر، ومن تولّى فلا تحزن عليهم ولا يهمدنّك ذلك؛ {فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرّعد: 40]، و {إنّما أنت نذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ وكيلٌ}[هودٍ: 12].
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص أن يؤمن جميع النّاس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللّه تعالى أنّه لا يؤمن إلّا من سبق له من اللّه السعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلّا من سبق له من اللّه الشّقاوة في الذّكر الأوّل».
وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنّا قد آمنّا بما جاءنا قبلك {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: إنّهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟!».
وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، قال:«نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الّذين قال اللّه فيهم: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار * جهنّم يصلونها} [إبراهيم: 28، 29]».
والمعنى الّذي ذكرناه أوّلًا وهو المرويّ عن ابن عبّاسٍ في رواية عليّ بن أبي طلحة، أظهر، ويفسّر ببقيّة الآيات الّتي في معناها، واللّه أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتمٍ هاهنا حديثًا، فقال: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالحٍ المصريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثني عبد اللّه بن المغيرة، عن أبي الهيثم عن عبد اللّه بن عمرٍو، قال: قيل: يا رسول اللّه، إنّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: "ألا أخبركم"، ثمّ قال: "{إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هؤلاء أهل النّار". قالوا: لسنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: "أجل".
[وقوله: {لا يؤمنون} محلّه من الإعراب أنّه جملةٌ مؤكّدةٌ للّتي قبلها: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: هم كفّارٌ في كلا الحالين؛ فلهذا أكدّ ذلك بقوله: {لا يؤمنون}، ويحتمل أن يكون {لا يؤمنون} خبرًا لأنّ تقديره: إنّ الّذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} جملةٌ معترضةٌ، واللّه أعلم] ). [تفسير ابن كثير: 1/ 173-174]

تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
قال السّدّيّ: {ختم اللّه} أي: طبع اللّه، وقال قتادة في هذه الآية: «استحوذ عليهم الشّيطان إذ أطاعوه؛ فختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ، فهم لا يبصرون هدًى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون».
وقال ابن جريج: قال مجاهدٌ: {ختم اللّه على قلوبهم} قال: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من كلّ نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ:«الختم على القلب والسّمع».
قال ابن جريج: وحدّثني عبد اللّه بن كثير، أنّه سمع مجاهدًا يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشدّ من ذلك كلّه».
وقال الأعمش: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذه -يعني: الكفّ-فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه»، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، «فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى،« فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى وهكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها، ثمّ قال:«يطبع عليه بطابعٍ».
وقال مجاهدٌ: «كانوا يرون أنّ ذلك: الرّين».
ورواه ابن جريرٍ: عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، بنحوه.
قال ابن جريرٍ: وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه عن تكبّرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
قال: وهذا لا يصحّ؛ لأنّ اللّه قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
(قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها].
واعلم أنّ الوقف التّامّ على قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم}، وقوله {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} جملةٌ تامّةٌ، فإنّ الطّبع يكون على القلب وعلى السّمع، والغشاوة -وهي الغطاء-تكون على البصر، كما قال السّدّيّ في تفسيره عن أبي مالكٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} يقول: «فلا يعقلون ولا يسمعون، ويقول: وجعل على أبصارهم غشاوةً، يقول: على أعينهم فلا يبصرون».
قال ابن جريرٍ: حدّثني محمّد بن سعدٍ حدّثنا أبي، حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم».
وقال: حدّثنا القاسم، حدّثنا الحسين، يعني ابن داود، وهو سنيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمّدٍ الأعور، حدّثني ابن جريجٍ قال: «الختم على القلب والسّمع، والغشاوة على البصر، قال اللّه تعالى: {فإن يشأ اللّه يختم على قلبك} [الشّورى: 24]، وقال {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً} [الجاثية: 23].».
قال ابن جريرٍ: ومن نصب غشاوةً من قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} يحتمل أنّه نصبها بإضمار فعلٍ، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوةً، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع، على محلّ {وعلى سمعهم} كقوله تعالى: {وحورٌ عينٌ} [الواقعة: 22]، وقول الشّاعر:

علفتها تبنًا وماءً باردًا ....... حتّى شتت همّالةً عيناها

وقال الآخر:

ورأيت زوجك في الوغى ....... متقلّدًا سيفًا ورمحًا

تقديره: وسقيتها ماءً باردًا، ومعتقلا رمحًا.
لمّا تقدّم وصف المؤمنين في صدر السّورة بأربع آياتٍ، ثمّ عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين). [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]


تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (شرع تعالى في بيان حال المنافقين الّذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولمّا كان أمرهم يشتبه على كثيرٍ من النّاس أطنب في ذكرهم بصفاتٍ متعدّدةٍ، كلٌّ منها نفاقٌ، كما أنزل سورة براءةٌ فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النّور وغيرها من السّور، تعريفًا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبّس بها أيضًا، فقال تعالى:{ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون (9)}
النّفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشّرّ، وهو أنواعٌ: اعتقاديٌّ، وهو الّذي يخلد صاحبه في النّار، وعمليٌّ وهو من أكبر الذّنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء اللّه تعالى، وهذا كما قال ابن جريجٍ: «المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه».
وإنّما نزلت صفات المنافقين في السّور المدنيّة؛ لأنّ مكّة لم يكن فيها نفاقٌ، بل كان خلافه، من النّاس من كان يظهر الكفر مستكرها، وهو في الباطن مؤمنٌ، فلمّا هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليّتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النّضير، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلمّا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلّ من أسلم من اليهود إلّا عبد اللّه بن سلام، رضي اللّه عنه، ولم يكن إذ ذاك نفاقٌ أيضًا؛ لأنّه لم يكن للمسلمين بعد شوكةٌ تخاف، بل قد كان، عليه الصّلاة والسّلام، وادع اليهود وقبائل كثيرةً من أحياء العرب حوالي المدينة، فلمّا كانت وقعة بدرٍ العظمى وأظهر اللّه كلمته، وأعلى الإسلام وأهله، قال عبد اللّه بن أبيّ بن سلول، وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيّد الطّائفتين في الجاهليّة، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا، واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلمّا كانت وقعة بدرٍ قال: هذا أمرٌ قد توجّه فأظهر الدّخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممّن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثمّ وجد النّفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأمّا المهاجرون فلم يكن فيهم أحدٌ، لأنّه لم يكن أحدٌ يهاجر مكرهًا، بل يهاجر ويترك ماله، وولده، وأرضه رغبةً فيما عند اللّه في الدّار الآخرة.
قال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ: ».«{ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} يعني: المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم».
وكذا فسّرها بالمنافقين أبو العالية، والحسن، وقتادة، والسّدّيّ.
ولهذا نبّه اللّه، سبحانه، على صفات المنافقين لئلّا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فسادٌ عريضٌ من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفّارٌ في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظنّ بأهل الفجور خير، فقال تعالى: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} أي: يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيءٌ آخر، كما قال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول اللّه} [المنافقون: 1] أي: إنما يقولون ذلك إذا جاؤوك فقط، لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكّدون في الشّهادة بإن ولام التّأكيد في خبرها؛ كما أكّدوا قولهم: {آمنّا باللّه وباليوم الآخر} وليس الأمر كذلك، كما أكذبهم اللّه في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنّسبة إلى اعتقادهم، بقوله: {واللّه يشهد إنّ المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]، وبقوله {وما هم بمؤمنين} ). [تفسير ابن كثير: 1/ 176 - 177]

تفسير قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {يخادعون اللّه والّذين آمنوا} أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنّهم يخدعون اللّه بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنّه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: {يوم يبعثهم اللّه جميعًا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنّهم على شيءٍ ألا إنّهم هم الكاذبون} [المجادلة: 18]؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} يقول: وما يغرّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلّا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: {إنّ المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم} [النّساء: 142].
ومن القرّاء من قرأ: "وما يخادعون إلا أنفسهم"، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد). [تفسير ابن كثير: 1/ 177]

تفسير قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللّه مرضًا ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون (10) }
قال ابن جريرٍ: فإن قال قائلٌ: كيف يكون المنافق للّه وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقدٌ إلّا تقيّةً؟
قيل: لا تمتنع العرب أن تسمّي من أعطى بلسانه غير الّذي في ضميره تقيّةً، لينجو ممّا هو له خائفٌ، مخادعًا، فكذلك المنافق، سمّي مخادعًا للّه وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيّةً، ممّا تخلّص به من القتل والسّباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر، مستبطنٌ، وذلك من فعله -وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدّنيا-فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ، لأنّه يظهر لها بفعله ذلك بها أنّه يعطيها أمنيّتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو مورّدها حياض عطبها، ومجرّعها بها كأس عذابها، ومزيرها من غضب اللّه وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعته نفسه، ظنًّا منه -مع إساءته إليها في أمر معادها-أنّه إليها محسنٌ، كما قال تعالى: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربّهم بكفرهم، وشكّهم وتكذيبهم، غير شاعرين ولا دارين، ولكنّهم على عمياء من أمرهم مقيمون.
وقال ابن أبي حاتمٍ: أنبأنا عليّ بن المبارك، فيما كتب إليّ، حدّثنا زيد بن المبارك، حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن ابن جريج، في قوله تعالى: {يخادعون اللّه} قال: «يظهرون "لا إله إلّا اللّه" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك».
وقال سعيدٌ، عن قتادة: {ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} نعت المنافق عند كثيرٍ: خنع الأخلاق يصدّق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله، يصبح على حالٍ ويمسي على غيره، ويمسي على حالٍ ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السّفينة كلّما هبّت ريحٌ هبّ معها.
{في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللّه مرضًا ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون}
قال السّدّيّ، عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية: {في قلوبهم مرضٌ} قال: « شكٌّ»، {فزادهم اللّه مرضًا} قال: «شكًّا».
وقال [محمّد] بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ [في قوله] {في قلوبهم مرضٌ} قال: «شك».
وكذلك قال مجاهدٌ، وعكرمة، والحسن البصريّ، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة.
وعن عكرمة، وطاوسٍ: «{في قلوبهم مرضٌ} يعني: الرّياء».
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {في قلوبهم مرضٌ} قال: «نفاقٌ»، {فزادهم اللّه مرضًا} قال: «نفاقًا»، وهذا كالأوّل.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {في قلوبهم مرضٌ} قال: «هذا مرضٌ في الدّين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون، والمرض: الشّكّ الّذي دخلهم في الإسلام {فزادهم اللّه مرضًا} قال: زادهم رجسًا، وقرأ: {فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون * وأمّا الّذين في قلوبهم مرضٌ فزادتهم رجسًا إلى رجسهم} [التّوبة: 124، 125] قال: شرًّا إلى شرّهم وضلالةً إلى ضلالتهم».
وهذا الّذي قاله عبد الرّحمن، رحمه اللّه، حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: {والّذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم} [محمّدٍ: 17].
وقوله {بما كانوا يكذبون} وقرئ: "يكذّبون"، وقد كانوا متّصفين بهذا وهذا، فإنّهم كانوا كذبةٌ يكذّبون بالحقّ يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبيّ وغيره من المفسّرين عن حكمة كفّه، عليه السّلام، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبةً عن ذلك: منها ما ثبت في الصّحيحين: أنّه قال لعمر: «أكره أن يتحدّث العرب أنّ محمّدًا يقتل أصحابه»، ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغيّرٌ لكثيرٍ من الأعراب عن الدّخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأنّ قتله إيّاهم إنّما هو على الكفر، فإنّهم إنّما يأخذونه بمجرّد ما يظهر لهم فيقولون: إنّ محمّدًا يقتل أصحابه، قال القرطبيّ: وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلّفة قلوبهم مع علمه بشرّ اعتقادهم، قال ابن عطيّة: وهي طريقة أصحاب مالكٍ نصّ عليه محمّد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهريّ وابن الماجشون، ومنها: ما قال مالكٌ، رحمه اللّه: إنّما كفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المنافقين ليبيّن لأمّته أنّ الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبيّ: وقد اتّفق العلماء عن بكرة أبيهم على أنّ القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، قال: ومنها ما قال الشّافعيّ: إنّما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأنّ ما يظهرونه يجبّ ما قبله. ويؤيّد هذا قوله، عليه الصّلاة والسّلام، في الحديث المجمع على صحّته في الصّحيحين وغيرهما: «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها، وحسابهم على اللّه، عزّ وجلّ»، ومعنى هذا: أنّ من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدّار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدّنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنّكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم وغرّتكم الأمانيّ حتّى جاء أمر اللّه} الآية [الحديد: 14]، فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقّت المحقوقيّة تميّزوا منهم وتخلّفوا بعدهم {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأٍ: 54] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث، ومنها ما قاله بعضهم: أنّه إنّما لم يقتلهم لأنّه كان يخاف من شرّهم مع وجوده، عليه السّلام، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات اللّه مبيّناتٍ، فأمّا بعده فيقتلون إذا أظهروا النّفاق وعلمه المسلمون، قال مالكٌ: المنافق في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الزّنديق اليوم.
قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزّنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا، أو يفرّق بين أن يكون داعيةً أم لا أو يتكرّر منه ارتداده أم لا أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوالٍ موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.
(تنبيهٌ) قول من قال: كان عليه الصّلاة والسّلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنّما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الّذين همّوا أن يفتكوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ظلماء اللّيل عند عقبةٍ هناك؛ عزموا على أن ينفروا به النّاقة ليسقط عنها فأوحى اللّه إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعلّ الكفّ عن قتلهم كان لمدركٍ من هذه المدارك أو لغيرها واللّه أعلم.
فأمّا غير هؤلاء فقد قال تعالى: {وممّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} الآية، وقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلا} ففيها دليلٌ على أنّه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنّما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسّمها في بعضهم كما قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول} وقد كان من أشهرهم بالنّفاق عبد اللّه بن أبيّ بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الّذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لمّا مات [صلّى عليه] صلّى اللّه عليه وسلّم وشهد دفنه كما يفعل ببقيّة المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه فيه فقال: «إنّي أكره أن تتحدّث العرب أنّ محمّدًا يقتل أصحابه»، وفي روايةٍ في الصّحيح: «إنّي خيّرت فاخترت»، وفي روايةٍ: «لو أنّي أعلم لو زدت على السّبعين يغفر اللّه له لزدت».). [تفسير ابن كثير: 1/ 178 -180]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:07 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة