العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة التفاسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #26  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:52 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

معنى الحسد وبيان أنواعه

والحاسد هو الذي يتمنّى زوال النعمة عن المحسود أو دوام البلاء عليه؛ فيحسده على النعمة الحادثة أو يحسده على النعمة التي يحتاجها، وكل ذلك من الحسد.
ولذلك فإن الحسد على نوعين:
أحدهما: تمنّي زوال النعمة الموجودة.
والنوع الآخر: تمنّي دوام البلاء.
قال ابن القيم في صاحب هذا النوع من الحسد: (فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحبّ أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله، أو قلّة دينه، فهو يتمنّى دوام ما هو فيه من نقص وعيب) ا.هـ.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:53 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

الفرق بين الحسد والغبطة

أهل العلم فرقوا بين الحسد والغبطة في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكم فهو يقضي بها ويعلّمها)). متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
فهذا الحسد هو الغبطة وهو أن يتمنّى مثل النعمة التي أعطيها أخوه المسلم من غير أن يتمنى زوالها عنه.

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:54 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


معنى التقييد بالظرف في قوله تعالى: {إذا حسد}

والحسد أصله صفة كامنة في كثير من النفوس، وإذا بقي الحسد كامنا فإنه لا يضر، لكن {إذا حسد} أي: إذا فَعل هذا الفعل وهو الحسد؛ فإنه يضر بإذن الله تعالى.
ولذلك أمرنا بالاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد.
وهذا كما يقال في المرأة: هي مرضع؛ أي إذا كان لها ولد في سِنّ الرَّضاع ، ولها ما ترضعه.
ويقال: هي مرضعة، إذا كانت تُرضِع بالفعل، فالصفة الأولى للقدرة على الفعل وقابلية الاتصاف به، والصفة الثانية للفعل نفسه.
ولذلك تسمّى المرأة مرضعاً وإن لم تكن مرضعة في الحال.
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها}
فالمرضعة هي التي ترضع ولدها بالفعل فهو يلتقم ثديها، إذا رأت الساعة ذهلت عن رضيعها.
وهكذا الحاسد، حسده كامن في نفسه، فإذا رأى النعمة على غيره ظهر هذا الحسد، وخرج من نفسه وعينه سهام مسمومة على المحسود فتؤثر فيه بإذن الله، ومنهم من يحمله الحسد على الكيد والبغي.
وأما من يكون في نفسه وطبعه حسد كامن وإذا رأى ما يعجبه من النعمة على غيره دعا للمنعم عليه بالبركة واستعاذ بالله من شر نفسه، فإن حسده لا يضره ولا يضر صاحب النعمة، ومن كان كذلك في معاملة نفسه بكفّها عن الحسد، بالدعاء بالبركة وسؤال الله من فضله فإن صفة الحسد تضعف عنده حتى تضمحلّ ويحلّ محلها إرادة الخير للناس ومحبة نفعهم ، فيكون سليم الصدر طيب القلب ، لا يحسد ولا يحقد.
ويثاب على ذلك بأنواع من الفضل العظيم؛ والله تعالى يحبّ من عبده أن لا يحسد أحداً على فضل آتاه الله إياه؛ ولذلك فإن العبد قد يُبتلى بما يرى على غيره من النعم، فإن حسدهم فقد كره قسمة الله تعالى وتصريفه الرزق بين عباده. (ق)
وبذلك تعلم أن الحسد من أعظم الذنوب ، وأنه مما يقدح في التوحيد.
والمؤمن الصالح إذا رأى نعمة على غيره وهو يحب مثلها لنفسه دعا لأخيه بالبركة وسأل الله من فضله، فكان حريّاً بأن يستجاب له.
وقد قال الله تعالى: {واسألوا الله من فضله}.
وأما من أطلق لنفسه العنان في الحسد، وإذا رأى ما يعجبه من النعم حسد أصحابها، فإن هذه القوة الحاسدة تنمو لديه وتعظم ويعظم أثرها حتى يكون حسوداً كثير الحسد شديد الأذى.
وبهذا تعلم أن الحاسدين على درجات، وأن من أهل الحسد من يكون حسده كثيراً شديداً، ومنهم من يكون حسده دون ذلك، ومنهم من يحسد أحياناً.
فقد يكون الحسد في طبع المرء، ويعرف من نفسه الحسد، لكنه لا يحسد كثيراً من الناس وإنما يقع حسده على فئة بعينها أو شخص بعينه.
فأظهر الأقوال في معنى التقييد بالظرف في الآية في قوله تعالى: {إذا حسد} هو ما تقدم من العمل بالحسد سواء أكان العمل قلبياً أم بالجوارح.
وقد عبّر عنه ابن القيم تعبيراً حسناً فقال: (قد يكون الرجل في طبعه الحسد، وهو غافل عن المحسود لاهٍ عنه، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه، ووَجّهت إليه سهامَ الحسد من قِبَله، فيتأذى المحسود بمجرّد ذلك) ا.هـ.
وبنحو هذا القول قال جماعة من المفسرين.
وبما تقدم نعرف جواب السؤال الذي أثاره بعض المفسرين عن معنى التقييد بالظرف في قوله تعالى: {ومن شر غاسق إذا وقب} وقوله: {ومن شر حاسد إذا حسد} دون أن يكون هذا التقييد في النفاثات.
وقد اختلفت أجوبة المفسرين على هذا السؤال ، وأقرب الأقوال أن الغاسق يكون شره عند وقوبه فإذا كفي العبد شرّه عند وقوبه فقد سلم منه.
وكذلك الحاسد فإن حسده كامن في نفسه لا يضر أحداً إلا {إذا حسد}، ولذلك قد يَرى الحاسد صاحب نعمة ولا يحسده ، إما لأن نفسه لا تتعلق بتلك النعمة أو لأنه لا عداوة بينه وبين ذلك المنعم عليه، فلا يضره.
وأما النفاثات في العقد فإن النفث في العقد هو نفسه هو فعل للسحر فيضر ، فهو نظير فعل الحسد ووقوب الليل.

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:55 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


أنواع الحاسدين

والحاسدون كثيرون، وقد أخبرنا الله بحسد بعضهم في كتابه الكريم، وحذرنا منهم .
فمنهم إبليس وذريته من الشياطين.
ومنهم الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم : قال الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير}.
وقال تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}.
وقد روى البخاري في الأدب في المفرد وإسحاق ابن راهوية من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين)).
وفي رواية لابن خزيمة: ((إن اليهود قوم حُسُد وهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على السلام وعلى آمين)).
وبذلك تعلم أن الحسد منه حسد عام وحسد خاص.
فالحسد العام: هو حسد الكفار للمؤمنين، وحسد الشياطين لبني آدم، وحسد المنافقين، وحسد السحرة.
والحسد الخاص: هو الحسد الذي يكون على الشخص نفسه أو على طائفة بخصوصها.
وكلا النوعين فيهما شر يُستعاذ منه، لذلك ينبغي أن يستحضر المستعيذ الاستعاذة من الحسد كله عامّه وخاصه.

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:56 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

ما هو شر الحاسد؟

وههنا مسألة مهمة تتعلق بتفسير الآية: وهي ما هو شر الحاسد؟
والخلاصة: أن شر الحاسد على نوعين:
النوع الأول: شر نفسه وشر عينه، قال قتادة في تفسير قول الله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} قال: (من شرّ عينه ونفسه).
والفرق بين النفس والعين هنا أن العين: ما كان عن معاينة وحضور، فيصيبه بعينه بإذن الله فيؤثر فيه ذلك.
والنفس: هي تعلّق نفس الحاسد بالنعمة التي لدى المحسود فيؤثر فيها ذلك بإذن الله.
النوع الثاني: ما ينشأ عن الحسد من الكيد والبغي وقول السوء بل ربما يصل الأمر ببعض الحسدة إلى استعمال السحر والعياذ بالله للإضرار بالمحسود؛ فهذا كله من شر الحاسد.
وهذا الشر قد يكون في حَجْب ما ينفع المحسود، وقد يكون في جَلْب ما يضرّه، وكل ذلك من الحسد.
فبعض الحسدة إذا ذكر عنده من يراد نفعه بشيء اجتهد في صرف ذلك النفع عنه حسداً وبغياً، وهو قد لا يسعى في الأذية والنكاية المباشرة وجلب الضرر، لكنه لا يودّ أن ينال هذا المحسود ما استحسنه من الخير.
وبعض الحسدة يجاوز هذا إلى إرادة الإضرار والاجتهاد في إيقاع الأذى بما يستطيع من الوسائل والعياذ بالله.
وأنت إذا تأملت هذا وجدت أن الحُسَّادَ على درجات وأنواع كثيرة في حسدهم.
والاستعاذة بالله من شر الحاسد تشتمل على هذه الأنواع كلها: من شر نفسه وعينه، ومن شر بغيه وكيده، ومن شر سعيه في صرف الخير أو جلب الضر.
وإذا كانت استعاذة العبد بالله من شر الحاسد استعاذة صحيحة فإن الله يعيذه، ولا بدّ، لأن الله قد أمر بالاستعاذة به من شر الحاسد إذا حسد، وهذا يتضمن وعده جلّ وعلا بالإعاذة، والله تعالى لا يُخلف الميعاد، وإنما يؤتى العبد من قبل نفسه، ولذلك كان بعض السلف يقولون: (إنا لا نحمل همّ الإجابة، وإنما نحمل همّ الدعاء).
نسأل الله تعالى أن يعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا، ومن شرور أهل الحسد.
قال ابن جرير: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد؛ فعانه أو سحره، أو بغاه سوءاً).

وبعض المعتزلة خرجوا بقولين في هذه المسألة وهي مسألة المراد بشر الحاسد:
القول الأول: شر كيده وبغيه.
والقول الثاني: شر إثمه وسماجة حاله ورأيه، وقبح ما أظهر من الحسد.
وهذان القولان ذكرهما الزمخشري في تفسيره، وسبب ذلك أن المعتزلة ينكرون الإصابة بالعين والنفس.
فقولهم الأول حقّ وهو جزء من المعنى المراد، لكن لا يُقصر عليه.
وأما قولهم الثاني فإنا وإن كنا لا ننكر أن الحاسد آثم وأنَّ عمله قبيح وحالَه سمجة بالحسد إلا أننا نرى أن هذا شر قاصر على الحاسد لا يتعدّى لغيره؛ والمناسب في هذه الحال هو سؤال العافية مما ابتلي به لا الاستعاذة منه.
والآية دلت على أن شر الحاسد متعدٍّ غيرِ قاصر.

رد مع اقتباس
  #31  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 12:56 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


حكم الحسد

ونحن قد نهينا عن الحسد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَقَاطَعُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ)). رواه البخاري ومسلم، ولهما من حديث أبي هريرة نحوه.
قال الإمام مالك: (لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن أخيك المسلم فتدبر عنه بوجهك).
وفي مسند الإمام أحمد ومصنف عبد الرزاق وجامع الترمذي وغيرها من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبّت ذلك لكم، أفشوا السلام بينكم)).
وفي رواية: ((أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)).
وفي سنن النسائي وصحيح ابن حبان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد)).
الإيمان المنفي هنا: هو الإيمان الواجب، وليس أصل الإيمان.
وفي النهي عن الحسد والتحذير أحاديث في بعضها مقال كحديث: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب). رواه البخاري في التاريخ الكبير وأبو داوود في سننه.
قال البخاري: لا يصح.
وضعفه الألباني.
وحديث: (الحسد يطفئ نور الحسنات). في سنن أبي داوود، وفيه ضعف.
وما تقدم من الأحاديث الصحيحة في النهي عن الحسد والتحذير منه فيه كفاية وغنية.
وقد نقل النووي إجماع الأمة على تحريم الحسد.

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:01 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

الأسباب التي تحمل على الحسد

قال البيهقي في شعب الإيمان: (الحاسد يعتبر إحسان الله تعالى إلى أخيه المسلم إساءة إليه، وهذا جهل منه لأن الإحسان الواقع بمكان أخيه لا يضره شيئاً، فإن ما عند الله واسع).
وقد تكلّم بعض أهل العلم في الأسباب التي تحمل الحاسد على الحسد ؛ فقال الشيخ عطية سالم: (الحامل على الحسد أصله أمران:
الأول: ازدراء المحسود.
والثاني: إعجاب الحاسد بنفسه) ا.هـ.
ولذلك ينبغي للمسلم أن لا يحقر مسلماً ولا يزدريه ولا يفخر عليه، وليعلم أن لبعض الناس خبايا من الأعمال الصالحة قد لا يدركها كثير من الناس، وإن لم يكن يُعرف عنهم كثرة عبادة وصلاة ، ولا كثرة علم ولا ذكاء ؛ فإن الأسباب التي يوفق الله تعالى بها عباده قد تكون خفية على كثير من الناس.
فمن أبصر هذا حقيقة لم يحقر مسلماً ولم يزدريه، وبذلك يقضي على نصف الحسد، ويبقى عليه النصف الآخر، وهو الإعجاب بنفسه واعتقاد فضيلتها وأنها تستحق أن تُكرم بما يرى أنه يليق بها، فيبتغي بذلك الشرف عند عامة الناس أو عند أهل العلم والدين، وإذا استؤثر عليه بشيء من التكريم أو كُرِّم مكانه غيره انبعثت نار الحسد من قلبه، وكرِه ذلك جداً، وتمنّى انتقال ذلك التكريم إليه وحرمانه من يحسده.
فهذا ينبغي له أن يُعالج قلبه، ويعرف قدر نفسه، وأن فضل الله تعالى لا يُدرك بمعصية الله، وإنما يُطلب من الله بما هدى الله إليه.
فإذا ذهب عنه إعجابه بنفسه واعتقاده فضيلتها ولم يحتقر غيره، لم يحسد لذهاب دوافع الحسد وأسبابه التي تثيره وتحمل عليه.
لكن هذه الدرجة لا يبلغها إلا من وفقه الله ، وكان بصيراً بعيب نفسه مشتغلاً به عن عيوب الناس، مقبلا على ما ينفعه ويقربه من الله، يعتقد أن الفضل لله وحده يؤتيه من يشاء.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:03 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

أصل معنى الحسد في اللغة

وقد ذكر بعض علماء اللغة أن أصل لفظ الحسد مشتقٌّ من القَشْرِ؛ وذكروا أن القُراد سمّي حِسْدِلاً لهذا المعنى.
قال ابن الأعرابي (الحِسْدِلُ: القُرَادُ). قال: (ومنه أُخذ الحَسَد لأنه يَقْشِرُ القَلْب كما يَقْشر القُراد الجلد فيمتص دمه).
وهذا ذكره أبو منصور الأزهري وغيره.
وقال البغوي في شرح السنة: (الحسد يقشر القلب، كما يقشر القراد الجلد، فيمص الدم) ا.هـ.
فكأن الحسد يلصق بقلب صاحبه كما يلصق القراد بالجلد، حتى يكاد يفعل به كما يفعل القراد بالجلد، فيمتص دم صاحبه ويودعه من الحُرَق والضيق ما تضيق به حاله ويتنكّد به عيشه.
فهذا وجه.
ووجه آخر أن الحاسد تتعلق نفسه بصاحب النعمة كتعلّق القُراد بالجلد فهو دائم التفكير فيه والتذكر له، ونفسه نهمة شرهة تريد أن يُسلب هذه النعمة، وأن تُستخرج من صاحبها، كما يَستخرج القُراد الدم ويمتصه.

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:04 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

أصول مهمة في علاج الحسد

وقد عرفنا بما تقدّم معنى الحسد لغة، وتعريف العلماء للحسد، وأنه تمنّي زوال النعمة عن المحسود، وعرفنا أنواع الحسد.
وأما حقيقة الحسد ومصدر انبعاثه، وكيفية خروجه ووصوله إلى المحسود وتأثيره فيه، وما هو مبلغ أثره، وما الذي يصحّ أن يكون من أثره، وما الذي لا يصح.
فهذه المسائل كلها فيها مواضع معلومة لا يُختلف فيها غالباً، وفيه مواضع اختلف فيها أهل العلم.
حتى قال الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان: (وأما حقيقة الحسد فيتعذر تعريفه منطقياً).
وذكر قولَ بعضهم في بيان حقيقته: أنه إشعاع غير مرئي ينتقل من قلب الحاسد إلى المحسود. إلخ ما ذكر رحمه الله.
لكن ينبغي لطالب العلم أن يعرف أصولاً صحيحة في هذا الباب حتى يستقيم له فهم كثير من النصوص والآثار الواردة فيه، ويفهم مسائل الحالات التي تعرض له في الواقع فهماً سليماً مبنيّاً على أصول صحيحة بإذن الله.
ويسلم بذلك من كثيرٍ من الأخطاء الشائعة في هذا الباب.
وما عدا ذلك من الأمور والتفصيلات الدقيقة فلا يضره الجهل بها بإذن الله، وبعضها من علم الغيب الذي لا يدركه الناس.
ونحن إنما علينا اتباع هدى الله جلّ وعلا، وما نحتاج إلى معرفته من ذلك فإن الله تعالى قد تكفل ببيانه، كما قال تعالى: {إن علينا للهدى}.
فإذا اتبعنا هدى الله أنجز الله لنا ما وعدنا به من السلامة من الضلال والشقاء والخوف والحزن، وهدانا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور.
فلذلك ينبغي أن يكون عملنا هو في طلب هذا الهدى من الله جلّ وعلا، بما فصّله في كتابه ، وبما بينه عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي هديه أحسن الهدي، وبما أوضحه أهل العلم والإيمان الذين هم ورثة الأنبياء والمؤتمنون على هذا العلم رواية ودراية ورعاية.
وبيان هذه الأصول يستدعي بسطاً وتفصيلاً لا يحتمله هذا المقام، ولعل الله يوفق لحسن بيانه في مقام آخر.

لكن من خلاصة ما ينبغي علمه في هذا الباب هذه الأصول التي أذكرها بإيجاز:
الأصل الأول: أن الحسد عَملٌ قلبيّ، لاتفاق العلماء على أنه تمنّي زوال النعمة عن المحسود، والتمنّي عملٌ قلبي.
وبعضهم ينسبه إلى النفس، فيقول الحسد من عمل النفس.
كما قال الطَّرِمَّاح:
فبيت ابنِ قحطانَ خير البيوتْ ..... على حسد الأنفس الكاشحة
ولا تعارض بين الأمرين لأن القلب لا حياة له إلا بالنفس التي هي الروح.
والقلب الميّت ليس له عمل، وإنما الذي يحسد قلب الحي لا قلب الميّت؛ فانبعاث الحسد هو من قلب الحاسد الحيّ.

الأصل الثاني: أن الحسد فيه شرّ متعدٍ، ولذلك أُمرنا بالاستعاذة من شرّ الحاسد إذا حسد، وهذا الحسد شرّ في نفسه، وقد ينتج عنه شرور متعددة ذات أنواع كثيرة لا يحيط بها إلا الله جلّ وعلا.
وهذا يدفع قول من يُنكر أن الحسد فيه شرّ متعدي.

الأصل الثالث: أن الحسد داء من الأدواء، وآفة من الآفات ، يمكن أن يتعافى منه الحاسد والمحسود إذا اتبعا هدى الله جل وعلا؛ فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله.

الأصل الرابع: أن من يُبتلى بالحسد ، ويؤثر فيه شيئاً من الأذى في جسده أو روحه أو أهله أو ماله ؛ فإن هذا البلاء في حقه دائر بين العقوبة والابتلاء، والعقوبة فيها تكفير للمسلم، فقد يكون حسد غيرَه؛ فسُلِّط عليه من يحسده، وقد يكون آذى أو ظلم فسُلّطت عليه آفات في نفسه وما يحبه؛ ولو تخلّص العبد من تزكيته لنفسه ومبالغته في إحسان الظنّ بها ، وتأمّل كم حَسد من مرة، وكم تسبب في أذية مسلم ونكده، وكم تسبب في صرف نفع عن إخوان له بغياً وعدواناً وحسداً؛ لعلم أنه لو عوقب بكلّ ذلك ، لكان في ذلك هلاكه وشقاؤه.
وقد روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له : حدّثنا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى إلي صحيفة، فقال: (هذا ما كتب لي النبي صلى الله عليه وسلم).
فنظرت فيها فإذا فيها : إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله! علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت). فقال: ((يا أبا بكر! قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم)). هذا لفظ البخاري في الأدب المفرد، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي.
صححه الألباني، وفسّر قول الرواي كتب لي النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمر بالكتابة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب كما هو ثابت.
فمما ينبغي أن يحرص عليه المؤمنُ تزكيةَ نفسه وتطهيرَ قلبه من الحسد والغل والحقد، وأن يكفّ أذاه عن المسلمين.
لأنه إن لم يفعل ذلك فلا يأمن أن يُعاقب على أذيته بما لا يحتمله.
وكثرة الاستغفار وتكرار التوبة وفعل الخير من الأسباب التي يدفع الله عز وجلّ بها هذه العقوبات.
فهذا في شأن من يكون هذا البلاء في حقهم عقوبة؛ هو شرّ من جهة، ومن جهة أخرى فتنة وابتلاء لهم لأنهم إذا أنابوا إلى الله وتضرعوا إليه وتابوا توبة صحيحة من الظلم والعدوان رُفعت عنهم العقوبة لزوال موجبها.
ويكون ما أصابهم من ذلك تكفيراً لسيئاتهم.
وأما من استمرأ الحسد والأذى وهو يُعاقَب، فيحسد ويؤذي ويعرض عن ذكر الله واتباع هداه فإنه على خطر أن يُطبع على قلبه فلا يهتدي للتوبة.
لكن ما دام المرء باقيا على الإسلام فإن ما يصيبه من العقوبات في الدنيا على ذنوبه تكفير لسيئاته، وما يعفو الله عنه أكثر، وقد يبقى عليه من العقوبات بعد موته عذاب لا يطيقه في قبره أو يوم القيامة أو في النار والعياذ بالله، حتى لا يدخل الجنة إلا وقد تطهّر قلبه وذهب ما فيه من الحسد والبغضاء للمسلمين.
ومن المؤمنين المتقين من يصيبه شيء من ذلك ابتلاء واختباراً فإن اتبع هدى الله كان ذلك رفعة لدرجاته وإحساناً من الله إليه أن جعل له بذلك سبباً يحلّ عليه رضوانه.
وأصل هذا كله أن يكون العبد راضياً بالله جل وعلا ربّا، وأن يحسن الظن بربه، فيما أصابه من البلاء، وأن يحرص على الصبر والتقوى فيكون بذلك من المحسنين الذين كتب الله لهم العاقبة الحسنة.
قال الله تعالى: {والعاقبة للتقوى} وقال: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} ، وقال: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فجعل الإحسان لأهل البلاء هو الصبر والتقوى.

الأصل الخامس: أن الحسد من البلاء ، والعبد لا اختيار له في نوع البلاء الذي يُبتلى به، بل الله تعالى هو الذي يبتلي عباده بما يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء، والعبد لا يستطيع أن يدفع البلاء عن نفسه، ولا يكشف الضر عنها ، إنما مردّ ذلك إلى الله جل وعلا.
قال الله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم}.
فمحاولات العبد وتكليفه نفسه رفع البلاء نوع من العناء ومكابدة الشقاء، فإنه لا يرفع البلاء إلا الله، وإنما يُطلب من العبد اتباع هدى الله.
فيرفع الله عنه البلاء متى شاء، وكيف يشاء، لا اختيار للعبد في كل ذلك.
فالعبد بما يبذله من الأسباب إنما يتعرض لنفحات الله، فإن فعل ما يهدي الله إليه من الأسباب النافعة كان موعوداً بأن تكون عاقبته خيراً.
فإذا ابتلي العبد ببلاء فليكن أول ما يفكر فيه هو التعرف على هدى الله في هذا البلاء خاصة، وما الذي يُحبّ الله من عبده أن يفعله؟، فلا تخلو حال من أحوال العبد من هدى لله يحب أن يُتبع.
وهذا الهدى من طلبه بصدق وجده، وله طرق تدل عليه وتبيّنه، أهمها وأولها صدق الإنابة إلى الله تعالى قال الله تعالى: {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} وقال: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}.
فمتى أناب العبد إلى الله فهو موعود بالهداية.
وإذا حصل عند العبد يقين أنه على طريق الهدى وكان لديه نور وفرقان يميز به بين ما يجب عليه أن يفعله وما يجب عليه أن يجتنبه اضمحلَّ عنه كثير من كيد الشيطان وتثبيطه وتحزينه وتيئيسه ، وحل محلَّ ذلك السكينة والطمأنينة والرضا بالله بل الفرح بفضله والاستبشار بنعمته وهدايته .
{أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم}
{يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيما}
قول الله تعالى: {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} يدل على أن الرحمة والفضل يحيطان بهم من كل الجوانب حتى كأنهم منغمسون فيها، ومن كان داخلاً في رحمة الله هذا الدخول فلن يستطيع أحد مهما كان أن ينزع عنه رحمة الله وفضله.
وهذا وعد من الله متحقق لا يتخلف.
والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، من تأملها وعقل معانيها، وفقه هداياتها، أثمر له ذلك من العلم والإيمان وصفاء الحال خيراً عظيماً، ووجد بركات ذلك في شؤونه كلها.
وأحسن من وجدته تكلم في بيان الهدى للأسباب التي يدفع الله بها شر الحاسد : ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه بدائع الفوائد.

الأصل السادس: أن يكون المؤمن على الحال الوسط بين الغلو والتفريط، فمن غلا وهوّل شأن الحسد والعين حتى يغفل قلبه عن التوكل على الله والرضا به والثقة في حفظه ووقايته وإعاذته لمن يستعيذ به ؛ فهذا على غير الهدى الصحيح، بل يُخشى عليه أن يناله شرّ لمخالفته هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وضعف تعلق قلبه بالله جل وعلا ، ورضاه به.
ومَن هوّن من شأن الحسد والعين ، وفرّط في تحصين نفسه بما وصى الله به، وأرشد إليه، لم يأمن أن يصيبه بسبب هذا التفريط ما يصيبه البلاء والشر.
وكلّ من الغالي والمفرّط عاقبتهما سيئة إلا أن يعفو الله عنهما عفواً من عنده؛ فإن المسلم ما دام باقياً على الإسلام فإنه تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء عاقبه.
لكن السعيد الموفّق من يتبع هدى الله تعالى في عافيته وبلائه فهذا إن عوفي وإن ابتلي كانت عاقبته حسنة، لأن له عهداً من الله لا ينقضه، ووعد لا يخلفه.
وبذلك تعلم أن من الناس من يكون مفرّطا في الأذكار وتحصين نفسه، وهو فيما يرى الناس معافى من البلاء.
ومنهم من يكون شديد المحافظة على الأذكار بلسانه، ويصيبه مع ذلك من البلاء ما يصيبه.
فسلامة المحسود لها أسباب كثيرة، وذلك نظير الآفات الكثيرة في الهواء والطعام والشراب والزحام، وهي آفات يسلم منها كثير من الناس، ويصيب بعضهم من ذلك ما يقدّر الله عليهم.
فمن استدلّ بسلامة بعض أصحاب النعم على تفريطهم في الأذكار فهو كمن يستدل بسلامة من يتعرض لتلك الآفات وهو غير متحصن على عدم وجودها.
كلاهما قد يسلم، لكنها سلامة قد تغرّ، ومن يتعرضْ للبلاء ويغشَ مظانه فلا يأمن أن يصيبه منه شيء، فليست سلامته دليلاً على عدم وجود البلاء.
كما أن عدم تحصّنه ليس موجباً لحصول البلاء والآفات.

الأصل السابع: أن الحسد في الأصل من التأثيرات الروحية التي تنطلق من الأرواح فتصيب الأرواح بالأصل وتؤثر في الأجساد تبعاً، ولها تعلّق بالقدر بتقدير البلاء، وهذا له تقرير آخر.
وإنما المقصود هنا أن الحسد إذا إذا أصاب نفساً غير محصنة أثر فيها بإذن الله تعالى.
والنفس كالبدن في بعض الأمور؛ فكما أن في الأجسام ما هو صحيح قويّ لا يتأثر بالآفات اليسيرة، بل ربما لو يصيب بمرض ظاهر بقي في جسده قوة تقاوم وتدفع البلاء بإذن الله حتى يُشفى منه.
ومن الناس من يكون جسمه ضعيف تمرضه أدنى آفة تصيبه، وإذا أصابه مرض يسير أنهكه وربما أقعده طريح الفراش أياماً معدودة، وذلك لضعف مناعة جسمه في مقابل ما أصابه من الداء.
فكذلك أرواح الناس، منها أرواح قويّة وفيها عزيمة على المقاومة فلا تستلم لكثير من الآفات بل تبقى فيها قوة تقاوم البلاء حتى تدفعه بإذن الله أو تخفف أثره.
ومن الناس من يكون في نفسه وهن وَضَعْف فإذا أصابته أدنى آفة تأثر بها وتأذى وتضرر، بل ربما سمع الكلمة تؤذيه فيمرض بسببها.
بل ربما رأى من أحد الناس تصرفاً ففهمه على غير وجهه فتأثر بذلك وتضرر.
فمثل هذا إذا أصابت نفسه آفات من العين والسحر والحسد والوسوسة كان أثرها فيه أسرع وأبلغ إلا أن يحصّن نفسه بالأذكار.
وسبب ذلك وهن نفسه وضعف احتمالها، فإن للروح قوة وطاقة كما للجسد، وفي الروح قوة تدافع البلاء وتمانع الآفات كما في الجسد.

ولعلنا نكتفي ببيان هذه الأصول السبعة في هذا المقام، وعسى الله أن ييسر مقاماً آخر يبسط فيه بيان هذه المسائل بسطاً حسناً لحاجة الناس لبيان الهدى في هذا الباب، وكثرة ما يُلحظ من ازدياد هذه الآفات ومعاناة الناس منها ، وما يحصل من لبس وتخليط في بعض المسائل من بعض من ينتسب للرقية الشرعية فيحدث بكلامه وهناً في النفوس وضعفاً وتهويلاً للشياطين والجنّ وأمر العين والسحر والحسد ، ويعظّم بعض الطرق العلاجية والأسباب المادية حتى تتعلق بها بعض القلوب وتغفل عن الله جل وعلا.

لطائف لغويّة
من اللطائف اللغوية في سورة الفلق: أن هذه الأفعال "غسق" و"نفث" و"حسد" يجوز في عين مضارعها الوجهان الكسر والضم: غَسَقَ يَغْسِقُ وَيَغْسُقُ، وَنَفَثَ يَنْفِثُ وَيَنْفُثُ، وَحَسَدَ يَحْسِدُ وَيَحْسُدُ.



رد مع اقتباس
  #35  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:06 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


لمن الخطاب في السورة؟
{قل} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أصالة، ولأمته تبعاً؛ فكلهم مأمورون بهذه الاستعاذة.

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:07 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


معنى الاستعاذة ولوازمها

{أعوذ} أي: ألجأ وأعتصم، فمقصود المستعيذ هو العصمة من شر المستعاذ منه.
قال الحصين بن الحمام المري:

فعوذي بأفناء العشيرة إنما ..... يعوذ الذليلُ بالعزيز ليُعصما
فالمستعيذ ملتجئ معتصم بمن يرجو منه العصمة مما يخافه؛ والعصمة هي المنَعَة والحماية ، قال الله تعالى: {لا عاصم من أمر الله إلا من رحم}، وقال: {ما لهم من الله من عاصم}.
والاستعاذة فيها معنى الإقرار بالذلِّ والضعف والافتقار إلى عزة المستعاذ به ورحمته، وقدرته على عصمة من يستعيذ به.
فهذه العبادة تستلزم عبادات جليلة أخرى، وتستلزم الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا؛ فيؤمن بعلم الله وسمعه وبصره وعزته ورحمته وقدرته ولطفه وملكه وغير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تقتضيها عبادة الاستعاذة.
وقيام هذه المعاني التعبدية في قلب المؤمن خالصةً لله جلّ وعلا هو مظهر من مظاهر العبودية لله جل وعلا، ودليل من دلائل التوحيد .
وبهذا تعلم شيئاً من الحكمة من وجود الأشياء الضارة والمؤذية، وأن من مقاصد ذلك أن يلتجئ العباد إلى ربهم جل وعلا ويستعيذوا به.
ولو قُدّر خلو العالم الدنيوي من الشرور التي يُستعاذ منها لفات على العباد فضيلة التعبد لله تعالى بالاستعاذة به، وفاتهم من المعارف الإيمانية الجليلة ما يناسب ذلك.
فحياة العباد وما يعترضهم من الحوادث والابتلاءات هي ميدان عظيم ليتعرفوا على ربهم جل وعلا ويؤمنوا به وبأسمائه وصفاته، وليجدوا ما أخبرهم به وما وعدهم به على لسان رسله صدقاً وحقاً.
وهذا الأمر العظيم بالاستعاذة بالله جل وعلا يتضمن وعداً كريماً من الله جل وعلا بأن يعيذ من استعاذ به.

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:07 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

الحكمة من الأمر بالاستعاذة بهذه الصفات الجليلة {رب الناس . ملك الناس . إله الناس}

وذكر هذه الصفات الجليلة (رب الناس) ، (ملك الناس) ، (إله الناس) دليل على إرشاد العبد إلى استحضار ما تتضمنه من المعاني الجليلة.
فيقوم في قلب المستعيذ عند استعاذته من المعاني التعبّدية الجليلة ما يدلّ على صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وتعظيمه ومحبته وإجلاله، فهي مظهر من مظاهر العبودية، وعلامة من علاماتها.
وأنت إذا تأملت أحوال العباد وجدتهم محتاجون بل مضطرون إلى من يلجؤون إليه ويستعيذون به؛ فلا يخلو عبد من الحاجة إلى الاستعاذة بمن يعيذه.
فأما المؤمنون فيخلصون هذه العبادة لله تعالى ليلاً ونهاراً؛ فلا تلتجئ قلوبهم لغير الله جلّ وعلا.
فتكون هذه العبادة في قلوبهم عبادة دائمة لأنهم ما بين استصحابها واستصحاب حكمها.

الفرق بين استعاذة المؤمنين واستعاذات المشركين
وأما المشركون فاستعاذتهم فيها شرك بالله جل وعلا؛ لأنهم يستعيذون بالله وبغير الله، كما هو حال من يستعيذ بالأوثان والأولياء فيشركهم مع الله جل وعلا في هذه العبادة العظيمة.
فلذلك تجد كثيراً منهم تتعلق قلوبهم بأوليائهم ليدفعوا عنهم الضر ويحموهم من العين والحسد والأذى ويعلّقون التمائم الشركية لدفع البلاء، وهم بذلك مشركون متعرضون لسخط الله جل وعلا.
فلذلك تتسلط عليهم الشياطين بسبب شركهم فتزيدهم عذاباً ورهقاً وضلالاً بعيداً؛ لأنهم خرجوا من النور إلى الظلمات باتباعهم للطواغيت والتجائهم لغير الله تعالى، وإعراضهم عن ذكر الله جل وعلا.
وقد قال الله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}.
وقال تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون}.
وقال: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}.

سبب تسلّط الشيطان على العبد

وتسلط الشيطان على العبد سببه اتباعه وتولّيه والإشراك به؛ فإن من اتبع الشيطان أرداه الشيطان؛ كما قال الله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير}.
فهذا أمر مكتوب على من تولّى الشيطان.
وتولي الشيطان هو مرتبة في اتباعه من وصل إليها فهو قد عبد الشيطان من دون الله جلّ وعلا.
فشر الشيطان يبدأ بالوسوسة وما يتبعها من النزغ والهمز والنفخ والنفث وغيرها؛ يريد بذلك أن يستزل العبد ليتبع خطواته؛ فإذا اتبع الإنسانُ خطوات الشيطان كان للشيطان نصيب من التسلط عليه بسبب هذا الاستزلال، وخرَق الإنسان من جُنَّته ووقايته بمقدار ما مكّن للشيطان من التسلط عليه.
فإذا أراد الله به خيراً عصمه وقذف في قلبه التوبة والإنابة إليه فيتذكر ويستبصر؛ كما قال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغيّ ثم لا يقصرون}.
فالمتقي إذا مسه {طائف من الشيطان} وفي القراءة الأخرى {طيف من الشيطان} أي: ألمّ به شيء من كيد الشيطان استزله به، فإنه يتذكّر، فإذا تذكر أبصر وعرف طريق الهداية، وعرف ما يجب عليه أن يفعله ، وما يجب عليه أن يتركه، فيتبع رضوان الله جل وعلا؛ وهذا هو حال المؤمن المتقي.
وبهذا تعلم أن التذكر نجاة للعبد من كيد الشيطان:
- فيتذكر العبد ما ينبغي لله تعالى من المحبة والطاعة والتسليم؛ فينفعه هذا التذكر، ويترك ما يُسخِط اللهَ محبةً لله تعالى.
- ويتذكر ما أعدَّ الله من الثواب لمن أطاعه واتبع رضوانه؛ فينفعه هذا التذكر؛ فيترك معصية الله رجاء ثواب الله وعوضه.
- ويتذكر ما أعد الله لمن عصاه وأعرض عن ذكره من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ فينفعه هذا التذكر فيترك معصية الله خوفاً من عذاب الله.
وكلما كان تذكر العبد أحسن وأسرع كان نصيبه من البصيرة أكمل وأعظم.
وبهذا يتبيّن أن مدار التذكر على العبادات القلبية الثلاث: المحبة والخوف والرجاء.
فهذا هو حال المؤمن، يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، وأحسن بصيرة، وأعظم هداية.
وأما إخوان الشيطان الذين لازموا اتباع خطواتهم وتمادوا في صحبتهم حتى عُدّوا إخوانهم، فإن شياطين الإنس والجن تمدّهم أي: تزيدهم من مدد الضلال والطغيان والغواية حتى لا ينتهوا في ذلك عن حد من حدود الله جل وعلا؛ بل يكونوا من أولياء الشيطان.
وسنأتي بإذن الله تعالى على بيان درجات كيد الشيطان ، وأنواعه، وأسباب العصمة من كيده بعد تمام تفسير السورة بإذن الله تعالى.

الخلاصة:
والخلاصة مما تقدّم أن الاستعاذة عبادة عظيمة يجب إخلاصها لله جل وعلا، وأنها تستلزم ما تستلزم من الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العليا فالمستعيذ يؤمن بسعة علم الله عز وجل وسمعه وبصره وقدرته ورحمته وعزته وملكه وغيرها من الصفات الجليلة التي يجد المؤمن الذي يحسن الاستعاذة أن الإيمان بها ضروري لتحقيق معنى الاستعاذة.
وهي تقتضي من العبد محبة الله تعالى وحسن الظن به والإنابة إليه والتوكل عليه واعتقاد أن النفع والضر بيده وحده جل وعلا؛ فيحصل للعبد بذلك من السكينة والطمأنينة والثقة بالله جل وعلا ما لا تقوم له وساوس الشيطان ولا الشرورُ كلها؛ لأن الله تعالى مع عباده المؤمنين المتقين، وهو وليّهم الذي ينصرهم ويؤيدهم ويحفظهم، ويحبهم ويحبونه؛ فلا يخذلهم ولا يتخلى عنهم، ولا يعجز عن نصرهم، ولا يُشقيهم بعبادته وتوحيده.
بل يريهم أن السعادة والفوز والفلاح في الإيمان به واتباع رضوانه.




رد مع اقتباس
  #38  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:09 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


الحكمة من ترتيب هذه الصفات الثلاث بهذا الترتيب

{برب الناس} أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم.
{ملك الناس} المتصرف فيهم بما يشاء، فلا يخرج أحدٌ منهم عن ملكه وتصرفه.
{إله الناس} معبودهم الذي يألهونه ويخضعون له ويتقربون إليه ، فيحبونه غاية المحبة، ويعظمونه غاية التعظيم، ويخضعون له غاية الخضوع، وهو إلههم الذي لا إله لهم سواه.
فهو مُنشؤهم من العدم، ومدبر أمورهم، والمتصرف فيهم، وهو منتهى حاجاتهم وآمالهم.
وهذه الصفات الثلاث قد رتبها الله جل وعلا أحسن الترتيب، والاستعاذة بها تكشف للمؤمن اللبيب؛ أصولاً عظيمة تنتظم كثيراً من المسائل في الخلق والأمر.

وأسأل الله تعالى أن يعين على بيان ذلك بياناً حسناً .
فأقول: تخصيص الاستعاذة بهذه الصفات الجليلة يتضمن الدلالة على أمور عظيمة:

تضمّن هذه الصفات الثلاث للمبدأ والولاية والغاية

الأمر الأول: أنها تضمنت المبدأ والولاية والغاية؛ فالله تعالى هو ربُّ الناس الذي أنشأهم من العدم؛ وأنعم عليهم بالنعم، وهو الملك الذي يتولى أمورهم ويملك نفعهم وضرّهم، وهو المتصرف فيهم لا يعجزه أحد منهم، وهو إلههم الذي يجب أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يتوجهوا إليه بقلوبهم ودعائهم ومحبتهم وخشيتهم ورجائهم.
فهو تعالى: (رب الناس) (ملك الناس) (إله الناس).
فمنه مبدؤنا بخلقه وإنعامه وفضله، وهو الملك المتصرف الذي يملكنا ويدبر أمورنا، وإليه غاية قصدنا ومبتغانا.

بيان كون هذه الصفات الثلاث حجة قاطعة على وجوب التوحيد
الأمر الثاني: أن هذه الصفات الثلاث حُجّة قاطعة على وجوب التوحيد؛ فالله تعالى هو الذي خلق الناس وأنعم عليهم ولم يخلقهم غيره وما بهم من نعمة فمنه جل وعلا، وهو ملك الناس لا يملكهم غيره ولا يملك ضرهم ونفعهم إلا هو جل وعلا، فيجب أن يكون هو إله الناس لا يعبدون غيره.
فالله تعالى ليس له شريك في ربوبيته، وليس له شريك في الملك، فيجب أن لا يكون له شريك في الألوهية.

أصل بلاء الناس إنما هو في الشرك في هذه الأمور الثلاثة (الربوبية والملك والألوهية)

الأمر الثالث: أن أصل بلاء الناس إنما هو في الشرك بالله جل وعلا في هذه الأمور الثلاثة (الربوبية، والملك، والألوهية)، وضعف التعبد لله تعالى بها.
وكل شرك فيها فإنما حصل بوسوسة الشيطان، وهذا هو حظ الشيطان من الناس.
وهذه الأمور الثلاثة يقع فيها الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ويقع فيها الشرك الجلي والشرك الخفي.
فالمشركون بالله الشركَ الأكبر منهم يقع في الشرك في الربوبية بنسبة بعض الخلق أو النعم إلى غير الله جل وعلا، ويقع منهم شرك في الملك باعتقاد النفع والضر والتصرف في غير الله جل وعلا، ويقع منهم الشرك في عبادة الله جل وعلا بدعاء غيره والتقرب إليه بأنواع العبادات.
ومِن عصاة المسلمين من يقع منه الشرك الأصغر في هذه الأمور؛ إما بالغفلة عن نسبة النعم لله عز وجل والغفلة عن شهود إنعامه بها، ونسبة ذلك لأحد من الخلق مع هذه الغفلة،
فيقول: لولا الطبيب الفلاني لهلكت، ومطرنا بنوء كذا وكذا، ونحو ذلك من أنواع الشرك في الربوبية.
وإما بتعظيم بعض الخلق بشهود الظاهر من تصرفه وتسببه في النفع والضر حتى يطيعه في معصية الله جل وعلا إن كان فاجراً أو يغلوَ فيه إن كان صالحاً، وهذا من الشرك في ملك الله جل وعلا.
وإما بتعلق القلب بغير الله جل وعلا فيكون في القلب نوع تأله وتعبّد لغير الله تعالى.
وكل ذلك إنما هو من الشيطان لأن عبادة غير الله عز وجل إنما هي عبادة للشيطان كما قال الله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلا تعقلون}.
وقال إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه آزر: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)}.
فجعل إبراهيم عليه السلام عبادة أبيه للأصنام التي سماها آلهة عبادة للشيطان.
لأن الشرك في حقيقته عبادة للشيطان كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا}.
وكل شرك في أي نوع من هذه الأنواع له آثاره السيئة على العبد، من تسلط الشياطين، ومن عقوبات الذنوب والمعاصي.

الأمر الرابع: أن التعبد لله جل وعلا بما تقتضيه هذه الصفات الثلاث أمر واجب، والتقصير في ذلك ظلم من العبد لنفسه، وهذا الظلم هو منشأ شقاء العبد وضلاله وتسلط الشياطين عليه وإضلالهم له.
وإذا أحسن العبد التعبد لله تعالى بهذه الصفات الثلاث فاز فوزاً عظيماً وسَعِد سعادة عظيمة في الدنيا والآخرة.

بيان وجوب التعبّد لله تعالى بما تقتضيه هذه الصفات الثلاث، وبيان الآثار الجليلة لهذا التعبّد

- فأما الإيمان بربوبية الله تعالى للناس؛ فيقتضي التصديق بأنه خالقهم ومنشؤهم من العدم، ومصور صورهم ومقدر أرزاقهم وأقدارهم وآجالهم، وهو المنعم عليهم فما من نعمت دقت ولا جلّت إلا والله تعالى هو المنعم به المتفضل بها على عباده من غير استحقاق سابق، فيؤثر هذا في قلب المؤمن الاعتراف بنعم الله جل وعلا وشكرها بالقول والعمل.
- وأما الإيمان بملك الله جل وعلا للناس؛ فيقتضي التصديق الجازم بأن الله تعالى هو الذي يملك الناس كلَّهم، لا يخرج أحد منهم عن ملكه، بل هو مالكهم الذي له جميع معاني الملك، فهو يملك أجسادهم وأرواحهم وجميع أعضائهم ومنافعهم، ويملك تصرفاتها، ويملك تدبيرها والتصرف فيها، فلا تتصرف إلا بإذنه، ولا ينطبق جفن على جفن إلا بإذنه، ولا يتنفّس متنفّس إلا بإذنه، وهو الذي يملك بقاءهم وفناءهم؛ فيبقيهم متى شاء، ويفنيهم إذا شاء، ويعيدهم إذا شاء، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
- ولا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه جل وعلا، فلا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يدفع السيئات إلا الله، ولا يجلب النفع إلا الله، ولا يدفع البلاء ولا يرفعه إلا الله تبارك وتعالى.
- وهذا مما يوجب إخلاص العبادة لله وحده، ولذلك أنكر الله تعالى على من يعبد غيره فقال: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا}.
- وأما الإيمان بألوهية الله تعالى للناس؛ فتقتضي إخلاص العبادة لله وحده؛ واجتناب جميع ما ينقض الإخلاص أو يضعفه.



مدار الخلق والأمر على هذه الصفات الثلاث
الأمر الخامس: أن الاستعاذة بربوبية الله وملكه وألوهيته تقتضي تعظيمها وأن لها شأناً عظيماً وآثاراً جليلة في الخلق والأمر، فكل ما في الكون مبني على هذه الصفات الثلاث العظيمة.
فكله من خلق الله وإيجاده ، وكل مخلوق يأتي إمداده من الله جل وعلا بما يحتاج إليه وما يقدره له.
وكل مخلوق فهو تحت تصرّف الله وملكه لا يملكه أحد إلا الله جل وعلا.
وكل شيء فهو عابد لله يسبح بحمده {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.
فهذا في عالم الخلق بدؤه وملكه غايته لله تعالى وحده لا شريك له.
وكذلك عالم الأمر: فالله تعالى هو رب الناس وهو الذي يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يشاء ويحلّ لهم ما يشاء ويحرم عليهم ما يشاء ؛ كل ذلك من آثار ربوبيته لهم.
وهو تعالى ملك الناس: يثيب من يشاء ، ويعاقب من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويقرّب من يشاء، ويبعد من يشاء.
وهو سبحانه الحكم العدل في كل ذلك، فله المثل الأعلى، وله الأسماء الحسنى.

مدار عمل الشيطان على إخلال العبد بما تقتضيه هذه الصفات الثلاث
الأمر السادس: أن مدار عمل الشيطان على إخلال العباد بهذه الأمور الثلاثة؛ وتأمل ما يقدح في التوحيد تجده راجعاً إلى هذه الأمور الثلاثة؛ فمن الناس من يكون عنده شرك في الربوبية يقل أو يكثر، ومنهم من يشرك في الملك، ومنهم من يشرك في الألوهية، كما سبق بيانه.
فميدان الصراع مع الشيطان هو في هذه الأمور الثلاثة؛ فمن أخلصها لله جل وعلا؛ فقد خلص من شر الشيطان وشركه، وكان من عباد الله المخلصين.

بيان ما تضمّنته هذه السورة من إيجاز بديع لمدار الابتلاء في هذه الحياة الدنيا وسبيل النجاة منه

الأمر السابع: أن هذه السورة تضمنت إيجازاً بديعاً لمدار الابتلاء والامتحان فبين الله للناس فيها أنه ربهم وملكهم وإلههم، وأن عدوهم هو الشيطان الرجيم، وأن سلاحه هو الوسوسة وأنه سعيه إنما هو ليشركوا بالله جل وعلا في ربوبيته وملكه وإلهيته ليكون مصيرهم إلى عذاب الله وسخطه، ولو تأملت المناسبة بين أول المصحف وآخره لوجدته يصدق بعضه بعضا؛ فقد ذكر الله في أول سورة البقرة أصل نشأ جنس الإنسان في الحياة الدنيا لما أهبط الله أبوينا وإبليس إلى الأرض وأخبر أن بعضهم عدو لبعض وضمن لمن اتباع هداه ألا يخاف ولا يحزن.
وذكر في هذه السورة مصداق ذلك ، وميدان وسوسة الشيطان، وسلاحه، وسبيل النجاة من كيده وشره.
وأنه إنما يكون بالاستعاذة بالله جل وعلا بالقلب والقول والعمل، وهذه هي الاستعاذة الصحيحة كما سبق بيانه في أول هذه الدروس.

من حقق الإخلاص في التعبّد لله تعالى بما تقتضيه هذه الصفات الثلاث كان في عصمة من كيد عدوّه
الأمر الثامن: أن العبد المؤمن حينما ينادي ربه هذا النداء ويستعيذ به فهو لاجئ إلى ربه وملكه وإلهه ليعيذه من شر عدوه، وإذا حقق العبد الإخلاص في هذه الأمور الثلاثة وأحسن التعبد لله تعالى بها فقد أوى إلى معاذ منيع وحصن حصين، وكان في عصمة الله تعالى وضمانه وأمانه.
وإذا وقع منه تفريط في شيء من ذلك وتقصير فليبادر بالتوبة إلى الله تعالى، ويحسن الإنابة إليه ويتبع السيئة الحسنة لتمحوها.

فقوله تعالى: {قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس}
فيه أن من رضي بالله ربَّا، ورضي به ملكاً، ورضي به إلها، وأحسن التعبد لله تعالى بهذه الصفات الجليلة فقد حُفظ من كيد كل وسواس خناس ، وكان في حفظ الله ورعايته ومعيّته، لا يخاف ولا يحزن، ولا يضلّ ولا يشقى.

فقولك: {قل أعوذ برب الناس} فيه إقرار منك بأن الله تعالى هو ربّ الناس، وهذا الإقرار له ما يتبعه؛ فليس هو إقرار باللسان دون أن يكون لذلك أثر على القلب واللسان والجوارح.
فإذا كنت تؤمن بأن الله تعالى هو ربّ الناس فليظهر أثر هذا الإيمان على عامّ شأنك وخاصّه، وفي حال الشدة والرخاء، وحال العافية والبلاء.
والتقصير في هذا الأمر عند العباد يكون في حالي الرخاء والشدة.
فمنهم من إذا كان في عافية وَدَعَة نسي أن الله تعالى هو ربّ الناس، وهو وإن كان يقر بذلك بلسانه لكنّ قلبه في غفلة عن ذلك، وعملُه عمل الغافل اللاهي عن هذه الحقيقة العظيمة وهي أن الله ربّ الناس، فتراه يعظّم ما حقّره الله، ويستهين بما عظّمه الله، ويقبل على ما أمر الله بالإعراض عنه من اللغو واللهو المحرم، ويعرض عما أمر الله بالإقبال عليه من ذكره وشكره وحسن عبادته، ومن حسن استماع آياته، والتفكر في مخلوقاته.
بل تجد منهم من يحبّ من يبغضهم الله، ويعظّم ما أوتوه من متاع الحياة الدنيا ويتمنّى أن يكون له مثلُ ما أوتوا، كما حكى الله عمّن أعجبته زينة قارون فقال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}.
فهذا مثال لطائفتين:
الطائفة الأولى: لم تقم بما تقتضيه ربوبية الله تعالى للناس، فعظّموا شان الحياة الدنيا ومتاعها وزخرفها واغتروا بها وغفلوا عمّا خلقهم له رب الناس.
والطائفة الثانية: هم أهل العلم والإيمان الذين رغبوا فيما رغّب الله فيه من فضله وثوابه، ولم تلتفت قلوبهم لما أوتي أعداء الله من متاع الحياة الدنيا وزينتها.
فكانت عاقبة هذه الطائفة المتقية حسنة، وأما الطائفة الأولى فندمت على مخالفتها وتقصيرها وتفريطها في جنب الله وتمنّيهم ما تمنوا.
قال الله تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

وكذلك في حال الشدة ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
- قسم يتضرعون إلى الله ويوحدونه ويمجدونه ويتوبون إليه ويستعيذون به فينجيهم الله ويتوب عليهم.
- وقسم يلجؤون إلى غيره ويستعيذون بغيره فيحق عليهم الغضب.
- وقسم يكون أصل لجوئهم واستعاذتهم بالله، لكن يكون في تلك الاستعاذة من التفريط والتقصير وضعف التوبة ما يجعلهم متذبذبين بين العافية والبلاء، وبين الطمأنينة والشقاء، وهم على درجات في ذلك.

والمقصود أن إيمانك بأن الله تعالى رب الناس هو إقرار يجب أن تكون له آثاره وكلما كان العبد أحسن قياماً بما يقتضيه التعبد لله تعالى بهذا كان نصيبه من السعادة بآثاره أعظم.
وكذلك إيمانك بأن الله تعالى هو ملك الناس، وهو الذي بيده النفع والضر، والعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، والبدء والإعادة، وهو الذي يعلي من يشاء ويخفض من يشاء، ويقبض ما يشاء ويبسط ما يشاء، وهو الذي يملك القلوب ومحبتها وبغضها ، فيحبب من يشاء إلى من يشاء، ويبغّض من يشاء إلى من يشاء، كما قال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)}.
فمن شهد هذا حقيقة علم أنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وأثمر له ذلك حسن التوكل على الله جلّ وعلا.
ولم يستعجل شيئاً قبل أوانه، ولم يطلب فضل الله بمعصية الله، بل يسير بنور من الله على هدى من الله ويصبر على ما ابتلاه به الله، حتى يفرج الله عنه، لا يتكلّف شيئاً قبل أوانه فيطلبه بمعصية الله، ولا يفرّط ويهمل ويترك ما أمر الله به من بذل الأسباب المشروعة لجلب النفع ودفع الضر.
فإذا فعل العبد ذلك كان مهتدياً بالله متبعاً لرضوان الله في هذا.
وكذلك إيمان العبد بأن الله تعالى هو إله الناس يثمر له اليقين بأنّ كل ما يُدعى من دونه فهو باطل، وكلّ تعلّق بغيره فهو عناء وشقاء، وكل ما يطلبه الناس لجلب النفع أو دفع الضر بغير هدى الله فإنما ذلك عليهم وبال وشقاء.

أسعد الناس: من رضي بالله ربّا ورضي به ملكاً مدبّراً للأمر ورضي به إلها
وأنت إذا تأمّلت ما تقدّم كله تبيّن لك بيانا جلياً أن أسعد الناس هو من رضي بالله ربَّا ورضي به ملكاً ورضي به إلها؛ لأنه يستريح من العناء الكثير والشقاء العظيم الذي وقع فيه من لم يتبع هدى الله في كل ذلك.
- فالذي يتسخط مما ابتلي به لم يرض بالله ربّا.
- والذي يصدّق السحرة والكهنة والجهلة فيما يزعمون من التصرفات ويستعجل دفع البلاء أو جلب النفع بالذهاب إليهم واللجوء إليهم واتباعهم فيما يأمرون مما يسخط الله لم يرض بالله ملكاً.
وإن من أكثر ما يضر بالناس استعجالهم دفعَ البلاء بالطرق المحرَّمة؛ فإنَّ هذا دليل ضعف الصبر وضعف اليقين وعاقبة ذلك عليهم سيئة، وقد جرت سنة الله على أن من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولا يمكن أن ينال العبد أمراً يكون خيراً له بمعصية الله.
والعبد إذا ابتلي ببلاء فإن الله تعالى يبيّن له ما يتقي؛ كما قال الله تعالى: {وما كان الله ليضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون}
فإذا اتقى وصبر هُدي إلى ما يسلم به من شر بلائه، وكانت عاقبته حسنة.
وبيان ذلك: أن العبد إذا ابتلي ببلاء فهو إما أن يتبع هدى الله أو يضل عنه؛ والذي لا يتّقي ما بيَّنه الله له وأوجب عليه أن يتقيه؛ متسببٌ على نفسه بالضلال.


- والذي لا يلجأ إلى الله تعالى في السراء والضراء ولا يدعوه ولا يرجوه لم يرض بالله إلها.
وفي الأدب المفرد للبخاري والسنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)). وفي وراية عند الحاكم: ((من لم يدع الله يغضب عليه)).

وتبيَّن بما تقدم مناسبة الاستعاذة بـ(رب الناس) ، (ملك الناس) ، (إله الناس) لحال الاستعاذة من كيد كل وسواس خناس، وسيأتي في الدرس القادم بإذن الله تعالى مزيد بيان لهذا.



رد مع اقتباس
  #39  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:10 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


بيان معنى الوسواس والخناس والحكمة من اقترانهما

التعريف في {الوسواس} للجنس على الراجح من أقوال المفسرين؛ فيشمل كل وسواس.
و{الخناس}: صفة مبالغة من الخنوس، وهو الاختفاء، وهذا يعني أنه كثير الخنوس أو شديد الخنوس، لأن المبالغة هنا تكون لأحد هذين المعنيين، الكثرة والشدة ، والله تعالى أعلم.
وكذلك الوسوسة تتفاوت كثرة وشدة.
واقتران الصفتين ببعضهما دليل على تلازمها ، وهذا التلازم فيه شر إضافي.
ففي وسوسته شر ، وفي خنوسه شر، وفي كثرة وقوع الوسوسة والخنوس وتتابعهما شر عظيم يستوجب الاستعاذة بالله تعالى من شره.
والأمر بالاستعاذة من شره دليل على أن العبد لا يستطيع بنفسه أن يعصم نفسَه من كيد الشيطان ، وكل موسوس خناس.
وإنما يحتاج إلى الاستعاذة بمن يعصمه منه، وهو الله جل وعلا وحده.
وإذا أحسنَ العبدُ الاستعاذةَ بالله تعالى بالقلب والقول والعمل -كما تقدم بيانه- لم يضرَّه كيد الوسواس الخناس.

والوَسواس بالفتح هو اسم للموسوس.
والوِسواس بالكسر مصدر؛ تقول: وسوس وِسواساً فهو وَسواس، وهو مشتق من الوسوسة ، وهي التحديث بصوت خفيّ.
قال الأعشى:

تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت ..... كما استعان بريح عشرقٌ زجِل
والوَسْوَسَة قد تكون بصوت بخفيّ كما في الشاهد السابق، وقد تكون همساً يحسّ المرءُ أثرَهُ ولا يُسمع صوتَه ، كما في وسوسة النفس ووسوسة الشيطان للإنسان. فهو إلقاء خفي للإنسان.
قال ابن القيم: (ولما كانت الوسوسة كلاماً يكرره الموسوس ويؤكده عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها؛ فقالوا : وسوس وسوسة؛ فراعَوا تكرير اللفظ ليُفهم منه تكرير مسمّاه) ا.هـ.
والخناس: فعَّال من الخنوس وهو الاختفاء ، وقيل: الاختفاء بعد الظهور؛ وهو اختفاء فيه معنى الانقباض والتواري والرجوع.

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:11 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


المراد بالوسواس الخناس

في هذه المسألة قولان:
القول الأول: المراد به الشيطان ؛ وهو المشهور عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري، وقال به جمهور المفسرين.
القول الثاني: كل موسوس من شياطين الإنس، وشياطين الجن ووسوسة النفس الأمارة بالسوء.
قال ابن الجوزي في تفسير قول الله تعالى: {من الجنة والناس}: (قوله تعالى: {من الجِنَّة والناس} الجِنَّة: الجن.
وفي معنى الآية قولان:
- أحدهما: يوسوس في صدور الناس جِنَّتهم وناسهم، فسمَّى الجنَّ هاهنا ناساً ، كما سمَّاهم رجالاً في قوله تعالى: {يعوذُون برجال من الجن}، وسماهم نفراً بقوله تعالى: {استَمَعَ نفر من الجن} هذا قول الفراء .
وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوساً للجن، كما يوسوس للإنس.
- والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس ، هو من الجِنَّة ، وهم من الجن .
والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله تعالى: {والناس} على {الوسواس}، والمعنى: من شر الوسواس ، ومن شر الناس ، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس ، هذا قول الزجاج) ا.هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: (ولم يذكر ابن الجوزي إلا قولين، ولم يذكر الثالث وهو الصحيح، وهو أن قوله: {من الجنة والناس} لبيان الوَسواس أي: الذي يوسوس من الجنة ومن الناس في صدور الناس؛ فإن الله تعالى قد أخبر أنه جعل لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، وإيحاؤهم هو وسوستهم، وليس من شرط الموسوس أن يكون مستترًا عن البصر؛ بل قد يُشاهد، قال تعالى: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} وهذا كلام من يُعرف قائله ليس شيئًا يلقى في القلب لا يدري ممن هو)ا.هـ.
والخلاصة أن الوسواس قد يكون من الجِنَّة، وقد يكون من الناس، ونحن نستعيذ بالله من كل ما يوسوس من الجنة ومن الناس.
ونفس الإنسان توسوس؛ كما في قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.
والنفس الإنسانية فيها شرّ وفيها قوّة أمَّارة، وإذا هويت ما حرم الله سوَّلت لصاحبها ارتكاب تعدّي حدود الله وارتكاب محارمه ما حرم الله وزينته له المعصية، فإذا نهى النفس عن الهوى كان موعوداً بالثواب العظيمة، وإذا أطاعها في اتباع الهوى كان متوعداً بالعذاب على ذلك.
كما قال الله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}.
قال ابن تيمية: (فالذي يوسوس في صدور الناس: نفوسهم وشياطين الجنّ وشياطين الإنس، و"الوسواس الخناس" يتناول وسوسة الجنة ووسوسة الإنس ، وإلا أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجنّ فقط مع أن وسوسةَ نفسه وشياطين الإنس هي مما تضره، وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن).ا.هـ.

وهذا القول أطال شيخ الإسلام في تقريره في رسالته في تفسير المعوذتين التي كتبها وهو في سجن القلعة في آخر حياته رحمه الله، وقد أحسن في هذا التقرير جداً، وتكلم بما لا تكاد تجده في كتب التفسير.

رد مع اقتباس
  #41  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:11 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

سبب خنوس الوسواس

• ما سبب خنوس الوسواس؟
المشهور من كلام المفسرين أنه إذا ذكر الله خنس .
ورُوي عن ابن عباس من طريق محمد بن سعد عن آبائه: (أن الشيطان يوسوس للعبد فإذا أطيع خنس)، لكن هذا الإسناد ضعيف لا يصح من حيث الرواية، وأما من حيث المعنى فهو محتمَل.
فيكون لخنوسه سببان:
السبب الأول: ذكر الله عز وجل، وهذا قال به جمهور المفسرين وممن نص على ذلك: ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وقتادة.
والسبب الثاني: طاعته والاستجابة إليه، ولذلك يرتاح بعض الناس إلى المعصية.
ويكون هذا في كل شأن من الشؤون ؛ يوسوس الشيطان للعبد ثم يخنس إذا ذكر الله وإذا أطيع.
قال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله -تعالى ذِكره- أَمَرَ نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ به من شر شيطان يوسوس مرة ويخنس أخرى، ولم يخصَّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله؛ فإذا أطيع فيها خنس، وقد يوسوس للنهي عن طاعة الله ؛ فإذا ذكر العبد أمر ربه فأطاعه فيه وعصى الشيطانَ خنس؛ فهو في كلتا حالتيه وسواس خناس، وهذه الصفة صفته) ا.هـ.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:12 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


كيف يوسوس الوَسواس؟

روى ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم؛ فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس).
وروى ابن جرير نحو ذلك عن مجاهد بن جبر.
وأصح ما روي في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم معتكفا ، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت ،فقام معي ليقلبني ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه و سلم أسرعا ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي)) .
فقالا: (سبحان الله يا رسول الله).
قال: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا)) -أو قال- ((شيئا)).
وفي رواية عند البخاري: ((إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا)).
فهو يقذف في القلب، وهذا دليل على وجود اتصال له بقلب الآدمي ليقذف فيه، وأن القلب محلٌّ قابل لتلقّي ما يقذف به الشيطان وعَقْلِه وإدراكه، وإذا لم يعصم اللهُ العبدَ من شر ما يلقيه الشيطان ضل وشقي.
وقد روى أبو يعلى والثعلبي والبيهقي في شعب الإيمان وغيرها نحوه من حديث أنس مرفوعاً: (إن الشيطان واضع خَطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس).
لكنه ضعيف الإسناد، وقد ضعفه ابن حجر في الفتح.
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: (يقال: الخناس له خرطوم، كخرطوم الكلب يوسوس في صدور الناس، فإذا ذكر العبد ربه خنس).

قال ابن حجر: (وقد ورد في خبر مقطوع أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان ، فرأى الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه الأيسر حذاء قلبه له خرطوم كالبعوضة. أخرجه ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز فذكره.
وذكره أيضا صاحب الفائق في مصنفه في (مهى) ، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وابن عدي ولفظه: أن الشيطان واضع خطمه على قلب بن آدم، الحديث.
وأورد بن أبي داود في كتاب الشريعة من طريق عروة بن رويم أن عيسى عليه السلام سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم قال: فإذا برأسه مثل الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل وسوس) ا.هـ.
وقال ابن حجر أيضاً: (قال السهيلي: وضع خاتم النبوة عند نغض كتفه صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم من وسوسة الشيطان وذلك الموضع يدخل منه الشيطان)ا.هـ.
وقال ابن قتيبة في "غريب الحديث": (في حديث عمر بن عبد العزيز أَنه قال: (إن رجلاً سأَل ربَّه سنَة أَنْ يُرِيَه موقع الشيَطان من قَلْب ابن آدم فرأَى فيما يرى النائم جَسَد رجُلٍ مُمَهّى يُرى داخله من خارجه ورأَى الشيطان في صُورة ضِفْدع له خرطوم كخرطوم البَعَوضة قد أَدخله من منكِبه الأَيسر الى قلبه يُوسْوَس اِليه فاِذا ذَكر الله خَنَّسَهُ) ) ا.هـ.
وعن عروة بن رويم اللخمي (أن عيسى عليه السلام دعا ربه تبارك وتعالى أن يريه موضع إبليس من بني آدم، فتجلى له إبليس، فإذا رأسه مثل رأس الحية، واضعاً رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه عز وجل، خنس إبليس برأسه، وإذا ترك الذكر، مناه وحدثه). رواه آدم بن أبي إياس في تفسير مجاهد، ورواه أيضاً سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في الدر المنثور للسيوطي.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:12 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي


تفسير قول الله تعالى: {الذي يوسوس في صدور الناس}

هذا فيه بيان محلّ الوسوسة ، والصدور محل القلوب التي هي أصل صلاح الجوارح وفسادها.
أي أن هذه الوسوسة محلها في الصدور، أو منتهاها إلى ما في الصدور.

قوله تعالى: {من الجنة والناس}
(من) بيانية ؛ لبيان أن الوسواس يكون من الجنة ويكون من الناس.
وهذا يبيّن أن الاستعاذة هنا تشمل الاستعاذة من كل وسواس خناس من الجنة ومن الناس .
وأن الوسوسة محلها في صدور الناس .
فهل تشمل وسوسة النفس ووسوسة شياطين الجن ووسوسة شياطين الإنس.
وتشمل أيضاً ما يوسوس به الإنسان لغيره فإن العبد قد يوسوس لغيره فيأمره بمعصية الله فيجر بذلك على نفسه وعلى أخيه المسلم شراً عظيماً يكون عليه وزره وتبعاته، وقد يتسلسل هذا الوزر وتعظم تلك التبعات فربّما ترتّب على الوسوسة في الأمر الواحد شروراً عظيمة.
فهي تشمل الاستعاذة من شر وسوسة غيره له ، وتشمل الاستعاذة من وسوسته لغيره.
وتشمل أيضاً الاستعاذة مما يُوسوسُ به عنه؛ فإن العبد قد يوسوس عنه بأمور يكون بسببها ما يكون من الشر أو حجب الخير فيؤثر ذلك عليه، ومبدأ ذلك وسوسة من الشياطين لغيره عنه.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:12 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

اشتمال السورة على الاستعاذة من وسوسة شياطين الإنس والجن إلينا وعنّا، ووسوسة نفوسنا لنا ولغيرنا
فشملت السورة الاستعاذة من:
1: وسوسة شياطين الإنس والجنّ إلينا وعنَّا.
2: ووسوسة نفوسنا لنا ولغيرنا.
وهذه الوسوسة يكون فيها من الشر العظيم بتزيين المعاصي والتصديق بالباطل، والصد عن فعل الطاعات والتصديق بالحق ما يقترف به العباد من السيئات ويحرم بسببه من الخيرات والحسنات، ويحل عليه العقوبات ويعرّضه للفتن، وهذه شرور عظيمة لمن تأملها.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:16 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

درجات كيد الشيطان

كيد الشيطان للإنسان على درجات:

الدرجة الأولى: الوسوسة

الدرجة الأولى: الوسوسة وهي أول كيده وأصله، فإذا كفي العبد شرّها فقد سلم من بلاء وفتنة يُبتلى بها من يُبتلى.
فالسعيد من وُقي شرّ وسوسة الشيطان، وأما الوسوسة نفسها فلا يسلم منها تقيّ ولا غيره؛ فإن هذا هو أصل الابتلاء في هذه الحياة الدنيا؛ أيطيع الإنسان ربه أم يطيع الشيطان؟
فالشيطان يوسوس للناس كلهم، بل جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه)).
فتأمّل هذا الحديث العظيم ؛ الذي يدلّ على أمر جليل من أمور الغيب، وله أثر بالغ على الناس كلهم.
فالشيطان يحضرُ ابنَ آدم عند أكله وشربه ونومه ويقظته ودخوله وخروجه وعباداته ومعاملاته؛ وله في كل ذلك وساوس يوسوس بها ثم يخنس، فهو كالمحارب يكر ثم يفر ثم يكر ثم يفر ، ينتظر تأثر عدوه بضرباته وسقوطه صريعاً في أسره حتى ينقاد له فيقتاده ويورده المهالك، والعياذ بالله.
فأما إذا اتبع العبد هدى الله تعالى في شأنه كله؛ فإنه يُعصم من كيد الشيطان، وهذا يدلك على أن حاجة الإنسان إلى اتباع هدى الله حاجة عظيمة متصلة دائمة ما دام حياً.
وهو هدى ميسّر لم يجعل الله فيه علينا مشقة ولا حرجاً، فكلمة (بسم الله) عند الدخول وعند الخروج وعند الأكل وعند الشرب وعند الجماع ونحو ذلك مما ورد من مواضع التسمية، وكثرة ذكر الله عز وجل كل ذلك مما يعصم الله به العبد من كيد الشيطان.
وينبغي للعبد أن يحرص في شؤونه كلها على اتباع هدى الله جل وعلا، في عباداته ومعاملاته ؛ وفي حبه وبغضه، وفي عطائه ومنعه، وفي سائر ما يعرض له من الحوادث والأحوال يحرص فيها على أن يتبع هدى الله لأن هذا هو الضمان الوحيد الذي يُعصم به العبد من كيد الشيطان، فلا يجد الشيطان عليه مدخلاً ليتسلط به عليه.
والإفاضة في هذا المعنى يطول جداً، ويكفينا هنا التنبيه عليه.
وهذه الدرجة الأولى وهي درجة الوسوسة هي ميدان الصراع والتمانع بين المؤمن المتقي والشيطان.

الدرجة الثانية: التسلط الناقص وهو على أنواع
الدرجة الثانية: التسلط الناقص، وهذا يحصل لطائفتين:
الطائفة الأولى: عصاة المسملين؛ الذين يتبعون خطوات الشيطان حتى يستزلهم بارتكاب ما حرم الله أو ترك ما أوجب الله؛ فيحصل للشيطان بذلك نوع تسلط على العبد قد يحرمه من خير كثير ويعرضه لفتنة وعذاب أليم ، كما قال الله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} .
فانظر كيف كانت الذنوب السابقة سبباً تسلط به الشيطان عليهم حتى ارتكبوا كبيرة من الكبائر.
ولولا عفو الله عنهم لهلكوا بسبب ذلك، لكن الله تعالى من رحمته أن فتح لعباده بابَ التوبة وجعل للعباد ما يجبرون به تقصيرهم، ويكفرون به من سيئاتهم، ويعودون إلى حماية الله وحفظه.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

والمقصود أن الذي استزلّه الشيطان إنما كان سبب ذلك مخالفته لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.
فمن عقوبة العاصي العاجلة أنه يُعرّض بسبب معصيته لفتنة قد لا يوفّق فيها لاتباع هدى الله فيضل بذلك ضلالاً أعظم من ضلاله الأول، ويعصي معصية أعظم من معصيته الأولى؛ فيعاقب على ذلك عقوبة أشدّ من العقوبة الأولى؛ وهذا من الاستدراج، والعياذ بالله.
ولولا عفو الله تعالى ولطفه وكثرة ما يتجاوز به عنا ولا يؤاخذنا به؛ لحُرمنا من خير عظيم ولما تزكّت نفوسنا ولا تطهرت مما بها.
ومع هذا يجب على العبد أن يكون شديد الحذر مما يعرضه لسخط الله تعالى، وأن يعظم خشية الله في قلبه، ويتبع هداه؛ فيكون في أمان الله وضمانه؛ {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}.
والخلاصة أن هذه الطائفة في هذه الدرجة وهي التسلط الناقص، على درجات متفاوتة لا يحصيهم إلا من خلقهم؛ فمنهم من يعظم تسلط الشيطان عليه حتى يرهقه جداً، ومنهم من يصيبه من ذلك تسلط وبلاء يذوق به عاقبة ما قصّر فيه من طاعة الله عز وجل وتجرأ على غشيان ما حرم الله.
وأصحاب هذه الطائفة هم عصاة المسلمين؛ فلا يتسلط الشيطان عليهم تسلطاً تاماً، ولا يسلمون منه سلامة تامة؛ بل هم وإياه في تصارع وجهاد ؛ يقوى تسلطه عليهم ويضعف بقدر ما فرّطوا فيه من اتباع هدى الله جل وعلا.
فما معهم من التوحيد والإسلام يمنعه من التسلط التام عليهم، وما في قلوبهم من حظ الشيطان باتباع خطواته سَببٌ لتسلط الشيطان عليهم.

الطائفة الثانية: أهل البلاء من المؤمنين المتقين، وهؤلاء لا يتسلط عليهم الشيطان تسلطاً تاماً، لأنهم أولياء الله تعالى، والله معهم يؤيدهم وينصرهم ما داموا على ما يحب من الإيمان والتقوى، لكنهم قد يُبتلون ابتلاءً بأذية الشياطين وكيدهم لينظر الله كيف يعملون، وهذا الإيذاء قد تقصر مدته وهو الغالب، وقد تطول ، ويكون طوله إذا طال مع ملازمة الصبر والتقوى من علامات بلوغ أهله مرتبة الإحسان.
والفرق بين هذه الطائفة والطائفة التي قبلها، أن تلك الطائفة يقع التسلط عليهم عقوبة لهم على تفريطهم في اتباع هدى الله.
وأما هذه الطائفة فيقع عليهم شيء من التسلط والأذى ابتلاء من الله عز وجل.
وإذا أردت التفصيل في ذلك فيقال: هذا الأذى الشيطاني على المؤمنين له أنواع، ولكل نوع أمثلته وأدلته وأحواله، وحسبنا في هذا المقام التعريف الموجز بذلك، وفهم يسير بإذن الله تعالى لظهور أدلته:
النوع الأول: إيذاء بالفزع والتخويف ومحاولة الإضرار، يجعل الله لعباده المؤمنين معه سبباً يعتصمون به من ذلك فلا يصيبهم منه ضرر، وإنما قد ينالهم شيء من الأذى الذي يُحتمل ويذهب أثره من الخوف أو الفزع أو الرهبة التي تقتضيها بغتة الموقف؛ ثم يزول ذلك.
ومن ذلك ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن كما في مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما من حديث أبي التياح قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش رضي الله عنه وكان شيخاً كبيراً قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين كادته الشياطين؟
قال: (جاءت الشياطين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأودية، وتحدرت عليه من الجبال، وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قال: (فرعب؛ جعل يتأخر).
قال: (وجاء جبريل عليه السلام؛ فقال: يا محمد قل).
قال: ((ما أقول؟)).
قال: (قل: ((أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن)) ؛ فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله عز و جل).
فهذه التعويذة نافعة لمن وجد شيئاً من أذى الشياطين وتبدّيهم له وتفلتهم عليه.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ عفريتاً من الجن تفلّت البارحة))، وفي رواية ((جاء يفتك بي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ؛ فذكرت قول أخي سليمان: {رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}؛ فرددته خاسئاً)).
وفي الباب أحاديث أخرى.

النوع الثاني: أن يجد المسلم شيئاً من أذية الشياطين وتسلطهم عليه، وفي هذا الباب حديث لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، وحديث لخالد بن الوليد أنه كان يفزع في منامه فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن عفريتاً من الجنّ يكيدك))؛ ثم علّمه تعويذة نحو تعويذة جبريل المذكورة في حديث أبي التياح.
وحديث خالد رجاله ثقات لكن فيه انقطاع يسير في أصل الإسناد.
ومثل هذا النوع يعرض لبعض أهل العلم وفي ذلك أخبار وآثار.

النوع الثالث: النزغات والهمزات والنفخات والنفثات التي تكون من الشياطين ويكون لها شرور وآثار تستوجب الاستعاذة بالله تعالى منها.
كما قال الله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}.
وقال: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}.
فالنزغ يستعاذ بالله من شره، وقد هَدى الله عباده لأن يقولوا التي هي أحسن؛ فإن ذلك يذهب عنهم شراً كثيراً من كيد الشيطان في النزغ بينهم.
وقال تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون}
قال الإمام الشنقيطي: (الهَمَزَات: جمع هَمْزَة وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين: نخساتهم لبني آدم ليحثّوهم ويحضوهم على المعاصي).

وفي مسند الإمام أحمد من حديث نافع بن جبير بن مطعمٍ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً. اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)).
قال: قلت: (يا رسول الله ما هَمْزُه؟).
قال: ذكر كهيئة المُوتة ، يعنى يصرع.
قلت: (فما نفخه؟) قال: ((الكِبْر)).
قلت: (فما نفثه؟) قال: ((الشِّعْر)).
وروى الأمام أحمد أيضاً بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال: قال أبو سلمة [بن عبد الرحمن]: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: ((اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه)) ).
قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)) ).
قالوا: (يا رسول الله! وما همزه ونفخه ونفثه؟).
قال: ((أما همزه فهذه الموتة التى تأخذ بنى آدم، وأما نفخه فالكبر، وأما نفثه فالشعر)).

جاء تفسير الهمز مسنداً ومرسلاً ، وموقوفاً على أبي سلمة بن عبد الرحمن وعمرو بن مرة وغيرهما بأنه المُوتة التي تأخذ بني آدم.
قال الزبيدي: (المُوتَةُ بالضَّمِّ: الغَشْىُ ، وفُتُورٌ في العَقْل ، والجُنُونُ؛ لأَنّه يَحْدُث عنه سُكونٌ كالمَوْتِ).
وقال أبو منصور الأزهري: (قال أبو عبيد: المُوتَةُ : الجنون، سُمِّي هَمْزا لأنه جعله من النخسُ والهمز والغمز، وكل شيء دَفَعته؛ فقد همزته.
وقال ابن شميل: المُوتة : الذي يُصرعُ من الجنون أو غيره ثم يفيقُ.
وقال اللحياني: المُوتَةُ شِبْه الغشية).

والخلاصة أن المُوتة لفظ يقع على أشياء متعددة، وتكون الموتة في الجسد وفي الروح؛ فالموتة التي تأخذ الروح يكون بسببها الغَشْي والجنون والصرع، والموتة التي تكون في الجسد يكون بسببها فتور الجسد وخموله ووهنه.
ومن أسباب ذلك همز الشيطان، والعياذ بالله من همزه.
وأما النفخ فتفسيره بالكبر للتمثيل، وكل ما كان بسببه كبر أو عُجب أو فخرٌ أو نحوهما فهو من نفخ الشيطان.
ويكون له نفخ غير ذلك ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قينة غنَّت: ((لقد نفخ الشيطان في مِنَخريها)). رواه أحمد.
والقينة: هي الأَمَة المملوكة التي تُتَّخذ للتزيّن والغناء غالباً.
قال أَبو منصور الأزهري: (إِنما قيل للمُغنّية قَيْنةٌ إِذا كان الغناءُ صناعةً لها، وذلك من عمل الإِماء دون الحرائر).
وقال ابن مسعود: (إن الشيطان ليطيف بالرجل في صلاته ليقطع عليه صلاته فإذا أعياه نفخ في دبره فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئا فلا ينصرفن حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا). رواه عبد الرزاق والطبراني.
وروى ابن أبي شيبة نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما النفث فيكون بسببه قول الشِّعْر الذي فيه إغواء للناس كما قال الله تعالى: {والشعراء يتَّبعهم الغاوون} ، فما يلقيه الشيطان على قلوب بعض الشعراء وألسنتهم فيتكلمون به ويعبّرون عنه هو من معاني نفث الشيطان، وقد نطق بذلك بعض الشعراء كما قال الفرزدق في توبته المشهورة:

ألَمْ تَرَنِي عاهدْتُ ربي وإِنني ... لَبَيْنَ رِتَاجٍ قائمٌ ومَقامِ
على حَلْفَةٍ لا أشتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِماً ... ولا خارِجاً مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ
وإن ابنَ إِبليسٍ وإِبليسَ أَلْبَنا ... لهم بعَذابِ النَاسِ كل غلامِ
هُما نَفَثا فِي فِيَّ من فمَوَيْهِما ... على النابح العاوي أشد رِجامِ
أطعتكَ يا إبليس سبعين حجةً... فلما انتهى شيبي وتمَّ تمامي
فررت إلى ربي وأيقنت أنني... ملاقٍ لأيام المنون حمامي
وكَمْ مِن قُرُونٍ قد أَطاعُوكَ أَصْبَحُوا ... أَحادِيثَ كانُوا في ظِلالِ غَمامِ


الرتاج المراد به باب الكعبة، والمقام مقام إبراهيم.
قال عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب: (وقوله : وإن ابن إبليس الخ ألبنا : سَقَيَا اللَّبَن، يريد أن إبليس وابنه سقيا كلّ غلام من الشعراء هجاءً وكلاماً خبيثاً).ا.ه.
فالشعر السَّيِّء من نفث الشيطان، ولنفث الشيطان معانٍ أخرى وردت في النصوص وسبق بيان بعضها.

النوع الرابع: التسلط الذي قد يَعْظُمُ أثره ويطول أَمَدُه ويقصر بحسب ما يقدره الله عز وجل من ذلك، كما قال الله تعالى: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنُصْب وعذاب}. وقرأ يعقوب: {بنَصَب}.
وقال الفراء بأن النُّصْبَ والنَّصَب بمعنى واحد كالرُّشْد والرَّشَد، والمراد به: ما أصابه من العناء والضرر.
ومن هذا النوع ما يحصل لبعض الصالحين من الابتلاء بالسحر والعين وتسلط الشياطين، وما يحصل لهم من الآفات التي تُضعف أبدانهم ويتسلط عليهم الشيطان بأنواع من الأذى.
فهؤلاء إن قاموا بما أوجب الله تعالى من الصبر والتقوى كان ذلك رفعة لهم واجتباء، ولم يضرهم كيد عدوهم شيئاً، وإنما هو أذى يتأذون به، ويصاحبه من لطف الله عز وجل بهم، وتيسيره ما يخفف عنهم البلاء، ثم تكون عاقبتهم حسنةً بإذن الله تعالى.
قال الله تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} فجعل الإحسان يُنال بالصبر والتقوى.
والصبر الجميل هو الذي لا تسخط معه.
وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً}.
ومن كان سائرا في بلائه على هدى من الله ؛ فهو في أمان الله تعالى وضمانه حتى تحصل له العاقبة الحسنة، وقد قال الله تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} وقال: {والعاقبة للتقوى}.
وهؤلاء لا يتمكن الشيطان منهم تمكناً تاماً ما بقي معهم الإيمان بالله جل وعلا والعمل الصالح، ومهما بلغ بهم الأذى فإن الله يجعل لهم مخرجاً وفرجاً، والله تعالى لا يديم البلاء على عبده.

الدرجة الثالثة: التسلط التام
الدرجة الثالثة: التسلط التام، والاستحواذ التام؛ وهذا هو تسلط الشيطان على أوليائه الذين اتخذوه وليّا من دون الله جل وعلا، لأنهم اتبعوه وتولوه وأعرضوا عن ذكر الله جل وعلا واتباع هداه حتى خرجوا من النور إلى الظلمات ، ومن ولاية الله إلى ولاية الشيطان، ومن حزب الله إلى حزب الشيطان.
فكانوا بذلك من الخاسرين والعياذ بالله.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:22 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

بيان معنى النزغ والهمز والنفخ والنفث


خطر اتباع خطوات الشيطان

قال الله تعالى: {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}.
وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}
فجعل سبب ضلالتهم أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.
وهذا يبيّن لك خطورة اتباع خطوات الشيطان؛ لأنها قد تفضي بالعبد إلى أن يتولّى الشيطان فإذا تولّى الشيطان استحوذ الشيطان عليه فصار وليّا من أولياء الشيطان، والعياذ بالله يصدّ عن سبيل الله، ويعادي أولياء الله، ويؤذيهم ويبسط لسانه ويده في أهل الحق بالسوء؛ ويدعو إلى الباطل بقوله وعمله، ويسكت عن بيان الحق، فهو بهذه الأعمال القبيحة قد صار ولياً للشيطان ومناصراً له، يحب ما يحبه الشيطان، ويبغض ما يبغضه الشيطان، وإن لم يصرح بأنه يحب الشيطان بل ربما لعنه في الظاهر، وأما في حقيقة الحال فمقاصده وأعماله هي مقاصد الشيطان وأعماله، وغايتهم واحده إخراج الناس من النور إلى الظلمات، وصدهم عن سبيل الله عز وجل، وإن كانوا يحسبون أنهم مهتدون.

فهذا بيان درجات تسلط الشيطان على الإنسان، وقد ثبت في النصوص أن الشيطان يوسوس وينزغ ويهمز وينفخ وينفث ويحضر العبد في شأنه كله.
وقد أمر الله بالاستعاذة من شر الشيطان وشركه.
وبهذا تعلم أن هذا الأذى كثير متعدد متنوع، وأنه لا يُعصم منه إلا من عصمه الله، وأنه لا أمان للعبد إلا بالإيمان والتوكل على الله جل وعلا.
وقد قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون}.
فالمؤمنون المتوكلون على ربهم لا تتسلط عليهم الشياطين بل هم في حفظ الله ورعايته، والله معهم يؤيدهم ويهديهم وينصرهم حتى تكون لهم العاقبة الحسنة.
وبحسب ما يكون مع العبد من تحقيق للإخلاص يعظم إيمانه ويعظم توكله على الله جل وعلا حتى يكون من عباد الله المخلَصين وينال بذلك أعظم تحصين من كيد الشيطان الرجيم.
كما قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً}.
وقال في قسم الشيطان لربه لما أبى السجود لآدم: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}
بل ربما بلغ العبد في كمال الإيمان وصدق التوكل والقوة في الحق مبلغاً عظيماً حتى يفرّ منه الشيطان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ((والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قطّ سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك)). متفق عليه.
الفج: الطريق الواسع.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 22 ربيع الثاني 1435هـ/22-02-2014م, 01:28 AM
أروى المطيري أروى المطيري غير متواجد حالياً
فريق تنسيق النصوص
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 357
افتراضي

أصول في دفع كيد الشيطان

ويحسن بنا أن نذكّر بأصول عظيمة في هذا الباب ينبغي للمؤمن أن يعتني بها ، ويفقهها حق الفقه، وهي مقررة في القرآن العظيم أحسن تقرير وأبينه، فإياك ثم إياك أن تستهين بها؛ فإن الاستهانة بها قد توقع العبد في أنواع من العذاب الأليم والشقاء العظيم.


أن الشيطان عدّو مبين، وتعرف عداوته بمقاصد ما يوسوس به
الأصل الأول: أن الشيطان عدو مبين؛ فهو بيّن العداوة كما قال تعالى: {إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبينا}، وتعرف عداوة الشيطان للإنسان بما يأمر به ويزينه وبما يحاول أن يصد عنه؛ فإن العاقل يعرف الأمور بمقاصدها، كما نبه الله تعالى إلى ذلك بقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، وقال: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم}، وقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}.
فكل ما يوسوس لك به الشيطان فغايته أن يأمرك بما فيه هلاكك وشقاؤك.

أنه يجب علينا أن نتّخذ الشيطان عدواً
الأصل الثاني: أنه يجب علينا أن نتخذه عدواً كما قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}
فمن الناس من يعلم أن الشيطان عدو لكنه لا يتخذه عدواً، بل ربما أنس لوساوسه وتزيينه الباطل والمعاصي وصدق ما يغره به من زخرف القول؛ ومن الناس من يلقّنه الشيطان دعوى التوبة بعد أن يقضي نهمته من شهواته، وهي شهوات تتزايد وتتوالد ولا يزال العبد يتبع فيها خطوات الشيطان ويعرض عن ذكر الله حتى يضلّ ضلالا بعيداً إلا أن يتداركه الله برحمة من عنده.
ولو تأملت أصل البلاء وجدته الاستهانة باتخاذ الشيطان عدواً.

أن الله أمر في مواضع من كتابه الكريم بأن لا نتبع خطوات الشيطان
الأصل الثالث: أن الله قد حرّم اتباع خطوات الشيطان كما قال تعالى في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}.
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}.
وقال الله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم}.

لا ضمان للعبد ولا أمان له إلا باتباع هدى الله تعالى
الأصل الرابع: أنه لا ضمان للعبد ولا أمان له إلا أن يتبع هدى الله جل وعلا، كما قال الله تعالى لما أهبط أبوينا وأهبط إبليس إلى الأرض عند بدء هذه الحياة الدنيا: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}.
قال ابن جرير: (يقول: أنتما عدوّ إبليس وذرّيته، وإبليس عدوّكما وعدوّ ذرّيتكما).

اتباع هدى الله يفضي بصاحبه إلى العاقبة الحسنة
الأصل الخامس: أن اتباع هدى الله يفضي إلى العاقبة الحسنة، ومهما يكن على العبد من كيد الشيطان ووسوسته وأذيته فإن العبد المؤمن يعان على ذلك ما دام متبعاً لهدى الله جل وعلا على ما يستطيع {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، كما قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وهذا يدلك على يسر الشريعة وسماحتها، فلا يكن في صدر المبتلى حرج من فوات بعض الأمور عليه، أو تعسر بعض الطاعات عليه؛ فإن ذلك إذا كان عن غير تفريط ولا تقصير فإن نيته تبلغ ، وأجره يكتب له كأنه عمله، ولا يؤاخذ العبد بما لا يطيق، وإن أطاقه غيره ممن هو في عافية من البلاء الذي هو فيه.

الشيطان يحضر ابن آدم عند كلّ شيء من شأنه
الأصل السادس: أن الشيطان يحضر ابن آدم عند كل شيء من شأنه ؛ فله وسوسة في الشؤون كلها، وقد ثبت في النصوص أن الشيطان يوسوس وينزغ ويهمز وينفخ وينفث، ويخوّف، ويعد ويمنّي ويزيّن الشهوات المحرمة، ويثير الشبهات المحيرة، بل له تصرفات في بعض أجساد الناس؛ كما صح أن التثاؤب من الشيطان، والحلم من الشيطان، والاستحاضة من الشيطان، وصراخ الطفل إذا استهل من الشيطان، والغضب من الشيطان، والعجلة من الشيطان، والالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وأن الشيطان يوهم بعض الناس أنه خرج منه ريح وهو لم يخرج، كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا كان في الصلاة جاءه الشيطان فأبسّ به ، كما يبس الرجل بدابته ، فإذا سكن له أضرط بين إليتيه ليفتنه عن صلاته ، فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا لا يشك فيه)).
وورد أنه يبيت على خياشيم بني آدم، ويبول في آذان بعضهم إلى غير ذلك مما ورد من تصرفات الشيطان وما أقدره الله عليه.
بل قد يكون له تأثير على الناس في تصرفاتهم، في منازلهم وسفرهم وذهابهم وإيابهم بسبب وسوسته ، كما في سنن أبي داوود والنسائي من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: (كان الناس إذا نزلوا تفرقوا في الشعاب والأودية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان))؛ فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض).
فالتصرفات التي تكون أقرب إلى تحقيق مقاصد الشيطان من التفرق والتنازع والتنافر وإيذاء بعض الناس لبعض؛ سببه نزغ الشيطان ووسوسته وتزيينه.

وقد ورد في النصوص أيضاً بيان ما لا يقدر عليه الشيطان: فهو لا يفتح باباً مغلقاً، ولا يحلّ وكاءً، ولا يكشف إناء، ولا يرى من يسمي إذا دخل الخلاء، ولا يأكل مع من يسمي عند أكله، ولا يدخل مع من يسمي عند دخوله، ولا يشارك الرجل في أهله إذا سمى عند الجماع.
ولا يتمثل في صورة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام.

لا عذر للعبد إذا نزغه الشيطان فأطاعه
الأصل السابع: أن العبد لا يُعذر في مخالفته هدى الله جل وعلا فيما ينزغ له به الشيطان فيطيعه على ذلك؛ كما في الصحيحين من حديث همام عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار)).
وهذا دليل على أن نزغ الشيطان لو كان عذراً للعبد لما أوجب له هذا العذاب؛ فمن خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ورفع السلاح على أخيه ولو مازحاً فنزغه الشيطان فأصاب أخاه المسلم فلا ينفعه أن يقول: نزغني الشيطان.
وهكذا في سائر المسائل، لا يُعذر العبد بترك فريضة واجبة أو عمل محرم بحجة نزغ الشيطان له، ما دام العبد حاضر العقل مختاراً.
أما ما يفعله العبد في حال رفع القلم عنه بذهاب العقل أو النوم أو كان مكرهاً أو معذوراً أو بنسيان أو خطأ أو جهل يعذر في مثله فإن المؤاخذة ترتفع عنه إذا كان غير مفرط ولا متعدّ.

للشيطان مداخل يتسلّط بها على الإنسان ويشتدّ فيها كيده
الأصل الثامن: أن الشيطان له مداخل للتسلط على الإنسان ينبغي للمؤمن أن يحترز منها: كالغَضَبِ الشديدِ، والفَرَحِ الشَّديدِ، والانْكِبابِ على الشَّهواتِ، والشُّذُوذِ عن الجماعةِ، والوَحْدةِ، ولا سِيَّما في السَّفَرِ، ونَقْلِ الحديثِ بينَ الناسِ، وخَلْوةِ الرجُلِ بالمرأةِ، والظنِّ السَّيِّئِ، وغِشْيانِ مَواضِعِ الرِّيَبِ.
وقد شُرِعت التسميةُ في كلِّ شأنٍ من شُئونِ الإنسانِ لحُصولِ البَرَكةِ والحِفْظِ من كيدِ الشيطانِ، فيُسَمِّي العبدُ إذا أكَلَ، وإذا شَرِبَ، وإذا دخَلَ المَنْزِلَ، وإذا خَرَجَ منه، وإذا أَصْبَحَ، وإذا أمْسَى، وإذا رَكِبَ، وإذا جَامَعَ، وإذا دخَلَ الخَلاءَ، وإذا أرادَ النَّوْمَ.
وفي صَحيحِ مُسلمٍ من حديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضِي اللهُ عنه أن النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((إذا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطَاعَ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ في فِيهِ)).
وفي رِوَايةٍ لأحْمَدَ وعبدِ الرَّزَّاقِ: ((إذا تَثَاوَبَ أحَدُكم فَلْيَضَعْ يَدَهُ على فِيهِ؛ فإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مع التَّثَاوُبِ)).

وقد سمعت بعض من تاب من السحرة يخبر عن كيفية دخول الشيطان في جسد الإنسان؛ فقال: إنه يدخل مع الشهيق السريع القوي، ولعله أخذ هذا عن بعض من كان يتعامل معهم من الشياطين، وهو موافق لما في الحديث.

هذا، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله من الخطأ والتقصير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:31 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة