العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12 ربيع الثاني 1434هـ/22-02-2013م, 01:08 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (155) إلى الآية (159) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (155) إلى الآية (159) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 07:51 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ({طبع} [النساء: 155]:«ختم»). [صحيح البخاري: 6/47] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله طبع ختم قال أبو عبيدة في قوله طبع اللّه على قلوبهم أي ختم). [فتح الباري: 8/257]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (طبع ختم
أشار به إلى قوله تعالى: {طبع الله على قلوبهم} (النّساء: 155) فسر طبع بقوله: ختم، وهكذا فسره أبو عبيدة). [عمدة القاري: 18/181]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (طبع) بضم الطاء وكسر الموحدة أي (ختم) يريد تفسير قوله تعالى: {طبع الله على قلوبهم} [النحل: 158] ولم يذكر المؤلّف حديثًا في هذا الباب.
قال الحافظ ابن كثير: فنذكر هنا عند تفسير آية الباب حديث عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- المتفق عليه حين بلغه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم طلّق نساءه فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاستفهمه أطلقت نساءك؟ قال "لا" فقلت الله أكبر وذكر الحديث بطوله: وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: "لا" فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فكنت أنا أستنبط ذلك الأمر.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة عند البخاري لكن بدون هذه الزيادة فليست على شرطه فكأنه أشار إليها بهذه الترجمة اهـ.
وظاهر قول المفسرين السابق أن سبب نزول هذه الآية الإخبار عن السرايا والبعوث بالأمن أو الخوف وهو خلاف ما في حديث مسلم). [إرشاد الساري: 7/89-90]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلاً}
يعني جلّ ثناؤه: فبنقض هؤلاء الّذين وصفت صفتهم من أهل الكتاب ميثاقهم، يعني عهودهم الّتي عاهدوا اللّه أن يعملوا بما في التّوراة. {وكفرهم بآيات اللّه} يقول: وجحودهم بآيات اللّه، يعني: بأعلام اللّه وأدلّته الّتي احتجّ بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله، وحقّيّة ما جاءوهم به من عنده. {وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ}
يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجّة عليهم بنبوّتهم بغير حقٍّ، يعني: بغير استحقاقٍ منهم ذلك لكبيرةٍ أتوها ولا خطيئةٍ استوجبوا القتل عليها. وقولهم: {قلوبنا غلفٌ} يعني: وبقولهم: قلوبنا غلفٌ، يعني يقولون: عليها غشاوةٌ وأغطيةٌ عمّا تدعونا إليه، فلا نفقه ما تقول، ولا نعقله.
وقد بيّنّا معنى الغلف، وذكرنا ما في ذلك من الرّواية فيما مضى قبل.
{بل طبع اللّه عليها بكفرهم} يقول جلّ ثناؤه: كذبوا في قولهم قلوبنا غلفٌ، ما هي بغلفٍ ولا عليها أغطيةٍ؛ ولكنّ اللّه جلّ ثناؤه جعل عليها طابعًا بكفرهم باللّه.
وقد بيّنّا صفة الطّبع على القلب فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
{فلا يؤمنون إلاّ قليلاً} يقول: فلا يؤمن هؤلاء الّذين وصف اللّه صفتهم في طبعه على قلوبهم، فيصدّقوا باللّه ورسله وما جاءهم به من عند اللّه إلاّ إيمانًا قليلاً يعني: تصديقًا قليلاً. وإنّما صار قليلاً لأنّهم لم يصدّقوا على ما أمرهم اللّه به ولكن صدّقوا ببعض الأنبياء وببعض الكتب وكذّبوا ببعض فكان تصديقهم بما صدّقوا به قليلاً لأنّهم وإن صدّقوا به من وجهٍ، فهم به مكذّبون من وجهٍ آخر.
وذلك من وجه تكذيبهم من كذّبوا به من الأنبياء وما جاءوا به من كتب اللّه ورسل اللّه يصدّق بعضهم بعضًا، وبذلك أمر كلّ نبيٍّ أمّته، وكذلك كتب اللّه يصدّق بعضها بعضًا ويحقق بعضٌ بعضًا، فالمكذّب ببعضها مكذّبٌ بجميعها من جهة جحوده ما صدّقه الكتاب الّذي يقرّ بصحّته فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من ذلك قليلاً.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، في قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} يقول: فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم {وقولهم قلوبنا غلفٌ} أي لا نفقه بل طبع اللّه عليها بكفرهم ولعنهم حين فعلوا ذلك.
واختلف في معنى قوله: {فبما نقضهم} الآية، هل هو مواصلٌ لما قبله من الكلام، أو هو منفصلٌ منه؟ فقال بعضهم: هو منفصلٌ ممّا قبله، ومعناه: فبنقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ {وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع اللّه عليها بكفرهم} ولعنهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {فلا يؤمنون إلاّ قليلاً} لمّا ترك القوم أمر اللّه، وقتلوا رسله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الّذي أخذ عليهم {طبع اللّه عليها بكفرهم} ولعنهم.
وقال آخرون: بل هو مواصلٌ لما قبله؛ قالوا: ومعنى الكلام: فأخذتهم الصّاعقة بظلمهم، فبنقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات اللّه، وبقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ وبكذا وكذا أخذتهم الصّاعقة، قالوا: فتبع الكلام بعضه بعضًا، ومعناه مردودٌ إلى أوّله، وتفسير ظلمهم الّذي أخذتهم الصّاعقة من أجله بما فسّر به تعالى ذكره من نقضهم الميثاق، وقتلهم الأنبياء، وسائر ما بيّن من أمرهم الّذي ظلموا فيه أنفسهم.
والصّواب من القول في ذلك أنّ قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} وما بعده منفصلٌ معناه من معنى ما قبله؛ وأنّ معنى الكلام: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه، وبكذا وبكذا، لعنّاهم وغضبنا عليهم، فترك ذكر لعنّاهم لدلالة قوله: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} على معنى ذلك، إذ كان من طبع على قلبه فقد لعن وسخط عليه.
وإنّما قلنا ذلك أولى بالصّواب، لأنّ الّذين أخذتهم الصّاعقة إنّما كانوا على عهد موسى والّذين قتلوا الأنبياء والّذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا: قتلنا المسيح، كانوا بعد موسى بدهرٍ طويلٍ، ولم يدرك الّذين رموا مريم بالبهتان العظيم زمان موسى ولا من صعق من قومه،
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنّ الّذين أخذتهم الصّاعقة لم تأخذهم عقوبةً لرميهم مريم بالبهتان العظيم، ولا لقولهم: إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم. وإذ كان ذلك كذلك، فبيّنٌ أنّ القوم الّذين قالوا هذه المقالة، غير الّذين عوقبوا بالصّاعقة. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيّنًا انفصال معنى قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} من معنى قوله: {فأخذتهم الصّاعقة بظلمهم}). [جامع البيان: 7/645-648]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلّا قليلًا (155)
قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد بن زريعٍ ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: فبما نقضهم ميثاقهم يقول: فبنقضهم ميثاقهم.
قوله تعالى: وكفرهم بآيات اللّه.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا عبيد اللّه بن موسى عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: الآيات: الطّوفان والجراد والقمل والضّفادع والدّم ويده وعصاه.
قوله تعالى: وقتلهم الأنبياء بغير حق.
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن الأعمش عن إبراهيم، عن أبي معمرٍ الأزديّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبيٍّ، ثمّ يقوم سوقٌ لهم من آخر النهار.
قوله تعالى: وقولهم قلوبنا غلفٌ.
- حدّثنا أحمد بن سنان صلى الله عليه وسلم ثنا أسباط بن محمّدٍ، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: إنّما سمّي القلب لتقلّبه.
قوله تعالى: قلوبنا غلف.
[الوجه الأول]
- حدثنا أبو زرعة، منجاب بن الحارث، أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: قلوبنا قال: قالوا: قلوبنا مملوءةٌ علمًا لا نحتاج إلى علم محمّدٍ ولا غيره.
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ، قال: قرأنا على يحيى بن الضريس، عن فضيل ابن مرزوقٍ، عن عطيّة العوفيّ: قلوبنا غلفٌ قال: قلوبنا أوعيةٌ للعلم.
وروي عن عطاءٍ الخرساني مثله.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: وقالوا قلوبنا غلفٌ قال: في غطاءٍ.
وروي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وعكرمة، والسّدّيّ، وقتادة في رواية معمرٍ نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد الرّحمن العرزميّ، ثنا أبي، عن جدّي، عن قتادة، عن الحسن قوله: قلوبنا غلفٌ قال: لم تختن.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا، أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية:
قوله: قلوبنا غلفٌ أي لا تفقه. وروي عن قتادة في رواية ابن أبي عروبة عنه مثله.
والوجه الخامس:
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا أسباطٌ، عن فضيلٍ، عن عطيّة:
قلوبنا غلفٌ قال: أوعيةٌ للمنكر.
الوجه السّادس:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، عن النّضر بن عربيٍّ، عن عكرمة: قلوبنا غلفٌ قال: عليها طابعٌ.
قوله تعالى: بل طبع اللّه عليها بكفرهم.
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: بل طبع اللّه يعني:
ختم اللّه.
- حدّثنا المنذر بن شاذان، ثنا هوذة، ثنا عوفٌ قال: بلغني في قول اللّه تعالى: وقالوا قلوبنا غلفٌ قال: قالوا: قلوبنا أوعيةٌ للخير فأكذبهم اللّه وقال:
بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا.
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ، ثنا شيبان، عن قتادة قوله: بل طبع اللّه عليها بكفرهم قال: لمّا بدّل القوم أمر اللّه وقتلوا رسله وكفروا بكتابه ونقضوا الميثاق الّذي عليهم، طبع اللّه على قلوبهم حين فعلوا ذلك.
قوله تعالى: فلا يؤمنون إلا قليلا.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن قتادة قال: لا يؤمن منهم إلا قليلٌ). [تفسير القرآن العظيم: 4/1107-1109]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة {ورفعنا فوقهم الطور} قال: جبل كانوا في أصله فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا: نأخذه وأمسكه الله عنهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} قال: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} قال: أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها وأحلت لهم ما خلا ذلك وفي قوله {فبما نقضهم} يقول: فبنقضهم ميثاقهم {وقولهم قلوبنا غلف} أي لا نفقه {بل طبع الله عليها} يقول: لما ترك القوم أمر الله وقتلوا رسوله وكفروا بآياته ونقضوا الميثاق الذي عليهم طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك). [الدر المنثور: 5/96-97] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتكهت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترئ على الله بعث الله الطابع فطبع على قلبه فلا يقبل بعد ذلك شيئا). [الدر المنثور: 5/97]

تفسير قوله تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قول الله: {كان الناس أمة واحدة}، فهذا يوم آخذ ميثاقهم، لم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم، {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين}، {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}، اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمدٍ ليوم الجمعة؛ واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمدٍ للقبلة؛ واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمدٍ للحق من ذلك؛ واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم من بعض الطعام، فهدى الله أمة محمدٍ للحق من ذلك؛ واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلما، فهدى الله أمة محمدٍ للحق من ذلك؛ واختلفوا في عيسى بن مريم، فكفرت به اليهود وقالوا لأمه {بهتانا عظيما}، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمه، فهدى الله أمة محمدٍ للحق من ذلك). [الجامع في علوم القرآن: 1/149-150] (م)

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وبكفر هؤلاء الّذين وصف صفتهم {وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} يعني: بفريتهم عليها، ورميهم إيّاها بالزّنى، وهو البهتان العظيم؛ لأنّهم رموها بذلك وهي ممّا رموها به بغير ثبتٍ ولا برهان بريئةً، فبهتوها بالباطل من القول.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} يعني أنّهم رموها بالزّنى.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قوله: {وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} حين قذفوها بالزّنى.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يعلى بن عبيدٍ، عن جويبرٍ، في قوله: {وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} قال: قالوا زنت). [جامع البيان: 7/649-650]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا (156)
قوله تعالى: وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا يعني: أنّهم رموها بالزّنا.
وروي عن السّدّيّ، وجبيرٍ، ومحمّد بن إسحاق نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 4/1109]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي في قوله ويكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما قال هو قول من يقول منهم إن أمه جاءت به من غير عمل صالح). [تفسير مجاهد: 180]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقولهم على مريم بهتانا عظيما} قال: رموها بالزنا
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه، عن علي، قال: قال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إن لك من عيسى مثلا أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له، والله تعالى أعلم). [الدر المنثور: 5/97-98]

تفسير قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم قال ألقى شبهه على رجل من الحواريين فقتل وكان عيسى عرض ذلك عليهم فقال أيكم ألقي عليه شبهي وله الجنة فقال رجل منهم علي). [تفسير عبد الرزاق: 1/177]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقينًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وبقولهم {إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه} ثمّ كذّبهم اللّه في قيلهم، فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم} يعني: وما قتلوا عيسى وما صلبوه، ولكن شبّه لهم.
واختلف أهل التّأويل في صفة التّشبيه الّذي شبّه لليهود في أمر عيسى، فقال بعضهم: لمّا أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنّهم جميعًا حوّلوا في صورة عيسى، فأشكل على الّذين كانوا يريدون قتل عيسى، عيسى من غيره منهم، وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبّهٍ، قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريّين في بيتٍ، وأحاطوا بهم، فلمّا دخلوا عليهم صوّرهم اللّه كلّهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنّكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنّة؟ فقال رجلٌ منهم: أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى، وقد صوّره اللّه على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثمّ شبّه لهم وظنّوا أنّهم قد قتلوا عيسى، وظنّت النّصارى مثل ذلك أنّه عيسى، ورفع اللّه عيسى من يومه ذلك
وقد روي عن وهب بن منبّه غير هذا القول، وهو ما:
- حدّثني به المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدّثني عبد الصّمد بن معقل، أنّه سمع وهبًا، يقول: إنّ عيسى ابن مريم لمّا أعلمه اللّه أنّه خارجٌ من الدّنيا جزع من الموت وشقّ عليه، فدعا الحواريّين وصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني اللّيلة، فإنّ لي إليكم حاجةً، فلمّا اجتمعوا إليه من اللّيل عشّاهم، وقام يخدمهم، فلمّا فرغوا من الطّعام أخذ يغسل أيديهم ويوضّئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من ردّ عليّ شيئًا اللّيلة ممّا أصنع فليس منّي ولا أنا منه، فأقرّوه حتّى إذا فرغ من ذلك، قال: أمّا ما صنعت بكم اللّيلة ممّا خدمتكم على الطّعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوةٌ، فإنّكم ترون أنّي خيركم، فلا يتعاظّم بعضكم على بعضٍ، وليبذل بعضكم لبعضٍ نفسه كما بذلت نفسي لكم، وأمّا حاجتي الّتي استعنتكم عليها، فتدعون لي اللّه وتجتهدون في الدّعاء أن يؤخّر أجلي. فلمّا نصبوا أنفسهم للدّعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النّوم حتّى لم يستطيعوا دعاءً، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان اللّه، أما تصبرون لي ليلةً واحدةً تعينوني فيها؟ قالوا: واللّه ما ندري ما لنا، لقد كنّا نسمر فنكثر السّمر، وما نطيق اللّيلة سمرًا وما نريد دعاءً إلاّ حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالرّاعي وتتفرّق الغنم. وجعل يأتي بكلامٍ نحو هذا ينعى به نفسه، ثمّ قال: الحقّ ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الدّيك ثلاث مرّاتٍ، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرةٍ، وليأكلنّ ثمني، فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريّين، فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثمّ أخذه آخرون، فجحد كذلك، ثمّ سمع صوت ديكٍ، فبكى وأحزنه. فلمّا أصبح أتى أحد الحواريّين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلّهم عليه، وكان شبّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشّيطان وتبرئ المجنون؟ أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشّوك، حتّى أتوا به الخشبة الّتي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه اللّه إليه، وصلبوا ما شبّه لهم، فمكث سبعًا، ثمّ إنّ أمّه والمرأة الّتي كان يداويها عيسى فأبرأها اللّه من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال: علام تبكيان؟ قالتا: عليك. فقال: إنّي قد رفعني اللّه إليه، ولم يصبني إلاّ خيرٌ، وإنّ هذا شيءٌ شبّه لهم، فأمرا الحواريّين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الّذي كان باعه ودلّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنّه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب اللّه عليه، ثمّ سألهم عن غلامٍ يتّبعهم يقال له: يحنّى، فقال: هو معكم فانطلقوا فإنّه سيصبح كلّ إنسانٍ منكم يحدّث بلغة قومٍ، فلينذرهم وليدعهم.
وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيت أن يلقى على بعضهم شبهه، فانتدب لذلك رجلٌ، فألقي عليه شبهه، فقتل ذلك الرّجل ورفع عيسى ابن مريم عليه السّلام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه} إلى قوله: {وكان اللّه عزيزًا حكيمًا} أولئك أعداء اللّه اليهود ابتهروا بقتل عيسى ابن مريم رسول اللّه، وزعموا أنّهم قتلوه وصلبوه، وذكر لنا أنّ نبيّ اللّه عيسى ابن مريم قال لأصحابه: أيّكم يقذف عليه شبهي فإنّه مقتولٌ؟ فقال رجلٌ من أصحابه: أنا يا نبيّ اللّه. فقتل ذلك الرّجل، ومنع اللّه نبيّه ورفعه إليه.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم} قال: ألقي شبهه على رجلٍ من الحواريّين فقتل، وكان عيسى ابن مريم عرض ذلك عليهم، فقال: أيّكم ألقي شبهي عليه وله الجنّةٌ؟ فقال رجلٌ: عليّ.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أنّ بني إسرائيل، حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنّة؟ فأخذها رجلٌ منهم. وصعد بعيسى إلى السّماء، فلمّا خرج الحواريّون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أنّ عيسى عليه السّلام قد صعد به إلى السّماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدّة، ويرون صورة عيسى فيهم، فشكّوا فيه، وعلى ذلك قتلوا الرّجل وهم يرون أنّه عيسى وصلبوه، فذلك قول اللّه تبارك وتعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم} إلى قوله: {وكان اللّه عزيزًا حكيمًا}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ،، عن القاسم بن أبي بزّة: أنّ عيسى ابن مريم، قال: أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فقال رجلٌ من أصحابه: أنا يا رسول اللّه. فألقي عليه شبهه، فقتلوه، فذلك قوله: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الّذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له: داود، فلمّا أجمعوا لذلك منه لم يفظع عبدٌ من عباد اللّه بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع اللّه في صرفه عنه دعاءه؛ حتّى إنّه ليقول فيما يزعمون: اللّهمّ إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحدٍ من خلقك فاصرفها عنّي، وحتّى إنّ جلده من كرب ذلك ليتفصّد دمًا. فدخل المدخل الّذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، فلمّا أيقن أنّهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريّين وكانوا اثني عشر رجلا: فطرس، ويعقوب بن زبدي، ويحنّس أخو يعقوب، وأندرايس، وفيلبس، وأبرثلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقايا، وتداوسس، وفتاتيا، ويودس زكريّا يوطا.
قال ابن حميدٍ: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيهم فيما ذكر لي رجلٌ اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى جحدته النّصارى، وذلك أنّه هو الّذي شبّه لليهود مكان عيسى. قال: فلا أدري ما هو من هؤلاء الاثني عشر أم كانوا ثلاث عشر، فجحدوه حين أقرّوا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنّهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر فإنّهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى ثلاثة عشر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني رجلٌ كان نصرانيًّا فأسلم أنّ عيسى حين جاءه من اللّه {ورافعك إليّ} قال: يا معشر الحواريّين، أيّكم يحبّ أن يكون رفيقي في الجنّة حتّى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح اللّه. قال: فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورفع عيسى صلوات اللّه عليه، فدخلوا عليه فأخذوه، فصلبوه، فكان هو الّذي صلبوه وشبّه لهم به، وكانت عدّتهم حين دخلوا مع عيسى معلومةً، قد رأوهم فأحصوا عدّتهم، فلمّا دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى فيما يرون وأصحابه وفقدوا رجلاً من العدّة، فهو الّذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتّى جعلوا ليودس زكريّا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلّهم عليه ويعرّفهم إيّاه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإنّي سأقبّله، وهو الّذي أقبّل فخذوه، فلمّا دخلوا عليه، وقد رفع عيسى، رأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكّ أنّه هو عيسى، فأكبّ عليه فقبّله، فأخذوه فصلبوه، ثمّ إنّ يودس زكريّا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبلٍ حتّى قتل نفسه، وهو ملعونٌ في النّصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النّصارى يزعم أنّ يودوس زكريّا يوطا هو الّذي شبّه لهم فصلبوه، وهو يقول: إنّي لست بصاحبكم، أنا الّذي دللتكم عليه. واللّه أعلم أيّ ذلك كان.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: بلغنا أنّ عيسى ابن مريم، قال لأصحابه: أيّكم ينتدب فيلقى عليه شبهي فيقتل؟ فقال رجلٌ من أصحابه: أنا يا نبيّ اللّه. فألقي عليه شبهه فقتل، ورفع اللّه نبيّه إليه.
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {شبّه لهم} قال: صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إيّاه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {ولكن شبّه لهم} فذكر مثله.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صلبوا رجلاً شبّهوه بعيسى يحسبونه إيّاه، ورفع اللّه إليه عيسى عليه السّلام حيًّا.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بالصّواب أحد القولين اللّذين ذكرناهما عن وهب بن منبّهٍ، من أنّ شبه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إيّاهم ذلك، ولكن ليخزي اللّه بذلك اليهود وينقذ به نبيّه عليه السّلام من مكروهٍ ما أرادوا به من القتل، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قيله في عيسى وصدق الخبر عن أمره. أو القول الّذي رواه عبد العزيز عنه.
وإنّما قلنا: ذلك أولى القولين بالصّواب، لأنّ الّذين شهدوا عيسى من الحواريّين لو كانوا في حال ما رفع عيسى، وألقي شبهه على من ألقي عليه شبهه، كانوا قد عاينوا عيسى وهو يرفع من بينهم، وأثبتوا الّذي ألقي عليه شبهه، وعاينوه متحوّلاً في صورته بعد الّذي كان به من صورة نفسه بمحضرٍ منهم، لم يخف ذلك من أمر عيسى، وأمر من ألقي عليه شبهه عليهم مع معاينتهم ذلك كلّه، ولم يلتبس ولم يشكل عليهم وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أنّ المقتول والمصلوب كان غير عيسى، وأنّ عيسى رفع من بينهم حيًّا. وكيف يجوز أن يكون قد أشكل ذلك عليهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: من يلقى عليه شبهي ويكون رفيقي في الجنّة؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مجيبه منهم: أنا، وعاينوا تحوّل المجيب في صورة عيسى بعقب جوابه، ولكنّ ذلك كان إن شاء اللّه على نحو ما وصف وهب بن منبّهٍ، إمّا أن يكون القوم الّذين كانوا مع عيسى في البيت الّذي رفع منه من حواريّه حوّلهم اللّه جميعًا في صورة عيسى حين أراد اللّه رفعه، فلم يثبتوا عيسى معرفةً بعينه من غيره لتشابه صور جميعهم، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يرونه بصورة عيسى ويحسبونه إيّاه، لأنّهم كانوا به عارفين قبل ذلك، وظنّ الّذين كانوا في البيت مع عيسى مثل الّذي ظنّت اليهود، لأنّهم لم يميّزوا شخص عيسى من شخص غيره لتشابه شخصه وشخص غيره ممّن كان معه في البيت، فاتّفقوا جميعهم، أعني اليهود والنّصارى، من أجل ذلك على أنّ المقتول كان عيسى، ولم يكن به، ولكنّه شبّه لهم، كما قال اللّه جلّ ثناؤه: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم}.
أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصّمد بن معقلٍ، عن وهب بن منبّهٍ، أنّ القوم الّذين كانوا مع عيسى في البيت تفرّقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود، وبقي عيسى، وألقي شبهه على بعض أصحابه الّذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرّق القوم وبقى عيسى وغير الّذي ألقي عليه شبهه، ورفع عيسى، فقتل الّذي تحوّل في صورة عيسى من أصحابه، وظنّ أصحابه واليهود أنّ الّذي قتل وصلب هو عيسى لمّا رأوا من شبهه به وخفاء أمر عيسى عليهم؛ لأنّ رفعه وتحوّل المقتول في صورته كان بعد تفرّق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من اللّيل ينعى نفسه ويحزن لما قد ظنّ أنّه نازلٌ به من الموت، فحكوا ما كان عندهم حقًّا، والأمر عند اللّه في الحقيقة بخلاف ما حكوا، فلم يستحقّ الّذين حكوا ذلك من حواريّيه أن يكونوا كذبةً، إذ حكوا ما كان حقًّا عندهم في الظّاهر وإن كان الأمر عند اللّه في الحقيقة بخلاف الّذي حكوا). [جامع البيان: 7/650-660]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقينًا}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وإنّ الّذين اختلفوا فيه} اليهود الّذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله، وذلك أنّهم كانوا قد عرفوا عدّة من في البيت قبل دخولهم فيما ذكر؛ فلمّا دخلوا عليهم، فقدوا واحدًا منهم، فالتبس أمر عيسى عليهم بفقدهم واحدًا من العدّة الّتي كانوا قد أحصوها، وقتلوا من قتلوا على شكٍّ منهم في أمر عيسى.
وهذا التّأويل على قول من قال: لم يفارق الحواريّون عيسى حتّى رفع ودخل عليهم اليهود.
وأمّا تأويله على قول من قال: تفرّقوا عنه من اللّيل، فإنّه: وإنّ الّذين اختلفوا في عيسى، هل هو الّذي بقي في البيت منهم بعد خروج من خرج منهم من العدّة الّتي كانت فيه أم لا؟ لفي شكٍّ منه، يعني: من قتله، لأنّهم كانوا أحصوا من العدّة حين دخلوا البيت أكثر ممّن خرج منه ومن وجد فيه، فشكّوا في الّذي قتلوه هل هو عيسى أم لا من أجل فقدهم من فقدوا من العددة الّتي كانوا أحصوها، ولكنّهم قالوا: قتلنا عيسى لمشابهة المقتول عيسى في الصّورة. يقول اللّه جلّ ثناؤه: {ما لهم به من علم} يعني: أنّهم قتلوا من قتلوه على شكٍّ منهم فيه واختلافٍ، هل هو عيسى أم غيره؟ من غير أن يكون لهم بمن قتلوه علمٌ من هو، هو عيسى أم هو غيره؟ {إلاّ اتّباع الظّنّ} يعني جلّ ثناؤه: ما كان لهم بمن قتلوه من علمٍ، ولكنّهم اتّبعوا ظنّهم، فقتلوه ظنًّا منهم أنّه عيسى وأنّه الّذي يريدون قتله، ولم يكن به {وما قتلوه يقينًا} يقول: وما قتلوا ظنهم الّذي اتّبعوه في المقتول الّذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى يقينًا أنّه عيسى، ولا أنّه غيره، ولكنّهم كانوا منه على ظنٍّ وشبهةٍ.
وهذا كقول القائل للرّجل: ما قتلت هذا الأمر علمًا وما قتلته يقينًا، إذا تكلّم فيه بالظّنّ على غير يقين علمٍ؛ فالهاء في قوله: {وما قتلوه} عائدةٌ على الظّنّ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وما قتلوه يقينًا} قال: يعني: لم يقتلوا ظنّهم يقينًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يعلى بن عبيدٍ، عن جويبرٍ، في قوله: {وما قتلوه يقينًا} قال: ما قتلوا ظنّهم يقينًا.
وقال السّدّيّ في ذلك ما:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وما قتلوه يقينًا} وما قتلوا أمره يقينًا أنّ الرّجل هو عيسى، بل رفعه اللّه إليه). [جامع البيان: 7/660-662]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلّا اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقينًا (157)
قوله تعالى: وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد، عن سعيدٍ عن قتادة قوله: وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه أولئك أعداء اللّه ابتهروا بقتل نبيّ اللّه عيسى، وزعموا أنّهم قتلوه وصلبوه.
قوله تعالى: وما قتلوه وما صلبوه.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدّشتكيّ، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ، عن الحسن قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود: إنّ عيسى لم يمت وإنّه راجعٌ إليكم قبل يوم القيامة.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن المنهال بن عمرٍو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: لمّا أراد اللّه تعالى أن يرفع عيسى إلى السّماء،.، فخرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريّين يعني فخرج عيسى من عينٍ في البيت ورأسه يقطر ماءً، فقال: إنّ منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرّةً بعد أن آمن بي، قال: أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شابٌّ من أحدثهم سنًّا، فقال له: اجلس، ثمّ أعاد عليهم فقام الشّابّ، أنا، فقال: أنت هو ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنةٍ في البيت إلى السّماء قال: وجاء الطّلب من اليهود فأخذوا الشّبه، فقتلوه ثمّ صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرّةً بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرقٍ. فقالت فرقةٌ: كان اللّه فينا ما شاء ثمّ صعد إلى السّماء، فهؤلاء اليعقوبيّة. وقالت فرقةٌ: كان فينا ابن ما شاء اللّه ثمّ رفعه إليه، فهؤلاء النّسطوريّة.
وقالت فرقةٌ: كان فينا عبد اللّه ورسوله ما شاء اللّه ثمّ رفعه اللّه إليه وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتّى بعث اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: ولكن شبّه لهم.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ولكن شبّه لهم قال: صلبوا رجلاً غير عيسى (يحسبونه) إيّاه.
قوله تعالى: وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه.
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ، أنبأ شيبان عن قتادة قوله: وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ قال: أولئك أعداء اللّه اليهود الّذين ائتمروا بقتل نبيّ اللّه عيسى وزعموا أنّهم قتلوه وصلبوه.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن سلمة ثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق قوله: وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه أي حين اختلفوا في العدّة من أصحابه.
قوله تعالى: ما لهم به من علمٍ إلا اتباع الظن.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران، ثنا أبو داود، ثنا سهلٌ يعني ابن أبي الصّلت قال: سمعت الحسن يقول في قول اللّه: ما لهم به من علمٍ إلا اتّباع الظّنّ قال: ما استيقنته أنفسهم ولكن ظنًّاً منهم.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن سلمة ثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق قوله: ما لهم به من علمٍ أي ما استيقنوا بقتله إلا اتّباع الظّنّ.
قوله تعالى: وما قتلوه يقينًا.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: وما قتلوه يقينًا يعني: لم يقتلوا ظنّهم يقينًا.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن سلمة ثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق: وما قتلوه يقينًا عندهم علمهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/1109-1111]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ولكن شبه لهم يقول صلبوا رجلا غير عيسى وهم يحسبون أنه عيسى عليه السلام شبه لهم). [تفسير مجاهد: 180]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج عبد بن حميد والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت إثنا عشر رجلا من الحواريين فخرج عليهم من غير البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشر مرة بعد أن آمن بي ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت ذاك فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم
صلبوه وكفر به بعضهم اثني عشر مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق وقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء فهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {فآمنت طائفة من بني إسرائيل} يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى وكفرت الطائفة التي كفرت في زمن عيسى {فأيدنا الذين آمنوا} في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة {وقولهم إنا قتلنا المسيح} الآية، قال: أولئك أعداء الله اليهود افتخروا بقتل عيسى وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه وذكر لنا أنه قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول قال رجل من أصحابه: أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله نبيه ورفعه إليه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله {شبه لهم} قال: صلبوا رجلا غير عيسى شبه بعيسى يحسبونه إياه ورفع الله إليه عيسى حيا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وما قتلوه يقينا} قال: يعني لم يقتلوا ظنهم يقينا.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: ما قتلوا ظنهم يقينا.
وأخرج ابن جرير مثله عن جويبر والسدي). [الدر المنثور: 5/98-100]

تفسير قوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزًا حكيمًا} أمّا قوله جلّ ثناؤه: {بل رفعه اللّه إليه} فإنّه يعني: بل رفع اللّه المسيح إليه، يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكنّ اللّه رفعه إليه، فطهّره من الّذين كفروا.
وقد بيّنّا كيف كان رفع اللّه إيّاه فيما مضى وذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، والصّحيح من القول فيه بالأدلّة الشّاهدة على صحّته بما أغنى عن إعادته.
وأمّا قوله: {وكان اللّه عزيزًا حكيمًا} فإنّه يعني: ولم يزل اللّه منتقمًا من أعدائه، كانتقامه من الّذين أخذتهم الصّاعقة بظلمهم، وكلعنه الّذين قصّ قصّتهم بقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه} حكيمًا، يقول: ذا حكمةٍ في تدبيره وتصريفه خلقه في قضائه، يقول: فاحذروا أيّها السّائلون محمّدًا أن ينزّل عليكم كتابًا من السّماء من حلول عقوبتي بكم، كما حلّ بأوائلكم الّذين فعلوا فعلكم في تكذيبهم رسلي، وافترائهم على أوليائي. وقد:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق بن أبي سارة الرّؤاسيّ، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وكان اللّه عزيزًا حكيمًا} قال: معنى ذلك: أنّه كذلك). [جامع البيان: 7/662-663]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزًا حكيمًا (158)
قوله تعالى: بل رفعه اللّه إليه.
- ذكر الوليد بن مسلمٍ، ثنا صدقة بن يزيد الخرساني، حدّثني عبد اللّه بن عثمان بن خثيمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: حتّى إذا بلغ أشدّه قال:
ثلاثةً وثلاثين سنةً، وهو الّذي رفع عليه عيسى بن مريم عليه السلام.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: بل رفعه اللّه إليه رفع اللّه إليه عيسى حيًّا.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا زهير بن عبّادٍ الرّؤاسيّ، حدّثني رديح بن عطيّة، عن أبي زرعة الشّيبانيّ حدّثه أن عيسى بن مريم رفع من جبل طور زيتا، قال:
بعث اللّه ريحًا فخفقت به حتّى هرول، ثمّ رفعه اللّه إلى السّماء.
قوله تعالى: وكان اللّه عزيزًا حكيمًا.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن المنهال ابن عمرٍو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: أتاه رجلٌ فقال: أرأيت قول اللّه وكان اللّه عزيزًا حكيمًا قال ابن عبّاسٍ: كذلك كان ولم يزل.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن عمرو بن أبي قيسٍ عن مطرّفٍ، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:
أتاه رجلٌ فقال: سمعت اللّه تعالى يقول: وكان اللّه كأنّه شيءٌ كان. قال: أمّا قوله: وكان، فإنّه لم يزل ولا يزال وهو الأوّل والآخر، والظاهر والباطن... ، بكلّ شيءٍ عليمٌ.
- حدّثني أبي، ثنا حسين بن عيسى بن ميسرة، ثنا أبو زهيرٍ عبد الرّحمن بن مغراء، أنبأ مجمّع بن يحيى، عن عمّه، عن ابن عبّاسٍ قال: قال يهوديٌّ: إنّكم تزعمون أنّ اللّه كان عزيزًا حكيمًا، فكيف هو اليوم؟ قال ابن عبّاسٍ إنّه كان من نفسه عزيزًا حكيمًا). [تفسير القرآن العظيم: 4/1111-1112]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد، وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي رافع قال: رفع عيسى بن مريم وعليه مدرعة وخفا راع وحذافة يخذف بها الطير.
وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم، وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي العالية قال: ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف وخفي راع وقذافة يقذف بها الطير.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الجبار بن عبد الله بن سليمان قال: أقبل عيسى ابن مريم على أصحابه ليلة رفع فقال لهم: لا تأكلوا بكتاب الله أجرا فإنكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدنيا وما فيها، قال عبد الجبار: وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن (في مقعد صدق عند مليك مقتد) (القمر الآية 55) ورفع عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن وهب بن منبه قال: إن عيسى لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليلة عشاهم وقام يحدثهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضيهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارموه فقال: ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتى فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم فلا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله، ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها قالوا: والله ما ندري ما كنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل فجعلوا يقودنه ويقولون: أنت كنت تحيي الميت وتبرئ المجنون أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا.
ثم إن أمه والمرأة التي كان يدوايها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث المصلوب فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان قالتا عليك، قال: إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير وإن هذا شيء شبه لهم فأمروا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فألقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وقعد الذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل قال: لو تاب تاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحنا فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة فليتدبرهم وليدعهم.
وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال: إن عيسى عليه السلام كان سياحا فمر على امرأة تستقي فقال: اسقيني من مائك الذي من شرب منه مات وأسقيك من مائي الذي من شرب منه حيي قال: وصادف امرأة حكيمة فقالت له: أما تكتفي بمائك الذي من شرب منه حيي عن مائي الذي من شرب منه مات قال: إن ماءك عاجل ومائي آجل، قالت: لعلك هذا الرجل الذي يقال له عيسى بن مريم قال: فإني أنا هو وأنا أدعوك إلى عبادة الله وترك ما تعبدين من دون الله عز وجل، قالت: فأتني على ما تقول ببرهان قال: برهان ذلك أن ترجعي إلى زوجك فيطلقك، قالت: إن في هذا لآية بينة ما في بني إسرائيل امرأة أكرم على زوجها مني ولئن كان كما تقول إني لأعرف أنك صادق، قال: فرجعت إلى زوجها وزوجها شاب غيور فقال: ما بطؤ بك قالت: مر علي رجل فأرادت أن تخبره عن عيسى فاحتملته الغيرة فطلقها فقالت: لقد صدقني صاحبي، فخرجت تتبع عيسى وقد آمنت به فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم فدخلوا عليهم وقد صورهم الله على صورة عيسى فقالوا: قد سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلكم جميعا فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه بالجنة فقال رجل من القوم: أنا، فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه فظنت النصارى مثل ذلك ورفع الله عيسى من يومه ذلك، فبلغ المرأة أن عيسى قد قتل وصلب فجاءت حتى بنت مسجدا إلى أصل شجرته فجعلت تصلي وتبكي على عيسى فسمعت صوتا من فوقها صوت عيسى لا تنكره: أي فلانة إنهم والله ما قتلوني وما صلبوني ولكن شبه لهم وآية ذلك أن الحواريين يجتمعون الليلة في بيتك فيفترقون اثنتي عشرة فرقة كل فرقة منهم تدعو قوما إلى دين الله فلما أمسوا اجتمعوا في بيتها فقالت لهم: إني سمعت الليلة شيئا أحدثكم به وعسى أن تكذبوني وهو الحق سمعت صوت عيسى وهو يقول: يا فلانة إني والله ما قتلت ولا صلبت وآية ذلك أنكم تجتمعون الليلة في بيتي فتفترقون اثنتي عشرة فرقة فقالوا: إن الذي سمعت كما سمعت فإن عيسى لم يقتل ولم يصلب إنما قتل فلان وصلب وما اجتمعنا في بيتك إلا لما قال نريد أن نخرج دعاة في الأرض فكان ممن توجه إلى الروم نسطور وصاحبان له فأما صاحباه فخرجا وأما نسطور فحسبته حاجة له فقال لهما: ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء فلما قدما الكورة التي أرادا قدما في يوم عيدهم وقد برز ملكهم وبرز وبرز معه أهل مملكته فأتاه الرجلان فقاما بين يديه فقالا له: اتق الله فإنكم تعملون بمعاصي الله وتنتهكون حرم الله مع ما شاء الله أن يقولا، قال: فأسف الملك وهم بقتلهما فقام إليه نفر من أهل مملكته فقالوا: إن هذا يوم لا تهرق فيه دما وقد ظفرت بصاحبيك فإن أحببت أن تحبسهما حتى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت فأمر بحبسهما ثم ضرب على أذنه بالنسيان لهما حتى قدم نسطور فسأل عنهما فأخبر بشأنهما وأنهما محبوسان في السجن فدخل عليهما فقال: ألم أقل لكما ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء هل تدريان ما مثلكما مثلكما مثل امرأة لم تصب ولدا حتى دخلت في السن فأصابت بعدما دخلت في السن ولدا فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به فحملت على معدته ما لا تطيق فقتلته ثم قال لهما: والآن فلا تستبطئاني في شيء ثم خرج فانطلق حتى أتى باب الملك وكان إذا جلس الناس وضع سريره وجلس الناس سمطا بين يديه وكانوا إذا ابتلوا بحلال أو حرام رفعوا له فنظر فيه ثم سأل عنه من يليه في مجلسه وسأل الناس بعضهم بعضا حتى تنتهي المسألة إلى أقصى المجلس وجاء نسطور حتى جلس في أقصى القوم فلما ردوا على الملك جواب من أجابه وردوا عليه جواب نسطور فسمع بشيء عليه نور وحلا في مسامعه فقال: من صاحب هذا القول فقيل: الرجل الذي في أقصى القوم، فقال: علي به، فقال: أنت القائل كذا وكذا قال: نعم، قال: فما تقول في كذا وكذا قال: كذا وكذا، فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسره له، فقال: عندك هذا العلم وأنت تجلس في آخر القوم ضعوا له عند
سريري مجلسا ثم قال: إن أتاك ابني فلا تقم له عنه ثم أقبل على نسطور وترك الناس فلما عرف أن منزلته قد تثبتت قال: لأزورنه، فقال: أيها الملك رجل بعيد الدار بعيد الضيعة فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني وتأذن لي فأنصرف إلى أهلي، فقال: يا نسطور ليس إلى ذلك سبيل فإن أحببت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة وإن أحببت أن تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت فسكت نسطور، ثم تحين يوما فمات لهم فيه ميت فقال: أيها الملك بلغني أن رجلين أتياك يعيبان دينك قال: فذكرهما فأرسل إليهما فقال: يا نسطور أنت حكم بيني وبينهما ما قلت من شيء رضيت، قال: نعم أيها الملك هذا ميت قد مات في بني إسرائيل فمرهما حتى يدعوا ربهما فيحييه لهما ففي ذلك آية بينة قال: فأتي بالميت فوضع عنده فقاما وتوضآ ودعوا ربهما فرد عليه روحه وتكلم فقال: أيها الملك إن في هذه لآية بينة ولكن مرهما بغير ما أجمع أهل مملكتك ثم قل لآلهتك فإن كانت تقدر أن تضر هذين فليس أمرهما بشيء وإن كان هذان يقدران أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي فجمع الملك أهل مملكته ودخل البيت الذي فيه الآلهة فخر ساجدا هو ومن معه من أهل مملكته وخر نسطور ساجدا وقال: اللهم إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك ثم رفع الملك رأسه فقال: إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم ويدعوا إلى إله غيركم فافقأوا أعينهما أو اجذموهما أو شلوهما فلم ترد عليه الآلهة شيئا وقد كان نسطور أمر صاحبيه أن يحملا معهما فأسا فقال: أيها الملك قل لهذين أيقدران أن يضرا آلهتك قال: أتقدران على أن تضرا آلهتنا قالا: خل بيننا وبينها فأقبلا عليها فكسراها فقال نسطور: أما أنا فآمنت برب هذين وقال الملك: وأنا آمنت برب هذين وقال جميع الناس: آمنا برب هذين فقال نسطور لصاحبيه: هكذا الرفق
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وكان الله عزيزا حكيما} قال: معنى ذلك أنه كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن يهوديا قال له: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما فكيف هو اليوم قال ابن عباس: إنه كان من نفسه عزيزا حكيما). [الدر المنثور: 5/100-108]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (معمر عن الكلبي وقتادة في قوله تعالى وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته قال قبل موت عيسى إذا نزل آمنت به الأديان كلها). [تفسير عبد الرزاق: 1/177]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا إسرائيل بن يونس عن فرات القزاز عن الحسن في قوله تعالى وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته قال لا يموت منهم أحد حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت). [تفسير عبد الرزاق: 1/177]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرني يحيى بن يعلى عن الكلبي عن شهر بن حوشب قال عرضنا الحجاج أعطياتنا بطابة وعلي ثياب لي رثة وتحتي فرس لي رثة فقال لي يا شهر ما لي أرى ثيابك رثة وفرسك رثة قال فقلت أما فرسي فقد ابتعتها ولم آل وأما ثيابي فبحسب المرء ما واري عورته قال لا ولكني أراك تكره لباس الخز قال قلت ما أكره قال فأمر لي بقطعة من خز وكساء خز وعمامة من خز ثم قال يا شهر آية من كتاب الله ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قول الله تعالى وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته وأنا أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم فلا أسمعهم يقولون شيئا قال قلت إنها رفعت إليك على غير وجهها إن النصراني إذا خرجت نفسه أو قال روحه ضربته الملائكة من قبله ودبره فقالوا أي خبيث إن المسيح ابن مريم الذي زعمت أنه الله وأنه ابن الله وأنه ثالث ثلاثة عبد الله وروحه وكلمته فيؤمن به
[تفسير عبد الرزاق: 1/178]
حين لا ينفعه إيمانه وإن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ودبره وقالوا أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله وروحه وكلمته فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم فقال من أين أخذتها قال قلت من محمد بن علي قال لقد أخذتها من معدنها قال شهر وايم الله ما حدثتنيه إلا أم سلمة ولكني أحببت أن أغيظه). [تفسير عبد الرزاق: 1/179]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن أبي حصينٍ عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاسٍ {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى صلّى الله عليه [الآية: 159].
سفيان [الثوري] عن أبي هاشمٍ عن مجاهدٍ {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قلت: وإن وقع أحدهم من ظهر بيتٍ؟ قال: وإن وقع أحدهم من ظهر بيت). [تفسير الثوري: 98]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عتّاب بن بشيرٍ، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاسٍ - في قوله عزّ وجلّ: {وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمنن به قبل موته} - قال: هي في قراءة أبيّ: {قبل موتهم}، قال: ليس يهوديٌّ يموت أبدًا حتّى يؤمن بعيسى عليه السّلام، فقيل لابن عبّاسٍ: أرأيت إن خرّ من فوق بيتٍ؟ قال: يتكلّم به في الهويّ، فقيل له: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها). [سنن سعيد بن منصور: 4/1427-1428]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا}.
اختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به} يعني بعيسى {قبل موته} يعني: قبل موت عيسى، يوجّه ذلك إلى أنّ جميعهم يصدّقون به إذا نزل لقتل الدّجّال، فتصير الملل كلّها واحدةً، وهي ملّة الإسلام الحنيفيّة، دين إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم..
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى ابن مريم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن أبي مالكٍ، في قوله: {إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا يؤمننّ به.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن، قال: {قبل موته} قال: قبل أن يموت عيسى ابن مريم.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن، في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى، واللّه إنّه الآن لحيّ عند اللّه، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} يقول: قبل موت عيسى.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى إذا نزل آمنت به الأديان كلّها.
- حدّثنا أبو وكيعٍ قال: حدّثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن الحسن، قال: قبل موت عيسى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن عوفٍ، عن الحسن: {إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: عيسى ولم يمت بعد.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عمران بن عيينة، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لا يبقى أحدٌ منهم عند نزول عيسى إلا آمن به.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: قبل موت عيسى.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: إذا نزل عيسى ابن مريم فقتل الدّجّال لم يبق يهوديّ في الأرض إلاّ آمن به، قال: وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} يعني: أنّه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، سيؤمنون به، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، أنّه قال في هذه الآية: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال أبو جعفرٍ: أظنّه إنّما قال: إذا خرج عيسى آمنت به اليهود.
وقال آخرون: يعني بذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابيّ ذكر من كان يوجّه ذلك إلى أنّه إذا عاين علم الحقّ من الباطل، لأنّ كلّ من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتّى يتبيّن له الحقّ من الباطل في دينه:
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت يهوديّ حتّى يؤمن بعيسى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا تخرج نفسه، حتّى يؤمن بعيسى، وإن غرق، أو تردّى من حائطٍ، أو أيّ ميتةٍ كانت.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} كلّ صاحب كتابٍ ليؤمننّ به بعيسى قبل موته، موت صاحب الكتاب.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {ليؤمننّ به} كلّ صاحب كتابٍ يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب الكتاب؛ قال ابن عبّاسٍ: لو ضربت عنقه، لم تخرج نفسه حتّى يؤمن بعيسى.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا أبو تميلة يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا الحسين بن واقدٍ، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: لا يموت اليهوديّ، حتّى يشهد أنّ عيسى عبد اللّه ورسوله، ولو عجل عليه بالسّلاح.
- حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد، قال: حدّثنا عتّاب بن بشيرٍ، عن خصيفٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: هي في قراءة أبيٍّ: قبل موتهم ليس يهوديّ يموت أبدًا حتّى يؤمن بعيسى؛ قيل لابن عبّاسٍ: أرأيت إن خرّ من فوق بيتٍ؟ قال: يتكلّم به في الهويّ. فقيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدٍ منهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثني أبو نعيمٍ الفضل بن دكينٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن خصيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت يهوديّ حتّى يؤمن بعيسى ابن مريم، قال: وإن ضرب بالسّيف؟ قال: تكلّم به، قيل: وإن هوى؟ قال: يتكلّم به وهو يهوي.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثني محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي هارون الغنويّ، عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ، أنّه قال في هذه الآية: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لو أنّ يهوديًّا وقع من فوق هذا البيت لم يمت حتّى يؤمن به؛ يعني: بعيسى.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثني عبد الصّمد، قال: حدّثنا شعبة، عن مولًى، لقريشٍ، قال: سمعت عكرمة، يقول: لو وقع يهوديّ من فوق القصر، لم يبلغ إلى الأرض، حتّى يؤمن بعيسى.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ الرّمّانيّ، عن مجاهدٍ: {ليؤمننّ به قبل موته} قال: وإن وقع من فوق البيت لا يموت حتّى يؤمن به.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت رجلٌ من أهل الكتاب حتّى يؤمن به، وإن غرق، أو تردّى، أو مات بشيءٍ.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا تخرج نفسه حتّى يؤمن به.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن خصيفٍ، عن عكرمة: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت أحدهم حتّى يؤمن به، يعني: بعيسى، وإن خرّ من فوق بيتٍ يؤمن به وهو يهوي.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: ليس أحدٌ من اليهود يخرج من الدّنيا حتّى يؤمن بعيسى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن فراتٍ القزّاز، عن الحسن، في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت أحدٌ منهم، حتّى يؤمن بعيسى، يعني: اليهود والنّصارى.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن فراتٍ، عن الحسن في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت أحدٌ منهم، حتّى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا الحكم بن عطيّة، عن محمّد بن سيرين: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: موت الرّجل من أهل الكتاب.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: قال ابن عبّاسٍ: ليس من يهوديٍّ ولا نصرانيٍّ يموت حتّى يؤمن بعيسى ابن مريم. فقال له رجلٌ من أصحابه: كيف والرّجل يغرق، أو يحترق، أو يسقط عليه الجدار، أو يأكله السّبع؟ فقال: لا تخرج روحه من جسده حتّى يقذف فيه الإيمان بعيسى.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت أحدٌ من اليهود حتّى يشهد أنّ عيسى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يعلى، عن جويبرٍ، في قوله: {ليؤمننّ به قبل موته} قال: في قراءة أبيٍّ: قبل موتهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل موت الكتابيّ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن حميدٍ، قال: قال عكرمة: لا يموت النّصرانيّ واليهوديّ حتّى يؤمن بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، يعني في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته}
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال بالصّحّة بالصّواب قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى.
وإنّما قلنا ذلك أولى بالصّواب من غيره من الأقوال، لأنّ اللّه جلّ ثناؤه حكم لكلّ مؤمنٍ بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصّلاة عليه وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملّة، فلو كان كلّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على ملّته إلاّ أولاده الصّغار أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ، كان ميراثه مصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم، يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصّلاة عليه وغسله وتقبيره، لأنّ من مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمّدٍ وبجميع الرّسل؛
وذلك أنّ عيسى صلوات اللّه عليه جاء بتصديق محمّدٍ وجميع المرسلين، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به مصدّقٌ بمحمّدٍ وبجميع أنبياء اللّه ورسله، كما أنّ المؤمن بمحمّدٍ مؤمنٌ بعيسى وبجميع أنبياء اللّه ورسله، فغير جائزٍ أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمّدٍ مكذّبًا.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ معنى إيمان اليهوديّ بعيسى، الّذي ذكره اللّه في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} إنّما هو إقراره بأنّه للّه نبيّ مبعوثٌ دون تصديقه بجميع ما أتى به من عند اللّه، فقد ظنّ خطأً. وذلك أنّه غير جائزٍ أن يكون منسوبًا إلى الإقرار بنبوّة نبيٍّ من كان له مكذّبًا في بعض ما جاء به من وحي اللّه وتنزيله، بل غير جائزٍ أن يكون منسوبًا إلاّ الإقرار بنبوّة أحدٍ من أنبياء اللّه لأنّ الأنبياء جاءت الأمم بتصديق جميع أنبياء اللّه ورسله؛ فالمكذّب بعض أنبياء اللّه في بعض ماأتى به أمّته من عند اللّه مكذّبٌ جميع أنبياء اللّه فيما دعوا إليه من دين عباد اللّه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان في إجماع الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أنّ كلّ كتابيٍّ مات قبل إقراره بمحمّدٍ صلوات اللّه عليه وما جاء به من عند اللّه، محكومٌ له بحكم المسألة الّتي كان عليها أيّام حياته، غير منقولٍ شيءٌ من أحكامه في نفسه وماله وولده صغارهم وكبارهم بموته عمّا كان عليه في حياته، أدلّ الدّليل على أنّ معنى قول اللّه: {وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته} إنّما معناه: إلاّ ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وأنّ ذلك في خاصٍّ من أهل الكتاب، ومعنيّ به أهل زمانٍ منهم دون أهل كلّ الأزمنة الّتي كانت بعد عيسى، وأنّ ذلك كائنٌ عند نزوله. كالّذي:
- حدّثني بشر بن معاذٍ، قال: حدّثني يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عبد الرّحمن بن آدم، عن أبي هريرة، أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: الأنبياء إخوةٌ لعلاّتٍ أمّهاتهم شتّى ودينهم واحدٌ، وإنّي أولى النّاس بعيسى ابن مريم لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيّ. وإنّه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنّه رجلٌ مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشّعر كأنّ رأسه يقطر وإن لم يصبه بللٌ، بين ممصّرتين، فيدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل النّاس على الإسلام حتّى يهلك اللّه في زمانه الملل كلّها غير الإسلام، ويهلك اللّه في زمانه مسيح الضّلالة الكذّاب الدّجّال، وتقع الأمنة في الأرض في زمانه حتّى ترتع الأسود مع الإبل والنّمور مع البقر والذّئاب مع الغنم، وتلعب الغلمان والصّبيان بالحيّات لا يضرّ بعضهم بعضًا، ثمّ يلبث في الأرض ما شاء اللّه وربّما قال: أربعين سنةً، ثمّ يتوفّى ويصلّي عليه المسلمون ويدفنونه.
وأمّا الّذي قال: عنى بقوله: {ليؤمننّ به قبل موته} ليؤمننّ بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل موت الكتابيّ، فممّا لا وجه له مفهومٌ؛ لأنّه مع فساده من الوجه الّذي دلّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابيّ، يزيده فسادًا أنّه لم يجر لمحمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام في الآيات الّتي قبل ذلك ذكرٌ، فيجوز صرف الهاء الّتي في قوله: {ليؤمننّ به} إلى أنّها من ذكره، وإنّما قوله: {ليؤمننّ به} في سياق ذكر عيسى وأمّه واليهود، فغير جائزٍ صرف الكلام عمّا هو في سياقه إلى غيره إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها من دلالة ظاهر التّنزيل أو خبرٍ عن الرّسول تقوم به حجّةٌ؛ فأمّا الدّعاوى فلا تتعذّر على أحدٍ.
فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفت: وما من أهل الكتاب إلا من ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وحذف من بعد إلاّ لدلالة الكلام عليه، فاستغنى بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدّم من أمثاله الّتي قد أتينا على البيان عنها). [جامع البيان: 7/663-675]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {ويوم القيامة يكون} عيسى على أهل الكتاب {شهيدًا} يعني: شاهدًا عليهم بتكذيب من كذّبه منهم، وتصديق من صدّقه منهم فيما أتاهم به من عند اللّه وبإبلاغه رسالة ربّه.
كالّذي:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} أنّه قد أبلغهم ما أرسله به إليهم.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} يقول: يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة، على أنّه قد بلّغ رسالة ربّه وأقرّ بالعبوديّة على نفسه). [جامع البيان: 7/675-676]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا (159)
قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب.
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، أنبأ بشرٌ بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: وإن من أهل الكتاب قال: اليهود خاصّةً.
والوجه الثّاني:
- حدّثني أبي، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ البنانيّ قال: سمعت الحسن في قوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته قال: النّجاشيّ وأصحابه.
قوله تعالى: إلا ليؤمننّ به قبل موته.
[الوجه الأول]
- حدّثني أبي، ثنا محمّد بن المثنّى أبو موسى، ثنا يزيد بن هارون ثنا سفيان ابن حسينٍ، عن الزّهريّ، عن حنظلة، عن أبي هريرة أن ّرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الخنزير ويكسر الصّليب، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها ويعطى المال حتّى لا يقبل، ويجمع له الصّلاة، ويأتي الرّوحاء فيحجّ منها أو يعتمر أو يجمعها اللّه له، ثمّ قرأ أبو هريرة: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته قال: قبل موت عيسى. قال حنظلة: فلا أدري هذا أصله حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو قولاًًًًًًًًًٌ من أبي هريرة.
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن هارون الغنويّ، سمع عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته قال: لو أنّ يهوديًّا وقع من حائطٍ إلى الأرض لم يمت حتّى يؤمن به يعني:
بعيسى عليه السلام.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا عليّ بن عثمان اللاحقيّ، ثنا جويرية بن بشيرٍ قال: سمعت رجلا قال للحسن: يا أبا سعيدٍ قول اللّه تعالى وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته قال: قبل موت عيسى إنّ اللّه رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البرّ والفاجر.
- حدّثنا سليمان بن داود مولى عبد اللّه بن جعفرٍ، ثنا سهلٌ، ثنا المحاربيّ، عن أشعث، عن الحسن في قوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته.
قال: يؤمنون إيمانًا لا ينفعهم.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن كثيرٍ، ثنا سليمان، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ قال: ليس أحدٌ من أهل الأرض يدركه نزول عيسى بن مريم إلا آمن به، وذلك قوله:
وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته.
قوله تعالى: قبل موته.
[الوجه الأول]
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن يعني ابن مهديٍّ، عن سفيان عن ابن حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته قال: قبل موت عيسى عليه السّلام.
وروي عن أبي هريرة، ومجاهدٍ، والحسن، وقتادة نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، أنبأ بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: إلا ليؤمننّ به قبل موته قال: قبل موت اليهوديّ. وروي عن محمّد بن سيرين، والضّحّاك نحو ذلك،
قوله تعالى: ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن محمّدٍ بن عليّ بن نفيلٍ، ثنا عفيف بن سالمٍ المصلّي، عن القاسم بن الفضل قال: أرسل الحجّاج إلى عكرمة يسأله عن يوم القيامة، أمن الدّنيا هو أم من الآخرة؟ فقال: صدر ذلك اليوم من الدّنيا وآخره من الآخرة.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ عن قتادة قوله: ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا يقول: يوم القيامة على أنّه قد بلّغ رسالات ربّه وأقرّ بالعبوديّة على نفسه). [تفسير القرآن العظيم: 4/1112-1114]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن منصور عن مجاهد وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته قال لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى عليه السلام وإن غرق أو تردى). [تفسير مجاهد: 180]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ليؤمنن به قبل موته قال كل صاحب كتاب فإنه يؤمن بعيسى قبل موت صاحب الكتاب ورفع الله عيسى حيا). [تفسير مجاهد: 180-181]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن يعقوب الحافظ، ثنا عليّ بن الحسن بن أبي عيسى، ثنا عبد اللّه بن الوليد، ثنا سفيان، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، " {وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته} [النساء: 159] قال: خروج عيسى ابن مريم صلوات اللّه عليه «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/338]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج الفريابي، وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: خروج عيسى بن مريم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: يعني أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى سيؤمنون به.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب} قال: اليهود خاصة {إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت اليهودي.
وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: هي في قراءة أبي قبل موتهم، قال: ليس يهودي أبدا حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس: أرأيت إن خر من فوق بيت قال: يتكلم به في الهواء، فقيل: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم قال: يتلجلج بها لسانه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس قال: لا يموت يهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله ولو عجل عليه بالسلاح.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: لو أن يهوديا ألقي من فوق قصر ما خلص إلى الأرض حتى يؤمن أن عيسى عبد الله ورسوله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، قيل: وإن ضرب بالسيف قال: يتكلم به، قيل: وإن هوى قال: يتكلم به وهو يهوي.
وأخرج ابن المنذر عن أبي هاشم وعروة قالا: في مصحف أبي بن كعب: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موتهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن شهر بن حوشب في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} عن محمد بن علي بن أبي طالب هو ابن الحنيفة قال: ليس من أهل الكتاب أحد إلا أتته الملائكة يضربون وجهه ودبره ثم يقال: يا عدو الله إن عيسى روح الله وكلمته كذبت على الله وزعمت أنه الله إن عيسى لم يمت وإنه رفع إلى السماء وهو نازل قبل أن تقوم الساعة فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا آمن به.
وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: يا شهر آية من كتاب الله ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال الله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئا فقلت: رفعت إليك على غير وجهها وإن النصراني إذا خرجت روحه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة عبد الله وروحه وكلمته فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه وإن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره وقالوا: أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم، فقال: من أين أخذتها فقلت: من محمد بن علي، قال: لقد أخذتها من معدنها، قال شهر: وأيم الله ما حدثنيه إلا أم سلمة ولكني أحببت أن أغيظه.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: إذا نزل آمنت به الأديان كلها {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} أنه قد بلغ رسالة ربه وأقر على نفسه بالعبودية.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: إذا نزل عيسى عليه السلام فقتل الدجال لم يبق يهودي في الأرض إلا آمن به فذلك حين لا ينفعهم الإيمان
وأخرج ابن جرير عن أبي مالك {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.
وأخرج ابن جرير عن الحسن {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى والله إنه الآن حي عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أن رجلا سأله عن قوله {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى وإن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاما يؤمن به البر والفاجر.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها، ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا}.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يقتل الدجال ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ويفيض المال وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين واقرأوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} موت عيسى بن مريم ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
وأخرج أحمد، وابن جرير عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما، قال: وتلا أبو هريرة {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} قال أبو هريرة: يؤمن به قبل موت عيسى.
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليهلن عيسى بن مريم بفج الروحاء بالحج أو بالعمرة أو ليثنينهما جميعا.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود، وابن جرير، وابن حبان عن أبي هريرة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وإني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه خليفتي على أمتي وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمار مع البقر والذئاب مع الغنم وتلعب الصيبان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى بن مريم فإن عجل بي موت فمن لقية منكم فليقرئه مني السلام.
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن عيسى بن مريم ليس بينه وبيني نبي ولا رسول إلا أنه خليفتي في أمتي من بعدي إلا أنه يقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية وتضع الحرب أوزارها ألا من أدركه منكم فليقرأ عليه السلام.
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل عيسى بن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرجع السلم وتتخذ السيوف مناجل وتذهب حمة كل ذات حمة وتنزل السماء رزقها وتخرج الأرض بركتها حتى يلعب الصبي بالثعبان ولا يضره ويراعي الغنم الذئب ولا يضرها ويراعي الأسد البقر ولا يضرها.
وأخرج أحمد والطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدجال خارج وهو أعور عين الشمال عليها طفرة غليظة وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول: أنا ربكم، فمن قال: أنت ربي فقد فتن ومن قال ربي الله حي لا يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة عليه ولا عذاب فيلبث في الأرض ما شاء الله ثم يجيء عيسى بن مريم من المغرب، ولفظ الطبراني: من المشرق مصدقا بمحمد وعلى ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: ما يبكيك قلت: يا رسول الله ذكرت الدجال فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يخرج في يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها ولها يومئذ سبعة أبواب على كل نقب منها ملكان فيخرج إليها شرار أهلها حتى يأتي الشام مدينة بفلسطين باب لد فينزل عيسى بن مريم فيقتله ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماما عادلا وحكما مقسطا.
وأخرج أحمد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم فله أربعون ليلة يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة ثم سائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه عرض ما يبن أذنيه أربعون ذراعا فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك ف ر مهجاة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب يرد كل ماء منهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه وقامت الملائكة بأبوابها ومعه جبال من خبز والناس في جهد إلا من اتبعه ومعه نهران أنا أعلم بهما منه نهر يقول الجنة ونهر يقول النار فمن دخل الذي يسميه الجنة فهي النار ومن دخل الذي يسميه النار فهي الجنة وتبعث معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس ويقتل نفسا ثم يحييه لا يسلط على غيرها من الناس فيما يرى الناس فيقول للناس: أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام فيأتهم فيحصرهم فيشتد حصارهم ويجهدهم جهدا شديدا ثم ينزل عيسى فينادي من السحر فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث فيقولون: هذا رجل حي فينطلقون فإذا هم بعيسى فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم فإذا صلوا الصبح خرجوا إليه فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء فيمشي إليه فيقتله حتى إن الشجرة تنادي: يا روح الله هذا يهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحد إلا قتله.
وأخرج معمر في جامعه عن الزهري أخبرني عمرو بن سفيان الثقفي أخبرني رجل من الأنصار عن بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال: يأتي سباخ المدينة وهو محرم عليه أن يدخلها فتنتفض بأهلها نفضة أو نفضتين وهي الزلزلة فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة ثم يأتي الدجال قبل الشام حتى يأتي بعض جبال الشام فيحاصرهم وبقية المسلمون يومئذ معتصمون بذروة جبل فيحاصرهم نازلا بأصله حتى إذا طال عليهم الحصار قال رجل: حتى متى أنتم هكذا وعدوكم نازل بأصل جبلكم هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين بين أن تستشهدوا أو يظهركم فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه فينزل ابن مريم فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة فيقول: من أنت فيقول: أنا عبد الله وروحه وكلمته عيسى إختاروا إحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذابا جسيما أو يخسف بهم الأرض أو يرسل عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدرونا فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب فينزلون إليهم فيسلطون عليهم ويذرب الدجال حتى يدركه عيسى فيقتله.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عثمان بن أبي العاصي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين ومصر بالجزيرة ومصر بالشام فيفزع الناس ثلاث فزعات فيخرج الدجال في عراض جيش فيهزم من قبل المشرق فأول مصر يرده المصر الذي بلمتقى البحرين فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقيم وتقول نشامه ننظر ما هو وفرقة تلحق الأعراب وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ومع الدجال سبعون ألفا عليهم التيجان وأكثر من معه اليهود والنساء ثم يأتي المصر الذي يليهم فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول نشامه وننظر ما هو وفرقة تلحق بالأعراب وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ثم يأتي الشام فينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق فيبعثون بسرح لهم فيصاب سرحهم فيشتد ذلك عليهم وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله فبينما هم كذلك إذ ناداهم مناد: من السحر أتاكم الغوث أيها الناس ثلاثا فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان فينزل عيسى عند صلاة الفجر فيقول له أمير الناس تقدم يا روح الله فصل بنا فيقول: إنكم معشر هذه الأمة أمراء بعضكم على بعض تقدم أنت فصل بنا فيتقدم فيصلي بهم فإذا انصرف أخذ عيسى حربته نحو الدجال فإذا رآه ذاب كما يذوب الرصاص فتقع حربته بين تندوته فيقتله ثم ينهزم أصحابه فليس شيء يومئذ يجن أحدا منهم حتى إن الحجر ليقول: يا مؤمن هذا كافر فاقتله والشجر يقول: يا مؤمن هذا كافر فاقتله.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الطفيل قال: كنت بالكوفة فقيل: قد خرج الدجال فأتينا حذيفة بن أسيد فقلت: هذا الدجال قد خرج فقال اجلس فجلست فنودي أنها كذبة صباغ فقال حذيفة: إن الدجال لو خرج زمانكم لرمته الصبيان بالخزف ولكنه يخرج في نقص من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الأرض طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ثم جبل إيليا فيحاصر عصابة من المسلمين فيقول لهم الذي عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا فيصبحون ومعهم عيسى بن مريم فيقتل الدجال ويهزم أصحابه.
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج الدجال فليبث في أمتي ما شاء الله يلبث أربعين ولا أدري ليلة أو شهرا أو سنة، قال: ثم يبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه حتى يهلكه ثم يبقى الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يبعث الله ريحا باردة تجيء من قبل الشام فلا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضت روحه حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه سمعت هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كبد جبل ثم يبقى شرار الناس من لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا في خفة الطير وأحلام السباع فيجيئهم الشيطان فيقول: ألا تستحيون فيقولون ما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه فكان من قوله أن قال: إنه
لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر من الدجال وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم وهو خارج فيكم لا محالة فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق فيعيث يمينا ويعيث شمالا يا عباد الله فاثبتوا وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي ثم يثني فيقول: أنا ربكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وإن من فتنته أن معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار فمن ابتلي بناره فليستعن بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك فيقول له: نعم، فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها ينشرها بالمنشار حتى يلقى شقتين ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ثم يزعم أن له ربا غيري فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك فيقول: ربي الله وأنت عدو الله الدجال والله ما كنت أشد بصيرة بك مني اليوم، وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا وأنه لا يبقى من الأرض شيء إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة فإنه لا يأتيها من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه فتنقي الخبث منها كما ينقي الكير خبث الحديد ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، فقالت أم شريك بنت أبي العسكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ قال:
هم قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم فإذا انصرف قال عيسى: أقيموا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا ويقول عيسى: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب لد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء ما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله الشيء لا حجر ولا شجر ولا دابة ولا حائط إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قالت: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال فاقتله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة والسنة كالشهر والشهر كالجمعة وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بها الآخر حتى يمسي فقيل له: يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار قال: تقدرون فيها للصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ثم صلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليكونن عيسى بن مريم في أمتي حكما عدلا وإماما مقسطا يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير وترفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في في الحية فلا تضره وينفر الوليد الأسد فلا يضره ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها وتملأ الأرض من المسلم كما يملأ الإناء من الإناء وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها وتكون الأرض كثاثور الفضة تنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب يشبعهم ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم ويكون الثور بكذا وكذا من المال ويكون الفرس بالدريهمات، قيل: يا رسول الله وما يرخص الفرس قال: لا يركب لحرب أبدا، قيل له: فما يغلي الثور قال: لحرث الأرض كلها، وإن قبل خرج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد يأمر الله السماء أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء فلا تبقي ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله، قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان قال: التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام
وأخرج أحمد ومسلم، عن جابر عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمير تكرمه الله هذه الأمة.
وأخرج الطبراني عن أوس بن أوس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة فلما دخلت عليه قلت: يا رسول الله فقال: على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد ابن حارثة فقاتل حتى قتل رحم الله زيدا ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل فقتل رحم الله جعفرا ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فقتل رحم الله عبد الله ثم أخذ اللواء خالد ففتح الله لخالد فخالد سيف من سيوف الله فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حوله فقال: ما يبكيكم قالوا: وما لنا لا نبكي وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا فقال: لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتث زواكيها وهيأ مساكنها وحلق سعفها فأطعمت عاما فوجا ثم عاما فوجا ثم عاما فوجا فلعل آخرها طعما يكون أجودها قنوانا وأطولها شمراخا والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفا من حواريه.
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه قال: لما اشتد جزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قتل يوم مؤتة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليدركن الدجال من هذه الأمة قوما مثلكم أو خيرا منكم ثلاث مرات ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها قال الذهبي: مرسل وهو خبر منكر.
وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيدرك رجال من أمتي عيسى بن مريم ويشهدون قتال الدجال.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليهبطن ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردن عليه، يقول أبو هريرة: أي بني أخي إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام.
وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدرك منكم عيسى بن مريم فليقرئه مني السلام.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي هريرة قال: يلبث عيسى بن مريم في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلا لسالت.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه عن مجمع بن جارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليقتلن ابن مريم الدجال بباب لد.
وأخرج أحمد عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عصابتان من أمتي أحرزهم الله من النار: عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى بن مريم.
وأخرج الترمذي وحسنه عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه.
وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني عن عبد الله بن سلام قال: يدفن عيسى بن مريم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فيكون قبره رابعا). [الدر المنثور: 5/108-127]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 09:58 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) )

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {قلوبنا غلفٌ...}
أي أوعية للعلم تعلمه وتعقله، فما لنا لا نفهم ما يأتي به (محمد صلى الله عليه وسلم) فقال الله تبارك وتعالى: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلاً}). [معاني القرآن: 1/294]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (فبما نقضهم) (154): فبنقضهم.
(طبع الله على قلوبهم) (154) أي ختم). [مجاز القرآن: 1/142]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({فبما نقضهم مّيثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلاً}
قال: {فبما نقضهم مّيثاقهم} فـ{ما} زائدة كأنه قال "فبنقضهم"). [معاني القرآن: 1/213]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حقّ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلّا قليلا (155)
(فبما نقضهم ميثاقهم)
" ما " لغو في اللفظ، المعنى فبنقضهم ميثاقهم حقّا، فكما أن حقّا لتوكيد الأمر فكذلك " ما " دخلت للتوكيد.
وتأويل نقضهم ميثاقهم أن اللّه عزّ وجلّ أخذ عليهم الميثاق في أن يبينوا ما أنزل عليهم من ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره.
قال اللّه عزّ وجل: (وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم).
والجالب للباء والعامل فيها قوله عزّ وجلّ: (حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم).
المعنى بنقضهم ميثاقهم، والأشياء التي ذكرت بعده.
وقوله " فبظلم " بدل من قوله: فبما نقضهم.
وقوله: (قلوبنا غلف) أي أوعية للعلم.
(بل طبع اللّه عليها بكفرهم).
وإن شئت أدغمت اللام في الطاء، وكذلك: (بل تؤثرون الحياة الدّنيا)
يدغم فتقول: بـ طبع، وبـ تؤثرن، جعل اللّه مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم.
وقوله: (وقولهم على مريم بهتانا عظيما).
البهتان الكذب الذي يحيّر من شذته وعظمه، وذلك أنّ اليهود – لعنها اللّه - رمت مريم، وهي صفوة الله على نساء العالمين، بأمر عظيم). [معاني القرآن: 2/127-128]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم}
قال قتادة: غلف أي لا تفهم ومعنى بل طبع الله عليها ختمها مجازاة على كفرهم وهو تمثيل يقال طبع السيف يطبع طبعا إذا غطاه الصدأ). [معاني القرآن: 2/232-233]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (قلوبنا غلف) أي: عليها مانع من الفهم، وغلف: جمع
غلاف، ومعناه: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تعي ما تقول أنت ؟). [ياقوتة الصراط: 204-205]

تفسير قوله تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) )
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً}
{وبكفرهم وقولهم على مريم} {وقولهم إنّا قتلنا المسيح}كله على الأول). [معاني القرآن: 1/213]

تفسير قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وما قتلوه وما صلبوه...}
الهاء ها هنا لعيسى صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وما قتلوه يقيناً} الهاء ها هنا للعلم، كما تقول قتلته علما، وقتلته يقينا، للرأي والحديث والظنّ). [معاني القرآن: 1/294]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({ما لهم به من علمٍ إلّا اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقيناً} يعني العلم، أي ما قتلوا به يقينا. تقول: قتلته يقينا وقتلته علما، للرأي والحديث). [تفسير غريب القرآن: 136-137]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} يعني العلم، لم يتحقَّقوه ويستيقنوه.
وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغَلَبة.
يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنًّا). [تأويل مشكل القرآن: 152-153]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علم إلّا اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقينا (157)
(إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه).
أي باعترافهم بقتلهم إياه.
(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم).
فإنما عذّبوا أو يعذبون عذاب من قتل، أو كان شبّه لهم لأنهم قد أتوا الأمر على أنّه قتل نبي.
وجاء في التفسير أن عيسى لما أراد اللّه جل ثناؤه رفعه إليه وتطهيره منهم، قال لأصحابه؛ أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة، فقال رجل منهم أنا فألقى عليه شبهه فقتل.
ورفع الله عيسى إليه، وهذا كله غير ممتنع، لأنا لا نشك في أنه شبّه لهم.
وقوله: (وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه).
أي الذين اختلفوا في قتله شاكون، لأن بعضهم زعم أنّه إله، وما قتل.
وبعضهم ذكر إنّه قتل، وهم في ذلك شاكون.
(ما لهم به من علم إلّا اتّباع الظّنّ).
(اتّباع) منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول.
المعنى ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن.
وإن رفع جاز على أن يجعل عليهم اتباع الظن.
كما تقول العرب: تحيتك الضرب وعتابك السيف.
قال الشاعر:
وخيل قد دلفت لها بخيل=تحية بينهم ضرب وجيع
وقوله عزّ وجلّ: (وما قتلوه يقينا).
قال بعضهم: الهاء للعلم. المعنى وما قتلوا علمهم يقينا، كما تقول: أنا أقتل الشيء علما، تأويله إني أعلمه علما تامّا.
وقال بعضهم: (وما قتلوه) الهاء لعيسى كما قال: وما قتلوه وما صلبوه.
وكلا القولين جائز). [معاني القرآن: 2/128-129]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}
قال مجاهد: قتلوا رجلا توهموا أنه عيسى ورفع الله عيسى حيا
وقال قتادة: قال عيسى: أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل ويدخل الجنة فقال رجل منهم أنا فقتل
وقال غيره: يعذبون على أنهم قتلوا نبيا؛ لأن تلك نياتهم). [معاني القرآن: 2/233-234]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} لأن مقالتهم فيه مختلفة وهم في شك منه). [معاني القرآن: 2/234]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وما قتلوه يقينا} المعنى عند أهل اللغة: وما قتلوا العلم يقينا كما يقول قتلته علما وقتلته يقينا إذا علمته علما تاما قال أبو عبيد ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال وما قتلوه فقط). [معاني القرآن: 2/234]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (وما قتلوه يقينا) قالوا: «يقينا» بدل من الهاء، كأنه فال: وما قتلوا اليقين يقينا، ويجوز: وما قتلوا الشك يقينا، ويجوز: وما قتلوا الشبيه يقينا). [ياقوتة الصراط: 205]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} قيل: ما قتلوه بمعنى ما حققوا العلم به. {يَقِينًا} نعت لمصدر محذوف، تقديره: ما حققوه تحقيقا يقينا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 64]

تفسير قوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزا حكيما (158)
إدغام اللام في الراء هو الكلام وعليه القراءة، لأن اللام قريبة من مخرج الراء، والراء متمكنة، وفيها كالتكرير، فلذلك اختير الإدغام فيها، وإن لم تدغم لأنه من كلمتين جاز). [معاني القرآن: 2/129]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : (وقوله: (بل رفعه الله إليه) هو رد لكل ما ادعته النصارى على المسيح - صلى الله عليه وسلم). [ياقوتة الصراط: 205-206]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) )
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وإن مّن أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته...}
معناه: من ليؤمنّن به قبل موته. فجاء التفسير بوجهين:
أحدهما أن تكون الهاء في موته لعيسى، يقول: يؤمنون إذا أنزل قبل موته، وتكون الملّة والدين واحدا.
ويقال: يؤمن كل يهوديّ بعيسى عند موته. وتحقيق ذلك في قراءة أبيّ (إلا ليؤمننّ به قبل موتهم) ). [معاني القرآن: 1/294-295]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ({وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته} يريد: ليس من أهل الكتاب في آخر الزمان عند نزوله - أحد إلا آمن به حتى تكون الملّة واحدة، ثم يموت عيسى بعد ذلك). [تفسير غريب القرآن: 137]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: (وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159)
المعنى: وما مهم من أحد إلّا ليؤمننّ به، وكذلك قوله: (وإن منكم إلا واردها).
المعنى: ما منكم أحد إلا واردها، وكذلك (وما منّا إلّا له مقام معلوم)
المعنى: وما منا أحد إلا له مقام معلوم.
ومثله قول الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تيثم=يفضلها في حسب وميسم
المعنى: ما في قومها أحد يفضلها.
فالمعنى (ليؤمننّ به قبل موته)، فالهاء في " موته " راجعة على كافر في بعض الأقاويل، وقد قيل: ما من أحد إلا ليؤمننّ بعيسى ممن كفر به قبل موته؛ لأن الميت قبل موته يعاين عمله فيعلم صالحه من طالحه، وكل كافر إذا عاين آمن بكل نبي كفر به قبل موته.
وقالوا في الهاء في قوله: (ليؤمننّ به) أي بعيسى.
وقال بعضهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
والقولان واحد، لأن من كفر بنبي عاين قبل موته أنه كان على ضلال، وآمن حيث لا ينفعه الإيمان.
وقال بعضهم: (إلّا ليؤمننّ به) أي سيؤمن بعيسى إذا نزل لقتل المسيح الدجّال، وهذا بعيد في اللغة؛ لأنه قال: (وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته).
والذين يبقون إلى ذلك الوقت إنما هم شرذمة منهم، ولكنه يحتمل أنهم كلهم يقولون إن عيسى الذي ينزل لقتل الدجال. نحن نؤمن، فيجوز على هذا.
واللّه أعلم بحقيقته). [معاني القرآن: 2/129-130]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال:
أحدها أنه روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليقتلن الدجال وليقتلن الخنزير وليكسرن الصليب وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين)) ثم قال أبو هريرة: (واقرؤوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته}، قال أبو هريرة: (قبل موت عيسى) يعيدها ثلاث مرات.
وقال قتادة: قبل موته قبل موت عيسى.
ب-وقال ابن عباس: (قبل موته قبل موت الذي من أهل الكتاب). وقال بهذا القول الحسن وعكرمة وهذا القول رواه عن ابن عباس عكرمة.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن معنى قبل موته قبل موت عيسى صلى الله عليه وسلم.
ج- وقال غير هؤلاء: المعنى وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موته
وهذه الأقوال غير متناقضة؛ لأنه يتبين عند موته الحق فيؤمن حين لا ينفعه الإيمان.
قال محمد بن جرير: أولى هذه الأقوال بالصواب، والصحة قول من قال تأويل ذلك: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وأن ذلك في خاص من أهل الكتاب ومعني به أهل زمان منهم دون أهل كل الأزمنة التي كانت بعد عيسى وأن ذلك عند نزوله ولم يجر لمحمد في الآيات التي قبل ذلك ذكر فيجوز صرف الهاء التي في ليؤمنن به إلى أنها من ذكره وإنما ليؤمنن به في سياق ذكر عيسى وأمه واليهود). [معاني القرآن: 2/235-237]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28 ربيع الثاني 1434هـ/10-03-2013م, 04:13 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وأما قوله عزّ وجلّ: {فبما نقضهم ميثاقهم} فإنّما جاء لأنه ليس
لـ «ما» معنىً سوى ما كان قبل أن تجئ إلاّ التوكيد فمن ثمّ جاز ذلك إذ لم ترد به أكثر من هذا وكانا حرفين أحدهما في الآخر عاملٌ. ولو كان اسماً أو ظرفا أو فعلاً لم يجز). [الكتاب: 1/180-181]
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وأما ما فهي نفيٌ لقوله هو يفعل إذ كان في حال الفعل فتقول ما يفعل وتكون بمنزلة ليس في المعنى تقول عبد الله منطلقٌ فتقول ما عبد الله منطلقٌ أو منطلقاً فتنفي بهذا اللفظ كما تقول ليس عبد الله منطلقاً وتكون توكيداً لغواً وذلك قولك متى ما تأتني آتك وقولك غضبت من غير ما جرمٍ وقال الله عز وجل: {فبما نقضهم ميثاقهم} وهي لغوٌ في أنها لم تحدث إذ جاءت شيئاً لم يكن قبل أن تجيء من العمل وهي توكيد للكلام). [الكتاب: 4/221]
قال أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت:215هـ): (وقال عمرو بن ملقط جاهلي:
مهما لي الليلة مهما ليه = أودى بنعلي وسرباليه
...
«مهما» تجيء للجزاء فجاء بها في غير موضعها كأنه قال: مالي سرقت نعلي مالي.
...
قال أبو الحسن قوله: «مهما لي» ما الثانية زائدة للتوكيد وهي غير لازمة كما تلزم في الجزاء إذا قلت مهما تصنع أصنع فهي في الجزاء ما ضمت إليها أخرى وجعلتا للشرط كحرف واحد وأبدلوا الهاء من الألف لخفاء الألف وأنها حرف هاز لا مستقر لها فكرهوا اجتماع ميمين ليس بينهما إلا الألف وهي لخفائها وأنها تهوي في مخرجها حاجز ليس بحصين فكأنهم جمعوا بين ميمين فأبدلوا منها الهاء لما كانت شريكتها في الخفاء ولم تكن هاوية بمنزلة الحركة. فهذا الشاعر زاد ما
للتوكيد كما في قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} و{مما خطيآتهم} وزيادتها للتوكيد تكثر جدا، وإنما المعتمد عليه ما الأولى وهي التي للاستفهام، والثانية موكدة، واستثقال الجمع بين ميمين هاهنا كاستثقاله في الجمع بين ميمين هاهنا كاستثقاله في الجزاء لما بينت لك، فعوضت الهاء من ألف ما الأولى فهذا الشرح. ومما يدلك على ما قلنا تعويض العرب الهاء من الألف في موضع الاستثقال فيه، وليس فيه أكثر من أن الألف لا معتمد لها في الفم). [النوادر في اللغة: 267-270]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ومن الحروف ما يستجمع منه معانٍ: فمن ذلك مَنْ لها أربعة مواضع كما ذكرت لك.

ومن ذلك ما لها خمسة مواضع: تكون جزاءً في قولك: ما تصنع أصنع.
وتكون استفهاما لقولك: ما صنعت?
وتكون بمنزلة الذي في قولك: أرأيت ما عندنا؟: إلا أنها في هذه المواضع اسم، ووقوعها على ذات غير الآدميين نحو قولك - إذا قال ما عندك؟ فرس، أو حمار، أو مال، أو بر، وليس جواب قوله: ما عندك؟ زيد، ولا عمرو. وقد خبرتك بعمومها في قوله: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} وأما وقوعها لصفات الآدميين فكقولهم: ما زيد؟ فيقول: شريف، أو وضيع.
ولها موضعان تقع فيهما وليست باسم، إنما هي فيهما حرك: فأحدهما: النفي، نحو قولك: ما زيد في الدار، وما يقوم زيد.
والموضع الآخر هي فيه زائدة مؤكدة لا يخل طرحها بالمعنى، كقول الله عز وجل: {فبما رحمة} وكذلك {فبما نقضهم ميثاقهم} ). [المقتضب: 1/186] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( وما حرف من الأضداد. تكون اسما للشيء، وتكون جحدا له، وتكون مزيدة للتوكيد. فيقول القائل: طعامك ما أكلت، وهو يريد طعامك الذي أكلته، فتكون (ما) اسما للطعام، وتقول: طعامك ما أكلت، وهو يريد: طعامك لم آكل. وتقول: طعامك ما أكلت، وهو يريد: طعامك أكلت، فيؤكد الكلام بـ(ما). وتقول أيضا: عبد الله ما قام، على جحد القيام، وعبد الله ما قام على إثباته. و(ما) زيدت
للتوكيد فكون (ما) جحدا لا يحتاج فيه إلى شاهد لشهرته وبيانه، وكونها اسما شاهده قول الله عز وجل: {مما خطيئاتهم أغرقوا} معناه من خطاياهم.
وقوله أيضا: {فبما نقضهم ميثاقهم}، فمعناه فبنقضهم ميثاقهم. وقوله: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}، معناه: مثلا بعوضة. وقال نابغة بني ذبيان:

المرء يهوي أن يعيـ = ـش وطول عيش ما يضره
تفنى بشاشته ويبـ = ـقى بعد حلو العيش مره
وتصرف الأيام حتى = ما يرى شيئا يسره
كم شامت بي إن هلكـ = ـت وقائل: لله دره!
أراد وطول عيش يضره، فأكد بـ(ما). ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (الذي)، والتأويل: وطول عيش الذي يضره، كما قال أبو صخر الهذلي:

هجرتك حتى قلت ما يعرف القلى = وزرتك حتى قلت ليس له صبر
أراد: حتى قلت الذي يعرفه القلى، ولو كانت جحد لفسد معنى البيت. وقال الآخر:
ذريني إنما خطئي وصوبي = علي وإن ما أنفقت مال
أراد: وإن الذي أنفقت مال). [كتاب الأضداد: 195-197] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) }

تفسير قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (هذا باب ما يقع في الاستثناء
من غير نوع المذكور قبله
وذلك قولك: ما جاءني أحد إلا حماراً، وما في القوم أحد إلا دابةً. فوجه هذا وحده النصب؛ وذلك لأن الثاني ليس من نوع الأول، فيبدل منه، فتنصبه بأصل الاستثناء على معنى ولكن، واللفظ النصب لما ذكرت لك في صدر الباب.
فمن ذلك قول الله عز وجل: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى}.
ومن ذلك: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}. فالعاصم الفاعل، ومن رحم معصوم، فهذا خاصةً لا يكون فيه إلا النصب.
وأما الأول فقد يجوز فيه الرفع، وهو قول بني تميم. وتفسير رفعه على وجهين: أحدهما: أنك إذا قلت: ما جاءني رجل إلا حمار فكأنك قلت: ما جاءني إلا حمار، وذكرت رجلاً وما أشبهه توكيداً. فكأنه في التقدير: ما جاءني شيء رجل ولا غيره، إلا حمار.
والوجه الآخر: أن تجعل الحمار يقوم مقام من جاءني من الرجال على التمثيل، كما تقول: عتابك السيف، وتحيتك الضرب، كما قال:
وخيل قد دلفت لها بخيل = تحية بينهم ضرب وجيع
وقال الآخر:
ليس بيني وبـين قـيس عـتـاب = غير طعن الكلى وضرب الرقاب
وبنو تميم تقرأ هذه الآية: {إلا ابتغاءُ وجه ربه الأعلى} ويقرءون {ما لهم به من علم إلا اتباعُ الظن} يجعلون اتباع الظن علمهم.
والوجه النصب على ما ذكرت لك، وهو القياس اللازم، ووجه الرفع ما بيناه. كما قال:
وبلدة ليس بهـا أنـيس = إلا اليعافير، وإلا العيس
فجعل اليعاقير أنيس ذلك المكان وينشد بنو تميم قول النابغة:

وقفت فيها أصـيلالاً أسـائلـهـا = عيت جواباً، وما بالربع من أحـد
إلا أواري لأبـاً مـا أبـينـهــا = والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
والوجه النصب، وهو إنشاد أكثر الناس.
وقوله جل وعز: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا} من هذا الباب؛ لأن لولا في معنى هلا. والنحويون يجيزون الرفع في مثل هذا من الكلام، ولا يجيزونه في القرآن لئلا يغير خط المصحف. ورفعه على الوصف كما ذكرت لك في الباب الذي قبله. فأما قول الشاعر:

من كان أسرع في تفرق فالج = فلبونه جربت معاً، وأغـدت
إلا كناشرة الذي ضـيعـتـم = كالغصن في غلوائه المتنبت
فإنما الكاف زائدة، وهو استثناء ليس من الأول. ولو حذفت الكاف لكان الموضع نصباً ومثل ذلك:

لولا ابن حارثة الأمـير لـقـد = أغضبت من شتمي على رغمي
إلا كمعرض المحسر بـكـره = عمداً يسببني عـلـى ظـلـم
وكذا قوله:
إلا كخارجة المكلف نفـسـه = وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا
الكاف زائدة مؤكدة كتوكيدها في قول الله جل وعز {ليس كمثله شيء}. ومثل ذلك قوله:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
أي فيها مقق وهو الطول. والكاف زائدة). [المقتضب: 4/412-418] (م)
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وفي قوله عز وجل: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} قال أبو العباس: ما قتلوا الخبر يقينًا، إنما قالوه بالحدس). [مجالس ثعلب: 106]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وقال أبو العباس في قوله عز وجل: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ} قال: إذا تم الكلام فالكسر لا غير، وإذا لم يتم الكلام فالكسر والفتح جميعًا. قول إن زيدًا قائم وأن زيدًا قائم، ومن قولي إن زيدًا قائم، لا غير). [مجالس ثعلب: 173]

تفسير قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب يحذف المستثنى فيه استخفافا
وذلك قولك ليس غير وليس إلا كأنه قال ليس إلا ذاك
وليس غير ذاك ولكنهم حذفوا ذلك تخفيفا واكتفاء بعلم المخاطب ما يعني.
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول ما منهم مات حتى رأيته في حال كذا وكذا وإنما يريد ما منهم واحد مات. ومثل ذلك قوله تعالى جده: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} ومثل ذلك من الشعر قول النابغة:
كأنك من جمال بني أقيشٍ = يقعقع خلف رجليه بشنّ).
[الكتاب: 2/344-3445]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واعلم أن جواب الأمر والنهي ينجزم بالأمر والنهي؛ كما ينجزم جواب الجزاء بالجزاء؛ وذلك لأن جواب الأمر والنهي يرجع إلى أن يكون جزاءً صحيحاً. وذلك قولك: ائتني أكرمك، لأن المعنى: فإنك إن تأتني أكرمك؛ ألا ترى أن الإكرام إنما يستحق بالإتيانو كذلك: لا تأت زيداً يكن خيراً لك؛ لأن المعنى: فإنك إلا تأته يكن خيراً لك.
ولو قال على هذا: لا تدن من الأسد يأكلك كان محالاً؛ لأنه إذا قال: لا تدن فإنما هو: تباعد، فتباعده منه لا يكون سبباً لأكله إياه. ولكن إن رفع جاز، فيكون المعنى: لا تدن من الأسد ثم قال: إنه مما يأكلك.
وإنما انجزم جواب الاستفهام؛ لأنه يرجع من الجزاء إلى ما يرجع إليه جواب الأمر والنهي وذلك قولك: أين بيتك أزرك? لأن المعنى: بإن أعرفه أزرك وكذلك هل تأتيني أعطك، وأحسن إليك؛لأن المعنى: فإنك إن تفعل أفعل.
فأما قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليمٍ} ثم قال: {تؤمنون بالله ورسوله} فإن هذا ليس بجواب، ولكنه شرح ما دعوا إليه، والجواب: {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم}.
فإن قال قائل: فهلا كان الشرح أن تؤمنوا، لأنه بدل من تجارة? فالجواب في ذلك أن الفعل يكون دليلاً على مصدره، فإذا ذكرت ما يدل على الشيء فهو كذكرك إياه؛ ألا ترى أنهم يقولون: من كذب كان شراً، يريدون: كان الكذب وقال الله عز وجل: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم} لأن المعنى: البخل هو خيراً لهم، فدل عليه بقوله يبخلون. وقال الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغـى = وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فالمعنى: عن أن أحضر الوغى، كقولك: عن حضور الوغى. فلما ذكر أحضر الوغى دل على الحضور. وقد نصبه قوم على إضمار أن وقدموا الرفع.
وسنذكر ذلك باستقصاء العلة فيه إن شاء الله.
فأما الرفع فلأن الأفعال لا تضمر عواملها، فإذا حذفت رفع الفعل وكان دالاً على مصدره بمنزلة الآية وهي {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ثم قال: تؤمنون.
وكذلك لو قال قائل: ماذا يصنع زيد? فقلت:يأكل أو يصلي لأغناك عن أن تقول:الأكل أو الصلاة. ألا ترى أن الفعل إنما مفعوله اللازم له إنما هو المصدر، لأن قولك: قد قام زيد بمنزلة قولك: قد كان منه قيام، والقيام هو النوع الذي تعرفه وتفهمه ولو قلت: ضرب زيد لعلمت أنه قد فعل ضرباً واصلاً إلى مضروب، إلا أنك لا تعرف المضروب بقوله: ضرب وتعرف المصدر.
وأما الذين نصبوا فلم يأبوا الرفع، ولكنهم أجازوا معه النصب؛ لأن المعنى إنما حقه بأن، وقد أبان ذلك فيما بعده بقوله: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي?. فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيء بعضها محذوفاً للدلالة عليه.
وفي كتاب الله عز وجل: {يسأله من في السماوات والأرض} فالقول عندنا أن من مشتملة على الجميع؛ لأنها تقع للجميع على لفظ الواحد.
وقد ذهب هؤلاء القوم إلى أن المعنى: ومن في الأرض. وليس المعنى عندي كما قالوا وقالوا في بيت حسان:
فمن يهجوا رسول الله منكم = ويمدحه وينصره سـواء
إنما المعنى: ومن يمدحه وينصره. وليس الأمر عند أهل النظر كذلك؛ ولكنه جعل من نكرةً، وجعل الفعل وصفاً لها، ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف. فكأنه قال: وواحد يمدحه وينصره، لأن الوصف يقع في موضع الموصوف، إذ كان دالاً عليه.
وعلى هذا قول الله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} ). [المقتضب: 2/133-135] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله:
وما منهما إلا يسر بنسبة
معناه وما منها واحد، فحذف لعلم المخاطب، قال الله جل اسمه: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}. أي وإن أحد ومعنى إن معنى ما، قال الشاعر:

وما الدهر إلا تارتان فمنهما = أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد: فمنهما تارة). [الكامل: 3/1097]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,160
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,160
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,160
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,160
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى فبما نقضهم الآية، إخبار عن أشياء واقعوها هي في الضد مما أمروا به وذلك أن الميثاق الذي رفع الطور من أجله نقضوه، والإيمان الذي تضمنه ادخلوا الباب سجّداً إذ ذلك التواضع إنما هو ثمرة الإيمان والإخبات جعلوا بدله كفرهم بآيات الله، وقولهم: حبة في شعرة وحنطة في شعيرة، ونحو ذلك مما هو استخفاف بأمر الله وكفر به، وكذلك أمروا أن لا يعتدوا في السبت، وفي ضمن ذلك الطاعة وسماع الأمر، فجعلوا بدل ذلك الانتهاء إلى انتهاك أعظم حرمة، وهي قتل الأنبياء، وكذلك أخذ «الميثاق الغليظ» منهم تضمن فهمهم بقدر ما التزموه، فجعلوا بدل ذلك تجاهلهم. وقولهم قلوبنا غلفٌ أي هي في حجب وغلف، فهي لا تفهم، وأخبر الله تعالى أن ذلك كله عن طبع منه على قلوبهم، وأنهم كذبة فيما يدعونه من قلة الفهم، وقرأ نافع «تعدّوا» بسكون العين وشد الدال المضمومة، وروى عنه ورش «تعدّوا» بفتح العين وشد الدال المضمومة، وقرأ الباقون «لا تعدوا» ساكنة العين خفيفة الدال مضمومة، وقرأ الأعمش والحسن «لا تعتدوا» وقوله تعالى: فبما ما زائدة مؤكدة، التقدير فبنقضهم، وحذف جواب هذا الكلام بليغ منهم، متروك مع ذهن السامع، تقديره لعناهم وأذللناهم، وحتمنا على الموافين منهم الخلود في جهنم). [المحرر الوجيز: 3/59-60]

تفسير قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم قال تعالى: وبكفرهم أي في أمر عيسى عليه السلام، وقولهم على مريم بهتانا، يعني رميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد، وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر و «البهتان»: مصدر من قولك بهته إذا قابله بأمر مبهت يحار معه الذهن وهو رمي بباطل). [المحرر الوجيز: 3/60]

تفسير قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقيناً (157) بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزاً حكيماً (158) وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً (159)
هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم على اختلاف الأزمان وتعاقب القرون، فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الحجة في أن وجبت لهم اللعنة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فهذه الطائفة التي قالت إنّا قتلنا المسيح غير الذين نقضوا الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله: عيسى ابن مريم وقوله عز وجل: رسول اللّه إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل، ولزمهم الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول، ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى فكأنهم قتلوه، وإذا كانوا قتلوه فليس يرفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه غير رسول، كما أن قريشا في تكذيبها رسول الله لا ينفعهم فيه اعتقادهم أنه كذاب، بل جازاهم الله على حقيقة الأمر في نفسه، ثم أخبر تعالى أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافا شديدا أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته، لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه فأحيط به، ثم ندم ذلك الحواري وخنق نفسه، وروي أن رجلا من اليهود جعل له جعل فما زال ينقر عليه حتى دل على مكانه، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتا بمرأى من بني إسرائيل فروي: أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر وحصروا ليلا فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب، وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه: أيكم يلقى شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال سرجس: أنا، وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحدا ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص، وروي: أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى عليه السلام لما رأوه من نقصان العدة واختلاط الأمر، فصلب ذلك الشخص وأبعد الناس عن خشبته أياما حتى تغير ولم تثبت له صفة، وحينئذ دنا الناس منه ومضى الحواريون يحدثون بالآفاق أن عيسى صلب، فهذا أيضا يدل على أنه فرقهم وهو في البيت، أو على أن الشبه ألقي على الكل، وروي أن هذه القصة كلها لم يكن فيها إلقاء شبه شخص عيسى على أحد وإنما المعنى ولكن شبّه لهم أي شبه عليهم الملك الممخرق، ليستديم ملكه، وذلك أنه لما نقص واحد من
الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه. وقال: هذا عيسى قد صلب وانحل أمره، وقوله تعالى وإنّ الّذين اختلفوا فيه يعني اختلاف المحلولين لأخذه، لأنهم حين فقدوا واحدا من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو.
قال القاضي- رحمه الله: الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصا صلب، وأما هل هو عيسى أم لا؟ فليس من علم الحواس، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل، إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز: علمي في هذا الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه. وقوله تعالى: وما قتلوه يقيناً اختلف المتأولون في عود الضمير من قتلوه فقالت فرقة: هو عائد على الظن كما تقول: قتلت هذا الأمر علما، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقينا، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة، وقال قوم: الضمير عائد على عيسى، أخبر أنهم لم يقتلوه يقينا، فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقينا ولا شكا، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكا فيه، وقال قوم من أهل اللسان: الكلام تام في قوله وما قتلوه ويقيناً مصدر مؤكد للنفي في قوله وما قتلوه المعنى يخبركم يقينا، أو يقص عليكم يقينا، أو أيقنوا بذلك يقينا). [المحرر الوجيز: 3/60-63]

تفسير قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى بل رفعه اللّه إليه يعني إلى سمائه وكرامته، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجال، وليملأ الأرض عدلا، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر). [المحرر الوجيز: 3/63]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به قبل موته اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم: الضمير في موته راجع إلى عيسى، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر، وترجع الأديان كلها واحدا، وقال مجاهد وابن عباس أيضا وغيرهما: الضمير في به لعيسى وفي موته للكتابي الذي تضمنه قوله وإن من أهل الكتاب التقدير: وإن من أهل الكتاب أحد، قالوا: وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت، فهو إيمان لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضا، وقال عكرمة أيضا: الضمير في به لمحمد عليه السلام، وقبل موته للكتابي، قال: وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف أبي بن كعب «قبل موتهم» ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان «وإنّ من أهل الكتاب» بتشديد «إن». والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة). [المحرر الوجيز: 3/63-64]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,160
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,160
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع اللّه عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا (156) وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلا اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقينًا (157) بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزًا حكيمًا (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا (159)}
وهذه من الذّنوب الّتي ارتكبوها، ممّا أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود الّتي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات اللّه، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات الّتي شاهدوها على أيدي الأنبياء، عليهم السّلام.
قوله {وقتلهم الأنبياء بغير حقٍّ} وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء اللّه، فإنّهم قتلوا جمًّا غفيرًا من الأنبياء [بغير حقٍّ] عليهم السّلام.
وقولهم: {قلوبنا غلفٌ} قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسّدّيّ، وقتادة، وغير واحدٍ: أي في غطاءٍ. وهذا كقول المشركين: {وقالوا قلوبنا في أكنّةٍ ممّا تدعونا إليه [وفي آذاننا وقرٌ ومن بيننا وبينك حجابٌ فاعمل إنّنا عاملون]} [فصّلت: 5]. وقيل: معناه أنّهم ادعوا أنّ قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعيةٌ للعلم قد حوته وحصّلته. رواه الكلبيّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ. وقد تقدّم نظيره في سورة البقرة.
قال اللّه تعالى: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} فعلى القول الأوّل كأنّهم يعتذرون إليه بأنّ قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنّها في غلفٍ وفي أكنّةٍ، قال اللّه [تعالى] بل هو مطبوعٌ عليها بكفرهم. وعلى القول الثّاني عكس عليهم ما ادّعوه من كلّ وجهٍ، وقد تقدّم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.
{فلا يؤمنون إلا قليلا} أي: مردت قلوبهم على الكفر والطّغيان وقلّة الإيمان). [تفسير القرآن العظيم: 2/447-448]

تفسير قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: "يعني أنّهم رموها بالزّنا". وكذا قال السّدّيّ، وجويبر، ومحمّد بن إسحاق وغير واحدٍ. وهو ظاهرٌ من الآية: أنّهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانيةً، وقد حملت بولدها من ذلك -زاد بعضهم: وهي حائضٌ -فعليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة). [تفسير القرآن العظيم: 2/448]

تفسير قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقولهم: {إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه} أي هذا الّذي يدّعي لنفسه هذا المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التّهكّم والاستهزاء، كقول المشركين: {يا أيّها الّذي نزل عليه الذّكر إنّك لمجنونٌ} [الحجر: 6].
وكان من خبر اليهود -عليهم لعائن اللّه وسخطه وغضبه وعقابه-أنّه لمّا بعث اللّه عيسى ابن مريم بالبيّنات والهدى، حسدوه على ما آتاه اللّه من النّبوّة والمعجزات الباهرات، الّتي كان يبرّئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه، ويصوّر من الطّين طائرًا ثمّ ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن اللّه، عزّ وجلّ، إلى غير ذلك من المعجزات الّتي أكرمه اللّه بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذّبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكلّ ما أمكنهم، حتّى جعل نبيّ اللّه عيسى، عليه السّلام، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السّياحة هو وأمّه، عليهما السّلام، ثمّ لم يقنعهم ذلك حتّى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزّمان -وكان رجلًا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملّته: اليونان-وأنهوا إليه: أنّ ببيت المقدس رجلًا يفتن النّاس ويضلّهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشّوك على رأسه، ويكفّ أذاه على النّاس. فلمّا وصل الكتاب امتثل متولّي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفةٌ من اليهود إلى المنزل الّذي فيه عيسى، عليه السّلام، وهو في جماعةٍ من أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر -وقيل: سبعة عشر نفرًا-وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السّبت، فحصروه هنالك. فلمّا أحسّ بهم وأنّه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم قال لأصحابه: أيّكم يلقى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنّة؟ فانتدب لذلك شابٌّ منهم، فكأنّه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانيةً وثالثةً وكلّ ذلك لا ينتدب إلّا ذلك الشّابّ -فقال: أنت هو-وألقى الله عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى عليه السّلام سنةٌ من النّوم، فرفع إلى السّماء وهو كذلك، كما قال [اللّه] تعالى: {إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ [ومطهّرك من الّذين كفروا]} الآية [آل عمران: 55].
فلمّا رفع خرج أولئك النّفر فلمّا رأى أولئك ذلك الشّاب ظنّوا أنّه عيسى، فأخذوه في اللّيل وصلبوه، ووضعوا الشّوك على رأسه، فأظهر اليهود أنّهم سعوا في صلبه وتبجّحوا بذلك، وسلّم لهم طوائف من النّصارى ذلك لجهلهم وقلّة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنّهم شاهدوا رفعه، وأمّا الباقون فإنّهم ظنّوا كما ظنّ اليهود أنّ المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتّى ذكروا أنّ مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنّه خاطبها، واللّه أعلم.
وهذا كلّه من امتحان اللّه عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح اللّه الأمر وجلّاه وبيّنه وأظهره في القرآن العظيم، الّذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيّد بالمعجزات والبيّنات والدّلائل الواضحات، فقال تعالى -وهو أصدق القائلين، وربّ العالمين، المطّلع على السّرائر والضّمائر، الّذي يعلم السّرّ في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون-: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم} أي: رأوا شبهه فظنّوه إيّاه؛ ولهذا قال: {وإنّ الّذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلا اتّباع الظّنّ [وما قتلوه يقينًا بل رفعه اللّه إليه]} يعني بذلك: من ادّعى قتله من اليهود، ومن سلّمه من جهّال النّصارى، كلّهم في شكٍّ من ذلك وحيرةٍ وضلالٍ وسعر. ولهذا قال: {وما قتلوه يقينًا} أي: وما قتلوه متيقّنين أنّه هو، بل شاكّين متوهّمين). [تفسير القرآن العظيم: 2/448-449]

تفسير قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزًا حكيمًا} أي منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه {حكيمًا} أي: في جميع ما يقدّره ويقضيه من الأمور الّتي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجّة الدّامغة، والسّلطان العظيم، والأمر القديم.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس قال: لمّا أراد اللّه أن يرفع عيسى إلى السّماء، خرج على أصحابه -وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريّين-يعني: فخرج عليهم من عينٍ في البيت، ورأسه يقطر ماءً، فقال: إنّ منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرّةً، بعد أن آمن بي. ثمّ قال: أيّكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شابٌّ من أحدثهم سنًّا، فقال له: اجلس. ثمّ أعاد عليهم فقام ذلك الشّابّ، فقال: اجلس. ثمّ أعاد عليهم فقام الشّابّ فقال: أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السّماء. قال: وجاء الطّلب من اليهود فأخذوا الشّبه فقتلوه، ثمّ صلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرّةً، بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرقٍ، فقالت طائفةٌ: كان اللّه فينا ما شاء ثمّ صعد إلى السّماء. وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقةٌ: كان فينا ابن اللّه ما شاء، ثمّ رفعه اللّه إليه. وهؤلاء النّسطوريّة، وقالت فرقةٌ: كان فينا عبد اللّه ورسوله ما شاء، ثمّ رفعه اللّه إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتّى بعث اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى ابن عبّاسٍ، ورواه النّسائيّ عن أبي كريب، عن أبي معاوية، بنحوه وكذا ذكر غير واحدٍ من السّلف أنّه قال لهم: أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنّة؟
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا يعقوب القمّي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبّه قال: أتي عيسى وعنده سبعة عشر من الحواريّين في بيتٍ وأحاطوا بهم. فلمّا دخلوا عليه صوّرهم اللّه، عزّ وجلّ، كلّهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا. ليبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنّكم جميعًا. فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنّة؟ فقال رجلٌ منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا عيسى -وقد صوّره اللّه على صورة عيسى-فأخذوه وقتلوه وصلبوه. فمن ثمّ شبّه لهم، فظنّوا أنّهم قد قتلوا عيسى، وظنّت النّصارى مثل ذلك أنّه عيسى، ورفع اللّه عيسى من يومه ذلك. وهذا سياقٌ غريبٌ جدًّا.قال ابن جريرٍ: وقد روي عن وهبٍ نحو هذا القول، وهو ما حدّثني به المثنّى، حدّثنا إسحاق، حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدّثني عبد الصّمد بن معقل: أنّه سمع وهبًا يقول: إنّ عيسى ابن مريم لمّا أعلمه اللّه أنّه خارجٌ من الدّنيا، جزع من الموت وشقّ عليه، فدعا الحواريّين فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني اللّيلة، فإنّ لي إليكم حاجةً. فلمّا اجتمعوا إليه من اللّيل عشّاهم وقام يخدمهم. فلمّا فرغوا من الطّعام أخذ يغسل أيديهم ويوضّئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من ردّ عليّ شيئًا اللّيلة ممّا أصنع، فليس منّي ولا أنا منه. فأقرّوه، حتّى إذا فرغ من ذلك قال: أمّا ما صنعت بكم اللّيلة، ممّا خدمتكم على الطّعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوةٌ، فإنّكم ترون أنّي خيركم، فلا يتعظّم بعضكم على بعضٍ، وليبذل بعضكم نفسه لبعضٍ، كما بذلت نفسي لكم. وأمّا حاجتي اللّيلة الّتي أستعينكم عليها فتدعون لي اللّه، وتجتهدون في الدّعاء أن يؤخّر أجلي. فلمّا نصبوا أنفسهم للدّعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النّوم حتّى لم يستطيعوا دعاءً، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان اللّه! أما تصبرون لي ليلةً واحدةً تعينونني فيها؟ قالوا: واللّه ما ندري ما لنا. لقد كنّا نسمر فنكثر السّمر، وما نطيق اللّيلة سمرا، وما نريد دعاءً إلّا حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالرّاعي وتفرّق الغنم. وجعل يأتي بكلامٍ نحو هذا ينعي به نفسه. ثمّ قال: الحقّ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الدّيك ثلاث مرّاتٍ، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريّين، وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه، ثمّ أخذه آخرون، فجحد كذلك. ثمّ سمع صوت ديكٍ فبكى وأحزنه، فلمّا أصبح أتى أحد الحواريّين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلّهم عليه، وكان شبّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون، له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشّيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشّوك، حتّى أتوا به الخشبة الّتي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه اللّه إليه، وصلبوا ما شبّه لهم فمكث سبعًا.
ثمّ إن أمّه والمرأة الّتي كان يداويها عيسى عليه السّلام، فأبرأها اللّه من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إنّي قد رفعني اللّه إليه، ولم يصبني إلّا خيرٌ، وإنّ هذا شبّه لهم فأمرا الحواريّين يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الّذي كان باعه ودلّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال: إنّه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه فقال: لو تاب لتاب اللّه عليه. ثمّ سألهم عن غلامٍ كاد يتبعهم، يقال له: يحيى، قال: هو معكم، فانطلقوا، فإنّه سيصبح كلّ إنسانٍ يحدّث بلغة قومه، فلينذرهم وليدعهم. سياقٌ غريبٌ جدًّا.
ثمّ قال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الّذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلًا منهم، يقال له: داود، فلمّا أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبدٌ من عباد اللّه بالموت -فيما ذكر لي-فظعه ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع اللّه في صرفه عنه دعاءه، حتّى إنّه ليقول -فيما يزعمون-"اللّهمّ إنّ كنت صارفًا هذه الكأس عن أحدٍ من خلقك فاصرفها عنّي" وحتّى إنّ جلده من كرب ذلك ليتفصّد دمًا. فدخل المدخل الّذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، عليه السّلام، فلمّا أيقن أنّهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريّين -وكانوا اثني عشر رجلًا فطرس ويعقوب بن زبدي ويحنّس أخو يعقوب، وأنداربيس، وفيلبس، وأبرثلما ومنى وتوماس، ويعقوب بن حلفيا، وتداوسيس، وقثانيا ويودس زكريّا يوطا.
قال ابن حميدٍ: قال سلمة، قال ابن إسحاق: وكان [فيهم فيما] ذكر لي رجلٌ اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلًا سوى عيسى، عليه السّلام، جحدته النّصارى، وذلك أنّه هو الّذي شبّه لليهود مكان عيسى [عليه السّلام] قال: فلا أدري ما هو؟ من هؤلاء الاثني عشر، أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقرّوا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنّهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنّهم دخلوا المدخل [حين دخلوا] وهم ثلاثة عشر.
قال ابن إسحاق: وحدّثني رجلٌ كان نصرانيًّا فأسلم: أنّ عيسى حين جاءه من اللّه {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ} قال: يا معشر الحواريّين، أيّكم يحبّ أن يكون رفيقي في الجنّة على أن يشبّه للقوم في صورتي، فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح اللّه. قال: فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورفع عيسى، عليه السّلام، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الّذي صلبوه وشبّه لهم به، وكانت عدّتهم حين دخلوا مع عيسى معلومةً، قد رأوهم وأحصوا عدّتهم. فلمّا دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى، فيما يرون وأصحابه، وفقدوا رجلًا من العدّة، فهو الّذي اختلفوا فيه وكانوا لا يعرفون عيسى، حتّى جعلوا ليودس زكريّا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلّهم عليه ويعرّفهم إيّاه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإنّي سأقبله، وهو الّذي أقبّل، فخذوه. فلمّا دخلوا وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل أنّه عيسى، فأكبّ عليه فقبّله فأخذوه فصلبوه.
ثمّ إن يودس زكريّا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبلٍ حتّى قتل نفسه، وهو ملعونٌ في النّصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النّصارى يزعم أنّ يودس زكريّا يوطا هو الّذي شبّه لهم، فصلبوه وهو يقول: "إنّي لست بصاحبكم. أنا الّذي دللتكم عليه". واللّه أعلم أيّ ذلك كان.
وقال ابن جريرٍ، عن مجاهدٍ: صلبوا رجلًا شبّهوه بعيسى، ورفع اللّه، عزّ وجلّ، عيسى إلى السّماء حيًّا.
واختار ابن جريرٍ أنّ شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه). [تفسير القرآن العظيم: 2/449-452]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا}
قال ابن جريرٍ: اختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به} يعني بعيسى {قبل موته} يعني: قبل موت عيسى-يوجه ذلك إلى أنّ جميعهم يصدّقون به إذا نزل لقتل الدّجّال، فتصير الملل كلّها واحدةً، وهي ملّة الإسلام الحنيفيّة، دين إبراهيم، عليه السّلام.
ذكر من قال ذلك:
حدّثنا ابن بشّارٍ، حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى ابن مريم. وقال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ مثل ذلك.
وقال أبو مالكٍ في قوله: {إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، عليه السّلام، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا آمن به.
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} يعني: اليهود خاصّةً. وقال الحسن البصريّ: يعني النّجاشيّ وأصحابه. ورواهما ابن أبي حاتمٍ.
وقال ابن جريرٍ: وحدّثني يعقوب، حدّثنا ابن عليّة، حدّثنا أبو رجاءٍ، عن الحسن: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: قبل موت عيسى. واللّه إنّه الآن حيٌّ عند اللّه، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عليّ بن عثمان اللّاحقيّ، حدّثنا جويريّة بن بشرٍ قال: سمعت رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيدٍ، قول اللّه، [عزّ وجلّ] {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: "قبل موت عيسى. إنّ اللّه رفع إليه عيسى [إليه] وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البرّ والفاجر".
وكذا قال قتادة، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحدٍ. وهذا القول هو الحقّ، كما سنبيّنه بعد بالدّليل القاطع، إن شاء اللّه، وبه الثّقة وعليه التّكلان.
قال ابن جريرٍ: وقال آخرون: معنى ذلك: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به} قبل موت الكتابيّ. ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنّه إذا عاين علم الحقّ من الباطل؛ لأنّ كلّ من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتّى يتبيّن له الحقّ من الباطل في دينه.
قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال لا يموت يهوديٌّ حتّى يؤمن بعيسى.
حدّثني المثنّى، حدّثنا أبو حذيفة، حدّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله: {إلا ليؤمننّ به قبل موته} كلّ صاحب كتابٍ يؤمن بعيسى قبل موته -قبل موت صاحب الكتاب-وقال ابن عبّاسٍ: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتّى يؤمن بعيسى.
حدّثنا ابن حميد، حدّثنا أبو نميلة يحيى بن واضحٍ، حدّثنا حسين بن واقدٍ، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: لا يموت اليهوديّ حتّى يشهد أنّ عيسى عبد اللّه ورسوله، ولو عجّل عليه بالسّلاح.
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد، حدّثنا عتّاب بن بشير عن خصيف، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: هي في قراءة أبيٍّ: {قبل موتهم} ليس يهوديٌّ يموت أبدًا حتّى يؤمن بعيسى. قيل لابن عبّاسٍ: أرأيت إن خرّ من فوق بيتٍ؟ قال: يتكلّم به في الهويّ. فقيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدٍ منهم؟ قال: يلجلج بها لسانه.
وكذا روى سفيان الثّوريّ عن خصيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت يهوديٌّ حتّى يؤمن بعيسى، عليه السّلام، وإنّ ضرب بالسيف تكلم به، قال: وإنّ هوى تكلّم [به] وهو يهوي.
وكذا روى أبو داود الطّيالسيّ، عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ. فهذه كلّها أسانيد صحيحةٌ إلى ابن عبّاسٍ، وكذا صحّ عن مجاهدٍ، وعكرمة، ومحمّد بن سيرين. وبه يقول الضّحّاك وجويبر، والسّدّيّ، وحكاه عن ابن عبّاسٍ، ونقل قراءة أبيّ بن كعبٍ: "قبل موتهم".
وقال عبد الرّزّاق، عن إسرائيل، عن فراتٍ القزّاز، عن الحسن في قوله: {إلا ليؤمننّ به قبل موته} قال: لا يموت أحدٌ منهم حتّى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.
وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدّم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء
قال ابن جريرٍ: وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل موت الكتابيّ.
ذكر من قال ذلك:
حدّثني ابن المثنّى، حدّثنا الحجّاج بن منهال، حدّثنا حمّادٌ، عن حميدٍ قال: قال عكرمة: لا يموت النّصرانيّ ولا اليهوديّ حتّى يؤمن بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته}
ثمّ قال ابن جريرٍ: وأولى هذه الأقوال بالصّحّة القول الأول، وهو أنّه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، عليه السّلام، إلّا آمن به قبل موته، أي قبل موت عيسى، عليه السّلام، ولا شكّ أنّ هذا الّذي قاله ابن جريرٍ، رحمه [اللّه] هو الصّحيح؛ لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلّم لهم من النّصارى الجهلة ذلك، فأخبر اللّه أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنّما شبّه لهم فقتلوا الشّبيه وهم لا يتبيّنون ذلك، ثمّ إنّه رفعه إليه، وإنّه باقٍ حيٌّ، وإنّه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلّت عليه الأحاديث المتواترة -الّتي سنوردها إن شاء اللّه قريبًا-فيقتل مسيح الضّلالة، ويكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية -يعني: لا يقبلها من أحدٍ من أهل الأديان، بل لا يقبل إلّا الإسلام أو السّيف-فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلّف عن التّصديق به واحدٌ منهم؛ ولهذا قال: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته} أي: قبل موت عيسى، الّذي زعم اليهود ومن وافقهم من النّصارى أنّه قتل وصلب.
{ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} أي: بأعمالهم الّتي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السّماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأمّا من فسّر هذه الآية بأنّ المعنى: أنّ كلّ كتابيٍّ لا يموت حتّى يؤمن بعيسى أو بمحمّدٍ، عليهما [الصّلاة و] والسّلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كلّ أحدٍ عند احتضاره يتجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في [أوّل] هذه السّورة: {وليست التّوبة للّذين يعملون السّيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن [ولا الّذين يموتون وهم كفّارٌ]} الآية [النّساء: 18] وقال تعالى: {فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنّا بالله وحده [وكفرنا بما كنّا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسنا]} الآيتين [غافرٍ: 84، 85] وهذا يدلّ على ضعف ما احتجّ به ابن جريرٍ في ردّ هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كلّ من آمن بمحمّدٍ أو بالمسيح، ممّن كفر بهما -يكون على دينهما، وحينئذٍ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنّه قد أخبر الصّادق أنّه يؤمن به قبل موته. فهذا ليس بجيّدٍ؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالةٍ لا ينفعه إيمانه أنّه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عبّاسٍ: ولو تردّى من شاهقٍ أو ضرب بسيفٍ أو افترسه سبع، فإنّه لا بدّ أن يؤمن بعيسى" فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافعٍ، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدّمناه، واللّه أعلم.
ومن تأهل هذا جيّدًا وأمعن النّظر، اتّضح له أنّ هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، عليه السّلام، وبقاء حياته في السّماء، وأنّه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذّب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنّصارى الّذين تباينت أقوالهم فيه وتضادّت وتعاكست وتناقضت، وخلت عن الحقّ، ففرّط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النّصارى: تنقّصه اليهود بما رموه به وأمّه من العظائم، وأطراه النّصارى بحيث ادّعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النّبوّة إلى مقام الرّبوبيّة، تعالى اللّه عن قول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزّه وتقدّس لا إله إلّا هو.
ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السّماء في آخر الزّمان قبل يوم القيامة، وأنّه يدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له:
قال البخاريّ، رحمه اللّه، في كتاب ذكر الأنبياء، من صحيحه المتلقّى بالقبول: (نزول عيسى ابن مريم-عليه السّلام): حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحدٌ، حتّى تكون السّجدة خيرًا من الدّنيا وما فيها". ثمّ يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا}
وكذا رواه مسلمٌ عن الحسن الحلواني وعبد بن حميدٍ كلاهما، عن يعقوب، به وأخرجه البخاريّ ومسلمٌ، أيضًا، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، به وأخرجاه من طريق اللّيث عن الزّهريّ به ورواه ابن مردويه من طريق محمّد بن أبي حفصة، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "يوشك أن يكون فيكم ابن مريم حكمًا عدلا يقتل الدّجّال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصّليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السّجدة واحدةً للّه ربّ العالمين". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل} موت عيسى ابن مريم، ثمّ يعيدها أبو هريرة ثلاث مرّاتٍ.
طريقٌ أخرى عن أبي هريرة: قال الإمام أحمد: حدّثنا روحٌ، حدّثنا محمّد بن أبي حفصة، عن الزّهري، عن حنظلة بن عليٍّ الأسلميّ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "ليهلّن عيسى ابن مريم بفجّ الرّوحاء بالحجّ أو العمرة أو ليثنّينّهما جميعًا".
وكذا رواه مسلمٌ منفردًا به من حديث سفيان بن عيينة، واللّيث بن سعدٍ، ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزّهريّ به.
وقال أحمد: حدّثنا يزيد، حدّثنا سفيان -هو ابن حسينٍ-عن الزّهريّ، عن حنظلة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصّليب، وتجمع له الصّلاة، ويعطي المال حتّى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الرّوحاء فيحجّ منها أو يعتمر أو يجمعهما" قال: وتلا أبو هريرة: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته [ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا]} فزعم حنظلة أنّ أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كلّه حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو شيءٌ قاله أبو هريرة.
وكذا رواه ابن أبي حاتمٍ، عن أبيه، عن أبي موسى محمّد بن المثنّى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسينٍ عن الزّهريّ، به.
طريقٌ أخرى: قال البخاريّ: حدّثنا ابن بكير، حدّثنا اللّيث، عن يونس، عن ابن شهابٍ، عن نافعٍ مولى أبي قتادة الأنصاريّ؛ أنّ أبا هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "كيف أنتم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم؟ " تابعه عقيلٌ والأوزاعيّ.
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عبد الرّزّاق، عن معمر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئبٍ، كلاهما عن الزّهريّ، به. وأخرجه مسلمٌ من رواية يونس والأوزاعيّ وابن أبي ذئبٍ، به.
طريقٌ أخرى: قال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا همّام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة؛ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال: "الأنبياء إخوةٌ لعلات أمّهاتهم شتّى ودينهم واحدٌ، وإنّي أولى النّاس بعيسى ابن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنّه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوعٌ إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصّران، كأنّ رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو النّاس إلى الإسلام، ويهلك اللّه في زمانه الملل كلّها إلّا الإسلام، ويهلك اللّه في زمانه المسيح الدّجّال، ثمّ تقع الأمنة على الأرض، حتّى ترتع الأسود مع الإبل، والنّمار مع البقر، والذّئاب مع الغنم، ويلعب الصّبيان بالحيّات لا تضرّهم، فيمكث أربعين سنةً، ثمّ يتوفى ويصلّي عليه المسلمون".
وكذا رواه أبو داود، عن هدبة بن خالدٍ، عن همّام بن يحيى. رواه ابن جريرٍ -ولم يورد عند هذه الآية سواه-عن بشر بن معاذٍ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة -كلاهما عن قتادة، عن عبد الرّحمن بن آدم-وهو مولى أمّ برثن -صاحب السّقاية، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر نحوه، وقال: فيقاتل النّاس على الإسلام.
وقد روى البخاريّ، عن أبي اليمان، عن شعيبٍ، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "أنا أولى النّاس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علّاتٍ، ليس بيني وبينه نبيٌّ".
ثمّ روى عن محمّد بن سنان: عن فليح بن سليمان، عن هلال بن عليٍّ، عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم "أنا أولى النّاس بعيسى ابن مريم في الدّنيا والآخرة، والأنبياء إخوةٌ لعلّاتٍ، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحدٌ" وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليمٍ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم..
حديثٌ آخر: قال مسلمٌ في صحيحه: حدّثني زهير بن حربٍ، حدّثنا معلى بن منصورٍ، حدّثنا سليمان بن بلالٍ، حدّثنا سهيلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الرّوم بالأعماق -أو بدابقٍ-فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافّوا قال الرّوم: خلوا بيننا وبين الّذين سبوا منّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا واللّه لا نخلّي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلثٌ لا يتوب اللّه عليهم أبدًا، ويقتل ثلثه أفضل الشهداء عند الله [عز وجل] ويفتح الثّلث لا يفتنون أبدًا فيفتتحون قسطنطينيّة، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علّقوا سيوفهم بالزّيتون، إذ صاح فيهم الشّيطان: إنّ المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطلٌ. فإذا جاؤوا الشّام خرج، فبينما هم يعدّون للقتال: يسوّون الصّفوف، إذ أقيمت الصّلاة، فينزل عيسى ابن مريم فأمّهم فإذا رآه عدوّ اللّه ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتّى يهلك ولكن يقتله اللّه بيده، فيريهم دمه في حربته".
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا هشيم، عن العوّام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعودٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، عليه السّلام، فتذاكروا أمر السّاعة، فردّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردّوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردّوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أمّا وجبتها فلا يعلم بها أحدٌ إلّا اللّه، وفيما عهد إليّ ربّي -عزّ وجل-أنّ الدّجّال خارجٌ قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرّصاص قال: فيهلكه اللّه إذا رآني حتّى إنّ الحجر والشّجر يقول: يا مسلم، إنّ تحتي كافرًا فتعال فاقتله: قال: فيهلكهم اللّه، ثمّ يرجع النّاس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيءٍ إلّا أهلكوه، ولا يمرّون على ماءٍ إلّا شربوه، قال: ثمّ يرجع النّاس إليّ يشكونهم، فأدعو اللّه عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتّى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل اللّه المطر، فيجترف أجسادهم حتّى نقذفهم في البحر، ففيما عهد إليّ ربّي -عزّ وجلّ-أنّ ذلك إذا كان كذلك أنّ السّاعة كالحامل المتمّ، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلًا أو نهارًا.
رواه ابن ماجه، عن محمّد بن بشّار، عن يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، به نحوه.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيدٍ، عن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعةٍ؛ لنعرض عليه مصحفًا لنا على مصحفه، فلمّا حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثمّ أتينا بطيبٍ فتطيّبنا، ثمّ جئنا المسجد فجلسنا إلى رجلٍ، فحدّثنا عن الدّجّال، ثمّ جاء عثمان بن أبي العاص فقمنا إليه، فجلسنا فقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "يكون للمسلمين ثلاثة أمصارٍ: مصرٌ بملتقى البحرين، ومصرٌ بالحيرة، ومصرٌ بالشّام. فيفزع النّاس ثلاث فزعاتٍ، فيخرج الدّجّال في أعراض النّاس، فيهزم من قبل المشرق، فأوّل مصرٍ يرده المصر الّذي بملتقى البحرين، فيصير أهلهم ثلاث فرقٍ: فرقةٌ تقيم تقول: نشامه ننظر ما هو؟ وفرقةٌ تلحق بالأعراب، وفرقةٌ تلحق بالمصر الّذي يليهم. ومع الدّجّال سبعون ألفًا عليهم السّيجان وأكثر من معه اليهود والنّساء، ثمّ يأتي المصر الّذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرقٍ: فرقةٌ تقول: نشامّه وننظر ما هو؟ وفرقةٌ تلحق بالأعراب، وفرقةٌ تلحق بالمصر الّذي يليهم بغرب الشّام وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق فيبعثون سرحًا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتدّ ذلك عليهم وتصيبهم مجاعةٌ شديدةٌ وجهدٌ شديدٌ، حتّى إنّ أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من السّحر: "يا أيّها النّاس، أتاكم الغوث ثلاثًا" فيقول بعضهم لبعضٍ: إنّ هذا لصوت رجلٍ شبعان، وينزل عيسى ابن مريم، عليه السّلام، عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: روح اللّه، تقدّم صلّ. فيقول: هذه الأمّة أمراء، بعضهم على بعضٍ. فيتقدّم أميرهم فيصلّي، فإذا قضى صلاته أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدّجال، فإذا رآه الدّجّال ذاب كما يذوب الرّصاص، فيضع حربته بين ثندوته فيقتله وينهزم أصحابه، فليس يومئذٍ شيءٌ يواري أحدًا، حتّى إنّ الشّجرة لتقول: يا مؤمن، هذا كافرٌ. ويقول الحجر: يا مؤمن، هذا كافرٌ". تفرّد به أحمد من هذا الوجه.
حديثٌ آخر: قال أبو عبد اللّه محمّد بن يزيد بن ماجه في سننه المشهورة: حدّثنا عليّ بن محمّد، حدّثنا عبد الرّحمن المحاربيّ، عن إسماعيل بن رافعٍ أبي رافعٍ، عن أبي زرعة الشّيبانيّ يحيى بن أبي عمرٍو، عن أبي أمامة الباهليّ قال: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فكان أكثر خطبته حديثًا حدّثناه عن الدّجّال، وحذّرناه، فكان من قوله أن قال: "لم تكن فتنةٌ في الأرض، منذ ذرأ اللّه ذرّية آدم، عليه السّلام، أعظم من فتنة الدّجّال، وإنّ اللّه لم يبعث نبيًّا إلّا حذّر أمّته الدّجّال. وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارجٌ فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيجٌ لكلّ مسلمٍ، وإن يخرج من بعدي فكلٌّ [امرئ] حجيج نفسه، واللّه خليفتي على كلّ مسلمٍ وإنّه يخرج من خلّة بين الشّام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".
" [ألا] يا عباد اللّه، أيّها النّاس، فاثبتوا. وإنّي سأصفه لكم صفةً لم يصفها إيّاه نبيٌّ قبلي: إنّه يبدأ فيقول أنا نبيٌّ" فلا نبيّ بعدي، ثمّ يثنّي فيقول: "أنا ربّكم"، ولا ترون ربّكم حتّى تموتوا. وإنّه أعور وإنّ ربّكم، عزّ وجلّ، ليس بأعور، وإنّه مكتوبٌ بين عينيه: كافرٌ، يقرؤه كلّ مؤمنٍ، كاتبٍ وغير كاتبٍ. وإنّ من فتنته أنّ معه جنّةً ونارًا، فناره جنّةٌ وجنّته نارٌ. فمن ابتلي بناره فليستغث باللّه وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا، كما كانت النّار على إبراهيم [عليه السّلام] وإنّ من فتنته أن يقول لأعرابيّ: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمّك أتشهد أنّي ربّك؟ فيقول: نعم. فيتمثّل له شيطانان في صورة أبيه وأمّه، فيقولان: يا بنيّ، اتّبعه، فإنّه ربّك. وإنّ من فتنته أن يسلّط على نفسٍ واحدةٍ فيقتلها وينشرها بالمنشار، حتّى يلقى شقّين ثمّ يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإنّي أبعثه الآن، ثمّ يزعم أنّ له ربًّا غيري. فيبعثه اللّه، فيقول له الخبيث: من ربّك، فيقول: ربّي اللّه. وأنت عدوّ اللّه، الدّجّال، واللّه ما كنت بعد أشدّ بصيرةً بك مني اليوم". قال أبو حسن الطّنافسيّ: فحدّثنا المحاربيّ، حدّثنا عبيد اللّه بن الوليد الوصّافيّ، عن عطيّة، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ذلك الرّجل أرفع أمّتي درجةً في الجنّة".
قال: قال أبو سعيدٍ: واللّه ما كنّا نرى ذلك الرّجل إلّا عمر بن الخطّاب، حتّى مضى لسبيله.
قال المحاربيّ: ثمّ رجعنا إلى حديث أبي رافعٍ قال: وإنّ من فتنته أن يأمر السّماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت، [وإنّ من فتنته أن يمر بالحيّ فيكذّبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلّا هلكت] وإنّ من فتنته أن يمرّ بالحيّ فيصدّقونه، فيأمر السّماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت. حتّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمدّه خواصر، وأدرّه ضروعا، وإنّه لا يبقى شيءٌ من الأرض إلّا وطئه وظهر عليه، إلّا مكّة والمدينة، فإنّه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلّا لقيته الملائكة بالسّيوف صلتة، حتّى ينزل عند الظّريب الأحمر، عند منقطع السّبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافقٌ ولا منافقةٌ إلّا خرج إليه، فتنفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص.
فقالت أمّ شريك بنت أبي العكر يا رسول اللّه، فأين العرب يومئذٍ؟ قال: "هم قليلٌ، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجلٌ صالحٌ، فبينما إمامهم قد تقدّم يصلي بهم الصّبح إذ نزل [عليهم] عيسى [ابن مريم] عليه السّلام، الصّبح، فرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى؛ ليقدّم عيسى يصلّي بالنّاس، فيضع عيسى، عليه السّلام، يده بين كتفيه ثمّ يقول: تقدّم فصلّ، فإنّها لك أقيمت. فيصلّي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى، عليه السّلام: افتحوا الباب. فيفتح، ووراءه الدّجّال، معه سبعون ألف يهوديٍّ كلّهم ذو سيفٍ محلًّى وساجٍ، فإذا نظر إليه الدّجّال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى [عليه السّلام] إن لي فيك ضربة لن تستبقني بها. فيدركه عند باب لدّ الشّرقيّ، فيقتله، ويهزم اللّه اليهود، فلا يبقى شيءٌ ممّا خلق اللّه تعالى يتوارى به اليهوديّ إلّا أنطق اللّه ذلك الشّيء، لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابّة -إلّا الغرقدة فإنّها من شجرهم لا تنطق-إلّا قال: يا عبد اللّه المسلم، هذا يهوديٌّ، فتعال اقتله.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "وإنّ أيّامه أربعون سنةً، السّنة كنصف السّنة، والسّنة كالشّهر، والشّهر كالجمعة، وآخر أيّامه كالشّررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتّى يمسي". فقيل له: يا نبيّ اللّه كيف نصلّي، في تلك الأيّام القصار؟ قال: "تقدّرون فيها الصّلاة كما تقدّرون في هذه الأيّام الطّوال. ثمّ صلّوا".
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "فيكون عيسى ابن مريم في أمّتي حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطا، يدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصّدقة، فلا يسعى على شاةٍ ولا بعيرٍ، وترتفع الشّحناء والتّباغض، وتنزع حمة كلّ ذات حمةٍ، حتّى يدخل الوليد يده في الحيّة فلا تضرّه، وتفرّ الوليدة الأسد فلا يضرّها، ويكون الذّئب في الغنم كأنّه كلبها، وتملأ الأرض من السّلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً، فلا يعبد إلّا اللّه، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريشٌ ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضّة تنبت نباتها كعهد آدم، حتّى يجتمع النّفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النّفر على الرّمّانة فتشبعهم، ويكون الثّور بكذا وكذا، من المال، ويكون الفرس بالدّريهمات.
قيل: يا رسول اللّه، وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحربٍ أبدًا" قيل له: فما يغلي الثّور؟ قال: "تحرث الأرض كلّها".
وإنّ قبل خروج [الدّجّال] ثلاث سنواتٍ شدادٍ، يصيب النّاس فيها جوعٌ شديدٌ، يأمر اللّه السّماء في السّنة [الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثمّ يأمر السّماء في الثّانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثمّ يأمر اللّه السّماء في السّنة] الثّالثة فتحبس مطرها كلّه، فلا تقطر قطرةً، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كلّه، فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلّا هلكت، إلّا ما شاء اللّه".
فقيل: فما يعيش النّاس في ذلك الزّمان؟ قال: "التّهليل والتّكبير والتّسبيح والتّحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطّعام".
قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطّنافسي يقول: سمعت عبد الرّحمن المحاربيّ يقول: ينبغي أنّ يدفع هذا الحديث إلى المؤدّب، حتّى يعلّمه الصّبيان في الكتّاب.
هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر؛ ولنذكر حديث النّوّاس بن سمعان هاهنا لشبهه بسياقه هذا الحديث، قال مسلم بن الحجّاج في صحيحه:
حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حربٍ، حدّثنا الوليد بن مسلمٍ، حدّثني عبد الرّحمن بن يزيد بن جابرٍ، حدّثني يحيى بن جابرٍ الطّائيّ قاضي حمص، حدّثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرميّ أنّه سمع النّوّاس بن سمعان الكلابيّ (ح) وحدّثنا محمّد بن مهران الرّازّيّ، حدّثنا الوليد بن مسلمٍ، حدّثنا عبد الرّحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن يحيى بن جابرٍ الطّائيّ، عن عبد الرّحمن بن جبيرٍ، عن أبيه جبير، بن نفير، عن النّوّاس بن سمعان قال: ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الدّجّال ذات غداةٍ، فخفّض فيه ورفّع، حتّى ظننّاه في طائفة النّخل، فلمّا رحلنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول اللّه، ذكرت الدّجّال غداةً فخفّضت فيه ورفّعت حتّى ظننّاه في طائفة النّخل فقال: "غير الدّجّال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤٌ حجيج نفسه، واللّه خليفتي على كلّ مسلمٍ: إنّه شابٌّ قطط عينه طافيةٌ، كأنّي أشبّهه بعبد العزّى بن قطن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنّه خارج خلّة بين الشّام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا. يا عباد اللّه، فاثبتوا": قلنا: يا رسول اللّه، وما لبثته في الأرض؟ قال: "أربعين يومًا، يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسائر أيامه كأيّامكم".
قلنا: يا رسول اللّه، فذلك اليوم الّذي كسنةٍ أتكفينا فيه صلاة يومٍ؟ قال: "لا اقدروا له قدره". قلنا: يا رسول اللّه، وما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الرّيح، فيأتي على قومٍ فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذري، وأسبغه ضروعا، وأمدّه خواصر، ثمّ يأتي القوم فيدعوهم، فيردّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم. ويمرّ بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النّحل. ثمّ يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسّيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثمّ يدعوه فيقبل ويتهلّل وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث اللّه المسيح ابن مريم، عليه السّلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللّؤلؤ، ولا يحل لكافرٍ يجد ريح نفسه إلّا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطليه حتّى يدركه بباب لدّ فيقتله.
ثمّ يأتي عيسى، عليه السّلام، قومًا قد عصمهم اللّه منه فيمسح عن وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم في الجنّة، فبينما هو كذلك إذ أوحى اللّه، عزّ وجلّ، إلى عيسى إنّي قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطّور.
ويبعث اللّه يأجوج ومأجوج وهم من كلّ حدب ينسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرّة ماءٌ. ويحصر نبيّ اللّه عيسى وأصحابه، حتّى يكون رأس الثّور لأحدهم خيرًا من مائة دينارٍ لأحدكم اليوم، فيرغب نبيّ اللّه عيسى وأصحابه، فيرسل اللّه عليهم النّغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفسٍ واحدةٍ.
ثمّ يهبط نبيّ اللّه عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبرٍ إلّا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبيّ اللّه عيسى وأصحابه إلى اللّه، فيرسل اللّه طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء اللّه.
ثمّ يرسل اللّه مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتّى يتركها كالزلفة، ثمّ يقال للأرض: أخرجي ثمرك وردّي بركتك. فيومئذٍ تأكل العصابة من الرّمّانة، ويستظلّون بقحفها، ويبارك اللّه في الرّسل حتّى إنّ اللّقحة من الإبل لتكفي الفئام من النّاس واللّقحة من الفم لتكفي الفخذ من النّاس، فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه ريحًا طيّبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض الله روح كلّ مؤمنٍ وكلّ مسلمٍ، ويبقى شرار النّاس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم السّاعة".
ورواه الإمام أحمد وأهل السّنن من حديث عبد الرّحمن بن يزيد بن جابرٍ، به. وسنذكره أيضًا من طريق أحمد، عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: {حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج [وهم من كل حدبٍ ينسلون]} [الأنبياء: 96].
حديثٌ آخر: قال مسلمٌ في صحيحه أيضًا: حدّثنا عبيد اللّه بن معاذ بن معاذٍ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن النّعمان بن سالمٍ قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعودٍ الثّقفيّ يقول: سمعت عبد اللّه بن عمرٍو -وجاءه رجلٌ فقال-: ما هذا الحديث الّذي تحدث به تقول: إنّ السّاعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان اللّه؟! -أو: لا إله إلّا اللّه، أو كلمةً نحوها-لقد هممت ألّا أحدّث أحدًا شيئًا أبدًا، إنّما قلت:إنّكم سترون بعد قليلٍ أمرًا عظيمًا: يحرّق البيت، ويكون ويكون. ثمّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "يخرج الدّجّال في أمّتي، فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا، فيبعث اللّه تعالى عيسى ابن مريم، كأنّه عروة بن مسعودٍ، فيطلبه فيهلكه، ثمّ يمكث النّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوةٌ، ثمّ يرسل اللّه ريحًا باردةً من قبل الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّةٍ من خيرٍ -أو إيمانٍ-إلّا قبضته، حتّى لو أنّ أحدكم دخل في كبد جبلٍ لدخلته عليه حتّى تقبضه" قال: سمعتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "فيبقى شرار النّاس في خفّة الطّير وأحلام السّباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثّل لهم الشّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم، حسنٌ عيشهم. ثمّ ينفخ في الصّور فلا يسمعه أحدٌ إلّا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا، قال: وأوّل من يسمعه رجلٌ يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق النّاس. ثمّ يرسل اللّه -أو قال: ينزل اللّه-مطرًا كأنّه الطّل -أو قال: الظّلّ-نعمان الشّاكّ -فتنبت منه أجساد النّاس، ثمّ ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون. ثمّ يقال: يا أيّها النّاس، هلمّوا إلى ربّكم، {وقفوهم إنّهم مسئولون} [الصّافّات: 24] قال: "ثمّ يقال: أخرجوا بعث النّار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كلّ ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعين". قال {يجعل الولدان شيبًا} [المزّمّل:17] وذلك {يوم يكشف عن ساقٍ} [القلم: 42].
ثمّ رواه مسلمٌ والنّسائيّ في تفسيره جميعًا عن محمّد بن بشّارٍ، عن غندر، عن شعبة، عن النّعمان بن سالمٍ، به.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن ثعلبة الأنصاريّ، عن عبد اللّه بن يزيد الأنصاريّ، عن مجمّع بن جارية قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "يقتل ابن مريم المسيح الدّجّال بباب لدّ -أو: إلى جانب لدّ".
ورواه أحمد أيضًا، عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزّهري، عن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن ثعلبة، عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عمه مجمّع ابن جارية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "يقتل ابن مريم الدّجّال بباب لد".
وكذا رواه التّرمذيّ، عن قتيبة، عن اللّيث، به. وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. قال: وفي الباب عن عمران بن حصينٍ، ونافع بن عتبة، وأبي برزة، وحذيفة بن أسيدٍ، وأبي هريرة. وكيسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابرٍ، وأبي أمامة، وابن مسعودٍ، وعبد اللّه بن عمرٍو، وسمرة بن جندب، والنّوّاس بن سمعان، وعمرو بن عوفٍ، وحذيفة بن اليمان، رضي اللّه عنهم .
ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدّجّال. وقتل عيسى ابن مريم، عليه السّلام، له. فأمّا أحاديث ذكر الدّجّال فقط فكثيرةٌ جدًّا، وهي أكثر من أن تحصر؛ لانتشارها وكثرة رواتها في الصّحاح والحسان والمسانيد، وغير ذلك.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا سفيان، عن فرات، عن أبي الطّفيل، عن حذيفة بن أسيدٍ الغفاري قال: أشرف علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غرفةٍ ونحن نتذاكر السّاعة، فقال: "لا تقوم السّاعة حتّى ترون عشر آياتٍ: طلوع الشّمس من مغربها، والدّخان، والدّابّة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدّجّال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب. ونارٌ تخرج من قعر عدن، تسوق -أو تحشر-النّاس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا".
وهكذا رواه مسلمٌ وأهل السّنن من حديث فرات القزّاز به. ورواه مسلمٌ أيضًا من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطّفيل عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاريّ، موقوفًا واللّه أعلم.
فهذه أحاديث متواترةٌ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من رواية أبي هريرة، وابن مسعودٍ، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنّوّاس بن سمعان، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، ومجمّع بن جارية وأبي سريحة وحذيفة بن أسيد، رضي اللّه عنهم.
وفيها دلالةٌ على صفة نزوله ومكانه، من أنّه بالشّام، بل بدمشق، عند المنارة الشّرقيّة، وأنّ ذلك يكون عند إقامة الصّلاة للصّبح وقد بنيت في هذه الأعصار، في سنة إحدى وأربعين وسبعمائةٍ منارةٌ للجامع الأمويّ بيضاء، من حجارةٍ منحوتةٍ، عوضا عن المنارة الّتي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النّصارى -عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة-وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظّنون أنّها هي الّتي ينزل عليها [المسيح] عيسى ابن مريم، عليه السّلام، فيقتل الخنزير، ويكسر الصّليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلّا الإسلام كما تقدّم في الصّحيحين، وهذا إخبارٌ من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، وتقريرٌ وتشريعٌ وتسويغٌ له على ذلك في ذلك الزّمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم؛ ولهذا كلّهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى، عليه السّلام، وعلى يديه؛ ولهذا قال تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته [ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا]}.
وهذه الآية كقوله [تعالى] {وإنّه لعلمٌ للسّاعة} [الزّخرف: 61] وقرئ: "علم" بالتّحريك، أي إشارةٌ ودليلٌ على اقتراب السّاعة، وذلك لأنّه ينزل بعد خروج المسيح الدّجّال، فيقتله اللّه على يديه، كما ثبت في الصّحيح: "إنّ اللّه لم يخلق داءً إلّا أنزل له شفاءً" ويبعث اللّه في أيّامه يأجوج ومأجوج، فيهلكهم اللّه [به] ببركة دعائه، وقد قال تعالى: {حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ ينسلون. واقترب الوعد الحقّ} الآية [الأنبياء: 96، 97].
صفة عيسى عليه السّلام:
قد تقدّم في حديث عبد الرّحمن بن آدم، عن أبي هريرة [رضي اللّه عنه] فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوعٌ إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصّران، كأنّ رأسه يقطر وإن لم يصبه بللٌ". وفي حديث النّوّاس بن سمعان: "فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق، بين مهرودتين واضعًا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه مثل جمان اللّؤلؤ، ولا يحلّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلّا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه".
وروى البخاريّ ومسلمٌ، من طريق الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ليلة أسري بي لقيت موسى"، قال: فنعته "فإذا رجلٌ -حسبته قال:-مضطربٌ رجل الرّأس، كأنّه من رجال شنوءة". قال: "ولقيت عيسى" فنعته النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "ربعة أحمر، كأنّما خرج من ديماسٍ -يعني الحمّام-ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به" الحديث.
وروى البخاريّ، من حديث مجاهدٍ، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "رأيت موسى وعيسى وإبراهيم، فأمّا عيسى فأحمر جعد عريض الصّدر، وأمّا موسى فآدم جسيمٌ سبطٌ، كأنّه من رجال الزّط".
وله ولمسلمٍ من طريق موسى بن عقبة، عن نافعٍ قال: قال عبد اللّه بن عمر: ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يومًا بين ظهراني النّاس المسيح الدّجّال فقال: "إنّ اللّه ليس بأعور، ألا إنّ المسيح الدّجّال أعور العين اليمنى، كأنّ عينه عنبةٌ طافيةٌ وأراني اللّه عند الكعبة في المنام، فإذا رجلٌ آدم، كأحسن ما ترى من أدم الرّجال، تضرب لمّته بين منكبيه، رجل الشّعر، يقطر رأسه ماءً، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح ابن مريم ثمّ رأيت وراءه رجلًا جعدًا قططًا، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعًا يديه على منكبي رجلٍ يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدّجّال". تابعه عبيد اللّه عن نافعٍ.
ثمّ رواه البخاريّ عن أحمد بن محمّدٍ المكّي، عن إبراهيم بن سعدٍ، عن الزّهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه قال: لا واللّه ما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه سلّم لعيسى [عليه السّلام] أحمر، ولكن قال: "بينما أنا نائمٌ أطوف بالكعبة، فإذا رجلٌ آدم سبط الشّعر، يتهادى بين رجلين ينطف رأسه ماءً -أو يهراق رأسه ماءً-فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن مريم. فذهبت ألتفت، فإذا رجلٌ أحمر جسيمٌ، جعد الرّأس، أعور عينه اليمنى، كأنّ عينه عنبةٌ طافيةٌ. قلت: من هذا؟ قالوا: الدّجّال. وأقرب النّاس به شبهًا ابن قطن". قال الزّهريّ: رجلٌ من خزاعة هلك في الجاهليّة.
هذه كلّها ألفاظ البخاريّ، رحمه اللّه، وقد تقدّم في حديث عبد الرّحمن بن آدم عن أبي هريرة: أنّ عيسى، عليه السّلام، يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنةً، ثمّ يتوفى ويصلّي عليه المسلمون.
وفي حديث عبد اللّه بن عمرٍو عند مسلمٍ: أنّه يمكث سبع سنين، فيحتمل -واللّه أعلم-أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنةً، مجموع إقامته فيها قبل رفعه وبعد نزوله، فإنّه رفع وله ثلاثٌ وثلاثون سنةً في الصّحيح، وقد ورد ذلك في حديثٍ في صفة أهل الجنّة: أنّهم على صورة آدم وميلاد عيسى ثلاثٍ وثلاثين سنةً. وأمّا ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنّه رفع وله مائةٌ وخمسون سنةً، فشاذٌّ غريبٌ بعيدٌ. وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه، عن بعض السّلف: أنّه يدفن مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حجرته، فاللّه أعلم.
وقوله تعالى: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} قال قتادة: يشهد عليهم أنّه قد بلّغهم الرّسالة من اللّه، وأقرّ بالعبوديّة للّه عزّ وجلّ، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: {وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس [اتّخذوني وأمّي إلهين من دون اللّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيءٍ شهيدٌ. إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت] العزيز الحكيم} [المائدة: 116 -118] ). [تفسير القرآن العظيم: 2/452-467]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة