العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12 ربيع الثاني 1434هـ/22-02-2013م, 01:06 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (144) إلى الآية (147) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (144) إلى الآية (147) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 07:49 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) )

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا}
وهذا نهي من اللّه عباده المؤمنين أن يتخلّقوا بأخلاق المنافقين الّذين يتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه. يقول لهم جلّ ثناؤه: يا أيّها الّذين آمنوا باللّه ورسوله، لا توالوا الكفّار فتؤازروهم من دون أهل ملّتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجب له النّار من المنافقين.
ثمّ قال جلّ ثناؤه متوعّدًا من اتّخذ منهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن هو لم يرتدع عن موالاته وينزجر عن مخالفته أن يلحقه بأهل ولايتهم من المنافقين الّذين أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتبشيرهم بأنّ لهم عذابًا أليمًا: أتريدون أيّها المتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ممّن قد آمن بي وبرسولي أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا، يقول: حجّةً باتّخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فتستوجبوا منه ما استوجبه أهل النّفاق الّذين وصف لكم صفتهم وأخبركم بمحلّهم عنده {مبينًا} يعني:يبين عن صحّتها وحقّيتها، يقول: لا تعرّضوا لغضب اللّه بإيجابكم الحجّة على أنفسكم في تقدّمكم على ما نهاكم ربّكم من موالاة أعدائه وأهل الكفر به.
وبمثل الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا} قال: إنّ للّه السّلطان على خلقه، ولكنّه يقول عذرًا مبينًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن رجلٍ، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن من سلطانٍ فهو حجّةٌ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {سلطانًا مبينًا} قال: حجّةٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله). [جامع البيان: 7/617-619]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا (144)
قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين
- حدّثنا أبي، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قوله: سلطانًا مبينًا قال: كلّ سلطانٍ في القرآن حجّةٌ.
وروي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وعكرمة، ومحمّد بن كعبٍ والضّحّاك والسّدّيّ، والنّضر بن عربيٍّ مثل ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ عن قتادة أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا وأنّ للّه السّلطان على خلقه ولكن يقول: عذرا مبينا). [تفسير القرآن العظيم: 4/1097]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا يعني حجة بينة). [تفسير مجاهد: 179]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} قال: إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول: عذرا مبينا.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة). [الدر المنثور: 5/85]

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدّثني اللّيث بن سعد قال: تلا عبد الله ابن مسعودٍ هذه الآية: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النار}، قال: وما هو إلا ذاك، فقالوا: فماذا يا أبا عبد الرّحمن، قال: هم في توابيت من حديدٍ، مبهمةٌ عليهم). [الجامع في علوم القرآن: 2/116]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب (إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار)
وقال ابن عبّاسٍ: " أسفل النّار، {نفقًا} [الأنعام: 35]:سربًا "
- حدّثنا عمر بن حفصٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، قال: حدّثني إبراهيم، عن الأسود، قال: كنّا في حلقة عبد اللّه فجاء حذيفة حتّى قام علينا فسلّم، ثمّ قال: «لقد أنزل النّفاق على قومٍ خيرٍ منكم» ، قال الأسود: سبحان اللّه إنّ اللّه يقول: (إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار) ، فتبسّم عبد اللّه، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد اللّه فتفرّق أصحابه، فرماني بالحصا، فأتيته، فقال حذيفة: «عجبت من ضحكه، وقد عرف ما قلت، لقد أنزل النّفاق على قومٍ كانوا خيرًا منكم ثمّ تابوا، فتاب اللّه عليهم»). [صحيح البخاري: 6/49]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار)
كذا لأبي ذرٍّ وسقط لغيره باب قوله قال بن عبّاس أسفل النّار وصله بن أبي حاتمٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ قال الدّرك الأسفل أسفل النّار قال العلماء عذاب المنافق أشدّ من عذاب الكافر لاستهزائه بالدّين). [فتح الباري: 8/266]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( [4602] قوله إبراهيم هو النّخعيّ والأسود خاله وهو بن يزيد النّخعيّ قوله كنّا في حلقة عبد الله يعني بن مسعود قوله فجاء حذيفة هو بن اليمان قوله لقد أنزل النّفاق على قومٍ خيرٍ منكم أي ابتلوا به لأنّهم كانوا من طبقة الصّحابة فهم خيرٌ من طبقة التّابعين لكنّ اللّه ابتلاهم فارتدّوا ونافقوا فذهبت الخيريّة منهم ومنهم من تاب فعادت له الخيريّة فكأنّ حذيفة حذّر الّذين خاطبهم وأشار لهم أن لا يغترّوا فإنّ القلوب تتقلّب فحذّرهم من الخروج من الإيمان لأنّ الأعمال بالخاتمة وبيّن لهم أنّهم وإن كانوا في غاية الوثوق بإيمانهم فلا ينبغي لهم أن يأمنوا مكر اللّه فإنّ الطّبقة الّذين من قبلهم وهم الصّحابة كانوا خيرًا منهم ومع ذلك وجد بينهم من ارتدّ ونافق فالطّبقة الّتي هي من بعدهم أمكن من الوقوع في مثل ذلك وقوله فتبسّم عبد اللّه كأنّه تبسّم تعجّبًا من صدق مقالته قوله فرماني أي حذيفة رمى الأسود يستدعيه إليه قوله عجبت من ضحكه أي من اقتصاره على ذلك وقد عرف ما قلت أي فهم مرادي وعرف أنّه الحقّ قوله ثمّ تابوا فتاب اللّه عليهم أي رجعوا عن النّفاق ويستفاد من حديث حذيفة أنّ الكفر والإيمان والإخلاص والنّفاق كلٌّ بخلق اللّه تعالى وتقديره وإرادته ويستفاد من قوله تعالى إلّا الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين صحّة توبة الزّنديق وقبولها على ما عليه الجمهور فإنّها مستثناةٌ من المنافقين من قوله إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار وقد استدلّ بذلك جماعةٌ منهم أبو بكرٍ الرّازيّ في أحكام القرآن والله أعلم). [فتح الباري: 8/266-267]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه {إن المنافقين في الدّرك الأسفل} 145 النّساء
قال ابن عبّاس أسفل النّار نفقا سربا
قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس في قوله إن المنافقين في الدّرك الأسفل أسفل النّار
ثنا أبي ثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام بن يوسف عن أبي جريج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله 35 الأنعام نفقا قال سربا). [تغليق التعليق: 4/199-200]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} (النّساء: 145)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} وليس لغير أبي ذر لفظة: باب. قوله: {إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} يعني: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ. وقال سفيان الثّوريّ عن عاصم عن ذكوات أبي صالح عن أبي هريرة {إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} قال: في توابيت ترتج عليهم كذا رواه ابن جرير عن وكيع عن يحيى ابن يمان عن سفيان به، ويقال: النّار دركات كما أن الجنّة درجات، والدرك بفتح الرّاء وإسكانها لغتان، وقرأ حمزة بالسّكون. واختار الزّجاج الفتح، قال: وعليه المحدثون، والدركات للنار والدرجات للجنة، والنّار سبعة أطباق فوق طبق، ويقال معنى: في الدّرك الأسفل، أسفل درج جهنّم، وعبارة مقاتل يعني: الهاوية.
وقال ابن عبّاسٍ أسفل النّار
هذا تعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. قال: الدّرك الأسفل النّار، وقال ابن عبّاس: يجعلون في توابيت من حديد تغلق عليهم، وروي من نار تطبق عليهم، وعن إسرائيل: الدّرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فتوقد من تحتهم ومن فوقهم). [عمدة القاري: 18/192-193]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا عمر بن حفصٍ حدّثنا أبي حدّثنا الأعمش قال حدّثني إبراهيم عن الأسود قال كنّا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتّى قام علينا فسلّم ثمّ قال لقد أنزل النّفاق على قومٍ خيرٍ منكم قال الأسود سبحان الله إنّ الله يقول: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} (النّساء: 145) فتبسّم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد فقام عبد الله فتفرّق أصحابه فرماني بالحصا فجئته فقال حذيفة عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت لقد أنزل النّفاق على قومٍ كانوا خيرا منكم ثمّ تابوا فتاب الله عليهم.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة، وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث النّخعيّ الكوفي قاضيها عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النّخعيّ عن خاله الأسود بن يزيد النّخعيّ، وعبد الله هو ابن مسعود، وحذيفة هو ابن اليمان.
والحديث أخرجه النّسائيّ أيضا في التّفسير عن عمرو بن عليّ وغيره.
قوله: (لقد أنزل النّفاق على قوم خير منكم) ، أي: ابتلوا به، وأما الخيريّة فلأنهم كانوا طبقة الصّحابة فهم خير منطبقة التّابعين، لكن الله ابتلاهم فارتدّوا ونافقوا فذهبت الخيريّة عنهم، ومنهم من تاب فعادت إليه الخيريّة. وقال ابن الجوزيّ: مقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا فكانوا خيرا من أولئك التّابعين لمكان الصّحبة والصّلاح كمجمع ويزيد بن حارثة بن عامر كانا منافقين فصلحت حالهما واستقامت، وكأنّه أشار بالحديث إلى تقلب القلوب، وقال ابن التّين: كان حذيفة حذرهم أن ينزع منهم الإيمان لأن الأعمال بالخواتيم. قوله: (قال الأسود) ، هو الرّاوي (سبحان الله تعجبا) من كلام حذيفة. قوله: (فتبسّم عبد الله) ، أي: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. إنّما كان تبسمه تعجبا بحذيفة وبما قام به من قول الحق وما حذر منه. قوله: (فرماني) ، أي: قال الأسود رماني حذيفة بن اليمان يستدعيه إليه. قوله: (قال فجئته) ، أي: فجئت إلى حذيفة. فقال: (عجبت من ضحكه) أي: من ضحك عبد الله بن مسعود، يعني من اقتصاره على الضحك، والحال أنه قد عرف ما قلته من الحق. قوله: (لقد أنزل النّفاق) ، أي: لقد أنزل الله النّفاق على قوم: هذا يدل على أن النّفاق والكفر والإيمان والإخلاص بخلق الله تعالى وتقديره وإرادته ولا يخرج شيء من إرادته، والمنافق من أبطن الكفر وأظهر الإسلام، ويقال: النّفاق إظهار خلاف ما بطن، مأخوذ من النافقاء وهو الموضع الّذي يدخل منه اليربوع، فإذا طلبه الصياد منه خرج من القاصعاء، فيشبه المنافق به لخروجه من الإيمان، وسمي الفاسق منافقا تغليظًا، كما يسمى كافرًا في قوله: من ترك الصّلاة فقد كفر، قوله: (ثمّ تابوا فتاب الله عليهم) أي: ثمّ رجعوا عن النّفاق فتابوا فتاب الله عليهم.
(ويستفاد منه) قبول توبة الزنديق وصحتها على ما عليه الجمهور، ومن هذا قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه إذا أتيت بزنديق فاستتبه. فإن تاب قبلت توبته، وكذلك قوله تعالى: {إلاّ الّذين تابوا أصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصو دينهم لله فأولئك مع المؤمنين} (النّساء: 146) الآية تدل على صحة توبة الزنديق وقبولها. وقال الثّعلبيّ: قوله: {فأولئك مع المؤمنين} ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون، حاد عن كلامهم تغليظًا عليهم). [عمدة القاري: 18/193]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل} [النساء: 145]
وقال ابن عبّاسٍ: أسفل: النّار. نفقًا: سربًا
({إن المنافقين}) وفي نسخة باب بالتنوين أي في قوله تعالى: ({إن المنافقين في الدرك الأسفل}) [النساء: 145]. زاد أبوا ذر والوقت ({من النار} وقال): بالواو ولأبي ذر: قال (ابن عباس): مما وصله ابن أبي حاتم أي (أسفل النار)، وللنار سبع دركات والمنافق في أسفلها. وقال أبو هريرة فيما رواه ابن أبي حاتم: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فتوقد من فوقهم ومن تحتهم، ولعل ذلك لأجل أنه في أسفل السافلين من درجات الإنسانية، وكيف لا وقد ضم إلى الكفر السخرية بالإسلام وأهله والمنافق هو المظهر للإسلام المبطن للكفر فلذا كان عذابه أشد من الكفار وتسمية غيره بالمنافق كما في الحديث الصحيح (ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا) فللتغليظ). [إرشاد الساري: 7/97-98]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا عمر بن حفصٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، قال: حدّثني إبراهيم عن الأسود قال: كنّا في حلقة عبد اللّه، فجاء حذيفة حتّى قام علينا فسلّم ثمّ قال: لقد أنزل النّفاق على قومٍ خيرٍ منكم، قال الأسود: سبحان اللّه إنّ اللّه يقول: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} [النساء: 145] فتبسّم عبد اللّه وجلس حذيفة في ناحية المسجد فقام عبد اللّه فتفرّق أصحابه فرماني بالحصا فأتيته فقال حذيفة: عجبت من ضحكه، وقد عرف ما قلت لقد أنزل النّفاق على قومٍ كانوا خيرًا منكم ثمّ تابوا فتاب اللّه عليهم.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي وهو خال إبراهيم أنه (قال: كنا في حلقة عبد الله) أي ابن مسعود وحلقة بسكون اللام (فجاء حذيفة) بن اليمان (حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم). أي ابتلوا به والخيرية باعتبار أنهم كانوا من طبقة الصحابة فهم خير من طبقة التابعين لكن الله تعالى ابتلاهم فارتدوا أو نافقوا فذهبت الخيرية منهم (قال الأسود) بن يزيد متعجبًا من كلام حذيفة: (سبحان الله إن الله) تعالى (يقول: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} فتبسم عبد الله) بن مسعود متعجبًا من كلام حذيفة وبما قام به من قول الحق وما حذر منه (وجلس حذيفة) بن اليمان (في ناحية المسجد فقام عبد الله) بن مسعود (فتفرق أصحابه) قال الأسود: (فرماني) أي حذيفة بن اليمان (بالحصى) أي ليستدعيني (فأتيته فقال حذيفة: عجبت من ضحكة) أي ضحك عبد الله بن مسعود مقتصرًا عليه أي على الضحك (وقد عرف ما قلت لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرًا منكم ثم تابوا)، أي رجعوا عن النفاق (فتاب الله عليهم) واستدلّ به كقوله: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين} [النساء:146] على صحة توبة الزنديق وقبولها كما عليه الجمهور.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير). [إرشاد الساري: 7/98]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {إن المنافقين في الدرك الأسفل}
قوله: (لقد أنزل الله النفاق على قوم خير منكم) أي: قرن خير منكم لأنه قرن الصحابة، وهو خير من قرن التابعين، أو المراد بالنفاقي نفاق العمل، أو المراد أنهم صاروا خيراً منكم حتى تابوا، ومعنى قوله: على قوم كانوا خير، أي: صاروا خيراً حين تابوا اهـ سندي). [حاشية السندي على البخاري: 3/48]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرًا} يعني جلّ ثناؤه بقوله: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} إنّ المنافقين في الطّبق الأسفل من أطباق جهنّم. وكلّ طبقٍ من أطباق جهنّم دركٌ، وفيه لغتان: درك بفتح الرّاء، ودرك بتسكينها، فمن فتح الرّاء جمعه أدراكٌ في القلّة والكثرة: أدراكٌ، وإن شاء جمعه في الكثرة الدّروك، ومن سكّن الرّاء قال: ثلاثة أدركٍ، وللكثير: الدّروك.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء المدينة والبصرة: (في الدّرك) بفتح الرّاء. وقرأته عامّة قرّاء الكوفة بتسكين الرّاء، وهما قراءتان معروفتان، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، لاتّفاق معنى ذلك واستفاضة القراءة بكلّ واحدةٍ منهما في قراءة الإسلام، غير أنّي رأيت أهل العلم بالعربيّة يذكرون أنّ فتح الرّاء منه في العرب أشهر من تسكينها، وحكموا سماعًا منهم: اعطني دركًا أصل به حبلي، وذلك إذا سأل ما يصل به حبله الّذي قد عجز عن بلوغ الرّكيّة.
وبنحو الّذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن خيثمة، عن عبد اللّه: {إنّ المنافقين في الدّرك} الأسفل من النّار قال: في توابيت من حديدٍ مبهمةٍ عليهم.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا وهب بن جريرٍ، عن شعبة، عن سلمة، عن خيثمة، عن عبد اللّه قال: إنّ المنافقين في توابيت من حديدٍ مقفلةٍ عليهم في النّار.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن عاصمٍ، عن ذكوان، عن أبي هريرة: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} قال: في توابيت ترتجّ عليهم.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} يعني: في أسفل النّار.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي عبد اللّه بن كثيرٍ، قوله: {في الدّرك الأسفل من النّار} قال: سمعنا أنّ جهنّم أدراكٌ، منازل.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن خيثمة، عن عبد اللّه: {إنّ المنافقين في الدّرك} الأسفل من النّار قال: توابيت من نارٍ تطبق عليهم.
وأمّا قوله: {ولن تجد لهم نصيرًا} فإنّه يعني: ولن تجد لهؤلاء المنافقين يا محمّد من اللّه إذا جعلهم في الدّرك الأسفل من النّار ناصرًا ينصرهم منه، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليم عقابه). [جامع البيان: 7/619-621]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرًا (145)
قوله تعالى: إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرا.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن سلمة بن كهيلٍ، عن خيثمة، عن عبد اللّه بن مسعودٍ إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار قال: في توابيت من حديدٍ مبهمةٍ عليهم.
- حدّثنا المنذر بن شاذان، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ إسرائيل عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار قال: الدّرك الأسفل بيوتٌ لها أبوابٌ تطبق عليها فيوقد من تحتهم النّار ومن فوقهم.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار يعني: في أسفل النّار.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو سلمة، ثنا حمّادٌ، أنبأ عليّ بن زيدٍ، عن القاسم بن عبد الرّحمن أنّ ابن مسعودٍ سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نارٍ فتطبق عليهم في أسفل النّار). [تفسير القرآن العظيم: 4/1098]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة وهناد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود {إن المنافقين في الدرك الأسفل} قال: في توابيت من حديد مقفلة عليهم وفي لفظ: مبهمة عليهم أي مقفلة لا يهتدون لمكان فتحها.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة {إن المنافقين في الدرك الأسفل} قال: الدرك الأسفل: بيوت من حديد لها أبواب تطبق عليها فيوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي هريرة {إن المنافقين في الدرك} قال: في توابيت ترتج عليهم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {في الدرك الأسفل} يعني في أسفل النار.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عبد الله بن كثير قال: سمعت أن جهنم أدراك منازل بعضها فوق بعض.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن أبي الأحوص قال: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذابا قال رجل: المنافقون، قال: صدقت فهل تدري كيف يعذبون قال: لا، قال: يجعلون في توابيت من حديد تصمد عليهم ثم يجعلون في الدرك الأسفل في تنانير أضيق من زج يقال له: جب الحزن يطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني، قال: أخلص دينك يكفك القليل من العمل
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والبيهقي في الشعب عن ثوبان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء.
وأخرج البيهقي عن أبي فراس رجل من أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوني عما شئتم، فنادى رجل: يا رسول الله ما الإسلام قال: إقام الصلاة وإتياء الزكاة قال: فما الإيمان قال: الإخلاص، قال: فما اليقين قال: التصديق بالقيامة.
وأخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فرب حامل فقه ليس بفقيه ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن، إخلاص العمل لله والمناصحة لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعاءهم يحيط من ورائهم.
وأخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلابتهم إخلاصهم.
وأخرج ابن أبي شيبة في زوائد "الزهد" وأبو الشيخ بن حيان عن مكحول قال: بلغني أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ما أخلص عبدالله أربعين صباحا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ".
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة وأذنه مستمعة وعينه ناظرة فأما الأذن فقمع والعين مقرة لما يوعى القلب وقد أفلح من جعل قلبه واعيا .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله وما إخلاصها قال: أن تحجزه عن المحارم ".
وأخرج ابن أبي شيبة أحمد في الزهد " والحكيم الترمذي، وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من المخلص لله ؟ قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه.
وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس قال: ما يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز وجل). [الدر المنثور: 5/85-90]

تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إلاّ الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا}
وهذا استثناءٌ من اللّه جلّ ثناؤه، استثنى التّائبين من نفاقهم إذا أصلحوا وأخلصوا الدّين للّه وحده وتبرّءوا من الآلهة والأنداد، وصدّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرّين على نفاقهم، حتّى توفّيهم مناياهم في الآخرة، وأن يدخلوا مداخلهم من جهنّم، بل وعدهم جلّ ثناؤه أن يحلّهم مع المؤمنين محلّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنّة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيل من العطاء، فقال: {وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا}.
فتأويل الآية: {إلاّ الّذين تابوا} أي راجعوا الحقّ، وأبوا إلى الإقرار بوحدانيّة اللّه وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربّه، من نفاقهم، {وأصلحوا} يعني وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم اللّه به وأدّوا فرائضه، وانتهوا عمّا نهاهم عنه وانزجروا عن معاصيه {واعتصموا باللّه} يقول: وتمسّكوا بعهد اللّه.
وقد دلّلنا فيما مضى قبل، على أنّ الاعتصام: التّمسّك والتّعلّق، فالاعتصام باللّه: التّمسّك بعهده وميثاقه الّذي عهد في كتابه إلى خلقه من طاعته وترك معصيته.
{وأخلصوا دينهم للّه} يقول: وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم الّتي يعملونها للّه، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاء النّاس ولا على شكٍّ منهم في دينهم وامتراءً منهم، في أنّ اللّه محصٍ عليهم ما عملوا، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؛ ولكنّهم عملوها على يقينٍ منهم في ثواب المحسن على إحسانه وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضّل عليه ربّه فيعفو، متقرّبين بها إلى اللّه مريدين بها وجه اللّه؛ فذلك معنى إخلاصهم للّه دينهم.
ثمّ قال جلّ ثناؤه: {فأولئك مع المؤمنين} يقول: فهؤلاء الّذين وصف صفتهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم باللّه وإخلاصهم دينهم مع المؤمنين في الجنّة، لا مع المنافقين الّذي ماتوا على نفاقهم، الّذي أوعدهم الدّرك الأسفل من النّار.
ثمّ قال: {وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا} يقول: وسوف يعطي اللّه هؤلاء الّذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم باللّه وإخلاصهم دينهم له على إيمانهم، ثوابًا عظيمًا، وذلك درجاتٌ في الجنّة، كما أعطى الّذين ماتوا على النّفاق منازل في النّار، وهي السّفلى منها؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه. وهذا القول، هو معنى قول حذيفة بن اليمان الّذي:.
- حدّثنا به ابن حميدٍ، وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال حذيفة: ليدخلنّ الجنّة قومٌ كانوا منافقين. فقال عبد اللّه: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثمّ قام فتنحّى، فلمّا تفرّقوا مرّ به علقمة فدعاه، فقال: أما إنّ صاحبك يعلم الّذي قلت، ثمّ قرأ {إلاّ الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا}). [جامع البيان: 7/621-623]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إلّا الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا (146)
قوله تعالى: إلا الّذين تابوا وأصلحوا
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا موسى بن داود، ثنا حفص بن غياثٍ عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: جاءنا حذيفة فقال على رؤسنا فقال: لقد نزل النّفاق على من هو خيرٌ منكم، قلت له: أنّى يكون هذا واللّه تعالى يقول: إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار قال: فلمّا تفرّقوا قال لم يبق غيري رماني بحصاةٍ فأتيته، فقال: إنّهم لمّا تابوا كانوا خيرًا منكم.
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ وعثمان ابن عطاءٍ عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: في سورة النّساء إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ثمّ استثنى فقال: إلا الّذين تابوا وأصلحوا.
قوله تعالى: وأصلحوا.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة حدّثني، عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: وأصلح يعني: وأصلح العمل.
- أخبرنا محمّد بن عبيد اللّه بن المنادي فيما كتب إليّ، ثنا يونس بن محمّدٍ المؤدّب، ثنا شيبان النّحويّ، عن قتادة وأصلحوا قال: أصلحوا ما بينهم وبين اللّه ورسوله.
قوله تعالى: واعتصموا باللّه.
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن رافعٍ، ثنا سليمان يعني ابن عامرٍ، عن الرّبيع يعني ابن أنسٍ قوله: واعتصموا باللّه قال: الاعتصام هو الثّقة باللّه.
قوله تعالى: وأخلصوا دينهم للّه.
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني يحيى بن أيّوب، عن عبيد اللّه بن زحرٍ، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرّة، عن معاذ بن جبلٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (أخلص) دينك يكفيك القليل من العمل.
قوله تعالى: فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: فأولئك يعني: الّذين فعلوا ما ذكر اللّه في هذه الآية هم الّذين صدّقوا.
قوله تعالى: مع المؤمنين.
- وبه عن سعيدٍ قوله: المؤمنين يعني: المصدّقين.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن ابن جريجٍ عن عبّادٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: أجرًا عظيمًا قال: الجنّة. وروي عن أبي هريرة، والحسن، وعكرمة، والضحاك، وقتادة نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 4/1098-1099]

تفسير قوله تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكرًا عليمًا}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} ما يصنع اللّه أيّها المنافقون بعذابكم، إن أنتم تبتم إلى اللّه ورجعتم إلى الحقّ الواجب للّه عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء النّاس بها، وآمنتم برسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فصدّقتموه وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به. يقول: لا حاجة باللّه أن يجعلكم في الدّرك الأسفل من النّار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمركم به وترك ما نهاكم عنه؛ لأنّه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًّا، وإنّما عقوبته من عاقب من خلقه جزاءٌ منه له على جراءته عليه وعلى خلافه أمره ونهيه وكفرانه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمه وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعةٍ له وشكرٍ، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيّكم فلم تبلغه آمالكم. {وكان اللّه شاكرًا} لكم ولعباده على طاعتهم إيّاه بإجزاله لهم الثّواب عليها، وإعظامه لهم العوض منها. {عليمًا} بما تعملون أيّها المنافقون وغيركم من خيرٍ وشرٍّ وصالحٍ وطالحٍ، محصٍ ذلك كلّه عليكم محيطٌ بجميعه، حتّى يجازيكم جزاءكم يوم القيامة، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقد:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكرًا عليمًا} قال: إنّ اللّه جلّ ثناؤه لا يعذّب شاكرًا ولا مؤمنًا). [جامع البيان: 7/623-624]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكرًا عليمًا (147)
قوله تعالى: ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد بن زريعٍ عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكرًا عليمًا. إنّ اللّه لا يعذّب شاكرًا ولا مؤمنًا). [تفسير القرآن العظيم: 4/1100]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم) الآية . قال: إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا). [الدر المنثور: 5/90]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله {ما يفعل الله بعذابكم} الآية، قال: إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا). [الدر المنثور: 5/94]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 09:48 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)}

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله: (يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانا مبينا (144)
أي لا تجعلوهم بطانتكم وخاصّتكم.
(أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانا مبينا).
أي حجة ظاهرة، والسلطان في اللغة الحجة، وإنما قيل للخليفة والأمير سلطان لأن معناه أنه ذو الحجة.
والعرب تؤنث السلطان وتذكره، فتقول: قضت عليك بهذا السلطان، وأمرتك به السلطان.
وزعم قوم من الرواة أن التأنيث فيه أكثر، ولم يختلف في التذكير.
وأحسب الذين (رووا) لم يضبطوا معنى الكثرة من القلة.
والتذكير (فيه) أكثر، فأمّا القرآن فلم يأت فيه ذكر السلطان إلا مذكرا، قال الله عزّ وجلّ: (لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن) وقال: (هلك عني سلطانيه)، وقال: (سلطانا مبينا).
فجميع ما في القرآن من ذكر السلطان مذكر، ولو كان التأنيث أكثر لكان في كتاب الله جلّ وعزّ.
فإن قال قائل إنما رووا أن السلطان بين الناس هو المؤنث قيل إنما السلطان معناه ذو السلطان. والسلطان الحجة. والاحتجاج والحجة معناهما واحد. فأما التأنيث فصحيح، إلا أنه أقل من التذكير، فمن قال: قضت به عليك السلطان أراد قضت عليك به الحجة، وقضت عليك حجة الوالي، ومن قال قضى به عليك السلطان ذهب إلى معنى صاحب السلطان.
وجائز أن يكون ذهب به إلى البرهان والاحتجاج، أي قضى به عليك البرهان). [معاني القرآن: 2/123-124]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} قال قتادة السلطان الحجة وكذلك هو عند أهل اللغة). [معاني القرآن: 2/224]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {في الدّرك الأسفل من النّار...} يقال الدرك، والدرك، أي أسفل درج في النار).
[معاني القرآن: 1/292]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( (في الدّرك الأسفل): جهنم أدراك أي منازل وأطباق، ويقال للحبل الذي قد عجز عن (بلوغ) الركية: أعطنى دركا أصل به). [مجاز القرآن: 1/142]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} فدلّ على أن المنافقين شرّ من كفر به، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة: الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم.
ثم شرط الإخلاص، لأن النّفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب.
ثم قال: {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون.
ثم قال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} ولم يقل: وسوف يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم).
[تأويل مشكل القرآن: 7-8]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: (إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرا (145)
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: جهنم أدراك، أي منازل، فكل منزلة منها درك.
والقراءة: الدرك بفتح الراء. والدّرك بتسكين الراء، فأما أهل المدينة وأهل البصرة فيقرأونها..
(الدرك) بفتح الراء وأما أهل الكوفة والأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب، فيقرأون (الدرك).
وقد اختلف فيها عن عاصم، فرواها بعضهم عنه الدرك ورواها بعضهم الدرك - بالحركة والسكون جميعا – واللغتان حكاهما جميعا أهل اللغة، إلا أن الاختيار فتح الراء، لإجماع المدنيين والبصريين عليها وأن أحدا من المحدثين ما رواها إلا الدرك بفتح الراء.
فلذلك اخترنا الدرك.
وقوله عزّ وجلّ: (ولن تجد لهم نصيرا).
أي لا يمنعهم مانع من عذاب الله عزّ وجلّ ولا يشفع لهم شافع). [معاني القرآن: 2/124]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}
قال عبد الله بن مسعود يجعلون في توابيت من حديد تغلق عليهم وفي بعض الحديث من نار ثم تطبق عليهم والإدراك في اللغة المنازل والطبقات). [معاني القرآن: 2/224-225]

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): (و(الدرك): الطبق من أطباق جهنم، ويسكن - أيضا). [ياقوتة الصراط: 204]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {فأولئك مع المؤمنين...} جاء في التفسير: (من المؤمنين) ). [معاني القرآن: 1/293]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} فدلّ على أن المنافقين شرّ من كفر به، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة: الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم.
ثم شرط الإخلاص، لأن النّفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب.
ثم قال: {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون.
ثم قال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}ولم يقل: وسوف يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم).
[تأويل مشكل القرآن: 7-8] (م)

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ : (إلّا الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرا عظيما (146)
(وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرا عظيما)
الخط حذفت منه الياء في هذا الموضع، وزعم النحويون أن الياء حذفت من الخط كما حذفت في اللفظ، لأن الياء سقطت من اللفظ لسكونها وسكون اللام في " اللّه " وكذلك قوله: (يوم يناد المناد) الياء من يناد حذفت في الخط لهذه العلة، وكذلك (سندع الزّبانية) و(يوم يدع الدّاع) فالواوات حذفت ههنا لالتقاء السّاكنين، فأما قول الله عزّ وجلّ: - (ذلك ما كنّا نبغ)، فهو كقوله (يناد المناد).
و(يدع الداع)، فهذه الياءات من نحو (نبغ) حذفت لأن الكسرة دلت على الياء فحذفت الياء لثقلها، وليس الوجه عند النحويين حذفها.
فأمّا المنادي والداعي فحذفت الياء منها كما حذفت قبل دخول الألف واللام، لأنك تقول: هذا داع وهذا مناد.
فأما (والليل إذا يسر). فحذفت الياء لأنها رأس آية، ورؤوس الآي الحذف جائز فيها كما يجوز في آخر الأبيات). [معاني القرآن: 2/125]

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( (واعتصموا بالله) أي: وامتنعوا بالله). [ياقوتة الصراط: 204]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)}
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما * لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} وقرأ زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق (إلا من ظلم) وعلى هذه القراءة فيه ثلاثة أقوال: قال الضحاك المعنى ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم
وقيل المعنى لا يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم فإنه يجهر به اعتداء وقال أبو إسحاق الزجاج يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه ويكون استثناء ليس من الأول وعلى الجوابين الأولين يكون استثناء ليس من الأول أيضا ومن قرأ (إلا من ظلم) ففيه أقوال: أحدها روي عن مجاهد أنه قال نزلت هذه الآية في رجل من ضاف قوما فلم يحسنوا إليه فذكرهم بما فعلوا فعذبوه بذلك فنزلت: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}
فالمعنى على هذا لكن من ظلم فله أن يذكر ما فعل به قال الحسن هذا في الرجل يظلم فلا ينبغي أن يدعو على من ظلمه ولكن ليقل اللهم أعني عليه واستخرج لي حقي منه ونحو ذلك وقال قطرب إلا من ظلم إنما يريد المكره لأنه مظلوم وذلك موضوع عنه وإن كفر قال ويجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم على البدل كأنه لا يحب الله إلا من ظلم أي لا يحب الظالم وكأنه يقول يحب من ظلم أي يأجر من ظلم والتقدير على هذا القول لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم على البدل). [معاني القرآن: 2/225-227]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28 ربيع الثاني 1434هـ/10-03-2013م, 04:01 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,678
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) }

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) }
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (وهو الدَّرْك والدَّرَك وقرأت القراء بهما جميعا (في الدَّرْك الأسفل من النار) و(في الدَّرَك الأسفل) ). [إصلاح المنطق: 97]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) }

تفسير قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,044
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,044
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,044
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,044
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطاناً مبيناً (144) إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيراً (145) إلاّ الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجراً عظيماً (146) ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكراً عليماً (147)
خطابه تعالى للمؤمنين، يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان، ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله تعالى: أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطاناً مبيناً لأن التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي إلى هذه الحال، والمؤمنون المخلصون ما ألموا قط بشيء من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى: من دون المؤمنين أي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه، و «السلطان»: الحجة، وهي لفظة تؤنث وتذكر، والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن حيث وقع، والسلطان إذا سمي به صاحب الأمر فهو على حذف مضاف، والتقدير: ذو السلطان أي ذو الحجة على الناس، إذ هو مدبرهم، والناظر في منافعهم). [المحرر الوجيز: 3/51-52]


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدّرك الأسفل من نار جهنم، وهي ادراك بعضها فوق بعض سبعة طبقة على طبقة، أعلاها هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر هم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من الكفار وأشد تمكنا من أذى المسلمين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «في الدرك» مفتوحة الراء، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب «في الدرك» بسكون الراء، واختلف عن عاصم فروي عنه الفتح والسكون، وهما لغتان، قال أبو علي: كالشمع والشمع ونحوه، وروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم قالوا: المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل عليهم، و «النصير»: بناء مبالغة من النصر). [المحرر الوجيز: 3/52-53]

تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم استثنى عز وجل التائبين من المنافقين، ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله منعته وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقال حذيفة بن اليمان بحضرة عبد الله بن مسعود: والله ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، فقال له عبد الله بن مسعود: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة وتنحى، فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه وقال: أما إن صاحبكم يعلم الذي قلت، ثم تلا إلّا الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا الآية، وأخبر تعالى أنهم مع المؤمنين في رحمة الله وفي منازل الجنة، ثم وعد المؤمنين «الأجر العظيم»، وحذفت الياء من يؤت في المصحف تخفيفا قال الزجّاج: لسكونها وسكون اللام في اللّه كما حذفت من قوله يوم يناد المناد [ق: 41] وكذلك سندع الزّبانية [العلق: 18] وأمثال هذا كثير، و «الأجر العظيم»: التخليد في الجنة). [المحرر الوجيز: 3/53]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم قال تعالى للمنافقين، ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم الآية، أي: أي منفعة له في ذلك أو حاجة؟ والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترنا بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيدا وتنبيها على جلالة موقعه، ثم وعد الله تعالى بقوله: وكان اللّه شاكراً عليماً، أي يتقبل أقل شيء من العمل وينميه، فذلك شكر منه لعباده، والشكور من البهائم الذي يأكل قليلا ويظهر به بدنه، والعرب تقول في مثل أشكر من بروقة، لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر، وفي قوله عليماً تحذير وندب إلى الإخلاص). [المحرر الوجيز: 3/53-54]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,044
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 02:15 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,044
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا (144) إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرًا (145) إلا الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا (146) ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكرًا عليمًا (147)}
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودّة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: {لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيءٍ إلا أن تتّقوا منهم تقاةً ويحذّركم اللّه نفسه} [آل عمران: 28] أي: يحذّركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ولهذا قال هاهنا: {أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم سلطانًا مبينًا} أي: حجّةً عليكم في عقوبته إيّاكم.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قوله: {سلطانًا مبينًا} [قال] كلّ سلطانٍ في القرآن حجّةٌ.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وكذا قال مجاهدٌ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، ومحمّد بن كعبٍ القرظي، والضّحّاك، والسّدّيّ والنّضر بن عربي). [تفسير القرآن العظيم: 2/441]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ أخبر تعالى: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} أي: يوم القيامة، جزاءً على كفرهم الغليظ. قال الوالبيّ عن ابن عبّاسٍ: {في الدّرك الأسفل من النّار} أي: في أسفل النّار. وقال غيره: النّار دركاتٌ، كما أنّ الجنّة درجاتٌ. "وقال سفيان الثّوريّ، عن عاصمٍ، عن ذكوان أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جريرٍ، عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتمٍ، عن المنذر بن شاذان، عن عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} قال: الدّرك الأسفل بيوتٌ لها أبوابٌ تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن بشّارٍ، حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد اللّه -يعني ابن مسعودٍ: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} قال: في توابيت من نارٍ تطبق عليهم. ورواه ابن أبي حاتمٍ، عن أبي سعيدٍ الأشجّ، عن وكيعٍ، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: {إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار} قال: في توابيت من حديدٍ مبهمةٍ عليهم، ومعنى قوله: (مبهمةٍ) أي: مغلقةٍ مقفلةٍ لا يهتدى لمكان فتحها.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو سلمة، حدّثنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا عليّ بن يزيد عن القاسم بن عبد الرّحمن: أنّ ابن مسعودٍ سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نارٍ، فتطبق عليهم في أسفل دركٍ من النّار.
{ولن تجد لهم نصيرًا} أي: ينقذهم ممّا هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب). [تفسير القرآن العظيم: 2/441-442]


تفسير قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ أخبر تعالى أنّ من تاب [منهم] في الدّنيا تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربّه في جميع أمره، فقال: {إلا الّذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه} أي: بدّلوا الرّياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصّالح وإنّ قلّ.
قال ابن أبي حاتمٍ: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأنا ابن وهبٍ، أخبرني يحيى بن أيّوب، عن عبيد اللّه بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرّة، عن معاذ بن جبلٍ: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "أخلص دينك، يكفك القليل من العمل".
{فأولئك مع المؤمنين} أي: في زمرتهم يوم القيامة {وسوف يؤت اللّه المؤمنين أجرًا عظيمًا} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/442]

تفسير قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال مخبرًا عن غناه عمّا سواه، وأنّه إنّما يعذّب العباد بذنوبهم، فقال: {ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي: أصلحتم العمل وآمنتم باللّه ورسوله، {وكان اللّه شاكرًا عليمًا} أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء). [تفسير القرآن العظيم: 2/442]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:33 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة