العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12 ربيع الثاني 1434هـ/22-02-2013م, 01:01 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,778
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (127) إلى الآية (128) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (127) إلى الآية (128) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 07:36 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,778
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني عبد الملك بن محمد الأنصاري أن عمرة بنت حزم أخت عمرو بن حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها يوم أحد، وكانت له منها ابنةٌ فأتت رسول الله تطلب ميراث ابنتها من أبيها، ففيهما نزلت هذه الآية: {يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن}؛ قال: وكان فينا بنو غنم، إذا مات الرجل في الجاهلية لم يرثه إلا أكبر ولده ماله كله، وما كان غيرنا من قبائل العرب في الجاهلية إذا مات الرجل تزوج ابنه امرأته وأخذ ماله كله إذا كانت تحته غير أمه). [الجامع في علوم القرآن: 2/90-91]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن قال كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة فيرغب عنها أن ينكحها ولا ينكحها رغبة في مالها قال معمر وقال الكلبي كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الولدان الأطفال فأنزل الله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن قال الميراث). [تفسير عبد الرزاق: 1/174-175]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال عروة: قالت عائشة: وإنّ النّاس " استفتوا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء} [النساء: 127] "، قالت عائشة: وقول اللّه تعالى في آيةٍ أخرى: {وترغبون أن تنكحوهنّ} [النساء: 127]:رغبة أحدكم عن يتيمته، حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النّساء إلّا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال "). [صحيح البخاري: 6/42-43] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله قال عروة قالت عائشة هو معطوفٌ على الإسناد المذكور وإن كان بغير أداة عطفٍ وفي رواية عقيلٍ وشعيبٍ المذكورين قالت عائشة فاستفتى النّاس إلخ قوله بعد هذه الآية أي بعد نزول هذه الآية بهذه القصّة وفي رواية عقيلٍ بعد ذلك قوله فأنزل الله ويستفتونك في النّساء قالت عائشة وقول اللّه تعالى في آية أخرى وترغبون أن تنكحوهن كذا وقع في رواية صالحٍ وليس ذلك في آيةٍ أخرى وإنّما هو في نفس الآية وهي قوله ويستفتونك في النّساء ووقع في رواية شعيبٍ وعقيلٍ فأنزل الله تعالى ويستفتونك في النّساء إلى قوله وترغبون أن تنكحوهن ثمّ ظهر لي أنّه سقط من رواية البخاريّ شيءٌ اقتضى هذا الخطأ ففي صحيح مسلمٍ والإسماعيليّ والنّسائيّ واللّفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع فأنزل اللّه يستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهن فذكر اللّه أن يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء قالت عائشة وقول اللّه في الآية الأخرى وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم إلخ كذا أخرجه مسلمٌ من طريق يونس عن بن شهابٍ وتقدّم للمصنّف أيضًا في الشّركة من طريق يونس عن بن شهابٍ مقرونًا بطريق صالح بن كيسان المذكورة هنا فوضح بهذا في رواية صالحٍ أنّ في الباب اختصارًا وقد تكلّف له بعض الشّرّاح فقال معنى قوله في آيةٍ أخرى أي بعد قوله وإن خفتم وما أوردناه أوضح واللّه أعلم تنبيهٌ أغفل المزّيّ في الأطراف عزو هذه الطّريق أي طريق صالحٍ عن بن شهابٍ إلى كتاب التّفسير واقتصر على عزوها إلى كتاب الشّركة قوله وترغبون أن تنكحوهنّ رغبة أحدكم عن يتيمته فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله وترغبون لأنّ رغب يتغيّر معناه بمتعلّقه يقال رغب فيه إذا أراده ورغب عنه إذا لم يرده لأنّه يحتمل أن تحذف في وأن تحذف عن وقد تأوّله سعيد بن جبيرٍ على المعنيين فقال نزلت في الغنيّة والمعدمة والمرويّ هنا عن عائشة أوضح في أنّ الآية الأولى نزلت في الغنيّة وهذه الآية نزلت في المعدمة قوله فنهوا أي نهوا عن نكاح المرغوب فيها لجمالها ومالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السّواء في العدل وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات وأنّ غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك وفيه أنّ للوليّ أن يتزوّج من هي تحت حجره لكن يكون العاقد غيره وسيأتي البحث فيه في النّكاح وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ لأنّهنّ بعد البلوغ لا يقال لهنّ يتيماتٌ إلّا أن يكون أطلق استصحابًا لحالهنّ وسيأتي البحث فيه أيضًا في كتاب النّكاح). [فتح الباري: 8/240-241]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (قوله: (قال عروة. قالت عائشة) ، هذا متّصل بالإسناد المذكور وترك حرف العطف فيه قوله: (بعد هذه الآية) أي: بعد نزول هذه الآية بهذه القصّة، وأراد بهذه الآية قوله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا} فأنزل الله تعالى {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} الآية. قالت عائشة: والّتي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى الّتي هي: {وأن خفتم أن لا تقسطوا} الآية. قوله: (وقول الله تعالى في آية أخرى: وترغبون) . هكذا وقع في رواية صالح بن كيسان المذكورة في آية أخرى، وهو خطأ. لأن قوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} الآية في نفس الآية الّتي هي: {ويستفتونك في النّساء} . قوله: (رغبة أحدكم عن يتيمته) أي: كرغبة أحدكم، ومعنى الرّغبة هنا عدم الإرادة لأن لفظ رغب يستعمل بصلتين يقال: رغب عنه إذا لم يرده ورغب فيه إذا أراده. قوله: (حين تكون) أي: اليتيمة قليلة المال وحاصل المعنى أن اليتيمة إذا كانت فقيرة وذميمة يعرضون عن نكاحها قالت عائشة رضي الله عنها فنهوا أي: نهوا عن نكاح المرغوب فيها لمالها وجمالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة، على السواء في العدل، وكان الرجل في الجاهليّة تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدا فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت ذميمة منعها الرّجال حتّى تموت فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه. وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك. وفيه أن للوليّ أن يتزوّج من هي تحت حجره. لكن يكون العاقد غيره، وفيه خلاف مذكور في الفروع: وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ، لأن بعد البلوغ لا يتم على الحقيقة). [عمدة القاري: 18/164]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (قال عروة) بن الزبير بالسند السابق: (قالت عائشة: إن الناس استفتوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم) طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد) نزول (هذه الآية)
وهي وإن خفتم إلى ورباع (فأنزل الله) تعالى ({ويستفتونك في النساء}) [النساء: 127] الآية (قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: ({وترغبون أن تنكحوهن}) [النساء: 127] كذا في رواية صالح وليس ذلك في آية أخرى بل هو في نفس الآية. وعند مسلم والنسائي واللفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء} قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ({وترغبون أن تنكحوهن}) فذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} قال في الفتح فظهر أنه سقط من رواية البخاري شيء (رغبة أحدكم عن يتيمته) بأن لم يردها (حين تكون) أي اليتيمة (قليلة المال والجمال قالت) عائشة (فنهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله) بفتح التحتية وللأصيلي بضمها وإسقاط عن (في يتامى النساء إلا بالقسط) بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال) فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل.
وسبق هذا الحديث في الشركة في باب شركة اليتيم). [إرشاد الساري: 7/74-75]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} [النساء: 127]
- حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، أخبرني أبي، عن عائشة رضي اللّه عنها: {يستفتونك في النّساء، قل: اللّه يفتيكم فيهنّ} [النساء: 127] إلى قوله {وترغبون أن تنكحوهنّ} [النساء: 127] قالت عائشة: «هو الرّجل تكون عنده اليتيمة هو وليّها ووارثها، فأشركته في ماله حتّى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلًا، فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية»). [صحيح البخاري: 6/49]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء)
كذا لأبي ذرٍّ وله عن غير المستملي باب يستفتونك وسقط لغيره باب وقوله يستفتونك أي يطلبون الفتيا أو الفتوى وهما بمعنًى واحدٍ أي جواب السّؤال عن الحادثة الّتي تشكل على السّائل وهي مشتقّةٌ من الفتى ومنه الفتى وهو الشّاب القوي ثمّ ذكر حديث عائشة في قصّة الرّجل يكون عنده اليتيمة فتشركه في ماله وقد تقدّم الكلام عليه في أوائل هذه السّورة مستوفًى وروى بن أبي حاتمٍ من طريق السّدّيّ قال كان لجابر بنت عمٍّ دميمةٌ ولها مالٌ ورثته عن أبيها وكان جابرٌ يرغب عن نكاحها ولا ينكحها خشية أن يذهب الزّوج بمالها فسأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فنزلت). [فتح الباري: 8/265]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} (النّساء: 127)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم} الّذي ذكر هنا إلى قوله: (في يتامى النّساء) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي روايته عن غير المستملي. ذكر لفظ باب، وليس لغيره لفظ: باب.
قوله: (ويستفتونك) أي: يطلبون منك الفتوى في النّساء. أي: في أمر النّساء، والفتيا والفتوى بمعنى واحد، وهو جواب الحادثة، وقيل: تبيين المشكل من الكلام، وأصله من فتي وهو الشّاب القوي، فالمفتي يقوي كلامه فيما أشكل فيه فيصير فتيا قويا. قوله: {قل الله يفتيكم فيهنّ} (النّساء: 127) ، أي: في توريثهن، وكانت العرب لا تورث النّساء والصبيان. قوله: (وما يتلى عليكم في الكتاب) ، أريد به ما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النّساء} (النّساء: 3) الآية. والّذي كتب في النّساء هو قوله تعالى: {في يتامى النّساء الرتي لا تؤتونهن ما كتب لهنّ} الآية.
- حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} إلى قوله {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] قالت عائشة هو الرجل تكون عنده اليتمية هو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية.
مطابقته للترجمة ظاهرة, وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، وقد تكرر ذكره. الحديث قد مر في تفسير أول السورة، وهو: باب {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} [النساء: 3] إلى قوله: {ومن كان فقيرا} [النساء: 6] ومر الكلام في مستوفى.
قوله: (في العذق) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، وهو النخلة، وبكسر العين الكباسة، وهو عنقود التمر. قوله: فيعضلها أي: فيمنعها من التزوج، وأصله من عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها وعسر خروجه، ويقال: أعضل الأمر إذا اشتد. قوله: فنزلت هذه الآية أي: الآية المذكورة، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي، قال: كان لجابر بنت عم ذميمة ولها مال ورثته من أبيها، وكان جابر يرغب في نكاحها ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت). [عمدة القاري: 18/190-191]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} [النساء: 127]
(باب قوله) كذا للمستملي وسقط ذلك لغيره ({ويستفتونك}) بالواو ولأبوي الوقت وذر بإسقاطها أي يسألونك الفتوى ({في النساء}) أي في ميراثهن ({قل الله يفتيكم فيهن}) وكانت العرب لا تورثهن شيئًا ({وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} [النساء: 127] موضع ما إما رفع عطفًا على المستكن في يفتيكم العائد عليه تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور والمتلوّ في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} [النساء: 3] باعتبارين مختلفين نحو أغناني زيد وعطاؤه وأعجبني زيد وكرمه، وذلك أن قوله: {الله يفتيكم فيهن} بمنزلة أعجبني زيد جيء به للتوطئة والتمهيد، وقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} بمنزلة وكرمه لأنه المقصود بالذكر أو مبتدأ وفي الكتاب خبره، والمراد به اللوح المحفوظ تعليمًا للمتلوّ عليهم وإن العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله تعالى أو نصب على تقدير ويبين لكم ما يتلى أو جر بالقسم أي وأقسم بما يتلى عليكم ولا يصح العطف على الضمير المجرور في فيهن من حيث اللفظ والمعنى أما اللفظ فلأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وأما المعنى فلأنه يلزم أن يكون الإفتاء في شأن المتلوّ مع أنه ليس السؤال عنه.
- حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها-: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ} إلى قوله: {وترغبون أن تنكحوهنّ} قالت عائشة: هو الرّجل تكون عنده اليتيمة هو وليّها ووارثها فأشركته في ماله حتّى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلًا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} وقال ابن عبّاسٍ شقاقٌ: تفاسدٌ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا أبو محمد القرشي الهباري الكوفي واسمه عبد الله وعبيد لقبه قال: (حدّثنا أبو أسامة) بن حماد وأسامة (قال: حدّثنا هشام بن عروة) وسقط قال لغير أبي ذر (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام، ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد أبي (عن عائشة -رضي الله عنها-) في قوله تعالى: ({ويستفتونك في النساء}) سقطت الواو لغير أبي ذر. ({قل الله يفتيكم فيهن}) إلى قوله: ({وترغبون أن تنكحوهن}) أي في نكاحهن (قالت عائشة): وسقط لغير أبي ذر عائشة (هو الرجل تكون عنده اليتبمة هو وليها) القائم بأمورها (ووارثها فأشركته) بفتح الهمزة والراء ولأبي ذر فتشركه بفتح التاء والراء (في ماله حتى في العذق) بفتح العين وسكون المعجمة أي في النخلة والأصيلي في العذق بكسر العين أي في الكباسة وهي عنقود التمر (فيرغب أن ينكحها) أي عن نكاحها (ويكره أن يزوّجها رجلًا) غيره (فيشركه) أي الرجل الذي يتزوجها (في ماله بما شركته) أي بالذي شركته فيه (فيعضلها) بضم الضاد المعجمة نصب عطفًا على المنصوب السابق، وكذا فيشركها، ويجوز رفعها عطفًا على يرغب ويكره أي يمنعها من التزوّج، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: كان لجابر بنت عم دميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك (فنزلت هذه الآية).
وهذا الحديث سبق في باب {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} أول هذه السورة). [إرشاد الساري: 7/96-97]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما}
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، حدّثنا هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ} [النساء: 127] قالت: " أنزلت في اليتيمة تكون عند الرّجل، لعلّها أن تكون قد شركته في ماله وهو وليّها، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوّجها رجلًا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فأنزل الله جلّ وعزّ {ويستفتونك في النّساء} [النساء: 127]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/73]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خيرٍ فإنّ اللّه كان به عليمًا}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ويستفتونك في النّساء} ويسألك يا محمّد أصحابك أن تفتيهم في أمر النّساء، والواجب لهنّ وعليهنّ. فاكتفى بذكر النّساء من ذكر شأنهنّ، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه. {قل اللّه يفتيكم فيهنّ} قل لهم يا محمّد: اللّه يفتيكم فيهنّ، يعني في النّساء. {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ}.
واختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب} فقال بعضهم: يعني بقوله: {وما يتلى عليكم} قل اللّه يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم، قالوا: والّذي يتلى عليهم هو آيات الفرائض، الّتي في أوّل هذه السّورة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّام بن سلمٍ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب} قال: كان أهل الجاهليّة لا يورّثون المولود حتّى يكبر، ولا يورّثون المرأة؛ فلمّا كان الإسلام قال: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب} في أوّل السّورة في الفرائض اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب اللّه لهنّ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} قالت: هذا في اليتيمة تكون عند الرّجل لعلّها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها من غيره، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحدٌ في مالها.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، وابن حميدٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا لا يورّثون في الجاهليّة النّساء والفتيّ حتّى يحتلم، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} في أوّل سورة النّساء من الفرائض.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن أشعث، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال: كانوا في الجاهليّة لا يورّثون اليتيمة ولا ينكحونها ويعضلونها، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ} إلى آخر الآية.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: أخبرني الحجّاج، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد اللّه بن كثيرٍ، أنّه سمع سعيد بن جبيرٍ، يقول في قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ} ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ الآية، قال: كان لا يرث إلاّ الرّجل الّذي قد بلغ، لا يرث الرّجل الصّغير، ولا المرأة؛ فلمّا نزلت آية المواريث في سورة النّساء، شقّ ذلك على النّاس، وقالوا: يرث الصّغير الّذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة التى هي كذلك فيرثان كما يرث الرّجل الّذي يعمل في المال. فرجوا أن يأتي في ذلك حدثٌ من السّماء، فانتظروا فلمّا رأوا أنّه لا يأتي حدثٌ، قالوا: لئن تمّ هذا إنّه لواجبٌ ما منه بدٌّ، ثمّ قالوا: سلوا. فسألوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب} في أوّل السّورة: {في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} قال سعيد بن جبيرٍ: وكان الوليّ إذا كانت المرأة ذات جمالٍ ومالٍ رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمالٍ ومالٍ أنكحها ولم ينكحها.
- حدّثنا ابن حميدٍ، وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمةً دميمةً لم يعطوها ميراثها وحبسوها عن التّزويج حتّى تموت، فيرثوها، فأنزل اللّه هذا.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ} قال: كان الرّجل منهم تكون له اليتيمة بها الدّمامة والأمر الّذي يرغب عنها فيه ولها مالٌ، قال: فلا يتزوّجها ولا يزوّجها حتّى تموت فيرثها، قال: فنهاهم اللّه عن ذلك.
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} قال: كانت المرأة إذا كانت عند وليٍّ رغب عنها حبسها إن لم يتزوّجها ولم يدع أحدًا يتزوّجها.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} قال: كان أهل الجاهليّة لا يورّثون النّساء ولا الصّبيان شيئًا، كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيرًا، ففرض اللّه لهمّ الميراث حقًّا واجبًا، ليتنافس أو لينفس الرّجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنةً
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال:حدثنا أبي قال:حدثنا عمّي، قال: حدّثني أبي عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب} يعني الفرائض الّتي افترض في أمر النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ {وترغبون أن تنكحوهنّ} قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرّجل، فيرغب أن ينكحها، أو يجامعها ولا يعطيها مالها، رجاء أن تموت فيرثها، وإن مات لها حميمٌ لم تعط من الميراث شيئًا، وكان ذلك في الجاهليّة، فبيّن اللّه لهم ذلك.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ} حتّى بلغ: {وترغبون أن تنكحوهنّ} فكان الرّجل تكون في حجره اليتيمة بها دمامةٌ ولها مالٌ، فكان يرغب عنها أن يتزوّجها ويحبسها لمالها، فأنزل اللّه فيه ما تسمعون.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ} قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرّجل فيها دمامةٌ، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا ينكحها رغبةً في مالها.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} إلى قوله: بالقسط قال: كان جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ ثمّ السّلميّ له ابنة عمٍّ عمياء، وكانت دميمةً، وكانت قد ورثت عن أبيها مالاً، فكان جابرٌ يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبةً أن يذهب الزّوج بمالها، فسأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، وكان ناسٌ في حجورهم جوارٍى أيضًا مثل ذلك، فجعل جابرٌ يسأل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أترث الجارية إذا كانت قبيحةً عمياء؟ فجعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول نعم، فأنزل اللّه فيهم هذا.
وقال آخرون: معنى ذلك: ويستفتونك في النّساء، قل اللّه يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم في الكتاب في آخر سورة النّساء، وذلك قوله: {يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة} إلى آخر السّورة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا سلاّم بن سليمٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كان أهل الجاهليّة لا يورّثون الولدان حتّى يحتلموا، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء} إلى قوله: {فإنّ اللّه كان به عليمًا} قال: فنزلت هذه الآية: {إن امرؤٌ هلك ليس له ولدٌ} الآية كلّها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويستفتونك في النّساء، قل اللّه يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب، يعني في أوّل هذه السّورة، وذلك قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، أنّه سأل عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، عن قول اللّه: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ من الصّداق،
وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} قالت: والّذي ذكر اللّه أنّه يتلى في الكتاب الآية الأولى الّتي قال فيها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني يونس، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة، مثله.
فعلى هذه الأقوال الثّلاثة الّتي ذكرناها ما الّتي في قوله: {وما يتلى عليكم} في موضع خفضٍ بمعنى العطف على الهاء والنّون الّتي في قوله: {يفتيكم فيهنّ} فكأنّهم وجّهوا تأويل الآية: قل اللّه يفتيكم أيّها النّاس في النّساء، وفيما يتلى عليكم في الكتاب.
وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قومٍ من أصحابه سألوه عن أشياء من أمر النّساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم اللّه فيما سألوا عنه وفيما تركوا المسألة عنه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، وسفيان بن وكيعٍ، قال سفيان: حدّثنا عبد الأعلى، وقال ابن المثنّى: حدّثني عبد الأعلى قال: حدّثنا داود، عن محمّد بن أبي موسى، في هذه الآية: {ويستفتونك في النّساء} قال: استفتوا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النّساء، وسكتوا عن شيءٍ كانوا يفعلونه، فأنزله اللّه: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب} ويفتيكم فيما لم تسألوا عنه. قال: كانوا لا يتزوّجون اليتيمة إذا كان بها دمامةٌ، ولا يدفعون إليها مالها فتنفق، فنزلت: {قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} قال: والمستضعفين من الولدان. قال: كانوا يورّثون الأكابر ولا يورّثون الأصاغر، ثمّ أفتاهم فيما سكتوا عنه، فقال: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ}، ولفظ الحديث لابن المثنّى.
قال أبو جعفرٍ: فعلى هذا القول الّذي يتلى علينا في الكتاب الّذي قال اللّه جلّ ثناؤه: {قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم} {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} الآية، والّذي سأل القوم فأجيبوا عنه في يتامى النّساء اللاّتي كانوا لا يؤتونهنّ ما كتب اللّه لهنّ من الميراث عمّن ورثته عنه.
وأولى هذه الأقوال الّتي ذكرنا عمّن ذكرناها عنه بالصّواب وأشبهها بظاهر التّنزيل قول من قال: معنى قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب} وما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أوّل هذه السّورة وآخرها.
وإنّما قلنا ذلك أولى بالصّواب، لأنّ الصّداق ليس ممّا كتب للنّساء إلاّ بالنّكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قبل أحدٍ، وإذا لم يكن ذلك لها قبل أحدٍ لم يكن ممّا كتب لها، وإذا لم يكن ممّا كتب لها، لم يكن لقول قائلٍ: عنى بقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب} الإقساط في صدقات يتامى النّساء وجهٌ، لأنّ اللّه قال في سياق الآية مبيّنًا عن الفتيا الّتي وعدنا أن يفتيناها في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ، فأخبر أنّ بعض الّذي يفتينا فيه من أمر النّساء أمر اليتيمة المحول بينها وبين ما كتب اللّه لها، والصّداق قبل عقد النّكاح ليس ممّا كتب اللّه لها على أحدٍ، فكان معلومًا بذلك أنّ الّتي عني بهذه الآية هي الّتي قد حيل بينها وبين الّذي كتب لها ممّا يتلى علينا في كتاب اللّه أمره فإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنّ ذلك هو الميراث الّذي فرضه اللّه لهنّ في كتابه.
فأمّا الّذي ذكر عن محمّد بن أبي موسى، فإنّه مع خروجه من قول أهل التّأويل، بعيدٌ ممّا يدلّ عليه ظاهر التّنزيل، وذلك أنّه زعم أنّ الّذي عنى اللّه بقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب} هو {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} وإذا وجّه الكلام إلى المعنى الّذي تأوّله صار الكلام مبتدأً من قوله: {في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} ترجمةً بذلك عن قوله {فيهنّ} ويصير معنى الكلام: قل اللّه يفتيكم فيهنّ في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ، ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمّن يعلم بقوله صحّة ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعضٍ أولى ما وجد إليه سبيلٌ. فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقوله: {في يتامى النّساء} بأن يكون صلةً لقوله: {وما يتلى عليكم} أولى من أن يكون ترجمةً عن قوله: {قل اللّه يفتيكم فيهنّ} لقربه من قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب}، وانقطاعه عن قوله: {يفتيكم فيهنّ}.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النّساء، قل اللّه يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم في كتاب اللّه الّذي أنزله على نبيّه في أمر يتامى النّساء اللاّتي لا تعطونهنّ ما كتب لهنّ، يعني: ما فرض اللّه لهنّ من الميراث عمّن ورثنه.
كما:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} قال: لا تورّثونهنّ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قوله: {لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} قال: من الميراث، قال: كانوا لا يورّثون النّساء.
واختلف أهل التّأويل في معنى قوله: {وترغبون أن تنكحوهنّ} فقال بعضهم: معنى ذلك: وترغبون عن نكاحهنّ وقد مضى ذكر جماعةٍ ممّن قال ذلك، وسنذكر قول آخرين لم نذكرهم.
- حدّثنا حميد بن مسعدة السّاميّ، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن عونٍ، عن الحسن: {وترغبون أن تنكحوهنّ،} قال: ترغبون عنهنّ.
- حدّثنا يعقوب وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا ابن عليّة، عن ابن عونٍ، عن الحسن، مثله.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، عن عروة، قال: قالت عائشة في قول اللّه: {وترغبون أن تنكحوهنّ} رغبة أحدكم عن يتيمته الّتي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النّساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، يعني ابن صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني يونس، عن ابن شهابٍ، قال: قال عروة، قالت عائشة، فذكر مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: وترغبون في نكاحهنّ. وقد مضى ذكر جماعةٍ ممّن قال ذلك قبل، ونحن ذاكرو قول من لم نذكر منهم.
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا ابن عونٍ، عن محمّدٍ عن عبيدة: {وترغبون أن تنكحوهنّ،} قال: وترغبون فيهنّ.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيعٍ قالا: حدّثنا ابن عليّة، عن ابن عونٍ، عن محمّدٍ قال: قلت لعبيدة: {وترغبون أن تنكحوهنّ} قال: ترغبون فيهنّ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ} ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ فكان الرّجل في الجاهليّة تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحدٌ أن يتزوّجها أبدًا فإن كانت جميلةً وهويها تزوّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً منعها الرّجل أبدًا حتّى تموت فإذا ماتت ورثها، فحرّم اللّه ذلك ونهى عنه.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: وترغبون عن أن تنكحوهنّ، لأنّ حبسهم أموالهنّ عنهنّ، مع عضلهم إيّاهنّ إنّما كان ليرثوا أموالهنّ دون زوجٍ إن تزوّجن. ولو كان الّذين حبسوا عنهنّ أموالهنّ إنّما حبسوها عنهنّ رغبةً في نكاحهنّ، لم يكن للحبس عنهنّ وجهٌ معروفٌ، لأنّهم كانوا أولياءهنّ، ولم يكن يمنعهم من نكاحهنّ مانعٌ فيكون به حاجةٌ إلى حبس مالها عنها ليتّخذ حبسه عنها سببًا إلى إنكاحها نفسها منه). [جامع البيان: 7/530-544]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله: {والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ويستفتونك في النّساء، قل اللّه يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.
وقد ذكرنا الرّواية بذلك عمّن قاله من الصّحابة والتّابعين فيما مضى، والّذي أفتاهم في أمر المستضعفين من الولدان أن يؤتوهم حقوقهم من الميراث لأنّهم كانوا لا يورّثون الصّغار من أولاد الميّت، وأمرهم أن يقسطوا فيهم فيعدلوا ويعطوهم فرائضهم على ما قسم اللّه لهم في كتابه.
كما:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: {والمستضعفين من الولدان} كانوا لا يورّثون جاريةً ولا غلامًا صغيرًا، فأمرهم اللّه أن يقوموا لليتامى بالقسط. والقسط: أن يعطى كلّ ذي حقٍّ منهم حقّه، ذكرًا كان أو أنثى، الصّغير منهم بمنزلة الكبير.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} قال: لا تورّثونهنّ قال {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} قال: فدخل النّساء والصّغير والكبير في المواريث، ونسخت المواريث ذلك الأوّل.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} أمروا لليتامى بالقسط: بالعدل.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ: {والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط} قال: كانوا لا يورّثون إلاّ الأكبر فالأكبر.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ قوله: {والمستضعفين من الولدان} فكانوا في الجاهليّة لا يورّثون الصّغار ولا البنات، فذلك قوله: {لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} فنهى اللّه عن ذلك، وبيّن لكلّ ذي سهمٍ سهمه، فقال: {للذّكر مثل حظّ الأنثيين} صغيرًا كان أو كبيرًا.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: {والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط} وذلك أنّهم كانوا لا يورّثون الصّغير والضّعيف شيئًا، فأمر اللّه أن يعطي نصيبه من الميراث.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنّ عمر بن الخطّاب، كان إذا جاءه وليّ اليتيمة فإن كانت حسنةً غنيّةً قال له عمر: زوّجها غيرك، والتمس لها من هو خيرٌ منك. وإذا كانت بها دمامةٌ ولا مال لها، قال: تزوّجها فأنت أحقّ بها.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونس بن عبيدٍ، عن الحسن، قال: جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أمري، وما أمر يتيمتي؟ قال: في أيٍّ ذلك ما؟ قال: ثمّ قال عليٌّ: أمتزوّجها أنت غنيّةً جميلةً؟ قال: نعم والإله. قال: فتزوّجها دميمةً لا مال لها. ثمّ قال عليٌّ: خرلها فإن كنت خيرًا لها، فإن كان غيرك خيرًا لها فألحقها بالخير
قال أبو جعفرٍ: فقيامهم لليتامى بالقسط كان العدل فيما أمر اللّه فيهم). [جامع البيان: 7/544-547]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله: {وما تفعلوا من خيرٍ فإنّ اللّه كان به عليمًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومهما يكن منكم أيّها المؤمنون من عدلٍ في أمر اليتامى الّتي أمركم اللّه أن تقوموا فيهن بالقسط، والانتهاء إلى أمر اللّه في ذلك، وفي غيره، وإلى طاعته، فإنّ اللّه كان به عليمًا لم يزل عالمًا بما هو كائنٌ منكم، في ذلك وهو محصٍ ذلك كلّه عليكم، حافظٌ له، حتّى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة). [جامع البيان: 7/547]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خيرٍ فإنّ اللّه كان به عليمًا (127)
قوله تعالى: ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهن.
- قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن الحكم، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، أخبرني عروة بن الزّبير قال: قالت عائشة:
ثمّ إنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل اللّه تعالى ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب الآية.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله: ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ يعني الفرائض الّتي فرضت في أمر النّساء.
- ذكر عن قيسٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ قال: كان رجلٌ له امرأةٌ قد كبرت وعنّست من الحيض وكان له منها أولادٌ فأراد أن يطلّقها وأن يتزوّج، فقالت: لا تطلّقني، ودعني أقوم على ولدي واقسم كلّ عشرٍ إن شئت أو أكثر من ذلك إن شئت، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحبّ إليّ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك له، فقال: قد سمع اللّه ما تقول فإن شاء، أجابك، قال: وأنزل اللّه تعالى يستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ فأفتاهم عمّا لم يسألوا عنه.
قوله تعالى: وما يتلى عليكم في الكتاب.
- قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، أخبرني عروة بن الزّبير قالت عائشة: ثمّ إنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ:
ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب الآية.
قال: والّذي ذكر اللّه أنّه يتلى عليهم في الكتاب، الآية الأولى الّتي قال اللّه فيها وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء.
قوله تعالى: في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن.
- حدّثنا عليّ بن الحسن الهسنجانيّ، ثنا عبد الحميد بن صالحٍ ثنا أبو الأحوص، عمّ عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ قال: كان أهل الجاهليّة لا يورّثون الولدان حتّى يحتلموا، فأنزل اللّه تعالى: وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ فأنزل اللّه الفرائض في أوّل سورة النّساء.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهن قال: كان أهل الجاهليّة لا يورّثون النّساء ولا الصّبيان شيئًا، كانوا يقولون: لا تغزون ولا تغنون أو قال لا تغنون، خيرًا، ففرض اللّه لهم الميراث حقًّا واجبًا.
قوله تعالى: ما كتب لهنّ.
- حدّثنا سليمان بن داود بن نصيرٍ مولى عبد اللّه بن جعفرٍ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا يحيى بن أبي زائدة، حدّثني إسرائيل عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله:
لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ قال: الميراث.
قوله تعالى: وترغبون أن تنكحوهنّ.
- حدّثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة في قول اللّه تعالى: وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ قال: أنزلت في اليتيمة تكون عند الرّجل، فتشركه في ماله فيرغب عنها أن يتزوّجها ويكره أن يزوّجها غيره، فتشركه في ماله ويعضلها ولا يتزوّجها ولا يزوّجها غيره.
- قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهبٍ، أنبأ يونس، عن ابن شهابٍ أخبرني عروة بن الزّبير قال: قالت عائشة: وقول اللّه تعالى:
وترغبون أن تنكحوهنّ رغبة أحدكم عن يتيمته الّتي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النّساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ فكان الرّجل في الجاهليّة تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه فإذا فعل ذلك بها لم يقدر أحدٌ أن يتزوّجها أبدًا، فإن كانت جميلةً وهويها تزوّجها وأكل مالها، وإن كانت ذميمة منعها الرّجال أبدًا حتّى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرّم اللّه ذلك ونهى عنه.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: وترغبون أن تنكحوهنّ قال: كان جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ ثمّ السّلميّ له بنت عمٍّ عمياء وكانت ذميمة وكانت قد ورثت عن أبيها مالا، وكان جابر بن عبد اللّه يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبةً أن يذهب الزّوج بمالها، فسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، وكان ناسٌ في حجورهم جواري أيضًا مثل ذلك، فجعل جابرٌ يسأل: أترث الجارية إذا كانت قبيحةً عمياء، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: نعم، فأنزل اللّه فيهم هذا.
قوله تعالى: والمستضعفين من الولدان.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ والمستضعفين من الولدان فكانوا في الجاهليّة لا يورّثون الصّغار ولا البنات وذلك قوله تعالى: لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ فنهى اللّه عن ذلك، وبيّن لكلّ ذي سهمٍ سهمه، فقال اللّه تعالى: للذّكر مثل حظّ الأنثيين صغيرًا أو كبيرًا.
- حدّثنا سليمان بن داود بن نصيرٍ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا يحيى بن أبي زائدة، حدّثني إسرائيل عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ والمستضعفين من الولدان قال:
كانوا لا يورّثون إلا الأكابر.
قوله تعالى: وأن تقوموا لليتامى بالقسط.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحرث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ في قوله: بالقسط قال: بالعدل.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قوله: وأن تقوموا لليتامى بالقسط قال: أمروا لليتيم بالقسط: بالعدل.
- حدّثنا أبي، ثنا إبراهيم بن موسى، أنبأ هشامٌ يعني ابن يوسف عن ابن جريجٍ، أخبرني عبد اللّه بن كثيرٍ الدّاريّ، عن سعيد بن جبيرٍ وأن تقوموا لليتامى بالقسط كما إذا كانت ذات جمالٍ ومالٍ نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات جمالٍ ولا مالٍ فانكحها واستأثر بها.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: وأن تقوموا لليتامى بالقسط فأمرهم اللّه أن يقوموا لليتامى بالقسط، والقسط أن يعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه منهم ذكرًا كان أو أنثى، الصّغير بمنزلة الكبير.
قوله تعالى: وما تفعلوا من خيرٍ.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: وما تفعلوا من خيرٍ قال: ما فعل ابن آدم من خيرٍ.
قوله تعالى: فإنّ اللّه كان به عليمًا.
- أخبرني موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المرّوذيّ وثنا شيبان بن عبد الرّحمن، عن قتادة يعني قوله: فإنّ اللّه كان به عليمًا قال: محفوظٌ ذلك عند اللّه، عالمٌ به شاكرٌ له، وأنّه لا شيء أشكر من اللّه ولا أجزى بخيرٍ من اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 3/1075-1079]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال حدثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن قال كان أهل الجاهلية لا يقسمون للنساء ولا للصبيان شيئا يقولون إنهم لا يغزون ولا يغنون خيرا ففرض الله عز وجل لهم الميراث ثم قال ترغبون أن تنكحوهن فقال ليتقين رجل في مال يتيمه إن لم يكن له حسنة وأمروا فليتيم بالقسط يعني بالعدل). [تفسير مجاهد: 175-176]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا محمّد بن إسحاق الصّغانيّ، ثنا أبو الجوّاب، ثنا عمّار بن رزيقٍ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله عزّ وجلّ " {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} [النساء: 127] في أوّل السّورة من المواريث، كانوا لا يورّثون صبيًّا حتّى يحتلم «هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/337]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {ويستفتونك في النساء} الآية، قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام قال {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} في أول السورة في الفرائض.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا قلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد ثم قالوا: سلوا، فسألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} في أول السورة في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن، قال سعيد ابن جبير: وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم ينكحها.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيرا ففرض الله لهن الميراث حقا واجبا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها فأنزل الله هذا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيرغب أن ينكجها ولا يعطيها مالها رجاء أن تموت فيرثها وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئا وكان ذلك في الجاهلية فبين الله لهم ذلك وكانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئا فأمر الله أن يعطى نصيبه من الميراث.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كان جابر بن عبد الله له ابنة عم عمياء وكانت دميمة وكانت قد ورثت من أبيها مالا فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها فسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك وكان ناس في حجورهم جوار أيضا مثل ذلك فأنزل الله فيهم هذا.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق السدي عن أبي مالك في قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} قال: كانت المرأة إذا كانت عند ولي يرغب عن حسنها لم يتزوجها ولم يترك أحدا يتزوجها {والمستضعفين من الولدان} قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} قال: ما يتلى عليكم في أول السورة من المواريث وكانوا لا يورثون امرأة ولا صبيا حتى يحتلم
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن عائشة في قوله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} إلى قوله {وترغبون أن تنكحوهن} قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووراثها قد شركته في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية.
وأخرج البخاري ومسلم، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) قالت: وقول الله {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون
قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه وكانوا لا يورثون الصغار ولا البنات وذلك قوله {لا تؤتونهن ما كتب لهن} فنهى الله عنه وبين لكل ذي سهم سهمه صغيرا كان أو كبيرا.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة فيرغب عنها أن ينكحها ولا ينكحها رغبة في مالها.
وأخرج القاضي إسماعيل في أحكام القرآن عن عبد الملك بن محمد بن حزم أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد وكان له منها ابنة فأتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها ففيها نزلت {ويستفتونك في النساء} الآية.
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن، وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما: ترغبون فيهن وقال الآخر: ترغبون عنهن.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن الحسن في قوله: {وترغبون أن تنكحوهن} قال: ترعبون عنهن.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عبيدة {وترغبون أن تنكحوهن} قال: ترغبون عنهن). [الدر المنثور: 5/60-65]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النّبيّ قالت: أنزل اللّه هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السّنّ فتجعل يومها لامرأةٍ أخرى، ففي ذلك أنزلت: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً}). [الجامع في علوم القرآن: 1/65]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وسمعت الليث قال: {الشح}: ترك الفرائض وانتهاك المحارم، [وا = ... .. ] المال). [الجامع في علوم القرآن: 2/158]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وعن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال في قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا قال كانت تحته امرأته قد خلا من سنها فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها فأبت امرأته الأولى أن تقر على ذلك فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك قالت بل راجعني وأصبر على الأثرة فراجعها وآثر عليها الشابة فلم تصبر على الأثرة فطلقها وآثر عليها الشابة حتى إذا بقي من اجلها يسير قال لها مثل قوله الأول فقالت راجعني وأصبر قال فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله تعالى أنزل فيه وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا.
عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة مثل حديث الزهري وزاد فإن أضر بها الثالثة فإن عليه أن يوفيها حقها أو يطلقها). [تفسير عبد الرزاق: 1/175]

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن الزّهري، عن سعيد بن المسيّب، أنّ رافع بن خديج تزوّج ابنة محمّد بن مسلمة، فأراد أن يطلّقها، فقالت: لا تطلّقني، وأمسكني، واقسم لي ما بدا لك أن تقسم، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا}، فجرت السّنّة بأنّ الرّجل إذا كانت عنده امرأةٌ فكبرت، وكرهها، فأراد أن يطلّقها، فصالحته على صلحٍ، فله أن يمسكها ويقسم لها ما شاء.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أنزلت في سودة وأشباهها: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: ذلك أنّ سودة بنت زمعة قد أسنّت، ففرقت أن يفارقها رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، وضنّت بمكانها منه، وعرفت من حبّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عائشة، ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي اللّه عنها، فقبل ذلك رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم). [سنن سعيد بن منصور: 4/1398-1401]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} [النساء: 128]
وقال ابن عبّاسٍ: {شقاقٌ} [البقرة: 137]:«تفاسدٌ» ، {وأحضرت الأنفس الشّحّ} [النساء: 128]:«هواه في الشّيء يحرص عليه» ، {كالمعلّقة} [النساء: 129]:«لا هي أيّمٌ، ولا ذات زوجٍ» . {نشوزًا} [النساء: 128]:«بغضًا»
- حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ، أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} [النساء: 128] قالت: " الرّجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثرٍ منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك "). [صحيح البخاري: 6/49]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضا كذا للجميع بغير باب). [فتح الباري: 8/265]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وأحضرت الأنفس الشّح قال هواه في الشّيء يحرص عليه وصله بن أبي حاتم أيضا بهذا الإسناد عن ابن عبّاسٍ). [فتح الباري: 8/265]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله نشوزًا بغضًا وصله بن أبي حاتمٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ في قوله وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا قال يعني البغض وقال الفرّاء النّشوز يكون من قبل المرأة والرّجل وهو هنا من قبل الرّجل قوله عبد الله هو بن المبارك قوله قالت الرّجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثرٍ منها أي في المحبّة والمعاشرة والملازمة قوله فتقول أجعلك من شأني في حلٍّ أي وتتركني من غير طلاقٍ قوله فنزلت في ذلك زاد أبو ذرٍّ عن غير المستملي وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو اعراضا الآية وعن عليٍّ نزلت في المرأة تكون عند الرّجل تكره مفارقته فيصطلحان على أن يجيئها كلّ ثلاثة أيّامٍ أو أربعةٍ وروى الحاكم من طريق بن المسيّب عن رافع بن خديجٍ أنّه كانت تحته امرأةٌ فتزوّج عليها شابّةً فآثر البكر عليها فنازعته فطلّقها ثمّ قال لها إن شئت راجعتك وصبرت فقالت راجعني فراجعها ثمّ لم تصبر فطلّقها قال فذلك الصّلح الّذي بلغنا أنّ اللّه أنزل فيه هذه الآية وروى التّرمذيّ من طريق سماكٍ عن عكرمة عن بن عبّاسٍ قال خشيت سودة أن يطلّقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت يا رسول اللّه لا تطلّقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية وقال حسنٌ غريبٌ قلت وله شاهدٌ في الصّحيحين من حديث عائشة بدون ذكر نزول الآية). [فتح الباري: 8/265-266]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
وقال ابن عبّاس شقاق تفاسد {وأحضرت الأنفس الشّح} 128 النّساء هواه في الشّيء يحرص عليه كالمعلقة لا هي أيم ولا ذات زوج نشوزًا بغضا انتهى). [تغليق التعليق: 4/199]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علّي عن ابن عبّاس في قوله {شقاق بينهما} 35 النّساء قال تفاسد
وبه في قوله 128 النّساء {وأحضرت الأنفس الشّح} قال هواه في الشّيء تحرص عليه). [تغليق التعليق: 4/199]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن أبي حاتم ثنا حجاج بن حمزة ثنا علّي بن الحسن بن شقيق ثنا الحسين بن واقد ثنا يزيد النّحويّ عن عكرمة عن ابن عبّاس في قوله 125 النّساء {فتذروها كالمعلقة} قال لا هي أيم ولا هي ذات زوج
وقال أيضا ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علّي عن ابن عبّاس في قوله 128 النّساء {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا} يعني البغض). [تغليق التعليق: 4/199]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} (النّساء: 128)

كذا وقع عند جميع الرواة بغير ذكر لفظ: باب، ووقع في بعض النّسخ، فالظّاهر أنه من بعض النّسخ. قوله: (وإن امرأة خافت) أي: إن خافت امرأة من بعلها أي: من زوجها. قوله: (نشوزًا) وهو الترفع عنها ومنع النّفقة وترك المودّة الّتي بين الرجل والمرأة وإيذاؤها بسب أو ضرب أو نحو ذلك، قوله: (وإعراضا) أي: وخافت إعراضًا، وهو أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها وذلك لبعض الأسباب من طعن في سنّ أو سيء في خلق أو خلق أو دمامة أو ملال أو طموح عين إلى أخرى أو غير ذلك، وجوابه قوله: (فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا) والصّلح بينهما أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفت مكان عائشة، رضي الله تعالى عنها، عنده، فوهبت لها يومها. وقال الزّمخشريّ: وقرئ: (تصالحا) وتصالحا، بمعنى يتصالحا ويصطلحا. ثمّ قال الله تعالى: {والصّلح خير} أي: من الفراق). [عمدة القاري: 18/191]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وأحضرت الأنفس الشحّ هواه في الشيء يحرص عليه كالمعلقة لا هي أيمٌ ولا ذات زوجٍ.
أشار بقوله: (وأحضرت الأنفس الشّح) إلى أنه هو المذكور بعد قوله تعالى: {الصّلح خبر} ثمّ فسره بقوله: هواه، في الشّيء يحرص عليه، وهو المرويّ أيضا عن ابن عبّاس رواه عنه ابن أبي حاتم من طريق معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة ويقال: الشّح البخل مع الحرص، وقيل: الإفراط في الحرص). [عمدة القاري: 18/191]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (نشوزا بغضا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا} وفسره بقوله: (بغضا) وكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وقال فيه: يعني بغضا. وقال الفراء: النّشوز يكون من قبل المرأة والرجل، وهو هنا من قبل الرجل.
- حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ أخبرنا عبد الله أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا قالت الرّجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثرٍ منها يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني في حلت فنزلت هذه الآية في ذلك.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وعبد الله هو ابن المبارك، وعروة وابن الزبير بن العوام.
والحديث مضى في الصّلح عن محمّد ولم ينسبه عن ابن المبارك به، وفيه أيضا عن قتيبة عن سفيان به.
قوله: (ليس بمستكثر منها) أي: من المرأة في المحبّة والمعاشرة والملازمة. قوله: (يريد) أي: الرجل. قوله: (فتقول) أي: المرأة. قوله: (من شأني) أي: ممّا يتعلّق بأمري من النّفقة والكسوة والصّداق تجعله في حل ليفارقها. قوله: (فنزلت الآية) أي: المذكورة، وزاد أبو ذر عن غير المستملي: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا) الآية. وعن عليّ رضي الله تعالى عنه، نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره مفارقته فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيّام أو أربعة، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى عليّ رضي الله تعالى عنه، بأطول منه، وروى الحاكم من طريق ابن المسيب عن رافع بن خديج أنه كانت تحته امرأة فتزوج عليها شابة فآثر البكر عليها فنازعته وطلقها، ثمّ قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت. فقالت: راجعني، فراجعها ثمّ لم تصبر فطلقها. قال: فذلك الصّلح الّذي بلغنا أن الله تعالى أنزل فيه هذه الآية، وروى التّرمذيّ من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عبّاس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله: لا تطلّقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية. وقال: حسن غريب. وقال أبو العبّاس محمّد بن عبد الرّحمن الدغولي في أول معجمه، حدثنا محمّد بن يحيى حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي بردة. قال: بعث النّبي صلى الله عليه وسلم إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلمّا أتاها جلست له على طريق عائشة، فلمّا رأته قالت له: أنشدك بالّذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإنّي قد كبرت ولا حاجة لي في الرّجال، ابعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها، فقالت: إنّي قد جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: هذا غريب ومرسل). [عمدة القاري: 18/192]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( ({وإن امرأة خافت من بعلها}) أي زوجها ({نشوزًا}) بأن يتجافى عنها ويمنعها نفقته ونفسه أو يؤذيها بشتم أو ضرب ({أو إعراضًا}) [النساء: 128] بتقليل المحادثة والمؤانسة بسبب طعن في سن أو دمامة أو غيرهما أو امرأة فاعل بفعل مضمر واجب الإضمار وهو من باب الاشتغال والتقدير وإن خافت امرأة خافت ولا يجوز رفعه بالابتداء لأن أداة الشرط لا يليها إلا الفعل عند جمهور البصريين). [إرشاد الساري: 7/97]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {وأحضرت الأنفس الشّحّ} [النساء: 128]
هواه في الشّيء يحرص عليه. {كالمعلّقة} لا هي أيّمٌ ولا ذات زوجٍ {نشوزًا}: بغضًا.
({وأحضرت الأنفس الشح}) قال الإمام: المعنى أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس
اللازم لها يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، وهذا معنى قول الكشاف: إن الشح قد جعل حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه، فالمرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها، وجملة وأحضرت كقوله: {والصلح خير} اعتراض. قال أبو حيان: كأنه يريد أن قوله: {وإن يتفرقا} معطوف على قوله: {فلا جناح عليهما} فجاءت الجملتان بينهما اعتراضًا، وتعقبه بعضهم فقال فيه نظر فإن بعدهما جملًا أخر ينبغي أن يقول الزمحشري في الجميع إنها اعتراض ولا يخص {والصلح خير وأحضرت الأنفس} بذلك، وإنما أراد الزمخشري بذلك الاعتراض بين قوله: {وإن امرأة خافت} وقوله: ({وأن تحسنوا} [النساء: 128] فإنهما شرطان متعاطفان ويدل عليه تفسيره بما يفيد هذا المعنى فلينظر من موضعه، وقد فسر المؤلّف الشح بما فسره به ابن عباس مما وصله ابن أبي حاتم حيث قال: (هواه في الشيء يحرص عليه) وقيل: الشح البخل مع الحرص، وقيل الإفراط في الحرص). [إرشاد الساري: 7/97]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقال ابن عباس أيضًا مما وصله ابن أبي حاتم أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله: ({نشوزًا}) أي (بغضًا).
- حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ، أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها-: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قالت: الرّجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثرٍ منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حلٍّ فنزلت هذه الآية في ذلك.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة -رضي الله عنها-) في قوله تعالى: ({وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها) أي في المحبة والمعاشرة والملازمة (يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني) من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقي (في حل) أي وتتركني بغير طلاق (فنزلت هذه الآية) زاد أبوا الوقت وذر عن الحموي: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} الآية. (في ذلك) فإذا تصالح الزوجان على أن تطيب له نفسًا في القسمة أو عن بعضها فلا جناح عليهما كما فعلت سودة بنت زمعة فيما رواه الترمذي عن ابن عباس بلفظ: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية وقال: حسن غريب. وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة وترك سودة في جملة نسائه وفعل ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه). [إرشاد الساري: 7/97]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا سليمان بن معاذٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: خشيت سودة أن يطلّقها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: لا تطلّقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ} فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ). [سنن الترمذي: 5/99]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا}
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو معاوية، حدّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة في قوله تعالى: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} [النساء: 128] أنزلت في المرأة تكون عند الرّجل لا يستكثر منها، فيريد أن يطلّقها ويتزوّج غيرها، فتقول: لا تطلّقني وأمسكني وأنت في حلٍّ من النّفقة والقسمة لي، فأنزل الله جلّ وعزّ {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} [النساء: 128]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/74]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ وأحضرت الأنفس الشّحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها} يقول: علمت من زوجها {نشوزًا} يعني استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، أثرةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إمّا لبغضةٍ، وإمّا لكراهةٍ منه بعض أسبابها، إمّا دمامتها، وإمّا سنّها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها. {أو إعراضًا} يعني: انصرافًا عنها بوجهه أو ببعض منافعه، الّتي كانت لها منه. {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} يقول فلا حرج عليهما، يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحًا، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حقٍّ عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتّمسّك بالعقد الّذي بينها وبينه من النّكاح، يقول: {والصّلح خيرٌ} يعني: والصّلح بترك بعض الحقّ استدامةً للحرمة، وتماسكًا بعقد النّكاح، خيرٌ من طلب الفرقة والطّلاق.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن سماكٍ، عن خالدٍ بن عرعرة أنّ رجلاً أتى عليًّا رضي اللّه عنه يستفتيه في امرأةٍ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، فقال: قد تكون المرأة عند الرّجل، فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حلّ له، وإن جعلت له من أيّامها شيئًا فلا حرج.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن سماك بن حربٍ عن خالدٍ بن عرعرة، قال: سئل عليٌّ رضي اللّه عنه: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا} أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا قال: المرأة الكبيرة أو الدّميمة أو لا يحبّها زوجها فيصطلحان.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة وحمّاد بن سلمة وأبو الأحوص، كلّهم عن سماك بن حربٍ، عن خالدٍ بن عرعرة، عن عليٍّ رضي اللّه عنه بنحوه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن خالدٍ بن عرعرة التيمي، أنّ رجلاً سأل عليًّا رضي اللّه عنه عن قوله: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} قال: تكون المرأة عند الرّجل دميمةً فتنبو عينه من دمامتها أو كبرها، فإن جعلت له من أيّامها أو مالها شيئًا فليس عليه جناحٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، وابن وكيعٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: جاء رجلٌ إلى عمر، فسأله عن آيةٍ، فكره ذلك وضربه بالدّرّة، فسأله آخر عن هذه الآية: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} فقال: عن مثل هذا فسلوا. ثمّ قال: هذه المرأة تكون عند الرّجل قد خلا من سنّها، فيتزوّج المرأة الشّابّة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا عمران بن عيينة، قال: حدّثنا عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: هي المرأة تكون عند الرّجل حتّى تكبر، فيريد أن يتزوّج عليها، فيتصالحا بينهما صلحًا عن أنّ لها يومًا ولهذه يومان أو ثلاثةٌ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عمران، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عبّاسٍ بنحوه إلاّ أنّه قال: حتّى تلد أو تكبر، وقال أيضًا: فلا جناح عليهما أن يصّالحها على ليلةٍ، والأخرى ليلتين.
حدّثنا ابن وكيعٍ، وابن حميدٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: هي المرأة تكون عند الرّجل قد طالت صحبتها وكبرت، فال فيريد أن يتبدل بها فتكره أن تفارقه فيتزوّج عليها، فيصّالحها على أن يجعل لها أيّامًا، وللأخرى الأيّام والشّهر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عمرو بن أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ عن ابن عبّاسٍ: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: هي المرأة تكون عند الرّجل، فيريد أن يفارقها، فتكره أن يفارقها، ويريد أن يتزوّج، فيقول: إنّي لا أستطيع أن أقسم لك مثل ما أقسم لها، فتصالحه على أن يكون لها في الأيّام يومٌ، فيتراضيان على ذلك، فيكونان على ما اصطلحا عليه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ} قالت هذا في المرأة تكون عند الرّجل، فلعلّه لا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولدٌ ويكون ولها صحبةٌ، فتقول: لا تطلّقني وأنت في حلٍّ من شأني.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قالت: هذا الرّجل يكون له امرأتان: إحداهما قد عجزت، أو هي دميمةٌ لا يستكثر منها، فتقول لا تطلّقني وأنت في حلٍّ من شأني.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حبّان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحوه، غير أنّه قال: فتقول: أجعلك من شأني في حلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} فال تلك المرأة تكون عند الرّجل لا يرى منها كثير ما يحبّ، وله امرأةٌ غيرها أحبّ إليه منها، فيؤثرها عليها، فأمره اللّه إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه، إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خلّيت سبيلك. فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيّرها فلا جناح عليه، وهو قوله: {والصّلح خيرٌ} وهو التّخيير.
- حدّثنا الرّبيع بن سليمان، وبحر بن نصرٍ، قالا: حدّثنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني ابن أبي الزّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أنزل اللّه هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السّنّ، فتجعل يومها لامرأةٍ أخرى، قالت: ففي ذلك أنزل الله: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا}.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قول اللّه: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: هي المرأة تكون مع زوجها، فيريد أن يتزوّج عليها فتصالحه من يومها على صلحٍ. قال: فهما على ما اصطلحا عليه، فإن انتقضت به فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنّه كان يقول ذلك.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجّاجٌ، عن مجاهدٍ، أنّه كان يقول ذلك.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} إلى آخر الآية، قال: يصالحها على ما رضيت دون حقّها، فله ذلك ما رضيت، فإذا أنكرت أو قال: غرت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها أو يطلّقها.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، عن أيّوب، عن محمّدٍ، قال: سألت عبيدة عن قول اللّه: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا}
قال: هو الرّجل تكون له امرأةٌ قد خلا من سنّها، فتصالحه من حقّها على شيءٍ، فهو له ما رضيت، فإذا كرهت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها من حقّها، أو يطلّقها.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا} فذكر نحو ذلك، إلاّ أنّه قال: فإن سخطت فله أن يرضيها، أو يوفيها حقّها كلّه، أو يطلّقها.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، قال إبراهيم: إذا شاءت كانت على حقّها، وإن شاءت أبت، فردّت الصّلح فذاك بيدها، فإن شاء طلّقها، وإن شاء أمسكها على حقّها.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما} قال: قال عليّ: تكون المرأة عند الرّجل الزّمان الكثير، فتخاف أن يطلّقها، فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت، يبيت عندها في كذا وكذا ليلةٍ وعند الأخرى ما تراضيا عليه، وأن تكون نفقتها دون ما كانت؛ وما صالحته عليه من شيءٍ فهو جائزٌ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الملك، عن أبيه، عن الحكم: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: هي المرأة تكون عند الرّجل، فيريد أن يخلّي سبيلها، فإذا خافت ذلك منه فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا، تدع من أيّامها إذا تزوّج.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} إلى قوله: {والصّلح خيرٌ} وهو الرّجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشّابّة، فيكره أن يفارق أمّ ولده، فيصالحها على عطيّةٍ من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصّلح.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} فقرأ حتّى بلغ {فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا} وهذا في الرّجل تكون عنده المرأة قد خلا من سنّها وهان عليه بعض أمرها، فيقول: إن كنت راضيةً من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضين به قبل اليوم، فإن اصطلحا من ذلك على أمر اللّه فقد أحلّ لهما ذلك، وإن أبت فإنّه لا يصلح له أن يحبسها على الخسف.
- حدّثت عن الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسارٍ: أنّ رافع بن خديجٍ، كانت تحته امرأةٌ قد خلا من سنّها، فتزوّج عليها شابّةً، فآثر الشّابّة عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقيم أن تقر على ذلك، فطلّقها تطليقةً، حتّى إذا بقي من أجلها يسيرٌ،
قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتّى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة. فراجعها، ثمّ آثر عليها فلم تصبر على الأثرة فطلّقها أخرى، وآثر عليها الشّابّة. قال: فذلك الصّلح الّذي بلغنا أنّ اللّه أنزل فيه: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا}.
قال الحسن: قال عبد الرّزّاق: قال معمرٌ: وأخبرني أيّوب عن ابن سيرين، عن عبيدة بمثل حديث الزّهريّ، وزاد فيه، فإن أضرّ بها الثّالثة فإنّ عليه أن يوفيها حقّها، أو يطلّقها.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: قول الرّجل لامرأته: أنت كبيرةٌ، وأنا أريد أن أستبدل امرأةً شابّةً وضيئةً، فقرّي على ولدك، فلا أقسم لك من نفسي شيئًا. فذلك الصّلح بينهما، وهو أبو السّنابل بن بعككٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ: {من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} ثمّ ذكر نحوه، قال شبلٌ: فقلت له: فإن كانت لك امرأةٌ فتقسم لها، ولم تقسم لهذه؟ قال: إذا صالحته على ذلك فليس عليه شيءٌ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن جبارٍ قال: سألت عامرًا عن الرّجل، تكون عنده المرأة يريد أن يطلّقها فتقول: لا تطلّقني، واقسم لي يومًا، وللّتي تزوّج يومين. قال: لا بأس به هو صلحٌ.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ} قال: المرأة ترى من زوجها بعض الجفاء اوتكون قد كبرت، أو لا تلد، فيريد زوجها أن ينكح غيرها فيأتيها، فيقول: إنّي أريد أن أنكح امرأةً أ شبّ منك، لعلّها أن تلد لي وأوثرها في الأيّام والنّفقة. فإن رضيت بذلك وإلاّ طلّقها، فيصطلحان على ما أحبّا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قال: نشوزًا عنها، غرض بها الرّجل تكون له المرأتان، أو إعراضًا فتركها {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} إمّا أن يرضيها فتحلله، وإمّا أن ترضيه فتعطفه على نفسها.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} يعني: البغض.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} فهو الرّجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فيتزوّج عليها المرأة الشّابّة، فيميل إليها، وتكون أعجب إليه من الكبيرة، فيصالح الكبيرة على أن يعطيها من ماله، ويقسم لها من نفسه نصيبًا معلومًا.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، وزيد بن أخرم، قالا: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا سليمان بن معاذٍ، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: خشيت سودة أن يطلّقها، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: لا تطلّقني واحبسنى مع نسائك، ولا تقسم لي. ففعل فنزلت: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا}.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (أن يصّالحا بينهما صلحًا) فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة بفتح الياء وتشديد الصّاد، بمعنى: أن يتصالحا بينهما صلحًا، ثمّ أدغمت التّاء في الصّاد فصيّرتا صادًا مشدّدةً. وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة: {أن يصلحا بينهما صلحًا} بضمّ الياء وتخفيف الصّاد، بمعنى: أصلح الزّوج والمرأة بينها.
وأعجب القراءتين في ذلك إليّ قراءة من قرأ: (إلاّ أن يصّالحا بينهما صلحًا) بفتح الياء وتشديد الصّاد، بمعنى: يتصالحا، لأنّ التّصالح في هذا الموضع أشهر وأوضح معنًى وأفصح وأكثر على ألسن العرب من الإصلاح، والإصلاح في خلاف الإفساد أشهر منه في معنى التّصالح
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ في قوله: {صلحًا} دلالةٌ على أنّ قراءة من قرأ ذلك: {يصلحا} بضمّ الياء أولى بالصّواب، فإنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أنّ الصّلح اسمٌ وليس بفعلٍ فيستدلّ به على أولى القراءتين بالصّواب في قوله: {يصلحا بينهما صلحًا}). [جامع البيان: 7/548-560]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأحضرت الأنفس الشّحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا}
اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النّساء الشّحّ على أنصبائهنّ من أنفس أزواجهنّ وأموالهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: نصيبها منه.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو أحمد، وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، قالا جميعًا: حدّثنا سفيان، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: في الأيّام والنفقه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: في الأيّام والنّفقة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن مهديٍّ وابن يمانٍ، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: في النّفقة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا روحٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: في النّفقة.
- وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: في الأيّام.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في هذه الآية: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: نفس المرأة على نصيبها من زوجها من نفسه وماله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، بمثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حبّان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ عن سعيد بن جبيرٍ، مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عن سفيان، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: في النّفقة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن يمٍان، عن سفيان، عن الشّيبانيّ، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: في الأيّام والنّفقة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن الشّيبانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: في الأيّام والنّفقة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: المرأة تشحّ على مال زوجها ونفسه.
- حدّثنا المثنّى، قال: أخبرنا حبّان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: جاءت المرأة حين نزلت هذه الآية: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قالت: إنّي أريد أن تقسم لي من نفسك. وقد كانت رضيت أن يدعها فلا يطلّقها ولا يأتيها؛ فأنزل اللّه: {وأحضرت الأنفس الشّحّ}.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: تطّلّع نفسها إلى زوجها وإلى نفقته. قال: وزعم أنّها نزلت في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي سودة بنت زمعة كانت قد كبرت، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطلّقها، فاصطلحا على أن يمسكها ويجعل يومها لعائشة، فشحّت بمكانها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كلّ واحدٍ من الرّجل والمرأة الشّحّ بحقّه قبل صاحبه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ، يقول في قوله: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئًا فتحلّله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئًا من مالها، فتعطفه عليها.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بالصّواب، قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النّساء الشّحّ بأنصبائهنّ من أزواجهنّ في الأيّام والنّفقة. والشّحّ: الإفراط في الحرص على الشّيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيّامها من زوجها ونفقتها
فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النّساء أهواءهنّ من فرط الحرص على حقوقهنّ من أزواجهنّ، والشّحّ بذلك على ضرائرهنّ.
وبنحو ما قلنا في معنى الشّحّ، ذكر عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقول.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ قوله: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} والشّحّ: هواه في الشّيء يحرص عليه.
وإنّما قلنا هذا القول أولى بالصّواب من قول من قال: عنى بذلك: وأحضرت أنفس الرّجال والنّساء الشّحّ، على ما قاله ابن زيدٍ، لأنّ مصالحة الرّجل امرأته بإعطائه إيّاها من ماله جعلاً على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزةٍ، وذلك أنّه غير معتاضٍ عوضًا من جعله الّذي بذله لها، والجعل لا يصحّ إلاّ على عوضٍ: إمّا على عينٍ، وإمّا على منفعةٍ، والرّجل متى جعل للمرأة جعلاً على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينًا ولا منفعةً. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنّه لا وجه لقول من قال: عنى بذلك: الرّجل والمرأة.
فإن ظنّ ظانٌّ أنّ ذلك إذ كان حقًّا للمرأة، ولها المطالبة به، فللرّجل افتداؤه منها بجعلٍ، فإنّ شفعة المستشفع في حصّةٍ من دارٍ اشتراها رجلٌ من شريكٍ له فيها حقٌّ، المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعلٍ، وفي إجماع الجميع على أنّ الصّلح في ذلك على عوضٍ غير جائزٍ، إذ كان غير معتاضٍ منه المطلوب في الشّفعة عينًا ولا نفعًا، ما يدلّ على بطول صلح الرّجل امرأته على عوضٍ، على أن تصفح عن مطالبتها إيّاه بالقسمة لها.
وإذ فسد ذلك صحّ أنّ تأويل الآية ما قلنا. وقد أبان الخبر الّذي روّيناه عن سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسارٍ، أنّ قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} الآية، نزلت في أمر رافع بن خديجٍ وزوجته، إذ تزوّج عليها شابّةً، فآثر الشّابّة عليها، فأبت الكبيرة أن تقرّ على الأثرة، فطلّقها تطليقةً وتركها، فلمّا قارب انقضاء عدّتها، خيّرها بين الفراق والرّجعة والصّبر على الأثرة، فاختارت الرّجعة والصّبر على الأثرة، فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر فطلّقها. ففي ذلك دليلٌ واضحٌ على أنّ قوله: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} إنّما عنى به: وأحضرت أنفس النّساء الشّحّ بحقوقهنّ من أزواجهنّ على ما وصفنا.
وأمّا قوله: {وإن تحسنوا وتتّقوا} فإنّه يعني: وإن تحسنوا أيّها الرّجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهنّ دمامةً أو خلقًا، أو بعض ما تكرهون منهنّ بالصّبر عليهنّ، وإيفائهنّ حقوقهنّ، وعشرتهنّ بالمعروف {وتتّقوا} يقول: وتتّقوا اللّه فيهنّ بترك الجور منكم عليهنّ فيما يجب لمن كرهتموه منهنّ عليكم من القسمة له والنّفقة والعشرة بالمعروف {فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا} يقول: فإنّ اللّه كان بما تعملون في أمور نسائكم أيّها الرّجال من الإحسان إليهنّ والعشرة بالمعروف، والجور عليهنّ فيما يلزمكم لهنّ ويجب {خبيرًا} يعني عالمًا خابرًا، لا يخفى عليه منه شيءٌ، بل هو به عالمٌ، وله محصٍ عليكم، حتّى يوفيكم جزاء ذلك المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته). [جامع البيان: 7/560-565]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ وأحضرت الأنفس الشّحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا (128)
قوله تعالى: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا.
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا سليمان بن معاذٍ، عن سماك ابن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: خشيت سودة أن يطلّقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: يا رسول اللّه، لا تطلّقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا الآية.
- حدّثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة في قوله: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما قال: أنزلت في المرأة تكون عند الرّجل فتطوع صحبتها، ولعلّها لا تكون لها ولدٌ أو لا يكون لها ولدٌ، يريد طلاقها فتقول: لا تطلّقني وأمسكني وأنت في حلٍّ، فأنزلت هذه الآية في ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير بن حازمٍ قال: سمعت قيسًا في قول اللّه: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا قال: نزلت في أبي السّنابل بن بعككٍ أخي بني عبد الدار.
قوله تعالى: نشوزًا.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ في قوله: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا يعني: البغض.
- حدّثنا أبي، ثنا المسيّب بن واضحٍ، ثنا ابن المبارك، عن ابن جريح، عن عطاءٍ قال: النّشوز: أن تحبّ فراقه، وإن لم يهوى في ذلك.
قوله تعالى: أو إعراضا.
- حدّثنا أبو عبيدٍ اللّه بن أخي ابن وهبٍ، ثنا ابن وهبٍ، أخبرني يونس عن ابن شهابٍ، أخبرني سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسارٍ أنّ السّنّة في الآية الّتي ذكر اللّه فيها نشوز المرء وإعراضه عن امرأته إنّ المرء إذا نشز عن امرأته أو أعرض عنها فإنّ من الحقّ عليه أن يعرض عليها أن يطلّقها، أو تستقرّ عنده على ما رأت من أثرةٍ في القسم من نفسه وماله.
قوله تعالى: فلا جناح عليهما.
- حدّثنا عليّ بن الحسن الهسنجانيّ، ثنا مسدّدٌ، ثنا أبو الأحوض عن سماك ابن حربٍ عن خالد بن عرعرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول اللّه تبارك وتعالى: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما قال عليٌّ: يكون الرّجل عند المرأة فتنبوا عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قرها، فتكبره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا (حلّ) له، وإن جعلت له من أيّامها فلا حرج.
قوله تعالى: أن يصلحا بينهما (صلحًا).
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ، ثنا أبو داود، ثنا سليمان بن معاذ، عن سماك ابن حربٍ عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: خشيت سودة أن يطلّقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: يا رسول اللّه، لا تطلّقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ قال: فما (اصطلحا) عليه من شيءٍ فهو جائز.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزّهريّ أخبرني سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسارٍ أنّ الصّلح الّذي قال اللّه تعالى فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ وقد ذكر إلى سعيد سليمان أنّ رافع بن خديجٍ الأنصاريّ وكان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت عنده امرأةٌ حتّى إذا كبرت تزوّج عليها فتاةً شابّةً، فآثر عليها الشّابّة، فناشدته الطّلاق، فطلّقها تطليقةً واحدةً، ثمّ أمهلها حتّى إذا كادت تحلّ راجعها، ثمّ عاد فآثر الشّابّة عليها فناشدته الطّلاق، فطلّقها تطليقةً واحدةً، ثمّ أمهلها حتّى إذا كانت تحلّ راجعها، ثمّ عاد فآثر عليها الفتاة، فناشدته الطّلاق، فقال لها: ما شئت إنّما بقيت لك تطليقةٌ واحدةٌ فإن شئت استقررت على ما تريدين من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت له:
بل أستقرّ على الأثرة، فأمسكها على ذلك فكان ذلك صلحًا، ولم ير رافعٌ عليه إثمًا حين رضيت بأن تستقرّ على الأثرة فيما آثر به عليها.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا أبو معاوية، عن هشامٍ يعني ابن عروة عن أبيه، عن عائشة في قوله: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا الآية. قالت: هي المرأة عند الرّجل لا يستكثر منها فيريد أن يطلّقها ويتزوّج غيرها، فتقول: احبسني ولا تطلّقني فأنت في حلٍّ من النّفقة عليّ والقسمة لي، فذلك قوله:
فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ. وروي عن ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وعطيّة العوفيّ، وعطاء بن أبي رباحٍ، والحسن، ومكحول، ومجاهد، والحكم ابن عتيبة نحو ذلك.
قوله تعالى: والصّلح خيرٌ.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ والصّلح خيرٌ وهو التّخيير.
قوله تعالى: وأحضرت.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا شيخٌ من الرّازيّين، ثنا أبو هشامٍ أصرم، ثنا أبو سنانٍ، عن الضّحّاك قوله: وأحضرت الأنفس الشّحّ قال: ألزمت.
قوله تعالى: الأنفس الشّحّ.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن الوليد بن مهران، ثنا سلمة يعني ابن الفضل، عن سليمان يعني بن قرمٍ، عن سماك بن حربٍ، عن خالد بن عرعرة، عن عليٍّ في قوله: وأحضرت الأنفس الشّحّ قال: أحضرت المرأة الشّحّ على زوجها من نفسه وماله.
- حدّثنا أبي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: وأحضرت الأنفس الشّحّ قال: المرأة تشحّ على مال زوجها وبنيه.
قوله تعالى: الشّحّ.
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ، ثنا عبد الرّحمن يعني الدّشتكيّ، ثنا عمرٌو يعني ابن أبي قيسٍ عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ:
وأحضرت الأنفس الشّحّ منها ومنه.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: وأحضرت الأنفس الشّحّ هواه في الشّيء يحرص عليه.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ ومحمّد بن عبد اللّه المخرّميّ قالا: ثنا عبد الرحمن ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن الشّيبانيّ، عن سعيد بن جبيرٍ وأحضرت الأنفس الشّحّ قال: في الأيّام والنّفقة.
وروي عن عطاءٍ قال: في النّفقة.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا الحسن بن عطيّة، ثنا الفضيل يعني ابن مرزوقٍ، عن عطيّة في قوله: وأحضرت الأنفس الشّحّ قال: في الجماع.
- حدّثنا أبي، ثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان في قوله: وأحضرت الأنفس الشّحّ قال: يريد أن يأخذ منها وتأبى أن تعطيه يعني في الخلع.
قوله تعالى: وإن تحسنوا وتتقوا الآية.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى وتتقوا يعني المؤمنين يحذّرهم). [تفسير القرآن العظيم: 4/1079-1082]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة قال سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في قوله عز وجل وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا قال هو الرجل يكون عنده امرأتان فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراتها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليال ولا يفارقها فما طابت به نفسها فلا بأس به فإن رجعت سوى بينهما). [تفسير مجاهد: 176-177]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هذا في الرجل يكون عنده المرأة الكبيرة فيقول لها أنت كبيرة وأنا أريد أن استبدل بك امرأة شابة فإن شئت فاستقري على ولدك فاقسم لك من نفسي شيئا فإن رضيت فهو الصلح الذي قال الله عز وجل والصلح خير نزلت في أبي السنابل ابن بعكك ثم قال ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم يعني في الحب فلا تميلوا كل الميل يقول لا تعمدوا الإساءة). [تفسير مجاهد: 177-178]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسارٍ، عن رافع بن خديجٍ، أنّه كانت تحته امرأةٌ قد خلا من سنّها، فتزوّج عليها شابّةً، فآثر البكر عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقر‍ّ على ذلك، فطلّقها تطليقةً حتّى إذا بقي من أجلها يسيرٌ، قال: إن شئت راجعتك، وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتّى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني أصبر على الأثرة، فراجعها ثمّ آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة، فطلّقها الأخرى، وآثر عليها الشّابّة، قال: فذلك الصّلح الّذي بلغنا أنّ اللّه قد أنزل فيه " {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} [النساء: 128] «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/338]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خشيت سودة أن يطلّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلّقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصّلح خيرٌ} [النساء: 128] فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ.
أخرجه الترمذي). [جامع الأصول: 2/112-113]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال إسحاق بن راهويه: ثنا النّضر بن شميلٍ، ثنا حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حربٍ، عن خالد بن عرعرة قال: "لمّا قتل عثمان ... " فذكر حديثًا "ثمّ قام آخر فسأله - يعني عليًّا- (وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً) قال: عن مثل هذا فاسألوا، هو الرجل تكون له المرأتان فتعجز إحداهما، أو تكون ذميمةً فيصالحها على أن يأتيها كلّ ليلتين أو ثلاث مرة".
هذا إسنادٌ رواته ثقاتٌ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/201]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (أخبرنا النّضر بن شميلٍ، (ثنا) حمّاد بن سلمة، عن سماك بن حربٍ، عن خالد بن عرعرة قال: لمّا قتل عثمان رضي الله عنه فذكر حديثًا فيه: ثمّ قام آخر فسأله - يعني عليًّا رضي الله عنه -: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، فلا جناح عليهما أن (يصالحا) بينهما صلحًا، قال رضي الله عنه: عن مثل هذا فاسألوا، هو الرّجل يكون له المرأتان، فتعجز إحداهما أو تكون ذميمةً، فيصالحها على أن يأتيها كلّ ليلتين أو ثلاثا مرّةً). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/579]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه، وابن المنذر والطبراني والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا وكان يطوف علينا يوميا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي هو لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فأنزل الله في ذلك {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر عن عائشة {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} الآية، قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثرا منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية {والصلح خير} في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولادا فأراد أن يستبدل بها فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها.
وأخرج مالك وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها فتزوج عليها شابة فآثرها عليها فأبت الأولى أن تقر فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة وإن شئت تركتك قالت: بل راجعني، فراجعها فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} الآية.
وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك فاصطلحا على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن {وإن امرأة خافت من بعلها} الآية.
وأخرج ابن جرير عن عمر أن رجلا سأله عن آية فكره ذلك وضربه بالدرة فسأله آخر عن هذه الآية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} فقال: عن مثل هذا فسلوا ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وأخرج الطيالسي، وابن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل عنده امرأتان فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها فما طابت به نفسه فلا بأس به فإن رجعت سوى بينهما.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوج عليها فيتصالحان بينهما صلحا على أن لها يوما ولهذه يومان أو ثلاثة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيرا مما يحب وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه وهو قوله {والصلح خير} يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فينكح عليها المرأة الشابة ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه فيطيب له ذلك الصلح.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سودة بنت زمعة.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبغض الحلال إلى الله الطلاق.
وأخرج الحاكم عن كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وأحضرت الأنفس الشح} قال: تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {وأحضرت الأنفس الشح} قال: هواه في الشيء يحرص عليه، وفي قوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} قال: في الحب والجماع، وفي قوله {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} قال: لا هي أيم ولا هي ذات زوج). [الدر المنثور: 5/65-70]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 09:41 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,778
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)}

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى...}
(معناه: قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى). فموضع (ما) رفع كأنه قال: يفتيكم فيهنّ ما يتلى عليكم. وإن شئت جعلت ما في موضع خفض: يفتيكم الله فيهنّ وما يتلى عليكم غيرهنّ.
وقوله: {والمستضعفين} في موضع خفض، على قوله: يفتيكم فيهنّ وفي المستضعفين. وقوله: {وأن تقوموا} (أن) موضع خفض على قوله: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط). [معاني القرآن: 1/290]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله: (ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإنّ اللّه كان به عليما (127)
(ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم)
موضع " ما " رفع.
المعنى اللّه يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب.
أيضا يفتيكم فيهن. ويجوز أن يكون " ما " في موضع جر، وهو بعيد جدا، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر، فلذلك اختير الرفع، ولأن معنى الرفع أيضا أبين، لأن ما يتلى في الكتاب هو الذي بين ما سألوا.
فالمعنى: (قل الله يفتيكم فيهن)، وكتابه يفتيكم فيهن.
وقوله: (وترغبون أن تنكحوهنّ).
المعنى وترغبون عن أن تنكحوهنّ.
وقوله: (والمستضعفين من الولدان).
يعني اليتامى، وموضع " المستضعفين " جر، عطف على قوله: (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) المعنى وفي المستضعفين من الولدان والذي يفتيهم من القرآن قوله عزّ وجلّ: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) والذي تلي عليهم في التزويج هو قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع).
فالمعنى قل الله يفتيكم فيهنّ، وهذه الأشياء التي في الكتاب يفتيكم فيهن.
وقوله: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط)
" أن " في موضع جر: المعنى وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط). [معاني القرآن: 2/114-115]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} وما في موضع رفع والمعنى قل الله يفتيكم فيهن والقرآن يفتيكم فيهن والذي يفتيكم من القرآن في النساء قوله عز وجل: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}). [معاني القرآن: 2/202]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} قالت عائشة رحمها الله هذا في اليتيمة تكون عند الرجل وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط
وفي بعض الروايات عنها هذا في اليتيمة لعلها تكون شريكته في المال ولا يريد أن ينكحها ولا يحب أن تتزوج غيره لئلا يأخذ مالها قال الله جل اسمه {وترغبون أن تنكحوهن} قال سعيد بن جبير ومجاهد ويرغب في نكاحها إذا كانت كثيرة المال ولأهل اللغة في هذا تقديران: أحدهما أن المعنى وترغبون عن أن تنكحوهن ثم حذفت عن
وحديث عائشة يقوي هذا القول والقول الآخر وترغبون في أن تنكحوهن ثم حذفت في وإذا تدبرت قول سعيد بن جبير تبينت أنه قد جاء بالمعنيين). [معاني القرآن: 2/202-204]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: {والمستضعفين من الولدان} قال سعيد بن جبير كانوا لا يورثون الصغير فنزلت: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فعلى قول سعيد بن جبير أفتاهم في المستضعفين قوله: {يوصيكم الله في أولادكم}). [معاني القرآن: 2/204]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} والقسط العدل وأفتاهم في اليتامى قوله جل وعز: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}). [معاني القرآن: 2/205]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {خافت من بعلها نشوزاً...}
والنشوز يكون من قبل المرأة والرجل. والنشوز هاهنا من الرجل لا من المرأة. ونشوزه أن تكون تحته المرأة الكبيرة فيريد أن يتزوج عليها شابّة فيؤثرها في القسمة والجماع. فينبغي له أن يقول للكبيرة: إني أريد أن أتزوّج عليك شابّة وأوثرها عليك، فإن هي رضيت صلح ذلك له، وإن لم ترض فلها من القسمة ما للشابّة.
وقوله: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} إنما عنى به الرجل وامرأته الكبيرة. ضنّ الرجل بنصيبه من الشابة، وضنّت الكبيرة بنصيبها منه. ثم قال: وإن رضيت بالإمرة). [معاني القرآن: 1/290-291]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} أي عنها.
{فلا جناح عليهما أن يصلحا} أي يتصالحا. هذا في قسمة الأيام بينها وبين أزواجه، فترضى منه بأقل من حظها). [تفسير غريب القرآن: 136]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصّلح خير وأحضرت الأنفس الشّحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرا (128)
النشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها وأن يمنعها نفسه ونفقته واللّه عز وجلّ قال في النساء: (وعاشروهنّ بالمعروف)، وقال: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، وقال: (ولا تمسكوهنّ ضرارا لتعتدوا). فشدد الله في العدل في أمر النساء فلو لم يعلم عزّ وجلّ أن رضا المرأة من زوجها بالإقامة على منعها - في كثير من الأوقات - نفسه ومنعها بعض ما يحتاج إليه لما جاز الإمساك إلا على غاية العدل والمعروف، فجعل الله عزّ وجلّ الصلح جائزا بين الرجل وامرأته إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليه.
فقال: " لا إثم عليهما في أن يتصالحا بينهما صلحا.
والصلح خير من الفرقة ".
وقوله: (وأحضرت الأنفس الشّحّ).
وهو أن المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرة بنفسه إن كان غيرها أحب إليه منها.
وقوله: (وإن تحسنوا وتتّقوا).
أي إن تحسنوا إليهن، وتحملوا عشرتهن.
(فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرا).
أي يخبر ذلك فيجازيكم عليه.
فإن قال قائل إنما قيل: (وإن امرأة خافت)، ولم يقل وإن نشز رجل على المرأة لأن الخائف للشيء ليس بمتيقن له؟
فالجواب في هذا إن خافت الإقامة منه على النشوز والإعراض، وليس أن تخاف الإقامة إلا وقد بدا منه شيء، فأما التفرقة بين (إن) الجزاء والفعل الماضي فجيد. ولكن " إن " وقعت التفرقة بين " إن " والفعل المستقبل فذلك قبيح.
إن قلت: إن امرأة تخاف - فهو قبيح، لأن " إن " لا يفصل بينها وبين ما يجزم، وذلك في الشعر جائز في (إن) وغيرها.
قال عدي بن زيد.
فمتى واغل ينبهم يحيّوه... وتعطف عليه كأس الساقي
فأما الماضي فـ "إن " غير عاملة في لفظه، و " إن " أمّ حروف الجزم.
فجاز أن تفرق بينها وبين الفعل، وامرأة ارتفعت بفعل مضمر يدل عليه ما بعد الاسم، المعنى إن خافت امرأة خافت فأمّا غير " إن " فالفصل يقبح فيه مع الماضي والمستقبل جميعا، لو قلت: " متى زيد جاءني أكرمته " كان قبيحا.
ولو قلت إن اللّه أمكنني فعلت كان حسنا جميلا). [معاني القرآن: 2/115-117]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} النشوز من الزوج أن يسيء عشرتها ويمنعها نفسه ونفقته). [معاني القرآن: 2/205]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: (فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا) وقرأ أكثر الكوفيين {أن يصلحا} وقرأ الجحدري وعثمان البتي (أن يصلحا) والمعنى يصطلحا ثم أدغم فأما تفسير الآية فروى سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال هي المرأة تكون عند الرجل وهي دميمة أو عجوز تكره مفارقته فيصطلحا على أن يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة وقالت عائشة هو الرجل تكون عنده المرأة لعله لا يكون له منها ولد ولا يحبها فيريد تخليتها فتصالحه فتقول لا تطلقني وأنت في حل من شأني وروى الزهري عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن هذه الآية نزلت في رافع بن خديج طلق امرأته تطليقة وتزوج شابة فلما قاربت انقضاء العدة قالت له أنا أصالحك على بعض الأيام فراجعها ثم لم تصبره فطلقها أخرى ثم سألته ذلك فراجعها فنزلت الآية وفي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن سودة وهبت يومها لعائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة ابتغت سودة بذلك رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم). [معاني القرآن: 2/205-207]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: {والصلح خير} والمعنى والصلح خير من الفرقة ثم حذف هذا لعلم السامع
وقيل في معنى الله أكبر الله أكبر من كل شيء). [معاني القرآن: 2/207-208]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال جل وعز: {وأحضرت الأنفس الشح} قال عطاء يعني الشح في الأيام والنفقة ومعنى هذا أن المرأة تشح بالنفقة على ضرايرها وإيثارهن وقال سعيد بن جبير هذا في المرأة تشح بالمال والنفس). [معاني القرآن: 2/208]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28 ربيع الثاني 1434هـ/10-03-2013م, 10:23 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 2,778
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وأراد بعضهم الإدغام حيث اجتمعت الصاد والطاء فلما امتنعت الصاد أن تدخل في الطاء قلبوا الطاء صاداً فقالوا مصبرٌ.
وحدثنا هارون أن بعضهم قرأ: (فلا جناح عليهما أن يَصَّلِحَا بينهما صلحا) ). [الكتاب: 4/467]
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (ومنه: البعل يا هذا لما سقت السماء. وقالوا: البعل أيضا لما يشرب بعروقه، والبعل: الزوج). [الأضداد: 90]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وخفت حرف من الأضداد، يكون بمعنى الشك، ويكون بمعنى اليقين؛ فأما كونه على الشك فكثير واضح لا يحتاج إلى شاهد، وأما كونه على اليقين فشاهده قول الله عز وجل: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا}، قال أبو عبيدة وقطرب: معناه علمت.

وقال في قوله عز وجل: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}، معناه إلا أن يعلما). [كتاب الأضداد: 137]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 12:17 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,053
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 12:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,053
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 12:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,053
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 12:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,053
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاّتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خيرٍ فإنّ اللّه كان به عليماً (127)
وقوله تعالى: ويستفتونك الآية، نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن
في المواريث وغير ذلك، فأمر الله نبيه أن يقول لهم اللّه يفتيكم فيهنّ أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه.
وقوله تعالى وما يتلى عليكم يحتمل ما أن تكون في موضع خفض عطفا على الضمير في قوله فيهنّ، أي: «ويفتيكم فيما يتلى عليكم»، قاله محمد بن أبي موسى، وقال: أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يسألوا عنه، ويضعف هذا التأويل ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض، ويحتمل أن تكون ما في موضع رفع عطفا على اسم الله عز وجل، أي و «يفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب»، يعني القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء [النساء: 3]. قالت عائشة: نزلت هذه الآية أولا، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر النساء فنزلت: ويستفتونك في النّساء، قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم وقوله تعالى في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ معناه: النهي عما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل الدميمة الفقيرة أبدا، والدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل، ونحو هذا مما يقصد به الولي منفعة نفسه لا نفع اليتيمة، والذي كتب الله لهن هو توفية ما تستحقه من مهر، وإلحاقها بأقرانها، وقرأ أبو عبد الله المدني- «في ييامى النساء» بياءين، قال أبو الفتح: والقول في هذه القراءة أنه أراد أيامى فقلبت الهمزة ياء، كما قلبت في قولهم: باهلة بن يعصر، وإنما هو ابن أعصر لأنه إنما يسمى بقوله: [الكامل].
أبنيّ إن أباك غيّر لونه = كرّ الليالي واختلاف الأعصر
وكما قلبت الياء همزة في قولهم: قطع الله أده، يريدون يده، وأيامى: جمع أيم أصله: أيايم، قلبت اللام موضع العين، فجاء أيامى، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يشبه أن الداعي إلى هذا استثقال الضمة على الياء، قال أبو الفتح: ولو قال قائل كسر أيم على أيمى على وزن سكرى وقتلى من حيث الأيومة بلية تدخل كرها، ثم كسر أيمى على أيامى لكان وجها حسنا، وقوله تعالى وترغبون أن تنكحوهنّ إن كانت الجارية غنية جميلة فالرغبة في نكاحها، وإن كانت بالعكس فالرغبة عن نكاحها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل: هي غنية جميلة، قال له: أطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع، وإذا قيل له: هي دميمة فقيرة، قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك، وقوله تعالى والمستضعفين من الولدان عطف على يتامى النّساء، والذي تلي في المستضعفين من الولدان هو قوله تعالى: يوصيكم اللّه في أولادكم [النساء: 11]، وذلك: أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير، وكان الكبير ينفرد بالمال، وكانوا يقولون: إنما يرث المال من يحمي الحوزة، ويرد الغنيمة، ويقاتل عن الحريم، ففرض الله لكل أحد حقه، وقوله تعالى: وأن تقوموا لليتامى بالقسط عطف أيضا على ما تقدم، والذي تلي في هذا المعنى هو قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [النساء: 2] إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم، والقسط العدل، وباقي الآية وعد على فعل الخير بالجزاء الجميل، بيّن). [المحرر الوجيز: 3/32-34]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصّلح خيرٌ وأحضرت الأنفس الشّحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيراً (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل فتذروها كالمعلّقة وإن تصلحوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان غفوراً رحيماً (129)
هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضررا يلزمه إياها، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتزيد هي بقاء العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح الله تعالى الصلح مع الخوف وظهور علامات النشوز أو الإعراض، وهو مع وقوعها مباح أيضا، و «النشوز»: الارتفاع بالنفس عن رتبة حسن العشرة، و «الإعراض»: أخف من النشوز، وأنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن لا يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر على الاثرة، فهذا كله مباح، واختلف المفسرون في سبب الآية، فقال ابن عباس وجماعة معه: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة، حدث الطبري بسند عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل فنزلت وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً الآية، وفي المصنفات أن سودة لما كبرت وهبت يومها لعائشة وهذا نحو الأول، وقال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعبيدة السلماني وغيرهم: نزلت الآية بسبب رافع بن خديج وخولة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنه خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها طلقة ثم تراجعا، فعاد فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها أخرى، فلما بقي من العدة يسير قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت على الاثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك، قالت: بل راجعني وأصبر، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر، فقال: إنما هي واحدة، فإما أن تقري على ما ترين من الإثرة، وإلا طلقتك، فقرت فهذا هو الصلح الذي أنزل الله فيه وإن امرأةٌ خافت الآية، وقال مجاهد: نزلت الآية بسبب أبي السنابل ابن بعكك وامرأته، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «يصّالحا» بفتح الياء وشد الصاد وألف بعدها، وأصلها يتصالحا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «يصلحا» بضم الياء وسكون الصاد دون ألف، وقرأ عبيدة السلماني «يصالحا» بضم الياء من المفاعلة، وقرأ الجحدري وعثمان البتي «يصلحا» بفتح الياء وشد الصاد أصلها يصطلحا، قال أبو الفتح: أبدل الطاء صادا ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء فصارت «يصلحا»، وقرأ الأعمش «إن اصالحا»، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، وقوله صلحاً ليس الصلح مصدرا على واحد من هذه الأفعال التي قرئ بها، فالذي يحتمل أن يكون اسما كالعطاء مع أعطيت والكرامة مع أكرمت، فمن قرأ «يصلحا» كان تعديه إلى الصلح كتعديه إلى الأسماء، كما تقول: أصلحت ثوبا، ومن قرأ «يصالحا» من تفاعل وعرف تفاعل أنه لا يتعدى، فوجهه أن تفاعل قد جاء متعديا في نحو قول ذي الرمة:
ومن جردة غفل بساط تحاسنت = بها الوشي قرّات الرياح وخورها
ويجوز أن يكون الصلح مصدرا حذفت زوائده، كما قال:
... ... ... ... = وإن تهلك فذلك كان قدري
أي تقديري.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هذا كلام أبي علي على أن القدر مصدر جار على ان قدرت الأمر بالتخفيف بمعنى قدرت بالتشديد، وقوله تعالى والصّلح خيرٌ لفظ عام مطلق بمقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفرقة. وقوله تعالى وأحضرت الأنفس الشّحّ معذرة عن عبيده تعالى أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره. وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها، وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها.
قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: وهذا حسن، والشّحّ: الضبط على المعتقدات والإرادات والهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منها ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال تعالى فيه ومن يوق شحّ نفسه [الحشر: 9] وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل، وهي رذيلة لكنها قد تكون في المؤمن، ومنه الحديث «قيل يا رسول الله أيكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم». وأما الشّحّ ففي كل أحد، وينبغي أن يكون، لكن لا يفرط إلا على الدين، ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى: وأحضرت الأنفس الشّحّ وقوله شحّ نفسه فقد أثبت أن لكل نفس شحا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «أن تصدق وأنت صحيح شحيح» وهذا لم يرد به واحدا بعينه، وليس يجمل أن يقال هنا: أن تصدق وأنت صحيح بخيل، وقوله تعالى: وإن تحسنوا ندب إلى الإحسان في تحسين العشرة وحمل خلق الزوجة والصبر على ما يكره من حالها. وتمكن الندب إلى الإحسان من حيث للزوج أن يشح فلا يحسن وتتّقوا معناه: تتقوا الله في وصيته بالنساء، إذ هن عوان عند الأزواج حسبما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم»). [المحرر الوجيز: 3/34-38]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 12:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,053
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16 جمادى الآخرة 1435هـ/16-04-2014م, 12:18 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,053
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خيرٍ فإنّ اللّه كان به عليمًا (127)}
قال البخاريّ: حدّثنا عبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثنا هشام بن عروة، أخبرني أبي عن عائشة: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ} إلى قوله: {وترغبون أن تنكحوهنّ} قالت: هو الرّجل تكون عنده اليتيمة، هو وليّها ووارثها قد شركته في ماله، حتّى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوّجها رجلًا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية.
وكذلك رواه مسلمٌ، عن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة.
وقال ابن أبي حاتمٍ: قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهبٍ، أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، أخبرني عروة بن الزّبير، قالت عائشة: ثمّ إنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب} الآية، قالت: والّذي ذكر اللّه أنّه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى الّتي قال اللّه [تعالى] {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} [النّساء: 3].
وبهذا الإسناد، عن عائشة قالت: وقول اللّه عزّ وجلّ: {وترغبون أن تنكحوهنّ} رغبة أحدكم عن يتيمته الّتي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النّساء إلّا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ.
وأصله ثابتٌ في الصّحيحين، من طريق يونس بن يزيد الأيلي، به.
والمقصود أنّ الرّجل إذا كان في حجره يتيمةٌ يحلّ له تزويجها، فتارةً يرغب في أن يتزوّجها، فأمره اللّه عزّ وجلّ أن يمهرها أسوة أمثالها من النّساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النّساء، فقد وسّع اللّه عزّ وجلّ. وهذا المعنى في الآية الأولى الّتي في أوّل السّورة. وتارةً لا يكون للرّجل فيها رغبةٌ لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه اللّه عزّ وجلّ أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الّذي بينه وبينها، كما قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {في يتامى النّساء [اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ]} الآية، فكان الرّجل في الجاهليّة تكون عنده اليتيمة، فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك [بها] لم يقدر أحدٌ أن يتزوّجها أبدًا، فإن كانت جميلةً وهويها تزوّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً منعها الرّجال أبدًا حتّى تموت، فإذا ماتت ورثها. فحرّم اللّه ذلك ونهى عنه.
وقال في قوله: {والمستضعفين من الولدان} كانوا في الجاهليّة لا يورثون الصّغار ولا البنات، وذلك قوله: {لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ} فنهى اللّه عن ذلك، وبيّن لكلّ ذي سهمٍ سهمه، فقال: {للذّكر مثل حظّ الأنثيين} [النّساء: 11] صغيرًا أو كبيرًا.
وكذا قال سعيد بن جبيرٍ وغيره، قال سعيد بن جبيرٍ في قوله: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} كما إذا كانت ذات جمالٍ ومالٍ نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات جمالٍ ولا مالٍ فانكحها واستأثر بها.
وقوله: {وما تفعلوا من خيرٍ فإنّ اللّه كان به عليمًا} تهييجًا على فعل الخيرات وامتثال الأمر وأنّ اللّه عزّ وجلّ عالمٌ بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه). [تفسير القرآن العظيم: 2/424-425]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ وأحضرت الأنفس الشّحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل فتذروها كالمعلّقة وإن تصلحوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان غفورًا رحيمًا (129) وإن يتفرّقا يغن اللّه كلا من سعته وكان اللّه واسعًا حكيمًا (130)}
يقول تعالى مخبرًا ومشرّعًا عن حال الزّوجين: تارةً في حال نفور الرّجل عن المرأة، وتارةً في حال اتّفاقه معها، وتارةً في حال فراقه لها.
فالحالة الأولى: ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها، فلها أن تسقط حقّها أو بعضه، من نفقةٍ أو كسوةٍ، أو مبيتٍ، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها؛ ولهذا قال تعالى: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} ثمّ قال {والصّلح خيرٌ} أي: من الفراق. وقوله: {وأحضرت الأنفس الشّحّ} أي الصّلح عند المشاحّة خيرٌ من الفراق؛ ولهذا لمّا كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على فراقها، فصالحته على أن يمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.
ذكر الرّواية بذلك:
قال أبو داود الطّيالسيّ: حدّثنا سليمان بن معاذٍ، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: خشيت سودة أن يطلّقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: يا رسول اللّه، لا تطلّقني واجعل يومي لعائشة. ففعل، ونزلت هذه الآية: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} الآية، قال ابن عبّاسٍ: فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ.
ورواه التّرمذيّ، عن محمّد بن المثنّى، عن أبي داود الطّيالسيّ، به. وقال: حسنٌ غريبٌ
وقال الشّافعيّ أخبرنا مسلمٌ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم توفّي عن تسع نسوةٍ، وكان يقسم لثمانٍ.
وفي الصّحيحين، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لمّا كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم لها بيوم سودة.
وفي صحيح البخاريّ، من حديث الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، نحوه.
وقال سعيد بن منصورٍ: أنبأنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن هشام، عن أبيه عروة قال: أنزل اللّه تعالى في سودة وأشباهها: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} وذلك أن سودة كانت امرأةً قد أسنّت، ففزعت أن يفارقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وضنّت بمكانها منه، وعرفت من حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة، فقبل ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال البيهقيّ: وقد رواه أحمد بن يونس: عن ابن أبي الزّناد موصولًا. وهذه الطّريق رواها الحاكم في مستدركه فقال:
حدّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن عليّ بن زيادٍ، حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يفضّل بعضنا على بعضٍ في مكثه عندنا، وكان قلّ يومٌ إلّا وهو يطوف علينا، فيدنو من كلّ امرأةٍ من غير مسيس، حتّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة -حين أسنّت وفرقت أن يفارقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم-: يا رسول اللّه، يومي هذا لعائشة. فقبل ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قالت عائشة: ففي ذلك أنزل اللّه: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا}
وكذا رواه أبو داود، عن أحمد بن يونس، به. ثمّ قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.
وقد رواه [الحافظ أبو بكر] بن مردويه من طريق أبي بلالٍ الأشعريّ، عن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، به نحوه. ومن رواية عبد العزيز بن محمّدٍ الدّراوردي، عن هشام بن عروة، بنحوه مختصرًا، واللّه أعلم.
وقال أبو العبّاس محمّد بن عبد الرّحمن الدّغولي في أوّل معجمه: حدّثنا محمّد بن يحيى، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا هشامٌ الدّستوائي، حدّثنا القاسم بن أبي بزّة قال: بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلمّا أن أتاها جلست له على طريق عائشة، فلمّا رأته قالت له: أنشدك بالّذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لمّا راجعتني، فإنّي قد كبرت ولا حاجة لي في الرّجال، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة. فراجعها فقالت: إنّي جعلت يومي وليلتي لحبّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. وهذا غريبٌ مرسلٌ.
وقد قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ، أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قالت الرّجل تكون عنده المرأة، ليس بمستكثرٍ منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍّ. فنزلت هذه الآية.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن وكيع، حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خيرٌ} قالت: هذا في المرأة تكون عند الرّجل، فلعلّه ألّا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولدٌ، ولها صحبةٌ فتقول: لا تطلّقني وأنت في حلٍّ من شأني.
حدّثني المثنّى، حدّثنا حجّاج بن منهال، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} قالت: هو الرّجل يكون له المرأتان: إحداهما قد كبرت، أو هي دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلّقني، وأنت في حلٍّ من شأني.
وهذا الحديث ثابتٌ في الصّحيحين، من غير وجهٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدّم، وللّه الحمد والمنّة.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميد وابن وكيعٍ قالا حدّثنا جريرٌ، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجلٌ إلى عمر، رضي اللّه عنه، فسأله عن آيةٍ، فكره ذلك وضربه بالدّرّة، فسأله آخر عن هذه الآية: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} فقال: عن مثل هذا فسلوا. ثمّ قال: هذه المرأة تكون عند الرّجل، قد خلا من سنّها، فيتزوّج المرأة الشّابّة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ. وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا عليّ بن الحسن الهسنجاني، حدّثنا مسدّد، حدّثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حربٍ، عن خالد بن عرعرة قال: جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبي طالبٍ [رضي اللّه عنه] فسأله عن قول الله عز وجل: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما} قال عليٌّ: يكون الرّجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حلّ له، وإن جعلت له من أيّامها فلا حرج.
وكذا رواه أبو داود الطّيالسيّ، عن شعبة، عن حمّاد بن سلمة وأبي الأحوص. ورواه ابن جريرٍ من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك، به وكذا فسّرها ابن عبّاسٍ، وعبيدة السّلماني، ومجاهد بن جبر، والشّعبي، وسعيد بن جبير، وعطاءٌ، وعطيّة العوفي ومكحولٌ، والحكم بن عتبة، والحسن، وقتادة، وغير واحدٍ من السّلف والأئمّة، ولا أعلم [في ذلك] خلافًا في أنّ المراد بهذه الآية هذا واللّه أعلم.
وقال الشّافعيّ: أنبأنا ابن عيينة، عن الزّهريّ، عن ابن المسيّب: أنّ ابنة محمّد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديجٍ فكره منها أمرًا إمّا كبرًا أو غيره فأراد طلاقها فقالت: لا تطلّقني واقسم لي ما بدا لك. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} الآية.
وقد رواه الحاكم في مستدركه، من طريق عبد الرّزّاق، عن معمر، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسارٍ بأطول من هذا السّياق.
وقال الحافظ أبو بكرٍ البيهقيّ: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرٍو، حدّثنا أبو محمّدٍ أحمد بن عبد اللّه المزني، أنبأنا عليّ بن محمّد بن عيسى، حدّثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزّهريّ، أخبرني سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار: أنّ السّنّة في هاتين الآيتين اللّتين ذكر اللّه فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قوله: {وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا} إلى تمام الآيتين، أنّ المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإنّ من الحقّ أن يعرض عليها أن يطلّقها أو تستقرّ عنده على ما كانت من أثرةٍ في القسم من ماله ونفسه، فإن استقرّت عنده على ذلك، وكرهت أن يطلّقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطّلاق، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقرّ عنده على الأثرة في القسم من ماله ونفسه، صلح له ذلك، وجاز صلحها عليه، كذلك ذكر سعيد بن المسيّب وسليمان الصّلح الّذي قال اللّه عزّ وجلّ {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصّلح خير}.
وقد ذكر لي أنّ رافع بن خديج الأنصاريّ -وكان من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم-كانت عنده امرأةٌ حتّى إذا كبرت تزوّج عليها فتاةً شابّةً، وآثر عليها الشّابّة، فناشدته الطّلاق فطلّقها تطليقةً، ثمّ أمهلها، حتّى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطّلاق فطلّقها تطليقةً أخرى، ثمّ أمهلها، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدنه الطّلاق فقال لها: ما شئت، إنّما بقيت لك تطليقةٌ واحدةٌ، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا بل أستقرّ على الأثرة. فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافعٌ عليه إثمًا حين رضيت أن تستقرّ عنده على الأثرة فيما آثر به عليها.
وهذا رواه بتمامه عبد الرّحمن بن أبي حاتمٍ، عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيبٍ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسارٍ، فذكره بطوله، واللّه أعلم
وقوله: {والصّلح خيرٌ} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: يعني التّخيير، أن يخيّر الزّوج لها بين الإقامة والفراق، خيرٌ من تمادي الزّوج على أثرة غيرها عليها.
والظّاهر من الآية أنّ صلحهما على ترك بعض حقّها للزّوج، وقبول الزّوج ذلك، خيرٌ من المفارقة بالكلّيّة، كما أمسك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، رضي اللّه عنها، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسّى به أمّته في مشروعيّةٍ ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقّه عليه الصّلاة والسّلام. ولمّا كان الوفاق أحبّ إلى اللّه [عزّ وجلّ] من الفراق قال: {والصّلح خيرٌ} بل الطّلاق بغيضٌ إليه، سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في الحديث الّذي رواه أبو داود وابن ماجه جميعًا، عن كثير بن عبيدٍ، عن محمّد بن خالدٍ، عن معرّف بن واصلٍ، عن محارب بن دثار، عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أبغض الحلال إلى اللّه الطّلاق".
ثمّ رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معرّف، بن محاربٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم = فذكر معناه مرسلًا.
وقوله: {وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ اللّه كان بما تعملون خبيرًا} [أي] وإن تتجشّموا مشقّة الصّبر على من تكرهون منهنّ، وتقسموا لهنّ أسوة أمثالهنّ، فإنّ اللّه عالمٌ بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء). [تفسير القرآن العظيم: 2/426-430]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:20 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة