العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأعراف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 10:47 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأعراف [ من الآية (85) إلى الآية (93) ]

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 11:32 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إلهٍ غيره قد جاءتكم بيّنةٌ من رّبّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين}.
يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ولد مدين.
- ومدين: هم ولد مدين بن إبراهيم خليل الرّحمن فيما حدّثنا به ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق فإن كان الأمر كما قال: فمدين قبيلةٌ كتميم.
وزعم أيضًا ابن إسحاق أنّ شعيبًا الّذي ذكر اللّه أنّه أرسله إليهم من ولد مدين هذا، وأنّه شعيب بن ميكيل بن يشجر، قال: واسمه بالسّريانيّة بثرون.
فتأويل الكلام على ما قاله ابن إسحاق: ولقد أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيب بن ميكيل، يدعوهم إلى طاعة اللّه والانتهاء إلى أمره وترك السّعي في الأرض بالفساد والصّدّ عن سبيله، فقال لهم شعيبٌ: يا قوم اعبدوا اللّه وحده لا شريك له، ما لكم من إلهٍ يستوجب عليكم العبادة غير الإله الّذي خلقكم وبيده نفعكم وضرّكم. {قد جاءتكم بيّنةٌ من ربّكم}، يقول: قد جاءتكم علامةٌ وحجّةٌ من اللّه بحقيقة ما أقول وصدق ما أدعوكم إليه. {فأوفوا الكيل والميزان} يقول: أتمّوا للنّاس حقوقهم بالكيل الّذي تكيلون به وبالوزن الّذي تزنون به. {ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}، يقول: ولا تظلموا النّاس حقوقهم ولا تنقصوهم إيّاها.
ومن ذلك قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخسةٌ، بمعنى ظالمةٌ، ومنه قول اللّه: {وشروه بثمنٍ بخسٍ} يعني به: رديءٌ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}، يقول: لا تظلموا النّاس أشياءهم.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}، قال: لا تظلموا النّاس أشياءهم.
وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، يقول: ولا تعملوا في أرض اللّه بمعاصيه وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث اللّه إليكم نبيّه، من عبادة غير اللّه والإشراك به وبخس النّاس في الكيل والوزن، {بعد إصلاحها}؛ يقول: بعد أن قد أصلح اللّه الأرض بابتعاث النّبيّ عليه السّلام فيكم، ينهاكم عمّا لا يحلّ لكم وما يكرهه اللّه لكم.
{ذلكم خيرٌ لكم}، يقول: هذا الّذي ذكرت لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة للّه وحده لا شريك له وإيفاء النّاس حقوقهم من الكيل والوزن وترك الفساد في الأرض، خيرٌ لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند اللّه يوم القيامة {إن كنتم مؤمنين} يقول: إن كنتم مصدّقيّ فيما أقول لكم وأؤدّي إليكم عن اللّه من أمره ونهيه). [جامع البيان: 10/ 310-312]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إلهٍ غيره قد جاءتكم بيّنةٌ من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين (85)}
قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبًا}
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإلى مدين أخاهم شعيبًا}؛ قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى بعث شعيبًا إلى مدين، وإلى أصحاب الأيكة، والأيكة هي الغيضة من الشّجر
قوله تعالى: {قد جاءتكم بيّنةٌ من ربّكم فأوفوا}
- وبه، عن السّدّيّ قال: إنّ اللّه بعث شعيبًا إلى مدين فكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر اللّه في القرآن، وما ردّوا عليه فلمّا عتوا وكذبوا سألوه العذاب.
- حدّثنا أبي، ثنا سلمة بن بشيرٍ أبو الفضل النّيسابوريّ، ثنا يحيى بن سعيدٍ الحمصيّ، عن يزيد بن عطا، عن خلف بن حوشبٍ، قال: هلك قوم شعيبٍ من شعيرةٍ إلى شعيرةٍ، كانوا يأخذون بالرّزينة، ويعطون بالخفيفة.
قوله تعالى: {ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}؛ قال: لا تظلموا النّاس أشياءهم. وروي عن قتادة والسّدّيّ نحو ذلك.
- وأخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قول اللّه:
{ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}؛ قال: لا تنقصوهم قسموا له شيئًا وتعطيه غير ذلك.
قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}
- ذكره أبي، ثنا عبد الرّحمن بن حمزة بن إسماعيل، عن يحيى بن الضّريس أنبأ أبو سنانٍ في قوله:
{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} قال: قد أحللت حلالي وحرّمت حرامي وحدّدت حدودي فلا تغيّروها.
- حدّثنا أبي، ثنا عمّار بن موسى الطّرسوسيّ، ثنا سنيد بن داود قال: قيل لأبي بكر ابن عيّاشٍ ما قوله في كتابه:
{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، فقال أبو بكرٍ:«إنّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهل الأرض وهم في فسادٍ فأصلحهم اللّه بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فمن دعي إلى خلاف ما جاء به محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم فهو من المفسدين في الأرض»). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1519-1520]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر قال: أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال: إن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا اسمه في التوراة ميكائيل واسمه بالسريانية جزى بن بشخر وبالعبرانية شعيب بن بشخر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام.
- وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي بن القطامي وكان نسابة عالما بالأنساب قال: هو ثيروب بالعبرانية وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يوبب بوزن جعفر أوله مثناه تحيتة وبعد الواو موحدتان.
- وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان شعيب نبيا رسولا من بعد يوسف وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فكانوا مع ما كان فيهم من الشرك أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم وكانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه وكان أول من سن ذلك هم وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس يعني بالنقصان فذلك قوله {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب يقولون: لا تسمعوا منه فإنه كذاب يفتنكم فذلك قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} الناس إن اتبعتم شعيبا فتنكم ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أي إلى دين آبائنا فقال عند ذلك: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت} [هود: 88] وهو الذي يعصمني، {وإليه أنيب} يقول: إليه أرجع، ثم قال {أولو كنا كارهين} يقول: إلى الرجعة إلى دينكم إن رجعنا إلى دينكم {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا} يقول: وما ينبغي لنا أن نعود فيها بعد إذ نجانا الله منها {إلا أن يشاء الله ربنا} فخاف العاقبة فرد المشيئة إلى الله تعالى فقال: {إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما} ما ندري ما سبق لنا، {على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} يعني الفاصلين قال: ابن عباس كان حليما صادقا وقورا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا يقول:
« ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم إليه وفيما ردوا عليه وكذبوه وتواعدوه بالرجم والنفي من بلادهم وتواعد كبراؤهم ضعفاءهم قالوا: {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون} فلم ينته شعيب أن دعاهم فلما عتوا على الله أخذتهم الرجفة وذلك أن جبريل نزل فوقف عليهم فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم فذلك قوله: {فأخذتهم الرجفة} وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قياما فزعوا لها فرجفت بهم الأرض فرمتهم ميتين».
- وأخرج إسحاق، وابن عساكر عن عكرمة والسدي قالا: ما بعث الله نبيا مرتين إلا شعيبا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم}؛ قال: لا تظلموا الناس.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} قال: لا تظلموهم {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: كانوا يوعدون من أتى شعيبا وغشيه وأراد الإسلام). [الدر المنثور: 6/ 475-478]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجًا واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}.
يعني بقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}: ولا تجلسوا بكلّ طريقٍ وهو الصّراط توعدون المؤمنين بالقتل.
وكانوا فيما ذكر يقعدون على طريق من قصد شعيبًا وأراده ليؤمن به، فيتوعّدونه ويخوّفونه ويقولون: إنّه كذّابٌ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {بكلّ صراطٍ توعدون} قال: كانوا يوعدون من أتى شعيبًا وغشيه فأراد الإسلام.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}، والصّراط: الطّريق، يخوّفون النّاس أن يأتوا شعيبًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه}، قال: كانوا يجلسون في الطّريق، فيخبرون من أتى عليهم أنّ شعيبًا عليه السّلام كذّابٌ، فلا يفتنكم عن دينكم.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى: {بكلّ صراطٍ توعدون}: كلّ سبيل حقٍّ.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، نحوه.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}، كانوا يقعدون على كلّ طريقٍ يوعدون المؤمنين.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا حميد بن عبد الرّحمن، عن قيسٍ، عن السّدّيّ: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}، قال: العشّارون.
- حدّثنا عليّ بن سهلٍ، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره، شكّ أبو جعفرٍ الرّازيّ قال: أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به على خشبةٍ على الطّريق لا يمرّ بها ثوبٌ إلاّ شقّته ولا شيءٌ إلاّ خرقته، قال:
«ما هذا يا جبريل؟» قال: هذا مثل أقوامٍ من أمّتك يقعدون على الطّريق فيقطعونه، ثمّ تلا: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}.
وهذا الخبر الّذي ذكرناه عن أبي هريرة يدلّ على أنّ معناه كان عند أبي هريرة: أنّ نبيّ اللّه شعيبًا إنّما نهى قومه بقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون} عن قطع الطّريق، وأنّهم كانوا قطّاع الطّريق.
وقيل: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون} ولو قيل في غير القرآن: لا تقعدوا في كلّ صراطٍ كان جائزًا فصيحًا في الكلام، وإنّما جاز ذلك لأنّ الطّريق ليس بالمكان المعلوم، فجاز ذلك كما جاز أن يقال: قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا.
وقال: {توعدون} ولم يقل: تعدون، لأنّ العرب كذلك تفعل فيما أبهمت ولم تفصح به من الوعيد، تقول: أوعدته بالألف، وتقدّم منّي إليه وعيدٌ، فإذا بيّنت عمّا أوعدت وأفصحت به قالت: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا بغير ألفٍ، كما قال جلّ ثناؤه: {النّار وعدها اللّه الّذين كفروا}.
وأمّا قوله: {وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به} فإنّه يقول: وتردّون عن طريق اللّه وهو الرّدّ عن الإيمان باللّه والعمل بطاعته من آمن به، يقول: تردّون عن طريق اللّه من صدّق باللّه ووحّده. {وتبغونها عوجًا} يقول: وتلتمسون لمن سلك سبيل اللّه وآمن به وعمل بطاعته، عوجًا عن القصد والحقّ إلى الزّيغ والضّلال.
- كما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وتصدّون عن سبيل اللّه}، قال: أهلها {وتبغونها عوجًا}: تلتمسون لها الزّيغ.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {وتبغونها عوجًا}، قال: تبغون السّبيل عن الحقّ عوجًا.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وتصدّون عن سبيل اللّه}: عن الإسلام تبغون السّبيل {عوجًا}: هلاكًا.
وقوله: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم}: يذكّرهم شعيبٌ نعمة اللّه عندهم بأن كثّر جماعتهم بعد أن كانوا قليلاً عددهم، وأن رفعهم من الذّلّة والخساسة. يقول لهم: فاشكروا اللّه الّذي أنعم عليكم بذلك وأخلصوا له العبادة، واتّقوا عقوبته بالطّاعة، واحذروا نقمته بترك المعصية. {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}، يقول: وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم حين عتوا على ربّهم وعصوا رسله من المثلات والنّقمات، وكيف وجدوا عقبى عصيانهم إيّاه، ألم يهلك بعضهم غرقًا بالطّوفان، وبعضهم رجمًا بالحجارة، وبعضهم بالصّيحة؟
والإفساد في هذا الموضع معناه: معصية اللّه). [جامع البيان: 10/ 312-316]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجًا واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86)}
قوله تعالى: {ولا تقعدوا}
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}؛ قال: العاشر.
قوله تعالى: {بكلّ صراطٍ}؛
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي حدّثني عمّي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون والصّراط الطّريق}.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بكلّ صراطٍ توعدون قال: بكلّ سبيل حقٍّ.
قوله تعالى: {توعدون}
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ فيما كتب إليّ حدّثني، حدّثني عمّي، عن أبيه عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون}؛ تخوّفون النّاس أن يأتون شعيباً.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: {بكلّ صراطٍ توعدون}؛ قال: توعدون المؤمنين.
قوله تعالى: {وتصدّون}
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {وتصدّون، عن سبيل اللّه} قال: تصدّون أهلها.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباط، عن السّدّيّ قوله: {وتصدّون، عن سبيل اللّه}؛ قال: يصدّون من آمن، عن سبيل اللّه.
قوله تعالى: {عن سبيل اللّه}
- وبه، عن السّدّيّ قوله: {وتصدّون، عن سبيل اللّه}؛ قال: عن الإسلام
قوله تعالى: {وتبغونها}
- حدّثنا حجّاجٌ، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وتبغونها عوجًا يلتمسون لها الزيغ.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد الأعلى الصّنعانيّ، ثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {وتبغونها عوجًا} قال: تبغون السّبيل.
قوله تعالى: {عوجًا
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وتبغونها عوجًا} يلتمسون لها الزّيغ.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد الأعلى، ثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {عوجًا}؛ قال: عوجًا، عن الحقّ.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباط، عن السّدّيّ قوله: {عوجًا} قال: هلاكًا.
قوله تعالى: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم}
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً أنبأ وهبٌ، قال: سمعت مالكًا يقول: كان شعيبٌ عليه السّلام خطيب الأنبياء.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن سلمة، ثنا مسلمة، حدّثني ابن إسحاق قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «فما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة إذا ذكر شعيبًا قال: ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يراد هم به»). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1520-1522]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}؛ وتصدون يقول بكل سبيل حق).[تفسير مجاهد: 240]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وتصدون عن سبيل الله}؛ من آمن يقول تصدون من يريد الإسلام). [تفسير مجاهد: 240]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} قال: لا تظلموهم {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: كانوا يوعدون من أتى شعيبا وغشيه وأراد الإسلام.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط} قال: طريق {توعدون} قال: تخوفون الناس أن يأتوا شعيبا.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: بكل سبيل حق، {وتصدون عن سبيل الله} قال: تصدون أهلها، {وتبغونها عوجا} قال: تلتمسون لها الزيغ.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: العاشر، {وتصدون عن سبيل الله} قال: تصدون عن الإسلام، {وتبغونها عوجا} قال: هلاكا.
- وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وتبغونها} قال: تبغون السبيل عوجا قال: عن الحق.
- وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} قال: هم العشار.
- وأخرج ابن جرير عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره شك أبو العالية قال: أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال: ما هذا يا جبريل؟ هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}). [الدر المنثور: 6/ 478-480]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالّذي أرسلت به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتّى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين}.
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وإن كان طائفةٌ منكم}: وإن كانت جماعةٌ منكم وفرقةٌ آمنوا، يقول: صدّقوا، {بالّذي أرسلت به} من إخلاص العبادة للّه وترك معاصيه وظلم النّاس وبخسهم في المكاييل والموازين، فاتّبعوني على ذلك {وطائفةٌ لم يؤمنوا} يقول: وجماعةٌ أخرى لم يصّدّقوا بذلك، ولم يتّبعوني عليه. {فاصبروا حتّى يحكم اللّه بيننا}، يقول: فاحتبسوا على قضاء اللّه الفاصل بيننا وبينكم {وهو خير الحاكمين}، يقول: واللّه خير من يفصل، وأعدل من يقضي، لأنّه لا يقع في حكمه ميلٌ إلى أحدٍ، ولا محاباةٌ لأحدٍ). [جامع البيان: 10/ 317]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالّذي أرسلت به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتّى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين (87)}
قوله تعالى: {وإن كان طائفة}
- حدثنا أبو سعيدٍ الأشجّ الكنديّ، ثنا يزيد بن حبابٍ، ثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ قال: {الطّائفة}؛ رجلٌ إلى ألف رجلٍ.
قوله تعالى: {فاصبروا}؛ ليس فيها مكتوب شيئًا). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1522]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال الملأ الّذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والّذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا قال أولو كنّا كارهين}.
يقول تعالى ذكره: {قال الملأ الّذين استكبروا} يعني بالملأ: الجماعة من الرّجال، ويعني بالّذين استكبروا: الّذين تكبّروا عن الإيمان باللّه والانتهاء إلى أمره واتّباع رسوله شعيبٍ لمّا حذّرهم شعيبٌ بأس اللّه على خلافهم أمر ربّهم، وكفرهم به {لنخرجنّك يا شعيب} ومن تبعك وصدّقك وآمن بك، وبما جئت به معك من قريتنا. {أو لتعودنّ في ملّتنا} يقول: لترجعنّ أنت وهم في ديننا وما نحن عليه. قال شعيبٌ مجيبًا لهم: {أولو كنّا كارهين}؟
ومعنى الكلام: أنّ شعيبًا قال لقومه: أتخرجوننا من قريتكم، وتصدّوننا عن سبيل اللّه، ولو كنّا كارهين لذلك؟ ثمّ أدخلت ألف الاستفهام على واو {أولو}). [جامع البيان: 10/ 317]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({قال الملأ الّذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والّذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا قال أولو كنّا كارهين (88)}
قوله تعالى: {قال الملأ الّذين استكبروا}
- حدّثنا موسى بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ عن أبي مالكٍ قوله: {قال الملأ}؛ يعني الأشراف من قومه). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1522]

تفسير قوله تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق}؛ قال: ربنا اقض بيننا وبين قومنا بالحق). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 233]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: ... {الفتّاح} [سبأ: 26] : «القاضي». {افتح بيننا} [الأعراف: 89] : «اقض بيننا» ). [صحيح البخاري: 6/ 58]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله الفتّاح القاضي افتح بيننا اقض كذا وقع هنا والفتّاح لم يقع في هذه السّورة وإنّما هو في سورة سبأٍ وكأنّه ذكره هنا توطئةً لتفسير قوله في هذه السّورة ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ ولعلّه وقع فيه تقديمٌ وتأخيرٌ من النّسّاخ فقد قال أبو عبيدة في قوله افتح بيننا وبين قومنا أي احكم بيننا وبين قومنا قال الشّاعر:
ألا أبلغ بني عصمٍ رسولا ....... فإنّي عن فتاحتكم غنيٌّ
الفتّاح القاضي انتهى كلامه ومنه ينقل البخاريّ كثيرا وروى بن جرير من طرق عن قتادة، عن بن عبّاسٍ، قال: ما كنت أدري ما معنى قوله: افتح بيننا حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها انطلق أفاتحك ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ: افتح بيننا أي اقض بيننا ومن طريق قتادة والسّدّيّ وغيرهما مثله). [فتح الباري: 8/ 299]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال أبو جعفر بن جرير، ثنا القاسم، ثنا الحسين، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس: {إنّه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] في الدّعاء ولا في غيره
وقال أيضا ثنا المثنى ثنا عبد الله بن صالح ثنا معاوية، عن علّي، عن ابن عبّاس، في قوله: {حتّى عفوا}، يقول حتّى كثروا وكثرت أموالهم
وبه قال الفتاح القاضي
وبه قال في قوله:{افتح بيننا} قال اقض بيننا). [تغليق التعليق: 4/ 213-214]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (الفتّاح القاضي افتح بيننا اقض بيننا لفظ الفتاح لم يقع في هذه السّورة، وإنّما هو في سورة سبأ قيل: كأنّه ذكره هنا توطئة لتفسير قوله في هذه السّورة: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} انتهى. وفسّر الفتاح بقوله: القاضي، وكذا قال أبو عبيدة إن الفتاح القاضي، وقال الفراء: وأهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح، وقال الثّعلبيّ، وذكر غيره أنه لغة مراد، وروى ابن جرير من طرق عن قتادة عن ابن عبّاس، قال: ما كنت أدري ما معنى قوله: {افتح بيننا}؛ حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: انطلق أفاتحك، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: {افتح بيننا}. أي: اقض بيننا). [عمدة القاري: 18/ 232]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى في سورة سبأ: {الفتاح} أي (القاضي) قيل وذكره هنا توطئة لقوله في هذه السورة {افتح بيننا} أي (اقض بيننا) وسقط قوله بيننا لأبي ذر). [إرشاد الساري: 7/ 124]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قد افترينا على اللّه كذبًا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا على اللّه توكّلنا ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين}.
يقول جلّ ثناؤه: قال شعيبٌ لقومه، إذ دعوه إلى العود إلى ملّتهم والدّخول فيها، وتوعّدوه بطرده ومن اتّبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: {قد افترينا على اللّه كذبًا} يقول: قد اختلقنا على اللّه كذبًا، وتخرّصنا عليه من القول باطلاً إن نحن عدنا في ملّتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا اللّه منها، بأن بصرنا خطأها وصواب الهدى الّذي نحن عليه، وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ونترك الحقّ الّذي نحن عليه. {إلاّ أن يشاء اللّه ربّنا} إلاّ أن يكون سبق لنا في علم اللّه أنّا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذٍ قضاء اللّه، فينفذ مشيئته علينا. {وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا} يقول: فإنّ علم ربّنا وسع كلّ شيءٍ فأحاط به، فلا يخفى عليه شيءٌ كان ولا شيءٌ هو كائنٌ، فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملّتكم ولا يخفى عليه شيءٌ كان ولا شيءٌ هو كائنٌ، فلابدّ من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلاّ فإنّا غير عائدين في ملّتكم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {قد افترينا على اللّه كذبًا إنّ عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا على اللّه توكّلنا ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجّانا اللّه منها إلاّ أن يشاء اللّه ربّنا فاللّه لا يشاء الشّرك، ولكن يقول: إلاّ أن يكون اللّه قد علم شيئًا، فإنّه وسع كلّ شيءٍ علمًا.
وقوله: {على اللّه توكّلنا} يقول: على اللّه نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعدوننا به من شرككم أيّها القوم، فإنّه الكافي من توكّل عليه.
ثمّ فزع صلوات اللّه عليه إلى ربّه بالدّعاء على قومه، إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم للّه بالطّاعة والإقرار له بالرّسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتّبعه من مؤمني قومه من فسقتهم العطب والهلكة بتعجيل النّقمة، فقال: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الّذي لا جور فيه ولا حيف ولا ظلم، ولكنّه عدلٌ وحقٌّ {وأنت خير الفاتحين} يعني: خير الحاكمين.
ذكر الفرّاء أنّ أهل عمان يسمّون القاضي: الفاتح والفتّاح.
وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب أنّه من لغة مرادٍ، وأنشد بعضهم بيتًا وهو:
ألا أبلغ بني عصمٍ رسولاً ....... فإنّي عن فتاحتكم غنيّ
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن مسعرٍ، عن قتادة، عن ابن عبّاسٍ، قال: ما كنت أدري ما قوله: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} حتّى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، يعني: أقاضيك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} يقول: اقض بيننا وبين قومنا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو دكينٍ، قال: حدّثنا مسعرٌ، قال: سمعت قتادة يقول: قال ابن عبّاسٍ: ما كنت أدري ما قوله: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} حتّى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحقّ.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، قال: حدّثنا معمرٌ، عن قتادة: {افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} اقض بيننا وبين قومنا بالحقّ.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، أمّا قوله: {افتح بيننا} فيقول: احكم بيننا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال الحسن البصريّ: افتح: احكم بيننا وبين قومنا، و{إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا} حكمنا لك حكمًا مبينًا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {افتح}: اقض.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو أحمد محمّد بن عبد اللّه بن الزّبير، قال: حدّثنا مسعرٌ، عن قتادة، عن ابن عبّاسٍ، قال: لم أكن أدري ما {افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} حتّى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: انطلق أفاتحك). [جامع البيان: 10/ 318-321]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({قد افترينا على اللّه كذبًا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا على اللّه توكّلنا ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين (89)}
قوله تعالى: {قد افترينا على اللّه كذبًا إن عدنا في ملّتكم}
- أخبرنا أحمد بن عثمان فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: {قد افترينا على اللّه كذبًا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها} قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجّانا اللّه منها.
قوله تعالى: {إلا أن يشاء اللّه ربّنا}؛
- وبه، عن السّدّيّ قوله: {إلا أن يشاء اللّه} ربّنا فاللّه لا يشاء الشّرك ولكن نقول: إلا أن يكون اللّه قد علم شيئًا فإنّه قد وسع كلّ شيءٍ علمًا.
قوله تعالى: {وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا}
- وبه، عن السّدّيّ قوله: وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا يقول: إلا أن يكون قد علم شيئًا فإنّه قد وسع كلّ شيءٍ علمًا.
قوله تعالى: {على اللّه توكّلنا}
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: وعلى اللّه لا على النّاس فليتوكّل المؤمنون
قوله تعالى: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا}
- حدّثنا أحمد بن عصامٍ الأصبهانيّ، ثنا أبو أحمد، ثنا مسعرٌ، عن قتادة قال قال ابن عبّاسٍ: ما كنت أدري ما قوله: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} حتّى سمعت قول بنت ذي يزنٍ تقول: تعال أفاتحك تقول: تعالى أخاصمك.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله:
{ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} يقول: اقض بيننا وبين قومنا بالحقّ.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1523]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها}، قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم، {بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} والله لا يشاء الشرك ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئا فإنه قد وسع كل شيء علما.
- وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم: أنه قال في القدرية والله ما قالوا كما قال الله ولا كما قال النبيون ولا كما قال أصحاب الجنة ولا كما قال أصحاب النار ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] وقال شعيب: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله}، وقال أصحاب الجنة: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43]، وقال أصحاب النار: {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71]، وقال إبليس: {رب بما أغويتني} [الحجر: 39]
- وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في الوقف والإبتداء والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك: يعني أقاضيك.
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ربنا افتح} يقول: اقض.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الفتح: القضاء، لغة يمانية إذا قال أحدهم: تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك). [الدر المنثور: 6/ 480-481]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الملأ الّذين كفروا من قومه لئن اتّبعتم شعيبًا إنّكم إذًا لخاسرون}.
يقول تعالى ذكره: وقالت الجماعة من كفرة رجال قوم شعيبٍ، وهم الملأ الّذين جحدوا آيات اللّه وكذّبوا رسوله وتمادوا في غيّهم لآخرين منهم: لئن أنتم اتّبعتم شعيبًا على ما يقول وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد اللّه والانتهاء إلى أمره ونهيه وأقررتم بنبوّته {إنّكم إذًا لخاسرون}، يقول: لمغبونون في فعلكم، وترككم ملّتكم الّتي أنتم عليها مقيمون إلى دينه الّذي يدعوكم إليه، وهالكون بذلك من فعلكم). [جامع البيان: 10/ 321-322]

تفسير قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)}

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}.
يقول: فأخذت الّذين كفروا من قوم شعيبٍ الرّجفة، وقد بيّنت معنى الرّجفة قبل وإنّها الزّلزلة المحرّكة لعذاب اللّه. {فأصبحوا في دارهم جاثمين} على ركبهم موتى هلكى.
وكانت صفة العذاب الّذي أهلكهم اللّه به كما:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإلى مدين أخاهم شعيبًا} قال: إنّ اللّه بعث شعيبًا إلى مدين، وإلى أصحاب الأيكة والأيكة: هي الغيضة من الشّجر، وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والميزان، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر اللّه في القرآن، وما ردّوا عليه، فلمّا عتوا وكذّبوه، سألوه العذاب، ففتح اللّه عليهم بابًا من أبواب جهنّم، فأهلكهم الحرّ منه، فلم ينفعهم ظلٌّ ولا ماءٌ، ثمّ إنّه بعث سحابةً فيها ريحٌ طيّبةٌ، فوجدوا برد الرّيح وطيبها، فتنادوا: الظّلّة، عليكم بها فلمّا اجتمعوا تحت السّحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، انطبقت عليهم، فأهلكتهم، فهو قوله: {فأخذهم عذاب يوم الظّلّة}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من خبر قصّة شعيبٍ وخبر قومه، ما ذكر اللّه في القرآن، كانوا أهل بخسٍ للنّاس في مكاييلهم وموازينهم، مع كفرهم باللّه وتكذيبهم نبيّهم وكان يدعوهم إلى اللّه وعبادته وترك ظلم النّاس وبخسهم في مكاييلهم وموازينهم فقال نصحًا لهم وكان صادقًا: {ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وإليه أنيب}.
قال ابن إسحاق: وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة إذا ذكر شعيبًا، قال: ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يراد بهم، فلمّا كذّبوه وتوعّدوه بالرّجم والنّفي من بلادهم، وعتوا على اللّه، أخذهم عذاب يوم الظّلّة إنّه كان عذاب يومٍ عظيمٍ، فبلغني أنّ رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء لمّا رآها قال:
يا قوم إنّ شعيبًا مرسلٌ فذروا ....... عنكم سميرًا وعمران بن شدّاد
إنّي أرى غيمةً يا قوم قد طلعت
....... تدعو بصوتٍ على صمّانة الوادي
وإنّكم إن تروا فيها ضحاة غدٍ
....... إلاّ الرّقيم يمشّي بين أنجاد
وسميرٌ وعمران: كاهناهم، والرّقيم: كلبهم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: فبلغني واللّه أعلم أنّ اللّه سلّط عليهم الحرّ حتّى أنضجهم، ثمّ أنشأ لهم الظّلّة كالسّحابة السّوداء، فلمّا رأوها ابتدروها يستغيثون ببردها ممّا هم فيه من الحرّ، حتّى إذا دخلوا تحتها أطبقت عليهم، فهلكوا جميعًا، ونجّى اللّه شعيبًا والّذين آمنوا معه برحمته.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني أبو عبد اللّه البجليّ، قال: أبو جاد وهوّز، وحطّي، وسعفص، وقرشت: أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظّلّة في زمان شعيبٍ كلمون، فقالت أخت كلمون تبكيه:
كلمونٌ هدّ ركني ....... هلكه وسط المحلّه
سيّد القوم أتاه ال
....... حتف نارًا وسط ظلّه
جعلت نارًا عليهم ....... دارهم كالمضمحلّه).
[جامع البيان: 10/ 322-324]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91)}
قوله: {الرّجفة}؛ قال: الصيحة.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {جاثمين} قال: ميّتين). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1523-1524]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)}
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {كأن لم يغنوا فيها}؛ قال كأن لم يعيشوا فيها كأن لم ينعموا فيها). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 233]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: ... {يغنوا} : «يعيشوا» ). [صحيح البخاري: 6/ 58]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {يغنوا}؛ يعيشوا قال أبو عبيدة في قوله تعالى كأن لم يغنوا فيها أي ينزلوها ولم يعيشوا فيها ومنه قولهم مغاني الدّيار واحدتها مغنًى قال الشّاعر:
أتعرف مغنى دمنةٍ ورسوم
وقال عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة كأن لم يغنوا فيها أي كأن لم يعيشوا أو كأن لم يتنعّموا). [فتح الباري: 8/ 300]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ({يغنوا}: يعيشوا
أشار به إلى قوله تعالى: {الّذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها} وفسّر: يغنوا بقوله: يعيشوا، وترك ذكر الجازم. وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة كأن لم يغنوا فيها أي: كأن لم يعيشوا أو كأن لم ينعموا ومادته من غنى أي عاش وغنى به عنه غنية، وغنيت المرأة بزوجها غنيانا وغني بالمكان أقام، والغناء بالفتح النّفع وبالكسر من السماع والغنى مقصورا اليسار). [عمدة القاري: 18/ 234]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى: كأن لم {يغنوا} أي (يعيشوا) فيها والغناء بالفتح النفع). [إرشاد الساري: 7/ 125]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين كذّبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين}.
يقول تعالى ذكره: فأهلك الّذين كذّبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به، فأبادهم، فصارت قريتهم منهم خاويةً خلاءً {كأن لم يغنوا فيها} يقول: كأن لم ينزلوا قطّ، ولم يعيشوا بها حين هلكوا.
يقال: غني فلانٌ بمكان كذا فهو يغنى به غنًى وغنيًّا: إذا نزل به وكان به، كما قال الشّاعر:
ولقد يغنى به جيرانك الـ ....... ممسكو منك بعهدٍ ووصالٍ
وقال رؤبة:
وعهد مغنى دمنةٍ بضلفعا
إنّما هو مفعلٌ من غني

وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، قال: حدّثنا معمرٌ، عن قتادة، {كأن لم يغنوا فيها} كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ: {كأن لم يغنوا فيها} يقول: كأن لم يعيشوا فيها.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {كأن لم يغنوا فيها} كأن لم يكونوا فيها قطّ.
وقوله: {الّذين كذّبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين} يقول تعالى ذكره: لم يكن الّذين اتّبعوا شعيبًا الخاسرين، بل الّذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين؛ لأنّه أخبر عنهم جلّ ثناؤه أنّ الّذين كذّبوا شعيبًا قالوا للّذين أرادوا اتّباعه: {لئن اتّبعتم شعيبًا إنّكم إذًا لخاسرون} فكذّبهم اللّه بما أحلّ بهم من عاجل نكاله، ثمّ قال لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما خسر تبّاع شعيبٍ، بل كان الّذين كذّبوا شعيبًا لمّا جاءت عقوبة اللّه هم الخاسرين دون الّذين صدّقوا وآمنوا به). [جامع البيان: 10/ 325-326]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({الّذين كذّبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين (92)}
قوله تعالى: {الّذين كذّبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها}
- ثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد الأعلى الصّنعانيّ، ثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة {كأن لم يغنوا فيها}؛ كأن لم يعيشوا فيها، كأن لم ينعموا فيها.
وروي عن أبي مالكٍ قال: كأن لم يغنوا فيها كأن لم يكونوا فيها). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {كأن لم يغنوا فيها} قال: كأن لم يعمروا فيها.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كأن لم يغنوا فيها} قال: كأن لم يعيشوا فيها.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة {كأن لم يغنوا فيها} يقول: كأن لم يعيشوا فيها). [الدر المنثور: 6/ 481]

تفسير قوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: ... {آسى} : «أحزن» ، {تأس} [المائدة: 26] : «تحزن»). [صحيح البخاري: 6/ 58]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: {آسى}: أحزن،
{تأس}: تحزن، تقدم في أحاديث تفسير اللفظتين جميعًا والأولى في الأعراف والثّانية في المائدة ذكرها استطرادًا). [فتح الباري: 8/ 300]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علّي عن ابن عبّاس قوله: {فكيف آسى} يقول فكيف أحزن.
وقال أيضا ثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس قوله: [المائدة: 26] {فلا تأس على القوم الفاسقين}، قال: فلا تحزن). [تغليق التعليق: 4/ 214]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (آسي: أحزن، تأس: تحزن،
ذكر هنا لفظتين: الأولى: قوله: {آسي}، وهو في سورة الأعراف. أشار به إلى قوله تعالى: {فكيف آسي على قوم كافرين}وفسره بقوله: احزن وهو حكاية عن قول شعيب. عليه السّلام، حيث قال بعد هلاك قومه، فكيف آسي، أي: فكيف أحزن على القوم الّذين هلكوا على الكفر؟ واللفظة الثّانية: قوله: تأسى، وهو في سورة المائدة وقد ذكرت هناك، وإنّما ذكر هاهنا أيضا استطرادًا). [عمدة القاري: 18/ 232]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله: {آسى} أي فكيف (أحزن) على قوم كافرين.
وقوله في سورة المائدة: {تأس} أي (تحزن) ذكره استطرادًا هذا كله تفسير ابن عباس). [إرشاد الساري: 7/ 124]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسلات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين}.
يقول تعالى ذكره: فأدبر شعيبٌ عنهم شاخصًا من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب اللّه، وقال لمّا أيقن بنزول نقمة اللّه بقومه الّذين كذبوه حزنًا عليهم.
{يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي} وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم من تحذيركم غضبه على إقامتكم على الكفر به وظلم النّاس أشياءهم. {ونصحت لكم} بأمري إيّاكم بطاعة اللّه ونهيكم عن معصيته. {فكيف آسى} يقول: فكيف أحزن على قومٍ جحدوا وحدانيّة اللّه وكذّبوا رسوله وأتوجّع لهلاكهم؟
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {فكيف آسى} يعني: أحزن.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فكيف آسى} يقول: فكيف أحزن.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أصاب شعيبًا على قومه حزنٌ لما يرى بهم من نقمة اللّه، ثمّ قال يعزّي نفسه فيما ذكر اللّه عنه: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين}). [جامع البيان: 10/ 326-327]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين (93)}
قوله تعالى: {فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة في قول اللّه: {فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم}؛ نبيّ اللّه شعيبٌ -صلّى اللّه عليه وسلّم- أسمع قومه، وإنّ نبيّ اللّه صالحًا -صلّى اللّه عليه وسلّم- أسمع قومه، واللّه أسمع محمّدٌ -صلّى اللّه عليه وسلّم- قومه.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن عيسى، ثنا سلمة، حدّثني محمّد بن إسحاق قال: بلغني واللّه أعلم أنّ اللّه سلّط عليهم الحرّ حتّى إذا أنضجهم أنشأ لهم الظّلّة كالسّحابة السّوداء، فلمّا رأوها ابتدروها يستغيثون ببردها ممّا هم فيه، حتّى إذا دخلوا تحتها أطبقت فهلكوا جميعًا، ونجّا اللّه عزّ وجلّ شعيبًا والّذين آمنوا معه فأصابه على قومه حزنٌ لمّا نزل بهم من نقمة اللّه، ثمّ قال: يعزّي نفسه فيما ذكر اللّه عنه: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين
قوله تعالى: {فكيف آسى}
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {فكيف آسى} بقوله: فكيف أحزن). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1524]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} قال: ذكر لنا أن نبي الله شعيبا أسمع قومه وأن نبي الله صالحا أسمع قومه كما أسمع - والله - نبيكم محمد قومه.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فكيف آسى} قال: أحزن.
- وأخرج ابن عساكر عن مبلة بن عبد الله قال: بعث الله جبريل إلى أهل مدين شطر الليل ليأفكهم بمغانيهم فألفى رجلا قائما يتلو كتاب الله فهاله أن يهلكه فيمن يهلك فرجع إلى المعراج فقال: اللهم أنت سبوح قدوس بعثتني إلى مدين لأفك مدائنهم فأصبت رجلا قائما يتلوا كتاب الله فأوحى الله: ما أعرفني به هو فلان بن فلان فابدأ به فإنه لم يدفع عن محارمي إلا موادعا.
- وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عن ابن عباس، أن شعيبا كان يقرأ من الكتب التي كان الله أنزلها على إبراهيم عليه السلام.
- وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال:
«في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسماعيل وشعيب، فقبر إسماعيل في الحجر وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود».
- وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه، أن شعيبا مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين باب بني سهم.
- وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس قال: كان شعيب خطيب الأنبياء.
- وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيبا قال:
«ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به» فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده وعتوا على الله أخذهم عذاب يوم الظلة فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له عمرو بن حلها ألما رآها قال:
يا قوم إن شعيبا مرسل فذروا ....... عنكم سميرا وعمران بن شداد
إني أرى عينة يا قوم قد طلعت
....... تدعو بصوت على صمانة الواد
وإنه لا يروي فيه ضحى غد
....... إلا الرحيم يحشى بين أنجاد
وسمير وعمران كاهناهم والرقيم كلبهم). [الدر المنثور: 6/ 481-484]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 12:27 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}


تفسير قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها...}
وإصلاحها بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر بالحلال وينهى عن الحرام. فذلك صلاحها. وفسادها العمل - قبل أن يبعث النبي - بالمعاصي.
وقوله شعيب: {قد جاءتكم بيّنةٌ مّن رّبّكم} لم يكن له آية إلا النبوّة. وكان لثمود الناقة، ولعيسى إحياء الموتى وشبهه). [معاني القرآن: 1/ 386]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ولا تّبخسوا النّاس أشياءهم} مجازه: لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوها وقالوا في المثل: (نحسبها حمقاء وهي باخسة): أي ظالمة). [مجاز القرآن: 1/ 219]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إله غيره قد جاءتكم بيّنةٌ مّن رّبّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لّكم إن كنتم مّؤمنين}
وقال: {فأوفوا الكيل والميزان} ). [معاني القرآن: 2/ 13]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85)}؛
مدين لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة، وجائز أن يكون أعجميا.
وقوله: {قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان}.
قال بعض النحويين؛ لم يكن لشعيب آية إلا النبوة، وهذا غلط فاحش.
قال قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل فجاء بالفاء جوابا للجزاء، فكيف يقول: قد جاءتكم بينة من ربكم ولم يكن له آية إلا النبوة، فإن كان مع النبوة آية فقد جاءهم بها.
وقد أخطأ القائل بقوله: لم تكن له آية، ولو ادّعى مدّع النبوة بغير آية لم تقبل منه، ولكن القول في شعيب أن آيته كما قال بينة.
إلا
أن الله جل ثناؤه ذكر بعض آيات الأنبياء في القرآن وبعضهم لم يذكر آيته، فمن لم تذكر آيته لا يقال: لا آية له.
وآيات محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تذكر كلها في القرآن ولا أكثرها.
وقوله: {ولا تبخسوا النّاس أشياءهم}
البخس النقص والقلّة، يقال بخست أبخس بالسين، وبخصت عينه بالصاد لا غير مثل فقأت عينيه.
{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}؛
أي لا تعملوا فيها بالمعاصي وبخس الناس بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل وإرسال الرسل). [معاني القرآن: 2/ 353-354]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم}: البخس النقصان). [معاني القرآن: 3/ 52]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل وإرسال الرسل). [معاني القرآن: 3/ 52]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)}

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون...}
كانوا يقعدون لمن آمن بالنبيّ على طرقهم يتوعّدونهم بالقتل. وهو الإيعاد والوعيد. إذا كان مبهما فهو بألف، فإذا أوقعته فقلت: وعدتك خيرا أو شرا كان بغير ألف؛ كما قال تبارك وتعالى: {النار وعدها الله الذين كفروا} ). [معاني القرآن: 1/ 386]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {تبغونها عوجاً} مكسورة الأول مفتوح ثاني الحروف وهو الإعوجاج في الدين وفي الأرض، وفي آية أخرى: {لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} (20/107) والعوج إذا فتحوا أوله والحرف الثاني فهو الميل فيما كان قائماً نحو الحائط والقناة والسّن ونحو ذلك). [مجاز القرآن: 1/ 219-220]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجاً واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}
ثم قال: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون} تقول: "هم في البصرة" و"بالبصرة" و"قعدت له في الطّريق" و"بالطّريق"). [معاني القرآن: 2/ 13-14]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراط توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86)}؛ أي بكل طريق.
ومعنى توعدون أي توعدون من آمن بشعيب بالعذاب والتهدد يقال: وعدته خيرا، ووعدته شرّا، فإذا لم تذكر واحدا منهما.
قلت في الخير وعدته وفي الشر أوعدته.
وقوله: {وتصدّون عن سبيل اللّه}؛
أي: عن الطريق التي آمن اللّه من آمن بها.
{وتبغونها عوجا}؛
أي: وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد.
يقال في الدين وفيما يعلم إذا كان على غير استواء عوج بكسر العين وفي الحائط والعود عوج بفتح العين.
وقوله: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم}؛
جائز أن يكون {فكثّركم} جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء، وجائز أن يكون كان عددهم قليلا فكثرهم، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار فكثرهم، إلا أنه ذكرهم بنعمة الله عليهم كما قال: {فاذكروا آلاء اللّه}؛ أي نعم اللّه). [معاني القرآن: 2/ 354-355]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}
قال قتادة: أي توعدون من أتى شعيبا وغشية وأراد الإسلام بالأذى.
ويقال وعدته خيرا أو شرا فإذا قلت وعدته لم يكن إلا للخير وإذا قلت أوعدته لم يكن إلا للشر.
ثم قال جل وعز: {وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا}؛
قال قتادة: أي وتبغون السبيل عوجا عن الحق، والسبيل الطريق والمذهب.
ثم قال جل وعز: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم}
1 - يجوز أن يكونوا قليلي العدد.
2-ويجوز أن يكونوا فقراء فكثرهم بالغنى.
3-ويجوز أن يكونوا غير ذوي مقدرة
والله أعلم بما أراد إلا أنه ذكرهم نعمة من نعم الله جل وعز كما قال تعالى: {فاذكروا آلاء الله} ). [معاني القرآن: 3/ 54]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)}

تفسير قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {قال الملأ الّذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والّذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا قال أولو كنّا كارهين (88)}
المعنى: ليكونن أحد الأمرين، ولا تقارّ على مخالفتنا.
وقوله: {قال أولو كنّا كارهين}؛
أي: أتعيدوننا في ملتكم وإن كرهناها.
فإن قال قائل: كيف قالوا لشعيب: أو لتعودنّ في ملّتنا، وشعيب نبيّ؟
ففيه قولان:
أحدهما: لما أشركوا الذين كانوا على ملّتهم قالوا: أو لتعودنّ في ملّتنا. وجائز أن يقال: قد عاد عليّ من فلان مكروه، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك وإنما تأويله إنّه قد لحقني منه مكروه). [معاني القرآن: 2/ 355]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا}
يقال: كيف قالوا هذا لشعيب وهو نبي؟ فعلى هذا جوابان:
أحدهما: أن يكون معنى لتعودن لتصيرن كما تقول عاد علي من فلان مكروه.
والجواب الآخر: أنهم لما خلطوا معه من آمن منهم جاز أن يقولوا أو لتعودن في ملتنا يعنون من آمن، قال: أولو كنا كارهين أي أنعود في ملتكم ولو كنا كارهين وقوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} على التسليم لله كما قال تعالى: {وما توفيقي إلا بالله}
والدليل على هذا أن بعده وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق قال قتادة: أي اقض بيننا وبين قومنا بالحق
وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى: {افتح بيني وبينهم فتحا} قال معناه النصر). [معاني القرآن: 3/ 54-55]

تفسير قوله تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ربّنا افتح بيننا...}
يريد: اقض بيننا، وأهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح). [معاني القرآن: 1/ 386]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} أي احكم بيننا. قال: والقاضي يقال له الفتاح، قال:
ألا أبلغ بنى عصمٍ رسولا ....... بأني عن فتاحتكم غنىّ
وهو لبعض مراد). [مجاز القرآن: 1/ 220-221]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {افتح بيننا وبين قومنا}: احكم ومنه {خير الفاتحين}). [غريب القرآن وتفسيره: 148]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ربّنا افتح بيننا} أي احكم بيننا. ويقال للحاكم: الفتاح). [تفسير غريب القرآن: 170]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقال عز وجل: {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [سبأ: 26] أي: يقضي، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}: أي خير القضاة.
وقال أعرابي لآخر ينازعه: بيني وبينكم الفتاح، يعني الحاكم.
وقال ابن عباس في قول الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] كنت أقرؤها ولا أدري ما هي، حتى تزوجت بنت مشرح فقالت: فتح الله بيني وبينك، أي حكم الله بيني وبينك). [تأويل مشكل القرآن: 492-493]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {قد افترينا على اللّه كذبا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيء علما على اللّه توكّلنا ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين (89)}
{وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه}؛
اختلف الناس في تأويل هذا، فأولى التأويلات باللفظ أن يكون:
{وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه}لأنه لا يكون غير ما يشاء اللّه.
وهذا مذهب أهل السنة.
قال اللّه عز وجل: (وما تشاءون إلّا أن يشاء اللّه)، والمشيئة في اللغة بيّنة لا تحتاج إلى تأويل.
فالمعنى: ما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون الله عزّ وجلّ قد سبق في علمه ومشيئته أنا نعود فيها.
وتصديق ذلك قوله: {وسع ربّنا كلّ شيء علما}
ثم قال: {على اللّه توكّلنا}
وفي موضع آخر: {وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت}
وقال قوم: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه ربّنا)
أي فاللّه لا يشاء الكفر، قالوا: هذا مثل قولك: لا أكلّمك حتى يبيضّ الفار ويشيب الغراب، والفار لا يبيض، والغراب لا يشيب.
قالوا فكذلك تأويل الآية.
قال أبو إسحاق: وهذا خطأ لمخالفته أكثر من ألف موضع في القرآن لا تحتمل تأويلين، ولا يحدث شيء إلا بمشيئته وعن علمه.
إما أن يكون علمه حادثا فشاءه حادثا، أو علمه غير حادث فشاءه غير حادث.
ولا يجوز لما مكن الخلق من التصرف أن يحدث الممتنع موجودا، ولا يكون ما علمه أنّه يوجد ممتنعا.
وسنة الرسول -عليه السلام- تشهد بذلك ولكن اللّه تبارك وتعالى غيب عن الخلق علمه فيهم، ومشيئته من أعمالهم فأمرهم ونهاهم.
لأن الحجة إنما تثبت من جهة الأمر والنهي، وكل ذلك جائز على ما سبق في العلم وجرت به المشيئة، قال الله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلّا يعلمها ... الآية}.
فسقوط الورقة منسوب إليها وهو خلقه فيها كما خلقها، وكذلك إلى آخر الآية.
وقال: (يعلم ما في أنفسكم فاحذروه)، وما في النفوس من الخواطر الجائلة والهم الجائل والعزم الجائل فيها. فلا يجوز عدم ما علمه كائنا فيها، ولا يجوز كون ما علمه معدوما.
فحذرهم مخالفة ظاهر أمره ونهيه لأن عليهم السمع والطاعة للأمر إذا أمروا به، وهم جارون على ما علم منهم أنّهم يختارون الطاعة، ويختارون المعصية، فلا سبيل إلى أن يختاروا خلاف ما علم أنهم يختارونه.
وإن لم يكن الأمر على ما قلنا وجب أن يكون قولهم: علم اللّه أفعال العباد قبل كونها إنما هو علم مجاز لا علم حقيقة.
واللّه تعالى عالم على حقيقة لا مجاز، والحمد للّه.
وقال قوم - وهو بعد القول الأول قريب -:
إن المعنى: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلّا أن يشاء اللّه ربّنا).
أي قد تبرأنا من جميع ملّتكم فما يكون لنا أن نعود في شيء منها إلا أن يشاء اللّه وجها من وجوه البر الذي تتقربون به إلى اللّه، فيأمرنا به، فنكون بهذا قد عدنا.
قال أبو إسحاق: والذي عندي - وهو إن شاء اللّه الحقّ - القول الأول.
لأن قوله: {بعد إذ نجّانا اللّه منها}، إنّما هو، النجاة من الكفر وأعمال المعاصي لا من أعمال البر.
وقوله: {وسع ربّنا كلّ شيء علما}.
(علما) منصوب على التمييز.
وقوله: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ}.
أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح.
وجائز أن يكون افتح بيننا وبين قومنا بالحق، أي أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا وينكشف، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزل بقومهم من العذاب والهلكة ما يظهر به أن الحق معهم). [معاني القرآن: 2/ 355-358]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({افْتَحْ بَيْنَنَا} احكم، ويقال للحاكم: الفتاح). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 85]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {افْتَحْ}: احكم). [العمدة في غريب القرآن: 136]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)}

تفسير قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {الرّجفة} : من رجفت بهم الأرض أي تحركت بهم). [مجاز القرآن: 1/ 221]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91)}
هي الزلزلة الشديدة.
وقوله جلّ وعزّ: {فأصبحوا في دارهم جاثمين}؛ أي: أجساما ملقاة في الأرض كالرماد الجاثم). [معاني القرآن: 2/ 358]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {كأن لم يغنوا فيها}؛ أي لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها، قال مهلهل:
غنيت دارنا تهامة في الده ....... ر وفيها بنو معدٍّ حلولا
وقولهم مغاني الديار منها، واحدها مغنىً قال:
أتعرف مغنى دمنةٍ ورسوم). [مجاز القرآن: 1/ 221]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {الّذين كذّبوا شعيباً كأن لّم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين}
وقال: {كأن لّم يغنوا فيها} وهي من "غنيت" "تغنى" "غنى"). [معاني القرآن: 2/ 14]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {يغنوا فيها}: يكونوا فيها والمغاني المنازل التي نزلوها. واحدها مغني). [غريب القرآن وتفسيره: 148]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {كأن لم يغنوا فيها} أي لم يقيموا فيها. يقال: غنينا بمكان كذا: أقمنا. ويقال للمنازل: مغان. واحدها مغنى). [تفسير غريب القرآن: 170]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {الّذين كذّبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92)}
{كأن لم يغنوا فيها}؛ أي كأن لم ينزلوا فيها.
قال الأصمعي: المغاني المنازل التي نزلوا بها، يقال غنينا بمكان كذا وكذا، أي نزلنا به.
ويكون {كأن لم يغنوا فيها}؛ كأن لم ينزلوا كان لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال حاتم طيّ:
غنينا زمانا بالتّصعلك والغنى ....... فكلاّ سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة ....... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

والعرب تقول للفقير الصعلوك). [معاني القرآن: 2/ 358]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {كأن لم يغنوا فيها}؛
قال قتادة: أي: كأن لم يعيشوا ولم يتنعموا.
قال الأصمعي يقال غنينا بمكان كذا أي أقمنا فيه والمنازل يقال لها: المغاني.
ومعنى فكيف آسى: فكيف أحزن والأسى أشد الحزن). [معاني القرآن: 3/ 55-56]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي لم يُقيموا). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 86]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {لم يَغْنَوْا}: يكونوا). [العمدة في غريب القرآن: 136]

تفسير قوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {فكيف آسى}: أي أحزن وأتندم وأتوجع، ومصدره الأسى، وقال:
وانحلبت عيناه من فرط الأسى). [مجاز القرآن: 1/ 222]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93)}
أي حين نزل بهم العذاب تولى عنهم.
{وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين}.
معنى آسى أحزن - أي كيف يشتد حزني.
يقال: أسيت على الشيء آسى أسى إذا اشتد حزنك عليه.
قال الشاعر:
وانحلبت عيناه من فرط الأسى). [معاني القرآن: 2/ 358-359]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الأولى 1434هـ/12-03-2013م, 12:08 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) }

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) }

تفسير قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) }

تفسير قوله تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) }
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} قال: الأنبياء صلى الله عليهم وسلم وكانوا بين قومهم يرون أنهم في مللهم، فنجاهم الله منها.
ومثله {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} ). [مجالس ثعلب: 399]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (تفسير قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الفتح} [السجدة: 28] الآية
وحدّثنا أبو بكر بن الأنباري، في قوله جل وعز، {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} [السجدة: 28] معناه متى هذا القضاء والحكم، وأنشد:
ألا أبلغ بني عصم رسولًا ....... فإنّي عن فتاحتكم غنيّ
معناه عن محاكمتكم، ومن ذلك قول الله جل وعز: {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} [الأعراف: 89] أي اقض بيننا وقال الفراء وأهل عمان: يسمّون القاضي الفتّاح، فأما قوله جل عز: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح}[الأنفال: 19] ، ففيه قولان قال قوم: معناه إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء، وقال آخرون إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدّينين عندك، وأرضاه لديك، فقال الله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] ، ويروى عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، قال أبو عبيدة: معناه يستنصر، والصّعلوك: الفقير في كلام العرب، قال حاتم بن عبد الله:
غنينا زمانا التصعلك والغنى ....... فكلًا سقاناه بكأسيهما الدّهر
يعني بالفقر والغنى). [الأمالي: 2/ 281-282] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) }

تفسير قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) }

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (وغنينا: أقمنا، ولهذا قيل للمنزل: مغنى، ومنه قول الله عز وجل: {كأن لم يغنوا فيها} [سورة الأعراف: 92] ). [الأمالي: 2/ 152]

تفسير قوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) }
قال أبو فَيدٍ مُؤَرِّجُ بنُ عمروٍ السَّدُوسِيُّ (ت: 195هـ) : (ويُرْوَى: واتَّسَى واتَّسَتْ به، وهو مِن الأَسَى وهو الْحُزْنُ، يُقالُ: أَسِيَ يَأْسَى أَسًى، ويُرْوَى: واتَّسَتْ واتَّسَى به). [شرح لامية العرب: --]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (
وقوفنا بها صحبي علي مطيهم ....... يقولون لا تهلك أسىً وتجمل
أسىً: من أسِيَ يَأسَى أسىً). [شرح ديوان امرئ القيس: 172-173]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (والأسى: الحزن، يقال: أسي يأسى أسىً). [الأمالي: 2/ 317-318]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 02:13 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 02:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 02:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 02:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إلهٍ غيره قد جاءتكم بيّنةٌ من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجاً واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86)}

قيل: في مدين إنه اسم بلد وقطر، وقيل اسم قبيلة، وقيل: هم من ولد «مدين» بن إبراهيم الخليل، وروي أن لوط عليه السلام هو جد شعيب لأمه، وقال مكي كان زوج بنت لوط، ومن رأى مدين اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي، ومن رآه اسما للقبيلة أو الأرض فهو أحرى ألا يصرف، وقوله: أخاهم منصوب بقوله: {أرسلنا} [الأعراف: 59] في أول القصص، وهذا يؤيد أن: {لوطاً} [الأعراف: 80] به انتصب، وأن اللفظ مستمر، وهذه الأخوة في القرابة، وقد تقدم القول في غيره وغيره، والبينة إشارة إلى معجزته وإن كنا نحن لم ينص لنا عليها، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «قد جاءتكم آية من ربكم» مكان بيّنةٌ وقوله: {فأوفوا الكيل}؛ أمر لهم بالاستقامة في الإعطاء وهو بالمعنى في الأخذ والإعطاء، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه وتبخسوا معناه تظلموا. ومنه قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة خادعة، وأشياءهم يريد أموالهم وأمتعتهم مما يكال أو يوزن، وقوله: {ولا تفسدوا}؛ لفظ عام دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح، وقوله: {ذلكم خيرٌ لكم} أي نافع عند الله مكسب فوزه ورضوانه بشرط الإيمان والتوحيد وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان). [المحرر الوجيز: 3/ 609-610]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ ... الآية}، قال السدي: هذا نهي عن العشارين والمتقبلين ونحوه من أخذ أموال الناس بالباطل، والصراط: الطريق وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل: خسهم ونقصهم الكيل والوزن.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم روي في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وما تقدم قبل من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والنحس يؤيد هذين القولين ويشبههما، وفي هذا كله توعد للناس إن لم يتركوا أموالهم وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي أيضا، قوله: ولا تقعدوا نهي لهم عما كانوا يفعلونه من رد الناس عن شعيب، وذلك أنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وما بعد هذا من ألفاظ الآية يشبه هذا القول، وقوله تعالى: {وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن ... الآية} المعنى وتفتنون من آمن وتصدونه عن طريق الهدى وسبيل اللّه المفضية إلى رحمته، والضمير في به يحتمل: أن يعود على اسم الله وأن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطرق للرد عن شعيب، وأن يعود على السبيل في لغة من يذكر «السبيل»، وتقدم القول في مثل قوله:
وتبغونها عوجاً في صدر السورة، وقال أبو عبيدة والزجاج كسر العين في المعاني وفتحها في الأجرام، ثم عدد عليهم نعم الله تعالى وأنه كثرهم بعد قلة عدد، وقيل: أغناهم بعد فقر، فالمعنى على هذا: إذ كنتم قليلا قدركم، ثم حذرهم ومثل لهم بمن امتحن من الأمم السابقة). [المحرر الوجيز: 3/ 610-611]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالّذي أرسلت به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتّى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين (87)}
المعنى: وإن كنتم يا قوم قد اختلفتم عليّ وشعبتم بكفركم أمري فآمنت طائفة وكفرت طائفة فاصبروا أيها الكفرة حتى يأتي حكم الله بيني وبينكم، وفي قوله: فاصبروا قوة التهديد والوعيد، هذا ظاهر الكلام وأن المخاطبة بجميع الآية للكفار، وحكى منذر بن سعيد عن ابن عباس أن الخطاب بقوله:
{فاصبروا}؛ للمؤمنين على معنى الوعد لهم، وقاله مقاتل بن حيان، قال النقاش، وقال مقاتل بن سليمان: المعنى «فاصبروا» يا معشر الكفار.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول الجماعة). [المحرر الوجيز: 3/ 612]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {قال الملأ الّذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والّذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا قال أولو كنّا كارهين (88) قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيءٍ علماً على اللّه توكّلنا ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين (89)}
تقدم القول في معنى الملأ ومعنى الاستكبار، وقولهم: {لنخرجنّك يا شعيب} تهديد بالنفي، والقرية المدينة الجامعة للناس لأنها تقرت أي اجتمعت، وقولهم أو لتعودنّ في ملّتنا معناه أو لتصيرن، وعاد: تجيء في كلام العرب على وجهين. أحدهما عاد الشيء إلى حال قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذه الجهة لا تتعدى فإن عديت فبحرف، ومنه قول الشاعر: [السريع]
إن عادت العقرب عدنا لها ....... وكانت النعل لها حاضرة
ومنه قول الآخر: [الطويل]
ألا ليت أيام الشباب جديد ....... وعصرا تولّى يا بثين يعود
ومنه قوله تعالى: {ولو ردّوا لعادوا لما نهوا} [الأنعام: 28] ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فإن تكن الأيام أحسن مرة ....... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
والوجه الثاني أن تكون بمعنى صار وعاملة عملها ولا تتضمن أن الحال قد كانت متقدمة. ومن هذه قول الشاعر: [البسيط]
تلك المكارم لاقعبان من لبن ....... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ومنه قول الآخر: [الرجز]
وعاد رأسي كالثغامة
ومنه قوله تعالى: {حتّى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] على أن هذه محتملة، فقوله في الآية أو لتعودنّ وشعيب عليه السلام لم يكن قط كافرا يقتضي أنها بمعنى صار، وأما في جهة المؤمنين بعد كفرهم فيترتب المعنى الآخر ويخرج عنه «شعيب» إلا أن يريدوا عودته إلى حال سكوته قبل أن يبعث، وقوله أولو كنّا كارهين توقيف منه لهم على شنعة المعصية وطلب أن يقروا بألسنتهم بإكراه المؤمنين بالله على الإخراج ظلما وغشما). [المحرر الوجيز: 3/ 612-614]

تفسير قوله تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والظاهر في قوله: {قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملّتكم}؛ أنه خبر منه أي لقد كنا نواقع عظيما ونفتري على الله الكذب في الرجوع إلى الكفر، ويحتمل أن يكون على جهة القسم الذي هو في صيغة الدعاء، مثل قول الشاعر:
بقيت وفري ... ... ....... ... ... ... ....
وكما تقول «افتريت على الله» إن كلمت فلانا، وافترينا معناه شققنا بالقول واختلفنا. ومنه قول عائشة: «من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ونجاة «شعيب» من ملتهم كانت منذ أول أمره، ونجاة من آمن معه كانت بعد مواقعة الكفر، وقوله: {إلّا أن يشاء اللّه}؛ يحتمل أن يريد إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابق وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والمؤمنون هم المجوزون لذلك وشعيب قد عصمته النبوة، وهذا أظهر ما يحتمل القول، ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات، فلما قال لهم: إنا لا نعود في ملتكم ثم خشي أن يتعبد الله بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك ويقول: هذه عودة إلى ملتنا استثنى مشيئة الله تعالى فيما يمكن أن يتعبد به ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط، وقد علم امتناع ذلك فهو إحالة على مستحيل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أن الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه، وقيل: إن هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدّب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ولو كان في الكلام إن شاء الله قوى هذا التأويل، وقوله: {وسع ربّنا كلّ شيءٍ علماً}؛ معناه: وسع علم ربنا كل شيء كما تقول: تصبب زيد عرقا أي تصبب عرق زيد، ووسع بمعنى أحاط، وقوله: افتح معناه أحكم والفاتح والفتاح القاضي بلغة حمير، وقيل بلغة مراد، وقال بعضهم: [الوافر]
ألا أبلغ بني عصم رسولا ....... فإني عن فتاحتكم غنيّ
وقال الحسن بن أبي الحسن: إن كل نبي أراد الله هلاك قومه أمره بالدعاء عليهم ثم استجاب له فأهلكهم، وقال ابن عباس: ما كنت أعرف معنى هذه اللفظة حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك، وقوله: {على اللّه توكّلنا}؛ استسلام لله وتمسك بلفظه وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: {إلّا أن يشاء اللّه}). [المحرر الوجيز: 3/ 614-616]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وقال الملأ الّذين كفروا من قومه لئن اتّبعتم شعيباً إنّكم إذاً لخاسرون (90) فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الّذين كذّبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين (92) فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين (93)}
هذه المقالة قالها الملأ لتبّاعهم وسائر الناس الذي يقلدونهم). [المحرر الوجيز: 3/ 616]

تفسير قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : ({والرّجفة}: الزلزلة الشديدة التي ينال معها الإنسان اهتزاز وارتعاد واضطراب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت ب الرّجفة وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة والرّجفة كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث شعيباً إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم بابا من أبواب جهنم فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة وهي تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم، قال الطبري:
فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء قال لما رآها: [البسيط]
يا قوم إن شعيبا مرسل فذروا ....... عنكم سميرا وعمران بن شداد
إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت ....... تدعو بصوت على ضمّانة الواد
وإنه لن تروا فيها ضحاء غد ....... إلا الرقيم يمشّي بين انجاد
وسمير وعمران كاهناهم والرقيم كلبهم، وروي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذكر «شعيبا» قال: ذلك خطيب الأنبياء لقوله لقومه: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت وإليه أنيب} [هود: 88].
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يريد لحسن مراجعته وجميل تلطفه. وحكى الطبري عن أبي عبد الله البجلي أنه قال: أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وصعفض وقرست أسماء ملوك مدين، وكان الملك يوم الظلة كلمن، فقالت أخته ترثيه: [مجزوء الرمل]
كلمن قد هد ركني ....... هلكه وسط المحلة
سيد القوم اتساه ....... حتف نار وسط ظله
جعلت نار عليهم ....... دارهم كالمضمحله
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه حكاية مظنون بها والله علم، وقد تقدم معنى جاثمين). [المحرر الوجيز: 3/ 616-618]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: {كأن لم يغنوا}؛ فيها لفظ فيه للإخبار عن قوة هلاكهم ونزول النقمة بهم والتنبيه على العبرة بهم، ونحو هذا قول الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ....... ... ... ... ...
ويغنوا معناه يقيموا ويسكنوا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وغنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرض، هذا الذي استقريت من الأشعار التي ذكرت العرب فيها هذه اللفظة فمن ذلك قول الشاعر: [الوافر]
وقد نغنى بها ونرى عصورا ....... بها يقتدننا الخرد الخذالا
ومنه قول الآخر: [الرمل]
ولقد يغنى بها جيرانك المس ....... تمسكو منكم بعهد ووصال
أنشده الطبري، ومنه قول الآخر: [الطويل]
ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا ....... ... ... ... ...
ومنه قول مهلهل: [الخفيف]
غنيت دارنا تهامة في الدهر ....... وفيها بنو معد حلّولا
ويشبه أن تكون اللفظة من الاستغناء، وأما قوله: كأن لم تغن بالأمس ففيه هذا المعنى لأن المراد كأن لم تكن ناعمة نضرة مستقلة، ولا توجد فيما علمت إلا مقترنة بهذا المعنى وأما قول الشاعر: [الطويل]
غنينا زمانا بالتصعلك والغنا ....... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فمعناه استغنينا بذلك ورضيناه مع أن هذه اللفظة ليست مقترنة بمكان). [المحرر الوجيز: 3/ 618-620]

تفسير قوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي إلى آخر ... الآية} كلام يقتضي أن شعيباً عليه السلام وجد في نفسه لما رأى هلاك قومه حزنا وإشفاقا إذ كان أمله فيهم غير ذلك، فلما وجد ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم والقسوة عليهم فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم الذي استوجبوا به أن لا يتأسف عليهم، فذكر أنه بلغ الرسالة ونصح، والمعنى فأعرضوا وكذبوا، ثم قال لنفسه لما نظرت في هذا وفكرت فيه فكيف آسى على هؤلاء الكفرة، ويحتمل أن يقول هذه المقالة على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر، وقال مكي: وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها، وآسى: أحزن، وقرأ ابن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش: «إيسى» بكسر الهمزة وهي لغة كما يقال أخال وأيمن، قال عبد الله ابن عمر لا أخاله، وقال ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر في كتاب الحج لا أيمن وجميع ذلك في البخاري، وهذه اللغة تطرد في العلامات الثلاث، همزة التكلم ونون الجماعة وتاء المخاطبة، ولا يجوز ذلك في ياء الغائب كذا قال سيبويه، وأما قولهم من وجل ييجل فلعله من غير هذا الباب). [المحرر الوجيز: 3/ 620]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 02:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 02:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إلهٍ غيره قد جاءتكم بيّنةٌ من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين (85)}
قال محمّد بن إسحاق: هم من سلالة "مدين بن إبراهيم". وشعيبٌ هو ابن ميكيل بن يشجر قال: واسمه بالسّريانيّة: "يثرون".
قلت: وتطلق مدين على القبيلة، وعلى المدينة، وهي الّتي بقرب "معان" من طريق الحجاز، قال اللّه تعالى: {ولمّا ورد ماء مدين وجد عليه أمّةً من النّاس يسقون} [القصص: 23] وهم أصحاب الأيكة، كما سنذكره إن شاء اللّه، وبه الثّقة.
{قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إلهٍ غيره} هذه دعوة الرّسل كلّهم، {قد جاءتكم بيّنةٌ من ربّكم}؛ أي: قد أقام اللّه الحجج والبيّنات على صدق ما جئتكم به. ثمّ وعظهم في معاملتهم النّاس بأن يوفوا المكيال والميزان، ولا يبخسوا النّاس أشياءهم، أي: لا يخونوا النّاس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا، كما قال تعالى: {ويلٌ للمطفّفين * الّذين إذا اكتالوا على النّاس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظنّ أولئك أنّهم مبعوثون * ليومٍ عظيمٍ يوم يقوم النّاس لربّ العالمين} [المطفّفين: 1-6] وهذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيدٌ أكيدٌ، نسأل اللّه العافية منه). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 446-447]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجًا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالّذي أرسلت به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتّى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين (87)}
ثمّ قال تعالى إخبارًا عن شعيبٍ، الّذي يقال له: "خطيب الأنبياء"، لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجًا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86)} ينهاهم شعيبٌ، عليه السّلام، عن قطع الطّريق الحسّيّ والمعنويّ، بقوله: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون} أي: توعدون النّاس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم. قال السّدّيّ وغيره: كانوا عشّارين. وعن ابن عبّاسٍ [رضي اللّه عنه] ومجاهدٍ وغير واحدٍ: {ولا تقعدوا بكلّ صراطٍ توعدون} أي: تتوعّدون المؤمنين الآتين إلى شعيبٍ ليتّبعوه. والأوّل أظهر؛ لأنّه قال: {بكلّ صراطٍ} وهي الطّرق، وهذا الثّاني هو قوله: {وتصدّون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجًا} أي: وتودّون أن تكون سبيل اللّه عوجًا مائلةً. {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم} أي: كنتم مستضعفين لقلّتكم فصرتم أعزّةً لكثرة عددكم، فاذكروا نعمة اللّه عليكم في ذلك، {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، ما حلّ بهم من العذاب والنّكال باجترائهم على معاصي اللّه وتكذيب رسله). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 447]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وإن كان طائفةٌ منكم آمنوا بالّذي أرسلت به وطائفةٌ لم يؤمنوا} أي: [قد] اختلفتم عليّ {فاصبروا} أي: انتظروا {حتّى يحكم اللّه بيننا} أي: يفصل، {وهو خير الحاكمين} فإنّه سيجعل العاقبة للمتّقين، والدّمار على الكافرين). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 447-448]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قال الملأ الّذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والّذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا قال أولو كنّا كارهين (88) قد افترينا على اللّه كذبًا إن عدنا في ملّتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء اللّه ربّنا وسع ربّنا كلّ شيءٍ علمًا على اللّه توكّلنا ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين (89)}
هذا إخبارٌ من اللّه [تعالى] عمّا واجهت به الكفّار نبيّ اللّه شعيبًا ومن معه من المؤمنين، في توعّدهم إيّاه ومن معه بالنّفي من القرية، أو الإكراه على الرّجوع في ملّتهم والدّخول معهم فيما هم فيه. وهذا خطابٌ مع الرّسول والمراد أتباعه الّذين كانوا معه على الملّة.
وقوله: {أولو كنّا كارهين} يقول: أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنّا كارهين ما تدعونا إليه؟ فإنّا إن رجعنا إلى ملّتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على اللّه في جعل الشّركاء معه أندادًا. وهذا تعبيرٌ منه عن أتباعه). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 448]

تفسير قوله تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء اللّه ربّنا} وهذا ردٌّ إلى المشيئة، فإنّه يعلم كلّ شيءٍ، وقد أحاط بكلّ شيءٍ علمًا، {على اللّه توكّلنا} أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر {ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ} أي: افصل بيننا وبين قومنا، وانصرنا عليهم، {وأنت خير الفاتحين} أي: خير الحاكمين، فإنّك العادل الّذي لا يجور أبدًا). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 448]

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وقال الملأ الّذين كفروا من قومه لئن اتّبعتم شعيبًا إنّكم إذًا لخاسرون (90) فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الّذين كذّبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها الّذين كذّبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين (92)}
يخبر تعالى عن شدّة كفر قوم شعيبٍ وتمرّدهم وعتوّهم، وما هم فيه من الضّلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحقّ، ولهذا أقسموا وقالوا: {لئن اتّبعتم شعيبًا إنّكم إذًا لخاسرون} فلهذا عقّب ذلك بقوله: {فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 449]

تفسير قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين}
أخبر تعالى هاهنا أنّهم أخذتهم الرّجفة كما أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعّدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة "هودٍ" فقال: {ولمّا جاء أمرنا نجّينا شعيبًا والّذين آمنوا معه برحمةٍ منّا وأخذت الّذين ظلموا الصّيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين}[هودٍ: 94] والمناسبة في ذلك -واللّه أعلم -أنّهم لمّا تهكّموا بنبيّ اللّه شعيبٍ في قولهم: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنّك لأنت الحليم الرّشيد} [هودٍ: 87] فجاءت الصّيحة فأسكتتهم.
وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشّعراء: {فكذّبوه فأخذهم عذاب يوم الظّلّة إنّه كان عذاب يومٍ عظيمٍ} [الشّعراء: 189] وما ذاك إلّا لأنّهم قالوا له في سياق القصّة: {فأسقط علينا كسفًا من السّماء إن كنت من الصّادقين} [الشّعراء: 187] فأخبر أنّه أصابهم عذاب يوم الظّلّة، وقد اجتمع عليهم ذلك كلّه: أصابهم عذاب يوم الظّلّة،" وهي سحابةٌ أظلّتهم فيها شررٌ من نارٍ ولهب ووهج عظيمٍ، ثمّ جاءتهم صيحةٌ من السّماء ورجفةٌ من الأرض شديدةٌ من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النّفوس وخمدت الأجساد، {فأصبحوا في دارهم جاثمين} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 448-449]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} أي: كأنّهم لمّا أصابتهم النّقمة لم يقيموا بديارهم الّتي أرادوا إجلاء الرّسول وصحبه منها.
ثمّ قال مقابلًا لقيلهم: {الّذين كذّبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين} ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 449]

تفسير قوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين (93)}
أي: فتولّى عنهم "شعيبٌ" عليه السّلام بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنّقمة والنّكال، وقال مقرّعًا لهم وموبّخًا: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم} أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتم به، ولهذا قال: {فكيف آسى على قومٍ كافرين}؟). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 449]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:25 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة