العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأعراف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 10:37 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأعراف [ من الآية (44) إلى الآية (49) ]

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 11:25 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)}
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين}.
يقول تعالى ذكره: ونادى أهل الجنّة أهل النّار بعد دخولهموها: يا أهل النّار، قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا في الدّنيا على ألسن رسله من الثّواب على الإيمان به وبهم وعلى طاعته، فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب؟ فأجابهم أهل النّار بأن نعم، قد وجدنا ما وعد ربّنا حقًّا.
- كالّذي حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم}، قال: وجد أهل الجنّة ما وعدوا من ثوابٍ، وأهل النّار ما وعدوا من عقابٍ.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا}، وذلك أنّ اللّه وعد أهل الجنّة النّعيم والكرامة وكلّ خيرٍ علمه النّاس أو لم يعلموه، ووعد أهل النّار كلّ خزي وعذابٍ علمه النّاس أو لم يعلموه، فذلك قوله: {وآخر من شكله أزواجٌ}، قال: فنادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم}، يقول: من الخزي والهوان والعذاب، قال أهل الجنّة: فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا من النّعيم والكرامة. {فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين}.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: {قالوا نعم}، فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة والكوفة والبصرة: {قالوا نعم} بفتح العين من (نعم).
وروي عن بعض الكوفيّين أنّه قرأ: (قالوا نعم) بكسر العين، وقد أنشد بيتًا لبني كلبٍ:
نعم إذا قالها منه محقّقةٌ ....... ولا تجيء عسى منه ولا قمن
بكسر (نعم).
والصّواب من القراءة عندنا: {نعم} بفتح العين، لأنّها القراءة المستفيضة في قرّاء الأمصار، واللّغة المشهورة في العرب.
وأمّا قوله: {فأذّن مؤذّنٌ بينهم} يقول: فنادى منادٍ، وأعلم معلّمٌ بينهم، {أن لعنة اللّه على الظّالمين}، يقول: غضب اللّه وسخطه وعقوبته على من كفر به.
وقد بيّنّا القول في (أن) إذا صحبت من الكلام ما ضارع الحكاية وليس بصريح الحكاية، بأنّها تشدّدها العرب أحيانًا وتوقع الفعل عليها فتفتحها، وتخفّفها أحيانًا وتعمل الفعل فيها فتنصبها به وتبطل عملها عن الاسم الّذي يليها فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ شدّدت (أن) أو خفّفت في القراءة، إذ كان معنى الكلام بأيّ ذلك قرأ القارئ واحدًا، وكانتا قراءتين مشهورتين في قراءة الأمصار). [جامع البيان: 10/ 205-207]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين (44)}
قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا}
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ حدّثني أبي ثنا عمّي عن أبيه عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: قوله: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار} أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ وذلك أنّ اللّه وعد أهل النّار كلّ خزي وعذابٍ علمه النّاس أو لم يعلموه، وذكر قوله: وآخر من شكله أزواجٌ.
قال: ف نادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ قالوا: نعم. يقول: من الخزي والهوان والعذاب. قال أهل الجنّة: فإنّا قد وعدنا ربّنا حقًّا من النّعيم والكرامة. فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم وجد أهل الجنّة ما وعدوا من الثّواب، وأهل النّار ما وعدوا من عذابٍ.
قوله تعالى: {فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين}
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا يونس بن بكيرٍ ثنا محمّد بن إسحاق حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزمٍ عن أبيه قال: هذا كتاب رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] عندنا الّذي كتبه لعمر بن حزمٍ حين بعثه إلى اليمن فقال: «إنّ اللّه كره الظّلم ونهى عنه وقال: ألا لعنة اللّه على الظّالمين
».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن إدريس عن، شعبة، عن منصورٍ قال: سألت إبراهيم عن الحجّاج فقال: ألم يقل اللّه ألا لعنة اللّه على الظّالمين.
- حدّثنا أبي، ثنا صالح بن عبيد اللّه الهاشميّ، ثنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران قال: إنّ الرّجل ليصلّي ويلعن نفسه في قراءته فيقول: ألا لعنة اللّه على الظّالمين وإنّه لظالمٌ). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1481-1482]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا}؛ قال: من النعيم والكرامة، {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا}؛ قال: من الخزي والهوان والعذاب.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: وجد أهل الجنة ما وعدوا من ثواب ووجد أهل النار ما وعدوا من عذاب.
- وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عمر أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر من المشركين فقال:
«قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا فقال له الناس: أليسوا أمواتا فيقول: إنهم يسمعون كما تسمعون»
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: {وبينهما حجاب}، قال: هو السور وهو الأعراف وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس، أما قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال}.
- أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار.
- وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: الأعراف هو الشيء المشرف.
- وأخرج الفريابي وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك.
- وأخرج هناد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب.
- وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: الأعراف جبال بين الجنة والنار فهم على أعرافها يقول: على ذراها.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: الأعراف في كتاب الله عمقانا سقطانا، قال ابن لهيعة: واد عميق خلف جبل مرتفع.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط.
- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الأعراف تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار.
- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأعراف سور بين الجنة والنار.
- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: يعني بالأعراف السور الذي ذكر الله في القرآن وهو بين الجنة والنار.
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرض أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم رأوا أصحاب النار {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} فتعوذوا بالله من منازلهم فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد مؤمن نورا وكل أمة نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله نورا كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ربنا أتمم لنا نورنا.
وأمّا أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم فهنالك يقول الله: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطمع دخولا، قال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة ثم يقول: هلك من غلب وحدانه اعشاره.
- وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله من النار وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار.
- وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: إن أصحاب الأعراف: تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا اشفع لنا عند ربك فقال: هل تعلمون أحدا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمة الله إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه فيقول: هل تعلمون أحدا اتخذه الله خليلا هل تعلمون أحدا أحرقه قومه في الله غيري فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك، فيقول: هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله غيري فيقولون: لا، فيقول: أنا حجيج نفسي ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فيأتونني فأضرب بيدي على صدري ثم أقول أنا لها ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فأثني على ربي فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط ثم أسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: رب أمتي، فيقول: هم لك فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام المحمود فآتي بهم باب الجنة فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قضب من ذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك وحصباؤه الياقوت فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية وتبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها يقال لهم: مساكين أهل الجنة».
- وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم غادرت بهم سيئاتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة جعلوا على سور بين الجنة والنار حتى يقضي بين الناس فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني غفرت لكم
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن عن ابن عباس في قوله: {وعلى الأعراف}، قال: هو السور الذي بين الجنة والنار وأصحابه رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان جسيم أمرهم لله يقومون على الأعراف يعرفون أهل النار بسواد الوجوه وأهل الجنة ببياض الوجوه فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها وإذا نظروا إلى أهل النار تعوذوا بالله منها فأدخلهم الله الجنة فذلك قوله: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} يعني أصحاب الأعراف {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«توضع الميزان يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار»، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته قال:«أولئك أصحاب الأعراف {لم يدخلوها وهم يطمعون}».
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال:
«هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم».
- وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يجمع الناس يوم القيامة فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ويؤمر بأهل النار إلى النار ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون قالوا: ننتظر أمرك، فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة خطياكم فادخلوا الجنة بمغفرتي ورحمتي».
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {وعلى الأعراف رجال}، قال: الأعراف حائط بين الجنة والنار وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم تفضل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم فحبسوا هنالك.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فوقفوا هنالك على السور فإذا رأوا أصحاب الجنة عرفوهم ببياض وجوهم وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد وجوهم ثم قال: {لم يدخلوها وهم يطمعون} في دخولها ثم قال: إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة
- وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: أصحاب الأعراف أناس تستوي حسناتهم وسيئاتهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له الحياة تربته ورس وزعفران وحافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ فيغتسلون منه فتبدوا في نحورهم شامة بيضاء ثم يغتسلون ويزدادون بياضا ثم يقال لهم: تمنوا ما شئتم، فيتمنون ما شاؤوا فيقال: لكم مثل ما تمنيتم سبعين مرة، فأولئك مساكين الجنة.
- وأخرج هناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وهو الحجاب وأصحاب الأعراف بذلك المكان فإذا أراد الله أن يعفوا عنهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلل باللؤلؤ تربته المسك فيكونون فيه ما شاء الله حتى تصفوا ألوانهم ثم يخرجون في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها فيقول الله لهم: سلوا فيسألون حتى تبلغ أمنيتهم ثم يقال لهم: لكم ما سألتم ومثله سبعون ضعفا فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ويسمون مساكين أهل الجنة.
- وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن منيع والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد والخرائطي في مساوئ الأخلاق والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الرحمن المزني قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: «هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله ومنعهم من الجنة معصية آبائهم».
- وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال:
«هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة وهم على سور بين الجنة والنار حتى تذبل لحومهم وشحومهم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم تغمدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته».
- وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف، فقال: «هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم لآبائهم عاصون فمنعوا الجنة بمعصيتهم آبائهم ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله».
- وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن جرير، وابن مردويه عن عبد الله بن مالك الهلالي عن أبيه قال قائل: يا رسول الله ما أصحاب الأعراف، قال:
«هم قوم خرجوا في سبيل الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة فهم آخر من يدخل الجنة».
- وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«أصحاب الأعراف قوم خرجوا غزاة في سبيل الله وآباؤهم وأمهاتهم ساخطون عليهم وخرجوا من عندهم بغير إذنهم فأوقفوا عن النار بشهادتهم وعن الجنة بمعصيتهم آباءهم».
- وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه من طريق محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف فقال:
«إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله».
- وأخرج البيهقي في البعث عن أنس بن مالك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:
«إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد فسألناه وما الأعراف قال: حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار»). [الدر المنثور: 6/ 397-408]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45)}

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ويبغونها عوجا} يقول يبتغون السبيل عوجا عن الحق). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 233]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين يصدّون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجًا وهم بالآخرة كافرون}.
يقول جلّ ثناؤه: إنّ المؤذّن بين أهل الجنّة والنّار يقول: إنّ لعنة اللّه على الظّالمين الّذين كفروا باللّه وصدّوا عن سبيله. {ويبغونها عوجًا}، يقول: حاولوا سبيل اللّه، وهو دينه، أن يغيّروه ويبدّلوه عمّا جعله اللّه له من استقامته. {وهم بالآخرة كافرون} يقول: وهم لقيام السّاعة والبعث في الآخرة والثّواب والعقاب فيها جاحدون.
والعرب تقول للميل في الدّين والطّريق: (عوجٌ) بكسر العين، وفي ميل الرّجل على الشّيء والعطف عليه: عاج إليه يعوج عياجًا وعوجًا وعوجًا، بالكسر من العين والفتح، كما قال الشّاعر:
قفا نبكي منازل آل ليلى ....... على عوجٍ إليها وانثناء
ذكر الفرّاء أنّ أبا الجرّاح أنشده إيّاه بكسر العين من عوجٍ، فأمّا ما كان خلقةً في الإنسان، فإنّه يقال فيه: عوج ساقه، بفتح العين). [جامع البيان: 10/ 207-208]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({الّذين يصدّون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجًا وهم بالآخرة كافرون (45)}
قوله تعالى: {الّذين يصدّون عن سبيل اللّه}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روقٍ عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يصدّون عن سبيل اللّه} قال: عن دين اللّه.
قوله تعالى: {ويبغونها عوجًا}
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: {ويبغونها عوجًا} قال: يرجون بمكّة غير الإسلام دينًا.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: {ويبغونها عوجًا}؛ قال: بغوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم عوجًا.
- وبه عن السّدّيّ: عوجاً قال: هلاكاً). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1482-1483]

تفسير قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)}
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا على ذلك المقام، فإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}، وإذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، وقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، فقال ابن عباس: إن الله إذا أدخل أصحاب أهل الأعراف الجنة، قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} [سورة الأعراف: 46- 49] ). [الزهد لابن المبارك: 2/ 664-665]
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا على ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، وقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [سورة الأعراف: 46-49]، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم بياض الوجوه، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} قال ابن عباس: أدخل الله أصحاب الأعراف الجنة، قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ). [الزهد لابن المبارك: 2/ 759]
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مسعود، قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدةٍ دخل النار، ثم قرأ: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [سورة المؤمنون: 102- 103]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة، أو يرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة، وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا {سلام عليكم} [سورة الأعراف:46-47] وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا إلى أصحاب النار قالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، فتعوذوا بالله من منازلهم، قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذٍ نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ماذا لقي المنافقون، قالوا: {ربنا أتمم لنا نورنا} [سورة التحريم: 8]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم، ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا بها، فبقي في قلوبهم الطمع، إذ لم ينزع النور من أيديهم، فهنالك يقول الله تبارك وتعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، فكان الطمع النور في أيديهم، ثم أدخلوا بعد ذلك الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا.
قال: وقال ابن مسعود- وهو على المنبر: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشرًا، وإذا عمل سيئة لم يكتب عليه إلا واحدة، ثم يقول: هلك من علت إحداته أعشاره). [الزهد لابن المبارك: 2/ 763-764]

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر، وقال قتادة: قال ابن عباس: أهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم على سور بين الجنة والنار {لم يدخلوها وهم يطعمون}.

عن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي زيد قال سمعت ابن عباس يقول الأعراف الشيء المشرف). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 229-230]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن الحسن في قوله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 230]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {فاليوم ننساهم} قال نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 230]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم... } إلى قوله تعالى: {وما كانوا بآياتنا يجحدون}
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معشرٍ، عن يحيى بن شبلٍ، عن عمرو بن عبد الرّحمن المزني، (عن أبيه)، قال: سئل رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عن أصحاب الأعراف، فقال:
«هم قومٌ قتلوا في سبيل اللّه عزّ وجلّ بمعصية آبائهم، فمنعهم دخول الجنّة معصية آبائهم، ومنعهم دخول النّار قتلهم في سبيل الله».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن حصين، عن الشّعبيّ، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ قصّرت بهم حسناتهم ليدخلوا الجنّة، وتجاوزت بهم سيّئاتهم أن يدخلوها، فهم على سورٍ بين الجنّة والنّار، لم يدخلوها وهم يطمعون.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن حصينٍ، عن الشّعبيّ، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ قصّرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النّار، جعلوا هناك حتّى يقضى بين النّاس.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عبيد اللّه بن (أبي) يزيد، سمع ابن عبّاسٍ، سئل عن الأعراف قال: هو الشيء المشرف.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا معتمر بن سليمان التّيميّ، عن أبيه، قال: أنبأني أبو مجلز - في قوله عزّ وجلّ: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم} - قال: الأعراف مكانٌ مرتفعٌ عليه رجالٌ من الملائكة يعرفون أهل الجنّة بسيماهم وأهل النّار بسيماهم، {ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} في دخولها، {وإذا صرفت أبصارهم}، قال: أبصار أهل الجنّة تلقاء أصحاب النار، قالوا: {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين. ونادى أصحاب الأعراف رجالاً } من الكفّار، {يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}، فهذا حين دخلوها). [سنن سعيد بن منصور: 5/ 143-150]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (اختلف في المراد بالأعراف في قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجالٌ} فقال وعن أبي مجلزٍ هم ملائكةٌ وكّلوا بالصّور ليميّزوا المؤمن من الكافر واستشكل بأنّ الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا فلا يقال لهم رجالٌ وأجيب بأنّه مثل قوله في حقّ الجنّ كانوا يعوذون برجال من الجنّ كذا ذكره القرطبيّ في التّذكرة وليس بواضحٍ لأنّ الجنّ يتوالدون فلا يمتنع أن يقال فيهم الذّكور والإناث بخلاف الملائكة). [فتح الباري: 8/ 298]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وبينهما حجابٌ}: وبين الجنّة والنّار حجابٌ، يقول: حاجزٌ، وهو السّور الّذي ذكره اللّه تعالى فقال: {فضرب بينهم بسورٍ له بابٌ باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب}، وهو الأعراف الّتي يقول اللّه فيها: {وعلى الأعراف رجالٌ}.
- كذلك حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن رجاءٍ، وعن ابن جريجٍ، قال: بلغني عن مجاهدٍ، قال: الأعراف: حجابٌ بين الجنّة والنّار.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وبينهما حجابٌ}: وهو السّور، وهو الأعراف.
وأمّا قوله: {وعلى الأعراف رجالٌ} فإنّ الأعراف جمعٌ واحدها عرفٌ، وكلّ مرتفعٍ من الأرض عند العرب فهو عرفٌ، وإنّما قيل لعرف الدّيك: عرفٌ، لارتفاعه على ما سواه من جسده، ومنه قول الشّمّاخ بن ضرارٍ:
وظلّت بأعرافٍ تعالى كأنّها ....... رماحٌ نحاها وجهة الرّيح راكز
يعني بقوله: (بأعرافٍ): بنشوزٍ من الأرض، ومنه قول الآخر:
كلّ كنازٍ لحمه نياف ....... كالعلم الموفي على الأعراف
وكان السّدّيّ يقول: إنّما سمّي الأعراف أعرافًا، لأنّ أصحابه يعرفون النّاس.
- حدّثني بذلك، محمّد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عبيد اللّه بن أبي يزيد، سمع ابن عبّاسٍ، يقول: الأعراف: هو الشّيء المشرف.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد اللّه بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عبّاسٍ، يقول، مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، عن سفيان، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: الأعراف: سورٌ كعرف الدّيك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، مثله.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأعراف: حجابٌ بين الجنّة والنّار سورٌ له بابٌ.
- قال أبو موسى: وحدّثني عبيد اللّه بن أبي يزيد، أنّه سمع ابن عبّاسٍ يقول: إنّ الأعراف تلٌّ بين الجنّة والنّار حبس عليه ناسٌ من أهل الذّنوب بين الجنّة والنّار.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: الأعراف: حجابٌ بين الجنّة والنّار، سورٌ له بابٌ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عبد اللّه بن الحارث عن ابن عبّاسٍ قال: الأعراف: سورٌ بين الجنّة والنّار.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قال: الأعراف: سورٌ بين الجنّة والنّار.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وعلى الأعراف رجالٌ}، يعني بالأعراف: السّور الّذي ذكر اللّه في القرآن، وهو بين الجنّة والنّار.
- حدّثنا الحرث قال: حدّثنا عبد العزيز قال: حدّثنا إسرائيل، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: {الأعراف}: سورٌ له عرفٌ كعرف الدّيك.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: {الأعراف}: سورٌ بين الجنّة والنّار.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثني عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك، يقول: {الأعراف}: السّور الّذي بين الجنّة والنّار.
واختلف أهل التّأويل في صفة الرّجال الّذين أخبر اللّه جلّ ثناؤه عنهم أنّهم على الأعراف، وما السّبب الّذي من أجله صاروا هنالك، فقال بعضهم: هم قومٌ من بني آدم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي اللّه فيهم ما يشاء، ثمّ يدخلهم الجنّة بفضل رحمته إيّاهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: قال الشّعبيّ: أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرّحمن وعنده أبو الزّناد عبد اللّه بن ذكوان مولى قريشٍ، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات فقلت: إنّ حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قومٌ تجاوزت بهم حسناتهم النّار وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا: ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين، فبينا هم كذلك، اطّلع إليهم ربّك تبارك وتعالى فقال: اذهبوا وادخلوا الجنّة، فإنّي قد غفرت لكم.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن الشّعبيّ، عن حذيفة، أنّه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، وخلّفت بهم حسناتهم عن النّار. قال: فوقفوا هنالك على السّور حتّى يقضي اللّه فيهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا جريرٌ وعمران بن عيينة، عن حصينٍ، عن عامرٍ، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف: قومٌ كانت لهم ذنوبٌ وحسناتٌ، فقصرت بهم ذنوبهم عن الجنّة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النّار، فهم كذلك حتّى يقضي اللّه بين خلقه فينفذ فيهم أمره.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن جابرٍ، عن الشّعبيّ، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فيقول: ادخلوا الجنّة بفضلي ومغفرتي، {لا خوفٌ عليكم} اليوم {ولا أنتم تحزنون}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن عامرٍ، عن حذيفة قال: قال: أصحاب الأعراف قومٌ تجاوزت بهم حسناتهم النّار، وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكرٍ الهذليّ، قال: قال سعيد بن جبيرٍ، وهو يحدّث ذلك عن ابن مسعودٍ، قال: يحاسب النّاس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيّئاته بواحدةٍ دخل الجنّة، ومن كانت سيّئاته أكثر من حسناته بواحدةٍ دخل النّار.
ثمّ قرأ قول اللّه: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفّت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم}، ثمّ قال: إنّ الميزان يخفّ بمثقال حبّةٍ ويرجح، قال: فمن استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف. فوقفوا على الصّراط، ثمّ عرفوا أهل الجنّة وأهل النّار، فإذا نظروا إلى أهل الجنّة نادوا: سلامٌ عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النّار، قالوا: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}، فيتعوّذون باللّه من منازلهم. قال: فأمّا أصحاب الحسنات، فإنّهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كلّ عبدٍ يومئذٍ نورًا وكلّ أمةٍ نورًا، فإذا أتوا على الصّراط سلب اللّه نور كلّ منافقٍ ومنافقةٍ. فلمّا رأى أهل الجنّة ما لقي المنافقون قالوا: ربّنا أتمم لنا نورنا، وأمّا أصحاب الأعراف، فإنّ النّور كان في أيديهم، فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول اللّه: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، فكان الطّمع دخولاً. قال: فقال ابن مسعودٍ: على أنّ العبد إذا عمل حسنةً كتب له بها عشرًا، وإذا عمل سيّئةً لم تكتب إلاّ واحدةً. ثمّ يقول: هلك من غلب وحدانه أعشاره.
- حدّثنا أبو همّامٍ الوليد بن شجاعٍ، قال: أخبرني ابن وهبٍ، قال: أخبرني عيسى الخيّاط، عن الشّعبيّ، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف قومٌ كانت لهم أعمالٌ أنجاهم اللّه بها من النّار، وهم آخر من يدخل الجنّة، قد عرفوا أهل الجنّة وأهل النّار.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا همّامٌ، عن قتادة، قال: قال ابن عبّاسٍ: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيّئاتهم، ولا سيّئاتهم على حسناتهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، وابن حميدٍ، قالا: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عبد اللّه بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ، قال: "الأعراف" سورٌ بين الجنّة والنّار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتّى إذا بدأ اللّه أن يعافيهم، انطلق بهم إلى نهرٍ، يقال له الحياة، حافّتاه قصب الذّهب، مكلّلٌ باللّؤلؤ، وترابه المسك، فألقوا فيه حتّى تصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم شامةٌ بيضاء يعرفون بها، حتّى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرّحمن، فقال: تمنّوا ما شئتم، قال: فيتمنّون، حتّى إذا انقطعت أمنيتهم، قال لهم: لكم الّذي تمنّيتم ومثله سبعون مرّةً، فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامةٌ بيضاء يعرفون بها، يسمّون مساكين الجنّة.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيبٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعراف، يؤمر بهم إلى نهرٍ، يقال له: الحياة، ترابه الورس والزّعفران، وحافّتاه قصبٌ اللؤلؤ، قال: وأحسبه قال: مكلّلٌ باللّؤلؤ، وقال: فيغتسلون فيه، فتبدو في نحورهم شامةٌ بيضاء، فيقال لهم: تمنّوا، فيقال لهم: لكم ما تمنّيتم وسبعون ضعفًا، وإنّهم مساكين أهل الجنّة، قال حبيبٌ: وحدّثني رجلٌ: أنّهم استوت حسناتهم وسيّئاتهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعراف، ينتهى بهم إلى نهرٍ، يقال له: الحياة، حافاته قصبٌ من ذهبٍ، قال سفيان: أراه قال: مكلّلٌ باللّؤلؤ، فيغتسلون منه اغتسالةً، فتبدو في نحورهم شامةٌ بيضاء، ثمّ يعودون فيغتسلون، فيزدادون، فكلّما اغتسلوا ازدادت بياضًا، فيقال لهم: تمنّوا ما شئتم، فيتمنّون ما شاؤوا، فيقال لهم: لكم ما تمنّيتم وسبعون ضعفًا، قال: فهم مساكين أهل الجنّة.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن حصينٍ، عن الشّعبيّ، عن حذيفة، قال: أصحاب الأعراف، قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فهم على سورٍ بين الجنّة والنّار: {لم يدخلوها وهم يطمعون}.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة قال: كان ابن عبّاسٍ يقول: الأعراف بين الجنّة والنّار، حبس عليه أقوامٌ بأعمالهم. وكان يقول: قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيّئاتهم، ولا سيّئاتهم على حسناتهم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرّزّاق قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قال: قال ابن عبّاسٍ: أهل الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن شريكٍ، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: أصحاب الأعراف استوت أعمالهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: أصحاب الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فوقفوا هنالك على السّور.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن سفيعٍ أو سميعٍ قال أبو جعفرٍ: كذا وجدت في كتاب سفيعٍ عن أبي علقمة، قال: أصحاب الأعراف: قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم.
وقال آخرون: كانوا قتلوا في سبيل اللّه عصاةً لآبائهم في الدّنيا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن أبي مسعرٍ، عن شرحبيل بن سعدٍ، قال: هم قومٌ خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث قال: حدّثني خالدٌ، عن سعيدٍ، عن يحيى بن شبلٍ، أنّ رجلاً من بني النّضير أخبره عن رجلٍ من بني هلالٍ، أنّ أباه أخبره أنّه سأل رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] عن أصحاب الأعراف، فقال: هم قومٌ غزوا في سبيل اللّه عصاةً لآبائهم، فقتلوا، فأعتقهم اللّه من النّار بقتلهم في سبيله، وحبسوا عن الجنّة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنّة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن أبي معشرٍ، عن يحيى بن شبلٍ، مولى بني هاشمٍ، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن أبيه، قال: سئل رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] عن أصحاب الأعراف، فقال: قومٌ قتلوا في سبيل اللّه بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل اللّه عن النّار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنّة.
وقال آخرون: بل هم قومٌ صالحون فقهاء علماء.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن خصيفٍ، عن مجاهدٍ، قال: أصحاب الأعراف قومٌ صالحون فقهاء علماء.
وقال آخرون: بل هم ملائكةٌ، وليسوا ببني آدم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أبي مجلزٍ، قوله: {وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}، قال: هم رجالٌ من الملائكة يعرفون أهل الجنّة وأهل النّار. قال: {ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم} إلى قوله: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}، قال: فنادى أصحاب الأعراف رجالاً في النّار يعرفونهم بسيماهم: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ}، قال: فهذا حين دخل أهل الجنّة الجنّة، {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- حدّثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت عمران، قال: قلت لأبي مجلزٍ: يقول اللّه: {وعلى الأعراف رجالٌ}، وتزعم أنت أنّهم الملائكة؟ قال: فقال: إنّهم ذكورٌ وليسوا بإناثٍ.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ: {وعلى الأعراف رجالٌ}، قال: رجالٌ من الملائكة يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، أهل النّار وأهل الجنّة، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنّة الجنّة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عديٍّ، عن التّيميّ، عن أبي مجلزٍ، بنحوه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن التّيميّ، عن أبي مجلزٍ، قال: أصحاب الأعراف الملائكة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا يعلى بن أسدٍ، قال: حدّثنا خالدٌ، قال: أخبرنا التّيميّ، عن أبي مجلزٍ: {وعلى الأعراف رجالٌ}، قال: هم الملائكة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبي، عن عمران بن حديرٍ، عن أبي مجلزٍ: {وعلى الأعراف رجالٌ}، قال: هم الملائكة. قلت: يا أبا مجلزٍ، يقول اللّه تبارك وتعالى رجالٌ، وأنت تقول ملائكةٌ؟ قال: إنّهم ذكرانٌ ليسوا بإناثٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج قال: حدّثنا حمّادٌ، عن عمران بن حديرٍ، عن أبي مجلزٍ، في قوله: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}، قال: الملائكة، قال: قلت: يقول اللّه رجالٌ؟ قال: الملائكة ذكورٌ.
والصّواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال اللّه جلّ ثناؤه فيهم: هم رجالٌ يعرفون كلًّا من أهل الجنّة وأهل النّار بسيماهم، ولا خبر عن رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] يصحّ سنده ولا أنّه متّفقٌ على تأويلها، ولا إجماعٌ من الأمّة على أنّهم ملائكةٌ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياسًا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أنّ الرّجال اسمٌ يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم، كان بيّنًا أنّ ما قاله أبو مجلزٍ من أنّهم ملائكةٌ قولٌ لا معنى له، وأنّ الصّحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التّأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومع ما روي عن رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] في ذلك من الأخبار وإن كان في أسانيدها ما فيها.
- وقد حدّثنا القاسم، قال: حدّثني الحسين قال: حدّثني جريرٌ، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جريرٍ قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أصحاب الأعراف، فقال: هم آخر من يفصل بينهم من العباد، وإذا فرغ ربّ العالمين من فصله بين العباد قال: أنتم قومٌ أخرجتكم حسناتكم من النّار ولم تدخلكم الجنّة، وأنتم عتقائي فارعوا من الجنّة حيث شئتم.
القول في تأويل قوله تعالى: {يعرفون كلًّا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}.
يقول تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون أهل الجنّة بسيماهم، وذلك بياض وجوههم ونضرة النّعيم عليها. ويعرفون أهل النّار كذلك بسيماهم، وذلك سواد وجوههم وزرقة أعينهم، فإذا رأوا أهل الجنّة نادوهم: سلامٌ عليكم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}، قال: يعرفون أهل النّار بسواد الوجوه، وأهل الجنّة ببياض الوجوه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}، قال: أنزلهم اللّه بتلك المنزلة ليعرفوا من في الجنّة والنّار، وليعرفوا أهل النّار بسواد الوجوه، ويتعوّذوا باللّه أن يجعلهم مع القوم الظّالمين، وهم في ذلك يحيّون أهل الجنّة بالسّلام، لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء اللّه.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {بسيماهم}، قال: بسواد الوجوه وزرقة العيون.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}: الكفّار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنّة مبيضة وجوههم.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ قال: حدّثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قال: أصحاب الأعراف إذا رأوا أصحاب الجنّة عرفوهم ببياض الوجوه، وإذا رأوا أصحاب النّار عرفوهم بسواد الوجوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: إنّ أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عظامٌ، وكان حسم أمرهم للّه، فأقيموا ذلك المقام إذا نظروا إلى أهل النّار عرفوهم بسواد الوجوه، {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}، وإذا نظروا إلى أهل الجنّة عرفوهم ببياض الوجوه، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان،
قال: سمعت الضّحّاك، في قوله: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}، زعموا أنّ أصحاب الأعراف رجالٌ من أهل الذّنوب أصابوا ذنوبًا، وكان حسم أمرهم للّه، فجعلهم اللّه على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل النّار عرفوهم بسواد الوجوه، فتعوّذوا باللّه من النّار، وإذا نظروا إلى أهل الجنّة، نادوهم أن سلامٌ عليكم، قال اللّه: {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: وهذا قول ابن عبّاسٍ.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يعرفون كلًّا بسيماهم}: يعرفون النّاس بسيماهم، يعرفون أهل النّار بسواد وجوههم، وأهل الجنّة ببياض وجوههم.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {يعرفون كلًّا بسيماهم}: يعرفون أهل النّار بسواد وجوههم، وأهل الجنّة ببياض وجوههم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم}، قال: أهل الجنّة بسيماهم بيض الوجوه، وأهل النّار بسيماهم سود الوجوه. قال: وقوله {يعرفون كلًّا بسيماهم} قال: أصحاب الجنّة وأصحاب النّار، ونادوا أصحاب الجنّة، قال: حين رأوا وجوههم قد ابيضّت.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا المحاربيّ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك: {يعرفون كلًّا بسيماهم}، قال: بسواد الوجوه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسن: {بسيماهم} قال: بسواد الوجوه، وزرقة العيون.
والسّيماء: العلامة الدّالّة على الشّيء في كلام العرب، وأصله من السّمة نقلت واوها الّتي هي فاء الفعل إلى موضع العين، كما يقال: اضمحلّ وامضحلّ. وذكر سماعًا عن بعض بني عقيلٍ: هي أرض خامةٍ، يعني: وخمةً، ومنه قولهم: له جاهٌ عند النّاس، بمعنى: وجهٌ، نقلت واوه إلى موضع عين الفعل وفيها لغاتٌ ثلاثٌ: (سيما) مقصورةٌ، و(سيماء) ممدودةٌ، و(سيمياء) بزيادة ياءٍ أخرى بعد الميم فيها، ومدّها على مثال الكبرياء، كما قال الشّاعر:
غلامٌ رماه اللّه بالحسن يافعًا ....... إذ رمى له سيمياء لا تشقّ على البصر
وأمّا قوله: {ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}: أي حلّت عليهم أمنة اللّه من عقابه وأليم عذابه.
واختلف أهل التّأويل في المعنيّ بقوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، فقال بعضهم: هذا خبرٌ من اللّه عن أهل الأعراف أنّهم قالوا لأهل الجنّة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف، غير أنّهم قالوه وهم يطمعون في دخولها.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: أهل الأعراف يعرفون النّاس، فإذا مرّوا عليهم بزمرةٍ يذهب بها إلى الجنّة قالوا: سلامٌ عليكم يقول اللّه لأهل الأعراف: {لم يدخلوها وهم يطمعون} أن يدخلوها.
- حدّثني محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا الحسن: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، قال: واللّه ما جعل ذلك الطّمع في قلوبهم إلاّ لكرامةٍ يريدها بهم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، قال: أنبأكم اللّه بمكانهم من الطّمع.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكرٍ الهذليّ، قال: قال سعيد بن جبيرٍ، وهو يحدّث ذلك عن ابن مسعودٍ، قال: أمّا أصحاب الأعراف، فإنّ النّور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم فهنالك يقول اللّه جلّ ثناؤه: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطّمع دخولاً.
حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، قال: في دخولها.
قال ابن عبّاسٍ: فأدخل اللّه أصحاب الأعراف الجنّة.
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا إسرائيل، عن جابرٍ، عن عكرمة، وعطاءٍ: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، قالا: في دخولها.
وقال آخرون: إنّما عني بذلك أهل الجنّة، وأنّ أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يدخلوا الجنّة: سلامٌ عليكم، وأهل الجنّة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوها بعد.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ: {ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}، قال: الملائكة يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنّة الجنّة، أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنّة: أن سلامٌ عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها). [جامع البيان: 10/ 208-227]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلًّا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46)}
قوله تعالى: {وبينهما حجابٌ}
- حدّثنا أبي، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عبيدة بن حميدٍ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عبيد اللّه بن الحارث قال: قال ابن عبّاسٍ: والأعراف السّور الّذي بين أهل الجنّة وأهل النّار وهو الحجاب.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ وبينهما حجابٌ وهو السّور وهو الأعراف.
قوله تعالى: {وعلى الأعراف}
الوجه الأول:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثني عقبة بن خالدٍ، ثنا إسرائيل، عن جابرٍ عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: {الأعراف} له سورٌ كعرف الدّيك.
وروي عن حذيفة بن اليمان وأحد قولي مجاهدٍ، والضّحّاك، والسّدّيّ، وقتادة أنّهم قالوا: سورٌ بين الجنّة والنّار.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وعلى الأعراف رجالٌ} قال: الأعراف حجابٌ بين الجنّة والنّار، وسورٌ له بابٌ.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا سفيان عن عبيد اللّه بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عبّاسٍ: يقول الأعراف الشّيء المشرف.
وعن أبي مجلزٍ أنّه قال: مكانٌ مرتفعٌ.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن الوزير الدّمشقيّ، ثنا الوليد، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن الهنّاد أنّ كعبًا قال: الأعراف في كتاب اللّه عمقانًا سقطانًا
- قال ابن لهيعة:
وادٍ عميقٌ خلفه جبلٌ مرتفعٌ.
- حدّثنا أبي، ثنا محمود بن خالدٍ ومحمّد بن الوزير قالا، ثنا الوليد، ثنا سعيد بن بشيرٍ، عن ابن بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قال: الأعراف جبالٌ بين الجنّة والنّار فهم على أعرافها على ذراها، وروي عن السّدّيّ: في بعض رواياته أنّه قال: الأعراف سورٌ بين الجنّة والنّار.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا حسين بن الحسن، ثنا إبراهيم بن عبد اللّه الهرويّ، ثنا حجّاجٌ عن ابن جريجٍ قال: وزعموا أنّه الصّراط
الوجه الخامس:
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قوله: {على الأعراف رجالٌ} قال: وإنّما سمّي الأعراف لأنّ أصحابه يعرفون النّاس.
قوله تعالى: {رجالٌ}
الوجه الأول:
- حدّثنا محمّد بن عبد الرّحمن الهرويّ، ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو معشرٍ، ثنا يحيى بن شبلٍ، عن ابن عبد الرّحمن المزنيّ يعني: عمر عن أبيه قال: سئل رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] عن أصحاب الأعراف قال: هم قومٌ قتلوا في سبيل اللّه في معصية آبائهم فمنعهم اللّه من الجنّة بمعصية آبائهم، ومنعهم النّار قتلهم في سبيل اللّه.
الوجه الثّاني:
- أخبرنا العابس بن يزيد البيروتيّ الهمدانيّ قراءةً، أخبرني ابن شعيب ابن شابور أخبرني شيبان، أنبأ يونس بن أبي إسحاق الهمداني، عن عامر الشعيبي قال حذيفة بن اليمان: أصحاب الأعراف قومٌ تجاوزت بهم حسناتهم النّار وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين فبيناهم كذلك إذا طلع عليهم ربّهم فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنّة فإنّي قد غفرت لكم.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن عيسى، ثنا جريرٌ، عن عمارة، عن أبي زرعة قال: سئل النّبيّ [صلّى اللّه عليه وسلّم] عن أصحاب الأعراف فقال: هم آخر من يقضي لهم من العباد، فإذا فرغ ربّ العالمين من القضاء بين العباد قال لهم: أنتم قومٌ أخرجتكم أعمالكم من النّار وعجزت أن تدخلكم الجنّة، فاذهبوا فأنتم عتقاي، فارعوا من الجنّة حيث شئتم.
وروي عن أبي هريرة أنّه قال: هم قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم فمنعهم من دخول الجنّة سيّئاتهم، ومنعهم من دخول النّار حسناتهم.
- حدّثنا عبّاد بن عثمان المروزيّ، ثنا سلمة بن سليمان أنبأ عبد اللّه بن المبارك، أنبأ أبو بكرٍ الهذليّ قال: قال سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: قال: من استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، أنبأ جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عبد اللّه بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ: قال: الأعراف السّور الّذي بين الجنّة والنّار وأصحاب الأعراف بذلك المكان حتّى إذا بدأ اللّه أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهرٍ يقال له الحياة حافّتاه قصب الذّهب مكلّلٌ باللّؤلؤ وترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح أبدانهم وتبد وفي نحورهم شامةٌ بيضاء يعرفون بها حتّى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرّحمن تبارك وتعالى فقال: تمنّوا ما شئتم، فيتمنّون حتّى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الّذي تمنّيتم وضعفه سبعون ضعفًا قال: فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامةٌ بيضاء يعرفون بها قال: فهم يسمون مساكين الجنة.
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ، ثنا عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن سعدٍ، أنبأ أبو سنانٍ عن حبيب بن أبي ثابتٍ عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفلٍ قال: أصحاب الأعراف فقراء أهل الجنّة، فيدخلون الجنّة فيذهب بهم إلى نهرٍ في الجنّة جنبتاه من قصبٍ فيغتسلون فيه فتبدوا شامةٌ بيضاء في نحورهم كلّما ازدادوا نعمةً ازدادوا بياضًا، وهم يعرفون بتلك الشّامة.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا محمود بن خالدٍ وهشام بن عمّارٍ قالا: أنبأ الوليد، ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن مسلم بن يسار قال: هم قومٌ كان عليهم دينٌ.
- حدّثنا أبي، ثنا ابن نفيلٍ الحرّانيّ، ثنا محمّد بن سلمة، عن خصيفٍ، عن مجاهدٍ: في قوله عزّ وجلّ: {وعلى الأعراف رجالٌ} قال: هم رجالٌ أعطاهم اللّه علمًا وفضلا فبكثوا هؤلاء بأعمالهم، وبكثوا هؤلاء بأعمالهم.
والوجه الخامس:
- حدّثنا أبي، ثنا مقاتل بن حمد، ثنا وكيعٌ، ثنا سفيان، عن خصيفٍ، عن مجاهدٍ: قال: أصحاب الأعراف قومٌ صالحين فقهاءٌ علماءٌ.
والوجه السّادس:
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن مروان أبو شيخ الحرّانيّ، ثنا زهير بن معاوية ثنا سليمان التّيميّ عن أبي مجلزٍ وعلى الأعراف رجالٌ قال: وهم رجالٌ من الملائكة يعرفون الفريقين جميعًا أهل النّار وأهل الجنّة قال: وهذا قبل أن يدخل أهل الجنّة الجنّة.
الوجه السّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن عمّارٍ، ثنا الوليد، أخبرني سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن: أصحاب الأعراف قال: هم قومٌ كان فيهم عجبٌ.
قوله تعالى: {يعرفون كلّا بسيماهم}
- حدّثنا أبي، ثنا عبدة بن سليمان أنبأ ابن المبارك أنبأ جويبر، عن الضحاك عن ابن عبّاسٍ: قال: أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عظامٌ وكان حسم أمرهم للّه، فأقيموا ذلك المكان إذا نظروا إلى أهل النّار عرفوهم بسواد الوجوه فقالوا: ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين وإذا نظروا إلى أهل الجنّة عرفوهم ببياض الوجوه.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: بسيماهم سود الوجوه وزرق العيون.
قوله تعالى: {ونادوا أصحاب الجنّة}
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ، قال: سمعت ابن زيدٍ يقول: في قوله: {ونادوا أصحاب الجنّة} قال: حين رأوا وجوههم قد ابيضّت.
قوله تعالى: {أن سلامٌ عليكم}
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن المنادي، ثنا يونس بن محمّدٍ، ثنا الحكم بن الصّلت قال: سمعت أبا عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسرٍ، وسأله ابن أبي لبيدٍ، عن قوله: {سلامٌ عليكم}؛ قال: الملائكة تسلّم على أهل الجنّة.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: يعرفون كلّا بسيماهم يعرفون أهل النّار بسواد وجوههم وأهل الجنّة ببياض وجوههم، فإذا مرّوا عليهم بزمرةٍ يذهب بها إلى الجنّة قالوا: سلامٌ عليكم.
قوله تعالى: {لم يدخلوها}
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، عن أبيه عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: قوله: {لم يدخلوها} قال: لم يدخلوا الجنّة.
قوله تعالى: {وهم يطمعون}
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون}؛ قال ابن عبّاسٍ: إذا نظروا إلى أهل الجنّة طمعوا أن يدخلوها.
- حدّثنا محمّد بن المنادي، ثنا يونس بن محمّدٍ، ثنا الحكم بن الصّلت قال: سمعت أبا عبيد بن محمّد بن عمّار بن ياسرٍ، وسأله ابن أبي لبيدٍ عن قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون}؛ قال: سلّمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها يطمعون أن يدخلوها حين سلّمت.
- أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ فيما كتب إليّ، ثنا عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ عن الحسن قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: واللّه ما جعل اللّه ذلك الطّمع في قلوبهم إلّا الكرامة يريد بهم). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1483-1488]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الأعراف حجاب بين الجنة والنار والسور له باب وأصحاب الأعراف يطمعون أي في دخول الجنة يعرفون كلا بسيماهم فأصحاب النار سود الوجوه زرق الأعين). [تفسير مجاهد: 237]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمّد بن عقبة الشّيبانيّ، ثنا الهيثم بن خالدٍ، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ يونس بن أبي إسحاق، عن الشّعبيّ، عن صلة بن زفر، عن حذيفة رضي اللّه عنه، قال: " أصحاب الأعراف قومٌ تجاوزت بهم حسناتهم النّار، وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار، قالوا: ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين. فبينما هم كذلك إذ اطّلع عليهم ربّك. قال: «قوموا ادخلوا الجنّة فإنّي قد غفرت لكم» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/ 350]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجالٌ}
- وعن أبي سعيدٍ الخدريّ قال: «سئل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن أصحاب الأعراف، فقال:
« هم رجالٌ قتلوا في سبيل اللّه وهم عصاةٌ لآبائهم، فمنعتهم الشّهادة أن يدخلوا النّار، ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنّة، وهم على سورٍ بين الجنّة والنّار حتّى تذبل لحومهم وشحومهم حتّى يفرغ اللّه من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم تغمّدهم منه برحمةٍ فأدخلهم الجنّة برحمته».
رواه الطّبرانيّ في الصّغير والأوسط، وفيه محمّد بن مخلّدٍ الرّعينيّ، وهو ضعيفٌ.
- وعن عمر بن عبد الرّحمن المدنيّ عن أبيه «أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - سئل عن أصحاب الأعراف، قال: « قومٌ قتلوا في سبيل اللّه بمعصية آبائهم، فمنعتهم الجنّة معصية آبائهم، ومنعتهم النّار قتلهم في سبيل اللّه – عزّ وجلّ».
رواه الطّبرانيّ، وفيه أبو معشرٍ نجيحٌ، وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 7/ 23-24]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال أحمد بن منيع: ثنا يزيد، أبنا أبو معشرٍ، ثنا يحيى بن شبلٍ، عن محمّد بن عبد الرّحمن المدنيّ، عن أبيه قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أصحاب الأعراف، قال: «هم قومٌ قتلوا في سبيل اللّه في معصية آبائهم، فمنعهم من النّار قتلهم في سبيل اللّه ومنعهم من الجنة معصيتهم آباءهم».
- رواه الحارث بن محمّد بن أبي أسامة: ثنا هوذة، ثنا أبو معشرٍ ... فذكره وزاد: قال "وقال الكلبي: قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم فمنعوا الجنّة والنّار، وسيدخلهم الله في رحمته. قال: ولا أدري ذكر قتلًا أم لا؟ ".
- وقال الحارث بن محمّد بن أبي أسامة: ثنا محمّد بن عمر، ثنا كثير بن عبد اللّه المزنيّ، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن مالكٍ الهلاليّ، عن أبيه قال قائلٌ: يا رسول اللّه، ما أصحاب الأعراف؟ قال:
«قومٌ خرجوا في سبيل اللّه- عزّ وجلّ- بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فمنعتهم الشّهادة أن يدخلوا النّار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنّة».
هذا إسنادٌ فيه محمّد بن عمر الواقديّ وهو ضعيفٌ.
- قال الحارث: وثنا محمّد بن عمر، ثنا إبراهيم بن جعفرٍ، عن الزّهريّ، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحوه.
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؟ لضعف الواقديّ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/ 210]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال أحمد بن منيعٍ: حدثنا يزيد (قالا)، أنا أبو معشرٍ، ثنا يحيى بن شبلٍ، عن محمّد بن عبد الرّحمن (المزني)، عن أبيه رضي الله عنه، قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أصحاب الأعراف، قال: هم قومٌ قتلوا في سبيل اللّه (عز وجل) في معصية آبائهم، فمنعهم من النّار قتلهم في سبيل اللّه (عز وجل)، ومنعهم من الجنّة معصيتهم آبائهم.
- وزاد الحارث: وقال الكلبيّ: قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فمنعوا الجنّة والنار، وسيدخلهم اللّه تعالى في رحمته ولا أدري أذكر (قتيلا) أم لا.
- وقال الحارث: حدثنا محمّد بن عمر، (ثنا) كثير بن عبد اللّه المزنيّ، عن عمر بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن مالكٍ (الهلاليّ)، عن أبيه رضي الله عنه، قال: (قال) قائلٌ: يا رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم]، ما أصحاب الأعراف؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «قومٌ خرجوا في سبيل اللّه (تعالى) بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعتهم الشّهادة أن يدخلوا النّار، ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنّة».
- حدثنا محمّد بن عمر، ثنا إبراهيم بن جعفرٍ، عن الزّهريّ، عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نحوه). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/ 664-669]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في الأضداد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن أبي مجلز قال: الأعراف مكان مرتفع عليه رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة بسيماهم وأهل النار بسيماهم وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار {ونادوا أصحاب الجنة}
قال: أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة {أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} في دخلوها، قيل: يا أبا مجلز الله يقول {رجال} وأنت تقول: الملائكة قال: إنهم ذكور ليسوا بإناث.
- وأخرج ابن أبي شيبة وهناد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة عن الحسن قال: أصحاب الأعراف قوم كان فيهم عجب قال قتادة: وقال مسلم بن يسار: هم قوم كان عليهم دين.
- وأخرج ابن جرير عن مجاهد: {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم} الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون وسيما أهل الجنة مبيضة وجوههم.
- وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: أخبرت أن ربك أتاهم بعدما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال: ما حبسكم محبسكم هذا قالوا: أنت ربنا وأنت خلقتنا وأنت أعلم بنا فيقول: علام فارقتم الدنيا فيقولون: على شهادة أن لا إله إلا الله، قال لهم ربهم: لا أوليكم غيري إن حسناتكم جوزت بكم النار وقصرت بكم خطاياكم عن الجنة.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
- وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن مجاهد في أصحاب الأعراف قال: هم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم على سور بين الجنة والنار وهم على طمع من دخول الجنة وهم داخلون
- وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
- وأخرج أبو الشيخ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار أنه سئل عن قوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون}
قال: سلمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت.
- وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم وأهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوهم فإذا مروا بزمرة يذهب بهم إلى الجنة قالوا: سلام عليكم وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
- وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف). [الدر المنثور: 6/ 408-410]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) }
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا على ذلك المقام، فإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}، وإذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، وقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، فقال ابن عباس: إن الله إذا أدخل أصحاب أهل الأعراف الجنة، قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} [سورة الأعراف: 46- 49] ). [الزهد لابن المبارك: 2/ 664-665](م)
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا على ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، وقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [سورة الأعراف: 46-49]، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم بياض الوجوه، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} قال ابن عباس: أدخل الله أصحاب الأعراف الجنة، قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ).[الزهد لابن المبارك: 2/ 759](م)
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مسعود، قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدةٍ دخل النار، ثم قرأ: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [سورة المؤمنون: 102- 103]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة، أو يرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة، وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا {سلام عليكم} [سورة الأعراف:46-47] وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا إلى أصحاب النار قالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، فتعوذوا بالله من منازلهم، قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذٍ نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ماذا لقي المنافقون، قالوا: {ربنا أتمم لنا نورنا} [سورة التحريم: 8]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم، ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا بها، فبقي في قلوبهم الطمع، إذ لم ينزع النور من أيديهم، فهنالك يقول الله تبارك وتعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، فكان الطمع النور في أيديهم، ثم أدخلوا بعد ذلك الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا.
قال: وقال ابن مسعود- وهو على المنبر: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشرًا، وإذا عمل سيئة لم يكتب عليه إلا واحدة، ثم يقول: هلك من علت إحداته أعشاره). [الزهد لابن المبارك: 2/ 763-764](م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}.


يقول تعالى ذكره: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النّار يعني: حيالهم ووجاههم فنظروا إلى تشويه اللّه لهم {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين} الّذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها من سخطك ما أورثهم من عذابك ما هم فيه.
- كما حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: وإذا مرّوا بهم، يعني بأصحاب الأعراف بزمرةٍ يذهب بها إلى النّار {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: إنّ أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النّار وعرفوهم قالوا: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن أبي مكينٍ، عن أخيه، عن عكرمة: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار}، قال: تحرّد وجوههم للنّار، فإذا رأوا أهل الجنّة ذهب ذلك عنهم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ: قال ابن زيدٍ في قوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار} فرأوا وجوههم مسودّةً وأعينهم مزرقّةً، {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}). [جامع البيان: 10/ 227-228]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين (47)}
قوله تعالى: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار}
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيعٌ، عن أبي مكينٍ عن أخيه عن عكرمة وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قال: تجرّد وجوههم للنّار، فإذا رأوا أهل الجنّة ذهب ذلك عنهم.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب أبي، ثنا أصبغ بن الفرج قال:
سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار فرأوا وجوههم مسودّةً وأعينهم مزرقّةٌ: قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين
قوله تعالى: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}
- حدّثنا أبي، ثنا عبدة بن سليمان، أنبأ المبارك، أنبأ جويبرٌ عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ: قال: إذا نظروا إلى أهل النّار عرفوهم بسواد الوجوه قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: قال: فأنزلهم اللّه بتلك المنزلة ليعرفوا من في الجنّة والنّار ليعرفوا أهل النّار بسواد الوجوه ويتعوّذوا باللّه أن يجعلهم مع القوم الظّالمين). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1488]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} قال: تجرد وجوههم للنار فإذا رأوا أهل الجنة ذهب ذلك عنهم
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} فرأوا وجوههم مسودة وأعينهم مزرقة {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}.
- وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز {وإذا صرفت أبصارهم} قال: إذا صرفت أبصار أهل الجنة {تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}). [الدر المنثور: 6/ 410-411]

تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)}

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني جرير بن حازم عن قتادة ابن دعامة عن عبد اللّه بن عبّاسٍ في {أصحاب الأعراف}، قال: هم قومٌ على سورٍ بين الجنّة والنّار استوت حسناتهم وسيّئاتهم). [الجامع في علوم القرآن: 2/ 44]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {أصحاب الأعراف} قال كل شيء مرتفع قال معمر وقال قتادة هو السور الذي بين الجنة والنار). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 229]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في {أصحاب الأعراف} قال:
«هم قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم» وهم على طمع في دخول الجنة وهو داخلون). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 47-48]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون}.
يقول جلّ ثناؤه: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} من أهل الأرض {يعرفونهم بسيماهم} سيما أهل النّار، {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم}: ما كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدّنيا، {وما كنتم تستكبرون} يقول: وتكبّركم الّذي كنتم تتكبّرون فيها.
- كما حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: فمرّ بهم يعني بأصحاب الأعراف ناسٌ من الجبّارين عرفوهم بسيماهم، قال: يقول: قال أصحاب الأعراف: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون}.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً}، قال: في النّار، {يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} وتكبّركم، {وما كنتم تستكبرون}.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون}، قال: هذا حين دخل أهل الجنّة الجنّة {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ} الآية قلت لأبي مجلزٍ: عن ابن عبّاسٍ؟ قال: لا، بل عن غيره.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم}، قال: نادت الملائكة رجالاً في النّار يعرفونهم بسيماهم: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ} قال: هذا حين دخل أهل الجنّة الجنّة، {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم}: فالرّجال عظماء من أهل الدّنيا، قال: فبهذه الصّفة عرف أهل الأعراف أهل الجنّة من أهل النّار. وإنّما ذكر هذا حين يذهب رئيس أهل الخير ورئيس أهل الشّرّ يوم القيامة قال: وقال ابن زيدٍ في قوله: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون}، قال: على أهل طاعة اللّه). [جامع البيان: 10/ 228-230]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({ونادى أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48)}
قوله تعالى: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم}
- وبه عن ابن عبّاسٍ: قوله: ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قال: نادوا رجالاً في النّار يعرفونهم بسيماهم.
قوله تعالى: {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون}
- وبه عن ابن عبّاسٍ: قالوا ما أغنى عنكم جمعكم تكثّركم وما كنتم تستكبرون
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن مروان أبو شيخ الحرّانيّ، ثنا زهير بن معاوية أبو خيثمة، ثنا سليمان التّميميّ عن أبي مجلزٍ قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون قال: وهذا حين دخل أهل الجنّة الجنّة.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قال: فمرّ بهم ناسٌ من الجبّارين عرفوهم بسيماهم فنادوهم أصحاب الأعراف قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون هؤلاء الضّعفاء.
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المروزيّ، ثنا شيبان عن قتادة قوله: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} قال: نزع اللّه جمعهم وصار كبرهم في النّار.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيدٍ يقول: في قوله: {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} قال: عن أهل طاعة اللّه تعالى). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1489]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا أبو معشر قال نا يحيى بن شبل عن يحيى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه قال سئل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عن أصحاب الأعراف فقال هم ناس قتلوا في سبيل الله عز وجل في معصية آبائهم منعهم من دخول الجنة معصيتهم آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله). [تفسير مجاهد: 237]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الأعراف حجاب بين الجنة والنار والسور له باب وأصحاب الأعراف يطمعون أي في دخول الجنة يعرفون كلا بسيماهم فأصحاب النار سود الوجوه زرق الأعين). [تفسير مجاهد: 237] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {ونادى أصحاب الأعراف رجالا}؛ قال: في النار {يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} وتكبركم {وما كنتم تستكبرون} قال الله لأهل التكبر {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} يعني أصحاب الأعراف {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {يعرفونهم بسيماهم}؛ قال: سواد الوجوه وزرقة العيون
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله: {ونادى أصحاب الأعراف رجالا}؛ قال: هذا حين دخل أهل الجنة الجنة.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ونادى أصحاب الأعراف}؛ قال: مر بهم ناس من الجبارين عرفوهم بسيماهم فناداهم أصحاب الأعراف {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة}؛ قال: هم الضعفاء). [الدر المنثور: 6/ 411-412]

تفسير قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا على ذلك المقام، فإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون}، وإذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، وقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، فقال ابن عباس: إن الله إذا أدخل أصحاب أهل الأعراف الجنة، قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} [سورة الأعراف: 46- 49] ).[الزهد لابن المبارك: 2/ 664-665](م)

قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، فأقيموا على ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، وقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [سورة الأعراف: 46-49]، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم بياض الوجوه، فذلك قوله: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} قال ابن عباس: أدخل الله أصحاب الأعراف الجنة، قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ). [الزهد لابن المبارك: 2/ 759](م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.


اختلف أهل التّأويل في المعنيّين بهذا الكلام، فقال بعضهم: هذا قيل اللّه لأهل النّار توبيخًا لهم على ما كان من قيلهم في الدّنيا لأهل الأعراف عند إدخاله أصحاب الأعراف الجنّة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قال: أصحاب الأعراف رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عظامٌ، وكان حسم أمرهم للّه، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنّة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى أهل النّار تعوّذوا باللّه منها، فأدخلوا الجنّة. فذلك قوله تعالى: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ} يعني أصحاب الأعراف، {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: قال ابن عبّاسٍ: إنّ اللّه أدخل أصحاب الأعراف الجنّة لقوله: {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: قال اللّه لأهل التّكبّر والأموال: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ}، يعني أصحاب الأعراف، {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {أهؤلاء} الضّعفاء {الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}، قال: فقال حذيفة: أصحاب الأعراف قومٌ تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنّة، وقصرت بهم سيّئاتهم عن النّار، فجعلوا على الأعراف يعرفون النّاس بسيماهم. فلمّا قضي بين العباد، أذن لهم في طلب الشّفاعة، فأتوا آدم عليه السّلام فقالوا: يا آدم، أنت أبونا فاشفع لنا عند ربّك، فقال: هل تعلمون أحدًا خلقه اللّه بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمة اللّه إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون لا. قال: فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم، قال: فيأتون إبراهيم عليه السّلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربّه، فيقول: هل تعلمون من أحدٍ اتّخذه اللّه خليلاً؟ هل تعلمون أحدًا أحرقه قومه في النّار في اللّه غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى عليه السّلام فيقول: هل تعلمون من أحدٍ كلّمه اللّه تكليمًا وقرّبه نجيًّا غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربّك، فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه اللّه من غير أبٍ غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: هل تعلمون من أحدٍ كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه غيري؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمّدًا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري ثمّ أقول: أنا لها. ثمّ أمشي حتّى أقف بين يدي العرش، فأثني على ربّي، فيفتح لي من الثّناء ما لم يسمع السّامعون بمثله قطّ، ثمّ أسجد فيقال لي: يا محمّد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول: ربّ أمّتي، فيقال: هم لك. فلا يبقى نبيّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقرّبٌ إلاّ غبطني يومئذٍ بذلك المقام، وهو المقام المحمود. قال: فآتي بهم باب الجنّة فأستفتح، فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهرٍ يقال له نهر الحياة، حافّتاه قضبٌ من ذهبٍ مكلّلٍ باللّؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنّة وريحهم، ويصيرون كأنّهم الكواكب الدّرّيّة، ويبقى في صدرهم شاماتٌ بيضٌ يعرفون بها، يقال لهم مساكين أهل الجنّة».
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، قال: إنّ اللّه أدخلهم بعد أصحاب الجنّة، وهو قوله: {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}، يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عبّاسٍ.
فتأويل الكلام على هذا التّأويل الّذي ذكرنا عن ابن عبّاسٍ، ومن ذكرنا قوله فيه: قال اللّه لأهل التّكبّر عن الإقرار بوحدانيّة اللّه والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدّنيا الأموال مكاثرةً ورياءً: أيّها الجبابرة الّذين كانوا في الدّنيا، أهؤلاء الضّعفاء الّذين كنتم في الدّنيا أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ؟ قال: قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنّة، لا خوفٌ عليكم بعدها من عقوبةٍ تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدّنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيءٍ فاتكم في دنياكم.
وقال أبو مجلزٍ: بل هذا القول خبرٌ من اللّه عن قيل الملائكة لأهل النّار بعدما دخلوا النّار تعييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدّنيا للمؤمنين الّذين أدخلهم اللّه يوم القيامة جنّته. وأمّا قوله: {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}، فخبرٌ من اللّه عن أمره أهل الجنّة بدخولها.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ، قال: نادت الملائكة رجالاً في النّار يعرفونهم بسيماهم: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ؟ قال: فهذا حين يدخل أهل الجنّة الجنّة، ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون). [جامع البيان: 10/ 230-234]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون (49)}
قوله تعالى: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ}
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، عن أبيه عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: قوله: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ}؛ يعني أصحاب الأعراف.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ قال هؤلاء الضّعفاء الّذين أقسمتم.
قوله تعالى: {ادخلوا الجنّة}
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا مروان بن معاوية، عن ابن أبي خالدٍ قال: سألت عكرمة عن قوله: أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة قال عكرمة: دخلوا الجنّة.
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الرّبيع في قوله: ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون قال: فكانوا آخر أهل الجنّة دخولاً فيما سمعنا عن أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: {لا خوف عليكم} تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1489-1490]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ونادى أصحاب الأعراف} قال: مر بهم ناس من الجبارين عرفوهم بسيماهم فناداهم أصحاب الأعراف {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} قال: هم الضعفاء.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة} قال: دخلوا الجنة.
- وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}؛ قال: كان رجال في النار قد أقسموا بالله لا ينال أصحاب الأعراف من الله رحمة فأكذبهم الله فكانوا آخر أهل الجنة دخولا فيما سمعناه عن أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم). [الدر المنثور: 6/ 412]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 10:40 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}


تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم...}
وذلك أنهم على سور بين الجنة والنار يقال له الأعراف، يرون أهل الجنة فيعرفونهم ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، فذلك قوله: {يعرفون كلا بسيماهم}. وأصحاب الأعراف أقوام اعتدلت حسناتهم وسيئاتهم فقصّرت بهم الحسنات عن الجنّة، ولم تبلغ بهم سيئاتهم النار، كانوا موقوفين ثم أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته). [معاني القرآن: 1/ 380-381]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {ونادى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه قالوا إنّ اللّه حرّمهما على الكافرين}
وقوله: {أن أفيضوا علينا من الماء} تكون "أي أفيضوا" وتكون على "أن" التي تعمل في الأفعال لأنك تقول: "غاظني أن قام" و"غاظني أن ذهب" فتقع على الأفعال وإن كانت لا تعمل فيها وفي كتاب الله {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} معناها: أي امشوا). [معاني القرآن: 2/ 7]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {فأذّن مؤذّنٌ بينهم} أي نادى مناد بينهم: {أن لعنة اللّه على الظّالمين}). [تفسير غريب القرآن: 168]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا قالوا نعم فأذّن مؤذّن بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين (44)}
معنى " أن " ههنا إن شئت كان مفسرا لما نادى به أصحاب الجنة.
والمعنى أي قد وجدنا، ويجوز أن تكون أن الشديدة وخففت، المعنى أنه قد وجدنا.
قال الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ....... أن هالك كل من يحفى وينتعل
وقوله: (قالوا نعم).
وفي بعض اللغات قالوا نعم في معنى نعم - موقوفة الآخر - لأنها حرف جاء لمعنى.
وقوله: {فأذّن مؤذّن بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين}.
ويجوز أنّ لعنة اللّه على الظّالمين، وقد قرئ بهما جميعا والمخففة مخففة من الشديدة، ويجوز أن تكون المخففة في معنى أي الخفيفة التي هي تفسير، كأنّها تفسير لما أّذّنوا فيه). [معاني القرآن: 2/ 340-341]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45)}

قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( (الذين يصدون) قال: يصدون: يعرضون، ويصدون، أي: يضجون). [ياقوتة الصراط: 229]

تفسير قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)}

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون} مجازها: على بناء سورٍ لأن كل مرتفع من الأرض عند العرب أعراف، قال:
كل كناز لحمه نياف ....... كالعلم الموفى على الأعراف
وقال الشّمّاخ:
وظلّت بأعرافٍ تفالى كأنها ....... رماحٌ نحاها وجهة الرّيح راكز).
[مجاز القرآن: 1/ 215]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): (أي على نشزٍ: {بسيماهم} منقوصة، والمعنى: بعلاماتهم). [مجاز القرآن: 1/ 215]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {بسيماهم}: علاماتهم). [غريب القرآن وتفسيره: 146]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( و{الأعراف} سور بين الجنة والنار، سمي بذلك لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب: أعراف. قال الشاعر:
كلّ كنار لحمه نياف .......كالعلم الموفي على الأعراف
و(السّيماء): العلامة). [تفسير غريب القرآن: 168]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {يعرفون كلا بسيماهم}
قال قتادة يعرف أهل الجنة ببياض وجوههم وأهل النار
بسواد وجوههم
ثم قال جل وعز: {لم يدخلوها وهم يطعمون}
قال أكثر أهل التفسير يعني أصحاب الأعراف). [معاني القرآن: 3/ 38-39]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ):{الأَعْرَافِ} سور بين الجنة والنار، يسمى بذلك لارتفاعه). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 84]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {بِسِيمَاهُمْ}: بعلاماتهم). [العمدة في غريب القرآن: 135]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)}

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار} أي حيال أصحاب النار، وفي آية أخرى (تلقاء مدين) (28/22) أي حيال مدين وتجاهه). [مجاز القرآن: 1/ 215]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {تلقاء أصحاب النار}: جذاة). [غريب القرآن وتفسيره: 146]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {تِلْقَاء}: حذاء). [العمدة في غريب القرآن: 135]

تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)}

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم}
قال حذيفة أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فهم بين الجنة والنار ثم إن الله اطلع عليهم فرحمهم فقالوا ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
وروى عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال الأعراف الشيء المشرف.
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال الأعراف سور له عرف كعرف الديك.
والأعراف في اللغة المكان المشرف جمع عرف.
وقال أبو مجلز هم من الملائكة.
قال والذين صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار أهل الجنة.
حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا داود الضبي قال حدثنا مسلم بن خالد قال عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في أصحاب الأعراف قال هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم على سور بين الجنة والنار وهم على طمع في دخول الجنة وهم داخلون
وقيل إن أصحاب الأعراف ملائكة بين الجنة والنار.
قال أبو جعفر والقول الأول أشهر وأعرف.
قال ابن عباس فقال الله جل وعز لهم: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}
قال عبد الله بن الحارث وهم يدعون مساكين أهل الجنة). [معاني القرآن: 3/ 39-41]

تفسير قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الأولى 1434هـ/12-03-2013م, 11:52 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا بابٌ من النكرة يجرى مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء
وذلك قولك سلامٌ عليك ولبّيك وخيرٌ بين يديك وويلٌ لك وويحٌ لك وويسٌ لك وويلةٌ لك وعولةٌ لك وخيرٌ له وشرٌّ له و: {لعنة الله على الظالمين} ). [الكتاب: 1/ 330]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فإن كانت هذه المصادر معارف فالوجه الرفع، ومعناه كمعنى المنصوب، ولكن يختار الرفع؛ لأنه كالمعرفة، وحق المعرفة الابتداء. وذلك قولك: الحمد لله رب العالمين ولعنة الله على الظالمين. والنصب يجوز. وإنما تنظر في هذه المصادر إلى معانيها؛ فإن كان الموضع بعدها أمراً أو دعاءً لم يكن إلا نصباً). [المقتضب: 3/ 221] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( قال أبو عبيدة: ويكون من الأضداد أيضا، يقال: يكون للمستقبل، ويقال: يكون للماضي، فكونه للمستقبل لا يحتاج فيه إلى شاهد، وكونه للماضي قول الصلتان يرثي المغيرة بن المهلب:
قل للقوافل والغزاة إذا غزوا ....... والباكرين وللمجد الرائح
إن السماحة والشجاعة ضمنا ....... قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ....... كوم الجلاد وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها ....... فلقد يكون أخا دم وذبائح

أراد: فلقد كان.
قال أبو بكر: والذي نذهب إليه أن (كان) و(يكون) لا يجوز أن يكونا على خلاف ظاهرهما، إلا إذا وضح المعنى، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان عبد الله قائما، بمعنى يكون عبد الله، وكذلك محال أن يقال: يكون عبد الله قائما؛ بمعنى كان عبد الله، لأن هذا ما لا يفهم ولا يقوم عليه دليل؛ فإذا انكشف المعنى حمل أحد الفعلين على الآخر، كقوله جل اسمه: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا}، معناه من يكون في المهد فكيف نكلمه! فصلح الماضي في موضع المستقبل لبيان معناه. وأنشد الفراء:
فمن كان لا يأتيك إلا لحاجة ....... يروح لها حتى تقضى ويغتدي
فإني لآتيكم تشكر ما مضى ....... من الأمر واستيجاب ما كان في غد
أراد: ما يكون في غد. وقال الله عز ذكره: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}، فمعناه (وينادي)، لأن المعنى مفهوم. وقال جل وعز: {يا أبانا منع منا الكيل}، فقال بعض الناس: معناه (يمنع منا).
وقال الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ....... أن الوليد أحق بالعذر
معناه: (يشهد الحطيئة).
{وكان الله غفورا رحيما} ليس بصحيح؛ لأنها لا تلغى مبتدأة ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء: (وكائن الله غفورا رحيما)، فصلح الماضي في موضع الدائم؛ لأن أفعال الله جل وعز تخالف أفعال العباد، فأفعال العباد تنقطع، ورحمة الله جل وعز لا تنقطع، وكذلك مغفرته وعلمه وحكمته.
وقال غير الفراء: كأن القوم شاهدوا لله مغفرة ورحمة وعلما وحكمة، فقال الله جل وعز: {وكان الله غفورا رحيما}، أي لم يزل الله عز وجل على ما شاهدتم). [كتاب الأضداد: 60-62] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وإذ وإذا حرفان؛ تكون (إذ) للماضي و(إذا) للمستقبل، وهذا هو المشهور فيهما، وتكون إذ للمستقبل، وإذا للماضي إذا شهر المعنى ولم يقع فيه لبس. فأما كون إذ للماضي وإذا للمستقبل فشهرته تغني عن إقامة الشواهد عليه، وأما كون إذ للمستقبل فقول الله عز وجل: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم}، أراد المستقبل، وكذلك قوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت}، معناه إذا يفزعون. وقال جل جلاله: {إذ قال الله يا عيسى بن مريم}، معناه: (وإذا يقول الله)؛ وأما كون إذا للماضي فقول الشاعر، وهو أوس بن حجر:
والحافظ الناس في الزمان إذا ....... لم يتركوا تحت عائذ ربعا
وهبت الشمال البليل وإذ ....... بات كميع الفتاة ملتفعا
أراد: إذ لم يتركوا تحت عائذ، والعائذ: الناقة الحديثة النتاج، وجمعها عوذ
وقال بعض أهل اللغة: إذا لم تقع في هذا البيت إلا للمستقبل؛ لأن المعنى: والذي يحفظ الناس إذا كان كذا وكذا، والأول قول قطرب.
وقال الآخر:
فالآن إذ هازلتهن فإنما ....... يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا
معناه إذا هازلتهن، وقال أبو النجم:
ثم جزاه الله عنا إذ جزى ....... جنات عدن في العالي العلا
أراد إذا جزى.
وقال بعض أهل العلم: إنما جاز أن تكون إذ بمعنى إذا في قوله: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم}، لأنه لما وقع في علم الله عز وجل أن هذا كائن لا محالة كان بمنزلة المشاهد الموجود، فخبر عنه بالمضي، كما قال: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}، وهو يريد: (وينادي) وروى قطرب هذا البيت:
وندمان يزيد الكأس طيبا ....... سقيت إذا تغورت النجوم
أراد (إذا تغورت). ورواه غير قطرب: (سقيت وقد تغورت) ). [كتاب الأضداد: 118-119] (م)

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) }

تفسير قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( ومما يفسر من القرآن تفسيرين متضادين قول الله عز وجل: {وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم}.
يقال: أصحاب الأعراف قوم من أمة محمد صلى الله عليه تستوي حسناتهم وسيآتهم، فيمنعون الجنة بالسيئات ويمنعون النار بالحسنات؛ فهم على سور بين الجنة والنار، إذا نظروا إلى أهل الجنة، قالوا: السلام عليكم، وإذا
نظروا إلى أهل النار {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} وحدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو معشر، عن يحيى بن شبل الأنصاري، عن عمر بن عبد الرحمن المزني عن أبيه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه عن أصحاب الأعراف، فقال:
«هم قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم الجنة معصية آبائهم، ومنعهم النار قتله في سبيل الله جل وعز».
وقال بعض المفسرين: أصحاب الأعراف ملائكة. أخبرنا أحمد بن الحسين، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: أصحاب الأعراف ملائكة، قال: فقلت له: يقول الله جل وعز: {رجال}، وتقول أنت: ملائكة! قال: إنهم ذكور وليسوا بإناث). [كتاب الأضداد: 368- 369]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) }


تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) }

تفسير قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) }
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): ( ويفسر أيضا قوله عز وجل: {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} تفسيرين متضادين، فيقول الكلبي: هذا يقوله الله جل وعز لأصحاب الأعراف، وقال: يرى أصحاب الأعراف في النار رؤساء المشركين فينادونه:
يا عاصي بن وائل، ويا وليد بن المغيرة، ويا أسود بن المطلب، ويا أبا جهل بن هشام؛ ما أغنى عنكم جمعكم في الدنيا، وما كنتم تستكبرون؛ إذ أنتم الآن في النار! ويرون في الجنة المستضعفين من المسلمين: سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وصهيبا، وعامر بن فهيرة، فيقولون للمشركين: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة! فيقول الله تبارك وتعالى لأصحاب الأعراف: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.
وقال مقاتل بن سليمان: يقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فتقول لهم الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة! ويقولون لهم أيضا: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
والأعراف عند العرب: ما ارتفع وعلا من الأرض، ويستعمل في الشرف والمجد، وأصله في البناء، قال الشاعر:
ورثت بناء آباء كرام ....... علوا في المجد أعراف البناء
وواحد الأعرف عرف). [كتاب الأضداد: 369-370]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 11:06 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 11:06 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 11:06 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 11:06 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين (44) الّذين يصدّون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون (45)}
هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما يحقق وقوعه، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار، وقرأ جمهور الناس «نعم» بفتح العين، وقرأ الكسائي «نعم» بكسر العين ورويت عن عمر بن الخطاب وعن النبي [صلى الله عليه وسلم] وقرأها ابن وثاب والأعمش قال الأخفش هما لغتان، ولم يحك سيبويه الكسر، وقال: «نعم» عدة وتصديق أي مرة هذا ومرة هذا، وفي كتاب أبي حاتم عن الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كنت أسمع أشياخ قريش يقولون: إلا «نعم» بكسر العين ثم فقدتها بعده، وفيه عن قتادة عن رجل من خثعم قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت تزعم أنك نبي:؟ قال: «نعم» بكسر العين، وفيه عن أبي عثمان النهدي قال: سأل عمر عن شيء فقالوا نعم، فقال عمر: النعم الإبل والشاء، قولوا «نعم» بكسر العين. قال أبو حاتم: وهذه اللغة لا تعرف اليوم بالحرمين، وقوله فأذّن مؤذّنٌ بينهم الآية قال أبو علي الفارسي والطبري وغيرهما: «أذن مؤذن» بمعنى أعلم معلم، قال سيبويه: أذنت إعلام بتصويت، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ونافع وأبو عمرو وعاصم «أن» لعنة الله» بتخفيف «أن» من الثقيلة ورفع اللعنة.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير في رواية البزي وشبل «أنّ لعنة» بتثقيل «أنّ» ونصب اللعنة، وكلهم قرأ التي في النور أن لعنة اللّه [النور: 7] {وأنّ غضب اللّه} [النور: 9] بتشديد النون غير نافع فإنه قرأهما «أن لعنة الله وأن غضب» مخففتين، وروى عصمة عن الأعمش «مؤذن بينهم إن» بكسر الألف على إضمار قال.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لما كان الأذان قولا، و «الظالمون» في هذه الآية: الكافرون، ثم ابتدأ صفتهم بأفعالهم في الدنيا ليكون علامة أن أهل هذه الصفة هم المراد يوم القيامة بقوله أن لعنة اللّه على الظّالمين). [المحرر الوجيز: 3/ 568-569]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ويصدّون معناه يعرضون، و «السبيل» الطريق والمنهج ويذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر، ويبغونها معناه: يطلبونها أو يطلبون لها، فإن قدرت يطلبونها ف عوجاً نصب على الحال، ويصح أن يكون من الضمير العائد على السبيل أي معوجه، ويصح أن يكون من ضمير الجماعة في يبغونها أي معوجين، وإن قدرت يبغونها يطلبون لها وهو ظاهر تأويل الطبري رحمه الله ف عوجاً مفعول بيبغون، والعوج بكسر العين في الأمور والمعاني، والعوج بفتح العين في الأجرام والمتنصبات). [المحرر الوجيز: 3/ 569]

تفسير قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلاًّ بسيماهم ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48)}
الضمير في قوله: {وبينهما عائد على الجنة والنار}، ويحتمل على الجمعين إذ يتضمنهما قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار} ، و «الحجاب»: هو السور الذي ذكره عز
وجل في قوله:{ فضرب بينهم بسورٍ له بابٌ} [الحديد: 13] قاله ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، وقال ابن عباس أيضا هو تل بين الجنة والنار، وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال: «إن أحدا جبل يحبنا ونحبه، وإنه يقوم يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحتبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة»، وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدا على ركن من أركان الجنة» والأعراف جمع عرف وهو المرتفع من الأرض.
ومنه قول الشاعر: [الرجز]
كل كناز لحمه نياف ....... كالجمل الموفي على الأعراف
ومنه قول الشماخ: [الطويل]
فظلت بأعراف تعالى كأنها ....... رماح نحاها وجهة الريح راكز
ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعلوهما، وقال السدي سمي الأعراف أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه عجمة وإنما المراد على أعراف ذلك الحجاب أعاليه، وقوله:
رجالٌ قال أبو مجلز لاحق بن حميد: هم الملائكة، ولفظة رجالٌ مستعارة لهم لما كانوا في تماثيل رجال قال: وهم ذكور ليسوا بإناث.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد سمى الله رجالا في الجن، وقال الجمهور: هم رجال من البشر، ثم اختلفوا فقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء، وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم كل أمة، وقاله الزجاج وقال قوم: هم أنبياء، وقال المهدوي: هم الشهداء، وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم، وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم، وقال ابن مسعود والشعبي وحذيفة بن اليمان وابن عباس وابن جبير والضحاك: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقع في مسند خيثمة بن سليمان في آخر الجزء الخامس عشر حديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار»، قيل يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون»، وقال حذيفة بن اليمان أيضا: هم قوم أبطأت بهم صغارهم إلى آخر الناس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالا من أهل الجنة، يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين.
ويعرفون كلًّا بسيماهم أي بعلامتهم وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار إلى غير ذلك في حيز هؤلاء وحيز هؤلاء، والسيما العلامة وهو من وسم، وفيه قلب، يقال سيما مقصور وسيماء ممدود وسيمياء بكسر الميم وزيادة ياء فوزنها فعلا مع كونها من وسم، وقيل هي من سوم إذا علم فوزنها على هذا فعلا، ونداؤهم أصحاب الجنة يحتمل أن يكون وأصحاب الجنة لم يدخلوها بعد فيكون أيضا قوله لم يدخلوها وهم يطمعون محتملا أن يعنى به أهل الجنة وهو تأويل أبي مجلز إذ جعل أصحاب الأعراف ملائكة، ومحتملا أن يعنى به أهل الأعراف، ويحتمل أن يكون نداؤهم أهل الجنة بالسلام وهم قد دخلوها، فلا يحتمل حينئذ قوله: لم يدخلوها وهم يطمعون إلا أهل الأعراف فقط، وهو تأويل السدي وقتادة وابن مسعود والحسن، وقال: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا هو الأظهر الأليق ولا نظر لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: وهم يطمعون هي جملة مقطوعة، أخبر أنهم لم يدخلوها وهم طامعون بدخولها فكأن الجملة حال من الضمير في نادوا، وقرأ أبو رقيش النحوي «لم يدخلوها وهم طامعون»، وقرأ إياد بن لقيط «وهم ساخطون»، وذكر بعض الناس قولا وهو أن يقدر قوله وهم يطمعون في موضع الحال من ضمير الجماعة في يدخلوها، ويكون المعنى لم يدخلوها في حال طمع بها بل كانوا في حال يأس وخوف لكنهم عمهم عفو الله عز وجل، وقال ابن مسعود: إنما طمع أصحاب الأعراف لأن النور الذي كان في أيديهم لم يطفأ حين يطفأ كل ما بأيدي المنافقين). [المحرر الوجيز: 3/ 569-572]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والضمير في قوله: {أبصارهم}؛ عائد على أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة وإذا نظروا إلى النار وأهلها دعوا الله في التخليص منها، قاله ابن عباس وجماعة من العلماء، وقال أبو مجلز الضمير لأهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد، وقوله: صرفت معطية ما هنالك من هول المطلع). [المحرر الوجيز: 3/ 572]

تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: {رجالًا} يريد من أهل النار، ويحتمل أن يكون هذا النداء وأهل النار في النار، فتكون معرفتهم بعلامات معرفة بأنهم أولئك الذين عرفوا في الدنيا، ويحتمل أن يكون هذا النداء وهم يحملون إلى النار، فتكون السيما التي عرفوا بها أنهم أهل النار تسويد الوجوه وتشويه الخلق، وقال أبو مجلز الملائكة تنادي رجالا في النار، وقال غيره بل الآدميون ينادون أهل النار، وقيل: إن ما في قوله: ما أغنى استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقيل ما نافية والأول أصوب، وجمعكم لفظ يعم جموع الأجناد والخول وجمع المال لأن المراد بالرجال أنهم جبارون ملوك يقررون يوم القيامة على معنى الإهانة والخزي، وما الثانية:
مصدرية، وقرأت فرقة «تستكثرون» بالثاء مثلثة من الكثرة). [المحرر الوجيز: 3/ 572-573]

تفسير قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه قالوا إنّ اللّه حرّمهما على الكافرين (50) الّذين اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدّنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتابٍ فصّلناه على علمٍ هدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون (52)}
قال أبو مجلز: أهل الأعراف هم الملائكة وهم القائلون أهؤلاء إشارة إلى أهل الجنة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وكذلك يجيء قول من قال أهل الأعراف أنبياء وشهداء، وقال غيره: أهل الأعراف بشر مذنبون، وقوله: أهؤلاء من كلام ملك بأمر الله عز وجل إشارة إلى أهل الأعراف ومخاطبة لأهل النار، وهذا قول ابن عباس، وقال النقاش: لما وبخوهم بقولهم {ما أغنى عنكم جمعكم} ، أقسم أهل النار أن أهل الأعراف داخلون النار معهم فنادتهم الملائكة أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأعراف ادخلوا الجنّة، وقال بعض المتأولين: الإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف، وقرأ الحسن وابن هرمز «أدخلوا الجنة» بفتح الألف وكسر الخاء معنى أدخلوا أنفسكم، أو على أن تكون مخاطبة للملائكة ثم ترجع المخاطبة بعد إلى البشر في عليكم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس «دخلوا الجنة» على الإخبار بفعل ماض، وقرأ طلحة بن مصرف وابن وثاب والنخعي «أدخلوا الجنة» خبر مبني للمفعول.
- قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وترتيب كل قراءة من هذه على الأقوال في المخاطب والمخاطب بقوله تعالى: أهؤلاء ممكن بأيسر تناول فاختصرته إيجازا، وكذلك ما في الآية من الرجوع من مخاطبة فريق إلى مخاطبة غيره، وقوله تعالى: {لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون} معناه: لا تخافون ما يأتي ولا تحزنون على ما فات، وذكر الطبري من طريق حذيفة أن أهل الأعراف يرغبون في الشفاعة فيأتون آدم فيدفعهم إلى نوح ثم يتدافعهم الأنبياء عليهم السلام حتى يأتوا محمدا [صلى الله عليه وسلم] فيشفع لهم فيشفع فيدخلون الجنة فيلقون في نهر الحياة فيبيضون ويسمون مساكين الجنة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ليت أني من أهل الأعراف). [المحرر الوجيز: 3/ 573-574]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 11:06 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 1 رجب 1435هـ/30-04-2014م, 11:06 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم فأذّن مؤذّنٌ بينهم أن لعنة اللّه على الظّالمين (44) الّذين يصدّون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجًا وهم بالآخرة كافرون (45)}
يخبر تعالى بما يخاطب أهل الجنّة أهل النّار إذا استقرّوا في منازلهم، وذلك على وجه التّقريع والتّوبيخ: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا} أن" هاهنا مفسّرة للقول المحذوف، و"قد" للتّحقيق، أي: قالوا لهم: {قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا قالوا نعم} كما أخبر تعالى في سورة "الصّافّات" عن الّذي كان له قرينٌ من الكفّار: {فاطّلع فرآه في سواء الجحيم * قال تاللّه إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربّي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميّتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذّبين}
أي: ينكر عليه مقالته الّتي يقولها في الدّنيا، ويقرّعه بما صار إليه من العذاب والنّكال، وكذا تقرّعهم الملائكة يقولون لهم: {هذه النّار الّتي كنتم بها تكذّبون * أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم إنّما تجزون ما كنتم تعملون} [الطّور:14-16] وكذلك قرّع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قتلى القليب يوم بدرٍ، فنادى: «يا أبا جهل بن هشامٍ، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة -وسمّى رءوسهم-: هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقًّا». وقال عمر: يا رسول اللّه، تخاطب قومًا قد جيفوا؟ فقال: «والّذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا».
وقوله: {فأذّن مؤذّنٌ بينهم} أي: أعلم معلمٌ ونادى مناد: {أن لعنة اللّه على الظّالمين} أي: مستقرّةٌ عليهم). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 416-417]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ وصفهم بقوله: {الّذين يصدّون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجًا} أي: يصدّون النّاس عن اتّباع سبيل اللّه وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السّبيل معوجّةً غير مستقيمةٍ، حتّى لا يتّبعها أحدٌ. {وهم بالآخرة كافرون} أي: وهم بلقاء اللّه في الدّار الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذّبون بذلك لا يصدّقونه ولا يؤمنون به. فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكرٍ من القول والعمل؛ لأنّهم لا يخافون حسابًا عليه، ولا عقابًا، فهم شرّ النّاس أعمالًا وأقوالًا). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 417]

تفسير قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين (47)}
لمّا ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنّة مع أهل النّار، نبّه أنّ بين الجنّة والنّار حجابًا، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النّار إلى الجنّة.
قال ابن جريرٍ: وهو السّور الّذي قال اللّه تعالى: {فضرب بينهم بسورٍ له بابٌ باطنه فيه الرّحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] وهو الأعراف الّذي قال اللّه تعالى: {وعلى الأعراف رجالٌ}
ثمّ روى بإسناده عن السّدّيّ أنّه قال في قوله [تعالى]: {وبينهما حجابٌ} وهو "السّور"، وهو "الأعراف".
وقال مجاهدٌ: الأعراف: حجابٌ بين الجنّة والنّار، سورٌ له بابٌ. قال ابن جريرٍ: والأعراف جمع "عرف"، وكلّ مرتفعٍ من الأرض عند العرب يسمّى "عرفًا"، وإنّما قيل لعرف الدّيك عرفًا لارتفاعه.
وحدّثنا سفيان بن وكيع، حدّثنا ابن عيينة، عن عبيد اللّه بن أبي يزيد، سمع ابن عبّاسٍ يقول: الأعراف هو الشّيء المشرف.
وقال الثّوريّ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: الأعراف: سورٌ كعرف الدّيك.
وفي روايةٍ عن ابن عبّاسٍ: الأعراف، تلٌّ بين الجنّة والنّار، حبس عليه ناسٌ من أهل الذّنوب بين الجنّة والنّار. وفي روايةٍ عنه: هو سورٌ بين الجنّة والنّار. وكذلك قال الضّحّاك وغير واحدٍ من علماء التّفسير.
وقال السّدّيّ: إنّما سمّي "الأعراف" أعرافًا؛ لأنّ أصحابه يعرفون النّاس.
واختلفت عبارات المفسّرين في أصحاب الأعراف من هم، وكلّها قريبةٌ ترجع إلى معنًى واحدٍ، وهو أنّهم قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم. نصّ عليه حذيفة، وابن عبّاسٍ، وابن مسعودٍ، وغير واحدٍ من السّلف والخلف، رحمهم اللّه. وقد جاء في حديثٍ مرفوعٍ رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه:
حدّثنا عبد اللّه بن إسماعيل، حدّثنا عبيد بن الحسين، حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا النّعمان بن عبد السّلام، حدّثنا شيخٌ لنا يقال له: أبو عبّادٍ، عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن جابر بن عبد اللّه قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمّن استوت حسناته وسيّئاته، فقال:«أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون».
وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه ورواه من وجهٍ آخر، عن سعيد بن سلمة عن أبي الحسام، عن محمّد بن المنكدر عن رجلٍ من مزينة قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أصحاب الأعراف، فقال: «إنّهم قومٌ خرجوا عصاةً بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل اللّه»
وقال سعيد بن منصورٍ: حدّثنا أبو معشر، حدّثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرّحمن المزنيّ عن أبيه قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن«أصحاب الأعراف» فقال:«هم ناسٌ قتلوا في سبيل اللّه بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنّة معصية آبائهم ومنعهم النّار قتلهم في سبيل الله».
هكذا رواه ابن مردويه، وابن جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ من طرقٍ، عن أبي معشرٍ به وكذلك رواه ابن ماجه مرفوعًا، من حديث ابن عبّاسٍ وأبي سعيدٍ الخدريّ [رضي اللّه عنهما]: واللّه أعلم بصحّة هذه الأخبار المرفوعة وقصاراها أن تكون موقوفةً وفيه دلالةٌ على ما ذكر.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني يعقوب، حدّثنا هشيم، أخبرنا حصينٌ، عن الشّعبيّ، عن حذيفة؛ أنّه سئل عن أصحاب الأعراف، قال: فقال: هم قومٌ استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فقعدت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، وخلّفت بهم حسناتهم عن النّار. قال: فوقفوا هناك على السّور حتّى يقضي اللّه فيهم.
وقد رواه من وجهٍ آخر أبسط من هذا فقال:
- حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضحٍ، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشّعبيّ: أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرّحمن -وعنده أبو الزّناد عبد اللّه بن ذكوان مولى قريشٍ -وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا هات. فقلت: إنّ حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قومٌ تجاوزت بهم حسناتهم النّار، وقعدت بهم سيّئاتهم عن الجنّة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين} فبينا هم كذلك، اطّلع عليهم ربّك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنّة فإنّي قد غفرت لكم.
وقال عبد اللّه بن المبارك، عن أبي بكرٍ الهذليّ قال: قال سعيد بن جبيرٍ، وهو يحدّث ذلك عن ابن مسعودٍ قال يحاسب النّاس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيّئاته بواحدةٍ دخل الجنّة، ومن كانت سيّئاته أكثر من حسناته بواحدةٍ دخل النّار. ثمّ قرأ قول اللّه: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفّت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون} [المؤمنون: 102، 103] ثمّ قال: إنّ الميزان يخفّ بمثقال حبّةٍ ويرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصّراط، ثمّ عرفوا أهل الجنّة وأهل النّار، فإذا نظروا إلى أهل الجنّة نادوا: سلامٌ عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النّار قالوا: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين} فتعوّذوا باللّه من منازلهم. قال: فأمّا أصحاب الحسنات، فإنّهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كلّ عبدٍ يومئذٍ نورًا، وكلّ أمّةٍ نورًا، فإذا أتوا على الصّراط سلب اللّه نور كلّ منافقٍ ومنافقةٍ. فلمّا رأى أهل الجنّة ما لقي المنافقون قالوا: {ربّنا أتمم لنا نورنا} [التّحريم: 8]. وأمّا أصحاب الأعراف، فإنّ النّور كان في أيديهم فلم ينزع، فهنالك يقول اللّه تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطّمع دخولًا. قال: وقال ابن مسعودٍ: على أنّ العبد إذا عمل حسنةً كتب له بها عشرٌ، وإذا عمل سيّئةً لم تكتب إلّا واحدةً. ثمّ يقول: هلك من غلبت واحدته أعشاره.
رواه ابن جريرٍ وقال أيضًا:
- حدّثني ابن وكيع وابن حميدٍ قالا حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عبد اللّه بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ قال: "الأعراف": السّور الّذي بين الجنّة والنّار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتّى إذا بدأ اللّه أن يعافيهم، انطلق بهم إلى نهرٍ يقال له: "الحياة"، حافّتاه قصب الذّهب، مكلّلٌ باللّؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه حتّى تصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم بيضاء يعرفون بها، حتّى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرّحمن تبارك وتعالى فقال: تمنّوا ما شئتم فيتمنّون، حتّى إذا انقطعت أمنيّتهم قال لهم: لكم الّذي تمنّيتم ومثله سبعون ضعفًا. فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامةٌ بيضاء يعرفون بها، يسمّون مساكين أهل الجنّة.
وكذا رواه ابن أبي حاتمٍ، عن أبيه، عن يحيى بن المغيرة، عن جريرٍ، به. وقد رواه سفيان الثّوريّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد اللّه بن الحارث، من قوله وهذا أصحّ، واللّه أعلم. وهكذا روي عن مجاهدٍ والضّحّاك وغير واحدٍ.
وقال سنيد بن داود: حدّثني جريرٌ، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن عمرو بن جريرٍ قال: سئل رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم] عن أصحاب الأعراف، قال:«هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ ربّ العالمين من فصله بين العباد قال: أنتم قومٌ أخرجتكم حسناتكم من النّار، ولم تدخلوا الجنّة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنّة حيث شئتم». وهذا مرسل حسن
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "الوليد بن موسى"، عن منبّه بن عثمان عن عروة بن رويم، عن الحسن، عن أنس بن مالكٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ أنّ مؤمني الجنّ لهم ثوابٌ وعليهم عقابٌ، فسألناه عن ثوابهم فقال:«على الأعراف، وليسوا في الجنّة مع أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم». فسألناه: وما الأعراف؟ فقال: «حائط الجنّة تجري فيها الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثّمار».
رواه البيهقيّ، عن ابن بشران، عن عليّ بن محمّدٍ المصريّ، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد بن موسى، به
وقال سفيان الثّوريّ، عن خصيف، عن مجاهدٍ قال: أصحاب الأعراف قومٌ صالحون فقهاء علماء.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا ابن عليّة، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلز في قوله تعالى: {وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلا بسيماهم} قال: هم رجالٌ من الملائكة، يعرفون أهل الجنّة وأهل النّار، قال: {ونادوا أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين * ونادى أصحاب الأعراف رجالا} في النّار {يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ} قال: فهذا حين دخل أهل الجنّة الجنّة: {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}.
وهذا صحيحٌ إلى أبي مجلزٍ لاحق بن حميدٍ أحد التّابعين، وهو غريبٌ من قوله وخلاف الظّاهر من السّياق: وقول الجمهور مقدّمٌ على قوله، بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه. وكذا قول مجاهدٍ: إنّهم قومٌ صالحون علماء فقهاء فيه غرابةٌ أيضًا. واللّه أعلم.
وقد حكى القرطبيّ وغيره فيهم اثني عشر قولًا منها: أنّهم شهدوا أنّهم صلحاء تفرّعوا من فرع الآخرة، دخلوا يطّلعون على أخبار النّاس. وقيل: هم أنبياء. وقيل: ملائكةٌ.
وقوله تعالى: {يعرفون كلا بسيماهم} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنّة ببياض الوجوه، وأهل النّار بسواد الوجوه. وكذا روى الضّحّاك، عنه.
وقال العوفي، عن ابن عبّاسٍ أنزلهم اللّه بتلك المنزلة، ليعرفوا من في الجنّة والنّار، وليعرفوا أهل النّار بسواد الوجوه، ويتعوّذوا باللّه أن يجعلهم مع القوم الظّالمين. وهم في ذلك يحيّون أهل الجنّة بالسّلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء اللّه.
وكذا قال مجاهدٌ، والضّحّاك، والسّدّيّ، والحسن، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم.
وقال معمر، عن الحسن: إنّه تلا هذه الآية: {لم يدخلوها وهم يطمعون} قال: واللّه ما جعل ذلك الطّمع في قلوبهم، إلّا لكرامةٍ يريدها بهم.
وقال قتادة [قد] أنبأكم اللّه بمكانهم من الطّمع). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 417-422]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين} قال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: إنّ أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النّار وعرفوهم قالوا: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}
وقال السّدّي: وإذا مرّوا بهم -يعني بأصحاب الأعراف -بزمرةٍ يذهب بها إلى النّار قالوا: {ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}
وقال عكرمة: تحدّد وجوههم في النّار، فإذا رأوا أصحاب الجنّة ذهب ذلك عنهم.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النّار} فرأوا وجوههم مسودّةً، وأعينهم مزرقّةً، {قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين}). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 422]

تفسير قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون (49)}
يقول اللّه تعالى مخبرًا عن تقريع أهل الأعراف لرجالٍ من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النّار بسيماهم: {ما أغنى عنكم جمعكم} أي: كثرتكم، {وما كنتم تستكبرون} أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب اللّه، بل صرتم إلى ما صرتم فيه من العذاب والنّكال). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 422]

تفسير قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: يعني: أصحاب الأعراف {ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}
وقال ابن جريرٍ: حدّثني محمّد بن سعدٍ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} الآية، قال: فلمّا قالوا لهم الّذي قضى اللّه أن يقولوا -يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنّة وأهل النّار-قال اللّه [تعالى] لأهل التّكبّر والأموال: {أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمةٍ ادخلوا الجنّة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون}
وقال حذيفة: إنّ أصحاب الأعراف قومٌ تكافأت أعمالهم، فقصّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصّرت بهم سيّئاتهم عن النّار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون النّاس بسيماهم، فلمّا قضى اللّه بين العباد أذن لهم في طلب الشّفاعة، فأتوا آدم فقالوا: يا آدم، أنت أبونا، فاشفع لنا عند ربّك. فقال: هل تعلمون أنّ أحدًا خلقه اللّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا. [قال] فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربّهم، فيقول: [هل] تعلمون من أحدٍ اتّخذه اللّه خليلًا؟ هل تعلمون أنّ أحدًا أحرقه قومه بالنّار في اللّه غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم. ولكن ائتوا ابني موسى. فيأتون موسى، عليه السّلام، [فيقولون: اشفع لنا عند ربّك] فيقول: هل تعلمون من أحدٍ كلّمه اللّه تكليمًا وقربّه نجيًّا غيري؟ فيقولون: لا فيقول: ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه، عليه السّلام، فيقولون له: اشفع لنا عند ربّك. فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه اللّه من غير أبٍ غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحدٍ كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي. ما علمت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم. ولكن ائتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فيأتونني فأضرب بيدي على صدري، ثمّ أقول: أنا لها. ثمّ أمشي حتّى أقف بين يدي العرش، فآتي ربّي، عزّ وجلّ، فيفتح لي من الثّناء ما لم يسمع السّامعون بمثله قطّ، ثمّ أسجد فيقال لي: يا محمّد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفّع. فأرفع رأسي، فأقول: ربّي أمّتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبيٌّ مرسلٌ، ولا ملكٌ مقرّبٌ، إلّا غبطني بذلك المقام، وهو المقام المحمود. فآتي بهم الجنّة، فأستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهرٍ يقال له: نهر الحيوان، حافّتاه قصبٌ مكلّلٌ باللّؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت. فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنّة، وريح [أهل الجنّة] فيصيرون كأنّهم الكواكب الدّرّيّة، ويبقى في صدورهم شاماتٌ بيضٌ يعرفون بها، يقال لهم: مساكين أهل الجنّة"). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 422-423]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:20 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة