العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأعراف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 ربيع الثاني 1434هـ/26-02-2013م, 10:35 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأعراف [ من الآية (26) إلى الآية (30) ]

{يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 11:20 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)}

قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قول الله: {لباسا يواري سوآتكم ورياشا ولباس التقوى} قال: الرّيش المال والرّياش: الثّياب ). [تفسير الثوري: 112]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: (ورياشًا) : «المال» ). [صحيح البخاري: 6/ 58]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: قال بن عبّاس وريشا المال وصله بن جريرٍ، من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن بن عبّاسٍ، في قوله: {ورياشًا}، قال: مالًا ومن طريق مجاهدٍ والسّدّيّ فرّقهما قال في قوله وريشًا قال المال ومن وجهٍ آخر عن بن عبّاسٍ قال الرّياش اللّباس والعيش والنّعيم ومن طريق معبد الجهنيّ قال الرّياش المعاش وقال أبو عبيدة الرّياش ما ظهر من اللّباس والسّتارة والرّياش أيضًا الخصب في المعاش وقد تقدّم شيءٌ من هذا في أوّل أحاديث الأنبياء تنبيهٌ قرأ ورياشًا عاصمٌ وأبو عمرٍو والباقون وريشًا). [فتح الباري: 8/ 298]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه: قال ابن عبّاس: {ورياشا}: المال إنّه لا يحب المعتدين في الدّعاء وفي غيره عفوا كثروا وكثرت أموالهم الفتاح القاضي افتح بيننا اقض بيننا نتقنا الجبل رفعنا انبجست انفجرت متبر خسران آسى أحزن تأسى تحزن
قال ابن أبي حاتم، ثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية، عن علّي، عن ابن عبّاس، في قوله: {ورياشا}، قال: المال). [تغليق التعليق: 4/ 213]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: {ورياشا}: المال
ليس في كثير من النّسخ لفظ: باب، وأشار بقوله: ورياشا إلى ما في قوله تعالى: {قد أنزل عليكم لباسا يواري سوآتكم ورياشا} [الأعراف: 26] قرأ الجمهور وريشا وقرأ الحسن وذر بن حبيش وعاصم فيما روي عنه وابن عبّاس ومجاهد وأبو عبد الرّحمن السّلميّ وأبو رجاء ورياشا وهي قراءة النّبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حاتم: رواها عنه عثمان. ثمّ إن البخاريّ فسره بالمال، رواه هكذا أبو محمّد عن محمّد بن إدريس حدثنا أبو صالح حدثنا معاوية حدثنا عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس وقال ابن الأعرابي: الريش الأكل، والرياش المال المستفاد، وقال ابن درير الريش الجمال، وقيل: هو اللباس، حكى أبو عمرو أن العرب تقول: كساني فلان ريشة أي كسوة، وقال قطرب الريش والرياش واحد مثل حل وحلال وحرم وحرام، وقال الثّعلبيّ: يجوز أن يكون مصدرا من قول القائل: راشه الله يريشه رياشا. والرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفرش وغيرها، وعن ابن عبّاس الرياش اللباس والعيش والنّعيم، وقال الأخفش: هو الخصب والمعاش، وقال القتبي: الريش والرياش ما ظهر من اللباس). [عمدة القاري: 18/ 231]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( قال ابن عباس -رضي الله عنهما- فيما وصله ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه (ورياشًا) بالجمع وهي قراءة الحسن جمع ريش كشعب وشعاب وقراءة الباقين وريشًا بالإفراد (المال) يقال: قريش أي تموّل. وعند ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس: الرياش اللباس والعيش والنعيم، وقيل: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير بعلاقة الزينة). [إرشاد الساري: 7/ 124]
- قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: ... الرّياش والرّيش واحدٌ، وهو ما ظهر من اللّباس»). [صحيح البخاري: 6/ 58]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: الرّياش والرّيش واحدٌ إلخ تقدّم أيضًا في أول أحاديث الأنبياء ورواه بن المنذر من طريق الكسائيّ أي قال الرّيش والرّياش اللّباس). [فتح الباري: 8/ 299]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (الرياش والريش واحد وهو ما ظهر من اللباس) وذكره قريبًا مفسرًا بالمال وغيره). [إرشاد الساري: 7/ 124-125]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم}.
يقول جلّ ثناؤه للجهلة من العرب الّذين كانوا يتعرّون للطّواف اتّباعًا منهم أمر الشّيطان، وتركًا منهم طاعة اللّه، فعرّفهم انخداعهم بغروره لهم حتّى تمكّن منهم فسلبهم من ستر اللّه الّذي أنعم به عليهم، حتّى أبدى سوآتهم وأظهرها من بعضهم لبعضٍ، مع تفضّل اللّه عليهم بتمكينهم ممّا يسترونها به، وأنّهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحوّاء اللّذين دلاّهما بغرورٍ حتّى سلبهما ستر اللّه الّذي كان أنعم به عليهما حتّى أبدى لهما سوآتهما فعرّاهما منه: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا}: يعني بإنزاله عليهم ذلك: خلقه لهم، ورزقه إيّاهم. واللّباس: ما يلبسون من الثّياب. {يواري سوآتكم} يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم. وكنّى بالسّوآت عن العورات، واحدتها سوأةٌ، وهي فعلةٌ من السّوء، وإنّما سمّيت سوأةً لأنّه يسوء صاحبها انكشافها من جسده، كما قال الشّاعر:
خرقوا جيب فتاتهم ....... لم يبالوا سوأة الرّجله
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {لباسًا يواري سوآتكم} قال: كان ناسٌ من العرب يطوفون بالبيت عراةً، ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه.
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ المدنيّ، قال: سمعت مجاهدًا، يقول في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا}، قال: أربع آياتٍ نزلت في قريشٍ، كانوا في الجاهليّة لا يطوفون بالبيت إلاّ عراةً.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن عوفٍ، قال: سمعت معبدًا الجهنيّ، يقول في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا} قال: اللّباس الّذي يلبسون.
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم} قال: كانت قريشٌ تطوف عراةً، لا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه، وقد كان ناسٌ من العرب يطوفون بالبيت عراةً.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، وسهل بن يوسف، عن عوفٍ، عن معبدٍ الجهنيّ: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم} قال: اللّباس الّذي يواري سوآتكم: هو لبوسكم هذا.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لباسًا يواري سوآتكم} قال: هي الثّياب.
- حدّثنا الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ، قال: حدّثني من سمع عروة بن الزّبير، يقول: اللّباس: الثّياب.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم} قال: يعني ثياب الرّجل الّتي يلبسها.
القول في تأويل قوله تعالى: {وريشًا}.
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الأمصار: {وريشًا} بغير ألفٍ.
وذكر عن زرّ بن حبيشٍ والحسن البصريّ أنّهما كانا يقرآنه: (ورياشًا).
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبد الصّمد بن عبد الوارث، عن أبان العطّار، قال: حدّثنا عاصمٌ، أنّ زرّ بن حبيشٍ، قرأها: (ورياشًا).
والصّواب من القراءة في ذلك قراءة من قرأ: {وريشًا} بغير ألفٍ لإجماع الحجّة من القرّاء عليها.
وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خبرٌ في إسناده نظرٌ، أنّه قرأه: (ورياشًا).
فمن قرأ ذلك: (ورياشًا) فإنّه محتملٌ أن يكون أراد به جمع الرّيش، كما تجمع الذّئب ذئابًا والبئر بئارًا.
ويحتمل أن يكون أراد به مصدرًا من قول القائل: راشه اللّه يريشه رياشًا وريشًا، كما يقال: لبسه يلبسه لباسًا ولبسًا، وقد أنشد بعضهم:
فلمّا كشفن اللّبس عنه مسحنه ....... بأطراف طفلٍ زان غيلاً موشّما
بكسر اللاّم من اللّبس.
والرّياش في كلام العرب: الأثاث وما ظهر من الثّياب من المتاع ممّا يلبس أو يحشى من فراشٍ أو دثارٍ.
والرّيش: إنّما هو المتاع والأموال عندهم، وربّما استعملوه في الثّياب والكسوة دون سائر المال، يقولون: أعطاه سرجًا بريشه، ورحلاً بريشه: أي بكسوته وجهازه، ويقولون: إنّه لحسن ريش الثّياب. وقد يستعمل الرّياش في الخصب ورفاهة العيش.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال: الرّياش المال:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وريشًا} يقول: مالاً.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ عن ابن أبي نجيحٍ، جميعًا عن مجاهدٍ: {وريشًا} قال: المال.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ورياشًا} قال: أمّا رياشًا: فرياش المال.
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ المدنيّ، قال: حدّثني من سمع عروة بن الزّبير، يقول: الرّياش: المال.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك، قوله: {ورياشًا} يعني: المال.
ذكر من قال: هو اللّباس ورفاهة العيش:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ورياشًا} قال: الرّياش: اللّباس، والعيش: النّعيم.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، وسهل بن يوسف، عن عوفٍ، عن معبدٍ الجهنيّ: {ورياشًا}، قال: الرّياش: المعاش.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا عوفٌ، قال: قال معبدٌ الجهنيّ: {ورياشًا}، قال: هو المعاش.
وقال آخرون: الرّيش: الجمال.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله:
{ورياشًا}، قال: الرّيش: الجمال.
القول في تأويل قوله تعالى: {ولباس التّقوى ذلك خيرٌ}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: لباس التّقوى هو الإيمان.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ولباس التّقوى}؛ هو الإيمان.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولباس التّقوى}: الإيمان.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: أخبرني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {ولباس التّقوى} الإيمان.
وقال آخرون: هو الحياء.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، وسهل بن يوسف، عن عوفٍ، عن معبدٍ الجهنيّ، في قوله: {ولباس التّقوى}: الّذي ذكر اللّه في القرآن هو الحياء.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا ابن عليّة قال: أخبرنا عوفٌ قال: قال معبدٌ الجهنيّ، فذكر مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو أسامة، عن عوفٍ، عن معبدٍ، بنحوه.
وقال آخرون: هو العمل الصّالح.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {ولباس التّقوى ذلك خيرٌ}، قال: لباس التّقوى: العمل الصّالح.
وقال آخرون: بل ذلك هو السّمت الحسن.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني زكريّا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدّثنا عبد اللّه بن داود، عن محمّد بن موسى، عن الزّبّاء بن عمرٍو، عن ابن عبّاسٍ: {ولباس التّقوى} قال: السّمت الحسن في الوجه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفّان على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليه قميصٌ قوهيّ محلول الزّرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللّعب بالحمام، ثمّ قال: يا أيّها النّاس، اتّقوا اللّه في هذه السّرائر، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «والّذي نفس محمّدٍ بيده ما عمل أحدٌ قطّ سرًّا إلاّ ألبسه اللّه رداءه علانيةً، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ»، ثمّ تلا هذه الآية:
{ورياشًا}؛ ولم يقرأها: {وريشًا}، {ولباس التّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات اللّه}؛ قال: السّمت الحسن.
وقال آخرون: هو خشية اللّه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا أبو سعدٍ المدنيّ، قال: حدّثني من سمع عروة بن الزّبير، يقول: {لباس التّقوى}: خشية اللّه.
وقال آخرون: {لباس التّقوى} في هذه المواضع: ستر العورة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {ولباس التّقوى}: يتّقي اللّه فيواري عورته، ذلك لباس التّقوى.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء المكّيّين والكوفيّين والبصريّين: {ولباس التّقوى ذلك خيرٌ} برفع (ولباس).
وقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة:
{ولباس التّقوى} بنصب اللّباس، وهي قراءة بعض قرّاء الكوفيّين.
فمن نصب: (ولباس) فإنّه نصبه عطفًا على (الرّيش) بمعنى: قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا، وأنزلنا لباس التّقوى.
وأمّا الرّفع، فإنّ أهل العربيّة مختلفون في المعنى الّذي ارتفع به اللّباس، فكان بعض نحويّي البصرة يقول: هو مرفوعٌ على الابتداء، وخبره في قوله: {ذلك خيرٌ}.
وقد استخطأه بعض أهل العربيّة في ذلك وقال: هذا غلطٌ، لأنّه لم يعد على اللّباس في الجملة عائدٌ، فيكون اللّباس إذًا رفع على الابتداء، وجعل {ذلك خيرٌ} خبرًا.
وقال بعض نحويّي الكوفة: {ولباس} يرفع بقوله: (ولباس التّقوى خيرٌ)، ويجعل ذلك من نعته.
وهذا القول عندي في ذلك بالصّواب في رفع (اللّباس) لأنّه لا وجه للرفع فيه إلاّ أن يكون مرفوعًا بـ {خيرٌ}، وإذا رفع بـ {خيرٌ} لم يكن في ذلك وجهٌ إلاّ أن يجعل اللّباس نعتًا، لا أنّه عائدٌ على اللّباس من ذكره في قوله: {ذلك خيرٌ}، فيكون {خيرٌ} مرفوعًا بـ{ذلك}، و{ذلك} به.
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام إذن: رفع لباس التّقوى، ولباس التّقوى ذلك الّذي قد علمتموه خيرٌ لكم يا بني آدم من لباس الثّياب الّتي تواري سوآتكم، ومن الرّياش الّتي أنزلناها إليكم فالبسوه.
وأمّا تأويل من قرأه نصبًا، فإنّه: يا بني آدم، قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم، وريشًا، ولباس التّقوى هذا الّذي أنزلنا عليكم، من اللّباس الّذي يواري سوآتكم والرّيش، ولباس التّقوى خيرٌ لكم من التّعرّي والتّجرّد من الثّياب في طوافكم بالبيت، فاتّقوا اللّه والبسوا ما رزقكم اللّه من الرّياش، ولا تطيعوا الشّيطان بالتّجرّد والتّعرّي من الثّياب، فإنّ ذلك سخريةٌ منه بكم وخدعةٌ، كما فعل بأبويكم آدم وحوّاء فخدعهما حتّى جرّدهما من لباس اللّه الّذي كان ألبسهما بطاعتهما له في أكل ما كان اللّه نهاهما عن أكله من ثمر الشّجرة الّتي عصياه بأكلها.
وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصّواب، أعني نصب قوله: (ولباس التّقوى) لصحّة معناه في التّأويل على ما بيّنت، وأنّ اللّه إنّما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللّباس الّذي يواري سوآتنا والرّياش توبيخًا للمشركين الّذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كلّ حالٍ مع الإيمان به واتّباع طاعته، ويعلمهم أنّ كلّ ذلك خيرٌ من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم باللّه وتعرّيهم، لا أنّه أعلمهم أنّ بعض ما أنزل إليهم خيرٌ من بعضٍ.
وما يدلّ على صحّة ما قلنا في ذلك الآيات الّتي بعد هذه الآية، وذلك قوله: {يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما}، وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله: {وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون}، فإنّه جلّ ثناؤه يأمر في كلّ ذلك بأخذ الزّينة من الثّياب واستعمال اللّباس وترك التّجرّد والتّعرّي، وبالإيمان به واتّباع أمره والعمل بطاعته، وينهى عن الشّرك به واتّباع أمر الشّيطان، مؤكّدًا في كلّ ذلك ما قد أجمله في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ولباس التّقوى ذلك خيرٌ}.
وأولى الأقوال بالصّحّة في تأويل قوله: {ولباس التّقوى} استشعار النّفوس تقوى اللّه في الانتهاء عمّا نهى اللّه عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع الإيمان والعمل الصّالح والحياء وخشية اللّه والسّمت الحسن، لأنّ من اتّقى اللّه كان به مؤمنًا وبما أمره به عاملاً ومنه خائفًا وله مراقبًا، ومن أن يرى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا. ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سمته وهديه، ورؤيت عليه بهجة الإيمان ونوره.
وإنّما قلنا: عني بلباس التّقوى استشعار النّفس والقلب ذلك، لأنّ اللّباس إنّما هو ادّراع ما يلبس واحتباء ما يكتسى، أو تغطية بدنه أو بعضه به، فكلّ من ادّرع شيئًا أو احتبى به حتّى يرى هو أو أثره عليه، فهو له لابسٌ، ولذلك جعل جلّ ثناؤه الرّجال للنّساء لباسًا، وهنّ لهم لباسًا، وجعل اللّيل لعباده لباسًا.
ذكر من تأوّل ذلك بالمعنى الّذي ذكرنا من تأويله إذا قرئ قوله: {ولباس التّقوى} رفعًا:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولباس التّقوى}: الإيمان، {ذلك خيرٌ} يقول: ذلك خيرٌ من الرّياش واللّباس يواري سوآتكم.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولباس التّقوى} قال: لباس التّقوى خيرٌ، وهو الإيمان.
القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكّرون}.
يقول تعالى ذكره: ذلك الّذي ذكرت لكم أنّي أنزلته إليكم أيّها النّاس من اللّباس والرّياش من حجج اللّه وأدلّته الّتي يعلم بها من كفر صحّة توحيد اللّه، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضّلالة. {لعلّهم يذّكّرون} يقول جلّ ثناؤه: جعلت ذلك لهم دليلاً على ما وصفت ليذّكّروا، فيعتبروا وينيبوا إلى الحقّ وترك الباطل، رحمةً منّي بعبادي). [جامع البيان: 10/ 119-132]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ولباس التّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكّرون (26)}
قوله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم}
الوجه الأول:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ
قوله: {لباسًا يواري سوآتكم} قال: كان أناسٍ من العرب يطوفون بالبيت عراةً ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن منيبٍ ثنا أبو معاذٍ عن عبيد بن سليمان عن الضّحّاك لباسًا يواري سوآتكم يعني ثياب الرّجل الّتي يلبسها.
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو حفصٍ الأبّار عمر بن عبد الرّحمن، عن عيسى بن المسيّب عن زيد بن عليٍّ قال: سئل عن هذه الآية: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم قال: واللّباس الّذي يواري سوءاتكم لباس العامّة.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: قوله: وريشًا يقول: مالاً. وروي عن مجاهدٍ: والضّحّاك نحو ذلك.
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا عثمان بن عمر ثنا مختار التّميميّ الكّوفيّ، ثنا أبو مطرٍ، قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالبٍ فأتى أصحاب الثّياب فقال لرجلٍ: بعني قميصًا بثلاثة دراهم، فلمّا لبسه قال: الحمد للّه كساني من الرّياش ما أواري به عورتي، وأتجمّل به في النّاس. ثمّ قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا لبس ثوبًا جديدًا قال هكذا.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ فيما كتب إليّ حدّثني أبي، حدّثني عمّي عن أبيه عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: قوله: ورياشًا والرّياش اللّباس والعيش والنّعيم.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو حفصٍ الأبّار عمر بن عبد الرّحمن عن عيسى بن المسيّب عن زيد بن عليٍّ: قوله: وريشًا والرّيش: لباس الزّينة.
الوجه الثّاني:
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، أنبأ أصبغ قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيدٍ يقول في قول اللّه: {وريشًا} قال: الرّياش الجمال.
قوله تعالى: {ولباس التّقوى}
الوجه الأول:
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي حدّثني عمّي عن أبيه عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: قوله: {ولباس التّقوى}: العمل الصّالح.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا شعيب بن زريقٍ عن عطاءٍ الخراسانيّ، عن عكرمة، في قول اللّه:
{ولباس التّقوى}، يقال: ما يلبس المتّقون يوم القيامة.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا عليّ بن الحسين بن الجنيد ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو حفصٍ الأبّار عمر بن عبد الرّحمن بن المسيّب عن زيد بن عليٍّ قال: سئل عن هذه الآية:
{ولباس التّقوى}، قال: الإسلام. وروي عن قتادة نحو ذلك.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا المنذر بن شاذان حدّثني هوذة، ثنا عونٌ، عن معبد الجهنيّ:
{ولباس التّقوى}: الحياة.
الوجه الخامس:
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، أنبأ أصبغ قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيدٍ، في قول اللّه: ولباس التّقوى يتّقي اللّه فيواري عورته، ذلك لباس التّقوى.
قوله تعالى: {ذلك خيرٌ}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا صفوان بن صالحٍ، ثنا الوليد ثنا شعيب بن رزيقٍ عن عطاءٍ الخراسانيّ عن عكرمة، في قول اللّه تعالى: ولباس التّقوى ذلك خيرٌ يقال: ما يلبسه المتّقون يوم القيامة، ذلك خيرٌ من لباس أهل الدّنيا.
قوله تعالى: {ذلك من آيات اللّه}
- حدّثنا عليّ بن الحسين بن الجنيد ثنا حفص المهرقانيّ، ثنا إسحاق بن إسماعيل حيّويه عن سليمان بن أرقم قال: سمعت الحسن يقول: رأيت عثمان يخطب يقول: يا أيّها النّاس اتّقوا اللّه في هذه السّرائر إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «والّذي نفسي بيده، ما عمل أحدٌ عملاً قطّ سرًّا إلا ألبسه اللّه رداءه علانيةً إن خيرًا فخيرٌ وإنّ شرًّا فشرٌّ». ثمّ تلا: {ورياشًا} ولم يقل: وريشًا ورأيت عثمان يخطب ثمّ تلا هذه الآية: ولباس التّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات اللّه قال: قال: السمت الحسن.
قوله تعالى: {لعلّهم يذّكّرون}
- حدّثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ حدّثني ابن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ، في قول اللّه: {لعلّكم} يعني: لكي). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1454-1459]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الرياش المال). [تفسير مجاهد: 233]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم قال كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة فأمروا باللباس). [تفسير مجاهد: 233]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : ( أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم}، قال: كان أناس من العرب يطوفون بالبيت عراة فلا يلبس أحدهم ثوبا طاف فيه {وريشا} قال: المال.
- وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم}، قال: نزلت في الحمس من قريش ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب الأنصار، الأوس والخزرج وخزاعه وثقيف وبني عامر بن صعصعة وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم ولا يأتون البيوت إلا من أدبارها ولا يضطربون وبرا ولا شعرا إنما يضطربون الادم ويلبسون صبيانهم الرهاط وكانوا يطوفون عراة إلا قريشا فإذا قدموا طرحوا ثيابهم التي قدموا فيها وقالوا: هذه ثيابنا التي تطهرنا إلى ربنا فيها من الذنوب والخطايا ثم قالوا لقريش: من يعيرنا مئزرا فإن لم يجدوا طافوا عراة فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم التي كانوا وضعوا.
- وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير في قوله: {لباسا يواري سوآتكم} قال: الثياب، {وريشا} قال: المال، {ولباس التقوى} قال: خشية الله.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي في قوله: {لباسا يواري سوآتكم} قال: لباس العامة، {وريشا} قال: لباس الزينة، {ولباس التقوى} قال: الإسلام.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: {وريشا} قال: المال واللباس والعيش والنعيم، وفي قوله: {ولباس التقوى} قال: الإيمان والعمل الصالح {ذلك خير} قال: الإيمان والعمل خير من الريش واللباس.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وريشا} يقول: مالا.
- وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن علي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس ثوبا جديدا قال: «الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس»
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الرياش: الجمال.
- وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {وريشا} قال: الرياش: المال قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول:
فرشني بخير طال ما قد بريتني ....... وخير الموالي من يريش ولا يبري.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {لباسا يواري سوآتكم وريشا} قال: هو اللباس، {ولباس التقوى} قال: هو الإيمان وقد أنزل الله اللباس ثم قال: خير اللباس التقوى.
- وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، أنه قرأها: {وريشا ولباس التقوى} بالرفع.
- وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ: (وريشا) بغير ألف (ولباس التقوى) بالرفع.
- وأخرج ابن مردويه عن عثمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {وريشا} ولم يقل: وريشا.
- وأخرج ابن جرير عن زر بن حبيش، أنه قرأها (ورياشا).
- وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن معبد الجهني في قوله: {ولباس التقوى} قال: هو الحياء ألم تر أن الله قال: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى} فاللباس الذي يواري سوءاتكم: هو لبوسكم والرياش المعاش ولباس التقوى: الحياء.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {ولباس التقوى}، قال: يتقي الله فيواري عورته ذاك لباس التقوى.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {ولباس التقوى}، قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة {ذلك خير} من لباس أهل الدنيا.
- وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله: {ولباس التقوى ذلك خير} قال: ما يلبس المتقون يوم القيامة خير مما يلبس أهل الدنيا.
- وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ولباس التقوى} قال: السمت الحسن في الوجه
- وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد عمل خيرا أو شرا إلا كسى رداء عمله حتى يعرفوه» وتصديق ذلك في كتاب الله: {ولباس التقوى ذلك خير} الآية.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: رأيت عثمان على المنبر قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد عملا قط سرا إلا ألبسه الله رداءه علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر» ثم تلا هذه الآية: {وريشا} ولم يقل وريشا: {ولباس التقوى ذلك خير}، قال: السمت الحسن.
- وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {لباسا يواري سوآتكم} قال: هي الثياب {وريشا} قال: المال {ولباس التقوى} قال: الإيمان {ذلك خير} يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم). [الدر المنثور: 6/ 350-354]

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) }
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: ... {قبيله} : «جيله الّذي هو منهم» ). [صحيح البخاري: 6/ 58]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: قبيله جيله الّذي هو منهم هو كلام أبي عبيدة وروى بن جرير من طريق بن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله قبيله قال الجنّ والشّياطين وهو بمعناه وقد تقدّم في بدء الخلق). [فتح الباري: 8/ 299]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (قبيله جيله الّذي هو منهم
أشار به إلى قوله تعالى: {أنه يراكم هو وقبيله} والضّمير في (إنّه) يرجع إلى الشّيطان، وفسّر القبيل بالجيل، بكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف، وقال ابن الأثير: الصّنف من النّاس التّرك جيل، والصين جيل، والمراد هنا جيل الشّيطان يعني قبيله، ويؤيّده في المعنى ما رواه ابن جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {قبيله}، قال الجنّ والشّياطين، وقيل: قبيله خيله ورجله. قال الله تعالى: {بخيلك ورجلك} [الإسراء: 64] وقيل: ذريّته قال تعالى: {أفتتخذونه وذريته} [الكهف: 50] وقيل أصحابه: وقيل: ولده ونسله. قال الأزهري: القبيل جماعة ليسوا من أب واحد وجمعه قبل فإذا كانوا من أب واحد فهم قبيلة). [عمدة القاري: 18/ 233]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى عن إبليس: {إنه يراكم هو وقبيله} أي (جيله) بالجيم المكسورة وهم الجن والشياطين (الذي هو منهم) وثبت للأبوين هو وهو من كلام أبي عبيدة، وعند المعتزلة أن سبب عدم رؤيتنا إياهم لطافتهم ورؤيتهم إيانا لكثافتنا، واستدلوا بالآية على امتناع رؤيتهم، ولا يخفى أن ما قالوه مجرد دعوى من غير دليل وأن الخبر عن عدم الرؤية من حيث لا ترونهم لا يدل على استحالته، ويمكن أن يستدل على فساد مذهبهم بقوله -صلّى اللّه عليه وسلّم-: «تفلت عليّ البارحة عفريت فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد لتنظروا إليه فذكرت دعوة أخي سليمان فرددته خاسئًا»). [إرشاد الساري: 7/ 125]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما}.
يقول جلّ ثناؤه: يا بني آدم لا يخدعنّكم الشّيطان فيبدي سوآتكم للنّاس بطاعتكم إيّاه عند اختباره لكم، كما فعل بأبويكم آدم وحوّاء عند اختباره إيّاهما فأطاعاه وعصيا ربّهما، فأخرجهما بما سبّب لهما من مكره وخدعه من الجنّة، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللّباس ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترةً.
وقد بيّنّا فيما مضى أنّ معنى الفتنة الاختبار والابتلاء بما أغنى عن إعادته.
وقد اختلف أهل التّأويل في صفة اللّباس الّذي أخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّه نزعه عن أبوينا وما كان، فقال بعضهم: كان ذلك أظفارًا.
ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، عن شريكٍ، عن عكرمة: {ينزع عنهما لباسهما} قال: لباس كلّ دابّةٍ منها، ولباس الإنسان: الظّفر، فأدركت آدم التّوبة عند ظفره، أو قال: أظفاره.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبد الحميد الحمّانيّ، عن نصر بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال: تركت أظفاره عليه زينةً ومنافع في قوله: {ينزع عنهما لباسهما}.
- حدّثني أحمد بن الوليد القرشيّ قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال: أخبرنا مخلد بن الحسين، عن عمرو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاء، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {ينزع عنهما لباسهما}؛ قال: كان لباسهما الظّفر، فلمّا أصابا الخطيئة نزع عنهما، وتركت الأظفار تذكرةً وزينةً.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحمّانيّ قال: حدّثنا شريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمة، في قوله: {ينزع عنهما لباسهما}، قال: كان لباسه الظّفر، فانتهت توبته إلى أظفاره.
وقال آخرون: كان لباسهما نورًا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرٍو، عن وهب بن منبّهٍ: {ينزع عنهما لباسهما}: النّور.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن الزّبير، عن ابن عيينة، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: سمعت وهب بن منبّهٍ، يقول في قوله: {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما}، قال: كان لباس آدم وحوّاء نورًا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا.
وقال آخرون: إنّما عنى اللّه بقوله: {ينزع عنهما لباسهما}: يسلبهما تقوى اللّه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا مطّلب بن زيادٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {ينزع عنهما لباسهما}، قال: التّقوى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا يحيى بن آدم، عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {ينزع عنهما لباسهما} قال: التّقوى.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحمّانيّ قال: حدّثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
والصّواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إنّ اللّه تعالى حذّر عباده أن يفتنهم الشّيطان كما فتن أبويهم آدم وحوّاء، وأن يجرّدهم من لباس اللّه الّذي أنزله إليهم، كما نزع عن أبويهم لباسهما. واللّباس المطلق من الكلام بغير إضافةٍ إلى شيءٍ في متعارف النّاس، هو ما اختار فيه اللاّبس من أنواع الكساء، أو غطّى بدنه أو بعضه.
وإذ كان ذلك كذلك، فالحقّ أن يقال: إنّ الّذي أخبر اللّه عن آدم وحوّاء من لباسهما الّذي نزعه عنهما الشّيطان هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعورتهما، وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرًا، ويجوز أن يكون نورًا، ويجوز أن يكون غير ذلك، ولا خبر عندنا بأيّ ذلك تثبت به الحجّة، فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: {ينزع عنهما لباسهما}.
وأضاف جلّ ثناؤه إلى إبليس إخراج آدم وحوّاء من الجنّة، ونزع ما كان عليهما من اللّباس عنهما، وإن كان اللّه جلّ ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبةً على معصيتهما إيّاه، إذ كان الّذي كان منهما في ذلك عن تشبيه ذلك لهما بمكره وخداعه، فأضيف إليه أحيانًا بذلك المعنى، وإلى اللّه أحيانًا بفعله ذلك بهما.
القول في تأويل قوله تعالى: {إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون}.
يعني جلّ ثناؤه بذلك: إنّ الشّيطان يراكم هو. والهاء في ({إنّه} [البقرة]) عائدةٌ على الشّيطان. وقبيله: يعني وصنفه وجنسه الّذي هو منه، واحدٌ جمعه (قبل) وهم الجنّ.
- كما حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {إنّه يراكم هو وقبيله} قال: الجنّ والشّياطين.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يراكم هو وقبيله} قال: الجنّ والشّياطين.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {إنّه يراكم هو وقبيله}؛ قال: قبيله: نسله.
وقوله: {من حيث لا ترونهم}؛ يقول: من حيث لا ترون أنتم أيّها النّاس الشّيطان وقبيله. {إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون}؛ يقول: جعلنا الشّياطين نصراء الكفّار الّذين لا يوحّدون اللّه ولا يصدّقون رسله). [جامع البيان: 10/ 132-136]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون (27)}
قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة}
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ الواسطيّ، ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد اللّه بن خالدٍ العبسيّ عن عبد الرّحمن بن معقلٍ قال: ذكر الجدّ عند ابن عبّاسٍ: فقال: أيّ أبٍ لكم أكبر؟ فقال: آدم قال: فإنّ اللّه يقول: يا بني آدم.
قوله: {ينزع عنهما لباسهما}
الوجه الأول:
- حدّثنا محمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، ثنا عبد الحميد الحمّانيّ أبو يحيى ثنا النّضر أبو عمر الخزّاز عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: ينزع عنهما لباسهما قال: كان لباس آدم عليه السّلام الظّفر بمنزلة الرّيش على الطّير، فلمّا عصى سقط عنه لباسه، وتركت الأظفار زينة ومنافع.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ بن طلحة ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قال: كان آدم طوله ستّون ذراعًا، فكسى اللّه هذا الجلد وأعانه بالظّفر يحتك به.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا محمّد بن منصورٍ الطّوسيّ ثنا إبراهيم بن مخلدٍ، ثنا رشدين، عن محمّد بن سهلٍ، عن سهلٍ عن أنس بن مالكٍ، قال: كان لباس آدم في الجنّة الياقوت، فلمّا عصى قلص فصار الظّفر.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد المقري، ثنا سفيان عن عمرو بن دينارٍ عن وهب بن منبّهٍ في قوله: {ينزع عنهما لباسهما}؛ قال: كان على كلّ واحدٍ منهما نورٌ، لا يبصر كلٌّ واحدٍ منهما صاحبه.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا محمّد بن عمّارٍ ثنا الوليد بن صالحٍ، ثنا شريكٌ عن ليثٍ عن مجاهدٍ: {ينزع عنهما لباسهما}؛ قال: التّقوى.
قوله تعالى: {ليريهما سوآتهما}
- حدّثنا عليّ بن الحسين بن أشكاب ثنا عليّ بن عاصمٍ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه تعالى خلق آدم، فلمّا ذاق الشّجرة سقط عنه لباسه، فأوّل ما بدا منه عورته فلمّا نظر إلى عورته جعل يشتدّ في الجنّة».
قوله تعالى: {إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قوله: {يراكم هو وقبيله الجنّ والشّياطين}.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: {إنّه يراكم هو وقبيله} قال: وقبيله: نسله.
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ ثنا الحسين بن محمّدٍ المروزيّ ثنا شيبان عن قتادة: قوله: {إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} قال: واللّه إنّ عدوّ اللّه يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1459-1460]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال حدثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد إنه يراكم هو وقبيله قال قبيله الجن والشياطين).[تفسير مجاهد: 234]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {ينزع عنهما لباسهما}؛ قال: التقوى، وفي قوله: {إنه يراكم هو وقبيله}؛ قال: الجن والشياطين
- وأخرج عبد بن حميد عن ابن منبه: {ينزع عنهما لباسهما}؛ قال: النور.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {وقبيله}؛ قال: نسله.
- وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}؛ قال: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله.
- وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: سأل أن يرى ولا يرى وأن يخرج من تحت الثرى وأنه متى شاب عاد فتى فأجيب.
- وأخرج ابن أبي شيبة عن مطرف، أنه كان يقول: لو أن رجلا رأى صيدا والصيد لا يراه فختله ألم يوشك أن يأخذه قالوا: بلى، قال: فإن الشيطان يرانا ونحن لا نراه وهو يصيب منا.
- وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: أيما رجل منكم تخيل له الشيطان حتى يراه فلا يصدن عنه وليمض قدما فإنهم منكم أشد فرقا منكم منهم فإنه إن صد عنه ركبه وإن مضى هرب منه، قال مجاهد: فأنا ابتليت به حتى رأيته فذكرت قول ابن عباس فمضيت قدما فهرب.
- وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن نعيم بن عمر قال: الجن لا يرون الشياطين بمنزلة الإنس). [الدر المنثور: 6/ 354-356]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)}
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): ([ ........ .. ] بن عبد الله عن موسى ابن عبيدة بن نشيط عن محمد بن كعب القرظي: إن المشركين كانوا يطوفون عراة، فكان النهار للرجال والليل للنساء؛ فلما جاء الإسلام ومكارم أخلاقه نهوا عن ذلك؛ قالوا: هذا من عند الله، {وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها}؛ قال الله تبارك وتعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجدٍ}). [الجامع في علوم القرآن: 2/ 121-122]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ - في قوله عزّ وجلّ: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} -، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراةً). [سنن سعيد بن منصور: 5/ 136]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون}.
ذكر أنّ معنى الفاحشة في هذا الموضع ما:
- حدّثني عليّ بن سعيد بن مسروقٍ الكنديّ، قال: حدّثنا أبو محيّاة، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها} قال: كانوا يطوفون بالبيت عراةً يقولون: نطوف كما ولدتنا أمّهاتنا، فتضع المرأة على قبلها النّسعة أو الشّيء فتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ....... فما بدا منه فلا أحلّه
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا}: فاحشتهم أنّهم كانوا يطوفون بالبيت عراةً.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو أسامة، عن مفضّلٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، والشّعبيّ: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا}، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراةً.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها}، قال: كان قبيلةٌ من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراةً، فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، واللّه أمرنا بها.
- حدّثني الحرث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا إسرائيل، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {وإذا فعلوا فاحشةً}؛ قال: طوافهم بالبيت عراةً.
- حدّثني الحرث قال: حدّثنا عبد العزيز قال: حدّثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا}، قال: في طواف الحمس في الثّياب وغيرهم عراةً.
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا}، قال: كان نساؤهم يطفن بالبيت عراةً، فتلك الفاحشة الّتي وجدوا عليها آباءهم، {قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء} الآية.
فتأويل الكلام إذن: وإذا فعل الّذين لا يؤمنون باللّه الّذين جعل اللّه الشّياطين لهم أولياء قبيحًا من الفعل وهو الفاحشة، وذلك تعرّيهم للطّواف بالبيت وتجرّدهم له، فعذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه، قالوا: وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم ونستنّ بسنّتهم، واللّه أمرنا به، فنحن نتّبع أمره فيه.
يقول اللّه جلّ ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل يا محمّد لهم: إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء، يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها، أتقولون أيّها النّاس على اللّه ما لا تعلمون، يقول: أتروون على اللّه أنّه أمركم بالتّعرّي والتّجرّد من الثّياب واللّباس للطّواف، وأنتم لا تعلمون أنّه أمركم بذلك). [جامع البيان: 10/ 137-139]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون (28)}
قوله: {وإذا فعلوا فاحشة}
الوجه الأول:
- حدّثنا محمّد بن العبّاس ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة، قال محمّد بن إسحاق: {وإذا فعلوا فاحشةً}؛ أي إن أتوا فاحشةً.
- حدّثنا أبو زرعة الدّمشقيّ، ثنا محمّد بن بكّارٍ، ثنا سعيد بن بشيرٍ عن قتادة، عن الحسن عن عمران بن الحصين: أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «أرأيتم الزّاني والسّارق وشارب الخمر، ما تقولون فيهم؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: هنّ فواحشٌ وفيهنّ عقوبةٌ».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا مقاتل بن محمّدٍ، ثنا وكيعٌ عن سفيان عن منصورٍ عن إبراهيم: وإذا فعلوا فاحشةً قال: الفاحشة ظلم، والظّلم فاحشةً.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، أنبأ جريرٌ عن منصورٍ عن مجاهدٍ، في قوله: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا}، قال: فاحشتهم أنّهم كانوا يطوفون حول البيت عراةً.
قوله تعالى: {قالوا وجدنا عليها آباءنا}
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قوله: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا}، قال: كان قبيلةٌ من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراةً، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا.
قوله تعالى: {واللّه أمرنا بها}
- وبه عن السّدّيّ: قوله: {واللّه أمرنا بها}، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراةً، قالوا: أمرنا اللّه بها.
قوله تعالى: {قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء ... الآية}.
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا زيد بن الحباب، حدّثني موسى بن عبيدة قال: سمعت محمّد بن كعبٍ القرظيّ قال: كان المشركون الرّجال يطوفون بالبيت بالنّهار عراةً، والنّساء باللّيل عراةً، ويقولون: إنّا وجدنا عليها آباءنا، واللّه أمرنا بها. فلمّا جاء الإسلام وأخلاقه الكريمة نهوا عن ذلك، فقالوا: إنّا وجدنا عليها آباءنا، {واللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء}؛ والفحشاء: الطّواف بالبيت عراةً، يقولون على اللّه ما لا يعلمون). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1460-1461]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا}؛ قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهوا عن ذلك.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وإذا فعلوا فاحشة}؛ قال: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون حول البيت عراة.
- وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وإذا فعلوا فاحشة ... الآية}، قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك قالوا: وجدنا عليها آباءنا وأمرنا الله بها.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان المشركون الرجال يطوفون بالبيت بالنهار عراة والنساء بالليل عراة ويقولون: إنا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها فلما جاء الإسلام وأخلاقه الكريمة نهوا عن ذلك
- وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: والله ما أكرم الله عبدا قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمر بها ولكن رضي لكم بطاعته ونهاكم عن معصيته). [الدر المنثور: 6/ 356-357]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)}

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): ([ ........ .. ] بن عبد الله عن موسى ابن عبيدة بن نشيط عن محمد بن كعب القرظي: إن المشركين كانوا يطوفون عراة، فكان النهار للرجال والليل للنساء؛ فلما جاء الإسلام ومكارم أخلاقه نهوا عن ذلك؛ قالوا: هذا من عند الله، {وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها}؛ قال الله تبارك وتعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجدٍ}). [الجامع في علوم القرآن: 2/ 121-122] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة: {كما بدأكم تعودون}، قال كما بدأهم فخلقهم ولم يكونوا شيئا ثم ذهبوا ثم نعيدهم.
قال معمر، وقال الكلبي: كما خلقهم كذلك يعودون من خلقه مؤمنا وكافرا أعاده كما بدأه.
أخبرني الثوري عن وقاء بن إياس عن مجاهد قال يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 225-226]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري]، عن وقاء ابن إياسٍ، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: يبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرا .
سفيان [الثوري] عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يبعث كلّ عبدٍ على ما مات عليه المؤمن على إيمانه والكافر على كفره»). [تفسير الثوري: 112]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدّين}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه: {قل} يا محمّد لهؤلاء الّذين يزعمون أنّ اللّه أمرهم بالفحشاء كذبًا على اللّه: ما أمر ربّي بما تقولون، بل {أمر ربّي بالقسط} يعني: بالعدل.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {قل أمر ربّي بالقسط}: بالعدل.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {قل أمر ربّي بالقسط} والقسط: العدل.
وأمّا قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}، فإنّ أهل التّأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وجّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصّلاة إلى الكعبة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ} إلى الكعبة حيثما صلّيتم في الكنيسة وغيرها.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}، قال: إذا صلّيتم فاستقبلوا الكعبة في كنائسكم وغيرها.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}، هو المسجد: الكعبة.
- حدّثنا المثنّى قال: حدّثنا إسحاق قال: حدّثنا خالد بن عبد الرّحمن، عن عمر بن ذرٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}، قال: الكعبة حيثما كنت.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}؛ قال: أقيموها للقبلة، هذه القبلة الّتي أمركم اللّه بها.
وقال آخرون: بل عنى بذلك: واجعلوا سجودكم للّه خالصًا دون ما سواه من الآلهة والأنداد.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}، قال: في الإخلاص أن لا تدعوا غيره، وأن تخلصوا له الدّين.
وأولى هذين التّأويلين بتأويل الآية ما قاله الرّبيع، وهو أنّ القوم أمروا أن يتوجّهوا بصلاتهم إلى ربّهم، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم للّه خالصًا، لا مكاء ولا تصدية.
وإنّما قلنا ذلك أولى التّأويلين بالآية، لأنّ اللّه إنّما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب لم يكونوا أهل كنائس وبيعٍ، وإنّما كانت الكنائس والبيع لأهل الكتابين، فغير معقولٍ أن يقال لمن لا يصلّي في كنيسةٍ ولا بيعةٍ: وجّه وجهك إلى الكعبة في كنيسةٍ أو بيعةٍ.
وأمّا قوله: {وادعوه مخلصين له الدّين} فإنّه يقول: واعملوا لربّكم مخلصين له الدّين والطّاعة، لا تخلطوا ذلك بشركٍ ولا تجعلوا في شيءٍ ممّا تعملون له شريكًا.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {وادعوه مخلصين له الدّين} قال: أن تخلصوا له الدّين والدّعوة والعمل، ثمّ توجّهون إلى البيت الحرام). [جامع البيان: 10/ 139-142]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون (29) فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {كما بدأكم تعودون}، فقال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تبعثون يوم القيامة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}، قال: إنّ اللّه سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جلّ ثناؤه: {هو الّذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ}، ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، قال: حدّثنا أصحابنا، عن ابن عبّاسٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يحيى بن الضّريس، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن رجلٍ، عن جابرٍ، قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول اللّه فيهم: {كما بدأكم تعودون}؟ ألم تسمع قوله: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}؟.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية: {كما بدأكم تعودون}، قال: ردّوا إلى علمه فيهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو همّامٍ الأهوازيّ، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة، عن محمّد بن كعبٍ، في قوله: {كما بدأكم تعودون}، قال: من ابتدأ اللّه خلقه على الشّقوة صار إلى ما ابتدأ اللّه خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل السّعادة، كما أنّ إبليس عمل بأعمال أهل السّعادة ثمّ صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السّعادة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشّقاء، كما أنّ السّحرة عملت بأعمال أهل الشّقاء ثمّ صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن وقاء بن إياس أبي يزيد، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو دكينٍ قال: حدّثنا سفيان، عن أبي يزيد، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا محمّد بن أبي الوضّاح، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ: {كما بدأكم تعودون}، قال: كما كتب عليكم تكونون.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحمّانيّ قال: حدّثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، مثله.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}، يقول: {كما بدأكم تعودون} كما خلقناكم، فريقٌ مهتدون وفريقٌ ضالٌّ، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمّهاتكم.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن سفيان، عن جابرٍ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تبعث كلّ نفسٍ على ما كانت عليه».
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو داود الحفريّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {كما بدأكم تعودون} قال: كما كتب عليكم تكونون.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحمّانيّ قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}: شقيًّا وسعيدًا.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا سويدٌ قال: أخبرنا ابن المبارك قراءةً عن مجاهدٍ، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا تعودون بعد الفناء.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا غندرٌ، عن عوفٍ، عن الحسن: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا فأحياكم، كذلك يميتكم ثمّ يحييكم يوم القيامة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا عبد الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسن: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: كما بدأكم في الدّنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياءً.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثمّ ذهبوا ثمّ يعيدهم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى} يقول: كما خلقناكم أوّل مرّةٍ كذلك تعودون.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {كما بدأكم تعودون}: يحييكم بعد موتكم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {كما بدأكم تعودون} قال: كما خلقهم أوّلاً، كذلك يعيدهم آخرًا.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصّواب، القول الّذي قاله من قال معناه: كما بدأكم اللّه خلقًا بعد أن لم تكونوا شيئًا تعودون بعد فنائكم خلقًا مثله، يحشركم إلى يوم القيامة، لأنّ اللّه تعالى أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهل جاهليّةٍ لا يؤمنون بالمعاد ولا يصدّقون بالقيامة، فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأنّ اللّه باعثهم يوم القيامة ومثيبٌ من أطاعه ومعاقبٌ من عصاه، فقال له: قل لهم: أمر ربّي بالقسط، وأن أقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ، وأن ادعوه مخلصين له الدّين، وأن أقرّوا بأن كما بدأكم تعودون، فترك ذكر (وأن أقرّوا بأن) كما ترك ذكر (أن) مع (أقيموا)، إذ كان فيما ذكر دلالةٌ على ما حذف منه.
وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء من كان جاحدًا النّشور بعد الممات إلى الإقرار بالصّفة الّتي عليها ينشر من نشر، وإنّما يؤمر بالدّعاء إلى ذلك من كان بالبعث مصدّقًا، فأمّا من كان له جاحدًا فإنّما يدعى إلى الإقرار به ثمّ يعرف كيف شرائط البعث.
على أنّ في الخبر الّذي روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي:
- حدّثناه محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يحشر النّاس عراةً غرلاً، وأوّل من يكسى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم»، ثمّ قرأ: {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا إسحاق بن يوسف قال: حدّثنا سفيان، عن المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، بنحوه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموعظةٍ فقال: «يا أيّها النّاس، إنّكم تحشرون إلى اللّه حفاةً غرلاً {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين}».
ما يبيّن صحّة القول الّذي قلنا في ذلك، من أنّ معناه: أنّ الخلق يعودون إلى اللّه يوم القيامة خلقًا أحياءً كما بدأهم في الدّنيا خلقًا أحياءً.
يقال منه: بدأ اللّه الخلق يبدؤهم وأبدأهم يبدئهم إبداءً بمعنى خلقهم، لغتان فصيحتان.
ثمّ ابتدأ الخبر جلّ ثناؤه عمّا سبق من علمه في خلقه وجرى به فيهم قضاؤه، فقال: هدى اللّه منهم فريقًا فوفّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون، وحقّ على فريقٍ منهم الضّلالة عن الهدى والرّشاد، باتّخاذهم الشّيطان من دون اللّه وليًّا.
وإذا كان التّأويل هذا، كان الفريق الأوّل منصوبًا بإعمال هدى فيه، والفريق الثّاني بوقوع قوله حقّ على عائدٍ ذكره في عليهم، كما قال جلّ ثناؤه: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذابًا أليمًا}.
ومن وجّه تأويل ذلك إلى أنّه كما بدأكم في الدّنيا صنفين: كافرًا، ومؤمنًا، كذلك تعودون في الآخرة فريقين: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة} نصب (فريقًا) الأوّل بقوله: (تعودون)، وجعل الثّاني عطفًا عليه. وقد بيّنّا الصّواب عندنا من القول فيه). [جامع البيان: 10/ 142-148]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدّين كما بدأكم تعودون (29)}
قوله تعالى: {قل أمر ربّي بالقسط}
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: قوله: {بالقسط}؛ قال: بالعدل. وروي عن السّدّيّ: ومجاهدٍ وقتادة مثل ذلك.
قوله تعالى: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ إلى الكعبة حيث صلّيتم، في كنيسة أو غيرها.
قوله: {وادعوه مخلصين له الدّين}
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع عن أبي العالية: {وادعوه مخلصين له الدّين}، كما بدأكم تعودون، يقول: أخلصوا له الدّين كما بدأكم في زمان آدم حيث فطرهم على الإسلام يقول: فادعوه كذلك، وقوله: وادعوه مخلصين له الدّين في شأن الإخلاص أن لا يدعون إلهًا غيره وأن يخلصوا له الدّين والدّعوة والعمل ثمّ يوجّهون وجوههم إلى البيت الحرام.
قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون}
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ بدأ كلّ خلقٍ من آدم: مؤمنٌ وكافرٌ، كما قال: هو الّذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ ثمّ يعيدكم يوم القيامة كما بدأ خلقكم، مؤمنٌ وكافرٌ.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو نعيمٍ ثنا سفيان عن أبي يزيد عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: يبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا.
- حدّثنا كثير بن شهابٍ المذحجيّ القزوينيّ ثنا محمّد بن سعيد بن سابقٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ عن أبي العالية في قوله: كما بدأكم تعودون قال: عادوا إلى علم اللّه فيهم ألا ترى أنّه يقول: فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا أبو يحيى إسحاق بن سليمان الرّازيّ عن موسى بن عبيدة، عن محمّد بن كعبٍ: {كما بدأكم تعودون} قال: من ابتدأ اللّه خلقه على الهدى والسّعادة صيّره إلى ما ابتدأ عليه خلقه كما فعل بالسّحرة ابتدأ خلقهم على الهدى والسّعادة حتّى توفّاهم مسلمين، وكما فعل بإبليس، ابتدأ خلقه على الكفر والضّلالة، وعمل بعمل الملائكة فصيّره اللّه إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الكفر، قال اللّه تعالى: وكان من الكافرين.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ حدّثني أبي حدّثني عمّي عن أبيه عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ يقول: كما خلقناكم أوّل مرّةٍ كذلك تعودون.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ كما خلقناكم كذلك تعودون، تخرجون من بطون أمهاتكم.
وروي عن سعيد بن جبيرٍ قال: كما كتب عليكم تكونون.
وروي عن النّخعيّ وابن رزينٍ قالا: إلى علمه تصيرون). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1462-1463]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد}؛ يقول اجعلوا وجوهكم عند كل مسجد إلى الكعبة حيث ما صليتم في كنيسة أو غيرها).[تفسير مجاهد: 234]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة يعني شقيا وسعيدا). [تفسير مجاهد: 235]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {قل أمر ربي بالقسط}؛ قال: بالعدل، {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد}؛ قال: إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها {كما بدأكم تعودون} قال: شقي أو سعيد.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون}؛ يقول: أخلصوا له الدين كما بدأكم في زمان آدم حيث فطرهم على الإسلام يقول: فادعوه كذلك لا تدعو لها غيره وأمرهم أن يخلصوا له الدين والدعوة والعمل ثم يوجهوا وجوههم إلى البيت الحرام.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كما بدأكم تعودون} الآية قال: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا كما قال: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا.
- وأخرج ابن جرير، عن جابر في الآية قال: يبعثون على ما كانوا عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {كما بدأكم تعودون} {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة}.
- وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى والسعادة صيره إلى ما ابتدأ عليه خلقه كما فعل بالسحرة ابتدأ خلقهم على الهدى والسعادة حتى توفاهم مسلمين وكما فعل إبليس ابتدأ خلقه على الكفر والضلالة وعمل بعمل الملائكة فصيره الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الكفر، قال الله تعالى: {وكان من الكافرين} [البقرة: 34].
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ يقول: كما خلقناكم أول مرة كذلك تعودون.
- وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن في قوله: {كما بدأكم تعودون} قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئا فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.
- وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: خلقهم من التراب وإلى التراب يعودون، قال: وقيل في الحكمة: ما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود وما تكبر من هو اليوم حي وغدا يموت وإن الله وعد المتكبرين أن يضعهم ويرفع المستضعفين، فقال: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] ثم قال: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون}
- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: إن تموتوا يحسب المهتدي أنه على هدى ويحسب الغني أنه على هدى حتى يتبين له عند الموت وكذلك تبعثون يوم القيامة، وذلك قوله: {ويحسبون أنهم مهتدون}.
- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن سعيد بن جبير {كما بدأكم تعودون} قال: كما كتب عليكم تكونون {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة}.
- وأخرج أبو الشيخ عن عمر بن أبي معروف قال: حدثني رجل ثقة في قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: قلفا بظرا.
- وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن وهب العبدي، أن تأويل هذه الآية: {كما بدأكم تعودون} تكون في آخر هذه الأمة.
- وأخرج البخاري في الضعفاء عن عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أن الله تعالى يمسخ خلقا كثيرا وأن الإنسان يخلو بمعصيته فيقول الله تعالى استهانة بي فيمسخه ثم يبعثه يوم القيامة إنسانا يقول: {كما بدأكم تعودون} ثم يدخله النار»). [الدر المنثور: 6/ 357-361]

تفسير قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}

قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنّهم مهتدون}
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو عوانة، عن عطاء بن السّائب، عن من، سمع ابن عبّاسٍ، ذكر القدريّة، فقال: قاتلهم اللّه، أليس قد قال اللّه عزّ وجل: {بدأكم تعودون. فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}؟). [سنن سعيد بن منصور: 5/ 137]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون (29) فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}.
اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: {كما بدأكم تعودون}، فقال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تبعثون يوم القيامة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}، قال: إنّ اللّه سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جلّ ثناؤه: {هو الّذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ}، ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، قال: حدّثنا أصحابنا، عن ابن عبّاسٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا يحيى بن الضّريس، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع، عن رجلٍ، عن جابرٍ، قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول اللّه فيهم: {كما بدأكم تعودون}؟ ألم تسمع قوله: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}؟.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبيد اللّه، عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية: {كما بدأكم تعودون}، قال: ردّوا إلى علمه فيهم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو همّامٍ الأهوازيّ، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة، عن محمّد بن كعبٍ، في قوله: {كما بدأكم تعودون}، قال: من ابتدأ اللّه خلقه على الشّقوة صار إلى ما ابتدأ اللّه خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل السّعادة، كما أنّ إبليس عمل بأعمال أهل السّعادة ثمّ صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السّعادة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشّقاء، كما أنّ السّحرة عملت بأعمال أهل الشّقاء ثمّ صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن وقاء بن إياس أبي يزيد، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو دكينٍ قال: حدّثنا سفيان، عن أبي يزيد، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون} قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا محمّد بن أبي الوضّاح، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ: {كما بدأكم تعودون}، قال: كما كتب عليكم تكونون.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحمّانيّ قال: حدّثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، مثله.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}، يقول: {كما بدأكم تعودون} كما خلقناكم، فريقٌ مهتدون وفريقٌ ضالٌّ، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمّهاتكم.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن سفيان، عن جابرٍ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تبعث كلّ نفسٍ على ما كانت عليه».
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا أبو داود الحفريّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {كما بدأكم تعودون} قال: كما كتب عليكم تكونون.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحمّانيّ قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}: شقيًّا وسعيدًا.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا سويدٌ قال: أخبرنا ابن المبارك قراءةً عن مجاهدٍ، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا تعودون بعد الفناء.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا غندرٌ، عن عوفٍ، عن الحسن: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا فأحياكم، كذلك يميتكم ثمّ يحييكم يوم القيامة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا عبد الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسن: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: كما بدأكم في الدّنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياءً.
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثمّ ذهبوا ثمّ يعيدهم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {كما بدأكم تعودون فريقًا هدى}؛ يقول: كما خلقناكم أوّل مرّةٍ كذلك تعودون.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {كما بدأكم تعودون}: يحييكم بعد موتكم.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {كما بدأكم تعودون}؛ قال: كما خلقهم أوّلاً، كذلك يعيدهم آخرًا.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصّواب، القول الّذي قاله من قال معناه: كما بدأكم اللّه خلقًا بعد أن لم تكونوا شيئًا تعودون بعد فنائكم خلقًا مثله، يحشركم إلى يوم القيامة، لأنّ اللّه تعالى أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهل جاهليّةٍ لا يؤمنون بالمعاد ولا يصدّقون بالقيامة، فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأنّ اللّه باعثهم يوم القيامة ومثيبٌ من أطاعه ومعاقبٌ من عصاه، فقال له: قل لهم: أمر ربّي بالقسط، وأن أقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ، وأن ادعوه مخلصين له الدّين، وأن أقرّوا بأن كما بدأكم تعودون، فترك ذكر (وأن أقرّوا بأن) كما ترك ذكر (أن) مع (أقيموا)، إذ كان فيما ذكر دلالةٌ على ما حذف منه.
وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء من كان جاحدًا النّشور بعد الممات إلى الإقرار بالصّفة الّتي عليها ينشر من نشر، وإنّما يؤمر بالدّعاء إلى ذلك من كان بالبعث مصدّقًا، فأمّا من كان له جاحدًا فإنّما يدعى إلى الإقرار به ثمّ يعرف كيف شرائط البعث.
على أنّ في الخبر الّذي روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي:
- حدّثناه محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «يحشر النّاس عراةً غرلاً، وأوّل من يكسى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ قرأ: {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين}».
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا إسحاق بن يوسف قال: حدّثنا سفيان، عن المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، بنحوه.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموعظةٍ فقال: يا أيّها النّاس، إنّكم تحشرون إلى اللّه حفاةً غرلاً {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين}.
ما يبيّن صحّة القول الّذي قلنا في ذلك، من أنّ معناه: أنّ الخلق يعودون إلى اللّه يوم القيامة خلقًا أحياءً كما بدأهم في الدّنيا خلقًا أحياءً.
يقال منه: بدأ اللّه الخلق يبدؤهم وأبدأهم يبدئهم إبداءً بمعنى خلقهم، لغتان فصيحتان.
ثمّ ابتدأ الخبر جلّ ثناؤه عمّا سبق من علمه في خلقه وجرى به فيهم قضاؤه، فقال: هدى اللّه منهم فريقًا فوفّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون، وحقّ على فريقٍ منهم الضّلالة عن الهدى والرّشاد، باتّخاذهم الشّيطان من دون اللّه وليًّا.
وإذا كان التّأويل هذا، كان الفريق الأوّل منصوبًا بإعمال هدى فيه، والفريق الثّاني بوقوع قوله حقّ على عائدٍ ذكره في عليهم، كما قال جلّ ثناؤه: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذابًا أليمًا}.
ومن وجّه تأويل ذلك إلى أنّه كما بدأكم في الدّنيا صنفين: كافرًا، ومؤمنًا، كذلك تعودون في الآخرة فريقين: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة} نصب (فريقًا) الأوّل بقوله: (تعودون)، وجعل الثّاني عطفًا عليه. وقد بيّنّا الصّواب عندنا من القول فيه). [جامع البيان: 10/ 142-148] (م)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون}.
يقول تعالى ذكره: إنّ الفريق الّذي حقّ عليهم الضّلالة إنّما ضلّوا عن سبيل اللّه وجاروا عن قصد المحجّة، باتّخاذهم الشّياطين نصراء من دون اللّه وظهراء، جهلاً منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنّون أنّهم على هدًى وحقٍّ، وأنّ الصّواب ما أتوه وركبوا.
وهذا من أبين الدّلالة على خطأ قول من زعم أنّ اللّه لا يعذّب أحدًا على معصيةٍ ركبها أو ضلالةٍ اعتقدها إلاّ أن يأتيها بعد علمٍ منه بصواب وجهها فيركبها عنادًا منه لربّه فيها، لأنّ ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضّلالة الّذي ضلّ وهو يحسب أنّه هادٍ وفريق الهدى فرقٌ، وقد فرّق اللّه بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية). [جامع البيان: 10/ 148-149]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون (30) }
قوله تعالى: {فريقًا هدى}
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن أبي جعفرٍ عن الربيع ابن أنسٍ عن أبي العالية، في قوله:
{فريقًا هدى} قال: في علمه.
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ فيما كتب إليّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ: قوله:
{فريقًا هدى} يقول: فريقًا مهتدين.
- وبه عن السّدّيّ: قوله: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}؛ يقول: فريقٌ ضلالٌ.
قوله تعالى: {إنّهم اتّخذوا الشّياطين}
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدّشتكيّ، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع، في قوله: {كما بدأكم تعودون} خلقهم من التراب وإلى التراب يعود، وما تكبّر من هو اليوم حيٌّ وغدًا يموت، وإنّ اللّه عزّ وجلّ وعد المتكبّرين أن يضعهم ويرفع المستضعفين فقال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى ثمّ قال: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة ذلك بأنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون}
قوله تعالى: {ويحسبون أنّهم مهتدون}
- ذكر عن دحيم بن إبراهيم، ثنا يحيى بن حسّان، عن أفلح بن حميدٍ عن المغيرة ابن الجعد عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ: {كما بدأكم تعودون} قال: إن تموتوا يحسب المهتدي أنّه على هدًى، ويحسب الغنيّ أنّه على هدًى، حتّى يتبيّن له عند الموت، وكذلك تبعثون يوم القيامة، وذلك قوله: {ويحسبون أنّهم مهتدون}). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 1463-1464]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24 ربيع الثاني 1434هـ/6-03-2013م, 11:41 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}


تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً...}
"ورياشا". فإن شئت جعلت رياش جميعا واحده الريش، وإن شئت جعلت الرياش مصدرا في معنى الريش كما يقال لبس ولباس؛ قال الشاعر:
فلما كشفن اللّبس عنه مسحنه ....... بأطراف طفلٍ زان غيلا موشّما
وقوله: {وريشاً ولباس التقوى} و"لباس التقوى" يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويجعل (ذلك) من نعته. وهي في قراءة أبيّ وعبد الله جميعا: ولباس التقوى خير. وفي قراءتنا (ذلك خير) فنصب اللباس أحب إليّ؛ لأنه تابع الريش، (ذلك خير) فرفع خير بذلك). [معاني القرآن: 1/ 376]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ورياشاً} الرياش والريش واحد)، وهو ما ظهر من اللباس والشارة وبعضهم يقول: أعطاني رجلاً بريشه أي بكسوته وجهازه وكذلك السرج بريشه، والرياش أيضاً: الخصب والمعاش). [مجاز القرآن: 1/ 213]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكّرون}
وقال: {قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التّقوى ذلك خيرٌ} فرفع قوله: {ولباس التّقوى} على الابتداء وجعل خبره في قوله: {ذلك خيرٌ} وقد نصب بعضهم {ولباس التّقوى} وقرأ بعضهم {وريشاً} وبها نقرأ وكلّ حسنٌ ومعناه واحد). [معاني القرآن: 2/ 4-5]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({الريش}: والرياش واحد وهو ما ظهر من اللباس). [غريب القرآن وتفسيره: 145]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ((و الرّيش) و(الرّياش): ما ظهر من اللباس. وريش الطائر:
ما ستره اللّه به.
{ولباس التّقوى ذلك خيرٌ} أي خير من الثياب، لأن الفاجر وإن كان حسن الثوب فإنه بادي العورة. و«ذلك» زائدة قال الشاعر في مثل هذا المعنى:
إنّي كأنّي أرى من لا حياء له ولا أمانة وسط القوم عريانا
وقيل في التفسير: إن لباس التقوى: الحياء). [تفسير غريب القرآن: 166]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (وقال في موضع آخر: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى}، أي ما ظهر عنه من السّكينة والإخبات والعمل الصالح، وكما تقول: تعرّفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، وَذُقْتُ بمعنى: تعرَّفت، واللّباس: بمعنى سُوءِ الأثرِ، كذلك تقول: ذقت لباس الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك). [تأويل مشكل القرآن: 165]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه قوله سبحانه: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
وأصل الذَّوَاقِ: بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول في الكلام: ناظر فلانا وَذُقْ ما عنده، أي تعرّف واختبر، واركب الفرس وَذُقْهُ.
قال الشمّاخ في وصف قوس:
فَذَاقَ فأعطته من اللّين جانبا ....... كَفَى وَلَها أن تُفْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ
يريد: أنه ذاق القوس بالنَّزع فيها ليعلم أليِّنَةٌ هي أم صَلبة؟
وقال آخر:
وإنَّ الله ذاق حُلُوم قيس ....... فلمّا راء خِفَّتَها قلاها
وهذه الآية نزلت في أهل مكة، وكانوا آمنين بها لا يغار عليهم، مطمئنين لا ينتجعون ولا يتنقَّلون، فأبدلهم الله بالأمن الخوف من سرايا رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- وبعوثه، وبالكفاية الجوع سبع سنين، حتى أكلوا القِدَّ والعظام.
ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضّمر والشّحوب ونهكة البدن، وتغيّر الحال، وكسوف البال.
وقال في موضع آخر: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى}، أي ما ظهر عنه من السّكينة والإخبات والعمل الصالح، وكما تقول: تعرّفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان، وَذُقْتُ بمعنى: تعرَّفت، واللّباس: بمعنى سُوءِ الأثرِ، كذلك تقول: ذقت لباس الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك). [تأويل مشكل القرآن: 164-165]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم}
قال مجاهد: كان قوم من العرب يطوفون بالبيت عراة فأنزل الله عز وجل:{يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا}
قال مجاهد الريش المال.
وقال الكسائي الريش اللباس.
وقال أبو عبيدة الريش والرياش ما ظهر من اللباس والشارة.
والريش عند أكثر أهل اللغة ما ستر من لباس أو معيشة، وأنشد سيبويه:
فريشي منكم وهواي معكم ....... وإن كانت زيارتكم لماما
وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة وهبت له دابة بريشها أي بكسوتها وما عليها من اللباس
قال الفراء يكون الرياش جمعا للريش وبمعناه أيضا مثل
لبس ولباس
ثم قال جل وعز: {ولباس التقوى ذلك خير}
أي لباس التقوى خير من الثياب لأن الفاجر وإن لبس الثياب فهو دنس
وروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبد الجهيني قال لباس التقوى الحياء
وقرأ الأعمش ولباس التقوى خير ولم يقرأ ذلك). [معاني القرآن: 3/ 22-24]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( {وريشا}: كل شيء يعيش به الإنسان، فهو ريش من مال أو متاع أو مأكول أو مشروب، قال: والرياش مثله). [ياقوتة الصراط: 228]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ) : ( {ولباس التقوى}؛ قال: هو الحياء). [ياقوتة الصراط: 228]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( (والريش) و(الرِياش) ما ظهر من الثياب). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 84]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {الرِيش}: اللباس). [العمدة في غريب القرآن: 134]

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {إنّه يراكم هو وقبيله} أي وجيله الذي هو منه). [مجاز القرآن: 1/ 213]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {هو وقبيله}: شيعته وأمته). [غريب القرآن وتفسيره: 145]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {إنّه يراكم هو وقبيله} أصحابه: وجنده). [تفسير غريب القرآن: 166]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون (27)}
(حيث) في موضوع جر إلا أنها بنيت على الضّم، وأصلها أن تكون موقوفة، لأنها ليست لمكان بعينه وأن ما بعدها صلة لها، ليست بمضافة إليه.
من العرب من يقول: ومن حيث خرجت، فيفتح لالتقاء السّاكنين، ومنهم من يقول من حوث خرجت.
ولا تقرأ بهاتين اللغتين لأنهما لم يقرأ بواحد منهما ولا هما في جودة حيث المبنيّة على الضم.
وقوله: {إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون}.
(جعلنا) في اللغة على ضروب، منها جعلت بعض الشيء فوق بعض.
أي عملته وهيأته على هذه الصيغة، ومنها جعل - زيد فلانا عاقلا، تأويله: سماه عاقلا، ومنها جعل يقول كذا وكذا، تأويله أنه أخذ في القول.
فأما معنى الآية فعلى ضربين - واللّه أعلم -:
أحدهما: أن يكون الكفار عوقبوا بأن سلّطت عليهم الشياطين تزيدهم في غيّهم عقوبة على كفرهم كما قال عزّ وجلّ: {ألم تر أنّا أرسلنا الشّياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا (83)}.
أي تحملهم على المعاصي حملا شديدا، تزعجهم في شدّة الغي.
ويجوز إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، أي سوينا بين الشياطين والكافرين في الذهاب عن اللّه. كما قال: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} ). [معاني القرآن: 2/ 329-330]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}قبيله جنوده
قال مجاهد يعني الجن والشياطين). [معاني القرآن: 3/ 24]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {قَبِيلُهُ}: شيعته). [العمدة في غريب القرآن: 134]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)}

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون (28)}
معنى الفاحشة: ما يشتد قبحه من الذنوب.
{قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها}.
فأعلم اللّه - عزّ وجلّ - أنه لا يأمر بالفحشاء لأن حكمته وجميع ما خلق تدل على أنه لا يفعل إلا المستحسن، فكيف يأمر بالفحشاء.
وقد احتج عليهم في غير هذا الموضوع بما قد بينّاه في سورة الأنعام). [معاني القرآن: 2/ 330]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا}
قال مجاهد كانت النساء تطوف بالبيت عراة عليهن الرهاط وقال الرهاط جمع رهط خرقة من صوف أو سيور كذا قال الفراء: فهذه الفاحشة الذي قالوا وجدنا عليها آباءنا.
وقال غيره كان الرجال يطوفون نهارا عراة والنساء بالليل ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها). [معاني القرآن: 3/ 25]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)}

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ...}
يقول: إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد فصلّ فيه، ولا تقولن: آتي مسجد قومي. فإن كان في غير وقت الصلاة صليت حيث شئت). [معاني القرآن: 1/ 377]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {كما بدأكم تعودون...}
يقول: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، فكذلك تعودون على الشقاء والسعادة). [معاني القرآن: 1/ 377]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ} يقول: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد من المساجد، فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم: لا أصلي حتى آتي مسجدي). [تفسير غريب القرآن: 167]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجد وادعوه مخلصين له الدّين كما بدأكم تعودون (29)}
أي بالعدل، فكيف يأمر بالفحشاء من يعلم أنه لا يفعل إلا الحكمة.
ولا يثبت إلا العدل من أمره، فإذا كان يأمر بالعدل - والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميز - فكيف بالفحشاء، والفحشاء ما عظم قبحه.
ثم وبّخهم فقال: {أتقولون على اللّه ما لا تعلمون} أي أتكذبونه.
وقوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجد}أي وقت كل صلاة اقصدوه بصلاتكم). [معاني القرآن: 2/ 330]
{وادعوه مخلصين له الدّين}؛ أي مخلصين له الطاعة.
احتج عليهم في إنكارهم البعث وهو متصل بقوله: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون}.
فقال: {كما بدأكم تعودون}؛ أي فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم). [معاني القرآن: 2/ 331]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {قل أمر ربي بالقسط}؛ أي بالعدل.
{وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد}؛
قال مجاهد: أي استقبلوا القبلة أينما كنتم ولو كنتم في كنيسة.
وقال غيره معناه إذا أدركتكم الصلاة في مسجد فصلوا ولا يقل أحدكم لا أصلي إلا في مسجدي.
ثم قال جل وعز: { كما بدأكم تعودون}
قال مجاهد: من بدئ سعيدا عاد سعيدا ومن بدئ شقيا عاد شقيا.
وقال محمد بن كعب: يختم للمرء بما بدئ به ألا ترى أن السحرة كانوا كفارا ثم ختم لهم بالسعادة وأن إبليس كان مع الملائكة مؤمنا ثم عاد إلى ما بدئ به). [معاني القرآن: 3/ 25-26]

تفسير قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة...}
ونصب الفريق بتعدون، وهي في قراءة أبيّ: تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضلالة. ولو كانا رفعا كان صوابا؛ كما قال تبارك وتعالى: {كان لكم آيةٌ في فئتين التقتا فئةٌ تقاتل في سبيل اللّه وأخرى كافرةٌ} و"فئةً" ومثله: {وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السّعير}. وقد يكون الفريق منصوبا بوقوع "هدى" عليه؛ ويكون الثاني منصوبا بما وقع على عائد ذكره من الفعل؛ كقوله: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً}). [معاني القرآن: 1/ 377]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة} نصبهما جميعاً على إعمال الفعل فيهما أي هدى فريقاً ثم أشرك الآخر في نصب الأول وإن لم يدخل في معناه؛ والعرب تدخل الآخر المشرك بنصب ما قبله على الجوار وإن لم يكن في معناه، وفي آية أخرى: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً}؛ وخرج فعل الضلالة مذكراً والعرب تفعل ذلك إذا فرّقوا بين الفعل وبين المؤنثة لقولهم: مضى من الشهر ليلة). [مجاز القرآن: 1/ 213]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مّهتدون}
وقال: {وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة} فذكّر الفعل لما فصل كما قال: {لا يؤخذ منكم فديةٌ} ). [معاني القرآن: 2/ 5]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون (30)}
معناه إنه أضل فريقا حق عليهم الضلالة.
ثم قال: {إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه}
ولو قرئت أنّهم اتخذوا الشياطين لكانت تجوز، ولكن الإجماع على الكسر.
وقوله: {ويحسبون أنّهم مهتدون}.
يدل على أن دوما ينتحلون الإسلام ويزعمون أن من كان كافرا، وهو لا يعلم إنّه كافر فليس بكافر مبطلون لأمر نحلتهم، لأن الله جل ثناؤه قد أعلمنا أنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولا اختلاف بين أهل اللغة في أن الحسبان ليس تأويله غير ما يعلم من معنى حسب.
والدليل على أن الله قد سماهم بظنهم كفرة قوله عزّ وجل: {وما خلقنا السّماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنّ الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النّار (27)}.
فأعلم أنهم بالظن كافرون، وأنهم معذبون). [معاني القرآن: 2/ 331]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الأولى 1434هـ/12-03-2013م, 11:44 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) }


تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) }


تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) }

تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) }


تفسير قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (هذا باب ما يختار فيه إعمال الفعل مما يكون في المبتدأ مبنياً عليه الفعل وذلك قولك رأيت زيدا وعمراً كلّمته ورأيت عبد الله وزيداً مررت به ولقيت قيسا وبكراً أخذت أباه ولقيت خالدا وزيدا اشتريت له ثوبا.
وإنّما اختير النصب ههنا لأنّ الاسم الأوّل مبنىٌّ على الفعل فكان بناء الآخر على الفعل أحسن عندهم إذ كان يبنى على الفعل وليس قبله اسمٌ مبنىٌّ على الفعل ليجرى الآخر على ما جرى عليه الذي يليه قبله إذ كان
لا ينقص المعنى لو بنيته على الفعل. وهذا أولى أن يحمل عليه ما قرب جواره منه إذ كانوا يقولون ضربوني وضربت قومك لأنّه يليه فكان أن يكون الكلام على وجهٍ واحدٍ إذا كان لا يمتنع الآخر من أن يكون مبنياً على ما بني عليه الأول أقرب في المأخذ.
ومثل ذلك قوله عزّ وجل: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما}. وقوله عزّ وجلّ: {وعاداً وثموداً وأصحاب الرّس وقروناً بين ذلك كثيراً وكلاّ ضربنا له الأمثال}. ومثله: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة}. وهذا في القرآن كثير.
ومثل ذلك كنت أخاك وزيدا كنت له أخاً لأنّ كنت أخاك بمنزلة ضربت أخاك. وتقول لست أخاك وزيدا أعنتك عليه لأنها فعلّ وتصرّف في معناها كتصرّف كان. وقال الشاعر وهو الربيع بن ضبعٍ الفزاريّ:
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ....... أملك رأس البعير إن نفرا
والذّئب أخشاه إن مررت به
....... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
وقد يبتدأ فيحمل على مثل ما يحمل عليه وليس قبله منصوب وهو عربي جيد. وذلك قولك لقيت زيدا وعمروٌ كلّمته كأنّك قلت لقيت زيدا وعمروٌ أفضل منه. فهذا لا يكون فيه إلاّ الرفع لأنّك لم تذكر فعلا. فإذا جاز أن يكون في المبتدأ بهذه المنزلة جاز أن يكون بين الكلامين. وأقرب منه إلى الرفع عبد الله لقيت وعمرٌ ولقيت أخاه وخالدا رأيت وزيدٌ كلّمت أباه. هو ها هنا إلى الرفع أقرب كما كان في الابتداء من النصب أبعد. وأما قوله عزّ وجلّ: {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} فإنما وجّهوه على أنه يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ في هذه الحال كأنه قال إذ طائفةٌ في هذه الحال فإنّما جعله وقتاً ولم يرد أن يجعلها واو عطفٍ وإنما هي واو الابتداء). [الكتاب: 1/ 88-90] (م)


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22 جمادى الآخرة 1435هـ/22-04-2014م, 10:35 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 22 جمادى الآخرة 1435هـ/22-04-2014م, 10:35 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22 جمادى الآخرة 1435هـ/22-04-2014م, 10:35 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22 جمادى الآخرة 1435هـ/22-04-2014م, 10:35 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {يا بني آدم ... الآية}، هذا خطاب لجميع الأمم وقت النبي عليه السلام والسبب والمراد قريش ومن كان من العرب يتعرى في طوافه بالبيت، ذكر النقاش ثقيفا وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج وعامرا والحارث ابني عبد مناف فإنها كانت عادتهم رجالا ونساء، وذلك غاية العار والعصيان، قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع الآيات، وقوله: أنزلنا يحتمل أن يريد التدريج أي لما أنزلنا المطر فكان عنه جميع ما يلبس، قال عن اللباس أنزلنا، وهذا نحو قول الشاعر يصف مطرا:
أقبل في المستن من سحابه ....... اسنمة الآبال في ربابه
أي بالمال ويحتمل أن يريد خلقنا فجاءت العبارة ب أنزلنا كقوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ} [الحديد: 25] وقوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواجٍ} [الزمر: 6] وأيضا فخلق الله عز وجل وأفعاله إنما هي من علو في القدر والمنزلة، ولباساً عام في جميع ما يلبس، ويواري يستر، وفي حرف
أبيّ «سوءاتكم وزينة ولبس التقوى»، وفي مصحف ابن مسعود «ولباس التقوى خير ذلكم»، ويروى عنه ذلك، وسقطت «ذلك» الأولى، وقرأ سكن النحوي «ولبوس التقوى» بالواو مرفوعة السين، وقرأ الجمهور من الناس «وريشا» وقرأ الحسن وزر بن حبيش وعاصم فيما روى عنه أبو عمرو أيضا، وابن عباس وأبو عبد الرحمن ومجاهد وأبو رجاء وزيد بن علي وعلي بن الحسين وقتادة «ورياشا»، قال أبو الفتح: وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو حاتم: رواها عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهما عبارتان عن سعة الرزق ورفاهية العيش ووجود الملبس والتمتع، وفسره قوم بالأثاث، وفسره ابن عباس بالمال، وكذلك قال السدي والضحاك، وقال ابن زيد «الريش» الجمال، وقيل «الرياش» جمع ريش كبير وبئار وذيب وذياب ولصب ولصاب وشعب وشعاب وقيل الرياش مصدر من أراشه الله يريشه إذا أنعم عليه، والريش مصدر أيضا من ذلك وفي الحديث «رجل راشه الله مالا».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويشبه ان هذا كله من معنى ريش الطائر وريش السهم إذ هو لباسه وسترته وعونه على النفوذ، وراش الله مأخوذ من ذلك، ألا ترى أنها تقرن ببرى ومن ذلك قول الشاعر: [لعمير بن حباب]
فرشني بخير طال ما قد بريتني ....... وخير الموالي من يريش ولا يبري
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي «ولباس» بالنصب عطفا على ما تقدم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة «ولباس» بالرفع فقيل هو خبر ابتداء مضمر تقديره وهو لباس، وقيل هو مبتدأ وذلك مبتدأ آخر وخيرٌ خبر ذلك، والجملة خبر الأول، وقيل هو مبتدأ وخيرٌ خبره وذلك بدل أو عطف بيان أو صفة، وهذا أنبل الأقوال ذكره أبو علي في الحجة.
وقوله: ذلك من آيات اللّه إشارة إلى جميع ما أنزل من اللباس والريش، وحكى النقاش أن الإشارة إلى لباس التقوى أي هو في العبد آية علامة وأمارة من الله أنه قد رضي عنه ورحمه، ولعلّهم ترج بحسبهم ومبلغهم من المعرفة وقال ابن جريج لباس التّقوى الإيمان، وقال معبد الجهني: هو الحياء، وقال ابن عباس هو العمل الصالح، وقال أيضا، هو السمت الحسن في الوجه، وقاله عثمان بن عفان على المنبر، وقال عروة بن الزبير هو خشية الله، وقال ابن زيد هو ستر العورة، وقيل لباس التّقوى الصوف وكل ما فيه تواضع لله عز وجل، وقال الحسن: هو الورع والسمت والحسن في الدنيا، وقال ابن عباس لباس التّقوى العفة، وقال زيد بن علي لباس التّقوى السلاح وآلة الجهاد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه كلها مثل وهي من لباس التّقوى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وتتصور الصفة التي حكاها أبو علي في قوله: ذلك لأن الأسماء توصف بمعنى الإشارة كما تقول جاءني زيد هذا كأنك قلت جاءني زيد المشار إليه فعلى هذا الحد توصف الأسماء بالمبهمات، وأما قوله فيه عطف بيان وبدل فهما واحد في اللفظ إنما الفرق بينهما في المعنى والمقصد، وذلك أنك تريد في البدل كأنك أزلت الأول وأعملت العامل في الثاني على نية تكرار العامل، وتريد في عطف البيان كأنك أبقيت الأول ثم ثنيته بعينه في ذكر الثاني وإنما يبين الفرق بين البدل وعطف البيان في مسألة النداء إذا قلت يا عبد الله زيد فالبدل في هذه المسألة هو على هذا الحد برفع زيد لأنك تقدر إزالة عبد الله وإضافة «يا» إلى زيد ولو عطفت عطف البيان لقلت يا عبد الله زيد لأنك أردت بيانه ولم تقدر إزالة الأول وينشد هذا البيت: [الرجز]
اني وأسطار سطرن سطرا ....... لقائل يا نصر نصرا نصرا
ويا نصر الأول على عطف البيان والثاني على البدل). [المحرر الوجيز: 3/ 541-544]

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله عز وجل: {يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون (28)}
هذه المخاطبة لجميع العالم والمقصود بها في ذلك الوقت من كان يطوف من العرب بالبيت عراة، فقيل كان ذلك من عادة قريش، وقال قتادة والضحاك: كان ذلك من عادة قبيلة من اليمن، وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس وهم قريش ومن والاها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا هو الصحيح لأن قريشا لما سنوا بعد عام الفيل سننا عظموا بها حرمتهم كانت هذه من ذلك، فكان العربي إما أن يعيره أحد من الحمس ثوبا فيطوف به، وإما أن يطوف في ثيابه ثم يلقيها، وتمادى الأمر حتى صار عند العرب قربة فكانت العرب تقول نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ولا نطوف في ثياب قد تدنسنا فيها بالذنوب، ومن طاف في ثيابه فكانت سنتهم كما ذكرنا أن يرمي تلك الثياب ولا يتتفع بها وتسمى تلك الثياب اللقى، ومنه قول الشاعر:
كفى حزنا كرّي عليه كأنه ....... لقى بين أيدي الطائفين حريم
وكانت المرأة تطوف عريانة حتى كانت إحداهن تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ....... فما بدا منه فلا أحله
فنهى الله عز وجل عن جميع ذلك ونودي بمكة في سنة تسع لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، و «الفتنة» في هذه الآية الاستهواء والغلبة على النفس، وظاهر قوله: لا يفتننّكم نهي الشيطان، والمعنى نهيهم أنفسهم عن الاستماع له والطاعة لأمره كما قالوا لا أرينك هاهنا، فظاهر اللفظ نهي المتكلم نفسه، ومعناه نهي الآخر عن الإقامة بحيث يراه، وأضاف الإخراج في هذه الآية إلى إبليس وذلك تجوز بسبب أنه كان ساعيا في ذلك ومسببا له، ويقال أب وللأم أبة، وعلى هذا قيل أبوان، وينزع في موضع الحال من الضمير في أخرج، وتقدم الخلاف في «اللباس» من قول من قال الأظفار ومن قال النور ومن قال ثياب الجنة، وقال مجاهد: هي استعارة وإنما أراد لبسة التقى المنزلة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف، وقوله: إنّه يراكم الآية، زيادة في التحذير وإعلام أن الله عز وجل قد مكن الشيطان من ابن آدم في هذا القدر وبحسب ذلك يجب أن يكون التحذر بطاعة الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والشيطان موجود قد قررته الشريعة وهو جسم، وقبيله يريد نوعه وصنفه وذريته.
وحيث مبنية على الضم، ومن العرب من يبنيها على الفتح، وذلك لأنها تدل على موضع بعينه، قال الزجاج: ما بعدها صلة لها وليست بمضافة إليه، قال أبو علي: هذا غير مستقيم وليست حيث بموصولة إذ ليس ثم عائد كما في الموصولات، وهي مضافة إلى ما بعدها.
ثم أخبر عز وجل أنه صير «الشياطين أولياء» أي صحابة ومداخلين إلى الكفرة الذين لا إيمان لهم، وذكر الزهراوي أن جعل هنا بمعنى وصف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهي نزعة اعتزالية). [المحرر الوجيز: 3/ 544-546]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: {وإذا فعلوا} وما بعده داخل في صفة الذين لا يؤمنون ليقع التوبيخ بصفة قوم جعلوا مثالا للموبخين إذا شبه فعلهم فعل الممثل بهم، ويصح أن تكون هذه الآية مقطوعة من التي قبلها ابتداء إخبار عن كفار العرب، و «الفاحشة» في هذه الآية وإن كان اللفظ عاما هي كشف العورة عند الطواف فقد روي عن الزهري أنه قال: إن في ذلك نزلت هذه الآية، وقاله ابن عباس ومجاهد، وكان قول بعض الكفار إن الله أمر بهذه السنن التي لنا وشرعها، فرد الله عليهم بقوله قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء ثم وبخهم على كذبهم ووقفهم على قولهم ما لا علم لهم به ولا رواية لهم فيه بل هو دعوى واختلاق). [المحرر الوجيز: 3/ 546]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدّين كما بدأكم تعودون (29) فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون (30)}
تضمن قوله: {قل أمر ربّي بالقسط} أقسطوا ولذلك عطف عليه قوله وأقيموا حملا على المعنى، و «القسط» العدل والحق، واختلف المتأولون في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ}؛ فقيل أراد إلى الكعبة قاله مجاهد والسدي والمقصد على هذا شرع القبلة والأمر بالتزامها، وقيل أراد الأمر بإحضار النية لله في كل صلاة والقصد نحوه كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فلا يؤخذ الوجه على أنه الجارحة بل هو المقصد والمنزع، وقيل: المراد بهذا اللفظ إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي حيث ما كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجهوكم فيه لله عز وجل، قال قوم: سببها أن قوما كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم في قبلتهم، فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلّوا فيها، وقوله مخلصين حال من الضمير في وادعوه، والدّين مفعول ب مخلصين.
قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وابن عباس ومجاهد: المراد بقوله: {كما بدأكم تعودون}؛ الإعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت فالوقف على هذا التأويل تعودون). [المحرر الوجيز: 3/ 547]

تفسير قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) }

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وفريقاً نصب ب هدى، والثاني منصوب بفعل تقديره: وعذب فريقا أو أضل «فريقا حق عليهم»، وقال ابن عباس أيضا وأبو العالية ومحمد بن كعب ومجاهد أيضا وسعيد بن جبير والسدي وجابر بن عبد الله وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: المراد بقوله كما بدأكم تعودون الإعلام بأن أهل الشقاء والكفر في الدنيا الذين كتب عليهم هم أهل الشقاء في الآخرة وأهل السعادة والإيمان الذين كتب لهم في الدنيا هم أهلها في الآخرة لا يتبدل من الأمور التي أحكمها ودبرها وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله تعودون غير حسن، وفريقاً على هذا التأويل نصب على الحال والثاني عطف على الأول، وفي قراءة أبي بن كعب «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة»، والضمير في إنّهم عائد على الفريق الذين حق عليهم الضلالة، وأولياء معناه: أنصارا وأصحابا وإخوانا، ويحسبون معناه يظنون يقال: حسبت أحسب حسبانا وحسبا ومحسبة، قال الطبري:
وهذه الآية دليل على خطأ قول من زعم أن الله تعالى لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب، وقرأ العباس بن الفضل وسهل بن شعيب وعيسى بن عمر «أنهم اتخذوا» بفتح الألف). [المحرر الوجيز: 3/ 547-548]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22 جمادى الآخرة 1435هـ/22-04-2014م, 10:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 22 جمادى الآخرة 1435هـ/22-04-2014م, 10:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ولباس التّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات اللّه لعلّهم يذّكّرون (26)}
يمتنّ تبارك وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش فاللباس المذكور هاهنا لستر العورات -وهي السوآت والرّياش والرّيش: هو ما يتجمّل به ظاهرًا، فالأوّل من الضّروريّات، والرّيش من التّكمّلات والزّيادات.
قال ابن جريرٍ: "الرّياش" في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر من الثّياب.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ -وحكاه البخاريّ -عنه: الرّياش: المال. وكذا قال مجاهدٌ، وعروة بن الزّبير، والسّدّي والضّحّاك
وقال العوفي، عن ابن عبّاسٍ: "الرّياش" اللّباس، والعيش، والنّعيم.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: "الرّياش": الجمال.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا أصبغ، عن أبي العلاء الشّاميّ قال: لبس أبو أمامة ثوبًا جديدًا، فلمّا بلغ ترقوته قال: الحمد للّه الّذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمّل به في حياتي. ثمّ قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من استجدّ ثوبًا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد للّه الّذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمّل به في حياتي ثمّ عمد إلى الثّوب الّذي خلق أو: ألقى فتصدّق به، كان في ذمّة اللّه، وفي جوار اللّه، وفي كنف اللّه حيًّا وميّتًا، حيًّا وميّتًا، حيًّا وميّتًا ».
ورواه التّرمذيّ، وابن ماجه، من رواية يزيد بن هارون، عن أصبغ -هو ابن زيدٍ الجهنيّ -وقد وثّقه يحيى بن معين وغيره، وشيخه "أبو العلاء الشّاميّ" لا يعرف إلّا بهذا الحديث، ولكن لم يخرّجه أحدٌ، واللّه أعلم.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدّثنا محمّد بن عبيدٍ، حدّثنا مختار بن نافعٍ التّمّار، عن أبي مطرٍ؛ أنّه رأى عليًّا، رضي اللّه عنه، أتى غلامًا حدثًا، فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرّسغين إلى الكعبين، يقول ولبسه: الحمد للّه الّذي رزقني من الرّياش ما أتجمّل به في النّاس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيءٌ ترويه عن نفسك أو عن نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: هذا شيءٌ سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول عند الكسوة: «الحمد للّه الّذي رزقني من الرّياش ما أتجمّل به في النّاس، وأواري به عورتي »
وقوله تعالى: {ولباس التّقوى ذلك خيرٌ} قرأ بعضهم: "ولباس التّقوى"، بالنّصب. وقرأ الآخرون بالرّفع على الابتداء، {ذلك خيرٌ} خبره.
واختلف المفسّرون في معناه، فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتّقون يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم.
وقال زيد بن عليٍّ، والسّدّي، وقتادة، وابن جريج: {ولباس التّقوى}: الإيمان.
وقال العوفي، عن ابن عبّاسٍ -رضي اللّه عنه-: {ولباس التّقوى}: العمل الصّالح.
وقال زياد بن عمرٍو، عن ابن عبّاسٍ: هو السّمت الحسن في الوجه.
وعن عروة بن الزّبير: {لباس التّقوى}: خشية اللّه.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {لباس التّقوى}: يتّقي اللّه، فيواري عورته، فذاك لباس التّقوى.
وكلّ هذه متقاربةٌ، ويؤيّد ذلك الحديث الّذي رواه ابن جريرٍ حيث قال:
حدّثني المثنّى، حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفّان، [رضي اللّه عنه]، على منبر رسول اللّه [صلّى اللّه عليه وسلّم عليه] قميصٌ قوهي محلول الزّرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللّعب بالحمام. ثمّ قال: يا أيّها النّاس، اتّقوا اللّه في هذه السّرائر، فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «والّذي نفس محمّدٍ بيده، ما عمل أحدٌ قطّ سرًّا إلّا ألبسه اللّه رداءً علانيةً، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ». ثمّ تلا هذه الآية: {ورياشًا}، ولم يقرأ: وريشًا - {ولباس التّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات اللّه} قال: «السّمت الحسن».
هكذا رواه ابن جريرٍ من رواية سليمان بن أرقم وفيه ضعفٌ. وقد روى الأئمّة: الشّافعيّ، وأحمد، والبخاريّ في كتاب "الأدب" من طرقٍ صحيحةٍ، عن الحسن البصريّ؛ أنّه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفّان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام، يوم الجمعة على المنبر.
وأمّا المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ في معجمه الكبير له شاهدًا من وجه آخر، حيث قال: حدثنا.... ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 399-401]

تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا بني آدم لا يفتننّكم الشّيطان كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنّا جعلنا الشّياطين أولياء للّذين لا يؤمنون (27)}
يقول تعالى محذّرًا بني آدم من إبليس وقبيله، ومبيّنًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم، عليه السّلام، في سعيه في إخراجه من الجنّة الّتي هي دار النّعيم، إلى دار التّعب والعناء، والتّسبّب في هتك عورته بعدما كانت مستورةً عنه، وما هذا إلّا عن عداوةٍ أكيدةٍ، وهذا كقوله تعالى: {أفتتّخذونه وذرّيّته أولياء من دوني وهم لكم عدوٌّ بئس للظّالمين بدلا} [الكهف: 50] ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 402]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون (28) قل أمر ربّي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدّين كما بدأكم تعودون (29) فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون (30)}
قال مجاهدٌ: كان المشركون يطوفون بالبيت عراةً، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمّهاتنا. فتضع المرأة على فرجها النّسعة، أو الشّيء وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ....... وما بدا منه فلا أحلّه
فأنزل اللّه [تعالى]: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها} الآية.
قلت: كانت العرب -ما عدا قريشًا -لا يطوفون بالبيت في ثيابهم الّتي لبسوها، يتأوّلون في ذلك أنّهم لا يطوفون في ثيابٍ عصوا اللّه فيها، وكانت قريشٌ -وهم الحمس -يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسيٌّ ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوبٌ جديدٌ طافٍ فيه ثمّ يلقيه فلا يتملّكه أحدٌ، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسيٌّ ثوبًا، طاف عريانًا. وربّما كانت امرأةً فتطوف عريانةً، فتجعل على فرجها شيئًا يستره بعض الشيء وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ....... وما بدا منه فلا أحلّه
وأكثر ما كان النّساء يطفن عراةً باللّيل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتّبعوا فيه آباءهم ويعتقدون أنّ فعل آبائهم مستندٌ إلى أمرٍ من اللّه وشرعٍ، فأنكر اللّه تعالى عليهم ذلك، فقال: {وإذا فعلوا فاحشةً قالوا وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها} فقال تعالى ردًّا عليهم: {قل} أي: قل يا محمّد لمن ادّعى ذلك: {إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء} أي: هذا الّذي تصنعونه فاحشةٌ منكرةٌ، واللّه لا يأمر بمثل ذلك {أتقولون على اللّه ما لا تعلمون} أي: أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحّته). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 402]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {قل أمر ربّي بالقسط} أي: بالعدل والاستقامة، {وأقيموا وجوهكم عند كلّ مسجدٍ وادعوه مخلصين له الدّين}
أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالّها، وهي متابعة المرسلين المؤيّدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن اللّه [تعالى] وما جاءوا به [عنه] من الشّرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنّه تعالى لا يتقبّل العمل حتّى يجمع هذين الرّكنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشّريعة، وأن يكون خالصًا من الشّرك.
وقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون. فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة} -اختلف في معنى [قوله تعالى]: {كما بدأكم تعودون}، فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}؛ يحييكم بعد موتكم.
وقال الحسن البصريّ: كما بدأكم في الدّنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياءً.
وقال قتادة: {كما بدأكم تعودون} قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثمّ ذهبوا، ثمّ يعيدهم.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أوّلًا كذلك يعيدكم آخرًا.
واختار هذا القول أبو جعفر بن جريرٍ، وأيّده بما رواه من حديث سفيان الثّوريّ وشعبة بن الحجّاج، كلاهما عن المغيرة بن النّعمان، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموعظةٍ فقال: «يا أيّها النّاس، إنّكم تحشرون إلى اللّه حفاة عراة غرلا» {كما بدأنا أوّل خلقٍ نعيده وعدًا علينا إنّا كنّا فاعلين} [الأنبياء: 104].
وهذا الحديث مخرّجٌ في الصّحيحين، من حديث شعبة، وفي حديث البخاريّ -أيضًا -من حديث الثّوريّ به.
وقال وقاء بن إياسٍ أبو يزيد، عن مجاهدٍ: {كما بدأكم تعودون}، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.
وقال أبو العالية: {كما بدأكم تعودون} ردّوا إلى علمه فيهم.
وقال سعيد بن جبيرٍ: {كما بدأكم تعودون} كمّا كتب عليكم تكونون -وفي روايةٍ: كما كنتم تكونون عليه تكونون.
وقال محمّد بن كعبٍ القرظي في قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} من ابتدأ اللّه خلقه على الشّقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السّعادة، كما أنّ إبليس عمل بأعمال أهل السّعادة، ثمّ صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السّعادة، صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، إن عمل بأعمال أهّل الشّقاء، كما أنّ السّحرة عملت بأعمال أهل الشّقاء، ثمّ صاروا إلى ما ابتدئوا عليه.
وقال السّدّي: {كما بدأكم تعودون * فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}؛ يقول: {كما بدأكم تعودون} كما خلقناكم، فريقٌ مهتدون وفريقٌ ضلّالٌ، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمّهاتكم.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {كما بدأكم تعودون * فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة}؛ قال: إنّ اللّه تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال [تعالى]: {هو الّذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ} [التّغابن: 2] ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنًا وكافرًا.
قلت: ويتأيّد هذا القول بحديث ابن مسعودٍ في صحيح البخاريّ " فوالّذي لا إله غيره، إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة، حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا باعٌ -أو: ذراعٌ -فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النّار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار، حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا باعٌ -أو: ذراعٌ -فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنّة، فيدخل الجنّة"
وقال أبو القاسم البغوي: حدّثنا عليّ بن الجعد، حدّثنا أبو غسّان، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ العبد ليعمل -فيما يرى النّاس -بعمل أهل الجنّة، وإنّه من أهل النّار. وإنّه ليعمل -فيما يرى النّاس -بعمل أهل النّار، وإنّه من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بالخواتيم»
هذا قطعةٌ من حديثٍ رواه البخاريّ من حديث أبي غسّان محمّد بن مطرّف المدنيّ، في قصّة "قزمان" يوم أحدٍ
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن بشّارٍ، حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «تبعث كلّ نفسٍ على ما كانت عليه».
وهذا الحديث رواه مسلمٌ وابن ماجه من غير وجهٍ، عن الأعمش، به. ولفظه: «يبعث كلّ عبدٍ على ما مات عليه»
قلت: ولا بدّ من الجمع بين هذا القول -إن كان هو المراد من الآية -وبين قوله تعالى: {فأقم وجهك للدّين حنيفًا فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها} [الرّوم: 30] وما جاء في الصّحيحين، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كلّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه» وفي صحيح مسلمٍ، عن عياض بن حمار قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يقول اللّه تعالى: إنّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم» الحديث. ووجه الجمع على هذا أنّه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمنٌ وكافرٌ، في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلّهم على معرفته وتوحيده، والعلم بأنّه لا إله غيره، كما أخذ عليهم بذلك الميثاق، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدّر أنّ منهم شقيًّا ومنهم سعيدًا: {هو الّذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ} [التّغابن: 2] وفي الحديث: «كلّ النّاس يغدو، فبائعٌ نفسه فمعتقها، أو موبقها» وقدر اللّه نافذٌ في بريّته، فإنّه هو: {الّذي قدّر فهدى} [الأعلى: 3] و {الّذي أعطى كلّ شيءٍ خلقه ثمّ هدى} [طه: 50] وفي الصّحيحين: "فأمّا من كان منكم من أهل السّعادة فسييسّر لعمل أهل السّعادة، وأمّا من كان من أهل الشّقاوة فسييسّر لعمل أهل الشّقاوة"؛ ولهذا قال تعالى: {فريقًا هدى وفريقًا حقّ عليهم الضّلالة} ثمّ علّل ذلك فقال: {إنّهم اتّخذوا الشّياطين أولياء من دون اللّه ويحسبون أنّهم مهتدون}
قال ابن جريرٍ: وهذا من أبين الدّلالة على خطأ من زعم أنّ اللّه لا يعذّب أحدًا على معصيةٍ ركبها أو ضلالةٍ اعتقدها، إلّا أن يأتيها بعد علمٍ منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربّه فيها؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضّلالة الّذي ضلّ وهو يحسب أنّه هادٍ، وفريق الهدى، فرقٌ. وقد فرّق اللّه تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية الكريمة ). [تفسير القرآن العظيم: 3/ 402-405]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:35 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة