العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة مريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 10:35 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
افتراضي تفسير سورة مريم [ من الآية (27) إلى الآية (33) ]

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 10:36 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) )

قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري في قوله: {لقد جئت شيئا فريا} فقال: قال شيئا عظيما [الآية: 27]). [تفسير الثوري: 184]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا}.
يقول تعالى ذكره: فلمّا قال ذلك عيسى لأمّه اطمأنّت نفسها، وسلّمت لأمر اللّه، وحملته حتّى أتت به قومها. كما؛
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ، قال: أنساها يعني مريم كرب البلاء وخوف النّاس ما كانت تسمع يعنى ما كانت تسمع من الملائكة من البشارة بعيسى، حتّى إذا كلّمها، يعني عيسى، وجاءها مصداق ما كان اللّه وعدها احتملته ثمّ أقبلت به إلى قومها.
وقال السّدّيّ في ذلك ما:
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا ولدته ذهب الشّيطان، فأخبر بني إسرائيل، أنّ مريم، قد ولدت، فأقبلوا يشتدّون، فدعوها {فأتت به قومها تحمله}.
وقوله: {قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا} يقول تعالى ذكره: فلمّا رأوا مريم، ورأوا معها الولد الّذي ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمرٍ عجيبٍ، وأحدثت حدثًا عظيمًا.
وكلّ عاملٍ عملاً أجاده وأحسنه فقد فراه، كما قال الرّاجز:
قد أطعمتني دقلاً حجريًّا = قد كنت تفرين به الفريّا
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى: {فريًّا} قال: عظيمًا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {لقد جئت شيئًا فريًّا} قال: عظيمًا.
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {لقد جئت شيئًا فريًّا} يقول: عظيمًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ، قال: لمّا رأوها ورأوه معها، قالوا: {يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا} أي الفاحشة غير المقاربة). [جامع البيان: 15/520-522]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله لقد جئت شيئا فريا يعنون شيئا عظيما). [تفسير مجاهد: 386]

قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن نوف قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولا وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه فكان يدخل عليه يسلم عليها فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء فدخل عليها زكريا مرة فقربت إليه بعض ما كانت تقرب (قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه) (آل عمران آية 38 - 39) إلى قوله: (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا) (آل عمران آية 42) {سويا} صحيحا، {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم} كتب لهم {أن سبحوا بكرة وعشيا} قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب فلما أن رأته قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} إلى قوله: {وكان أمرا مقضيا} فنفخ في جيبها جبريل فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وأخذ قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد، وأخذها {المخاض إلى جذع النخلة} فتساندت إلى النخلة قالت: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} قال: حيضة من حيضة {فناداها من تحتها} قال: جبريل من أقصى الوادي {ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا} قال: جدولا {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} فلما قال لها جبريل: اشتد ظهرها وطابت نفسها فقطعت سرته ولفته في خرقة وحملته فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي هل رأيت فتاة كذا وكذا قال: لا وكن رأيت الليلة من بقري شيئا لم أره منها قط فيما خلا قال: رأيتها باتت سجدا نحو هذا الوادي فانطلقوا حيث وصف لهم فلما رأتهم مريم جلست وجعلت ترضع عيسى فجاؤوا حتى وقفوا عليها {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} قال: أمرا عظيما: {فأشارت إليه} أن كلموه فعجبوا منها: قالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} والمهد حجرها فلما قالوا ذلك: ترك عيسى ثديها واتكأ على يساره ثم تكلم {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} {وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} قال: واختلف الناس فيه). [الدر المنثور: 10/46-48] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 27 - 28.
أخرج سعيد ين منصور، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {فأتت به قومها تحمله} قال: بعد أربعين يوما بعد ما تعافت من نفاسها). [الدر المنثور: 10/63]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لقد جئت شيئا فريا} قال: عظيما). [الدر المنثور: 10/63]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن قتادة في قوله: {لقد جئت شيئا فريا} قال: عظيما). [الدر المنثور: 10/63]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان في زمان بني إسرائيل في بيت المقدس عند عين سلوان عين فكانت المرأة إذا قارفت أتوها بها فشربت منها فإن كانت بريئة لم تضرها وإلا ماتت، فلما حملت مريم أتوها بها على بغلة فعثرت بها فدعت الله أن يعقم رحمها فعقم من يومئذ فلما أتتها شربت منها فلم تزدد إلا خيرا ثم دعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤمنة فغارت العين). [الدر المنثور: 10/63-64]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا: قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم). [الدر المنثور: 10/64]

تفسير قوله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) )

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله يا أخت هارون قال كان رجل صالح في بني إسرائيل يسمى هارون فشبهوها به فقالوا يا شبيهة هارون في الصلاح). [تفسير عبد الرزاق: 2/8-7]

قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ومحمّد بن المثنّى، قالا: حدّثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى نجران، فقالوا لي: ألستم تقرءون {يا أخت هارون} وقد كان بين عيسى وموسى ما كان، فلم أدر ما أجيبهم. فرجعت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصّالحين قبلهم.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلاّ من حديث ابن إدريس). [سنن الترمذي: 5/166]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أخت هارون}
- أخبرنا محمّد بن يحيى بن أيّوب، حدّثنا ابن إدريس، قال: حدّثني أبي، عن سماكٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: كنت بأرض نجران، فسألوني فقالوا: أرأيتم شيئًا تقرءونه {يا أخت هارون} [مريم: 28] وبين موسى وعيسى ما قد علمتم من السّنين؟ قال: فلم أدر ما أجيبهم به، فلمّا قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكرت ذلك له، فقال: «ألا أخبرتهم أنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصّالحين»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/167]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا}.
اختلف أهل التّأويل في السّبب الّذي من أجله قيل لها: يا أخت هارون، ومن كان هارون هذا الّذي ذكره اللّه، وأخبر أنّهم نسبوا مريم إلى أنّها أخته، فقال بعضهم: قيل لها {يا أخت هارون} نسبةً منهم لها إلى الصّلاح، لأنّ أهل الصّلاح فيهم كانوا يسمّون هارون، وليس بهارون أخي موسى.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {يا أخت هارون} قال: كان رجلاً صالحًا في بني إسرائيل يسمّى هارون، فشبّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصّلاح.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا} قال: كانت من أهل بيتٍ يعرفون بالصّلاح، ولا يعرفون بالفساد ومن النّاس من يعرف بالصّلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحًا محبّبًا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنّه هارون آخر. قال: وذكر لنا أنّه شيّع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلّهم يسمّى هارون من بني إسرائيل.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمّد بن سيرين، قال: نبّئت أنّ كعبًا، قال: إنّ قوله: {يا أخت هارون} ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ المؤمنين، إن كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قاله فهو أعلم وخير، وإلاّ فإنّي أجد بينهما ستّ مائة سنةٍ، قال: فسكتت.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يا أخت هارون} قال: اسمٌ واطأ اسمًا، كم بين هارون وبينهما من الأمم أممٌ كثيرةٌ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، وابن المثنّى، وسفيان بن وكيعٍ، وأبو السّائب، قالوا: حدّثنا عبد اللّه بن إدريس الأوديّ، قال: سمعت أبي يذكر، عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهل نجران، فقالوا لي: ألستم تقرءون {يا أخت هارون} قلت: بلى، وقد علمتم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبرته، فقال: " ألا أخبرتهم أنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصّالحين قبلهم ".
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا الحكم بن بشيرٍ، قال: حدّثنا عمرٌو، عن سماك بن حربٍ، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيّك يزعم أنّ هارون أخو مريم هو أخو موسى؟ فلم أدر ما أردّ عليهم حتّى رجعت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكرت له ذلك، فقال: " إنّهم كانوا يسمّون بأسماء من كان قبلهم ".
وقال بعضهم: عني به هارون أخو موسى، ونسبت مريم إلى أنّها أخته لأنّها من ولده، كما يقال للتّميميّ: يا أخا تميمٍ، وللمضريّ: يا أخا مضر
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {يا أخت هارون} قال: كانت من بني هارون أخي موسى، وهو كما يقال: يا أخا بني فلانٍ.
وقال آخرون: بل كان ذلك رجلاً منهم فاسقًا معلنٌ الفسق، فنسبوها إليه.
والصّواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي ذكرناه، وأنّها نسبت إلى رجلٍ من قومها يقال له: هارون.
وقوله: {ما كان أبوك امرأ سوءٍ} يقول: ما كان أبوك رجل سوءٍ يأتي الفواحش {وما كانت أمّك بغيًّا} يقول: وما كانت أمّك زانيةً، كما؛
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {وما كانت أمّك بغيًّا} قال: زانيةً وقال: {وما كانت أمّك بغيًّا} ولم يقل: بغيّةً، لأنّ ذلك ممّا يوصف به النّساء دون الرّجال، فجرى مجرى امرأةٍ حائضٍ وطالقٍ، وقد كان بعضهم يشبّه ذلك بقولهم: ملحفةٌ جديد وامرأةٌ قتيلٌ). [جامع البيان: 15/522-525]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (م ت) المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون {يا أخت هارون} [مريم: 28] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك؟ فقال: «إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم، والصالحين قبلهم».
هذه رواية مسلم.
وأخرجه الترمذي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: ألستم تقرءون... وذكر الحديث). [جامع الأصول: 2/236-237]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الخطيب، وابن عساكر عن مجاهد في قوله: {يا أخت هارون} الآية قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد في الناس وفي الناس من يعرف بالصلاح ويتوالدون به وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به وكان هارون مصلحا محببا في عشيرته وليس بهرون أخي موسى ولكن هرون آخر، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا من بني إسرائيل كلهم يسمون هرون). [الدر المنثور: 10/65]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: {يا أخت هارون} قال: سمعنا أنه اسم وافق اسما، واخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: نبئت أن كعبا قال: إن قوله: {يا أخت هارون} ليس بهرون أخي موسى فقالت له عائشة: كذبت، فقال: يا أم المؤمنين إن كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم قاله: فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة فسكتت). [الدر المنثور: 10/65-66]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة في قوله: {يا أخت هارون} قال: نسبت إلى هرون بن عمران لأنها كانت من سبطه كقولك يا أخا الأنصار). [الدر المنثور: 10/66]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كانت من سبط هرون فقيل لها: {يا أخت هارون} فدعيت إلى سبطه كالرجل يقول للرجل: يا أخا بني ليث يا أخا بني فلان). [الدر المنثور: 10/66]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {يا أخت هارون} قال: كان هرون من قوم سوء زناة فنسبوها إليهم). [الدر المنثور: 10/66]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن عيش قال: في قراءة أبي قالوا: يا ذا المهد). [الدر المنثور: 10/66]

تفسير قوله تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) )


قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري في قوله: {فأشارت إليه} قال: إلى عيسى [الآية: 29]). [تفسير الثوري: 184]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا}.
يقول تعالى ذكره: فلمّا قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثمّ أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه، كما؛
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا قالوا لها: {ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا} قالت لهم ما أمرها اللّه به، فلمّا أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه، إلى عيسى.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فأشارت إليه} قال: أمرتهم بكلامه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ، {فأشارت إليه} يقول: أشارت إليه أن كلّموه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله {فأشارت إليه} أن كلّموه.
وقوله: {قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا} يقول تعالى ذكره: قال قومها لها: كيف نكلّم من وجد في المهد صبيا؟ وكان في قوله {من كان في المهد صبيًّا} معناها التّمام، لا الّتي تقتضي الخبر، وذلك شبيه المعنى بكان الّتي في قوله {هل كنت إلاّ بشرًا رسولاً}
وإنّما معنى ذلك: هل أنا إلاّ بشرٌ رسولٌ؟ وهل وجدت أو بعثت، وكما قال زهير بن أبي سلمى:
زجرت عليه حرّةً أرحبيّةً = وقد كان لون اللّيل مثل الأرندج
بمعنى: وقد صار أو وجد.
وقيل: إنّه عنى بالمهد في هذا الموضع: حجر أمّه
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {من كان في المهد صبيًّا} والمهد: الحجر.
وقد بيّنّا معنى المهد فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع). [جامع البيان: 15/526-527]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن نوف قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولا وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه فكان يدخل عليه يسلم عليها فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء فدخل عليها زكريا مرة فقربت إليه بعض ما كانت تقرب (قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه) (آل عمران آية 38 - 39) إلى قوله: (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا) (آل عمران آية 42) {سويا} صحيحا، {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم} كتب لهم {أن سبحوا بكرة وعشيا} قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب فلما أن رأته قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} إلى قوله: {وكان أمرا مقضيا} فنفخ في جيبها جبريل فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وأخذ قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد، وأخذها {المخاض إلى جذع النخلة} فتساندت إلى النخلة قالت: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} قال: حيضة من حيضة {فناداها من تحتها} قال: جبريل من أقصى الوادي {ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا} قال: جدولا {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} فلما قال لها جبريل: اشتد ظهرها وطابت نفسها فقطعت سرته ولفته في خرقة وحملته فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي هل رأيت فتاة كذا وكذا قال: لا وكن رأيت الليلة من بقري شيئا لم أره منها قط فيما خلا قال: رأيتها باتت سجدا نحو هذا الوادي فانطلقوا حيث وصف لهم فلما رأتهم مريم جلست وجعلت ترضع عيسى فجاؤوا حتى وقفوا عليها {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} قال: أمرا عظيما: {فأشارت إليه} أن كلموه فعجبوا منها: قالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} والمهد حجرها فلما قالوا ذلك: ترك عيسى ثديها واتكأ على يساره ثم تكلم {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} {وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} قال: واختلف الناس فيه). [الدر المنثور: 10/46-48] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 29
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {فأشارت إليه} أن كلموه). [الدر المنثور: 10/66-67]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فأشارت إليه} قال: أمرتهم بكلامه، وفي قوله: {في المهد} قال في الحجر). [الدر المنثور: 10/67]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون قال: إن مريم لما ولدت أتت به قومها فأخذوا لها الحجارة ليرموها فأشارت إليه فتكلم فتركوه). [الدر المنثور: 10/67]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: {المهد} المرباة، قال إبراهيم: المرباة المرجحة). [الدر المنثور: 10/67]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن هلال بن يساف قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: صاحب جريج وعيسى وصاحب الحبشية). [الدر المنثور: 10/67]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: تكلم في المهد أربعة عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج، وابن ماشطة ابنة فرعون). [الدر المنثور: 10/67]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) )


قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة في قوله تعالى إني عبد الله آتاني الكتب قال قضى أن يؤتيني الكتاب). [تفسير عبد الرزاق: 2/9]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن سماكٍ عن عكرمة في قوله: {آتاني الكتاب} قال: آتاني من قبل أن يخلقني [الآية: 30]). [تفسير الثوري: 185]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري في قوله: {آتاني الكتاب} قال: قضى أن يؤتيني الكتاب). [تفسير الثوري: 185]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة قال: إبراهيم في قوله: {آتاني الكتاب} قال: كلام الحكم {فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرةً وعشيًّا} قال: كتب لهم [الآية: 11، 30]). [تفسير الثوري: 185]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا (30) وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا}.
يقول تعالى ذكره: فلمّا قال قوم مريم لها {كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا} وظنّوا أنّ ذلك منها استهزاءً بهم، قال عيسى لها متكلّمًا عن أمّه: {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب}.
وكانوا حين أشارت لهم إلى عيسى فيما ذكر عنهم غضبوا، كما؛
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لمّا أشارت لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريّتها بنا حين تأمرنا أن نكلّم هذا الصّبيّ أشدّ علينا من زناها {قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ، {قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا} فأجابهم عيسى عنها فقال لهم {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا}. الآية.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا} قال لهم: {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا} فقرأ حتّى بلغ {ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا} فقالوا: إنّ هذا لأمرٌ عظيمٌ.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول: {كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا قال إنّي عبد اللّه} لم يتكلّم عيسى إلاّ عند ذلك حين {قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا}.
وقوله: {آتاني الكتاب} يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخلق أو في بطن أمّه فإنّ معنى ذلك بخلاف ما يظنّ، وإنّما معناه: وقضى يوم قضى أمور خلقه لى أن يؤتيني الكتاب، كما؛
- حدّثني بشر بن آدم، قال: حدّثنا الضّحّاك، يعني ابن مخلدٍ، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة، قال {آتاني الكتاب} قال: قضى أن يؤتيني الكتاب فيما قضى.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمة، في قوله {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب} قال: القضاء.
- حدّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، في قول اللّه {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب} قال: قضى أن يؤتيني الكتاب.
وقوله: {وجعلني نبيًّا} وقد بيّنت معنى النّبيّ واختلاف المختلفين فيه، والصّحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وكان مجاهدٌ يقول في معنى النّبيّ وحده ما؛
- حدّثنا به محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: النّبيّ وحده الّذي يكلّم وينزّل عليه الوحي ولا يرسل). [جامع البيان: 15/527-529]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن نوف قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولا وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه فكان يدخل عليه يسلم عليها فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء فدخل عليها زكريا مرة فقربت إليه بعض ما كانت تقرب (قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه) (آل عمران آية 38 - 39) إلى قوله: (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا) (آل عمران آية 42) {سويا} صحيحا، {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم} كتب لهم {أن سبحوا بكرة وعشيا} قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب فلما أن رأته قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} إلى قوله: {وكان أمرا مقضيا} فنفخ في جيبها جبريل فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وأخذ قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد، وأخذها {المخاض إلى جذع النخلة} فتساندت إلى النخلة قالت: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} قال: حيضة من حيضة {فناداها من تحتها} قال: جبريل من أقصى الوادي {ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا} قال: جدولا {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} فلما قال لها جبريل: اشتد ظهرها وطابت نفسها فقطعت سرته ولفته في خرقة وحملته فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي هل رأيت فتاة كذا وكذا قال: لا وكن رأيت الليلة من بقري شيئا لم أره منها قط فيما خلا قال: رأيتها باتت سجدا نحو هذا الوادي فانطلقوا حيث وصف لهم فلما رأتهم مريم جلست وجعلت ترضع عيسى فجاؤوا حتى وقفوا عليها {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} قال: أمرا عظيما: {فأشارت إليه} أن كلموه فعجبوا منها: قالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} والمهد حجرها فلما قالوا ذلك: ترك عيسى ثديها واتكأ على يساره ثم تكلم {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} {وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} قال: واختلف الناس فيه). [الدر المنثور: 10/46-48] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 30 – 33
أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} الآية، قال: قضى فيما قضى أن أكون كذلك). [الدر المنثور: 10/67-68]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه، فذلك قوله: {إني عبد الله آتاني الكتاب} ). [الدر المنثور: 10/68]

تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) )
تفسير قوله تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) )

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله {وجعلني مباركًا} اختلف أهل التّأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلني نفّاعًا
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني سليمان بن عبد الرّحمن بن حمّاد الطّلحيّ، قال: حدّثنا العلاء، عن عائشة، امرأة ليثٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، {وجعلني مباركًا} قال: نفّاعًا.
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني سليمان بن عبد الجبّار، قال: حدّثنا محمّد بن يزيد بن خنيسٍ المخزوميّ، قال: سمعت وهيب بن الورد، مولى بني مخزومٍ، قال: لقي عالمٌ عالمًا لما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك اللّه، ما الّذي أعلن من علمي، قال: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فإنّه دين اللّه الّذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول اللّه {وجعلني مباركًا أينما كنت}.
وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أينما كان.
وقال آخرون معنى ذلك: جعلني معلّم الخير.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا سفيان، في قوله {وجعلني مباركًا أينما كنت} قال: معلّمًا للخير.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {وجعلني مباركًا أينما كنت} قال: معلّمًا للخير حيثما كنت.
وقوله: {وأوصاني بالصّلاة والزّكاة} يقول: وقضى أن يوصيني بالصّلاة والزّكاة، يعني المحافظة على حدود الصّلاة وإقامتها على ما فرضها عليّ. وفي الزّكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤدّيها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذّنوب، فيكون معناه: وأوصاني بترك الذّنوب واجتناب المعاصي.
وقوله: {ما دمت حيًّا} يقول: ما كنت حيًّا في الدّنيا موجودًا، وهذا يبين عن أنّ معنى الزّكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذّنوب، لأنّ الّذي يوصف به عيسى صلوات اللّه وسلامه عليه أنّه كان لا يدّخر شيئًا لغدٍ، فتجب عليه زكاة المال، إلاّ أن تكون الزّكاة الّتي كانت فرضت عليه الصّدقة بكلّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا). [جامع البيان: 15/530-531]

قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في الحلية، وابن لال في مكارم الأخلاق، وابن مردويه، وابن النجار في تاريخه عن أبي هريرة قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: قول عيسى عليه السلام {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال: جعلني نفاعا للناس أين اتجهت). [الدر المنثور: 10/68]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن ابن مسعود عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال: معلما ومؤدبا). [الدر المنثور: 10/68]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال: معلما للخير). [الدر المنثور: 10/68]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الذي يعلم الناس الخير يستغفر له كل دابة حتى الحوت في البحر). [الدر المنثور: 10/68]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وجعلني مباركا} قال: هاديا مهديا). [الدر المنثور: 10/68-69]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر عن مجاهد {وجعلني مباركا} قال: نفاعا للناس). [الدر المنثور: 10/69]



قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وبرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا (32) والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًّا}.
يقول تعالى ذكره: مخبرًا عن قول عيسى للقوم: وجعلني مباركًا وبرًّا: أي جعلني برًّا بوالدتي. والبرّ هو البارّ، يقال: هو برٌّ بوالده، وبارٌّ به، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قرّاء الأمصار.
وروي عن أبي نهيكٍ ما؛
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيكٍ، أنّه قرأ: {وبرًّا بوالدتي} من قول عيسى عليه السّلام، قال أبو نهيكٍ: أوصاني بالصّلاة والزّكاة والبرّ بالوالدتى، كما أوصاني بذلك.
فكأنّ أبا نهيكٍ وجّه تأويل الكلام إلى قوله {وبرًّا بوالدتي} هو من خبر عيسى، عن وصيّة اللّه إيّاه به، كما قوله: {وأوصاني بالصّلاة والزّكاة} من خبره عن وصيّة اللّه إيّاه بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البرّ بمعنى عمل الوصيّة فيه، لأنّ الصّلاة والزّكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللّفظ، فإنّهما بمعنى النّصب من أجل أنّهما مفعولٌ بهما.
وقوله: {ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا} يقول: ولم يجعلني مستكبرًا على اللّه فيما أمرني به، ونهاني عنه شقيًّا ولكن ذلّلني لطاعته، وجعلني متواضعًا، كما؛
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّه يعني عيسى، كان يقول: سلوني، فإنّ قلبي ليّنٌ، وإنّي صغيرٌ في نفسي ممّا أعطاه اللّه من التّواضع.
- وحدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {وبرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا} ذكر لنا أنّ امرأةً رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، في آياتٍ سلّطه اللّه عليهنّ، وأذن له فيهنّ، فقالت: طوبى للبطن الّذي حملك، والثّدي الّذي أرضعت به، فقال نبيّ اللّه ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب اللّه، واتّبع ما فيه ولم يكن جبّارًا شقيًّا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن كثيرٍ، عن عبد اللّه بن واقدٍ أبي رجاءٍ، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقًّا إلاّ وجدته جبّارًا شقيًّا. ثمّ قرأ {وبرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا} قال: ولا تجد سيّئ الملكة إلاّ وجدته مختالاً فخورًا، ثمّ قرأ {وما ملكت أيمانكم إنّ اللّه لا يحبّ من كان مختالاً فخورًا}). [جامع البيان: 15/532-533]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف (وبرا بوالدتي) أي ليس لي أب). [الدر المنثور: 10/69]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولم يجعلني جبارا شقيا} يقول: عصيا). [الدر المنثور: 10/69]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: الجبار الشقي الذي يقبل على الغضب). [الدر المنثور: 10/69]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب قال: إنك لا تكاد تجد عاقا إلا تجده جبارا ثم قرأ {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا} ). [الدر المنثور: 10/69]

تفسير قوله تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) )

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة عن الحسن أن يحيى قال لعيسى حين التقيا إنك خير مني فقال عيسى بل أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت أنا على نفسي). [تفسير عبد الرزاق: 2/4] (م)

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًّا} يقول: والأمنة من اللّه عليّ من الشّيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا منّي ما ينالون ممّن يولد عند الولادة، من الطّعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حيًّا يوم القيامة أن ينالني الفزع الّذي ينال النّاس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم، كما؛
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ، {والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًّا} قال: يخبرهم في قصّة خبره عن نفسه، أنّه لا أب له وأنّه سيموت ثمّ يبعث حيًّا، يقول اللّه تبارك وتعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ الّذي فيه يمترون} ). [جامع البيان: 15/533-534]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {واذكر في الكتاب مريم} يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب {إذ انتبذت} يعني خرجت {من أهلها مكانا شرقيا} قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق {فاتخذت من دونهم حجابا} وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت وجعلت بينها وبين قومها {حجابا} يعني جبلا فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل {فتمثل لها بشرا} في صورة الآدميين {سويا} يعني معتدلا شابا أبيض الوجه جعدا قططا حين اخضر شاربه فلما نظرت إليه قائما بين يديها، {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل وكان من خدم بيت المقدس فخافت أن يكون الشيطان قد استزه فمن ثم قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} يعني إن كنت تخاف الله، قال جبريل: وتبسم {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} يعني لله مطيعا من غير بشر، {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} يعني زوجا {ولم أك بغيا} أي مومسة، قال جبريل: {كذلك} يعني هكذا {قال ربك هو علي هين} يعني خلقه من غير بشر، {ولنجعله آية للناس} يعني عبرة والناس هنا للمؤمنين خاصة ورحمة لكمن صدق بأنه رسول الله، {وكان أمرا مقضيا} يعني كائنا أن يكون من غير بشر، فدنا جبريل فنفخ في جيبها فدخلت النفخة جوفها فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء فأصابها العطش فأجرى الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} والسري الجدول، وحمل الجذع من ساعته {رطبا جنيا} فناداها من تحتها جبريل {وهزي إليك بجذع النخلة} لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله: {تساقط عليك رطبا جنيا} يعني طريا بغباره {فكلي} من الرطب {واشربي} من الجدول {وقري عينا} بولدك، فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا،، قال لها جبريل: {فإما ترين} يعني فإذا رأيت {من البشر أحدا} فأعنتك في أمرك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} يعني صمتا في أمر عيسى {فلن أكلم اليوم إنسيا} في أمره، حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه، قال: ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال: لا علم لي بها وإن مفتاح محرابها مع زكريا، فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله: {فأتت به قومها تحمله} قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد اقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به فذلك قوله: {فأتت به قومها تحمله} أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وأخوتها وآل زكريا {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} يعني عظيما {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} يعني زانية، فأنى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالح {فأشارت إليه} تقول لهم: أن كلموه فإنه سيخبركم {إني نذرت للرحمن صوما} أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عني فيكون لكم آية وعبرة {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} يعني من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال: {إني عبد الله} فلما أن قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله، لتصديق قول الله: {مصدقا بكلمة من الله} فقال عيسى: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إليكم {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البركة التي جعلها الله لعيسى أنه كان معلما مؤدبا حيثما توجه {وأوصاني بالصلاة والزكاة} يعني وأمرني {وبرا بوالدتي} فلا أعقها، قال ابن عباس حين قال: {وبرا بوالدتي} قال: زكريا: الله أكبر فأخذه فضمه إلى صدره فعلموا أنه خلق من غير بشر {ولم يجعلني جبارا شقيا} يعني متعظما سفاكا للدم، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يقول الله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} يعني يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس). [الدر المنثور: 10/42-45] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: فقرات ابن آدم ثلاث: يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث وهي التي ذكر عيسى في قوله: {والسلام علي} الآية). [الدر المنثور: 10/69]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وابن عساكر من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: ما تكلم عيسى بعد الآيات التي تكلم بها حتى بلغ مبلغ الصبيان). [الدر المنثور: 10/70]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن الله أطلق لسان عيسى مرة أخرى في صباه فتكلم ثلاث مرات حتى بلغ ما بلغ الصبيان يتكلمون فتكلم محمدا بتحميد لم تسمع الآذان مثله حيث أنطقه طفلا فقال: اللهم أنت القريب في علوك المتعالي في دنوك الرفيع على كل شيء من خلقك أنت الذي نفذ بصرك في خلقك وحارت الأبصار دون النظر إليك أنت الذي أشرقت بضوء نورك دجى الظلام وتلألأت بعظمتك أركان العرش نورا فلم يبلغ أحد بصفته صفتك فتباركت اللهم خالق الخلق بعزتك مقدر الأمور بحكمتك مبتدئ الخلق بعظمتك ثم أمسك الله لسانه حتى بلغ). [الدر المنثور: 10/70]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 10:40 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
Post

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت} [مريم: 27] لقد أتيت.
{شيئًا فريًّا} [مريم: 27] يعني عظيمًا في تفسير مجاهدٍ وقتادة). [تفسير القرآن العظيم: 1/222]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ):
(وقوله: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا...}
الفري: الأمر العظيم. والعرب تقول: يفري الفري إذا هو أجاد العمل أو السّقى ففضل الناس قيل هذا فيه. وقال الراجز:

قد أطعمتني دقلاً حجريّاً.......قد كنت تفرين به الفريّا

أي قد كنت تأكلينه أكلاً كثيراً). [معاني القرآن: 2/166-167]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ({شَيْئًا فَرِيًّا} أي عجباً فائقاً، وكذلك كل شيء فائق من عجب أو عمل أو جرى فهو فريٌ). [مجاز القرآن: 2/7]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({شيئا فريا}: مصنوعا. يقال فريت الكذب وافتريته وكذلك {تخلقون إفكا} تصنعونه،
خلقت الكذب واختلقته مثل فريته وافتريته، ومنه {إن هذا إلا خلق الأولين} أي افتراء الأولين.
وقرئت {خلق الأولين} وقد تكون من هذا.
يقال تحدث بالأحاديث الخلق أي المختلقة أي الكذب. ويكون الأولين: شيمة الأولين). [غريب القرآن وتفسيره: 238]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} أي عظيما عجيبا). [تفسير غريب القرآن: 274]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}
أي شيئا عظيما، يقال فلان يفري الفريّ إذا كان يعمل عملا يبالغ فيه). [معاني القرآن: 3/327]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): ( وقوله جل وعز: {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}
قال مجاهد: أي عظيما.
وقال سعيد بن مسعدة: أي مختلقا مفتعلا، يقال فريت وأفريت بمعنى واحد.
قال قطرب: زعم أبو خيرة العدوى أن الفري الجديد من الأسقية، قال قطرب: فكأن معنى فري بديع وجديد لم يسبق إليه، قال: وكان معنى افترى على الله جاء بأمر بديع جديد لم يكن.
وقال أبو عبيدة: فري عجيب). [معاني القرآن: 4/326-327]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت: 345هـ): ({فَرِيًّا} أي: عجبا). [ياقوتة الصراط: 339]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فَرِيّـاً}: عظيما، كذبا). [العمدة في غريب القرآن: 195]

تفسير قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ({يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ} [مريم: 28] رجل سوءٍ، يعني ما كان زانيًا.
وهو تفسير السّدّيّ.
{وما كانت أمّك بغيًّا} [مريم: 28] يعني وما كانت أمّك زانيةً.
سعيدٌ، عن قتادة قال: ليس بهارون أخي موسى ولكنّه هارون آخر كان يسمّى هارون الصّالح المحبّب في عشيرته.
ذكر لنا أنّه اتّبع جنازته يوم مات أربعون ألفًا كلّهم يسمّى هارون من بني إسرائيل.
أي فقالوا: {يا أخت هارون} [مريم: 28] في عبادته وفضله {ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا} [مريم: 28] ). [تفسير القرآن العظيم: 1/222]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ):
(وقوله: {يَا أُخْتَ هَارُونَ...}
كان لها أخ يقال له هارون من خيار بني إسرائيل ولم يكن من أبويها فقيل: يا أخت هارون في صلاحه.
أي إن أخاك صالح وأبواك أبواك كالتعيير لها. أي أهل بيتك صالحون وقد أتيت أمراً عظيماً). [معاني القرآن: 2/167]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}
وقال: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} مثل قولك "ملحفةٌ جديدٌ"). [معاني القرآن: 3/1]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({يَا أُخْتَ هَارُونَ} كان في بني إسرائيل رجل صالح يسمى: هارون، فشبّهوها به. كأنهم قالوا: يا أخت هارون، يا شبه هارون في الصلاح). [تفسير غريب القرآن: 274]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}
اختلف في تفسير: {أُخْتَ هَارُونَ} في هذا الموضع.
روينا في التفسير أنّ أهل الكتاب قالوا: كيف تقولون أنتم: مريم أخت هارون وبينهما ستّمائة سنة، فقيل ذلك لرسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، أي فكان أخو مريم يسمى هارون.
وقيل إنهم عنوا بأخت هارون في الصلاح والدين، ويروى أن هارون هذا الدّيّن كان رجلا من قومها صالحا، وأنه حضر جنازته أربعون ألفا يسمى كل واحد منهم هارون.
والذي في هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن).[معاني القرآن: 3/327]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): ( وقوله جل وعز: {يَا أُخْتَ هَارُونَمَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} روى معمر عن قتادة قال كان هارون صالحا من قومهما فقالوا يا شبيهه هارون قال أبو جعفر ويقوي هذا الحديث المرفوع كانوا يتسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين منهم). [معاني القرآن: 4/327-328]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال جل وعز: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} أي فاجرة والبغاء الزنا).[معاني القرآن: 4/328]

تفسير قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله: {فأشارت إليه} [مريم: 29] بيدها.
قال قتادة: أمرتهم بكلامه.
{قالوا كيف نكلّم من كان} [مريم: 29] يعني: من هو.
تفسير السّدّيّ.
{في المهد صبيًّا} [مريم: 29] سعيدٌ، عن قتادة قال: المهد، الحجر). [تفسير القرآن العظيم: 1/222]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ):
( وقوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ...} إلى ابنها. ويقال إن المهد حجرها وحجرها. ويقال: سريره والحجر أجود ).
[معاني القرآن: 2/167]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت: 210هـ): ({مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} ولـ {كان} مواضع، فمنها لما مضى، ومنها لما حدث ساعته وهو: كيف نكلم من حدث في المهد صبياً، ومنها لما يجيئ بعد في موضع " يكون " والعرب تفعل ذلك، قال الشاعر:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً.......منى وما يسمعوا من صالح دفنوا
أي يطيروا ويدفنوا.
{وكانَ اللهُ علِيماً حَكِيماً} فيما مضى والساعة، وفيما يكون ويجي {كان} أيضاً زائدة ولا تعمل في الاسم، كقوله:

فكيف إذا رأيت ديار قومٍ.......وجيرانٍ لهم كانوا كرام
والمعنى وديار جيرانٍ كرامٍ كانوا، " وكانوا " فضلٌ لأنها لم تعمل فتنصب القافية،
قال غيلان بن حريث الربعي:
إلى كناسٍ كان مستعيده
وكان فضل، يريد إلى كناسٍ مستعيد.
وسمعت قيس بن غالب البدري يقول: ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم، أي لم يوجد مثلهم، "كان" فضل). [مجاز القرآن: 2/7-8]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، أي أنتم خير أمّة.
وقوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، أي وإذ يقول الله يوم القيامة. يدلك على ذلك قوله سبحانه: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}.
وقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}، يريد يوم القيامة. أي سيأتي قريبا فلا تستعجلوه.
وقوله: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}، أي من هو صبيّ في المهد). [تأويل مشكل القرآن: 295](م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ( وقوله عزّ وجلّ: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}أي لما خاطبوها أشارت إليه، بأن جعلوا الكلام معه، ودل على أنها أشارت إليه في الكلام قولهم {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}.
وفي هذا ثلاثة أوجه:
- قال أبو عبيدة: إن معنى " كان " اللغو، المعنى كيف نكلم من في المهد صبيا، لأن كل رجل قد كان في المهد صبيّا، ولكن المعنى كيف نكلم من في المهد صبيّا لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بالكلم.
- وقال قوم إنّ " كان " في معنى وقع وحدث، المعنى على قول هؤلاء: كيف نكلم صبيّا قد خلق في المهد.
- وأجود الأقوال أن يكون "من" في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى: من يكن في المهد صبيّا - ويكون {صبيّا} حالا - فكيف نكلمه.
كما تقول من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه.
وروى أنّ عيسى عليه السلام لما أومأت إليه اتكأ على يساره وأشار بسبّابته فقال:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ}أي معلما للخير). [معاني القرآن: 3/328]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): ( وقوله جل وعز: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} والمعنى: فأشارت إلى عيسى أن كلموه ودل على هذا قوله تعالى: {قالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} قيل: كان ههنا زائدة لأن الناس كلهم لا يخلون من أن يكونوا هكذا.
وقيل: كان بمعنى وقع وخلق.
وقيل: فيه معنى الشرط أي من كان صبيا فكيف نكلمه).[معاني القرآن: 4/328-329]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)}

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وروى أنّ عيسى عليه السلام لما أومأت إليه اتكأ على يساره وأشار بسبّابته فقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} أي معلما للخير). [معاني القرآن: 3/328]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} روى سفيان عن سماك عن عكرمة في قوله تعالى: {آَتَانِيَ الْكِتَابَ} قال قضى أن يؤتينه وقيل معنى {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} أي أوصاني بالصلاة والطهارة). [معاني القرآن: 4/329]

تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (فقال عيسى: {قال إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا {30} وجعلني مباركًا أين ما كنت} [مريم: 30-31]
سمعت بعض الكوفيّين يقول: أي معلّمًا، مؤدّبًا.
{وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا {31}). [تفسير القرآن العظيم: 1/223-222]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ):
(وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا...} يتعلم مني حيثما كنت).
[معاني القرآن: 2/167]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ( {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} ومعنى الزكاة ههنا الطهارة، {مَا دُمْتُ حَيًّا} - دمت، ودمت جميعا). [معاني القرآن: 3/328]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (وقوله جل وعز: {قال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} روى سفيان عن سماك، عن عكرمة في قوله تعالى: {آَتَانِيَ الْكِتَابَ} قال: قضى أن يؤتينه.
وقيل معنى {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} أي: أوصاني بالصلاة والطهارة). [معاني القرآن: 4/329](م)


تفسير قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ( {وبرًّا بوالدتي} [مريم: 32] أي: وجعلني برًّا بوالدتي، يعني مطيعًا لأمر مريم.
تفسير السّدّيّ.
{ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا} [مريم: 32] مستكبرًا عن عبادة اللّه، ولم يجعلني {شقيًّا} [مريم: 32] ). [تفسير القرآن العظيم: 1/223]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ):
(وقوله: {جَبَّارًا...}
الجبّار: الذي يقتل على الغضب، ويضرب على الغضب.
وقوله: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} نصبته على وجعلني نبيّا وجعلني برّا. متبع للنبي كقوله {وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً}
ثم قال {وَدانِيَةً علَيْهِم ظِلالُهَا} (دانيةً) مردودة على {متّكئين فيها} كما أن البرّ مردودة على قوله: {نبيّاً}). [معاني القرآن: 2/167]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ({وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}
{وَبَرًّا} عطف على {مُبَارَكًا}، المعنى وجعلني مباركا وبرّا بوالدتي). [معاني القرآن: 3/328-329]

تفسير قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}

قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): ({والسّلام عليّ يوم} [مريم: 33] حين
{ولدت ويوم} [مريم: 33] وحين.
{أموت ويوم أبعث حيًّا} [مريم: 33] يوم القيامة.
ولم يتكلّم بعد ذلك بشيءٍ حتّى بلغ مبلغ الغلمان). [تفسير القرآن العظيم: 1/223]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ):
(وقوله: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ...} جاء في التفسير السّلامة عليّ).
[معاني القرآن: 2/167]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): ({وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}
{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ} فيه أوجه، فالسلام مصدر سلّمت سلاما، ومعناه عموم العافية والسلامة، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله جل وعزّ، وسلام مما ابتدئ به في النكرة، لأنه اسم يكثر استعماله. تقول سلام عليك والسلام عليك. وأسماء الأجناس يبتدأ بها، لأن فائدة نكرتها قريب من فائدة معرفتها. تقول: - لبيك وخير بين يديك، وإن شئت قلت: والخير بين يديك، وتقول: السلام عليك أيها النبي، وسلام عليك أيها النبي، إلا أنه لمّا جرى ذكر " سلام " قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يردّ ثانية بالألف واللام، تقول: سلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، هذا قسم حسن، وإن شئت قلت سلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين). [معاني القرآن: 3/329]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30 جمادى الأولى 1434هـ/10-04-2013م, 10:46 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,673
Post

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى:{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) }

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال في عمر بن الخطاب رحمه الله: فلم أر عبقريا يفري فريه.
قال حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمر، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العَبقَري فقال: يقال: هذا عبقري قوم، كقولك: هذا سيد قوم وكبيرهم وشديدهم وقويهم ونحو من هذا.
وإنما أصل هذا فيما يقال: أنه نسب إلى عبقر، وهي أرض تسكنها الجن فصارت مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع قال زهير بن أبي سلمى:

بخيل عليها جنة عبقرية.......جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا

وقوله: يفري فريه، كقولك: يعمل عمله ويقول قوله، ونحو هذا وأنشد الأحمر:
قد أطعمتني دقلا حوليا
مسوسا مدودا حجريا
قد كنت تفرين به الفريا
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه. ومنه قول الله تبارك وتعالى: {لقد جئت شيئا فريا} أي: شيئا عظيما.
ويقال في عبقر: إنها أرض يعمل فيها البرود ولذلك نسب الوشي إليها قال ذو الرمة يذكر ألوان الرياض:

حتى كأن رياض القف ألبسها.......من وشي عبقر تجليل وتنجيد

ومن هذا قيل للبُسط: عبقرية، إنما نسبت إلى تلك البلاد.
ومنه حديث عمر: أنه كان يسجد على عبقري
قيل له: على بساط؟ قال: نعم). [غريب الحديث: 1/222-224]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (

وفريت من فزع.......فلا أرمي ولا ودعت صاحب

(فَرِيت): بطرت، فلم أقدر على الرمي. و(فَرِيت) عجبت من (الفَرِيِّ) و(الفَرِيُّ) العجب، وقوله عز وجل: {لقد جئت شيئا فريا} عجيبا. و(فَرَيْت) بالفتح أسرعت. قال: (فَرِيت) ). [شرح أشعار الهذليين: 1/312]

تفسير قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) }

تفسير قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) }


قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (ويقال للغلام: صبي، وللجارية: صبية، بينة الصبى –مقصور بكسر الصاد- ويقولونه بفتح الصاد والمد: صبية بينة الصباء.
وقالوا أيضا: صبيء، وللجارية: صبيئة، وهي لغة يمانية فيما يحكى لنا). [الفرق في اللغة: 94] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: {كيف نكلم من كان في المهد صبياً}، إنما معنى كان هاهنا التوكيد. فكأن التقدير والله أعلم: كيف نكلم من هو في المهد صبيا. ونصب صبياً على الحال. ولولا ذلك لم يكن عيسى بائناً من الناس، ولا دل الكلام على أنه تكلم في المهد؛ لأنك تقول للرجل: كان فلان في المهد صبياً. فهذا ما لا ينفك منه أحد أنه قد كان كذا ثم انتقل، وإنما المعنى: كيف نكلمه وهو الساعة كذا). [المقتضب: 4/117-118]

قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أي من يكن في المهد صبيًا فكيف نكلمه؟ وقال: وقعت الصفة في موضع الفعل، أي من كان صبيًا في المهد). [مجالس ثعلب: 471]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (قال أبو عبيدة: ويكون من الأضداد أيضا، يقال: يكون للمستقبل، ويقال: يكون للماضي، فكونه للمستقبل لا يحتاج فيه إلى شاهد، وكونه للماضي قول الصلتان يرثي المغيرة بن المهلب:

قل للقوافل والغزاة إذا غزوا = والباكرين وللمجد الرائح
إن السماحة والشجاعة ضمنا = قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به = كوم الجلاد وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها = فلقد يكون أخا دم وذبائح
أراد: فلقد كان.
قال أبو بكر: والذي نذهب إليه أن (كان) و(يكون) لا يجوز أن يكونا على خلاف ظاهرهما، إلا إذا وضح المعنى، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان عبد الله قائما، بمعنى يكون عبد الله، وكذلك محال أن يقال: يكون عبد الله قائما؛ بمعنى كان عبد الله، لأن هذا ما لا يفهم ولا يقوم عليه دليل؛ فإذا انكشف المعنى حمل أحد الفعلين على الآخر، كقوله جل اسمه: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا}، معناه من يكون في المهد فكيف نكلمه! فصلح الماضي في موضع المستقبل لبيان معناه. وأنشد الفراء:

فمن كان لا يأتيك إلا لحاجة = يروح لها حتى تقضى ويغتدي
فإني لآتيكم تشكر ما مضى = من الأمر واستيجاب ما كان في غد
أراد: ما يكون في غد. وقال الله عز ذكره: {ونادى
أصحاب الجنة أصحاب النار}، فمعناه (وينادي)، لأن المعنى مفهوم. وقال جل وعز: {يا أبانا منع منا الكيل}، فقال بعض الناس: معناه (يمنع منا).
وقال الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه = أن الوليد أحق بالعذر
معناه: (يشهد الحطيئة).
{وكان الله غفورا رحيما} ليس بصحيح؛ لأنها لا تلغى مبتدأة ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء: (وكائن الله غفورا رحيما)، فصلح الماضي في موضع الدائم؛ لأن أفعال الله جل وعز تخالف أفعال العباد، فأفعال العباد تنقطع، ورحمة الله جل وعز لا تنقطع، وكذلك مغفرته وعلمه وحكمته.
وقال غير الفراء: كأن القوم شاهدوا لله مغفرة ورحمة وعلما وحكمة، فقال الله جل وعز: {وكان الله غفورا رحيما}، أي لم يزل الله عز وجل على ما شاهدتم). [كتاب الأضداد: 60-62]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) }

تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) }

تفسير قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) }

تفسير قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) }


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 ذو القعدة 1439هـ/28-07-2018م, 03:34 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 1,156
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 ذو القعدة 1439هـ/28-07-2018م, 04:03 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 1,156
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16 ذو القعدة 1439هـ/28-07-2018م, 04:22 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 1,156
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا}
روي أن مريم عليها السلام لما اطمأنت بما رأت من الآية، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذي انتبذت فيه، روي أن قومها
[المحرر الوجيز: 6/26]
خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة. و"الفري": العظيم الشنيع، قاله مجاهد والسدي، وافتراه: اختلقه، وهو من الفرية، وفراه يفريه: شقه وأفسده، وأفراه: أصلحه، من قولهم: فريت الأديم: قطعته على جهة الإصلاح، وأما قولهم في المثل: "فلان يفري الفري" فمعناه: جاء بعمل عظيم، في قول أو فعل مما قصد ضرب المثل له، وهو مستعمل فيما يختلق ويفعل، والفري من الأسقية الجديد، وقرأ أبو حيوة: "شيئا فريا" بسكون الراء). [المحرر الوجيز: 6/27]

تفسير قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (واختلف المفسرون في معنى قوله عز وجل: {يا أخت هارون} فقالت فرقة: كان لها أخ اسمه هارون؛ لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل تبركا باسم هارون أخي موسى عليهما السلام، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى نجران في أمر من الأمور، فقالوا: إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون، وبينهما في المدة ستمائة سنة، قال المغيرة: فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: "ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين"؟.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فالمعنى أنه اسم وافق اسما، وقال السدي وغيره: بل نسبوها إلى هارون أخي موسى لأنها كانت من نسله، وهذا كما تقول من قبيلة: يا أخا فلانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم، وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ليست بأخت هارون أخي موسى "، فقالت عائشة: كذبت، فقال لها: يا أم المؤمنين، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وأخبر، وإلا
[المحرر الوجيز: 6/27]
فإني أجد بينهما من المدة ستمائة سنة، قال: فسكتت، وقال قتادة: كان في ذلك الزمن في بني إسرائيل رجل عابد منقطع إلى الله عز وجل يسمى هارون، فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته، قيل: إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي: يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لما أتيت به: وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن رجل فاجر اسمه هارون، فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ، ذكره الطبري ولم يسم قائله، والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة: فكيف جئت أنت بها؟ و"البغي": التي تبغي الزنى، أي تطلبه، أصلها: بغوي، فعول، وقد تقدم ذكر ذلك). [المحرر الوجيز: 6/28]

تفسير قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا}
التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ إني نذرت للرحمن صوما، وإنما ورد أنها أشارت، فيقوى بهذا قول من قال: إن أمرها في "فقولي" إنما أريد به الإشارة، ويروى أنهم - لما أشارت إلى الطفل - قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها - على جهة التقرير - كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟.
و "كان" هنا ليس يراد بها المضي؛ لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا، وإنما هي في معنى: هو "الآن"، ويحتمل أن تكون الناقصة، والأظهر أنها التامة، وقد قال أبو عبيدة: "كان" هنا لغو. وقال الزجاج والفراء: "من" شرطية في قوله تبارك وتعالى: {من كان}.
[المحرر الوجيز: 6/28]
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ونظير "كان" هذه قول رؤبة:
والرأس قد كان له قتير
و "صبيا" إما خبر "كان" على تجوز وتخيل في كونها ناقصة، وإما حال [إذا قدرت زائدة أو تامة] لاستقرار المقدر في الكلام.
وروي أن المهد يراد به حجر أمه). [المحرر الوجيز: 6/29]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قال لهم عيسى من مرقده: "إني عبد الله" الآية، وروي أنه قام متكئا على يساره، وأشار إليهم بسبابته اليمنى. و"الكتاب": التوراة، ويحتمل التوراة والإنجيل، و"آتاني" معناه: قضى بذلك وأنفذه في سابق حكمه، وهذا نحو قوله عز وجل: {أتى أمر الله} وغير هذا، وأمال الكسائي "آتاني" و"أوصاني"، والباقون لا يميلون، قال أبو علي: الإمالة في "آتاني" أحسن لا في "أوصاني"). [المحرر الوجيز: 6/29]

تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (و"مباركا" قال مجاهد: معناه: نفاعا، وقال سفيان الثوري: معناه: معلم خير،
[المحرر الوجيز: 6/29]
وقيل: آمرا بمعروف ناهيا عن منكر، وقال رجل لبعض العلماء: ما الذي أعلن من علمي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه، وأسند النقاش عن الضحاك أنه قال: "مباركا" معناه: قضاء للحوائج.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وقوله تعالى: "مباركا" يعم هذه الوجوه وغيرها.
و "الصلاة والزكاة" قيل: هما المشروعتان في البدن والمال، وقيل: زكاة الرؤوس في الفطر، وقيل: الصلاة الدعاء، والزكاة التطهير من كل عيب ونقص ومعصية. وقرأ "دمت" بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ "دمت" بكسرها أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، وجماعة). [المحرر الوجيز: 6/30]

تفسير قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقرأ الجمهور "وبرا" بفتح الباء - وهو الكثير البر - ونصبه على قوله: "مباركا"، وقرأ أبو نهيك، وأبو مجلز، وجماعة "برا" بكسر الباء، فقال بعضهم: نصبه على العطف على قوله: "مباركا"، فكأنه قال: ذا بر، فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضهم: نصبه بقوله: "وأوصاني"، أي: وأوصاني برا بوالدتي، حذف الجار، يريد: وأوصاني ببر والدتي، وحكى الزهراوي هذه القراءة "وبر" بالخفض عطفا على "الزكاة"، وقوله: "بوالدتي" بيان لأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها.
و "الجبار": المتعظم، وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا مكروها، وكان عيسى صلوات الله عليه في غاية التواضع، يأكل الشجر، ويلبس الشعر، ويجلس على التراب، ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له، قال قتادة: وكان يقول: سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي). [المحرر الوجيز: 6/30]

تفسير قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإدلاله في ذلك، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة الله.
[المحرر الوجيز: 6/30]
وقال مالك بن أنس رضي الله عنه في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر، أخبر عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت، وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى وهو في المهد أذعنوا وقالوا: إن هذا لأمر عظيم، وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى حالة الأطفال حتى نشأ على عادة البشر، وقالت فرقة: إن عيسى كان أوتي الكتاب وهو في ذلك السن، وكان يصوم ويصلي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذا في غاية الضعف، مصرح بجهالة قائله). [المحرر الوجيز: 6/31]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 4 محرم 1440هـ/14-09-2018م, 05:22 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,026
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 4 محرم 1440هـ/14-09-2018م, 05:27 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,026
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا (29) قال إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا (30) وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا (31) وبرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا (32) والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًّا (33)}.
يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألّا تكلّم أحدًا من البشر فإنّها ستكفى أمرها ويقام بحجّتها فسلّمت لأمر اللّه، عزّ وجلّ، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها {فأتت به قومها تحمله} فلمّا رأوها كذلك، أعظموا أمرها واستنكروه جدًّا، وقالوا: {يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا} أي: أمرًا عظيمًا. قاله مجاهدٌ، وقتادة والسّدّيّ، وغير واحدٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن أبي زيادٍ، حدّثنا سيّار حدّثنا جعفر بن سليمان، حدّثنا أبو عمران الجوني، عن نوفٍ البكاليّ قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوّةٍ وشرفٍ. فلم يحسّوا منها شيئًا، فرأوا راعي بقرٍ فقالوا: رأيت فتاةً كذا وكذا نعتها؟ قال: لا ولكنّي رأيت اللّيلة من بقري ما لم أره منها قطّ. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سجّدا نحو هذا الوادي. قال عبد اللّه بن أبي زيادٍ: وأحفظ عن سيّارٍ أنّه قال: رأيت نورًا ساطعًا. فتوجّهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلمّا رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتّى قاموا عليها، {قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريًّا} أمرًا عظيمًا).[تفسير القرآن العظيم: 5/ 226]

تفسير قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أخت هارون} أي: يا شبيهة هارون في العبادة {ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا} أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزّهادة، فكيف صدر هذا منك؟
قال عليّ بن أبي طلحة، والسّدّيّ: قيل لها: {يا أخت هارون} أي: أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتّميميّ: يا أخا تميمٍ، وللمضريّ: يا أخا مضرٍ.
وقيل: نسبت إلى رجلٍ صالحٍ كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة، والزّهادة.
وحكى ابن جريرٍ عن بعضهم: أنّهم شبّهوها برجلٍ فاجرٍ كان فيهم. يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتمٍ عن سعيد بن جبيرٍ.
وأغرب من هذا كلّه ما رواه ابن أبي حاتمٍ.
حدّثنا عليّ بن الحسين الهسنجاني حدّثنا ابن أبي مريم، حدّثنا المفضّل بن فضالة، حدّثنا أبو صخرٍ، عن القرظي في قول اللّه عزّ وجلّ: {يا أخت هارون} قال: هي أخت هارون لأبيه وأمّه، وهي أخت موسى أخي هارون الّتي قصّت أثر موسى، {فبصرت به عن جنبٍ وهم لا يشعرون} [القصص: 11]
وهذا القول خطأٌ محضٌ، فإنّ اللّه تعالى قد ذكر في كتابه أنّه قفّى بعيسى بعد الرّسل، فدلّ على أنّه آخر الأنبياء بعثًا وليس بعده إلّا محمّدٌ صلوات اللّه وسلامه عليه ؛ ولهذا ثبت في الصّحيح عند البخاريّ، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "أنا أولى النّاس بابن مريم؛ إلّا أنّه ليس بيني وبينه نبيٌّ" ولو كان الأمر كما زعم محمّد بن كعبٍ القرظيّ، لم يكن متأخّرًا عن الرّسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و داود؛ فإنّ اللّه قد ذكر أنّ داود بعد موسى، عليهما السّلام في قوله تعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل اللّه قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل اللّه} [البقرة: 246] فذكر القصّة إلى أن قال: {وقتل داود جالوت} الآية [البقرة: 251]، والّذي جرّأ القرظيّ على هذه المقالة ما في التّوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النّبيّين، تضرب بالدّفّ هي والنّساء معها يسبّحن اللّه ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظيّ أنّ هذه هي أمّ عيسى. وهي هفوةٌ وغلطةٌ شديدةٌ، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد:
حدّثنا عبد اللّه بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: {يا أخت هارون}، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "ألا أخبرتهم أنّهم كانوا يتسمّون بالأنبياء والصّالحين قبلهم؟ ".
انفرد بإخراجه مسلمٌ، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، من حديث عبد اللّه بن إدريس، عن أبيه، عن سمّاكٍ، به، وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلّا من حديث ابن إدريس.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني يعقوب، حدّثنا ابن عليّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمّد بن سيرين قال نبّئت أنّ كعبًا قال: إنّ قوله: {يا أخت هارون}: ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال يا أمّ المؤمنين، إن كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلّا فإنّي أجد بينهما ستّمائة سنةٍ. قال: فسكتت وفي هذا التّاريخ نظرٌ.
وقال ابن جريرٍ أيضًا: حدّثنا بشرٌ، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمّك بغيًّا} قال: كانت من أهل بيتٍ يعرفون بالصّلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن النّاس من يعرفون بالصّلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد] ويتوالدون به. وكان هارون مصلحًا محبّبًا، في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنّه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنّه شيّع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلّهم يسمّى هارون، من بني إسرائيل). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 226-228]

تفسير قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا} أي: إنّهم لـمّا استرابوا في أمرها واستنكروا قضيّتها، وقالوا لها ما قالوا معرّضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمةً، صامتةً فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكّمين بها، ظانّين أنّها تزدري بهم وتلعب بهم: {كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا}؟
قال ميمون بن مهران: {فأشارت [إليه]}، قالت: كلّموه. فقالوا: على ما جاءت به من الدّاهية تأمرنا أن نكلّم من كان في المهد صبيًّا!
وقال السّدّيّ: لمّا أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أنّ نكلّم هذا الصّبيّ أشدّ علينا من زناها.
{قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيًّا} أي: من هو موجودٌ في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلّم؟). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 228]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (قال: {إنّي عبد اللّه} أوّل شيءٍ تكلّم به أن نزّه جناب ربّه تعالى وبرّأ اللّه عن الولد، وأثبت لنفسه العبوديّة لربّه.
وقوله: {آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا}: تبرئةٌ لأمّه ممّا نسبت إليه من الفاحشة.
قال نوفٌ البكاليّ: لـمّا قالوا لأمّه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثّدي من فمه، واتّكأ على جنبه الأيسر، وقال: {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا} إلى قوله: {ما دمت حيًّا}
وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ البناني: رفع إصبعه السّبّابة فوق منكبه، وهو يقول: {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا} الآية.
وقال عكرمة: {آتاني الكتاب} أي: قضى أنّه يؤتيني الكتاب فيما قضى.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن المصفّى، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ عن عبد العزيز بن زيادٍ، عن أنس بن مالكٍ، رضي اللّه عنه، قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمّه فذلك قوله: {إنّي عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا}.
يحيى بن سعيدٍ العطّار الحمصيّ: متروكٌ). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 228-229]

تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وجعلني مباركًا أين ما كنت} قال مجاهدٌ، وعمرو بن قيسٍ، والثّوريّ: وجعلني معلّمًا للخير. وفي روايةٍ عن مجاهدٍ: نفّاعًا.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني سليمان بن عبد الجبّار، حدّثنا محمّد بن يزيد بن خنيس المخزوميّ، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزومٍ قال: لقي عالمٌ عالـمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك اللّه، ما الّذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؛ فإنّه دين اللّه الّذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول اللّه: {وجعلني مباركًا أين ما كنت}، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أينما كان.
وقوله: {وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا} كقوله تعالى لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين} [الحجر: 99].
وقال عبد الرّحمن بن القاسم، عن مالك بن أنسٍ في قوله: {وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا} قال: أخبره بما هو كائنٌ من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 229]

تفسير قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وبرًّا بوالدتي} أي: وأمرني ببرّ والدتي، ذكره بعد طاعة اللّه ربّه؛ لأنّ اللّه تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: {وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إيّاه وبالوالدين إحسانًا} [الإسراء: 23] وقال {أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير} [لقمان: 14].
وقوله: {ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا} أي: ولم يجعلني جبّارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبرّ والدتي، فأشقى بذلك.
قال سفيان الثّوريّ: الجبّار الشقي: الذي يقبل على الغضب.
وقال بعض السّلف: لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلّا وجدته جبّارًا شقيًّا، ثمّ قرأ: {وبرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا}، قال: ولا تجد سيّئ الملكة إلّا وجدّته مختالًا فخورًا، ثمّ قرأ: {وما ملكت أيمانكم إنّ اللّه لا يحبّ من كان مختالا فخورًا} [النّساء: 36]
وقال قتادة: ذكر لنا أنّ امرأةً رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آياتٍ سلّطه اللّه عليهنّ، وأذن له فيهنّ، فقالت: طوبى للبطن الّذي حملك وللثّدي الّذي أرضعت به، فقال نبيّ اللّه عيسى، عليه السّلام، يجيبها: طوبى لمن تلا كلام اللّه، فاتّبع ما فيه ولم يكن جبّارًا شقيًّا). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 229-230]

تفسير قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًّا}: إثباتٌ منه لعبوديّته للّه عزّ وجلّ، وأنّه مخلوقٌ من خلق اللّه يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السّلامة في هذه الأحوال الّتي هي أشقّ ما يكون على العباد، [صلوات اللّه وسلامه عليه]). [تفسير القرآن العظيم: 5/ 230]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:36 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة