العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة البقرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 9 ربيع الثاني 1434هـ/19-02-2013م, 06:53 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة البقرة [من الآية (153) إلى الآية (158) ]

تفسير سورة البقرة
[من الآية (153) إلى الآية (158) ]


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 09:51 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف

جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (- أخبرنا مسعر، قال: حدثني معن وعون، أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله ابن مسعودٍ، فقال: اعهد إلي؟ فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنها خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه).[الزهد لابن المبارك: 2/ 18]

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول في قوله: {استعينوا بالصبر والصلاة} قال: «غشي على عبد الرحمن بن عوف عشية ظنوا أن نفسه فيها، فخرجت امرأته أم كلثوم إلى المسجد تستعين بما أمرت أن تستعين من الصبر والصلاة قال: فلما أفاق قال: أغشي علي؟، قالوا: نعم، قال: صدقتم، إنه أتاني ملكان في غشيتي هذه فقالا انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، قال: فانطلقا بي فلقيهما ملك آخر فقال: أين تريدان؟، قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين، قال: فأرجعاه فإن هذا ممن كتبت لهم السعادة وهم بطون أمهاتهم وسيمتع الله به بنيه ما شاء الله قال: فعاش شهرا ثم مات»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 62-63]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ الله مع الصّابرين}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، أنا عيينة بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: «نعي إليه أخوه قثم وهو في مسيرٍ، فاسترجع، ثمّ تنحّى عن الطّريق، فصلّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثمّ قام يمشي إلى راحلته، وهو يقول: {استعينوا بالصّبر والصّلاة وإنّها لكبيرة إلا على الخاشعين}».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيم، نا خالد بن صفوان، قال حدّثني زيد بن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «نعي إليه ابنٌ له وهو يسير في سفرٍ، فنزل فصلّى ركعتين، ثمّ استرجع، ثمّ قال: فعلنا كما أمرنا اللّه عزّ وجلّ، ثمّ تلا هذه الآية: {استعينوا بالصّبر والصّلاة}»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 632-634]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّ موضعه في التّوراة: يا أيّها المساكين). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 318]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ اللّه مع الصّابرين}:
وهذه الآية حضٌّ من اللّه تعالى ذكره على طاعته واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال، فقال: يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة على القيام بطاعتي وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي والانصراف عمّا أنسخه منها إلى الّذي أحدثه لكم من فرائضي وأنقلكم إليه من أحكامي والتّسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه والتّحوّل عنه بعد تحويلي إيّاكم عنه، وإن لحقكم في ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفّار تحدل منهم لكم الباطل، أو مشقّةٍ على أبدانكم في قيامكم به أو نقصٍ في أموالكم وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي بالصّبر منكم لي على مكروه ذلك ومشقّته عليكم، واحتمال عبئه وثقله، وبالعزاء منكم عمن قتل فى سبيلى، ثمّ بالفزع منكم فيما ينوبكم من مفظّعات الأمور إلى الصّلاة لي، فإنّكم بالصّبر على المكاره تدركون مرضاتي، وبالصّلاة لي تستنجحون طلباتكم قبلي وتدركون حاجاتكم عندي، فإنّي مع الصّابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصي أنصرهم وأرعاهم، وأكلؤهم حتّى يظفروا بما طلبوا وأمّلوا قبلي؛ وقد بيّنت معنى الصّبر والصّلاة فيما مضى قبل فكرهنا إعادته.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا آدم، قال: حدّثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {واستعينوا بالصّبر والصّلاة} يقول: «استعينوا بالصّبر والصّلاة على مرضاة اللّه، واعلموا أنّهما من طاعة اللّه».
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: «{يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة} اعلموا أنّهما عونٌ على طاعة اللّه».
وأمّا قوله: {إنّ اللّه مع الصّابرين} فإنّ تأويله: فإنّ اللّه ناصره وظهيره وراضٍ بفعله، كقول القائل: افعل يا فلان كذا وأنا معك، يعني إنّي ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه). [جامع البيان: 2/ 697-698]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ اللّه مع الصّابرين (153)}:
قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة}:
قد تقدّم تفسيره). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 261]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {إنّ اللّه مع الصّابرين}:
- حدّثنا عليّ بن الحسين بن الجنيد، ثنا هارون بن سعيدٍ الأيليّ، ثنا ابن وهبٍ، قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم يقول: «الصّبر في بابين، الصّبر
للّه بما أحبّ وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصّبر للّه عمّا كره، وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصّابرين الّذين يسلّم عليهم إن شاء اللّه».
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا الهيثم بن يمان، ثنا بن هارون، ثنا أبو حمزة الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين قال: «إذا جمع اللّه الأوّلين والآخرين، ينادي منادٍ: أين الصّابرون، ليدخلوا الجنّة قبل الحساب، قال: فيقوم عنقٌ من النّاس، فتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟، فيقولون: إلى الجنّة، قالوا: وقبل الحساب؟، قالوا نعم، قالوا: ومن أنتم؟، قالوا: الصّابرون، قالوا: وما كان صبركم؟، قالوا: صبرنا على طاعة اللّه، وصبرنا عن معصية اللّه، حتّى توفّانا اللّه، قالوا: أنتم كما قلتم ادخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين».
- حدّثنا أبي، ثنا عبدة بن سليمان المروزيّ، أنبأ ابن المبارك، أنبأ ابن لهيعة، عن عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «الصّبر اعتراف العبد للّه بما أصاب منه، واحتسابه عند اللّه رجاء ثوابه، وقد يجزع الرّجل وهو متجلّدٌ لا يرى منه إلّا الصّبر».
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، ثنا بن وهبٌ، سمعت ابن زيدٍ وقال لي: «الصّبر في بابين: على ما أحبّ اللّه وإن ثقل، وصبرٌ على ما تكره وإن نازعت إليه الهوى، فمن كان هكذا فهو من الصّابرين»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 261-262]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو زكريّا العنبريّ، ثنا محمّد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن الزّهريّ، عن حميد بن عبد الرّحمن بن عوفٍ، عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة، وكانت من المهاجرات الأول، في قول اللّه عزّ وجلّ: {واستعينوا بالصّبر والصّلاة} [البقرة: 45] قالت: «غشي على عبد الرّحمن بن عوفٍ غشيةً، فظنّوا أنّه فاض نفسه فيها، فخرجت امرأته أمّ كلثومٍ إلى المسجد، تستعين بما أمرت به من الصّبر والصّلاة، فلمّا أفاق قال: أغشي عليّ آنفًا؟، قالوا: نعم، قال: صدقتم إنّه جاءني ملكان فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فقال ملكٌ آخر: أرجعاه فإنّ هذا ممّن كتبتم له السّعادة، وهم في بطون أمّهاتهم، ويستمتع به بنوه ما شاء اللّه» فعاش بعد ذلك شهرًا ثمّ مات. هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2/ 296] (م)
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني إسماعيل بن محمّد بن الفضل بن محمّدٍ، ثنا جدّي، ثنا عمرو بن عونٍ الواسطيّ، ثنا هشيمٌ، أنبأ خالد بن صفوان، عن زيد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: «جاءه نعي بعض أهله، وهو في سفرٍ، فصلّى ركعتين، ثمّ قال: فعلنا ما أمر اللّه: {استعينوا بالصّبر والصّلاة}». هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/ 296] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}:
أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: «غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت به نفسه فيها حتى قاموا من عنده وجللوه ثوبا وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق»). [الدر المنثور: 2/ 69]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) }
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} قال: «إن أرواح الشهداء في صور طير بيض»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 63]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال معمر وقال الكلبي: «في صور طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتأوي إلى قناديل تحت العرش»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 63]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك أن النبي قال: «إن نسمة المسلم طير يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده»). [تفسير عبد الرزاق: 1/ 63]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون}:
يعني بذلك: يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر على طاعتي في جهاد عدوّكم وترك معاصي وأداء سائر فرائضي عليكم، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه هو ميّتٌ، فإنّ الميّت من خلقي من سلبته حياته وأعدمته حواسّه، فلا يلتذّ لذّةً ولا يدرك نعيمًا؛ فإنّ من قتل منكم ومن سائر خلقي في سبيلي أحياءٌ عندي في حبرةٍ ونعيمٍ وعيشٍ هنيٍّ ورزقٍ سنيٍّ، فرحين بما آتيتهم من فضلي وحبوتهم به من كرامتي.
- كما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون} قال: «يرزقون من ثمر الجنّة ويجدون ريحها وليسوا فيها».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: «{ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون} كنّا نحدّث أنّ أرواح الشّهداء تعارف في طير بيضٍ يأكلن من ثمار الجنّة، وأنّ مساكنهم السدرة، وأنّ للمجاهد في سبيل اللّه ثلاث خصلات من الخير: من قتل في سبيل اللّه منهم صار حيًّا مرزوقًا، ومن غلب آتاه اللّه أجرًا عظيمًا، ومن مات رزقه اللّه رزقًا حسنًا».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} قال: «أرواح الشّهداء في صور طير بيضٍ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} قال: «أحياءٌ في صور طيرٍ خضرٍ يطيرون في الجنّة حيث شاءوا منها يأكلون من حيث شاءوا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا عثمان بن غياثٍ، قال: سمعت عكرمة، يقول في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون} قال: «أرواح الشّهداء في طيرٍ بيض في الجنّة».
فإن قال لنا قائلٌ: وما في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} من خصوصيّة الخبر عن المقتول في سبيل اللّه الّذي لم يعمّ به غيره؟ وقد علمت تظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم، فأخبر عن المؤمنين أنّهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنّة يتنسمّون منها روحها، ويستعجلون اللّه قيام السّاعة ليصيروا إلى مساكنهم منها ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها، وعن الكافرين أنّه يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النّار ينظرون إليها ويصيبهم من نتنها ومكروهها، ويسلّط عليهم فيها إلى قيام السّاعة من يقمعهم فيها ويسألون اللّه فيها تأخير قيام السّاعة حذارًا من المصير إلى ما أعدّ اللّه لهم فيها من أشباه ذلك من الأخبار. فإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرةً عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فما الّذي خصّ به القتيل في سبيل اللّه ممّا لم يعمّ به سائر البشر غيره من الحياة وسائر الكفّار والمؤمنين غيره أحياءٌ في البرزخ، أما الكفّار فمعذّبون فيه بالمعيشة الضّنك، وأمّا المؤمنون فمنعّمون بالرّوح والرّيحان ونسيم الجنان؟
قيل: إنّ الّذي خصّ اللّه به الشّهداء في ذلك وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره إعلامه إيّاهم أنّهم مرزوقون من مآكل الجنّة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم، ومنعّمون بالّذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر من لذيذ مطاعمها الّتي لم يعطها اللّه أحدًا غيرهم في برزخه قبل مبعثه.
فذلك هو الفضيلة الّتي فضلّهم بها وخصّهم بها من غيرهم، والفائدة الّتي أفاد المؤمنين بالخبر عنهم، فقال تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتًا بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون فرحين بما آتاهم اللّه من فضله}. وبمثل الّذي قلنا جاء الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحيم بن سليمان، وعبدة بن سليمان، عن محمّد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيلٍ، عن محمود بن لبيدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الشّهداء على بارقٍ - نهرٍ بباب الجنّة - في قبّةٍ خضراء» وقال عبدة: «في روضةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنّة بكرةً وعشيًّا».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا جابر بن نوحٍ، عن الإفريقيّ، عن ابن يسارٍ السّلميّ أو أبي بشّارٍ، شكّ أبو جعفرٍ قال: «أرواح الشّهداء في قبابٍ بيضٍ من قباب الجنّة في كلّ قبّةٍ زوجتان، رزقهم في كلّ يومٍ طلعت فيه الشّمس ثورٌ، وحوتٌ، فأمّا الثّور ففيه طعم كلّ ثمرةٍ في الجنّة، وأمّا الحوت ففيه طعم كلّ شرابٍ في الجنّة».
فإن قال قائلٌ: فإنّ الخبر عمّا ذكرت أنّ اللّه تعالى ذكره أفاد المؤمنين بخبره عن الشّهداء من النّعمة الّتي خصّهم بها في البرزخ غير موجودٍ في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} وإنّما فيه الخبر عن حالهم أمواتٌ هم أم أحياءٌ.
قيل: إنّ المقصود بذكر الخبر عن حياتهم إنّما هو الخبر عمّا هم فيه من النّعمة، ولكنّه تعالى ذكره لمّا كان قد أنبأ عباده عمّا قد خصّ به الشّهداء في قوله: {ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتًا بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون} وعلموا حالهم بخبره ذلك، ثمّ كان المراد من اللّه تعالى ذكره في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} نهى خلقه عن أن يقولوا للشّهداء أنّهم موتى، ترك إعادة ذكر ما قد بيّن لهم من خبرهم..
وأمّا قوله: {ولكن لا تشعرون} فإنّه يعنى به: ولكنّكم لا ترونهم فتعلموا أنّهم أحياءٌ، وإنّما تعلمون ذلك بخبري إيّاكم به.
وإنّما رفع قوله: {أمواتٌ} بإضمار مكنيٍّ من أسماء من يقتل في سبيل اللّه.
ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه هم أمواتٌ. ولا يجوز النّصب في الأموات؛ لأنّ القول لا يعمل فيهم. وكذلك قوله: {بل أحياءٌ} رفع بمعنى بل هم أحياءٌ). [جامع البيان: 2/ 698-703]

قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون (154)}:
قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل }:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قول اللّه تعالى: «{ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه} يعني: الّذين قتلوا في طاعةٍ اللّه في قتال المشركين» ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 262]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {أمواتٌ}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: «{أمواتٌ} يقول اللّه: لا تحسبهم أمواتًا»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 262]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا هنّاد بن السّريّ، ثنا إسماعيل بن المختار، عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ أرواح الشّهداء في طيرٍ خضرٍ، ثمّ يكون مأواها إلى قناديل معلّقةٍ بالعرش، فيقول الرّبّ تبارك وتعالى: هل تعلمون كرامةً أكرم من كرامةٍ أكرمتموها؟ فيقولون: لا. إلا أنّا وددنا أنّك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتّى نقاتل مرّةً أخرى في سبيلك».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} قال: «يقول هم أحياءٌ في صدور طيرٍ خضرٍ، يطيرون في الجنّة حيث شاءوا، ويأكلون من حيث شاءوا» ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 263]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «يقول هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمرة الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها»). [تفسير مجاهد: 92]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون}:
أخرج ابن منده في المعرفة من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «قتل تميم بن الحمام ببدر وفيه وفي غيره نزلت: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} الآية».
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن حبير في قوله: {لمن يقتل في سبيل الله} قال: «في طاعة الله في قتال المشركين».
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي العالية في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} قال: «يقول: هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاؤوا ويأكلون من حيث شاؤوا».
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} الآية، قال: «أرواح الشهداء طير بيض فقاقيع في الجنة».
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في البعث والنشور عن كعب قال: «جنة المأوى فيها طير خضر ترتقي فيها أرواح الشهداء في أجواف طير خضر وأولاد المؤمنين الذين لم يبلغوا الحنث عصافير من عصافير الجنة ترعى وتسرح».
وأخرج عبد الرزاق عن معمرعن قتادة قال: «بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة»، وقال الكلبي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «في صورة طير بيض تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} قال: «ذكر لنا أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة وإن مساكنهم السدرة وأن الله أعطى المجاهد ثلاث خصال من الخير، من قتل في سبيل الله حيا مرزوقا ومن غلب آتاه الله أجره عظيما ومن مات رزقه الله رزقا حسنا».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {بل أحياء} قال: «كان يقول: من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها».
وأخرج مالك وأحمد والترمذي وصححه والنسائي، وابن ماجه عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق (تعلق من ثمر الجنة: ترعى من أعلاه) من ثمر الجنة أو شجر الجنة».
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله يوم القيامة».
وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له: يا ابن آدم كيف وجدك منزلك فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن، فيقول: وما أسألك وأتمنى أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيل الله عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة»). [الدر المنثور: 2/ 69- 72]

تفسير قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) }

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين}:
وهذا إخبارٌ من اللّه تعالى ذكره أتباع رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه مبتليهم، وممتحنهم بشدائد من الأمور ليعلم من يتّبع الرّسول ممّن ينقلب على عقبيه، كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وكما امتحن أصفياءه قبلهم، ووعدهم ذلك في آيةٍ أخرى فقال لهم: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثل الّذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضّرّاء وزلزلوا حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللّه ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ}.

وبنحو الّذي قلنا في ذلك كان ابن عبّاسٍ وغيره يقول.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع} ونحو هذا، قال: «أخبر اللّه المؤمنين أنّ الدّنيا دار بلاءٍ، وأنّه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصّبر وبشّرهم، فقال: {وبشّر الصّابرين} ثمّ أخبرهم أنّه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم، فقال: {مسّتهم البأساء والضّرّاء وزلزلوا}».
فمعنى قوله: {ولنبلونّكم} ولنختبرنّكم وقد أتينا على البيان عن أنّ معنى الابتلاء الاختبار فيما مضى قبل.
وقوله: {بشيءٍ من الخوف} يعني من الخوف من العدوّ، وبالجوع وهو القحط. يقول: لنختبرنّكم بشيءٍ من خوفٍ ينالكم من عدوّكم وبسنةٍ تصيبكم ينالكم فيها مجاعةٌ وشدّةٌ وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفّار، فينقص لها عددكم، وموت ذراريّكم، وأولادكم، وجدوبٌ تحدث، فتنقص لها ثماركم. كلّ ذلك امتحانٌ منّي لكم واختبارٌ منّي لكم، فيتبيّن صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينه منكم من أهل النّفاق فيه والشّكّ والارتياب. كلّ ذلك خطابٌ منه لأتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه.
- كما حدّثني هارون بن إدريس الكوفيّ الأصمّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّدٍ المحاربيّ، عن عبد الملك، عن عطاءٍ، في قوله: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع} قال: «هم أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
وإنّما قال تعالى ذكره: {بشيءٍ من الخوف} ولم يقل بأشياء لاختلاف أنواع ما أعلم عباده أنّه ممتحنهم به. فلمّا كان ذلك مختلفًا وكانت من تدلّ على أنّ كلّ نوعٍ منها مضمرٌ في شيءٍ وأنّ معنى ذلك: ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف وبشيءٍ من الجوع وبشيءٍ من نقص الأموال. اكتفى بدلالة ذكر الشّيء في أوّله من إعادته مع كلّ نوعٍ منها. ففعل تعالى ذكره كلّ ذلك بهم وامتحنهم بضروب المحن.
- كما حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات} قال: «قد كان ذلك، وسيكون ما هو أشدّ من ذلك، قال اللّه عند ذلك: {وبشّر الصّابرين الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون}».
ثمّ قال تعالى ذكره لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد بشّر الصّابرين على امتحاني بما أمتحنهم به، والحافظين أنفسهم عن التّقدّم على نهيي عمّا أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلّفهم من فرائضي مع ابتلائي إيّاهم بما ابتليهم به القائلين إذا أصابتهم مصيبةٌ: نّحن للّه ونّحن إليه راجعون، فأمره اللّه تعالى ذكره بأن يخصّ بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشّدائد أهل الصّبر الّذين وصف اللّه صفتهم. وأصل التّبشير: إخبار الرّجل الرّجل الخبر يسرّه أو يسوءه لم يسبقه به إليه غيره). [جامع البيان: 2/ 703-706]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين (155)}:
قوله: {ولنبلونّكم}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، أخبرني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: «{ولنبلونّكم} يعني: ولنبتلينّكم، يعني: المؤمنين».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة عن عبد الملك، عن عطاءٍ: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع} قال: «أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم».
- حدّثنا أبي، ثنا عبد الرّحمن بن عبيد اللّه بن حكيمٍ الحلبيّ، ثنا أبو سهلٍ عبّاد بن العوّام، عن عبد الملك، عن عطاءٍ: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع} قال: «النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 263]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {بشيءٍ من الخوف والجوع}:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع} قال: «أخبر اللّه سبحانه المؤمنين أنّ الدّنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع عن أبي العالية: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع} قال: «قد ابتلاهم اللّه بذلك كلّه، وسيبتليهم بما هو أشدّ من ذلك». وروي عن الرّبيع نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 263-264]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات}:
أخبرنا العبّاس بن الوليد بن مزيدٍ قراءةً، أخبرني محمّد بن شعيب بن شابور، أخبرني شيبان، عن أبي إسحاق، عن رجاء بن حيوة: {ونقصٍ من الثّمرات} قال: «حتّى لا تحمل النّخلة إلا ثمرةً واحدةً».
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ، عن الرّبيع، عن أبي العالية، قوله: {ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات} قال: «قد ابتلاهم اللّه بذلك كلّه، وسيبتليهم بما هو أشدّ من ذلك»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 264]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وبشّر الصّابرين}:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «أمرهم بالصّبر وبشّرهم فقال: {وبشّر الصّابرين}، ثمّ أخبرهم أنّه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم، فقال: {
مسّتهم البأساء والضّرّاء وزلزلوا}».
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قول اللّه: «وبشّر الصّابرين على أمر اللّه في المصائب، يعني: بشّرهم بالجنّة»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 264]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}:
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {ولنبلونكم} الآية، قال: «أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر وبشرهم فقال: {وبشر الصابرين}، وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله والرحمة وتحقيق سبل الهدى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استرجع عند
المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عطاء في قوله: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} قال: «هم أصحاب محمد عليه السلام».
وأخرج سفيان بن عينية، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن جويبر قال: «كتب رجل إلى الضحاك يسأله عن هذه الآية {إنا لله وإنا إليه راجعون} أخاصة هي أم عامة فقال: هي لمن أخذ بالتقوى وأدى الفرائض».
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {ولنبلونكم} قال: «ولنبتليكم يعني المؤمنين {وبشر الصابرين} قال: على أمر الله في المصائب يعني بشرهم بالجنة {أولئك عليهم} يعني على من صبر على أمر الله عند المصيبة {صلوات} يعني مغفرة {من ربهم ورحمة} يعني رحمة لهم وأمنة من العذاب {وأولئك هم المهتدون} يعني من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: {ونقص من الثمرات} قال: «يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة».

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق رجاء بن حيوة عن كعب، مثله.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم أن يقولوا عند المصيبة {إنا لله وإنا إليه راجعون}».
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن جبير قال: «لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئا لم تعطه الأنبياء من قبلهم ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفي على يوسف {إنا لله وإنا إليه راجعون}» لفظ البيهقي قال: «لم يعط أحد من الأمم الاسترجاع غير هذه الأمة أما سمعت قول يعقوب: يا أسفي على يوسف».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} قال: «من استطاع أن يستوجب لله في مصيبته ثلاثا الصلاة والرحمة والهدى فليفعل ولا قوة إلا بالله فإنه من استوجب على الله حقا بحق أحقه الله له ووجد الله وفيا».
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في كتاب العزاء، وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب قال: «نعم العدلان ونعم العلاوة {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} نعم العدلان {وأولئك هم المهتدون} نعم العلاوة».
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله ابن عمرو قال: «أربع من كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا الله وإذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وإذا أعطي شيئا قال: الحمد لله وإذا أذنب ذنبا قال: استغفر الله».
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض».
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن يونس بن يزيد قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر قال: «يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه».
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الاعتبار عن عمر بن عبد العزيز، أن سليمان بن عبد الملك قال له عند موت ابنه: «أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألما قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره ولكن الصبر معول المؤمن».
وأخرج أحمد، وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسين بن علي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يصب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب».
وأخرج سعيد بن منصور والعقيلي في الضعفاء من حديث عائشة، مثله.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نعمة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الحمد إلا جدد الله له ثوابها وما من مصيبة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها وأجرها».
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن سعيد بن المسيب رفعه من استرجع بعد أربعين سنة أعطاه الله ثواب مصيبته يوم أصيبها.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن كعب قال: «ما من رجل تصيبه مصيبة فيذكرها بعد أربعين سنة فيسترجع إلا أجرى الله له أجرها تلك الساعة كما أنه لو استرجع يوم أصيب».
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به قال: «لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا فعل ذلك به» قالت: أم سلمة: فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها ثم رجعت إلى نفسي وقلت من أين لي خير من أبي سلمة فأبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟، فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد».
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للموت فزعا فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون».
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن أبي بكر بن أبي مريم سمعت أشياخا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل المصيبة لتنزل بهم فيجزعون وتسور عنهم فيمر بها مار من الناس فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون فيكون فيها أعظم أجرا من أهلها».
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: انقطع قبال (قبال: زمام النعل) النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاسترجع فقالوا: مصيبة يا رسول الله فقال: «ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة».
وأخرج البزار بسند ضعيف والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انقطع شسع (زمام النعل بين الأصبع الوسطى والتي تليها) أحدكم فليسترجع لأنها من المصائب».
وأخرج البزار بسند ضعيف عن شداد بن أوس مرفوعا، مثله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن شهر بن حوشب رفعه قال: «من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون فإنها مصيبة».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: «من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون فإنها مصيبة».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: «كان ابن مسعود يمشي فانقطع شسعه فاسترجع فقيل: يسترجع على مثل هذا قال: مصيبة».
وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة وهناد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب، أنه انقطع شسعه فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل له: مالك؟، فقال: انقطع شسعي فسائني وما ساءك فهو لك مصيبة».
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأمل والديلمي عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: رأى رجلا اتخذ قبالا من حديد فقال: «أما أنت أطلت الأمل إن أحدكم إذا انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون كان عليه من ربه الصلاة والهدى والرحمة وذلك خير له من الدنيا».
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في العزاء عن عكرمة قال طفىء سراج النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل: يا رسول الله أ مصيبة هي؟، قال: نعم، وكل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر».
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد العزيز بن أبي رواد قال بلغني أن المصباح طفى ء فاسترجع النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «كل ما ساءك مصيبة».
وأخرج الطبراني وسمويه في فوائده عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع شسع النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال له رجل: هذا الشسع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مصيبة».
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن أبي إدريس الخولاني قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يمشي هو وأصحابه إذ انقطع شسعه فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: ومصيبة هي؟، قال: نعم، كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة».
وأخرج الديلمي عن عائشة قالت: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لدغته شوكة في إبهامه فجعل يسترجع منها ويمسحها فلما سمعت استرجاعه دنوت منه فنظرت فإذا أثر حقير فضحكت فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أكل هذا الاسترجاع من أجل هذه الشوكة فتبسم ثم ضرب على منكبي فقال: «يا عائشة إن الله عز وجل إذا أراد أن يجعل الصغير كبيرا جعله وإذا أراد أن يجعل الكبير صغيرا جعله».
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «إذا فاتتك صلاة في جماعة فاسترجع فإنها مصيبة».
وأخرج عبد بن حميد عن سواد بن داود: «أن سعيد بن المسيب جاء وقد فاتته الصلاة في الجماعة فاسترجع حتى سمع صوته خارجا من المسجد».
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وعبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصبر عند الصدمة الأولى والعبرة لا يملكها ابن آدم صبابة المرء إلى أخيه».
وأخرج ابن سعد عن خيثمة قال: «لما جاء عبد الله بن مسعود نعي أخيه عتبة دمعت عيناه فقال: «إن هذه رحمة جعلها الله لا يملكها ابن آدم».
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: «اتقي الله واصبري، فقالت: وما تبالي أنت مصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد عليه بوابين فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: إنما الصبر عند أول صدمة».
وأخرج عبد بن حميد والترمذي، وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما مسلمين مضى لهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا حنثا كانوا لهما حصنا حصينا من النار، قال: أبو ذر مضى لي اثنان، قال: واثنان، قال أبو المنذر سيد القراء: مضى لي واحد يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وواحد وذلك في الصدمة الأولى».
وأخرج عبد بن حميد عن كريب بن حسان قال: «توفي رجل منا فوجد به أبوه أشد الوجد فقال له رجل من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقال له حوشب: ألا أحدثكم بمثلها شهدتها من النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان رجل يأتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له توفي فوجد به أبوه أشد الوجد، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما فعل فلان؟، قالوا: يا رسول الله توفي ابنه الذي كان يختلف معه إليك، فلقيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا فلان أيسرك إن ابنك عندك كأجرى الغلمان جريا يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأنشط الغلمان نشاطا يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأجود الكهول كهلا أو يقال لك أدخل الجنة ثواب ما أخذ منك».
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كان رجل يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه بني له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: أتحبه؟ قال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل ابن فلان؟ قالوا: مات، قال: فلقيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أما تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة تستفتحه إلا جاء يسعى حتى يفتحه لك قالوا: يا رسول الله أله وحده أم لكلنا قال: بل لكلكم».
وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة».
وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحاجته حتى يلقى الله وليست له خطيئة».
وأخرج أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة».
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن بريدة قال: كنت عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه فقام النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه فلما دخل عليها قال: «أما أنه قد بلغني أنك جزعت، فقالت: ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد، فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها إنه لا يموت لأمرأة مسلمة ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا وجبت لها الجنة، فقال عمر: واثنين قال: واثنين».
وأخرج مالك في الموطأ عن أبي نصر السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت لأحد من المسلمسن ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار، فقالت امرأة: أو اثنان؟، قال: أو اثنان».
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان، عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة، فقالت امرأة: واثنين؟، قال: واثنين».
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم، فقالوا: يا رسول الله أو اثنان؟، قال: أو اثنان، قالوا: أو واحد؟، قال: أو واحد، ثم قال: والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته».
وأخرج الطبراني، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة، فقالت أم أيمن: واثنين؟، قال: واثنين، قالت: أو واحد؟، فسكت ثم قال: وواحد».
وأخرج أحمد، وابن قانع في معجم الصحابة، وابن منده في المعرفة عن حوشب عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك».
وأخرج النسائي، وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان، لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه».
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء والبيهقي عن أنس قال: توفي ابن عثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة أبواب أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك آخذا بحجزتك يشفع لك عند ربك؟ قال: بلى، قال المسلمون: يا رسول الله ولنا في إفراطنا ما لعثمان؟ قال: نعم لمن صبر منكم واحتسب».
وأخرج النسائي عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب من الجنة».
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قسم الله العقل على ثلاثة أجزاء فمن كن فيه فهو العاقل ومن لم يكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر لله».
وأخرج ابن سعد عن مطوف بن عبد الله بن الشخير: «أنه مات ابنه عبد الله فخرج وهو مترجل في ثياب حسنة فقيل له في ذلك فقال: قد وعدني الله على مصيبتين ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها، قال الله: {الذين إذا أصابتهم مصيبة} إلى قوله: {المهتدون} أفأستكين لها بعد هذا؟»). [الدر المنثور: 2/ 72- 87]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) }

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): ( حدثني ابن لهيعة عن قرة بن عبد الرحمن قال: «تلا سعيد [ ........ .. ]: {إنا لله وإنا إليه راجعون}، فقال: «لم تعطها [ ....... تا]، ولا نبي قبل نبينا، ولو علمها يعقوب [ ........ .. ] يوسف»). [الجامع في علوم القرآن: 2/ 143]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وحدثني الليث في قول الله: {إنا لله وإنا إليه راجعون}، قال: «يقول الذي يرجع: إنا، والذي أصبت به لله وإياه إلى الله راجعون»). [الجامع في علوم القرآن: 2/ 155-156]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون}:
يعني تعالى ذكره: وبشّر يا محمّد من الصّابرين، الصّابرين الّذين يعلمون أنّ جميع ما بهم من نعمةٍ فمنّي، فيقرّون بعبودتي، ويوحّدونني بالرّبوبيّة، ويصدّقون بالمعاد والرّجوع إليّ فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي ويخافون عقابي، ويقولون عند امتحاني إيّاهم ببعض محني، وابتلائي إيّاهم بما وعدتهم أن أبتليهم به من الخوف، والجوع ونقص الأموال، والأنفس، والثّمرات، وغير ذلك من المصائب الّتي أنا ممتحنهم بها: إنّا مماليك ربّنا ومعبودنا أحياءٌ ونحن عبيده، وإنّا إليه بعد مماتنا صائرون؛ تسليمًا لقضائي ورضًا بأحكامي). [جامع البيان: 2/ 706]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون (156)}:
قوله: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنا إليه راجعون}:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون} قال: «أخبر اللّه سبحانه أنّ المؤمن إذا سلّم لأمر اللّه ورجّع واسترجع عند
المصيبة، كتب اللّه له ثلاث خصالٍ من الخير: الصّلاة من اللّه، والرّحمة، وتحقيق سبيل الهدى»، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من استرجع عند المصيبة، جبر اللّه مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه».
- حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا محمّد بن عبيدٍ، ثنا سفيان العصفريّ، قال سمعت سعيد بن جبيرٍ يقول: «لقد أعطيت هذه الأمّة عند المصيبة ما لم تعط الأنبياء قبلها: {إنّا للّه وإنّا إليه راجعون}، ولو أعطيته الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ قال: يا أسفى على يوسف».
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ، ثنا الحسين بن حفصٍ، ثنا سفيان عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: «كتب إليه رجلٌ يسأله عن هذه الآية {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنا إليه راجعون} أخاصّةٌ هي؟ أو عامّةٌ؟ قال: هي لمن آمن بالتّقوى وأدّى الفرائض».
- حدّثنا أبي، ثنا عمران بن موسى الطّرسوسيّ، ثنا عبد الصّمد بن يزيد خادم الفضيل بن عياضٍ يقول: «قول العبد: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون تفسيرها: إنّي للّه وإنّي إلى اللّه راجعٌ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 264-265]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثني عليّ بن عيسى الحيريّ، ثنا مسدّد بن قطنٍ، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر رضي اللّه عنه، قال: «نعم العدلان، ونعم العلاوة الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ، نعم العدلان، وأولئك هم المهتدون، نعم العلاوة». هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه، ولا أعلم خلافًا بين أئمّتنا أنّ سعيد بن المسيّب أدرك أيّام عمر رضي اللّه عنه، وإنّما اختلفوا في سماعه منه ). [المستدرك: 2/ 296]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون} [البقرة: 156].
- عن ابن
عبّاسٍ قوله: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون} قال: «أخبر اللّه عزّ وجلّ أنّ العبد المؤمن إذا سلّم لأمر اللّه ورجع، فاسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصالٍ من الخير: الصّلاة من اللّه، والرّحمة، وتحقيق سبيل الهدى».
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا يرضاه».
رواه الطّبرانيّ، وإسناده حسنٌ). [مجمع الزوائد: 6/ 316-317]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الحارث: حدثنا الحكم بن موسى، ثنا عبّاد بن عبّادٍ، عن هشام بن زيادٍ، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيد بن المسيّب رضي الله عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من مسلمٍ يصاب بمصيبةٍ، فيذكر مصيبته بعد أربعين سنةً فيحدث لها استرجاعًا، إلّا أعطاه اللّه تعالى من الأجر عند ذلك، مثل ما أعطي يوم أصيب»). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/ 477]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: «نعم العدلان، ونعمت العلاوة: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون}»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 634]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {أولئك} هؤلاء الصّابرون الّذين وصفهم ونعتهم عليهم، يعني لهم صلواتٌ يعني مغفرةً. وصلوات اللّه على عباده: غفرانه لعباده، كالّذي روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: «اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى يعني اغفر لهم».
وقد بيّنّا الصّلاة وما أصلها في غير هذا الموضع.
وقوله: {ورحمةٌ} يعني ولهم مع المغفرة الّتي صفحٌ عن ذنوبهم وتغمّدها رحمةٌ من اللّه ورأفةٌ.
ثمّ أخبر تعالى ذكره مع الّذي ذكر أنّه معطيهم على اصطبارهم على محنه تسليمًا منهم لقضائه من المغفرة والرّحمة أنّهم هم المهتدون المصيبون طريق الحقّ والقائلون ما يرضى عنهم ربهم والفاعلون ما استوجبوا به من اللّه الجزيل من الثّواب.
وقد بيّنّا معنى الاهتداء فيما مضى فإنّه بمعنى الرّشد للصّواب.
وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون} قال: «أخبر اللّه أنّ المؤمن إذا سلّم الأمر إلى اللّه ورجع واسترجع عند المصيبة،
كتب الله له ثلاث خصالٍ من الخير: الصّلاة من اللّه، والرّحمة، وتحقيق سبيل الهدى». وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ} يقول: «الصّلوات والرّحمة على الّذين صبروا، واسترجعوا».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان العصفريّ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «ما أعطي أحدٌ ما أعطيت هذه الأمّة: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ} ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب عليه السّلام، ألم تسمع إلى قوله: {يا أسفى على يوسف}» ). [جامع البيان: 2/ 708]

قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون (157)}:
قوله: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: «{أولئك عليهم} يعني: على من صبر على أمر اللّه عند المصيبة»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 265]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {صلواتٌ من ربّهم}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد الله عن بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن ابن جبيرٍ في قوله: «{صلواتٌ من ربّهم} يعني: مغفرةً من ربّهم».
- حدّثنا أسيد بن عاصمٍ، ثنا الحسين بن حفصٍ، ثنا سفيان، عن جويبرٍ في هذه الآية: { أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ} قال: «هي لمن أخذ بالتّقوى وأدّى الفرائض».
- حدّثنا عصام بن الرّوّاد، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ عن الرّبيع عن أبي العالية: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} يقول: «فالصّلوات والرّحمة على الّذين صبروا واسترجعوا» ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 265-266]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ورحمةٌ}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: «{ورحمةٌ} يعني: رحمةً لهم وأمنةً من العذاب» ). [تفسير القرآن العظيم: 1 /266]

قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {وأولئك هم المهتدون}:
عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى: «{وأولئك هم المهتدون} يعني: من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة» ). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 266]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) }
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (وقال سفيان الثوري: «كان ابن عباس يقرؤها (فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما)» وكان أنس بن مالكٍ يقول: «هو شعارٌ كان في الجاهلية
»). [تفسير الثوري: 53]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): (قوله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرًا فإنّ الله شاكرٌ عليمٌ}:
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا داود، عن الشّعبي، قال: «كان على الصّفا وثنٌ يقال له إساف، وعلى المروة وثنٌ يقال له: نائلة، فلمّا قدم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول اللّه، إنّ أهل الجاهليّة إنّما كانوا يطوفون بين الصّفا والمروة للوثنين اللّذين عليهما، وإنّهما ليسا من شعائر اللّه، فنزلت: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، نا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله}، قال: «قالت الأنصار: إنّ السّعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهليّة، فنزلت: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله}»). [سنن سعيد بن منصور: 2/ 636-637]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ): (باب قوله: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}:
شعائر: علاماتٌ، واحدتها شعيرةٌ ، وقال ابن عبّاسٍ: «الصّفوان: الحجر»، ويقال: الحجارة الملس الّتي لا تنبت شيئًا، والواحدة صفوانةٌ، بمعنى الصّفا، والصّفا للجميع.

- حدّثنا عبد اللّه بن يوسف، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنّه قال: «قلت لعائشة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنا يومئذٍ حديث السّنّ: أرأيت قول اللّه تبارك وتعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر، فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فما أرى على أحدٍ شيئًا أن لا يطّوّف بهما؟، فقالت عائشة: كلّا، لو كانت كما تقول، كانت: فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما، إنّما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلّون لمناة، وكانت مناة حذو قديدٍ، وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصّفا والمروة، فلمّا جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فأنزل اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
- حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: «سألت أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، عن الصّفا، والمروة فقال: كنّا نرى أنّهما من أمر الجاهليّة، فلمّا كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل اللّه تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}». [صحيح البخاري: 6/ 23]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله: باب قوله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله}:

«شعائر: علاماتٌ، واحدتها شعيرةٌ» وهو قول أبي عبيدة. قوله: «وقال بن عبّاسٍ: الصّفوان الحجر» وصله الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه. قوله: «ويقال الحجارة الملس الّتي لا تنبت شيئًا، والواحدة صفوانةٌ بمعنى الصّفا، والصّفا للجميع» هو كلام أبي عبيدة أيضًا قال: «الصّفوان إجماعٌ، ويقال للواحدة صفوانةٌ في معنى الصّفا، والصّفا للجميع وهي الحجارة الملس الّتي لا تنبت شيئًا أبدًا من الأرضين والرّءوس، وواحد الصّفا صفاةٌ، وقيل الصّفا اسم جنسٍ يفرّق بينه وبين مفرده بالتّاء، وقيل مفردٌ يجمع على فعولٍ وأفعالٍ كقفا وأقفاءٍ فيقال فيه صفًا وأصفاءٌ، ويجوز كسر صاد صفا أيضا»، ثمّ ساق حديث عائشة في سبب نزول {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله} وقد تقدم شرحه في كتاب الحج وكذا حديث أنسٍ وقوله هنا «كنّا نرى من أمر الجاهليّة» فيه حذفٌ سقط ووقع في رواية بن السّكن «كنّا نرى أنّهما» وبه يستقيم الكلام). [فتح الباري: 8/ 176]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فيه: «وقال ابن عبّاس: الصفوان: الحجارة»:
قال ابن جرير ثنا المثنى ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علّي عن ابن عبّاس قال: «صفوان يعني الحجارة»). [تغليق التعليق: 4/ 176]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ): ( (باب قوله: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ومن تطوّع خيراً فإنّ الله شاكرٌ عليمٌ}:
أي: هذا باب يذكر فيه قوله عز وجل: {إن الصّفا}، الآية، والآن يأتي تفسيره، وسبب نزول هذه الآية ما روي عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام: «سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إن النّاس إلاّ عائشة إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهليّة، وقال آخر من الأنصار: إنّما أمرنا بالطّواف بالبيت ولم نؤمر بالطّواف بين الصّفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إن الصّفا والمروة من شعائر الله}»، وأما الّذي في الطّواف بالكعبة فما ذكره في: تفسير مقاتل: قال يحيى ابن أخطب وكعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وابن صوريا وكنانة ووهب بن يهودا وأبو نافع للنّبي صلى الله عليه وسلم: لم تطوفون بالكعبة حجارة مبنيّة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّكم لتعلمون أن الطّواف بالبيت حق، وأنه هو القبلة مكتوب في التّوراة والإنجيل»، فنزلت، أي: الآيات المذكورة آنفا.
«شعائر: علاماتٌ واحدتها شعيرةٌ»،
فسر شعائر المذكورة بقوله ثمّ أشار بأنّها جمع وواحدتها: شعيرة، بفتح الشين وكسر العين، هكذا فسرها أبو عبيدة، وقال ابن الأثير: «شعائر الحج: آثاره»، وقيل: هو كل ما كان من أعماله: كالوقوف والطّواف والسّعي والرّمي والذّبح وغير ذلك.
وقال ابن عبّاسٍ: «الصفوان، الحجر ويقال الحجارة الملس الّتي لا تنبت شيئاً والواحدة صفوانةٌ بمعنى الصّفا والصّفا للجميع». قول ابن عبّاس وصله الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة. قوله: « (الصفوان)، بفتح الصّاد وسكون الفاء، وهو جمع وواحده: صفوانه». وقال الطّبريّ: «الصّفا واحد، والمثنى صفوان والجمع أصفار وصفيا وصفيا»، وقيل: صفيا وصفيا من الغلط القبيح والصّواب صفي وصفي قلت: هكذا الصّواب، وقال ابن الأثير: «الصفوان: الحجر الأملس، والجمع صفي»، وقيل: هو جمع واحده صفوانه قلت: هذا بعينه قول ابن عبّاس المذكور. قوله: «(الملس)، بضم الميم وسكون اللّام: جمع أملس». قوله: «(والصفا للجميع)، يعني: أنه مقصور جمع الصفاة: وهي الصّخرة والصماء».
- حدّثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالكٌ عن هشام بن عروة عن أبيه أنّه قال: «قلت لعائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذٍ حديث السّنّ أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فما أرى على أحدٍ شيئاً أن لا يطّوّف بهما، فقالت عائشة كلا لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما إنّما أنزلت هاذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة وكانت مناة حذو قديدٍ وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصّفا والمروة فلمّا جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذالك فأنزل الله: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. والحديث قد مضى في الحج مطولا في: باب وجود الصّفا والمروة، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: «إن الصّفا، مقصورا»، مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام وهو أنف من جبل أبي قبيس وهو الآن إحدى عشر درجة فوقها أزجّ كإيوان، فتحة هذا الأزج نحو خمسين قدماً كان عليه صنم على صورة رجل يقال له: أساف بن عمرو، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى: نائلة بنت ذئب، ويقال: بنت سهيل، زعموا أنّهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله عز وجل فوضعا على الصّفا والمروة ليعتبر بهما، فلمّا طالت المدّة عبدا. وزعم عياض: «أن قصيًّا حولهما فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم»، وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندهما، فلمّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكّة كسرهما. وفي تفسير مقاتل: «كان على الصّفا صنم يقال له أساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فقال الكفّار: إنّه حرج علينا أن نطوف بهما، فأنزل الله تعالى: {إن الصّفا والمروة} الآية»، وفي فضائل مكّة: «لرزين: لما زنيا لم يمهل الله تعالى أن يفجرا فيها فمسخهما، فأخرجا إلى الصّفا والمروة، فلمّا كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم فطاف النّاس». قوله: «المروة»، المروة: الحصاة الصّغيرة يجمع قليلها على مروات وكثيرها مرو مثل: تمرة وتمرات وتمر»، وقال الزّمخشريّ: «الصّفا والمروة علمان للجبلين كالصمان والمقطم»، وقيل: سمي الصّفا به لأنّه جلس عليه آدم صفي الله عليه السّلام، والمروة سميت بها لأن حوّاء عليها السّلام، جلست عليها. وفي تفسير النّسفيّ روي عن ابن عبّاس: «أنه كان في المسعى سبعون وثنا، فقال السملمون: يا رسول الله! هذه الأرجاس الأنجاس في مسعانا ونحن نتأثم منها؟ فأنزل الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} أي: فلا إثم عليه أن يسع بينما ويطوف، فأمر بها فنحيت عن المسعى، وكذلك فعل
بالأوثان الّتي كانت حول الكعبة، شرفها الله تعالى». قوله: «حذو قديد» الحذو بفتح الحاء المهملة وسكون الذّال المعجمة وفي آخره واو: وهو الحذاء والإزاء والمقابل (وقديد)، بضم القاف وفتح الدّال: موضع من منازل طريق مكّة إلى المدينة قوله: «يتحرجون» أي: يتأثمون.

- حدّثنا محمّد بن يوسف حدّثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال: «سألت أنس بن مالكٍ رضي الله عنه عن الصّفا والمروة فقال: كنّا نرى أنّهما من أمر الجاهليّة فلمّا كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. ومحمّد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الفريابيّ وسفيان هو الثّوريّ وعاصم بنس ليمان الأحول أبو عبد الرّحمن البصريّ. والحديث مر في الحج في: باب ما جاء في السّعي بين الصّفا والمروة، قوله: (كنّا نرى)، بضم النّون وفتحها. قوله: (أنّهما)، أي: أن الصّفا والمروة، ولم يقع في بعض النّسخ لفظ، والظّاهر أنه من الكاتب، إذ لا بد منه لأن المعنى لا يتم إلاّ به). [عمدة القاري: 18/ 98-100]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}:

شعائر: علاماتٌ واحدتها شعيرةٌ. وقال ابن عبّاسٍ: «الصّفوان: الحجر ويقال الحجارة الملس الّتي لا تنبت شيئًا والواحدة صفوانةٌ بمعنى الصّفا، والصّفا للجميع».
({إن الصفا}) ولأبي ذر قوله: إن الصفا ({والمروة}) إن واسمها وثم محذوف أي أن طواف الصفا أو سعي الصفا أي الصفا والمروة علمين لجبلين معروفين واللام فيهما للغلبة والمروة الحجارة الصغار والخبر قوله: ({من شعائر الله}) أي من مناسك الحج ({فمن حج البيت أو اعتمر}) شرط في محل رفع الابتداء وحج في موضع جزم والبيت نصب على المفعول به لا على الظرف والجواب قوله: ({فلا جناح عليه أن يطوف بهما}) الإجماع على مشروعية الطواف بهما في الحج والعمرة، واختلف في وجوبه فعن مالك والشافعي: أنه ركن لقوله عليه الصلاة والسلام: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». رواه أحمد، وعن الإمام أحمد: أنه سنّة لقوله تعالى: ({فلا جناح عليه}) فإنه يفهم منه التخيير وهو ضعيف لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب فلا يدفعه، وعن أبي حنيفة: أنه واجب يجبر الدم ({ومن تطوع خيرًا}) فعل طاعة وخيرًا نصب على أنه صفة مصدر محذوف أي تطوع خيرًا ({فإن الله شاكر}) يقبل اليسير ويعطي الجزيل أو شاكر بقبول أعمالكم ({عليم}) بالثواب لا يخفى عليه طاعتكم.
(شعائر): ولأبي ذر الشعار (علامات، واحدتها شعيرة) وهي العلامة، والأجود في شعائر الهمزة عكس معايش.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه (الصفوان: الحجر، ويقال الحجارة الملس) بضم الميم وسكون اللام جمع أملس (التي لا تنبت شيئًا) أبدًا كذا قاله أهل اللغة (والواحدة) أي واحدة الصفوان (صفوانة بمعنى الصفا، والصفا) بالقصر (للجميع) وهي الصخرة الصماء وألف الصفا عن واو لقولهم صفوان والاشتقاق يدل عليه لأنه من الصفو، وسقط للحموي من قوله وقال ابن عباس الخ.
- حدّثنا عبد اللّه بن يوسف أخبرنا مالكٌ، عن هشام بن عروة عن أبيه، أنّه قال: «قلت لعائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا يومئذٍ حديث السّنّ أرأيت قول اللّه تبارك وتعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فما أرى على أحدٍ شيئًا أن لا يطّوّف بهما؟ فقالت: عائشة كلاّ. لو كانت كما تقول: كانت فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما إنّما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة، وكانت مناة حذو قديدٍ، وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصّفا والمروة، فلمّا جاء الإسلام سألوا
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فأنزل اللّه {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (أنه قال: «قلت لعائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا يومئذ حديث السن أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ({إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما} فما أرى) بضم الهمزة أي فما أظن ولأبي ذر فما أرى بفتحها (على أحد شيئًا) من الإثم (أن لا يطوف بهما) لأن مفهوم الآية أن السعي ليس بواجب لأنها دلت على رفع الجناح وهو الإثم وذلك يدل على الإباحة لأنه لو كان واجبًا لما قيل فيه مثل هذا (فقالت عائشة)، رادّة عليه قوله: (كلاّ لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) بزيادة "لا" بعد "أن" فإنها كانت حينئذ تدل على رفع الإثم عن تاركه وذلك حقيقة المباح فلم يكن في الآية نص على الوجوب ولا عدمه ثم بينت أن الاقتصار في الآية على نفي الإثم له سبب خاص فقالت: (إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا) زاد في الحج قبل أن يسلموا (يهلون لمناة) بفتح الميم والنون المخففة مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث وسميت بذلك لأن النسائك كانت تمنى أي تراق عندها (وكانت مناة حذو قديد) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة آخره واو أي مقابل قديد بضم القاف وفتح الدال موضع من منازل طريق مكة إلى المدينة (وكانوا يتحرجون) أي يحترزون من الإثم (أن يطوفوا) بالتشديد وفي اليونينية بالتخفيف (بين الصفا والمروة) كراهية لصنمي غيرهم أساف الذي كان على الصفا ونائلة الذي كان بالمروة وحبهم صنمهم الذي بقديد، وكان ذلك سنّة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة (فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك) الطواف بينهما (فأنزل الله) تعالى: ({إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما}). وهذا الحديث سقط للحموي وقد سبق في باب وجوب الصفا والمروة من كتاب الحج مطولًا.
- حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال: «سألت أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- عن الصّفا والمروة فقال: كنّا نرى أنّهما من أمر الجاهليّة، فلمّا كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل اللّه تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه}».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري (عن عاصم بن سليمان) الأحول البصري أبي عبد الرحمن أنه (قال: «سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة) في باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة؟ قال: قلت لأنس أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ (فقال: كنا نرى) بفتح النون، ولأبي ذر: نري بضمها (أنهما من أمر الجاهلية) الذي كانوا يتعبدون به (فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه}») كذا لأبي ذر ولغيره بعد {إن الصفا والمروة} إلى قوله: {أن يطوّف بهما}. وهذا الحديث قد مرّ في الحج. [إرشاد الساري: 7/ 19-20]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكرٌ عليمٌ}
قوله: (فما أرى على أحد شيئاً ألا يطوّف بهما) لأن مفهوم الآية: أن السعي ليس بواجب لأنها دلت على رفع الجناح وهو الاثم، وذلك يدل على الإباحة، لأنه لو كان واجباً لما قيل فيه مثل ذلك اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/ 38-39]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، قال: سمعت الزّهريّ، يحدّث عن عروة، قال: «قلت لعائشة: ما أرى على أحدٍ لم يطف بين الصّفا والمروة شيئًا، وما أبالي أن لا أطوف بينهما، فقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، طاف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وطاف المسلمون، وإنّما كان من أهلّ لمناة الطّاغية الّتي بالمشلّل لا يطوفون بين الصّفا والمروة، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} ولو كانت كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما» قال الزّهريّ: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ، فأعجبه ذلك، وقال: «إنّ هذا لعلمٌ، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إنّما كان من لا يطوف بين الصّفا والمروة من العرب يقولون: إنّ طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهليّة، وقال آخرون من الأنصار: إنّما أمرنا بالطّواف بالبيت، ولم نؤمر به بين الصّفا والمروة، فأنزل اللّه تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}» قال أبو بكر بن عبد الرّحمن: «فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء». هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/ 59]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا يزيد بن أبي حكيمٍ، عن سفيان، عن عاصمٍ الأحول، قال: «سألت أنس بن مالكٍ، عن الصّفا والمروة، فقال: كانا من شعائر الجاهليّة، فلمّا كان الإسلام أمسكنا عنها، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قال: هما تطوّعٌ {ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}». هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/ 59]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: «سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم مكّة طاف بالبيت سبعًا فقرأ: {واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى} فصلّى خلف المقام، ثمّ أتى الحجر فاستلمه، ثمّ قال: نبدأ بما بدأ اللّه وقرأ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/ 60]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله}:
- أخبرنا محمّد بن سلمة، والحارث بن مسكينٍ قراءةً عليه، عن ابن القاسم، قال: حدّثني مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «قلت لعائشة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنا يومئذٍ حديث السّنّ: أرأيت قول الله عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر، فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فما أرى على أحدٍ شيئًا ألّا يطّوّف بهما؟. قالت عائشة: كلّا، لو كانت كما تقول كانت: لا جناح عليه ألّا يطّوّف بهما، إنّما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلّون لمناة وكانت مناة حذو قديدٍ، وكانوا يتحرّجون أن يطّوّفوا بين الصّفا والمروة، فلمّا جاء الإسلام سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك فأنزل الله عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}». [السنن الكبرى للنسائي: 10/
19]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}:
والصّفا: جمع صفاةٍ، وهي الصّخرة الملساء، ومنه قول الطّرمّاح:


أبى لي ذو القوى والطّول ألاّ ....... يؤبّس حافرٌ أبدًا صفاتي

وقد قالوا إنّ الصّفا واحدٌ، وأنّه يثنّى صفوان، ويجمع أصفاء، وصفيًّا، وصفيًّا؛ واستشهدوا على ذلك بقول الرّاجز:


كأنّ متنيه من النّفيّ ....... مواقع الطّير على الصّفيّ

وقالوا: هو نظير عصًا وعصيٍّ ورحا ورحيٍّ وأرحاءٍ.
وأمّا المروة فإنّها الحصاة الصّغيرة يجمع قليلها مرواتٍ، وكثيرها المرو مثل تمرةٍ وتمراتٍ وتمرٌ. قال الأعشى ميمون بن قيسٍ:


وترى الأرض خفًّا زائلاً ....... فإذا ما صادف المرو رضح

يعني بالمرو: الصّخر الصّغار ومن ذلك قول أبي ذؤيبٍ الهذليّ:

حتّى كأنّي للحوادث مروةٌ ....... بصفا المشرّق كلّ يومٍ تقرع

ويقال المشقّر. وإنّما عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الصّفا والمروة}
في هذا الموضع: الجبلين المسمّيين بهذين الاسمين اللّذين في حرمه دون سائر الصّفا والمروة؛ ولذلك أدخل فيهما الألف واللاّم، ليعلم عباده أنّه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين دون سائر الأصفاء والمرو.
وأمّا قوله: {من شعائر اللّه} فإنّه يعني من معالم اللّه الّتي جعلها تعالى ذكره لعباده معلّمًا ومشعرًا يعبدونه عندها، إمّا بالدّعاء، وإمّا بالذّكر وإمّا بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها؛ ومنه قول الكميت بن زيد:


نقتّلهم جيلاً فجيلاً نراهم ....... شعائر قربانٍ بهم نتقرّب

وكان مجاهدٌ يقول في الشّعائر بما؛
- حدّثني به، محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، حدّثنا عيسى، حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} قال: «من الخبر الّذي أخبركم عنه».
فكأنّ مجاهدًا كان يرى أنّ الشّعائر إنّما هو جمع شعيرةٍ من إشعار اللّه عباده أمر الصّفا، والمروة وما عليهم في الطّواف بهما، بمعنى إعلامهم ذلك؛ وذلك تأويلٌ من المفهوم بعيدٌ.
وإنّما أعلم اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} عباده المؤمنين أنّ السّعي بينهما من مشاعر الحجّ الّتي سنّها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم، إذ سأله أن يريه مناسك الحجّ. وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنّه مرادٌ به الأمر؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره قد أمر نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم باتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام فقال له: {ثمّ أوحينا إليك أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفًا} وجعل تعالى ذكره إبراهيم إمامًا لمن بعده. فإذا كان صحيحًا أنّ الطّواف والسّعي بين الصّفا، والمروة من شعائر اللّه ومن مناسك الحجّ، فمعلومٌ أنّ إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم قد عمل به وسنّه لمن بعده، وقد أمر نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم أمّته باتّباعه فعليهم العمل بذلك على ما بيّنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم). [جامع البيان: 2/ 708-711]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فمن حجّ البيت أو اعتمر}:
يعني تعالى ذكره: {فمن حجّ البيت} فمن أتاه عائدًا إليه بعد بدءٍ، وكذلك كلّ من أكثر الاختلاف إلى شيءٍ فهو حاجٌّ إليه؛ ومنه قول الشّاعر:


وأشهد من عوفٍ حلولاً كثيرةً ....... يحجّون بيت الزّبرقان المزعفرا

يعني بقوله يحجّون: يكثرون التّردّد إليه لسؤدده ورياسته. وإنّما قيل للحاجّ حاجٌّ؛ لأنّه يأتي البيت قبل التّعريف، ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر بعد التّعريف، ثمّ ينصرف عنه إلى منًى، ثمّ يعود إليه لطوافٍ الصّدر، فلتكراره العود إليه مرّةً بعد أخرى قيل له حاجٌّ. وأمّا المعتمر فإنّما قيل له معتمرٌ لأنّه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إيّاه. وإنّما يعني تعالى ذكره بقوله: {أو اعتمر} أو اعتمر البيت، ويعني بالاعتمار الزّيارة، فكلّ قاصدٍ لشيءٍ فهو له معتمرٌ ومنه قول العجّاج:

لقد سما ابن معمرٍ حين اعتمر ....... مغزًى بعيدًا من بعيدٍ وضبر

يعني بقوله حين اعتمر: حين قصده وأمّه). [جامع البيان: 2/ 711-712]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}:
يعني تعالى ذكره بقوله: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} يقول: فلا حرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما.
فإن قال قائلٌ: وما وجه هذا الكلام، وقد قلت لنا: إنّ قوله: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فإنّه في معنى الأمر بالطّواف بهما؟ فكيف يكون أمرًا بالطّواف، ثمّ يقال: لا جناح على من حجّ البيت أو اعتمر في الطّواف بهما؟ وإنّما يوضع الجناح عمّن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج، والأمر بالطّواف بهما، والتّرخيص في الطّواف بهما غير جائزٍ اجتماعهما في حالٍ واحدةٍ؟
قيل: إنّ ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنّما معنى ذلك عند أقوامٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا اعتمر عمرة القضيّة تحوّب أقوامٌ كانوا يطوفون بهما في الجاهليّة قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيمًا منهم لهما فقالوا: وكيف نطوف بهما وقد علمنا أنّ تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون اللّه بالله شركٌ؟ وطوافنا بهذين الحجرين أحد ذلك؛ لأنّ الطّواف بهما في الجاهليّة إنّما كان للصّنمين اللّذين كانا عليهما، وقد جاء اللّه بالإسلام اليوم ولا سبيل إلى تعظيم شيءٍ مع اللّه بمعنى العبادة له. فأنزل اللّه تعالى ذكره في ذلك من أمرهم: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} يعني أنّ الطّواف بهما، فترك ذكر الطّواف بهما اكتفاءً بذكرهما عنه. وإذ كان معلومًا عند المخاطبين به أنّ معناه: من معالم اللّه الّتي جعلها علمًا لعباده يعبدونه عندهما بالطّواف بينهما ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهلٌ من الذّكر، فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا يتحوّبنّ من الطّواف بهما من أجل ما كان أهل الجاهليّة يطوفون بهما من أجل الصّنمين اللّذين كانا عليهما، فإنّ أهل الشّرك كانوا يطوفون بهما كفرًا، وأنتم تطوفون بهما إيمانًا بى وتصديقًا لرسولي وطاعةً لأمري، فلا جناح عليكم في الطّواف بهما.
والجناح: الإثم.
- كما حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} يقول: «ليس عليه إثمٌ ولكن له أجرٌ». وبمثل الّذي قلنا في ذلك تظاهرت الرّواية عن السّلف من الصّحابة والتّابعين.
ذكر الأخبار الّتي رويت بذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن أبي الشّوارب، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا داود، عن الشّعبيّ: «أنّ وثنًا كان، في الجاهليّة على الصّفا يسمّى إسافًا، ووثنًا على المروة يسمّى نائلة؛ فكان أهل الجاهليّة إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين؛ فلمّا جاء الإسلام وكسّرت الأوثان، قال المسلمون: إنّ الصّفا، والمروة إنّما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطّواف بهما من الشّعائر. قال: فأنزل اللّه: إنّهما من الشّعائر {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشّعبيّ وذكر نحو حديث ابن أبي الشّوارب، عن يزيد، وزاد فيه: قال: «فجعله اللّه تطوّع خيرٍ».
- حدّثنا بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، قال: «كان صنمٌ بالصّفا يدعى إسافًا، ووثنٌ بالمروة يدعى نائلة». ثمّ ذكر نحو حديث ابن أبي الشّوارب، وزاد فيه قال: «فذكر الصّفا من أجل الوثن الّذي كان عليه، وأنّث المروة من أجل الوثن الّذي كان عليه مؤنّثًا».
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرني عاصم الأحول، قال: «قلت لأنس بن مالكٍ، أكنتم تكرهون الطّواف بين الصّفا، والمروة حتّى نزلت هذه الآية؟ فقال نعم كنّا نكره الطّواف بينهما لأنّهما من شعائر الجاهليّة حتّى نزلت هذه الآية: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثني عليّ بن سهلٍ الرّمليّ، قال: حدّثنا مؤمّل بن إسماعيل، قال: حدّثنا سفيان، عن عاصمٍ، قال: «سألت أنسًا عن الصّفا والمروة، فقال: كانتا من مشاعر الجاهليّة، فلمّا كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثني عبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث، قال: حدّثني أبى، قال: حدّثني الحسين المعلّم، قال: حدّثنا شيبانٌ أبو معاوية، عن جابرٍ الجعفيّ، عن عمرو بن حبشيٍّ، قال: «قلت لابن عمر: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قال: انطلق إلى ابن عبّاسٍ، فاسأله، فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فأتيته فسألته، فقال: إنّه كان عندهما أصنامٌ، فلمّا حرّمن أمسكوا عن الطّواف بينهما حتّى أنزلت: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: «{إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} وذلك أنّ ناسًا يتحرّجوا أن يطوفوا بين الصّفا والمروة، فأخبر اللّه أنّهما من شعائره، والطّواف بينهما أحبّ إليه، فمضت السّنّة بالطّواف بينهما».
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قال: «زعم أبو مالكٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه كان في الجاهليّة شياطين تعزف اللّيل أجمع بين الصّفا، والمروة، وكانت بينهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلام وظهر قال المسلمون: يا رسول اللّه لا تطوفن بين الصّفا، والمروة؛ فإنّه شركٌ كنّا نصنعه في الجاهليّة فأنزل اللّه: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} قال: «قالت الأنصار: إنّ السّعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهليّة. فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قال: «كان أهل الجاهليّة قد وضعوا على كلّ واحدٍ منهما صنمًا يعظّمونهما؛ فلمّا أسلم المسلمون كرهوا الطّواف بالصّفا والمروة لمكان الصّنمين، فقال اللّه تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} وقرأ: {ومن يعظّم شعائر اللّه فإنّها من تقوى القلوب} وسنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الطّواف بهما».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: «قلت لأنسٍ الصّفا، والمروة أكنتم تكرهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام الّتي نهيتم عنها؟ قال نعم حتّى نزلت: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، قال: أخبرنا عاصمٌ، قال: سمعت أنس بن مالكٍ يقول: «إنّ الصّفا، والمروة من مشاعر قريشٍ في الجاهليّة، فلمّا كان الإسلام تركناهما».
وقال آخرون: بل أنزل اللّه تعالى ذكره هذه الآية في سبب قومٍ كانوا في الجاهليّة لا يسعون بينهما فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السّعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهليّة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة، قوله: «{إنّ الصّفا والمروة، من شعائر اللّه} الآية، فكان حيّ من تهامة في الجاهليّة لا يسعون بينهما، فأخبرهم اللّه أنّ الصّفا، والمروة من شعائر اللّه، وكان من سنّة إبراهيم، وإسماعيل الطّواف بينهما».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: «كان ناسٌ من أهل تهامة لا يطوفون بين الصّفا، والمروة، فأنزل اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني عقيلٌ، عن ابن شهابٍ، قال: حدّثني عروة بن الزّبير، قال: «سألت عائشة، فقلت لها: أرأيت قول اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} وقلت لعائشة: واللّه ما على أحدٍ جناحٌ أن لا يطّوف بالصّفا والمروة، فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنّ هذه الآية لو كانت كما أوّلتها كانت لا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما، ولكنّها إنّما أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطّاغية الّتي كانوا يعبدون بالمشلّل وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطّوّف بين الصّفا، والمروة، فلمّا سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فقالوا: يا رسول اللّه إذا كنّا نتحرّج أن نطوف بين الصّفا، والمروة؛ أنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قالت عائشة: ثمّ قد سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الطّواف بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطّواف بينهما».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان رجالٌ من الأنصار ممّن يهلّ لمناة في الجاهليّة ومناة صنمٌ بين مكّة، والمدينة، قالوا: يا نبيّ اللّه إنّا كنّا لا نطوف بين الصّفا، والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرجٍ أن نطّوّف بهما؟ فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصّفا والمروة، قال اللّه: {فلا جناح عليه} قالت: يا ابن أختي ألا ترى أنّه يقول: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}؟» قال الزّهريّ: «فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ، فقال: هذا العلم، قال أبو بكرٍ: ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: لمّا أنزل اللّه الطّواف بالبيت ولم ينزل الطّواف بين الصّفا، والمروة، قيل للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّا كنّا نطوف في الجاهليّة بين الصّفا والمروة، وإنّ اللّه قد ذكر الطّواف بالبيت، ولم يذكر الطّواف بين الصّفا، والمروة فهل علينا من حرجٍ أن لا نطّوّف بهما؟ فأنزل اللّه تعالى ذكره: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} الآية كلّها. قال أبو بكرٍ: فأسمع أنّ هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما فيمن طاف وفيمن لم يطف».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: «كان ناسٌ من أهل تهامة لا يطوفون بين الصّفا، والمروة، فأنزل اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
والصّواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ اللّه تعالى ذكره قد جعل الطّواف بين الصّفا، والمروة من شعائر اللّه، كما جعل الطّواف بالبيت من شعائره. فأمّا قوله: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فجائزٌ أن يكون قيل لكلا الفريقين اللّذين تحوّب بعضهم الطّواف بهما من أجل الصّنمين اللّذين ذكرهما الشّعبيّ، وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطّواف بهما في الجاهليّة على ما روي عن عائشة. وأيّ الأمرين كان من ذلك فليس في قول اللّه تعالى ذكره: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} دلالةٌ فى الآية، على أنّه عنى به وضع الحرج عمّن طاف بهما، من أجل أنّ الطّواف بهما كان غير جائزٍ بحظر اللّه ذلك ثمّ جعل الطّواف بهما رخصةً لإجماع الجميع، على أنّ اللّه تعالى ذكره لم يحظر ذلك في وقتٍ، ثمّ رخّص فيه بقوله: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}.
وإنّما الاختلاف في ذلك بين أهل العلم على أوجهٍ؛ فرأى بعضهم أن تارك الطّواف بينهما تاركٌ من مناسك حجّه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه، كما لا يجزي تارك الطّواف الّذي هو طواف الإفاضة إلاّ قضاؤه بعينه، وقالوا: هما طوافان أمر اللّه بأحدهما بالبيت، والآخر بين الصّفا، والمروة حكمهما واحد.
ورأى بعضهم أن تارك الطّواف بهما يجزيه من تركه فديةٌ، ورأوا أنّ حكم الطّواف بهما حكم رمي بعض الجمرات، والوقوف بالمشعر، وطواف الصّدر، وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه من تركه فديةٌ، ولا يلزمه العود لقضائه بعينه.
ورأى آخرون أنّ الطّواف بهما تطوّعٌ، إن فعله فال كان محسنًا، وإن تركه تاركٌ لم يلزمه بتركه شيءٌ. واللّه تعالى أعلم.
ذكر من قال: إنّ الطواف بين الصّفا، والمروة واجبٌ ولا يجزي منه فديةٌ.
ومن تركه فعليه العود له.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصّفا والمروة؛ لأنّ اللّه قال: {إنّ الصّفا، والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالك بن أنسٍ: «من نسي السّعي بين الصّفا، والمروة حتّى يستبعد من مكّة فليرجع فليسع، وإن كان قد أصاب النّساء فعليه العمرة والهدي».
- وكان الشّافعيّ، يقول: «على من ترك الطواف بين الصّفا والمروة حتّى يرجع إلى بلده، العود إلى مكّة حتّى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك» حدّثنا بذلك عنه الرّبيع.
ذكر من قال: يجزي منه دمٌ وليس عليه عودٌ لقضائه.
- قال الثّوريّ بما حدّثني به، عليّ بن سهلٍ، عن زيد بن أبي الزّرقاء، عنه. وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمّدٌ: «إن عاد تارك الطّواف بينهما لقضائه فحسنٌ، وإن لم يعد فعليه دمٌ».
ذكر من قال: الطّواف بينهما تطوّعٌ ولا شيء على من تركه.
ومن كان يقرأ: فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: «لو أنّ حاجًّا أفاض بعدما رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت ولم يسع فأصابها يعني امرأته لم يكن عليه شيءٌ، لا حجّ، ولا عمرةٌ من أجل قول اللّه في مصحف ابن مسعودٍ: فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما فعاودته بعد ذلك فقلت له: إنّه قد ترك سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: ألا تسمعه يقول: فمن تطوّع خيرًا؟ فأبى أن يجعل عليه شيئًا».
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا هشيمٌ قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقرأ: «{إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} الآية فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما».
- حدّثني عليّ بن سهلٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن عاصمٍ، قال سمعت أنسًا، يقول: «الطّواف بهما تطوّعٌ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّادٌ، قال: أخبرنا عاصمٌ الأحول، قال: قال أنس بن مالكٍ: «هما تطوّعٌ».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت، أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قال: «فلم يحرج من لم يطف بهما».
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حماد، عن قيسٍ، عن عطاءٍ، أن عبد اللّه بن الزّبير، قال: «هما تطوّعٌ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: «قلت لأنس بن مالكٍ: السّعي بين الصّفا والمروة تطوّعٌ؟ قال: تطوّعٌ».
والصّواب من القول في ذلك عندنا أنّ الطّواف بهما فرضٌ واجبٌ، وأنّ على من تركه العود لقضائه ناسيًا كان تركه أو عامدًا؛ لأنّه لا يجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه حجّ بالنّاس فكان ممّا علّمهم من مناسك حجّهم الطّواف بهما.
ذكر الرّواية عنه بذلك.
- حدّثني يوسف بن سلمان البصرى، قال: حدّثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدّثنا جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: لمّا دنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الصّفا في حجّته، قال: «{إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} ابدءوا بما بدأ اللّه به» فبدأ بالصّفا فرقي عليه.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا محمود بن ميمونٍ أبو الحسن، عن أبي بكر بن عيّاشٍ، عن ابن عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: «أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} فأتى الصّفا فبدأ بها، فقام عليها ثمّ أتى المروة فقام عليها وطاف سبعا».
فإذا كان صحيحًا بإجماع الجميع من الأمّة أنّ الطّواف بهما مما علم النبى أمّته في مناسكهم وعمله في حجّه وعمرته، وكان بيانه صلّى اللّه عليه وسلّم لأمّته جمل ما نصّ اللّه في كتابه، وفرضه في تنزيله، وأمر به ممّا لا يدرك علمه إلاّ ببيانه لازمًا العمل به أمّته كما قد بيّنّا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام إذا اختلفت الأمّة في وجوبه، ثمّ كان مختلفًا في الطّواف بينهما هل هو واجبٌ أو غير واجبٍ؟ كان بيّنًا وجوب فرضه على من حجّ أو اعتمر لما وصفنا.
وكذلك وجوب العود لقضاء الطّواف بين الصّفا، والمروة، لما كان مختلفًا فيها على من تركه مع إجماع جميعهم، على أنّ ذلك ممّا فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلّمه أمّته في حجّهم وعمرتهم إذ علّمهم مناسك حجّهم، كما طاف بالبيت وعلّمه أمّته في حجّهم، إذ علّمهم مناسك حجّهم، وعمرتهم، وأجمع الجميع على أنّ الطّواف بالبيت لا تجزي منه فديةٌ، ولا بدلٌ، ولا يجزي تاركه إلاّ العود لقضائه؛ كان نظيرًا له الطّواف بالصّفا والمروة، ولا تجزي منه فديةٌ ولا جزاءٌ، ولا يجزي تاركه إلاّ العود لقضائه، إذ كانا كلاهما طوافين: أحدهما بالبيت والآخر بالصّفا، والمروة. ومن فرّق بين حكميهما عكس عليه القول فيه، ثمّ سئل البرهان على التّفرقة بينهما.
فإن اعتلّ بقراءة من قرأ: فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما.
قيل: ذلك قراءة خلاف ما في مصاحف المسلمين غير جائزٍ لأحدٍ أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها. وسواءٌ قرأ ذلك كذلك قارئٌ، أو قرأ قارئٌ: {ثمّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطّوّفوا بالبيت العتيق} فلا جناح عليهم أن لا يطّوّفوا به. فإن جازت إحدى الزّيادتين اللّتين ليستا في المصاحف كانت الأخرى نظيرتها، وإلاّ كان مجيز إحداهما إذا منع الأخرى متحكّمًا، والتّحكّم لا يعجز عنه أحدٌ. وقد روي إنكار هذه القراءة، وأن يكون التّنزيل بها عن عائشة.
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالك بن أنسٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قلت لعائشة، زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا يومئذٍ حديث السّنّ: «أرأيت قول اللّه عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فما نرى على أحدٍ شيئًا أن لا يطّوّف بهما؟ فقالت عائشة، كلاّ لو كانت كما تقول كانت، فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما، إنّما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة، وكانت مناة حذو قديدٍ، وكانوا يتحرّجون أن يطّوّفوا بين الصّفا، والمروة؛ فلمّا جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك، فأنزل اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
وقد يحتمل قراءة من قرأ: (فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما) أن يكون معناها: فلا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما أن تكون لا الّتي مع أن صلةً في الكلام، إذ كان قد تقدّمها جحدٌ في الكلام قبلها، وهو قوله: {فلا جناح عليه} فيكون نظير قول اللّه تعالى ذكره: {قال ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك} بمعنى ما منعك أن تسجد؟ وكما قال الشّاعر:

ما كان يرضى رسول اللّه فعلهم ....... والطّيّبان أبو بكرٍ ولا عمر

فلو كان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه لمحتجٍّ حجّةٌ مع احتمال الكلام ما وصفنا لما بيّنّا أنّ ذلك ممّا علّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمّته في مناسكهم على ما ذكرنا، ولدلالة القياس على صحّته، فكيف وهو خلاف رسوم مصاحف المسلمين، وممّا لو قرأه اليوم قارئٌ كان مستحقًّا العقوبة لزيادته في كتاب اللّه عزّ وجلّ ما ليس منه). [جامع البيان: 2/ 712-727]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}:
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة {ومن تطوّع خيرًا} على لفظ المضيّ بالتّاء وفتح العين. وقرأته عامّة قرّاء الكوفيّين: (ومن يطّوّع خيرًا) بالياء وجزم العين وتشديد الطّاء، بمعنى: ومن يتطوّع. وذكر أنّها في قراءة عبد اللّه: ومن يتطوّع. فقرأت ذلك قرّاء أهل الكوفة على ما وصفنا اعتبارًا بالّذي ذكرنا من قراءة عبد اللّه سوى عاصمٍ فإنّه وافق المدنيّين، فشدّدوا الطّاء طلبًا لإدغام التّاء في الطّاء. وكلتا القراءتين معروفةٌ صحيحةٌ متّفقٌ معنياهما غير مختلفينٍ؛ لأنّ الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل، فبأيٍّ القراءتين قرأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.
ومعنى ذلك: ومن تطوّع بالحجّ والعمرة بعد قضاء حجّته الواجبة عليه، فإنّ اللّه شاكرٌ له على تطوّعه له بما تطوّع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به، عليمٌ بما قصد وأراد بتطوّعه بما تطوّع به.
وإنّما قلنا: إنّ الصّواب في معنى قوله: {فمن تطوّع خيرًا} هو ما وصفنا دون قول من زعم أنّه معنيّ به: فمن تطوّع بالسّعي والطّواف بين الصّفا والمروة؛ لأنّ السّاعي بينهما لا يكون متطوّعًا بالسّعي بينهما إلاّ في حجّ تطوّعٍ أو عمرة تطوّعٍ لما وصفنا قبل؛ وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنّه إنّما عنى بالتّطوّع بذلك التّطوّع بما يعمل ذلك فيه من حجٍّ أو عمرةٍ.
وأمّا الّذين زعموا أنّ الطّواف بهما تطوّعٌ لا واجبٌ، فإنّ الصّواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوّع بالطّواف بهما فإنّ اللّه شاكرٌ؛ لأنّ للحاجّ والمعتمر على قولهم الطّواف بهما إن شاء وترك الطّواف، فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوّع بالطّواف بالصّفا والمروة، فإنّ اللّه شاكرٌ تطوّعه ذلك عليمٌ بما أراد ونوى الطّائف بهما كذلك.
- كما حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ} قال: «{من تطوّع خيرًا فهو خيرٌ له} تطوّع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكانت من السّنن».
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن تطوّع خيرًا فاعتمر.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: «{ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ} من تطوّع خيرًا فاعتمر فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ؛ قال: فالحجّ فريضةٌ، والعمرة تطوّعٌ، ليست العمرة واجبةً على أحدٍ من النّاس»). [جامع البيان: 2/ 727-729]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ (158)}:
قوله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}:
الوجه الأول:
- حدّثنا أبو عبد اللّه ابن أخي ابن وهبٍ، ثنا عمّي يعنى عبد الله ابن وهبٍ، أخبرني يونس عن الزّهريّ عن عروة، أخبره أنّ عائشة أخبرته: «أنّ الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان، يهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصّفا والمروة، وكان ذلك سيةً في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصّفا والمروة،
وإنّهم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك حين أسلموا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ في ذلك: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
- حدّثنا أبو عبيدٍ اللّه بن أخي ابن وهبٍ، ثنا عمّي، حدّثني إبراهيم ابن سعدٍ، عن ابن شهابٍ، عن عروة، قال: «قلت لعائشة: أرأيت قول اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} إلى آخر الآية فو الله ما على أحدٍ جناحٌ ألا يطوف بهما، قالت: ليس كما قلت يا ابن أختي، إنّها لو كانت على ما أوّلتها عليه لكان: لا جناح عليه ألا يطوف ولكنّها إنّما أنزلت، أنّ هذا الحيّ من الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطّاغية الّتي كانوا يعبدون عند المشلّل، وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بين الصّفا والمروة فلمّا أسلموا، سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} إلى آخر الآية، قالت: ثمّ سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الطّواف بهما، فليس لأحدٍ أن يدع الطّواف بهما».
والوجه الثّاني:
- حدّثنا محمّد بن حسّان الأزرق، ثنا ابن مهديٍّ يعني: عبد الرّحمن، ثنا سفيان، عن عاصمٍ الأحول، قال: «سألت أنس بن مالكٍ عن الصّفا والمروة فقال:
كانتا من مشاعر الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام كرهنا أن نطوف بينهما، فأنزل اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فالطّواف بينهما تطوّعٌ».
- حدّثنا عليّ بن الحسن، ثنا مسدّدٌ، ثنا معتمرٌ، عن عمران بن حديرٍ، عن عكرمة قال: «الصّفا والمروة من مساجد اللّه»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 266-267]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قول اللّه: «{فلا جناح عليه} يعني:
فلا حرج».
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا عمرو بن محمّدٍ العنقزيّ، ثنا أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: «{إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} أنّه كان في الجاهليّة الشّياطين تعزف أو تعزب اللّيل أجمع بين الصّفا والمروة وكانت بينهما لهم أصنامٌ، فلمّا جاء الإسلام وظهر، قال المسلمون: يا رسول اللّه، لا نطوف بين الصّفا والمروة، فإنّه شركٌ كنّا نصنعه في الجاهليّة، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} يقول: ليس عليه إثمٌ، ولكن له أجرٌ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 267]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}:
- حدّثنا كثير بن شهابٍ، ثنا محمّد بن سعيد بن سابقٍ، ثنا عمرٌو يعني:
ابن أبي قيسٍ، عن عاصمٍ، عن أنس بن مالكٍ: {ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ} قال: «والطّواف بهما تطوّعٌ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 267-268]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}:
- حدّثنا أبي ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة. قوله: {شاكرٌ عليمٌ} قال: «إنّ اللّه لا يعذّب شاكرًا ولا مؤمنًا».
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المرّوذيّ، ثنا شيبان بن عبد الرّحمن، عن قتادة، قال: «لا شيء أشكر من اللّه، ولا أجزأ لخيرٍ من اللّه عزّ وجلّ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 268]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «قالت الأنصار إن السعي بين هذين الحجرين من عمل الجاهلية، يعنون الصفا والمروة، فأنزل الله عز وجل أنه من شعائر الله أي من الخير الذي أخبرتكم عنه ولم يحرج من لم يطف بينهما ومن تطوع خيرا فهو خير له فتطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بينهما فكانت سنة»، قال ورقاء، قال ابن أبي نجيح، قال عطاء بن أبي رباح: «يبذل مكانه أسبوعين بالكعبة إن شاء»). [تفسير مجاهد: 92-93]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا عليّ بن حمشاذٍ، ثنا بشر بن موسى، ثنا محمّد بن سعيد بن الأصبهانيّ، ثنا عليّ بن مسهرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: «إنّما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهليّة، إذا أحرموا لا يحلّ لهم أن يطوفوا بين الصّفا والمروة، فلمّا قدمنا ذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل اللّه ذلك: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} إلى آخر الآية» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ). [المستدرك: 2/ 297]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا أسيد بن عاصمٍ الأصبهانيّ، ثنا الحسين بن حفصٍ، عن سفيان، عن عاصمٍ، قال: «سألت أنس بن مالكٍ عن الصّفا والمروة قال: كانتا من مشاعر الجاهليّة، فلمّا كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل اللّه: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه، فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما، ومن تطوّع خيرًا} الآية». هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/ 297]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو جعفرٍ محمّد بن عليٍّ الشّيبانيّ بالكوفة، ثنا أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمّد بن فضيلٍ، ثنا عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، قال: «أتاه رجلٌ فقال: أبدأ بالصّفا قبل المروة، أو أبدأ بالمروة قبل الصّفا، وأصلّي قبل أن أطوف، أو أطوف قبل أن أصلّي، وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عبّاسٍ: خذ ذاك من كتاب اللّه فإنّه أجدر أن يحفظ، قال اللّه تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} (فالصّفا قبل المروة)، وقال: {لا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه} (فالذّبح قبل الحلق) وقال: {طهّرا بيتي للطّائفين والعاكفين والرّكّع السّجود} [البقرة: 125] (فالطّواف قبل الصّلاة)». هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2/ 297]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا محمّد بن عبد الوهّاب، ثنا جعفر بن عونٍ، ثنا سفيان بن سعيدٍ، عن عاصم بن كليبٍ، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما: «أنّه كان رآهم يطوفون بين الصّفا والمروة، قال: هذا ممّا أورثتكم أمّ إسماعيل». هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2/ 297]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو أحمد محمّد بن أحمد الصّفّار العدل، ثنا أحمد بن محمّد بن نصرٍ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} قال: «كانت الشّياطين في الجاهليّة تعزف اللّيل أجمع بين الصّفا والمروة، وكانت فيها آلهةٌ لهم أصنامٌ، فلمّا جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول اللّه، لا نطوف بين الصّفا والمروة فإنّه شيءٌ كنّا نصنعه في الجاهليّة، فأنزل اللّه: {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} يقول: ليس عليه إثمٌ ولكن له أجرٌ». هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه). [المستدرك: 2/ 298]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ط ت د س) - عروة بن الزبير - رضي الله عنهما: قال: «سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} فوالله ما على أحدٍ جناحٌ أن لا يطّوّف بالصّفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أوّلتها، كانت لا جناح عليه أن لا يطّوّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطّاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلّل، وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطّوّف بالصّفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا نتحرّج أن نطّوّف بين الصّفا والمروة؟ فأنزل اللّه عز وجل: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}... الآية، قالت عائشة رضي الله عنها:
وقد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطّواف بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما».
قال الزهري: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: «إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أنّ الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلّ لمناة - كانوا يطوفون كلّهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله الطّواف بالبيت، ولم يذكر الصّفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنّا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، فهل علينا من حرجٍ أن نطّوّف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} الآية... قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يطّوّفوا في الجاهلية بين الصفا والمروة، والذين كانوا يطّوّفون ثم تحرّجوا أن يطّوّفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت».
وفي رواية: «أنّ الأنصار كانوا - قبل أن يسلموا - هم وغسّان يهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطّوّفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنّة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، وإنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى في ذلك {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} وذكر إلى آخر الآية». أخرجه البخاري ومسلم.
ولهما رواياتٌ أخر لهذا الحديث، تجيء في كتاب الحج من حرف الحاء.
وأخرجه الترمذي والنسائي بنحوٍ من الرواية الأولى، وهذه أتمّ.
وأخرجه الموطأ وأبو داود نحوها، وفيه: «وكانت مناة حذو قديدٍ، وكانوا يتحرّجون أن يطّوّفوا بين الصّفا والمروة...» الحديث.
وهذه الرواية قد أخرجها البخاري ومسلم، وسترد في كتاب الحج.
شرح الغريب:
(الصفا والمروة) : هما الجبلان بمكة، وهما منتهى المسعى من الجانبين.
وحقيقة الصفا في اللغة: جمع صفاة، وهي الحجر الأملس، والمروة: الحجر الرّخو.
(يهلّون لمناة) مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة، بين مكة والمدينة، والهاء فيها للتأنيث، والوقف عليها بالتاء، والإهلال، رفع الصوت بالتلبية.
(يتحرّجون) التّحرّج تفعّلٌ من الحرج، وهو الضيق والإثم، يعني: أنهم كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة خروجاً من الحرج والإثم.
(شعائر) جمع شعيرة، وهي معالم الإسلام.
(المشلّل) : موضع بين مكة والمدينة، وكذلك قديد). [جامع الأصول: 2/ 15- 19]

قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م ت) - عاصم بن سليمان الأحول رحمه الله: قال: «قلت لأنسٍ: أكنتم تكرهون السّعي بين الصّفا والمروة؟ فقال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}».
وفي رواية: «كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل، وذكر الآية».
وفي رواية قال: «كانت الأنصار يكرهون أن يطّوّفوا بين الصّفا والمروة، حتى نزلت: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}». أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي). [جامع الأصول: 2/ 19-20]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم}:
أخرج مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن أبي داود، وابن الأنباري في المصاحف معا، وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن عائشة أن عروة قال لها: «أرأيت قول الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فما أرى على أحد جناحا أن يطوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية، قالت عائشة: ثم سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما».

وأخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي، وابن جرير، وابن أبي داود في المصاحف، وابن أبي حاتم، وابن السكن والبيهقي عن أنس: «أنه سئل عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}».
وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن عائشة قالت: «نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي داود في المصاحف، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال:«كانت الشياطين في الجاهلية تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة فكانت فيها آلهة لهم أصنام فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله ألا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شيء كنا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} يقول: ليس عليه إثم ولكن له أجر».
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: «قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية».
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبيش قال: «سألت ابن عمر عن قوله: {إن الصفا والمروة} الآية، فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد، فأتيته فسألته فقال: إنه كان عندهما أصنام فلما أسلموا أمسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت: {إن الصفا والمروة} الآية».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: «{إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية، وذلك أن ناسا تحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة فأخبر الله أنهما من شعائره الطواف بينهما أحب إليه فمضت السنة بالطواف بينهما».
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عامر الشعبي قال: «كان وثن بالصفا يدعى اساف ووثن بالمروة يدعى نائلة فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ويمسحون الوثنين فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين وليس الطواف بهما من الشعائر فأنزل الله: {إن الصفا والمروة} الآية، فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه وأنثت المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مونثا».

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد قال: «قالت الأنصار إنما السعي بين هذين الحجرين من عمل أهل الجاهلية فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} قال: من الخير الذي أخبرتكم عنه فلم يحرج من لم يطف بهما {فمن تطوع خيرا فهو خير له} فتطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن»، فكان عطاء يقول: «يبدل مكانه سبعين بالكعبة إن شاء».
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «كان ناس من أهل تهامة في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وكان من سنة إبراهيم واسماعيل بينهما».
وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي، وابن جرير، وابن مروديه والبيهقي في "سننه" من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قال: «كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة، قالوا: يا نبي الله إنا كنا لانطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة فهل علينا من حرج أن نطوف بهما فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية، قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة قال الله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فقالت: يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}» قال الزهري: «فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فقال: هذا العلم، قال أبو بكر: ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة وأن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية كلها، قال أبو بكر: فاسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما فيمن طاف وفيمن لم يطف».
وأخرج وكيع وعبد الرزاق، وعبد بن حميد ومسلم، وابن ماجه، وابن جرير عن عائشة قالت: «لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته ولأن الله قال: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}».
وأخرج عبد بن حميد ومسلم عن أنس قال: «كانت الأنصار يكرهون السعي بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية: {إن الصفا
والمروة من شعائر الله} فالطواف بينهما تطوع».
وأخرج أبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي داود في المصاحف، وابن المنذر، وابن الأنباري عن ابن عباس: «أنه كان يقرأ (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عطاء قال: «في مصحف ابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)».
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن حماد قال: «وجدت في مصحف أبي (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)».
وأخرج ابن أبي داود عن مجاهد: «أنه كان يقرأ (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)».
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس:«أنه قرأ: {فلا جناح عليه أن يطوف} مثقلة فمن ترك فلا بأس».
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن عباس: «أنه أتاه رجل فقال: أبدأ بالصفا قبل المروة وأصلي قبل أن أطوف أو أطوف قبل، وأحلق قبل أن أذبح أو أذبح قبل أن أحلق فقال ابن عباس: خذوا ذلك من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ قال الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فالصفا قبل المروة وقال: {لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة الآية 196] فالذبح قبل الحلق، وقال: {وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} [الحج الآية 26] والطواف قبل الصلاة».
وأخرج وكيع عن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس لم بدئ بالصفا قبل المروة قال: لأن الله قال: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}».
وأخرج مسلم والترمذي، وابن جرير والبيهقي في "سننه"، عن جابر قال: لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجته قال: «{إن الصفا والمروة من شعائر الله} ابدؤا بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا فرقي عليه.
وأخرج الشافعي، وابن سعد وأحمد، وابن المنذر، وابن قانع والبيهقي عن حبيبة بنت أبي بحران قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والنايس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي».
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا».
وأخرج وكيع عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: «سألت ابن عباس عن السعي بين الصفا والمروة قال: فعله إبراهيم عليه السلام».
وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي الطفيل قال: «قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وإن ذلك سنة قال: صدقوا إن إبراهيم لما أمر بالمناسك اعترض عليه الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم».
وأخرج الحاكم عن ابن عباس: «أنه رآهم يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا مما أورثتكم أم اسماعيل».
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن سعيد بن جبير قال: «أقبل إبراهيم ومعه هاجر واسماعيل عليهم السلام فوضعهم عند البيت فقالت: الله أمرك بهذا قال: نعم، قال: فعطش الصبي فنظرت فإذا أقرب الجبال إليها الصفا فسعت فرقت عليه فنظرت فلم تر شيئا ثم نظرت فإذا أقرب الجبال إليها المروة فنظرت فلم تر شيئا قال: فهي أول من سعى بين الصفا والمروة ثم أقبلت فسمعت حفيفا أمامها قال: قد أسمع فإن يكن عندك غياث فهلم فإذا جبريل أمامها يركض زمزم بعقبه فنبع الماء فجاءت بشيء لها تقرى فيه الماء فقال لها: تخافين العطش هذا بلد ضيفان الله لا يخافون العطش».
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داو والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لأقامة ذكر الله لا لغيره».
وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال: «السنة في الطواف بين الصفا والمروة أن ينزل من الصفا ثم يمشي حتى يأتي بطن المسيل فإذا جاءه سعى حتى يظهر منه ثم يمشي حتى يأتي المروة».
وأخرج الأزرقي من طريق مسروق عن ابن مسعود: «أنه خرج إلى الصفا فقام إلى صدع فيه فلبى فقلت له: إن ناسا ينهون عن الإهلال هاهنا قال: ولكني آمرك به هل تدري ما الإهلال؟ إنما هي استجابة موسى لربه فلما أتى الوادي رمل وقال: رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز والأكرم».
وأخرج الطبراني والبيهقي في "سننه" عن ابن مسعود: «أنه قام على الصدع الذي في الصفا وقال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»). [الدر المنثور: 2/ 88-97]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا}:
أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: «في قراءة عبد الله (ومن تطوع بخير)».
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر: «أنه كان يدعو على الصفا والمروة يكبر ثلاثا سبع مرات يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له ولو كره الكافرون، وكان يدعو بدعاء كثير حتى يبطئنا وإنا لشباب وكان من دعائه: اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ويحب رسلك ويحب عبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين اللهم يسرني لليسرى وجنبني للعسرى واغفر لي في الآخرة والأولى واجعلني من الأئمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت: {ادعوني أستجب لكم} وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى توفاني على الإسلام وقد رضيت عني، اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن».
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: «من قدم منكم حاجا فليبدأ بالبيت فليطف به سبعا ثم ليصل ركعتين عند مقام إبراهيم ثم ليأت الصفا فليقم عليه مستقبل الكعبة ثم ليكبر سبعا بين كل تكبيرتين حمد الله وثناء عليه والصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويسأله لنفسه وعلى المروة مثل ذلك».
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن، إذا قام إلى الصلاة وإذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة وفي عرفات وفي جمع وعند الجمرات».
وأخرج الشافعي في الأم عن ابن عباس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ترفع الأيدي في الصلاة وإذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة وعلى عرفات وبجمع وعند الجمرتين وعلى الميت»). [الدر المنثور: 2/ 97-99]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أما قوله تعالى: {فإن الله شاكر عليم}:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «لا شيء أشكر من الله ولا أجزىء بخير من الله عز وجل»). [الدر المنثور: 2/ 99]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 10:07 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ اللّه مع الصّابرين (153)}
{يا أيّها} نداء مفرد مبهم , و {الذين} في موضع رفع صفة لـ{أيّها}, هذا مذهب الخليل, وسيبويه.
وأما مذهب الأخفش, فالذين صلة لأي , وموضع الذين رفع بإضمار الذكر العائد على أي , كأنّه على مذهب الأخفش بمنزلة قولك: يا من الذين، أي: يا من هم الذين.
و " ها " لازمة لأي عوض عما حذف منها للإضافة، وزيادة في التنبيه.
وأي في غير النداء لا يكون فيها " هاء " , ويحذف معها الذكر العائد عليها، تقول أضرب أيّهم أفضل، وأيّهم هو أفضل, تري:د الذي هو أفضل .
وأجاز المازني أن تكون صفة , أي: نصباً, فأجاز: يا أيها الرجل أقبل، وهذه الإجازة غير معروفة في كلام العرب،
ولم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله، ولا تابعة عليه أحد بعده , فهذا مطروح مرذول لمخالفته كلام العرب, والقرآن, وسائر الأخبار.

ومعنى {استعينوا بالصبر والصلاة} أي: بالثبات على ما أنتم عليه, وإن نالكم فيه مكروه في العاجل، فإن الله مع الصابرين.
وتأويل إن اللّه معهم أي يظهر دينه على سائر الأديان.
لأن من كان الله معه , فهو الغالب, كما قال عزّ وجلّ: {فإنّ حزب اللّه هم الغالبون}.
ومعنى: استعينوا بالصلاة، أي: أنكم إذا صليتم , تلوتم في صلاتكم ما تعرفون به فضل ما أنتم عليه, فكان ذلك لكم عوناً). [معاني القرآن: 1/ 229]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ...}: رفع بإضمار مكني من أسمائهم؛ كقولك: لا تقولوا: هم أموات بل هم أحياء, ولا يجوز في الأموات النصب؛ لأن القول لا يقع على الأسماء إذا أضمرت وصوفها , أو أظهرت؛ كما لا يجوز قلت عبد الله قائما، فكذلك لا يجوز نصب الأموات؛ لأنك مضمر لأسمائهم، إنما يجوز النصب فيما قبله القول إذا كان الاسم في معنى قولٍ؛ من ذلك: قلت خيراً , وقلت شرّاً, فترى الخير والشرّ منصوبين؛ لأنهما قول، فكأنك قلت: قلت كلاما حسنا أو قبيحا. وتقول: قلت لك خيرا، وقلت لك خير، فيجوز، إن جعلت الخير قولا نصبته كأنك قلت: قلت لك كلاماً, فإذا رفعته فليس بالقول، إنما هو بمنزلة قولك: قلت لك مال, فابن على ذا ما ورد عليك؛ من المرفوع قوله: {سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم} , و"خمسةٌ" و"سبعةٌ"، لا يكون نصباً؛ لأنه إخبار عنهم فيه أسماء مضمرة؛ كقولك: هم ثلاثة، وهم خمسة,
وأمّا قوله تبارك وتعالى :{ويقولون طاعةٌ}, فإنه رفع على غير هذا المذهب, وذلك أن العرب كانوا يقال لهم: لا بدّ لكم من الغزو في الشتاء والصيف، فيقولون: سمع وطاعة؛ معناه: منّا السمع والطاعة، فجرى الكلام على الرفع, ولو نصب على: نسمع سمعاً, ونطيع طاعة كان صواباً.

وكذلك قوله تبارك وتعالى في سورة محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم: {فأولى لهم طاعةٌ وقولٌ معروف}, عيّرهم , وتهدّدهم بقوله: "فأولى لهم"، ثم ذكر ما يقولون فقال: يقولون إذا أمروا "طاعة", "فإذا عزم الأمر" نكلوا وكذبوا فلم يفعلوا, فقال الله تبارك وتعالى: {فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم}، وربما قال بعضهم: إنما رفعت الطاعة بقوله: لهم طاعة، وليس ذلك بشيء, والله أعلم,ويقال أيضاً: "وذكر فيها القتال" و"طاعة" فأضمر الواو، وليس ذلك عندنا من مذاهب العرب، فإن يك موافقاً للتفسير , فهو صواب). [معاني القرآن: 1/ 93-94]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لاّ تشعرون}, قال: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ} على: ولا تقولوا هم أمواتٌ, وقال: {ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتاً} نصب على "تحسب"، ثم قال: {بل أحياءٌ}, أي: بل هم أحياءٌ, ولا يكون أن تجعله على الفعل؛ لأنه لو قال: "بل احسبوهم أحياء" ,كان قد أمرهم بالشك). [معاني القرآن: 1/ 120]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154)}: بإضمار مكنيهم، أي: لا تقولوا هم أموات، فنهاهم اللّه أن يسمّوا من قتل في سبيل الله ميتاً, وأمرهم بأن يسموهم شهداء فقال:{بل أحياء عند ربّهم يرزقون}, فأعلمنا أن من قتل في سبيل اللّه حي.
فإن قال قائل: فما بالنا نرى جثة غير متصرفة؟, فإن دليل ذلك : مثل ما يراه الإنسان في منامه، وجثته غير متصرفة على قدر ما يرى ,واللّه عزّ وجلّ قد توفى نفسه في نومه , فقال تعالى:
{اللّه يتوفّى الأنفس حين موتها والّتي لم تمت في منامها}, وينتبه المنتبه من نومه , فيدركه الانتباه , وهو في بقية من ذلك، فهذا دليل أن أرواح الشهداء جائز أن تفارق أجسامهم، وهم عند اللّه أحياء، فالأمر فيمن قتل في سبيل الله لا يجب أن يقال له : ميت , لكن يقال له: شهيد , وهو عند الله حي.
وقد قيل فيها قول غير هذا , وهذا القول الذي ذكرته آنفا هو الذي أختاره, قالوا : معنى الأموات , أي: لا تقولوا هم أموات في دينهم، بل قولوا : إنهم أحياء في دينهم.
وقال أصحاب هذا القول: دليلنا والله أعلم - قوله: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس كمن مثله في الظّلمات ليس بخارج منها}, فجعل المهتدي حياً, وانّه حين كان على الضلالة كان ميتا، والقول الأول أشبه بالدين, وألصق بالتفسير.
قوله عزّ وجلّ: {ولنبلونكم بشي من الخوف والجوع}
اختلف النحويون في فتح هذه الواوي:
فقال سيبويه: إنها مفتوحة لالتقاء السّاكنين.
وقالّ غيره من أصحابه: أنها مبنية على الفتح، وقد قال سيبويه في لام يفعل؛ لأنها مع ذلك قد تبنى على الفتحة، فالذين قالوا من أصحابه إنها مبنية على الفتح غير خارجين من قول له,وكلا القولين جائز).
[معاني القرآن: 1/ 229-230]

تفسير قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) }
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ولنبلونّكم بشيءٍ مّن الخوف والجوع ونقصٍ مّن الأموال والأنفس والثّمرات...}
ولم يقل (بأشياء) لاختلافها, وذلك أن من تدلّ على أن لكل صنفٍ منها شيئا مضمراً, بشيء من الخوف وشيء من كذا، ولو كان بأشياء , لكان صواباً). [معاني القرآن: 1/ 94]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين (155)}
ولم يقل بأشياء، فإنما جاء على الاختصار، والمعنى يدل على أنّه , وشيء من الخوف , وشيء من الجوع , وشيء من نقص الأموال والأنفس، وإنما جعل الله هذا لابتلاء ؛ لأنه أدعى لمن جاء بعد الصحابة , ومن كان في عصر صلى الله عليه وسلم إلى أتباعهم ؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصبر على هذه الأشياء إلا من قد وضح له الحق , وبان له البرهان، -واللّه عزّ وجلّ يعطيهم ما ينالهم من المصائب في العاجل والآجل، وما هو أهم نفعاً لهم , فجمع بهذا الدلالة على البصيرة , وجوز الثواب للصابرين على ذلك الابتلاء , فقال عزّ وجلّ:
{وبشّر الصّابرين}: بالصلاة عليهم من ربّهم , والرحمة, وبأنهم المهتدون). [معاني القرآن: 1/ 231]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {قالوا إنّا للّه...}
لم تكسر العرب (إنا) إلا في هذا الموضع مع اللام في التوجّع خاصّة, فإذا لم يقولوا (للّه) فتحوا , فقالوا: إنا لزيد محبّون، وإنا لربّنا حامدون عابدون, وإنما كسرت في {إنّا للّه}؛ لأنها استعملت فصارت كالحرف الواحد، فأشير إلى النون بالكسر لكسرة اللام التي في "للّه"؛ كما قالوا: هالك وكافر، كسرت الكاف من كافر لكسرة الألف؛ لأنه حرف واحد، فصارت "إنا للّه" كالحرف الواحد ؛ لكثرة استعمالهم إياها، كما قالوا: الحمد للّه). [معاني القرآن: 1/ 94-95]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (فقال عزّ وجلّ: {الّذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون}, أي: نحن وأموالنا للّه , ونحن عبيده يصنع بنا ما شاء، وفي ذلك صلاح لنا وخير.
{وإنّا إليه راجعون} أي: نحن مصدقون بأنا نبعث , ونعطي الثواب على تصديقنا، والصبر على ما ابتلانا به). [معاني القرآن: 1/ 231]

تفسير قوله تعالى:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({عليهم صلوات من ربهم}أي: ترحم).[غريب القرآن وتفسيره: 84]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم} أي : مغفرة, والصلاة تتصرف على وجوه قد بينتها في كتاب «المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 66]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}
والصلاة في اللغة على ضربين:
1-
أحدهما الركوع , والسجود،
2- والآخر: الرحمة ,والثناء , والدعاء,
فصلاة الناس على الميت إنما معناها: الدعاء , والثناء على الله صلاة،
والصلاة من اللّه عزّ وجلّ على أنبيائه, وعباده, معناها: الرحمة لهم، والثناء عليهم، وصلاتنا الركوع , والسجود كما وصفنا, والدعاء صلاة, قال الأعشى:

عليك مثل الذي صليت فاغتمضي= نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
ويروى مثل الذي صليت، فمن قال عليك مثل الذي صليت، فمعناه: أنه يأمرها بأن تدعو له مثل الذي دعا لها, أي: تعيد الدعاء له, ومن روى عليك مثل الذي صليت؛ فهو رد عليها.
كأنه قال عليك مثل دعائك، أن ينالك من الخير مثل الذي أردت لي بهذه , ودعوت به لي.
وقال الشاعر:

صلى على يحيى وأشياعه ....... ربّ كريم وشفيع مطاع

المعنى: عليه الرحمة من اللّه , والثناء الجميل.
وأصل هذا كله عندي من اللزوم, يقال: صلي, وأصلى, واصطلى، إذا لزم, ومن هذا ما يصلى في النار، أي أنه يلزم.
وقال أهل اللغة في الصلاة: هي من الصّلوين، وهما مكتنفاًذنب الناقة, وأول موصل الفخذ من الإنسان، وكأنهما في الحقيقة مكتنف العصعص, والأصل عندي القول الأول.
ألا ترى أن الاسم للصيام هو: الإمساك عن الطعام والشراب،
وأصل الصيام: الثبوت على الإمساك عن الطعام،
وكذلك الصلاة: إنما هي لزوم ما فرض اللّه، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه,
وأما المصلي الذي يأتي في أثر السابق من الخيل , فهو مسمى من الصلوين لا محالة، وهما مكتنفاذنب الفرس، فكأنة يأتي مع ذلك المكان.

قال الشاعر في الصيام الذي هو ثبوت على القيام:

خيل صيام وخيل غير صائمة ....... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

وقوله تعالى: {وإنّا إليه راجعون}
الأكثرون في قوله:{إنّا للّه}, تفخيم الألف ولزوم الفتح, وقد قيل: وهو كثير في كلام العرب: إنّ اللّه بإمالة الألف إلى الكسر، وكان ذلك في هذا الحرف بكثرة الاستعمال، وزعم بعض النحويين أن النون كسرت، ولم يفهم ما قاله القوم, إنما الألف ممالة إلى الكسرة.
وزعم أن هذا مثل قولهم:" الحمد لله "، فهذا صواب , أعني : قولهم (إنّا للّه) بالكسر , وقولهم " الحمد لله من أعظم الخطأ، فكيف يكون ما هو صواب بإجماع كالخطأ). [معاني القرآن: 1/ 232-233]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({صلوات} أي: مغفرة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 34]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({صَلَــــوَاتٌ}: رحمـــة). [العمدة في غريب القرآن: 85]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما...}
كان المسلمون قد كرهوا الطواف بين الصفا والمروة؛ لصنمين كانا عليهما، فكرهوا أن يكون ذلك تعظيماً للصنمين، فأنزل الله تبارك وتعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} , وقد قرأها بعضهم :{ألاّ يطّوف}, وهذا يكون على وجهين؛
أحدهما أن تجعل "لا" مع "أن" صلة على معنى الإلغاء؛ كما قال: {ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك} , والمعنى: ما منعك أن تسجد,
والوجه الآخر أن تجعل الطواف بينهما يرخّص في تركه, والأوّل المعمول به).
[معاني القرآن: 1/ 95]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): (وقوله: {ومن تطوّع خيراً...}
تنصب على جهة فعل, وأصحاب عبد الله وحمزة :{ومن يطّوّع}؛ لأنها في مصحف عبد الله:{يتطوع}). [معاني القرآن: 1/ 95]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({شعائر الله}: واحدتها شعيرة، وهي في هذا الموضع: ما أشعر لموقفٍ, أو مشعرٍ, أو منحرٍ , أي: أعلم لذاك, وفي موضع آخر: الهدى، إذا أشعرها، وهو أن يقلّدها، أو يحللّها, فأعلم أنها هدىٌ، والأصل: أن يشعرها بحديدة في سنامها من جانبها الأيمن: يطعنها حتى يخرج الدم). [مجاز القرآن: 1/ 62]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيراً فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ}
قال: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}, "إطّوّف" , "يطّوّف"؛ وهي من "تطوّف", فأدغم التاء في الطاء، فلما سكنت جعل قبلها ألفاً حتى يقدر على الابتداء بها, وإنما قال:{لا جناح عليه}؛ لأن ذلك كان مكروهاً في الجاهلية في الجاهلية, فأخبر أنه ليس بمكروه عنده). [معاني القرآن: 1/120]
قال قطرب محمد بن المستنير البصري (ت: 220هـ تقريباً) : (وأما قوله {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الواحد عند العرب: شعيرة؛ وهي قليلة؛ وقالوا: مشعر ومشعر ومشعر ثلاث لغات؛ وهو من قول العرب: أشعرت أشعرت الناقة إذا أوجأت في كتفيها شعارًا؛ فكأن معنى المشعر منه، وهو الأعلام فيها.
وكان الحسن يقول: شعائر الله: دين الله؛ وكان ابن عباس يقول: شعائر الله: الطواف والبدن والصفا والمروة، وسائر المناسك.
[وزاد محمد بن صالح]:
والشعر من ذلك اللفظ، وما شعرت من مشاعر؛ وحكي: شعار وشعار في الثوب؛ وشعار القوم بينهم.
[معاني القرآن لقطرب: 340]
وأما قوله {فمن حج البيت أو اعتمر} فإنهم يقولون: فلان محجوج مشفوه؛ أي يؤتي ويسأل بالشفة؛ فكأن الحج إلى البيت من ذلك، من حججنا الرجل، وحجه الناس؛ أي أتوه؛ والحج حجازية، والحج تميمية.
وما كلمته بينت شفة؛ أي بكلمة، فأضافها إلى الشفة لمخرجها منها، ويقال: لك في الناس شفة صالحة؛ أي ثناء حسن.
[وزاد محمد بن صالح]:
صيرانه فوضى بكل برح
يحججن بالقيظ خفاف الردح
حج النصارى العيد يوم الفصح
أي يزرن.
وقد يكون الحج في معنى آخر: وهو أن الحج الحلق أيضًا، يقال: احجج شجتك؛ وهو أن يقطع الشعر من نواحي الشجة فتقاس الشجة؛ وربما حلق ما حول الشجة ليدخل المقدح في الشجة، فتخرج العظام قليلاً قليلاً، ويقال: حججتها أحجها حجا.
قال أبو ذؤيب:
وصب عليها الطيب حتى كأنها = أسي على أم الدماغ حجيج
[معاني القرآن لقطرب: 341]
قال: هي حجيج، فيما يغلب علي من سماعي، فيكون المعنى في حج فلان أي حلق؛ والله أعلم.
ومن لفظ الحجة حاجته محاجة.
وأما العمرة: فهي في كلام عبد القيس: المسجد والبيعة والكنيسة، كلها عندهم عمر؛ والمعتمر أيضًا: المعتم، والمعتمر أيضًا: الزائر.
قالت الدعجاء بنت وهب الباهلية، وقد يروى لأعشى باهلة:
فجاشت النفس لما جاء جمعهم = راكب جاء من تثليث معتمر
والفلك: السفينة، والجميع أيضًا فلك، وقالوا: أيضًا: هي الفلك والفلك؛ وهو الفلك أيضًا بالتذكير.
[معاني القرآن لقطرب: 342]
وأما الفلك من قوله {كل في فلك يسبحون} فإنه حكي في التفسير: أنه ماء مكفوف، تجري فيه الشمس والقمر والليل والنهار.
[وزاد محمد بن صالح في روايته]:
الفلك مستدار قطب السماء، ومن لفظه: قالوا: هي الفلكة، وبعضهم: فلكة، فحرك وفلك، وقال:
وبنان نادر أطرافها = وعراقيب تفسا كالفلك
فذكره.
والله أعلم كيف هو). [معاني القرآن لقطرب: 343]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({شعائر الله} واحدتها شعيرة وهي في هذا الموضع ما أشعر لموقف أو مسعى أو منحر أي صير علما، والمشاعر المواضع التي صيرت أعلاما مثل عرفة والمزدلفة وغير ذلك، وهي في موضع آخر الهدى إذ أشعرتها، والأشعار أن تبضع من جانبها الأيمن حتى يخرج الدم.
والتقليد ما تقلد من نعل أو غيرها). [غريب القرآن وتفسيره: 85]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({فلا جناح عليه}, أي: لا إثم عليه.
{أن يطّوّف بهما}, أي: يتطوّف, فأدغمت التاء في الطاء, وكان المسلمون في صدر الإسلام يكرهون الطواف بينهما، لصنمين كانا عليهما، حتى أنزل اللّه هذا, وقرأ بعضهم: ألا يطوف بهما, وفي هذه القراءة وجهان:
أحدهما: أن يجعل الطواف مرخّصا في تركه بينهما.
والوجه الآخر: أن يجعل «لا» مع «أن» صلة, كما قال: {ما منعك ألّا تسجد}, هذا قول الفراء). [تفسير غريب القرآن: 66-67]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرا فإنّ اللّه شاكر عليم}
الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لا تنبت شيئا، وهو جمع , واحدته: ضفاة وصفا، مث:ل حصاة وحصى،
والمروة والمرو: الحجارة اللينة.
وهذان الموضعان من شعائر اللّه، أي: من أعلام متعبداته , وواحدة الشعائر : شعيرة، والشعائر كلى ما كان من موقف , أو مسعى, أوذبح.
وإنما قيل شعائر : لكل علم لما تعبد به؛ لأن قولهم شعرت به: علمته، فلهذا سمّيت الأعلام التي هي متعبّدات شعائر.
وقوله عزّ وجلّ: {فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}
وإنما كان المسلمون اجتنبوا الطواف بينهما لأن الأوثان كانت قبل الإسلام منصوبة بينهما، فقيل إنّ نصب الأوثان بيتهما قبل الإسلام لا يوجب اجتنابهما؛ لأن البيت الحرام والمشاعر طهّرت بالإسلام من الأوثان وغيرها.
فأعلم اللّه عزّ وجلّ أن هذين من شعائره , وأنه لا جناح في الطواف بينهما , وأن من تطوع بذلك, فاللّه شاكر عليم.
والشكر من الله عزّ وجلّ: المجازاة والثناء الجميل، والحج والعمرة يكونان فرضا وتطوعا - والطواف بالبيت مجراه مجرى الصلاة إلا أنه يطوف بالبيت الحاجّ والمعتمر، وغير الحاجّ والمعتمر، ومعنى قولهم حججت في اللغة قصدت، وكل قاصد شيئا فقد حجّه، وكذلك كل قاصد شيئا فقد اعتمره، قال الشاعر:

يحج مأمومة في قعرها لجف ....... فاست الطبيب قذاها كالمغاريد

وقال الشاعر في قوله اعتمر أي قصد:

لقد سما ابن معمر حين اعتمر ....... مغزى بعيدا من بعيد وضبر

وقوله عزّ وجلّ: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما}
أي: لا إثم عليه،
والجناح: أخذ من جنح إذا مال, وعدل عن القصد, وأصل ذلك من جناح الطائر، و{أن يطّوّف بهما}, فيه غير وجه:
يجوز: أن يطوّف, وأن يطوّف، وأن يطوف بهما، فمن قرأ: أن يطوّف بهما, أراد: أن يتطوف , فأدمغت التاء في الطاء لقرب المخرجين،
ومن قرأ: أن يطوّف بهما, فهو من طوّف إذا أكثرا التّطواف.
وفي قوله عزّ وجلّ: {ومن تطوّع خيراً}, وجهان:-
إن شئت قلت: {ومن تطوّع خيراً} على لفظ المضي , ومعناه: الاستقبال؛ لأن الكلام شرط وجزاء, فلفظ الماضي فيه يؤول إلى معنى الاستقبال,
ومن قرأ: يطّوّع, فالأصل يتطوع , فأدغمت التاء في الطاء, ولست تدغم حرفاً من حرف إلا قلبته إلى لفظ المدغم فيه).
[معاني القرآن: 1/ 233-235]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (والجناح: الإثم). [ياقوتة الصراط: 178]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (والشعائر: المناسك، واحدتها: شعيرة). [ياقوتة الصراط: 179]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({فلا جناح}: فلا إثم). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 34]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({شَعَائِرَ اللَّهِ}: مناســـك). [العمدة في غريب القرآن: 85]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 1 جمادى الآخرة 1434هـ/11-04-2013م, 09:48 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]
تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) }

قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وما كان من جمع من الواو والياء على أفعال فهو ممدود مثل آباء وأبناء وأحياء). [المقصور والممدود: 8] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) }

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقال حارثة بن بدر الغداني: البسيط



الصّبـر أجمـل والدّنـيـا مفجّـعـةٌ ....... من ذا الّذي لم يجرّع مرةً حزنا?

وما جاء في هذا أكثر من أن يؤتى على غابره.
وتعزيك الرجل تسليتك إياه. والعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصائب وخير من المصيبة العوض منها والرضى بقضاء الله والتسليم لأمره تنجزاً لما وعد من حسن الثواب، وجعل للصابرين من الصلاة عليهم والرحمة. فإنه يقول تبارك وتعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}. وقال: {وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم}. وقال تبارك اسمه: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يقول الاسترجاع. خبرني بذلك غير واحد من الفقهاء.
وروى أبو الحسن عن الفضل بن تميم قال: قيل للضحاك بن قيس: «من قال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان ممن أخذ بالتقوى وأدى الفرائض? فقال: نعم، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة».
قال الأصمعي عن بعض العلماء: «لو وكل الناس بالجزع للجؤوا إلى الصبر».
وروي عن الحسن أنه كان يقول: «الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه، وأثابنا على ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته».
قال الأصمعي وأبو الحسن: «جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب فقال له رجل من القراء: يا أمير المؤمنين إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا وظن أنه يعرى من المصائب فيها لغير جيد الرأي. فكان ذلك أول ما تسلى به».
وكان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول: «عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم وإليه يعود الجازع».
وروي عن أبي الحسن، عن أبي عمرو بن المبارك قال: «دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك، وقد توفي ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب».
قال أبو الحسن عن علي بن سليمان عن الحسن: «الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومن مبتلى غير صابر»). [التعازي والمراثي: 45-47] (م)

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقال حارثة بن بدر الغداني: البسيط


الصّبـر أجمـل والدّنـيـا مفجّـعـةٌ ....... من ذا الّذي لم يجرّع مرةً حزنا?

وما جاء في هذا أكثر من أن يؤتى على غابره.
وتعزيك الرجل تسليتك إياه. والعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصائب وخير من المصيبة العوض منها والرضى بقضاء الله والتسليم لأمره تنجزاً لما وعد من حسن الثواب، وجعل للصابرين من الصلاة عليهم والرحمة. فإنه يقول تبارك وتعالى: {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}. وقال: {وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم}. وقال تبارك اسمه: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يقول الاسترجاع. خبرني بذلك غير واحد من الفقهاء.
وروى أبو الحسن عن الفضل بن تميم قال: «قيل للضحاك بن قيس: من قال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان ممن أخذ بالتقوى وأدى الفرائض? فقال: نعم، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة».
قال الأصمعي عن بعض العلماء: «لو وكل الناس بالجزع للجؤوا إلى الصبر».
وروي عن الحسن أنه كان يقول: «الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه، وأثابنا على ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته.
قال الأصمعي وأبو الحسن: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب فقال له رجل من القراء: يا أمير المؤمنين إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا وظن أنه يعرى من المصائب فيها لغير جيد الرأي. فكان ذلك أول ما تسلى به».
وكان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول: «عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم وإليه يعود الجازع».
وروي عن أبي الحسن، عن أبي عمرو بن المبارك قال: «دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك، وقد توفي ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب».
قال أبو الحسن عن علي بن سليمان عن الحسن: «الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومن مبتلى غير صابر» ). [التعازي والمراثي: 45-47] (م)

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (والواحدة من شعائر الله شعيرة وبعضهم يقول شعارة). [الغريب المصنف: 3/ 943]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 04:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 04:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 04:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 04:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ويا حرف نداء و «أيّ» منادى و «ها» تنبيه، وتجلب «أي» فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفا ما، فلو لم تجلب «أي» لاجتمع تعريفان، وقال قوم: «الصبر»: الصوم، ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، وتقدم معنى الاستعانة بالصبر والصلاة، واختصاره أنهما رادعان عن المعاصي.
وقوله تعالى: {إنّ اللّه مع الصّابرين} معناه بمعونته وإنجاده، فهو على حذف مضاف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «اهجهم وروح القدس معك»، وكما قال: «ارموا وأنا مع بني فلان»، الحديث). [المحرر الوجيز: 1/ 385]


تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ} الآية، سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان، فكره الله أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضا:
فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم، ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي أنهم في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات متغايرة، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة: «إنه في الفردوس»، وقال مجاهد: «هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها»، وأمواتٌ رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات، ولا يجوز إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاما وحجة.
وقوله ولكن لا تشعرون أي قبل أن نشعركم). [المحرر الوجيز: 1/ 385-386]

تفسير قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ولنبلونّكم} الآية، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع الصابرين، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف المصيبة، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة، ثم وعد الصابرين أجرا، وقال عطاء والجمهور: «إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم»، وقيل: الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «والأول أظهر»، {ولنبلونّكم بشيءٍ} معناه لنمتحننكم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وقيل: الفعل مبني وهو مع النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر، والخوف يعني من الأعداء في الحروب، والجوع الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعا، ونقص الأموال: بالجوائح والمصائب، والأنفس: بالموت والقتل، والثّمرات: بالعاهات ونزع البركة، فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازا ولذلك وحد، وقرأ الضحاك بأشياء على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض، وقال بعض العلماء: إنما المراد في هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو بالغفلة عنها بسبب الجهاد). [المحرر الوجيز: 1/ 386-387]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ}
الآية، وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وقال سعيد بن جبير: «لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف».
وروي أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟، فقال: «نعم كل ما آذى المؤمن فهي مصيبة» ). [المحرر الوجيز: 1/ 387-388]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ} الآية، نعم من الله على الصابرين المسترجعين، وصلوات الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية: «نعم العدلان ونعم العلاوة» أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء). [المحرر الوجيز: 1/ 388]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيراً فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ (158) إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون (159) إلاّ الّذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التّوّاب الرّحيم (160)}
الصّفا والمروة: جبيلان بمكة، والصّفا جمع صفاة، وقيل: هو اسم مفرد جمعه صفى وأصفاء، وهي الصخرة العظيمة، قال الراجز:
... ... ... ... ....... مواقع الطّير على الصّفى
وقيل: من شروط الصفا البياض والصلابة، والمروة واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، ومنه قول الذي أصاب شاته الموت من الصحابة «فذكيتها بمروة»، ومنه قيل الأمين: «اخرجني إلى أخي فإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة»، وقد قيل في المرو: إنها الصلاب.
قال الشاعر:
وتولّى الأرض خفّا ذابلا ....... فإذا ما صادف المرو رضخ
والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته، وفي هذا يقال المرو أكثر، وقد يقال في الصليب، وتأمل قول أبي ذؤيب:
حتى كأني للحوادث مروة ....... بصفا المشقر كل يوم تقرع
وجبيل الصّفا بمكة صليب، وجبيل المروة إلى اللين ماهق، فبذلك سميا، قال قوم: ذكر الصّفا لأن آدم وقف عليه، ووقفت حواء على المروة فانثت لذلك.
وقال الشعبي: «كان على الصفا صنم يدعى إسافا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة»، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر، ومن شعائر اللّه معناه من معالمه ومواضع عبادته، وهي جمع شعيرة أو شعارة، وقال مجاهد: «ذلك راجع إلى القول»، أي مما أشعركم الله بفضله، مأخوذ من تشعرت إذا تحسست، وشعرت مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب، والشعار مأخوذ من الشعر، ومن هذه اللفظة هو الشاعر، وحجّ معناه قصد وتكرر، ومنه قول الشاعر:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ....... يحجّون سبّ الزّبرقان المزعفرا
ومنه قول الآخر: يحج مأمومة في قعرها لجف واعتمر زار وتكرر مأخوذ من عمرت الموضع، وال جناح الإثم والميل عن الحق والطاعة، ومن اللفظة الجناح لأنه في شق، ومنه قيل للخبا جناح لتمايله وكونه كذي أجنحة، ومنه: {وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها} [الأنفال: 61]، ويطّوّف أصله يتطوف سكنت التاء وأدغمت في الطاء.
وقرأ أبو السمال «أن يطاف» وأصله يطتوف تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول، كما جاء في مدكر، ومن لم يجز ذلك قال قلبت التاء طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء، وفي هذا نظر لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف.
وروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب أنهم قرؤوا «أن لا يتطوف»، وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب «أن لا يطوف»، وقيل: «أن لا يطوف» بضم الطاء وسكون الواو.
وقوله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما.
وقوله: {فلا جناح} ليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء، لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، وإنما المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب، واختلف في كيفية ذلك فروي أن الجن كانت تعرف وتطوف بينهما في الجاهلية
فكانت طائفة من تهامة لا تطوف بينهما في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا من الطواف.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك في الأنصار وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالا لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت هذه الآية، وروي عن الشعبي أن العرب التي كانت تطوف هنالك كانت تعتقد ذلك السعي إجلالا لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هنالك إذ كان بسبب الصنمين.
واختلف العلماء في السعى بين الصفا والمروة فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزىء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن أبي حنيفة: إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء: «ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره»، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود «أن لا يطوف بهما» وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها: «أرأيت قول الله: فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما؟ فما نرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما» قالت: «يا عروة كلا لو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما».
وأيضا فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون «لا» زائدة صلة في الكلام، كقوله:{ما منعك ألّا تسجد}[الأعراف: 12]، وكقول الشاعر:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ....... والطّيبان أبو بكر ولا عمر
أي وعمر
وكقول الآخر:
وما ألوم البيض أن لا تسخرا ....... ... ... ... ...
ومذهب مالك وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها.
وقرأ قوم من السبعة وغيرهم «ومن يطوع» بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في قوله فإنّ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم «تطوع» على بابه في المضي، ف من على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله فإنّ للإبهام الذي في من، حكاه مكي، وقال أبو علي: يحتمل «تطوع» أن يكون في موضع جزم ومن شرطية، ويحتمل أن تكون من بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال: معنى تطوّع أي زاد برا بعد الواجب، فجعله عاما في الأعمال، وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال: المعنى من تطوع بالسعي بينهما، وفي قراءة ابن مسعود «فمن تطوع بخير»، ومعنى شاكرٌ أي يبذل الثواب والجزاء، عليمٌ بالنيات والأعمال لا يضيع معه لعامل بر ولا غيره عمل). [المحرر الوجيز: 1/ 388-394]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 04:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29 جمادى الأولى 1435هـ/30-03-2014م, 04:07 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,303
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري


تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ اللّه مع الصّابرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون (154)}
لمّا فرغ تعالى من بيان الأمر بالشّكر شرع في بيان الصّبر، والإرشاد إلى الاستعانة بالصّبر والصّلاة، فإنّ العبد إمّا أن يكون في نعمةٍ فيشكر عليها، أو في نقمةٍ فيصبر عليها؛ كما جاء في الحديث: «عجبًا للمؤمن. لا يقضي اللّه له قضاءً إلّا كان خيرًا له: إن أصابته سرّاء، فشكر، كان خيرًا له؛ وإن أصابته ضرّاء فصبر كان خيرًا له».
وبيّن تعالى أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المصائب الصّبر والصّلاة، كما تقدّم في قوله: {واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين} [البقرة: 45]. وفي الحديث كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمرٌ صلّى. والصّبر صبران، فصبرٌ على ترك المحارم والمآثم وصبرٌ على فعل الطّاعات والقربات. والثّاني أكثر ثوابًا لأنّه المقصود. كما قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: «الصّبر في بابين، الصّبر للّه بما أحبّ، وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصّبر للّه عمّا كره وإن نازعت إليه الأهواء. فمن كان هكذا، فهو من الصّابرين الّذين يسلّم عليهم، إن شاء اللّه».
وقال عليّ بن الحسين زين العابدين: «إذا جمع اللّه الأوّلين والآخرين ينادي منادٍ: أين الصّابرون ليدخلوا الجنّة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من النّاس، فتتلقّاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنّة. فيقولون: وقبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: الصّابرون، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة اللّه، وصبرنا عن معصية اللّه، حتّى توفّانا اللّه. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنّة، فنعم أجر العاملين».
قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: {إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حسابٍ} [الزّمر: 10].
وقال سعيد بن جبيرٍ: «الصّبر اعتراف العبد للّه بما أصاب منه، واحتسابه عند اللّه رجاء ثوابه، وقد يجزع الرّجل وهو متجلّد لا يرى منه إلّا الصّبر»). [تفسير ابن كثير: 1/ 466]

تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ} يخبر تعالى أنّ الشّهداء في برزخهم أحياءٌ يرزقون، كما جاء في صحيح مسلمٍ: «إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنّة حيث شاءت ثمّ تأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش، فاطّلع عليهم ربّك اطّلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربّنا، وأيّ شيءٍ نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثمّ عاد إليهم بمثل هذا، فلمّا رأوا أنّهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردّنا إلى الدّار الدّنيا، فنقاتل في سبيلك، حتّى نقتل فيك مرّةً أخرى؛ لما يرون من ثواب الشّهادة -فيقول الرّبّ جلّ جلاله: إنّي كتبت أنّهم إليها لا يرجعون».
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشّافعيّ، عن الإمام مالكٍ، عن الزّهريّ، عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالكٍ، عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نسمة المؤمن طائرٌ تعلق في شجر الجنّة، حتّى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه».
ففيه دلالةٌ لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشّهداء قد خصّصوا بالذّكر في القرآن، تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا). [تفسير ابن كثير: 1/ 466-467]

تفسير قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين (155) الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون (157)}
أخبر تعالى أنّه يبتلي عباده المؤمنين أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: {ولنبلونّكم حتّى نعلم المجاهدين منكم والصّابرين ونبلو أخباركم} [محمّدٍ: 31] فتارةً بالسّرّاء، وتارةً بالضّرّاء من خوفٍ وجوعٍ، كما قال تعالى: {فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف} [النّحل: 112] فإنّ الجائع والخائف كلٌّ منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا: {بشيءٍ من الخوف والجوع} أي: بقليلٍ من ذلك {ونقصٍ من الأموال} أي: ذهاب بعضها {والأنفس} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب {والثّمرات} أي: لا تغلّ الحدائق والمزارع كعادتها. كما قال بعض السّلف: فكانت بعض النّخيل لا تثمر غير واحدةٍ. وكلّ هذا وأمثاله ممّا يختبر اللّه به عباده، فمن صبر أثابه اللّه ومن قنط أحلّ اللّه به عقابه. ولهذا قال: {وبشّر الصّابرين}
وقد حكى بعض المفسّرين أنّ المراد من الخوف هاهنا: خوف اللّه، وبالجوع: صيام رمضان، ونقص الأموال: الزّكاة، والأنفس: الأمراض، والثّمرات: الأولاد. وفي هذا نظرٌ، واللّه أعلم). [تفسير ابن كثير: 1/467]

تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ بينّ تعالى من الصّابرون الّذين شكرهم، قال: {الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون} أي: تسلّوا بقولهم هذا عمّا أصابهم، وعلموا أنّهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنّه لا يضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنّهم عبيده، وأنّهم إليه راجعون في الدّار الآخرة. ولهذا أخبر تعالى عمّا أعطاهم على ذلك فقال: {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم} أي: ثناءٌ من اللّه عليهم ورحمةٌ.
قال سعيد بن جبيرٍ: «أي أمنةٌ من العذاب» {وأولئك هم المهتدون} قال أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب: «نعم العدلان ونعمت العلاوة» {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ} فهذان العدلان {وأولئك هم المهتدون} فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادةٌ في الحمل وكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول {إنّا للّه وإنّا إليه راجعون} عند المصائب أحاديث كثيرةٌ. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد:
حدّثنا يونس، حدّثنا ليثٌ -يعني ابن سعدٍ -عن يزيد بن عبد اللّه بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطّلب، عن أمّ سلمة قالت: «أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: «لقد سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قولًا سررت به. قال: «لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ فيسترجع عند مصيبته، ثمّ يقول: «اللّهمّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلّا فعل ذلك به». قالت أمّ سلمة: «فحفظت ذلك منه، فلمّا توفّي أبو سلمة استرجعت وقلت: «اللّهمّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه، ثمّ رجعت إلى نفسي فقلت: «من أين لي خيرٌ من أبي سلمة؟ » فلمّا انقضت عدّتي استأذن عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم -وأنا أدبغ إهابًا لي -فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة أدمٍ حشوها ليفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلمّا فرغ من مقالته قلت: «يا رسول اللّه، ما بي ألّا يكون بك الرّغبة، ولكنّي امرأةٌ، فيّ غيرة شديدةٌ، فأخاف أن ترى منّي شيئًا يعذّبني اللّه به، وأنا امرأةٌ قد دخلت في السّنّ، وأنا ذات عيالٍ، فقال: «أمّا ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها اللّه، عزّ وجلّ عنك. وأمّا ما ذكرت من السّن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأمّا ما ذكرت من العيال فإنّما عيالك عيالي». قالت: «فقد سلّمت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم». فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أمّ سلمة بعد: «أبدلني اللّه بأبي سلمة خيرًا منه، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم».
وفي صحيح مسلمٍ، عنها أنّها قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «ما من عبدٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول: {إنّا للّه وإنّا إليه راجعون} اللّهمّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره اللّه من مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» قالت: فلمّا توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخلف اللّه لي خيرًا منه: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيد، وعبّاد بن عبّادٍ قالا حدّثنا هشام بن أبي هشامٍ، حدّثنا عبّاد بن زيادٍ، عن أمّه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن عليٍّ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما من مسلمٍ ولا مسلمة يصاب بمصيبةٍ فيذكرها وإن طال عهدها -وقال عبّادٌ: قدم عهدها -فيحدث لذلك استرجاعًا، إلّا جدّد اللّه له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب».
ورواه ابن ماجه في سننه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن زيادٍ، عن أمّه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين.
وقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن زيادٍ عن أبيه، كذا عن، فاطمة، عن أبيها.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن إسحاق السّالحينيّ، أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن أبي سنانٍ قال: «دفنت ابنًا لي، فإنّي لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولانيّ -فأخرجني، وقال لي: ألا أبشّرك؟ قلت: بلى. قال: حدّثني الضّحّاك بن عبد الرّحمن بن عرزب، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «قال اللّه:يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرّة عينه وثمرة فؤاده؟ قال نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنو له بيتًا في الجنّة، وسمّوه بيت الحمد».
ثمّ رواه عن عليّ بن إسحاق، عن عبد اللّه بن المبارك. فذكره. وهكذا رواه التّرمذيّ عن سويد بن نصرٍ، عن ابن المبارك، به. وقال: حسنٌ غريبٌ. واسم أبي سنانٍ: عيسى بن سنانٍ). [تفسير ابن كثير: 1/ 467-469]

تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم} أي: ثناءٌ من اللّه عليهم ورحمةٌ.
قال سعيد بن جبيرٍ: «أي أمنةٌ من العذاب» {وأولئك هم المهتدون} قال أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب: «نعم العدلان ونعمت العلاوة» {أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةٌ} فهذان العدلان {وأولئك هم المهتدون} فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادةٌ في الحمل وكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا). [تفسير ابن كثير: 1/ 468] (م)


تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرًا فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ (158)}
قال الإمام أحمد: حدّثنا سليمان بن داود الهاشميّ، أخبرنا إبراهيم بن سعدٍ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: «قلت: أرأيت قول الله تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} » قلت: «فواللّه ما على أحدٍ جناحٌ أن لا يطّوف بهما؟ » فقالت عائشة: «بئسما قلت يا ابن أختي إنّها لو كانت على ما أوّلتها عليه كانت: فلا جناح عليه ألّا يطّوف بهما، ولكنّها إنّما أنزلت أنّ الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلّون لمناة الطّاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلّل. وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوّف بالصّفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا كنّا نتحرّج أن نطّوف بالصّفا والمروة في الجاهليّة. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} إلى قوله: {فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما} قالت عائشة: ثمّ قد سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الطّواف بهما، فليس لأحدٍ أن يدع الطّواف بهما». أخرجاه في الصّحيحين.
وفي روايةٍ عن الزّهريّ أنّه قال: «فحدّثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ، فقال: «إنّ هذا العلم، ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون إنّ النّاس -إلّا من ذكرت عائشة -كانوا يقولون: إنّ طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهليّة. وقال آخرون من الأنصار: إنّما أمرنا بالطّواف بالبيت، ولم نؤمر بالطّواف بين الصّفا والمروة، فأنزل اللّه تعالى: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} قال أبو بكر بن عبد الرّحمن: «فلعلّها نزلت في هؤلاء وهؤلاء».
ورواه البخاريّ من حديث مالكٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدّم. ثمّ قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان قال: «سألت أنسًا عن الصّفا والمروة قال: كنّا نرى ذلك من أمر الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه}».
وذكر القرطبيّ في تفسيره عن ابن عبّاسٍ قال: «كانت الشّياطين تفرّق بين الصّفا والمروة اللّيل كلّه، وكانت بينهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، عن الطّواف بينهما، فنزلت هذه الآية». وقال الشّعبيّ: «كان إسافٌ على الصّفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما فتحرّجوا بعد الإسلام من الطّواف بينهما، فنزلت هذه الآية». قلت: وذكر ابن إسحاق في كتاب السّيرة أنّ إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما النّاس، فلمّا طال عهدهما عبدا، ثمّ حوّلا إلى الصّفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصّفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالبٍ، في قصيدته المشهورة:

وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ....... بمفضى السّيول من إساف ونائل

وفي صحيح مسلمٍ من حديث جابرٍ الطويل، وفيه:أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الرّكن فاستلمه، ثمّ خرج من باب الصّفا، وهو يقول: {إنّ الصّفا والمروة من شعائر اللّه} ثمّ قال: «أبدأ بما بدأ اللّه به». وفي رواية النّسائيّ:«ابدؤوا بما بدأ اللّه به».
وقال الإمام أحمد: حدّثنا شريحٌ، حدّثنا عبد اللّه بن المؤمّل، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن صفيّة بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: «رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطوف بين الصّفا والمروة، والنّاس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتّى أرى ركبتيه من شدّة السّعي يدور به إزاره، وهو يقول: «اسعوا، فإنّ اللّه كتب عليكم السّعي».
ثمّ رواه الإمام أحمد، عن عبد الرّزّاق، أخبرنا معمر، عن واصلٍ -مولى أبي عيينة -عن موسى بن عبيدة عن صفيّة بنت شيبة، أنّ امرأةً أخبرتها أنّها سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بين الصّفا والمروة يقول: «كتب عليكم السّعي، فاسعوا».
وقد استدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أنّ السّعي بين الصّفا والمروة ركنٌ في الحجّ، كما هو مذهب الشّافعيّ، ومن وافقه وروايةً عن أحمد وهو المشهور عن مالكٍ. وقيل: إنّه واجبٌ، وليس بركنٍ فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدمٍ وهو روايةٌ عن أحمد وبه تقول طائفةٌ وقيل: بل مستحبٌّ، وإليه ذهب أبو حنيفة والثّوريّ والشّعبيّ وابن سيرين، وروي عن أنسٍ وابن عمر وابن عبّاسٍ، وحكي عن مالكٍ في العتبيّة، قال القرطبيّ: واحتجّوا بقوله: {فمن تطوّع خيرًا}. وقيل: بل مستحبٌّ. والقول الأوّل أرجح، لأنّه عليه السّلام طاف بينهما، وقال: «لتأخذوا عنّي مناسككم». فكلّ ما فعله في حجته تلك واجبٌ لا بدّ من فعله في الحجّ، إلّا ما خرج بدليلٍ، واللّه أعلم وقد تقدّم قوله عليه السّلام: «اسعوا فإنّ اللّه كتب عليكم السّعي».
فقد بيّن اللّه-تعالى -أنّ الطّواف بين الصّفا والمروة من شعائر اللّه، أي: ممّا شرع اللّه تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحجّ، وقد تقدّم في حديث ابن عبّاسٍ أنّ أصل ذلك مأخوذٌ من تطواف هاجر وتردادها بين الصّفا والمروة في طلب الماء لولدها، لمّا نفد ماؤها وزادها، حين تركهما إبراهيم -عليه السّلام -هنالك ليس عندهما أحدٌ من النّاس، فلمّا خافت الضّيعة على ولدها هنالك، ونفد ما عندها قامت تطلب الغوث من اللّه، عزّ وجلّ، فلم تزل تردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصّفا والمروة متذلّلةً خائفةً وجلةً مضطرّةً فقيرةً إلى اللّه، عزّ وجلّ، حتّى كشف اللّه كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدّتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعمٍ، وشفاء سقمٍ، فالسّاعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى اللّه في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله، عزّ وجلّ، ليزيح ما هو به من النّقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصّراط المستقيم وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذّنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسّداد والاستقامة، كما فعل بهاجر -عليها السّلام.
وقوله: {فمن تطوّع خيرًا} قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنةً وتاسعةً ونحو ذلك. وقيل: يطوف بينهما في حجّة تطوّعٍ، أو عمرة تطوّعٍ. وقيل: المراد تطوّع خيرًا في سائر العبادات. حكى ذلك فخر الدّين الرّازيّ، وعزى الثّالث إلى الحسن البصريّ، واللّه أعلم. وقوله: {فإنّ اللّه شاكرٌ عليمٌ} أي: يثيب على القليل بالكثير {عليمٌ} بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه و{لا يظلم مثقال ذرّةٍ وإن تك حسنةً يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا} [النّساء: 40] ). [تفسير ابن كثير: 1/ 469-472]



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:59 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة