العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة يوسف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 11:52 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي تفسير سورة يوسف [ من الآية (108) إلى الآية (111) ]

تفسير سورة يوسف
[ من الآية (108) إلى الآية (111) ]

بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) }


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 11:53 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم: {قل} يا محمّد {هذه} الدّعوة الّتي أدعو إليها، والطّريقة الّتي أنا عليها من الدّعاء إلى توحيد اللّه وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته {سبيلي} وطريقتي ودعوتي {أدعو إلى اللّه} وحده لا شريك له {على بصيرةٍ} بذلك ويقين علمٍ منّي به، {أنا و} يدعو إليه على بصيرةٍ أيضًا {من اتّبعني} وصدّقني وآمن بي {وسبحان اللّه} يقول له تعالى ذكره: وقل تنزيهًا للّه وتعظيمًا له من أن يكون له شريكٌ في ملكه، أو معبودٍ سواه في سلطانه، {وما أنا من المشركين} يقول: وأنا بريءٌ من أهل الشّرك به، لست منهم، ولا هم منّي.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك
- حدّثني المثنّى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، في قوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ} يقول: هذه دعوتي
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ} قال: هذه سبيلي، هذا أمري وسنّتي ومنهاجي {أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني} قال: وحقّ واللّه وعلى من اتّبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكّر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي اللّه
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع بن أنسٍ، قوله: {قل هذه سبيلي} هذه دعوتي
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا حكّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع: {قل هذه سبيلي} قال: هذه دعوتي). [جامع البيان: 13/378-379]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين (108)
قوله تعالى: قل هذه سبيلي.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عباس: قل هذه سبيلي أدعوا قال: هذه دعوتي.
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، أنا أصبغ قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: قل هذه سبيلي أدعوا إلى اللّه قال: هذا أمري وسنّتي، ومنهاجي.
قوله تعالى: أدعوا إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني
- حدّثنا عليّ بن الحسن ثنا أبو الجماهر ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: أدعوا إلى اللّه على بصيرةٍ أي: على هدًى أنا ومن اتّبعني
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ، أنا أصبغ بن الفرج، قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قول اللّه: أدعوا إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني قال: وحقٌّ واللّه على من اتّبعه أن يدعوا إلى مثل ما دعى إليه ويذكّر بالقرآن والحكمة والموعظة الحسنة وينهى، عن معاصي اللّه.
قوله تعالى: وسبحان اللّه وما أنا من المشركين.
قد تقدم تفسير سبحان غير مرّةٍ. واللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 7/2209-2210]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 108.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {قل هذه سبيلي} قال: دعوتي.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - مثله). [الدر المنثور: 8/350]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {قل هذه سبيلي} قال: صلاتي). [الدر المنثور: 8/350]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {قل هذه سبيلي} قال: أمري وسنتي ومنهاجي). [الدر المنثور: 8/350]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {على بصيرة} أي على هدى {أنا ومن اتبعني}). [الدر المنثور: 8/350]

تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم، ولدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا، أفلا تعقلون}.
يقول تعالى ذكره: {وما أرسلنا} يا محمّد {من قبلك إلاّ رجالاً} لا نساء ولا ملائكة، {نوحي إليهم} آياتنا بالدّعاء إلى طاعتنا وإفراد العبادة لنا {من أهل القرى} يعني من أهل الأمصار، دون أهل البوادي، كما؛
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} لأنّهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود
وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} يقول تعالى ذكره: أفلم يسر هؤلاء المشركون الّذين يكذّبونك يا محمّد، ويجحدون نبوّتك، وينكرون ما جئتهم به من توحيد اللّه، وإخلاص الطّاعة والعبادة له في الأرض، {فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم} إذ كذّبوا رسلنا، ألم نحلّ بهم عقوبتنا، فنهلكهم بها، وننج منها رسلنا وأتباعهم، فيتفكّروا في ذلك ويعتبروا؟
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ قال: قال ابن جريجٍ: قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم} قال: إنّهم قالوا: {ما أنزل اللّه على بشرٍ من شيءٍ} قال: وقوله: {وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجرٍ}، وقوله: {وكأيّن من آيةٍ في السّموات والأرض يمرّون عليها}، وقوله: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشيةٌ من عذاب اللّه}، وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا} من أهلكنا؟ قال: فكلّ ذلك قال لقريشٍ: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكّروا
وقوله: {ولدار الآخرة خيرٌ} يقول تعالى ذكره: هذا فعلنا في الدّنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا، إنّ عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشّرك بنا أنجيناهم منها، وما في الدّار الآخرة لهم خيرٌ.
وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاءً بدلالة قوله: {ولدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا} عليه، وأضيفت الدّار إلى الآخرة، وهي الآخرة، لاختلاف لفظيهما، كما قيل: {إنّ هذا لهو حقّ اليقين} وكما قيل: أتيتك عام الأوّل، وبارحة الأولى، وليلة الأولى، ويوم الخميس، وكما قال الشّاعر:
أتمدح فقعسا وتذمّ عبسا = ألا للّه أمّك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبسٍ = عرفت الذّلّ عرفان اليقين
يعني عرفانًا به يقينًا.
فتأويل الكلام: وللدّار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا اللّه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه
وقوله: {أفلا تعقلون} يقول: أفلا يعقل هؤلاء المشركون باللّه حقيقة ما نقول لهم ونخبرهم به من سوء عاقبة الكفر، وغبّ ما يصير إليه حال أهله مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا ممّا حلّ بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذّبة رسل ربّها). [جامع البيان: 13/380-382]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم ولدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا أفلا تعقلون (109)
قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم.
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا محمّد بن العلاء أبو كريبٍ ثنا عثمان بن سعيدٍ ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قال: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أي: ليسوا من أهل السّماء كما قلتم.
قوله تعالى: من أهل القرى.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيدٌ ثنا قتادة قوله: وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى قال: وما نعلم أنّ اللّه أرسل رسولا قطّ إلا من أهل القرى، لأنّهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود.
قوله: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم
- حدّثنا الحسن بن أحمد ثنا موسى بن محلّمٍ ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن في قوله: فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم قال: فينظروا كيف عذّب اللّه قوم نوحٍ، وقوم لوطٍ وقوم صالحٍ، والأمم الّتي عذّب اللّه.
قوله تعالى: ولدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا أفلا تعقلون.
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: ولدار الآخرة خيرٌ يقول: باقيةٌ.
- حدّثنا أبي ثنا الهيثم بن يمانٍ، ثنا إسماعيل بن زكريّا، حدّثني محمّد بن عونٍ الخراسانيّ، عن عكرمة قوله: ولدار الآخرة يقول: الجنّة). [تفسير القرآن العظيم: 7/2210]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 109
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم). [الدر المنثور: 8/350-351]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} قال: إنهم قالوا (ما أنزل الله على بشر من شيء) (الأنعام الآية 91) وقوله (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (وما تسألهم عليه من أجر) وقوله (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها) وقوله (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) وقوله {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} قال: كل ذلك قال لقريش أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا). [الدر المنثور: 8/351]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} قال: ما نعلم أن الله أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى لأنهم كانوا أعلم وأحكم من أهل العمود). [الدر المنثور: 8/351]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} قال: فينظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذب). [الدر المنثور: 8/352]

تفسير قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن لهيعة عن عقيلٍ عن ابن شهابٍ قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّه سأل عائشة زوج النّبيّ عليه السّلام قال: قلت: أرأيت قول اللّه: {حتّى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا}، أو كذّبوا، فقالت: بل، كذبوا، فقلت: واللّه، لقد استيقنوا أنّ قومهم قد كذّبوهم وما هو بالظّنّ، فقالت: لعمري، لقد استيقنوا بذلك، قال: فقلت: فلعلّها وظنّوا أنّهم قد كذبوا، قالت: معاذ اللّه، لم تكن الرّسل لتظنّ ذلك بربها، قلت: وأمّا هذه الآية، قالت: هم أتباع الرّسل الّذين آمنوا وصدّقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النّصر حتّى إذا استيأست الرّسل ممّن كذبهم من قوهم وظنّوا أنّ أتباعهم الّذين قد كذّبوهم جاءهم نصر اللّه عند ذلك). [الجامع في علوم القرآن: 1/27]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد، فقال: إن محمد بن كعب القرظي يقرأ هذه الآية: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا}، فقال القاسم: فأخبروني عني أني سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقرأ: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد} كذبوا، تقول: كذبهم أتباعهم). [الجامع في علوم القرآن: 3/61-62]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى حتى إذا استيئس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنت الرسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك). [تفسير عبد الرزاق: 1/329]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن ابن عيينة عن ابن شبرمة قال أخبرني تميم بن حذام قال قرأت على ابن مسعود القرآن فلم يأخذ علي إلا حرفين قال قرأت وكل أتوه دخرين مشددة فقال كل أتوه مخففة وقرأت عليه حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا مشددة فقال كذبوا مخففة). [تفسير عبد الرزاق: 1/329]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حتى {إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: يئس الرّسل من نصر قومهم وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم [الآية: 110].
سفيان [الثوري] عن الأعمش عن أبي الضّحى عن ابن عباس مثله.
سفيان [الثوري] عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروقٍ عن عبد الله في قوله: {حتى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: هو الّذي تكره قال: وفسّر ذلك سفيان قال: ظنّت الرّسل أنّهم قد كذّبوا). [تفسير الثوري: 148-149]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت: 227هـ): ( [الآية (110) : قوله تعالى: {حتّى إذا استيئس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء} الآية]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ - في قوله عز وجل: {حتّى إذا استيئس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} - قال: استيأس الرّسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنّ القوم أنّ الرّسل قد كذبوا، جاء أمر الله.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خلف بن خليفة، قال: نا عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: استيأس الرّسل من قومهم أن يؤمنوا، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا، جاءهم نصرنا فننجي من نشاء.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقرأ {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفة.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن تميم بن حذلم، عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: {وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن ابن عبّاسٍ - في قوله عزّ وجلّ: {حتّى إذا استيئس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} - قال: لمّا أيست الرّسل أن يستجيب لهم قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم، جاء النّصر على ذلك فنجّي من نشاء.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد اللّه: قرأت سورة يوسف بحمص، فقال رجلٌ: ما هكذا أنزلت، فدنوت منه، فوجدت منه ريح الخمر، فقلت له: أتكذّب بالحقّ، وتشرب الرّجس؟ واللّه لهكذا أقرأنيها رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، واللّه لا أدعك حتّى أضربك حدًّا، قال: فضربه الحدّ). [سنن سعيد بن منصور: 5/412-420]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل} [يوسف: 110]
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت له وهو يسألها عن قول اللّه تعالى: {حتّى إذا استيأس الرّسل} [يوسف: 110] قال: قلت: أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: «كذّبوا» قلت: فقد استيقنوا أنّ قومهم كذّبوهم فما هو بالظّنّ؟ قالت: «أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك» فقلت لها: وظنّوا أنّهم قد كذبوا، قالت: «معاذ اللّه لم تكن الرّسل تظنّ ذلك بربّها» قلت: فما هذه الآية؟ قالت: «هم أتباع الرّسل الّذين آمنوا بربّهم، وصدّقوهم فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النّصر حتّى إذا استيأس الرّسل ممّن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر اللّه عند ذلك»
- حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزّهريّ، قال: أخبرني عروة، فقلت لعلّها كذبوا مخفّفةً، قالت: «معاذ اللّه» نحوه). [صحيح البخاري: 6/77-78]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب قوله حتّى إذا استيأس الرّسل استيأس)
استفعل من اليأس ضدّ الرّجاء قال أبو عبيدة في قوله فلمّا استيأسوا منه استفعلوا من يئست ومثله في هذه الآية وليس مراده باستفعل إلّا الوزن خاصّةً وإلّا فالسّين والتّاء زائدتان واستيأس بمعنى يئس كاستعجب وعجب وفرّق بينهما الزّمخشريّ بأنّ الزّيادة تقع في مثل هذا للتّنبيه على المبالغة في ذلك الفعل واختلف فيما تعلّقت به الغاية من قوله حتّى فاتّفقوا على أنّه محذوفٌ فقيل التّقدير وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالًا يوحى إليهم فتراخى النّصر عنهم حتّى إذا وقيل التّقدير فلم تعاقب أممهم حتّى إذا وقيل فدعوا قومهم فكذّبوهم فطال ذلك حتّى إذا
- قوله عن صالح هو بن كيسان قوله عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول اللّه عزّ وجلّ في رواية عقيل عن بن شهابٍ في أحاديث الأنبياء أخبرني عروة أنّه سأل عائشة عن قوله تعالى فذكره قوله قلت أكذبوا أم كذبوا أي مثقّلةٌ أو مخفّفةٌ ووقع ذلك صريحًا في رواية الإسماعيليّ من طريق صالح بن كيسان هذه قوله قالت عائشة كذّبوا أي بالتّثقيل في رواية الإسماعيليّ مثقّلةٌ قوله فما هو بالظّنّ قالت أجل زاد الإسماعيليّ قلت فهي مخفّفةٌ قالت معاذ اللّه وهذا ظاهرٌ في أنّها أنكرت القراءة بالتّخفيف بناءً على أنّ الضّمير للرّسل وليس الضّمير للرّسل على ما بيّنته ولا لإنكار القراءة بذلك معنًى بعد ثبوتها ولعلّها لم يبلغها ممّن يرجع إليه في ذلك وقد قرأها بالتّخفيف أئمّة الكوفة من القرّاء عاصمٌ ويحيى بن وثّابٍ والأعمش وحمزة والكسائيّ ووافقهم من الحجازيّين أبو جعفر بن القعقاع وهي قراءة بن مسعود وبن عبّاسٍ وأبي عبد الرّحمن السّلميّ والحسن البصريّ ومحمّد بن كعب القرظيّ في آخرين وقال الكرمانيّ لم تنكر عائشة القراءة وإنّما أنكرت تأويل بن عبّاسٍ كذا قال وهو خلاف الظّاهر وظاهر السّياق أن عروة كان يوافق بن عبّاسٍ في ذلك قبل أن يسأل عائشة ثمّ لا يدري رجع إليها أم لا وروى بن أبي حاتمٍ من طريق يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ قال جاء رجلٌ إلى القاسم بن محمّدٍ فقال له إنّ محمّد بن كعبٍ القرظيّ يقرأ كذبوا بالتّخفيف فقال أخبره عنّي أنّي سمعت عائشة تقول كذّبوا مثقّلةٌ أي كذّبتهم أتباعهم وقد تقدّم في تفسير البقرة من طريق بن أبي مليكة قال قال بن عبّاس حتّى إذا استيأس الرّسل وظنوا أنهم قد كذبوا خفيفةٌ قال ذهب بها هنالك وفي رواية الأصيليّ بما هنالك بميمٍ بدل الهاء وهو تصحيفٌ وقد أخرجه النّسائيّ والإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ ذهب ها هنا وأشار إلى السماء وتلا حتّى يقول الرّسول والّذين معه متى نصر اللّه ألا إنّ نصر الله قريب وزاد الإسماعيليّ في روايته ثمّ قال بن عبّاسٍ كانوا بشرًا ضعفوا وأيسوا وظنّوا أنّهم قد كذبوا وهذا ظاهره أن بن عبّاسٍ كان يذهب إلى أنّ قوله متى نصر اللّه مقول الرّسول وإليه ذهب طائفةٌ ثمّ اختلفوا فقيل الجميع مقول الجميع وقيل الجملة الأولى مقول الجميع والأخيرة من كلام اللّه وقال آخرون الجملة الأولى وهي متى نصر الله مقول الّذين آمنوا معه والجملة الأخيرة وهي الا أن نصر الله قريب مقول الرّسول وقدّم الرّسول في الذّكر لشرفه وهذا أولى وعلى الأوّل فليس قول الرّسول متى نصر الله شكًّا بل استبطاءً للنّصر وطلبًا له وهو مثل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدرٍ اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني قال الخطابيّ لا شكّ أن بن عبّاسٍ لا يجيز على الرّسل أنّها تكذّب بالوحي ولا يشكّ في صدق المخبر فيحمل كلامه على أنه أراد أنهم لطول البلاء عليهم وإبطاء النّصر وشدّة استنجاز من وعدوه به توهّموا أنّ الّذي جاءهم من الوحي كان حسبانًا من أنفسهم وظنّوا عليها الغلط في تلقّي ما ورد عليهم من ذلك فيكون الّذي بني له الفعل أنفسهم لا الآتي بالوحي والمراد بالكذب الغلط لا حقيقة الكذب كما يقول القائل كذبتك نفسك قلت ويؤيّده قراءة مجاهدٌ وظنّوا أنّهم قد كذبوا بفتح أوّله مع التّخفيف أي غلطوا ويكون فاعل وظنّوا الرّسل ويحتمل أن يكون أتباعهم ويؤيّده ما رواه الطّبريّ بأسانيد متنوّعةٍ من طريق عمران بن الحارث وسعيد بن جبيرٍ وأبي الضّحى وعليّ بن أبي طلحة والعوفيّ كلهم عن بن عبّاسٍ في هذه الآية قال أيس الرّسل من إيمان قومهم وظنّ قومهم أنّ الرّسل كذبوا وقال الزّمخشريّ إن صحّ هذا عن بن عبّاسٍ فقد أراد بالظّنّ ما يخطر بالبال ويهجس في النّفس من الوسوسة وحديث النّفس على ما عليه البشريّة وأمّا الظّنّ وهو ترجيح أحد الطّرفين فلا يظنّ بالمسلم فضلًا عن الرّسول وقال أبو نصر القشيريّ ولا يبعد أنّ المراد خطر بقلب الرّسل فصرفوه عن أنفسهم أو المعنى قرّبوا من الظّنّ كما يقال بلغت المنزل إذا قربت منه وقال التّرمذيّ الحكيم وجهه أنّ الرّسل كانت تخاف بعد أن وعدهم اللّه النّصر أن يتخلّف النّصر لا من تهمةٍ بوعد اللّه بل لتهمة النّفوس أن تكون قد أحدثت حدثًا ينقض ذلك الشّرط فكان الأمر إذا طال واشتدّ البلاء عليهم دخلهم الظّنّ من هذه الجهة قلت ولا يظنّ بابن عبّاسٍ أنّه يجوّز على الرّسول أنّ نفسه تحدّثه بأن الله يخلف وعده بل الّذي يظنّ بابن عبّاسٍ أنّه أراد بقوله كانوا بشرًا إلى آخر كلامه من آمن من أتباع الرّسل لا نفس الرّسل وقول الرّاوي عنه ذهب بها هناك أي إلى السّماء معناه أنّ أتباع الرّسل ظنّوا أنّ ما وعدهم به الرّسل على لسان الملك تخلّف ولا مانع أن يقع ذلك في خواطر بعض الأتباع وعجبٌ لابن الأنباريّ في جزمه بأنّه لا يصحّ ثمّ الزّمخشريّ في توقّفه عن صحّة ذلك عن بن عبّاسٍ فإنّه صحّ عنه لكن لم يأت عنه التّصريح بأنّ الرّسل هم الّذين ظنّوا ذلك ولا يلزم ذلك من قراءة التّخفيف بل الضّمير في وظنّوا عائدٌ على المرسل إليهم وفي وكذبوا عائدٌ على الرّسل أي وظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل كذبوا أو الضّمائر للرّسل والمعنى يئس الرّسل من النّصر وتوهّموا أنّ أنفسهم كذبتهم حين حدّثتهم بقرب النّصر أو كذبهم رجاؤهم أو الضّمائر كلّها للمرسل إليهم أي يئس الرّسل من إيمان من أرسلوا إليه وظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل كذّبوهم في جميع ما ادّعوه من النّبوّة والوعد بالنّصر لمن أطاعهم والوعيد بالعذاب لمن لم يجبهم وإذا كان ذلك محتملًا وجب تنزيه بن عبّاسٍ عن تجويزه ذلك على الرّسل ويحمل إنكار عائشة على ظاهر مساقهم من إطلاق المنقول عنه وقد روى الطّبريّ أنّ سعيد بن جبيرٍ سئل عن هذه الآية فقال يئس الرّسل من قومهم أن يصدّقوهم وظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل كذبوا فقال الضّحّاك بن مزاحمٍ لمّا سمعه لو رحلت إلى اليمن في هذه الكلمة لكان قليلًا فهذا سعيد بن جبيرٍ وهو من أكابر أصحاب بن عبّاسٍ العارفين بكلامه حمل الآية على الاحتمال الأخير الّذي ذكرته وعن مسلم بن يسارٍ أنّه سأل سعيد بن جبيرٍ فقال له آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغٍ فقرأ هذه الآية بالتّخفيف قال في هذا ألوت أن تظنّ الرّسل ذلك فأجابه بنحو ذلك فقال فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك وقام إليه فاعتنقه وجاء ذلك من رواية سعيد بن جبير عن بن عبّاسٍ نفسه فعند النّسائيّ من طريقٍ أخرى عن سعيد بن جبيرٍ عن بن عبّاسٍ في قوله قد كذبوا قال استيأس الرّسل من إيمان قومهم وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم وإسناده حسنٌ فليكن هو المعتمد في تأويل ما جاء عن بن عبّاسٍ في ذلك وهو أعلم بمراد نفسه من غيره ولا يرد على ذلك ما روى الطّبريّ من طريق بن جريجٍ في قوله قد كذبوا خفيفةٌ أي أخلفوا ألا إنّا إذا قرّرنا أنّ الضّمير للمرسل إليهم لم يضرّ تفسير كذبوا بأخلفوا أي ظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل أخلفوا ما وعدوا به واللّه أعلم وروى الطّبريّ من طريق تميم بن حذلم سمعت بن مسعودٍ يقول في هذه الآية استيأس الرّسل من إيمان قومهم وظنّ قومهم حين أبطأ الأمر أنّ الرّسل كذبوهم ومن طريق عبد اللّه بن الحارث استيأس الرّسل من إيمان قومهم وظنّ القوم أنّهم قد كذبوا فيما جاءوهم به وقد جاء عن بن مسعود شيء موهم كما جاء عن بن عبّاسٍ فروى الطّبريّ من طريقٍ صحيحٍ عن مسروق عن بن مسعود أنه قرأ حتّى إذا استيأس الرّسل وظنوا أنهم قد كذبوا مخفّفةٌ قال أبو عبد اللّه هو الّذي يكره وليس في هذا أيضًا ما يقطع به على أن بن مسعودٍ أراد أنّ الضّمير للرّسل بل يحتمل أن يكون الضّمير عنده لمن آمن من أتباع الرّسل فإنّ صدور ذلك ممّن آمن ممّا يكره سماعه فلم يتعيّن أنّه أراد الرّسل قال الطّبريّ لو جاز أن يرتاب الرّسل بوعد اللّه ويشكّوا في حقيقة خبره لكان المرسل إليهم أولى بجواز ذلك عليهم وقد اختار الطّبريّ قراءة التّخفيف ووجّهها بما تقدّم ثمّ قال وإنّما اخترت هذا لأنّ الآية وقعت عقب قوله فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم فكان في ذلك إشارةٌ إلى أنّ يأس الرّسل كان من إيمان قومهم الّذين كذّبوهم فهلكوا أو أنّ المضمر في قوله وظنّوا إنّهم قد كذبوا إنّما هو للّذين من قبلهم من الأمم الهالكة ويزيد ذلك وضوحًا أنّ في بقيّة الآية الخبر عن الرّسل ومن آمن بهم بقوله تعالى فننجّي من نشاء أي الّذين هلكوا هم الّذين ظنّوا أنّ الرّسل قد كذبوا فكذّبوهم والرّسل ومن اتّبعهم هم الّذين نجوا انتهى كلامه ولا يخلو من نظرٍ قوله قالت أجل أي نعم ووقع في رواية عقيلٍ في أحاديث الأنبياء في هذا الموضع فقالت يا عريّة وهو بالتّصغير وأصله عريوةٌ فاجتمع حرفا علّةٍ فأبدلت الواو ياءً ثمّ أدغمت في الأخرى قوله لعمري لقد استيقنوا بذلك فيه إشعارٌ بحمل عروة الظّنّ على حقيقته وهو رجحان أحد الطّرفين ووافقته عائشة لكن روى الطّبريّ من طريق سعيد عن قتادة أنّ المراد بالظّنّ هنا اليقين ونقله نفطويه هنا عن أكثر أهل اللّغة وقال هو كقوله في آيةٍ أخرى وظنّوا أن لا ملجأ من اللّه إلّا إليه وأنكر ذلك الطّبريّ وقال إنّ الظّنّ لا تستعمله العرب في موضع العلم إلّا فيما كان طريقه غير المعاينة فأمّا ما كان طريقه المشاهدة فلا فإنّها لا تقول أظنّني إنسانا ولا أظنني حيا بمعنى أعلمنى إنسانًا أو حيًّا قوله في الطّريق الثّانية عن الزّهريّ أخبرني عروة فقلت لعلّها كذبوا مخفّفةٌ قالت معاذ اللّه نحوه هكذا أورده مختصرًا وقد ساقه أبو نعيمٍ في المستخرج بتمامه ولفظه عن عروة أنّه سأل عائشة فذكر نحو حديث صالح بن كيسان فائدةٌ قوله تعالى في بقيّة الآية فننجي من نشاء قرأ الجمهور بنونين الثّانية ساكنةٌ والجيم خفيفةٌ وسكون آخره مضارع أنجّي وقرأ عاصمٌ وبن عامرٍ بنونٍ واحدةٍ وجيمٍ مشدّدةٍ وفتح آخره على أنّه فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعول ومن قائمةٌ مقام الفاعل وفيها قراءاتٌ أخرى قال الطّبريّ كلّ من قرأ بذلك فهو منفردٌ بقراءته والحجّة في قراءة غيره واللّه أعلم). [فتح الباري: 8/367-370]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (باب قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل} (يوسف: 110) 2.
أي: هذا باب في قوله: {حتّى إذا استيأس الرسلوظنوا أنهم قد كذبوا} (يوسف: 110) الآية، وليس في بعض النّسخ لفظ: باب، واستيأس على وزن استفعل من اليأس وهو ضد الرّجاء، ومعناه: حتّى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم وظن قومهم أن الرّسل قد كذبتهم رسلهم في وعد العذاب، وقيل: حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرّسل كذبوهم. وقال عطاء والحسن وقتادة: ظنّوا أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم. ومعنى التّخفيف: ظن الأمم أن الرّسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إيّاهم بإهلاك أعدائهم وقرأ مجاهد كذبوا بفتح الكاف وتخفيف الذّال وكسره، وقال ابن عرفة الكذب الانصراف عن الحق. فالمعنى: كذبوا تكذيبًا لا تصديق بعده.
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعدٍ عن صالحٍ عن ابن شهابٍ قال أخبرني عروة بن الزّبير عن عائشة رضي الله عنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى حتّى إذا استيأس الرّسل قال قلت أكذبوا أم كذّبوا قالت عائشة كذّبوا قلت فقد استيقنوا أنّ قومهم كذّبوهم فما هو بالظنّ قالت أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك فقلت لها وظنّوا أنّهم قد كذبوا قالت معاذ الله لم تكن الرّسل تظنّ ذالك بربّها قلت فما هاذه الآية قالت هم أتباع الرّسل الّذين آمنوا بربّهم وصدّقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النّصر حتّى إذا استيأس الرّسل ممّن كذبهم من قومهم وظنت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم جاءهم نصر الله.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة وصالح هو ابن كيسان: والحديث قد مر في قصّة يوسف في آخر: باب قوله تعالى {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين} (يوسف: 7) ومر الكلام فيه قوله: (وهو يسألها) الواو وفيه للحال أي: وعروة يسأل عائشة. قوله: (أكذبوا أو كذبوا) يعني: مثقلة أم مخفّفة، قوله: (قالت عائشة كذبوا) يعني بالتثقيل. قوله: (ذلك) أي الكذب في حق الله تعالى. قوله: (أتباع الرّسل) وهم المؤمنون. فالمظنون تكذيب المؤمنين لهم والمتيقن تكذيب الكفّار. قوله: (معاذ الله) تعوذت من ظن الرّسل أنهم مكذبون من عند الله، بل ظنهم ذلك من قبل المصدقين لهم المؤمنين بهم.
- حدّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيبٌ عن الزّهريّ قال أخبرني عروة فقلت لعلّها كذبوا مخفّفةً قالت معاذ الله
هذا طريق آخر في الحديث أخرجه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن محمّد بن مسلم الزّهريّ أورده مختصرا وقد سافه أبو نعيم في (مستخرجه) بتمامه، ولفظه: عن عروة أنه سأل عائشة فذكر نحو حديث صالح بن كيسان). [عمدة القاري: 18/308-309]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل} [يوسف: 110]
(باب قوله) تعالى: ({حتى إذا استيأس الرسل}) [يوسف: 110] ليس في الكلام شيء تكون حتى غاية له ولذا اختلف في تقدير شيء يصح تغييته بحتى فقدره الزمخشري وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فتراخى نصرهم حتى وقدره القرطبي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أمتهم بالعقاب حتى إذا وقدره ابن الجوزي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى. قال في اللباب وأحسنها الأول اهـ.
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن صالحٍ عن ابن شهابٍ قال: أخبرني عروة بن الزّبير، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت له وهو يسألها عن قول اللّه تعالى: {حتّى إذا استيأس الرّسل} قال: قلت أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: كذّبوا، قلت: فقد استيقنوا أنّ قومهم كذّبوهم، فما هو بالظّنّ قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها وظنّوا أنّهم قد كذبوا، قالت: معاذ اللّه لم تكن الرّسل تظنّ ذلك بربّها قلت: فما هذه الآية قالت: هم أتباع الرّسل الّذين آمنوا بربّهم وصدّقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النّصر حتّى استيأس الرّسل ممّن كذّبهم من قومهم وظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم جاءهم نصر اللّه عند ذلك.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن أويس أبو القاسم القرشي الأويسي المدني الأعرج قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة -رضي الله عنها-) أنها (قالت له) أي لعروة وسقط لفظ له
لأبي ذر: (وهو) أي والحال أنه (يسألها عن قول الله تعالى {حتى إذا استيأس الرسل} قال) أي عروة: (قلت) لها: (أكذبوا) بتخفيف المعجمة المكسورة بعد ضم الكاف (أم كذبوا) بتشديدها (قالت عائشة كذبوا) مشددة كما صرح به في الثلاثة في رواية الإسماعيلي تخفيفًا وتشديدًا قال عروة (قلت) لها: (فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت) أي عائشة (أجل) تعني نعم (لعمري لقد استيقنوا بذلك) ولم يظنوا قال عروة (فقلت لها وظنوا أنهم قد كذبوا) بالتخفيف فردت عليه حيث (قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها) وهذا ظاهره أنها أنكرت قراءة التخفيف بناء على أن الضمير للرسل ولعلها لم تبلغها، فقد ثبتت متواترة في قراءة الكوفيين في آخرين ووجهت بأن الضمير في وظنوا عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله: كيف كان عاقبة الدين من قبلهم، والضمير أي في أنهم وكذبوا على الرسل أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا أي كذبهم من أرسلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم أو أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم أي ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوا من النبوّة فيما يوعدون به من لم يؤمن من العقاب أو كذبهم المرسل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكرماني لم تنكر عائشة القراءة وإنما أنكرت التأويل خلاف الظاهر.
قال عروة: (قلت) لها: (فما هذه الآية؟ قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم) أي وصدقوا الرسل (فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم) فالضمائر كلها على قراءة التشديد عائدة على الرسل أي وظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم (جاءهم نصر الله عند ذلك) وحصلت النجاة لمن تعلقت به مشيئته وهم النبي والمؤمنون والظن هنا بمعنى اليقين أو على حقيقته وهو رجحان أحد الطرفين.
- حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزّهريّ، قال: أخبرني عروة فقلت لعلّها كذبوا مخفّفةً قالت: معاذ اللّه.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (فقلت) أي لعائشة (لعلها كذبوا مخففة قالت معاذ الله نحوه) أي فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد ساقه المؤلّف مختصرًا وأورده أبو نعيم في مستخرجه تامًّا ولفظه عن عروة أنه سأل عائشة فذكره نحو السابقة). [إرشاد الساري: 7/182]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {حتّى إذا استيأس الرّسل}
- أخبرنا الحسن بن محمّدٍ، حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي ابن أبي مليكة، أخبرني عروة، عن عائشة، أنّها خالفت ذلك وأبته - قالت: " ما وعد الله محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم من شيءٍ إلّا وقد علم أنّه سيكون حتّى مات، وإنّه لم تزل البلايا بالرّسل حتّى ظنّوا أنّ من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: وكانت عائشة تقرؤها (ظنّوا أنّهم قد كذّبوا) مثقّلةً
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قال: ذهب هاهنا - وأشار إلى السّماء - قال ابن أبي مليكة: وتلا ابن عبّاسٍ {حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريبٌ} [البقرة: 214] قال ابن أبي مليكة: فذكرت لعروة بن الزّبير، قال: قالت عائشة: " معاذ الله، والله ما حدّث الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلّم شيئًا إلّا علم أنّه سيكون قبل أن يموت، ولكن نزل بالأنبياء البلاء حتّى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذّبوهم، وكانت تقرأ {كذّبوا} [آل عمران: 11] مثقلةً "
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا وهب بن جريرٍ، حدّثنا أبي، عن كلثوم بن جبرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه قرأ {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} [يوسف: 110]، خفيفةً، قال: «إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل كذبوهم»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/135-136]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء، ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين}.
يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً يوحى إليهم من أهل القرى، فدعوا من أرسلنا إليهم، فكذّبوهم، وردّوا ما أتوا به من عند اللّه، حتّى إذا استيأس الرّسل الّذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا باللّه، ويصدّقوهم فيما أتوهم به من عند اللّه، وظنّ الّذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذّبة أنّ الرّسل الّذين أرسلناهم، قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن اللّه من وعده إيّاهم نصرهم عليهم، جاءهم نصرنا، وذلك قول جماعةٍ من أهل التّأويل
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا أبو السّائب سلم بن جنادة قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: لمّا أيست الرّسل أن يستجيب لهم قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم، جاءهم النّصر على ذلك، فننجي من نشاء.
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ قال: حدّثنا أبو معاوية الضّرير قال: حدّثنا الأعمش، عن مسلمٍ، عن ابن عبّاسٍ بنحوه، غير أنّه قال في حديثه قال: أيست الرّسل، ولم يقل: لمّا أيست
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل} أن يسلم قومهم، وظنّ قوم الرّسل أنّ الرّسل قد كذبوا، جاءهم نصرنا.
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا مؤمّلٌ قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن ابن عبّاسٍ، مثله
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا عمران بن عيينة، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا، {جاءهم نصرنا}
- حدّثنا ابن بشّارٍ قال: حدّثنا عبد الرّحمن قال: حدّثنا سفيان، عن حصينٍ، عن عمران السّلميّ، عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} أيس الرّسل من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبتهم
- حدّثنا عمرو بن عبد الحميد قال: حدّثنا جريرٌ، عن حصينٍ، عن عمران بن الحارث السّلميّ، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل} قال: استيأس الرّسل من قومهم أن يستجيبوا لهم {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: ظنّ قومهم أنّهم جاءوهم بالكذب
- حدّثنا أبو كريبٍ قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينًا، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من أن يستجيب لهم قومهم، وظنّ قومهم أن قد كذبوهم، {جاءهم نصرنا}.
- حدّثني أبو حصينٍ عبد اللّه بن أحمد بن يونس قال: حدّثنا عبثرٌ قال: حدّثنا حصينٌ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية: {حتّى إذا استيئس الرّسل} قال: استيأس الرّسل من قومهم أن يؤمنوا، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم فيما وعدوا وكذبوا، {جاءهم نصرنا}
- حدّثنا محمّد بن المثنّى قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن حصينٍ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ قال: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من نصر قومهم {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} ظنّ قومهم أنّهم قد كذبوهم
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ قال: حدّثنا محمّد بن الصّبّاح قال: حدّثنا هشيمٌ قال: أخبرنا حصينٌ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل} قال: من قومهم أن يؤمنوا بهم، وأن يستجيبوا لهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم {جاءهم نصرنا} يعني الرّسل.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ قال: أخبرنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاس بمثله سواءً
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ قال: حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاءٍ، عن هارون، عن عبّادٍ القرشيّ، عن عبد الرّحمن بن معاوية، عن ابن عبّاسٍ: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفةً، وتأويلها عنده، وظنّ القوم أنّ الرّسل قد كذبوا.
- حدّثنا أبو بكرٍ قال: حدّثنا طلق بن غنّامٍ، عن زائدة، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّ قومهم أن قد كذبتهم رسلهم، {جاءهم نصرنا}
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} يعني: أيس الرّسل من أن يتّبعهم قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا، فينصر اللّه الرّسل، ويبعث العذاب
- حدّثني محمّد بن سعدٍ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يطيعوهم ويتّبعوهم، وظنّ قومهم أنّ رسلهم كذبوهم {جاءهم نصرنا}
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا إسحاق قال: حدّثنا محمّد بن فضيلٍ، عن حصينٍ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من قومهم {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: فما أبطأ عليهم إلاّ من ظنّ أنّهم قد كذبوا
- قال: حدّثنا آدم العسقلانيّ قال: حدّثنا شعبة قال: أخبرنا حصين بن عبد الرّحمن، عن عمران بن الحارث قال: سمعت ابن عبّاسٍ يقول: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفةً، وقال ابن عبّاسٍ: ظنّ القوم أنّ الرّسل قد كذبوهم، خفيفةً.
- حدّثنا ابن وكيعٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {حتّى إذا استيئس الرّسل} من قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم
- قال: حدّثنا محمّد بن فضيلٍ، عن خصيفٍ قال: سألت سعيد بن جبيرٍ، عن قوله: {حتّى إذا استيئس الرّسل} من قومهم، وظنّ الكفّار أنّهم هم كذبوا
- حدّثني يعقوب والحسن بن محمّدٍ قالا: حدّثنا إسماعيل بن عليّة قال: حدّثنا كلثوم بن جبرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قوله: {حتّى إذا استيئس الرّسل وظنوا أنهم قد كذبوا}. قال: استيأس الرّسل من قومهم أن يؤمنوا، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبتهم
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عارمٌ أبو النّعمان، قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، قال: حدّثنا شعيبٌ، قال: حدّثني إبراهيم بن أبي حرّة الجزريّ قال: سأل فتًى من قريشٍ سعيد بن جبيرٍ، فقال له: يا أبا عبد اللّه كيف تقرأ هذا الحرف، فإنّي إذا أتيت عليه تمنّيت أن لا أقرأ هذه السّورة: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا}، قال: نعم، حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل كذبوا. قال: فقال الضّحّاك بن مزاحمٍ: ما رأيت كاليوم قطّ رجلاً يدعى إلى علمٍ فيتلكّأ، لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلاً
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحجّاج قال: حدّثنا ربيعة بن كلثومٍ قال: حدّثني أبي، أنّ مسلم بن يسارٍ سأل سعيد بن جبيرٍ فقال: يا أبا عبد اللّه، آيةٌ بلغت منّي كلّ مبلغٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} فهذا الموت، أن تظنّ الرّسل أنّهم قد كذبوا، أو نظنّ أنّهم قد كذبوا مخفّفةً؟ قال: فقال سعيد بن جبيرٍ: يا أبا عبد الرّحمن، حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل كذبتهم {جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء، ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين} قال: فقام مسلمٌ إلى سعيدٍ فاعتنقه، وقال: فرّج اللّه عنك، كما فرّجت عنّي.
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ قال: حدّثنا يحيى بن عبّادٍ قال: حدّثنا وهيبٌ قال: حدّثنا أبو المعلّى العطّار، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: استيأس الرّسل من إيمان قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم، ما كانوا يخبرونهم ويبلّغونهم
- قال: حدّثنا شبابة، قال: حدّثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله {حتّى إذا استيأس الرّسل} أن يصدّقهم قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا، جاء الرّسل نصرنا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو قال: حدّثنا أبو عاصمٍ قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله
- حدّثني المثنّى قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل،عن ابن أبي نجيح،عن مجاهد مثله.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا الحجّاج قال: حدّثنا حمّادٌ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ في هذه الآية: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبت.
- قال: حدّثنا حمّادٌ، عن كلثوم بن جبرٍ، قال: قال لي سعيد بن جبيرٍ: سألني سيّدٌ من ساداتكم عن هذه الآية، فقلت: استيأس الرّسل من قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبت
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: استيأس الرّسل أن يؤمن قومهم بهم، وظنّ قومهم المشركون أنّ الرّسل قد كذبوا ما وعدهم اللّه من نصره إيّاهم عليهم، وخلفوا، وقرأ: {جاءهم نصرنا} قال: جاء الرّسل النّصر حينئذٍ، قال: وكان أبي يقرؤها: {كذبوا}
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن أبي المتوكّل، عن أيّوب بن أبي صفوان، عن عبد اللّه بن الحارث، أنّه قال: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من إيمان قومهم {وظنّوا أنّهم قد كذبوا}، وظنّ القوم أنّهم قد كذبوهم فيما جاءوهم به
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، قال: حدّثنا عبد الوهّاب، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، قال: ظنّ قومهم أنّ رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن فضيلٍ، عن جحش بن زيادٍ الضّبّيّ، عن تميم بن حذلمٍ، قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ، يقول في هذه الآية: {حتّى إذا استيأس الرّسل، وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: استيأس الرّسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظنّ قومهم حين أبطأ الأمر أنّهم قد كذبوا، بالتّخفيف
- حدّثنا أبو المثنّى قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ قال: حدّثنا شعبة، عن أبي المعلّى، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل} قال: استيأس الرّسل من نصر قومهم، وظنّ قوم الرّسل أنّ الرّسل قد كذبوهم
- حدّثنا أحمد بن إسحاق قال: حدّثنا أبو أحمد قال: حدّثنا عمرو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: {حتّى إذا استيأس الرّسل} أن يصدّقوهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم
- قال: حدّثنا أبو أحمد قال: حدّثنا إسرائيل، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل} أن يصدّقهم قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوهم
- حدّثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل}. يقول: استيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم، وظنّوا: يقول: وظنّ قوم الرّسل أنّ الرّسل قد كذبوهم الموعد.
والقراءة على هذا التّأويل الّذي ذكرنا في قوله: {كذبوا} بضمّ الكاف وتخفيف الذّال، وذلك أيضًا قراءة بعض قرّاء أهل المدينة وعامّة قرّاء أهل الكوفة.
وإنّما اخترنا هذا التّأويل وهذه القراءة، لأنّ ذلك عقيب قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم} فكان ذلك دليلاً على أنّ إياس الرّسل كان من إيمان قومهم الّذين أهلكوا، وأنّ المضمر في قوله: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} إنّما هو من ذكر الّذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا إتباع اللّه في سياق الخبر عن الرّسل وأممهم قوله: {فنجّي من نشاء} إذ الّذين أهلكوا هم الّذين ظنّوا أنّ الرّسل قد كذبتهم، فكذّبوهم ظنًّا منهم أنّهم قد كذبوهم.
وقد ذهب قومٌ ممّن قرأ هذه القراءة إلى غير التّأويل الّذي اخترنا، ووجّهوا معناه إلى: حتّى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم، وظنّت الرّسل أنّهم قد كذبوا فيما وعدوا من النّصر.
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكةً، قال: قرأ ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: كانوا بشرًا، ضعفوا ويئسوا
- قال: حدّثنا حجّاج بن محمّدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاسٍ، قرأ: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفةً قال ابن جريجٍ: أقول كما يقول: أخلفوا: قال عبد اللّه: قال لي ابن عبّاسٍ: كانوا بشرًا، وتلا ابن عبّاسٍ: {حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللّه، ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ} قال ابن جريجٍ: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنّهم ضعفوا، فظنّوا أنّهم أخلفوا
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا مؤمّلٌ، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، عن عبد اللّه، أنّه قرأ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} مخفّفةً، قال عبد اللّه: هو الّذي تكره.
- قال: حدّثنا أبو عامرٍ قال: حدّثنا سفيان، عن سليمان، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، أنّ رجلاً سأل عبد اللّه بن مسعودٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا}، قال: هو الّذي تكره، مخفّفةً
- قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، أنّه قال في هذه الآية: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قلت: كذبوا؟ قال: نعم، ألم يكونوا بشرًا
- حدّثنا الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: كانوا بشرًا قد ظنّوا.
وهذا تأويلٌ، وقول غيره من أهل التّأويل أولى عندي بالصّواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرّسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد اللّه إيّاهم، ويشكّوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج اللّه وأدلّته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أنّ المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ لا يخفى أمره، وقد ذكر هذا التّأويل الّذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عبّاسٍ لعائشة، فأنكرته أشدّ النّكرة فيما ذكر لنا.
ذكر الرّواية بذلك عنها رضوان اللّه عليها
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عبّاسٍ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} فقال: كانوا بشرًا ضعفوا ويئسوا، قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: معاذ اللّه، ما حدّث اللّه رسوله شيئًا قطّ إلاّ علم أنّه سيكون قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرّسل، حتّى ظنّ الأنبياء أنّ من تبعهم قد كذبوهم، فكانت تقرؤها: ( قد كذّبوا ) تثقّلها
- قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ ابن عبّاسٍ قرأ: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفةً، قال عبد اللّه: ثمّ قال لي ابن عبّاسٍ: كانوا بشرًا، وتلا ابن عبّاسٍ: {حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللّه، ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ}. قال ابن جريجٍ: قال ابن أبي مليكة: يذهب بها إلى أنّهم ضعفوا، فظنّوا أنّهم أخلفوا. قال ابن جريجٍ: قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة، عن عائشة أنّها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم من شيءٍ إلاّ وقد علم أنّه سيكون حتّى مات، ولكنّه لم يزل البلاء بالرّسل حتّى ظنّوا أنّ من معهم من المؤمنين قد كذّبوهم. قال ابن أبي مليكة: في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: ( وظنّوا أنّهم قد كذّبوا ) مثقّلةً، للتّكذيب
- قال: حدّثنا سليمان بن داود الهاشميّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة، قال: قلت لها: قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: قالت عائشة: لقد استيقنوا أنّهم قد كذّبوا، قلت: كذبوا؟ قالت: معاذ اللّه، لم تكن الرّسل تظنّ ذلك بربها، إنّما هم أتباع الرّسل، لمّا استأخر عنهم الوحي، واشتدّ عليهم البلاء، ظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم {جاءهم نصرنا}
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: حتّى إذا استيأس الرّجل ممّن كذّبهم من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّت الرّسل أنّ من قد آمن من قومهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر اللّه عند ذلك.
فهذا ما روي في ذلك عن عائشة، غير أنّها كانت تقرأ: ( كذّبوا ) بالتّشديد وضمّ الكاف، بمعنى ما ذكرنا عنها، من أنّ الرّسل ظنّت بأتباعها الّذين قد آمنوا بهم أنّهم قد كذّبوهم، فارتدّوا عن دينهم، استبطاءً منهم للنّصر.
وقد بيّنّا أنّ الّذي نختار من القراءة في ذلك والتّأويل غيره في هذا الحرف خاصّةً.
وقال آخرون ممّن قرأ قوله: ( كذّبوا ) بضمّ الكاف وتشديد الذّال، معنى ذلك: حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدّقوهم، وظنّت الرّسل: بمعنى واستيقنت أنّهم قد كذّبهم أممهم، جاءت الرّسل نصرتنا.
وقالوا: الظّنّ في هذا الموضع بمعنى العلم، من قول الشّاعر:
فظنّوا بألفي فارسٍ متلبّبٍ = سراتهم في الفارسيّ المسرّد
ذكر من قال ذلك
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من إيمان قومهم، ( وظنّوا أنّهم قد كذّبوا ): أي استيقنوا أنّه لا خير عند قومهم، ولا إيمان، جاءهم نصرنا
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا محمّد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {حتّى إذا استيأس الرّسل} قال: من قومهم، ( وظنّوا أنّهم قد كذّبوا )، قال: وعلموا أنّهم قد كذّبوا {جاءهم نصرنا}.
وبهذه القراءة كانت تقرأ عامّة قرّاء المدينة والبصرة والشّام، أعني بتشديد الذّال من ( كذّبوا )، وضمّ كافها.
وهذا التّأويل الّذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك إذا قرئ بتشديد الذّال وضمّ الكاف خلافٌ لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصّحابة، لأنّه لم يوجّه الظّنّ في هذا الموضع منهم أحدٌ إلى معنى العلم واليقين، مع أنّ الظّنّ إنّما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علمٍ أدرك من جهة الخبر، أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة، فأمّا ما كان من علمٍ أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنّها لا تستعمل فيه الظّنّ، لا تكاد تقول: أظنّني حيًّا وأظنّني إنسانًا، بمعنى: أعلمني إنسانًا وأعلمني حيًّا والرّسل الّذين كذّبتهم أممهم لا شكّ أنّها كانت لأممها شاهدةٌ ولتكذيبها إيّاها منها سامعةٌ، فيقال فيها: ظنّت بأممها أنّها كذّبتها.
وروي عن مجاهدٍ في ذلك قولٌ هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الّذين سمّينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم، وتأويلٌ خلاف تأويلهم، وقراءةٌ غير قراءة جميعهم، وهو أنّه فيما ذكر عنه كان يقرأ: ( وظنّوا أنّهم قد كذبوا ) بفتح الكاف والذّال وتخفيف الذّال.
ذكر الرّواية عنه بذلك
- حدّثني أحمد بن يوسف، قال: حدّثنا أبو عبيدٍ، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، أنّه قرأها: ( كذبوا ) بفتح الكاف بالتّخفيف.
وكان يتأوّله، كما؛
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: استيأس الرّجل أن تعذّب قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا، جاءهم نصرنا، قال: جاء الرّسل نصرنا.
- قال مجاهدٌ: قال في المؤمن: {فلمّا جاءتهم رسلهم بالبيّنات فرحوا بما عندهم من العلم} قال: قولهم نحن أعلم منهم، ولن نعذّب، وقوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحقّ وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجّة من قرّاء الأمصار على خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتمل وجهًا من التّأويل، وهو أحسن ممّا تأوّله مجاهدٌ، وهو: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من عذاب اللّه قومها المكذّبة بها، وظنّت الرّسل أنّ قومها قد كذّبوا وافتروا على اللّه بكفرهم بها، ويكون الظّنّ موجّهًا حينئذٍ إلى معنى العلم، على ما تأوّله الحسن وقتادة.
وأمّا قوله: {فنجّي من نشاء} فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأه عامّة قرّاء أهل المدينة ومكّة والعراق: ( فننجي ) مخففة ( من نشاء ) بنونين، بمعنى: فننجي نحن من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا، دون الكافرين الّذين كذّبوا رسلنا إذا جاء الرّسل نصرنا، واعتلّ الّذين قرءوا ذلك كذلك أنّه إنّما كتب في المصحف بنونٍ واحدةٍ، وحكمه أن يكون بنونين، لأنّ إحدى النّونين حرفٌ من أصل الكلمة، من أنجى ينجي، والأخرى النّون الّتي تأتي لمعنى الدّلالة على الاستقبال، من فعل جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسها، لأنّهما حرفان، أعني النّونين من جنس واحدٍ.
يخفي الثّاني منهما عن الإظهار في الكلام، فحذفت من الخطّ، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة، كما يفعل ذلك في الحرفين اللّذين يدغم أحدهما في صاحبه.
وقرأ ذلك بعض الكوفيّين على هذا المعنى، غير أنّه أدغم النّون الثّانية وشدّد الجيم.
وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء، على معنى فعل ذلك به من نجّيته أنجيه.
وقرأ ذلك بعض المكّيّين: ( فنجا من نشاء ) بفتح النّون والتّخفيف، من نجا من عذاب اللّه من نشاء ينجو.
والصّواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: ( فننجي من نشاء ) بنونين، لأنّ ذلك هو القراءة الّتي عليها القراءة في الأمصار، وما خالفه ممّن قرأ ذلك ببعض الوجوه الّتي ذكرناها فمنفردٌ بقراءته عمّا عليه الحجّة مجمعةٌ من القرّاء، وغير جائزٍ خلاف ما كان مستفيضًا بالقراءة في قراءة الأمصار.
وتأويل الكلام: فننجّي الرّسل ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا، كما؛
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمّي قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: ( فننجي من نشاء ) فننجّي الرّسل ومن نشاء، {ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين} وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى بعث الرّسل، فدعوا قومهم وأخبروهم أنّه من أطاع نجا، ومن عصاه عذّب وغوى
وقوله {ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين} يقول: ولا تردّ عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا عن القوم الّذين أجرموا، فكفروا باللّه وخالفوا رسله، وما أتوهم به من عنده). [جامع البيان: 13/382-401]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (حتّى إذا استيئس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين (110)
قوله تعالى: حتّى إذا استيأس الرّسل.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان، عن حصينٍ، عن عمران السليمي، عن ابن عبّاسٍ: حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يصدّقوهم.
قوله تعالى: وظنّوا أنّهم قد كذبوا.
- وبه إلى ابن عبّاسٍ: وظنّوا أنّهم قد كذبوا قال: وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبتهم جاءهم نصرنا.
- حدّثنا أحمد بن عصامٍ، ثنا مؤمّلٌ، ثنا سفيان، عن عطاء ابن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: حتّى إذا استيأس الرّسل من أن يسلم قومهم وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا جاءهم نصرنا
- حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهبٍ أخبرني ابن لهيعة، عن عقيل بن خالدٍ، عن ابن شهابٍ أخبرني عروة بن الزّبير أنّه سئل عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي اللّه عنها، قالت: أرأيت قول اللّه تعالى: حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا أكذّبوا، أم كذبوا بالتّخفيف فقالت: بل كذّبوا، تعني بالتّشديد، فقلت واللّه لقد استيقنوا أنّ قومهم قد كذّبوهم، وما هو بالظّنّ، فقالت أجل لعمري لقد استيقنوا ذلك، فقلت: فلعلّها وظنّوا أنّهم قد كذبوا فقالت: معاذ اللّه لم تكن الرّسل لتظنّ ذلك بربّها قلت وما هذه الآية؟
قالت: هم أتباع الرّسل الّذين آمنوا وصدقوهم، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النّصر، حتّى إذا استيأس الرّسل ممّ كذّبهم من قومهم وظنّ الرّسل أنّ أتباعهم عند ما كذّبوهم جاءهم نصر اللّه عند ذلك.
- حدّثنا محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، ثنا حفص بن عمر ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: سمعت ابن عبّاسٍ يقول في قوله: حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا قال عكرمة قلت لابن عبّاسٍ: أكلّم كذبٌ؟ قال: نعم لا أمّ لك أليس قال نوحٌ: ربّ إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحقّ وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غير صالحٍ
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ، أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: حتّى إذا استيأس الرّسل قال: استيئس الرّسل من إيمان قومهم وظنّوا أنّهم قد كذبوا وظنّ قوم الرّسل أنّ الرّسل قد كذبت فيما جاءت به جاءهم نصرنا قال: جاء الرّسل نصرنا.
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً أنا ابن وهبٍ، أخبرني سليمان بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ قال: جاء رجلٌ إلى القاسم بن محمّدٍ فقال: إنّ محمّد ابن كعبٍ القرظيّ يقول هذه الآية حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا فقال القاسم: فأخبره عنّي أنّي سمعت عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تقول: حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا تقول: كذّبتهم أتباعهم.
- حدّثنا عليّ بن الحسن ثنا ابن أبي مريم ثنا مفضّل بن فضالة، عن أبي صخرٍ حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا يقول: حتّى إذا استيئس الرّسل من إيمان ما وعدوا به جاءهم نصرنا الآية
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ أنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قول اللّه: حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا قال: استيئس الرّسل أن يؤمن لهم قومهم، ظنّ قومهم المشركون: إن قد كذبوا ما وعدهم اللّه من نصرهم إيّاهم عليهم وأخلفوا.
قوله تعالى: جاءهم نصرنا
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: جاءهم نصرنا قال جاء الرّسل نصرنا.
- حدّثنا أبي، ثنا سويد بن سعيدٍ، ثنا عليّ بن مسهرٍ، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيحٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: حتّى إذا استيأس الرّسل قال: استيئس الرّسل من قومهم وظنّوا أنّ قومهم لم يصدّقوهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذّبوهم جاءهم نصرنا قال: العذاب.
قوله تعالى: فنجّي من نشاء.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ فيما كتب إليّ حدّثني أبي حدّثني عمّي حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله: فنجّي من نشاء قال: فننجّي الرّسل ومن نشاء.
قوله تعالى: ولا يردّ بأسنا، عن القوم المجرمين
- وبه، عن ابن عبّاسٍ قوله: ولا يردّ بأسنا، عن القوم المجرمين وذلك أنّ اللّه بعث الرّسل فدعوا قومهم وأخبروهم أنّه من أطاع اللّه نجّي ومن عصاه عذّب وغوى). [تفسير القرآن العظيم: 7/2211-2213]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد حتى إذا استيئس الرسل أن يصدقهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا). [تفسير مجاهد: 322]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا آدم ثنا ورقاء عن حصين بن عبد الرحمن عن عمران بن الحارث عن ابن عباس في قوله عز وجل حتى إذا استيئس الرسل يعني من قومهم أن يستجيبوا لهم وظنوا أنهم قال ظن قومهم أن الرسل كذبوهم جاء الرسل نصرنا). [تفسير مجاهد: 322]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو بكرٍ محمّد بن أحمد بن بالويه، ثنا الحسن بن عليٍّ المعمريّ، ثنا أبو مسلمٍ عبد الرّحمن بن واقدٍ الحرّانيّ، ثنا إبراهيم بن سعدٍ، حدّثني صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة رضي اللّه عنها، قال: قلت لها: قوله تعالى " {حتّى إذا استيأس الرّسل، وظنّوا أنّهم قد كذبوا} [يوسف: 110] قلت: لقد استيأسوا أنّهم كذبوا حقيقةً؟ قالت: معاذ اللّه أن تكون الرّسل تظنّ ذلك بربّها، إنّما هم أتباع الرّسل، لمّا استأخر عنهم النّصر، واشتدّ عليهم البلاء، ظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذبوا «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه»). [المستدرك: 2/379]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ) عروة بن الزبير - رضي الله عنهما -: أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذّبوا} [يوسف: 110] أو كذبوا؟ قالت: بل كذّبهم قومهم، فقلت: والله، لقد استيقنوا أنّ قومهم كذّبوهم، وما هو بالظّنّ، فقالت: يا عريّة أجل، لقد استيقنوا بذلك، فقلت: لعلّها {قد كذبوا} فقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرّسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذّبهم من قومهم، وظنّوا أنّ أتباعهم كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
وفي رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: قال ابن عباس: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفة، قال: ذهب بها هنالك، وتلا {حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب} [البقرة: 214]، قال: فلقيت عروة بن الزبير فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قطّ إلا علم أنّه كائنٌ قبل أن يموت، ولكن لم تزل البلايا بالرّسل، حتى خافوا أن يكون من معهم من قومهم يكذّبونهم، وكانت تقرؤها {وظنّوا أنّهم قد كذّبوا} مثقّلة. أخرجه البخاري). [جامع الأصول: 2/199-200]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 110.
أخرج أبو عبيد والبخاري والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: قلت: أكذبوا أم كذبوا قالت عائشة - رضي الله عنها - بل (كذبوا) يعني بالتشديد قلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لعلها {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك). [الدر المنثور: 8/352-353]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن أبي مليكة - رضي الله عنه - أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأها عليه {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة، يقولوا أخلفوا وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وكانوا بشرا وتلا (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) (البقرة الآية 214) قال ابن أبي مليكة: فذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى أنهم يئسوا وضعفوا فظنوا أنهم قد أخلفوا قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت: ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم وكانت تقرؤها {وظنوا أنهم قد كذبوا} مثقلة للتكذيب). [الدر المنثور: 8/353]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه من طريق عروة عن عائشة أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {وظنوا أنهم قد كذبوا} بالتشديد). [الدر المنثور: 8/353]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه من طريق عمرة عن عائشة عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة). [الدر المنثور: 8/353]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة، قال: يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم فيما جاؤوهم به {جاءهم نصرنا} قال: جاء الرسل نصرنا). [الدر المنثور: 8/353-354]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن تميم بن حرام قالت: قرأت على ابن مسعود - رضي الله عنه - القرآن فلم يأخذ علي إلا حرفين (كل أتوه داخرين) فقال: أتوه مخففة، وقرأت عليه {وظنوا أنهم قد كذبوا} فقال: {كذبوا} مخففة قال: {استيأس الرسل} من إيمان قومهم أن يؤمنوا لهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر {أنهم قد كذبوا}). [الدر المنثور: 8/354]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة يوسف {وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة). [الدر المنثور: 8/354]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ربيعة بن كلثوم قال: حدثني أبي أن مسلم بن يسار - رضي الله عنه - سأل سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فقال: يا أبا عبد الله آية قد بلغت مني كل مبلغ {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} فهذا الموت أن نظن الرسل أنهم قد كذبوا أو نظن أنهم قد كذبوا مخففة، فقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - {حتى إذا استيأس الرسل} من قومهم أن يستجيبوا لهم وظن قومهم أن الرسل كذبتهم {جاءهم نصرنا} فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني). [الدر المنثور: 8/355]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن إبراهيم عن أبي حمزة الجزري قال: صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا منهم سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فقال: يا أبا عبد الله كيف تقرأ هذا الحرف فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: نعم {حتى إذا استيأس الرسل} من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل {قد كذبوا} فقال الضحاك - رضي الله عنه - لو رحلت في هذه إلى اليمن لكان قليلا). [الدر المنثور: 8/355]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - أنه قرأها {كذبوا} بفتح الكاف والتخفيف، قال: استيأس الرسل أن يعذب قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا {جاءهم نصرنا} قال: جاء الرسل نصرنا، قال مجاهد: قال في المؤمن (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) (غافر آية 83) قال قولهم: نحن أعلم منهم ولن نعذب وقوله (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (الزمر آية 48) قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق). [الدر المنثور: 8/356]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {فنجي من نشاء} قال: فننجي الرسل ومن نشاء {ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} وذلك أن الله تعالى بعث الرسل يدعون قومهم فأخبروهم أنه من أطاع الله نجا ومن عصاه عذب وغوى). [الدر المنثور: 8/356]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {جاءهم نصرنا} قال: العذاب). [الدر المنثور: 8/356]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن نصر بن عاصم - أنه قرأ [ فنجا من نشاء ] ). [الدر المنثور: 8/356]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر - أنه قرأ (فننجي من نشاء) ). [الدر المنثور: 8/356]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أبو الشيخ عن السدي - {ولا يرد بأسنا} قال: عذابه). [الدر المنثور: 8/356]

تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب، ما كان حديثًا يفترى، ولكن تصديق الّذي بين يديه، وتفصيل كلّ شيءٍ، وهدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون}.
يقول تعالى ذكره: لقد كان في قصص يوسف وإخوته عبرةٌ لأهل الحجا والعقول، يعتبرون بها، وموعظةٌ يتّعظون بها، وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه بعد أن ألقي يوسف في الجبّ ليهلك، ثمّ بيع بيع العبيد بالخسيس من الثّمن، وبعد الإسار والحبس الطّويل، ملّكه مصر، ومكّن له في الأرض، وأعلاه على من بغاه سوءًا من إخوته، وجمع بينه وبين والديه وإخوته بقدرته بعد المدّة الطّويلة، وجاء بهم إليه من الشّقّة النّائية البعيدة، فقال جلّ ثناؤه للمشركين من قريشٍ من قوم نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد كان لكم أيّها القوم في قصصهم عبرةٌ لو اعتبرتم به أنّ الّذي فعل ذلك بيوسف وإخوته لا يتعذّر عليه أن يفعل مثله بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيخرجه من بين أظهركم ثمّ يظهره عليكم ويمكّن له في البلاد، ويؤيّده بالجند والرّجال من الأتباع والأصحاب، وإن مرّت به شدائد، وأتت دونه الأيّام، واللّيالي، والدّهور، والأزمان.
- وكان مجاهدٌ يقول: معنى ذلك: لقد كان في قصصهم عبرةٌ ليوسف وإخوته.
ذكر الرّواية بذلك
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {لقد كان في قصصهم عبرةٌ} ليوسف وإخوته
- حدّثنا الحسن بن محمّدٍ قال: حدّثنا شبابة قال: حدّثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: عبرةٌ ليوسف وإخوته.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله
- حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب} قال: يوسف وإخوته.
وهذا القول الّذي قاله مجاهدٌ وإن كان له وجهٌ يحتمله التّأويل، فإنّ الّذي قلنا في ذلك أولى به؛ لأنّ ذلك عقيب الخبر عن نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وعن قومه من المشركين، وعقيب تهديدهم ووعيدهم على الكفر باللّه وبرسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنقطعٌ عن خبر يوسف وإخوته، ومع ذلك أنّه خبرٌ عامٌّ عن جميع ذوي الألباب، أنّ قصصهم لهم عبرةٌ، وغير مخصوصٌ بعضٌ به دون بعضٍ، فإذا كان الأمر على ما وصفت في ذلك، فهو بأن يكون خبرًا عن أنّه عبرةٌ لغيرهم أشبه، والرّواية الّتي ذكرناها عن مجاهدٍ من رواية ابن جريجٍ أشبه به أن تكون من قوله، لأنّ ذلك موافق القول الّذي قلناه في ذلك
وقوله: {ما كان حديثًا يفترى} يقول تعالى ذكره: ما كان هذا القول حديثًا يختلق ويتكذّب ويتخرّص، كما؛
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ما كان حديثًا يفترى} والفرية: الكذب، {ولكن تصديق الّذي بين يديه} يقول: ولكنّه تصديق الّذي بين يديه من كتب اللّه الّتي أنزلها قبله على أنبيائه، كالتّوراة، والإنجيل، والزّبور، ويصدّق ذلك كلّه ويشهد عليه أنّ جميعه حقٌّ من عند اللّه، كما؛
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ولكن تصديق الّذي بين يديه} والفرقان تصديق الكتب الّتي قبله، ويشهد عليها.
وقوله: {وتفصيل كلّ شيءٍ} يقول تعالى ذكره: وهو أيضًا تفصيل كلّ ما بالعباد إليه حاجةٌ من بيان أمر اللّه، ونهيه، وحلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته
وقوله: {وهدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون} يقول تعالى ذكره: وهو بيان أمره، ورشاد من جهل سبيل الحقّ فعمي عنه إذا تبعه، فاهتدى به من ضلالته، ورحمةٌ لمن آمن به، وعمل بما فيه، ينقذه من سخط اللّه وأليم عذابه، ويورّثه في الآخرة جنانه، والخلود في النّعيم المقيم {لقومٍ يؤمنون} يقول: لقومٍ يصدّقون بالقرآن، وبما فيه من وعد اللّه، ووعيده، وأمره، ونهيه، فيعملون بما فيه من أمره، وينتهون عمّا فيه من نهيه). [جامع البيان: 13/401-404]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الّذي بين يديه وتفصيل كلّ شيءٍ وهدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون (111)
قوله تعالى: لقد كان في قصصهم عبرةٌ.
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ أنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: عبرةٌ قال معرفةٌ لأولي الألباب قال: لذوي العقول.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة ثنا شبابة ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ عبرة لأولي الألباب يعين ليوسف وإخوته.
قوله تعالى ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الّذي بين يديه.
- حدّثنا أبي ثنا هشام بن خالدٍ ثنا شعيب بن إسحاق ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الّذي بين يديه فالقرآن يصدّق الكتب الّتي قبله ويشهد عليها.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن عيسى، ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قوله: ولكن تصديق الّذي بين يديه أي: لما كان قبله من الخبر عنه.
قوله تعالى وتفصيل كلّ شيءٍ.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيدٌ، عن غير قتادة قوله: وتفصيل كلّ شيءٍ من شأنه.
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن خالدٍ، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله: وتفصيل كلّ شيءٍ. حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.
قوله تعالى: وهدًى ورحمة.
تفسير: هدى قد مرّ فيما قبل.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا أبو معاوية، عن حجّاجٍ، عن عطيّة، عن أبي سعيدٍ في قوله: ورحمةً أن جعلكم من أهل القرآن.
- حدّثنا عصام بن روّادٍ ثنا آدم ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية في قوله: ورحمةً قال رحمته القرآن.
قوله تعالى: لقومٍ يؤمنون
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا محمّد بن عيسى ثنا سلمة، عن ابن إسحاق وهدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون أي: مغفرةٌ لما ارتكبوا.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا عبد الرّحمن بن سلمة ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق: وهدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون أي مغفرةً لما ارتكبوا فيه من الحدث ولما اختلفوا فيه من الحديث عنه والقطيعة ومعرفةٍ بقدر اللّه ولطفه وما خلص إلى يوسف ويعقوب من رحمته بعد البلاء الّذي ابتلاهما به حتّى ردّ كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه وعرف كل امرء ممّن بغى عليه ذنبه وجرمه وإقرارًا له بفضله وعلمه وتجاوزه وقلّة تثريبه عليهم فيما صنعوا به). [تفسير القرآن العظيم: 7/2213-2214]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله لقد كان في قصصهم عبرة يعني في قصص يوسف وإخوته). [تفسير مجاهد: 322]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 111.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {لقد كان في قصصهم عبرة} قال: يوسف وإخوته). [الدر المنثور: 8/357]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {لقد كان في قصصهم عبرة} قال: معرفة {لأولي الألباب} قال: لذوي العقول). [الدر المنثور: 8/357]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير وأبو الشيخعن قتادة - رضي الله عنه - {ما كان حديثا يفترى} والفرية الكذب {ولكن تصديق الذي بين يديه} قال: القرآن يصدق الكتب التي كانت قبله من كتب الله التي أنزلها قبله على أنبيائه فالتوراة والإنجيل والزبور يصدق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله {وتفصيل كل شيء} فصل الله به بين حرامه وحلاله وطاعته ومعصيته). [الدر المنثور: 8/357]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن السني والديلمي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا عسر على المرأة ولادتها أخذ إناء نظيف وكتب عليه (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) (الأحقاف الآية 35) إلى آخر الآية (وكأنهم يوم يرونها) (النازعات الآية 46) إلى آخر الآية {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} إلى آخر الآية ثم تغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها). [الدر المنثور: 8/357-358]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 11:54 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {أنا ومن اتّبعني...}
يقول: أنا ومن اتّبعني، فهو يدعو على بصيرة كما أدعوا). [معاني القرآن: 2/55]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {قل هذه سبيلي} قال أبو عمرو: تذكر وتؤنّث، وأنشدنا:
فلا تبعد فكل فتى أناسٍ= سيصبح سالكاً تلك السبيلا
{على بصيرةٍ أنا} يعني على يقين). [مجاز القرآن: 1/319]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {أدعوا إلى اللّه على بصيرةٍ} أي على يقين. ومنه يقال: فلان مستبصر في كذا، أي مستيقن له). [تفسير غريب القرآن: 223]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة} أي على يقين ومنه فلان مستبصر بهذا). [معاني القرآن: 3/461]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ولدار الآخرة...}
أضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة وقد تضيف العرب الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه كقوله: {إنّ هذا لهو حقّ اليقين} والحقّ هو اليقين. ومثله أتيتك بارحة الأولى،
وعام الأوّل وليلة الأولى ويوم الخميس. وجميع الأيّام تضاف إلى أنفسها لاختلاف لفظها. وكذلك شهر ربيع. والعرب تقول في كلامها - أنشدني بعضهم -:

أتمدح فقعساً وتذمّ عبساً =ألا لله أمّك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبس= عرفت الذلّ عرفان اليقين
وإنما معناه عرفاناً ويقيناً). [معاني القرآن: 2/56-55]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ: {وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للّذين اتّقوا أفلا تعقلون}
{ولدار الآخرة خير للّذين اتّقوا}.
وفي غير موضع وللدار الآخرة، فمن قال الدار الآخرة فالآخرة نعت للدار، لأن لجميع الخلق دارين، الدار التي خلقوا فيها وهي الدّنيا، والدار الآخرة التي يعادون فيها خلقا جديدا، ومن قال " دار الآخرة " فكأنّه قال: ودار الحياة الآخرة، لأنّ للناس حياتين، حياة الدنيا وحياة الآخرة، ومثل هذا في الكلام الصلاة الأولى، وصلاة الأولى.
فمن قال الصّلاة الأولى جعل الأولى نعتا للصلاة، ومن قال صلاة الأولى أراد صلاة الفريضة الأولى، والساعة الأولى). [معاني القرآن: 3/132-131]

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا...}
خفيف. وقرأها أهل المدينة بالتثقيل، وقرأها ابن عباس بالتخفيف، وفسّرها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاءهم نصرنا.
وحكيت عن عبد الله (كذّبوا) مشدًّدة وقوله: {فنجي من نشاء} القراءة بنونين والكتاب أتى بنون واحدة.
وقد قرأ عاصم (فنجّي من نّشاء) فجعلها نوناً، كأنه كره زيادة نون ف (من) حينئذ في موضع رفع.
وأما الذين قرءوا بنونين فإن النون الثانية، تخفى ولا تخرج من موضع الأولى، فلمّاً خفيت حذفت، ألا ترى أنك لا تقول فننجي بالبيان.
فلمّا خفيت الثانية حذفت واكتفى بالنون الأولى منها، كما يكتفى بالحرف من الحرفين فيدغم ويكون كتابهما واحداً). [معاني القرآن: 2/56]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {حتّى إذا استيأس الرّسل} مفسّر في كتاب «تأويل المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 223]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ( {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ}.
قد تكلم المفسرون في هذه الآية بما فيه مقنع وغناء عن أن يوضّح بغير لفظهم.
فروى عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، أنه قال: {اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} من قومهم {وَظَنُّوا} أي: علموا {أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} وكان يقرؤها بالتشديد.
وروى عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: استيئس الرّسل ممن كذّبهم من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّت الرّسل أن من قد آمن بهم من قومهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. وكانت تقرأ فكذبوا بضم الكاف وتشديد الذال.
وروى حجّاج، عن ابن جريج: عن ابن أبي مليكة، عن عروة، عن (عائشة)، أنها قالت: لم يزل البلاء بالرّسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد كذّبوهم.
وروى حجّاج، عن ابن جريج، عن مجاهد أنه قرأها قد كذبوا بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال، يريد: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم فظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا فيما بلّغوا عن الله عز وجل.
وروى حجّاج، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قرأ: كذبوا بضم الكاف، وكسر الذال، وتخفيفها. وقال: كانوا بشرا، يعني الرسل، يذهب إلى أن الرسل ضعفوا فظنّوا أنهم قد أخلفوا.
وهذه مذاهب مختلفة، والألفاظ تحتملها كلّها، ولا نعلم ما أراد الله عز وجل، غير أنّ أحسنها في الظاهر، وأولاها بأنبياء الله صلوات الله عليهم، ما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها). [تأويل مشكل القرآن: 412-410]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : ( {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين}
قرئت كذبوا وكذّبوا، بالتخفيف والتشديد، وقرئت " كذبوا " فأمّا من قرأ وظنوا أنهم قد كذبوا بالتشديد - فالمعنى حتى إذا استيأس الرّسل من أن يصدّقهم قومهم جاءهم نصرنا.
ومن قرأ قد كذبوا بالتخفيف، فالمعنى وظن قومهم أنهم قد كذبوا فيما وعدوا، لأن الرسل لا يظنون ذلك.
وقد قال بعضهم وظنوا أنهم قد أخلفوا أي ظن الرسل، وذلك بعيد في صفة الرسل.
يروى عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوعد شيئا أخلف فيه وفي الخبر:
ومعاذ اللّه أن يظنّ الرسل هذا بربّها.
ومعنى: (وظنّوا أنّهم قد [كذبوا]) ظنّ قومهم أيضا أنهم قد كذبوا.
وقوله عزّ وجلّ: {فنجّي من نشاء}.
قرئت فننجّي، وفننجي، وقرئت فنجا من نشاء.
وقرأ عاصم (فنجّي من نشاء) بفتح الياء.
فأمّا من قرأ (فننجي) فعلى الاستقبال، والنون نون الاستقبال.
أعني النون الأولى، ومن قرأ (فننجّي) - بإسكان الياء - فحذف النون الثانية لاجتماع النونين، كما تقول: أنت تبيّن هذا الأمر، تريد تتبيّن، فحذف لاجتماع تاءين، ومن قرأ (فنجا من نشاء) عطف على قوله جاءهم نصرنا فنجا من نشاء على لفظ الفعل الماضي،
ومن قرأ (فننجّي من نشاء) فبمعنى الماضي على ما لم يسمّ فاعله، ويكون موضع " من " رفعا.
ويعلم بالمعنى أن اللّه عزّ وجلّ - نجّاهم). [معاني القرآن: 3/133-132]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا}
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها في قوله جل وعز: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا}
قالت استيأس الرسل من إيمان من كذبهم من قومهم وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم لما لحقهم من البلاء والامتحان
وروى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت لحق المؤمنين البلاء والضرر حتى ظن الرسل انهم قد كذبوهم لما لحقهم
وقال قتادة حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وأيقنوا أن قومهم قد كذبوهم جاءهم نصرنا
يذهب قتادة إلى أن الظن ههنا يقين وذلك معروف في اللغة والمعنى أن الرسل كانوا يترجون أن يؤمن قومهم ثم استيأسوا من ذلك فجاءهم النصر
والقول الأول أشبه بالمعنى وهو أعلى إسنادا والله أعلم بما أراد
وقرأ عبد الله بن مسعود وابن عباس وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف وضم الكاف
قال أبو جعفر في معناه عن ابن عباس روايتان: أ. روى ابن أبي مليكة عنه أنهم ضعفوا قال إنهم بشر، ب. والقول الثاني أنه روي عن سفيان عن عطاء عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظن قومهم قد كذبوا جاءهم نصرنا
قال أبو جعفر الضمير في كذبوا يعود على القوم على هذا
وقرأ مجاهد وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف وفتح الكاف
وفسره وظن قومهم أنهم قد كذبوا وهو كالذي قبله في المعنى
وروي عنه في قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل} قولان:
أحدهما حتى إذا استيأس الرسل أن يأتي قومهم العذاب
والقول الثاني أحسن وهو حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم). [معاني القرآن: 3/464-461]

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق...}
منصوب، يراد به: ولكن كان تصديق ما بين يديه من الكتب: التوراة والإنجيل. ولو رفعت التصديق كان صواباً كما تقول: ما كان هذا قائماً ولكن قاعداً وقاعد.
وكذلك قوله: {ما كان محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله} و{رسول الله} فمن رفع لم يضمر كان أراد: ولكن هو رسول الله). [معاني القرآن: 2/57-56]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {ما كان حديثاً يفترى} أي يختلق ويصنع). [تفسير غريب القرآن: 223]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله - عزّ وجلّ - {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الّذي بين يديه وتفصيل كلّ شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}
{ولكن تصديق الّذي بين يديه} أي الذي تقدمه من الكتب.
ونصب " تصديقا " على معنى كان، المعنى: ما كان حديثا يفترى ولكن كان تصديق الذي بين يديه.
ويجوز: {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الّذي بين يديه}.
فمن قرأ هكذا رفع الباقي المعطوف على تصديق، ويكون مرتفعا على معنى ولكن هو تصديق الذي بين يديه.
ويكون ([وتفصيل] كلّ شيء وهدى [ورحمة] لقوم يؤمنون) نسقا عليه.
وهذا لم تثبت بقراءته رواية صحيحة، وإن كان جائزا في العربية لا اختلاف بين النحويين في أنه جيّد بالغ، فلا تقرأنّ به ولا تخالف الإجماع بمذاهب النحويين). [معاني القرآن: 3/133]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} قال مجاهد يعني يوسف وإخوته
ثم قال جل وعز ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه
قال سفيان يعني التوراة والإنجيل والكتب وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). [معاني القرآن: 3/464]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 11:54 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) }
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): («السبيل» يؤنث ويذكر، قد جاء بذلك التنزيل؛ قال الله عز وجل:
{هذه سبيلي} ، وقال عز وجل: {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا}. وفي قراءة أبي: (يتخذوها) ). [المذكور والمؤنث: 77-78]
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان يقال الطريق الأعظم والطريق العظمى وقال الله جل وعز: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} وقال: {قل هذه سبيلي} ). [إصلاح المنطق: 361] (م)


تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) }

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) }
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} من قومهم أن يؤمنوا وظن القوم أن الرسل (قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ) النصر.
ومن قال {كُذِبُوا} يقول: كذبنا الرسل فيما قالوا لنا). [مجالس ثعلب: 582-583]

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (111)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 11:55 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16 جمادى الأولى 1434هـ/27-03-2013م, 11:56 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 ذو القعدة 1439هـ/25-07-2018م, 09:16 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {قل هذه سبيلي} الآية، إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زيد: المعنى: هذا أمري وسنتي ومنهاجي. وقرأ ابن مسعود: "قل هذا سبيلي"، والسبيل: المسلك، وتؤنث وتذكر، وكذلك الطريق.
[المحرر الوجيز: 5/159]
و"البصيرة": اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين، والبصيرة أيضا -في كلام العرب -: الطريقة في الدم، وفي الحديث المشهور: "تنظر في النصل فلا ترى بصيرة"، وبها فسر بعض الناس قول الأشعر الجعفي:
راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأى
يصف قوما باعوا دم وليهم، فكأن دمه حصلت منه طرائق على أكتافهم إذ هم موسومون عند الناس ببيع ذلك الدم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويجوز أن تكون البصيرة في بيت الأشعر على المعتقد الحق، أي: جعلوا اعتقادهم طلب النار وبصيرتهم في ذلك وراء ظهورهم، كما تقول: طرح فلان أمري وراء ظهره.
وقوله: {أنا ومن اتبعني} يحتمل أن يكون تأكيدا للضمير في "أدعوا"، ويحتمل أن تكون الآية كلها أمارة بالمعروف داعية إلى الله الكفرة به والعصاة. و" سبحان الله " تنزيه لله، أي وقل: سبحان الله، وقل متبرئا من الشرك.
وروي أن هذه الآية قل هذه سبيلي إلى آخرها كانت مرقومة على رايات يوسف عليه السلام). [المحرر الوجيز: 5/160]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}

هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر، كالطائفة التي قالت: أبعث الله بشرا رسولا، وكالطائفة التي اقترحت ملكا، وغيرهما.
وقرأ الجمهور: "يوحى إليهم" بالياء وفتح الحاء، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وقرأ في رواية حفص "نوحي" بالنون وكسر الحاء، وهي قراءة أبي عبد الرحمن، وطلحة.
و"القرى": المدن، وخصصها دون القوم المنتوين أهل العمود، فإنهم في كل أمة أهل جفاء وجهالة مفرطة، قال ابن زيد: أهل القرى أعلم وأحلم من أهل العمود.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فإنهم قليل نبلهم، ولم ينبئ الله منهم قط رسولا. وقال الحسن: لم يبعث الله رسولا قط من أهل البادية، ولا من النساء، ولا من الجن.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
والتبدي مكروه إلا في الفتن وحين يفر بالدين، كقوله عليه الصلاة والسلام: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما" الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع.
[المحرر الوجيز: 5/161]
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تعرب في الإسلام"، وقال: "من بدا جفا"، وروى عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالمساجد والجماعات والعامة).
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود، بل هو بتقر وفي منازل وربوع، والثاني: أنه إنما جعله بدوا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر.
ثم أحالهم على الاعتبار في الأمم السالفة في أقطار الأرض التي كذبت رسلها فحاق بها عذاب الله، ثم حض على الآخرة والاستعداد لها والاتقاء من الموبقات فيها، ثم وقفهم موبخا بقوله: {أفلا تعقلون}.
وقوله: {ولدار الآخرة} زيادة في وصف إنعامه على المؤمنين، أي: عذب الكفار ونجى المؤمنين ولدار الآخرة أحسن لهم.
وأما إضافة الدار إلى الآخرة فقال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه، كما قال الشاعر:
فإنك لو حللت ديار عبس ... عرفت الذل عرفان اليقين
[المحرر الوجيز: 5/162]
وفي رواية: "فلو أقوت عليك ديار عبس" - وكما يقال: "مسجد الجامع" ونحو هذا، وقال البصريون: هذه على حذف مضاف تقديره: "ولدار الحياة الآخرة"، أو "المدة الآخرة".
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذه الأسماء التي هي للأجناس كمسجد وثوب وحق وجبل ونحو ذلك- إذا نطق بها الناطق لم يدر ما يريد بها فتضاف إلى معرف مخصص للمعنى المقصود، فقد تضاف إلى جنس آخر كقولك: "ثوب خز" و"جبل تراب"، وقد تضاف إلى صفة كقولك: "مسجد الجامع" و"حق اليقين"، وقد تضاف إلى اسم خاص كقولك: "جبل أحد" ونحوه.
وقرأ الحسن، والأعمش، والأعرج، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وعلقمة: "يعقلون" بالياء، واختلف عن الأعمش، قال أبو حاتم: قراءة العامة: "أفلا تعقلون" بالتاء من فوق.
ويتضمن قوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا أممهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات، فصاروا في حيز من يعتبر بعاقبته، فلهذا المضمن حسن أن تدخل "حتى" في قوله: {حتى إذا استيئس الرسل} ). [المحرر الوجيز: 5/163]

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والحسن، وعائشة -بخلاف- وعيسى، وقتادة، ومحمد بن كعب، والأعرج، وأبو رجاء، وابن أبي مليكة: "كذبوا" بتشديد الذال وضم الكاف، وقرأ الباقون: "كذبوا" بضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها، وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وطلحة، والأعمش، وابن جبير، ومسروق، والضحاك، وإبراهيم، وأبي جعفر، ورواها شيبة بن نصاح عن القاسم عن عائشة. وقرأ مجاهد، والضحاك، وابن عباس، وعبد الله بن الحارث -بخلاف عنهم-: "كذبوا" بفتح الكاف والذال.
فأما الأولى فتحتمل أن يكون الظن بمعنى اليقين، ويكون الضمير في "ظنوا" وفي "كذبوا" للرسل، ويكون المكذبون مشركي من أرسل إليه، والمعنى: وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم وصمموا على ذلك، وأن لا انحراف عنه. ويحتمل أن يكون الظن على بابه، والضميران للرسل، والمكذبون مؤمنو من أرسل إليه، أي: لما طالت المواعيد حسب الرسل أن المؤمنين أولا قد كذبوهم وارتابوا بقولهم.
وأما القراءة الثانية -وهي ضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها- فيحتمل أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من النصر، أو من إيمان قومهم -على اختلاف تأويل المفسرين في ذلك- وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوة، أو فيما توعدوهم به من العذاب، لما طال الإمهال واتصلت العافية، فلما كان المرسل إليهم -على هذا التأويل- مكذبين، بني الفعل للمفعول في قوله: "كذبوا"، هذا مشهور قول ابن عباس، وابن جبير. وأسند الطبري أن مسلم بن يسار قال لسعيد بن جبير: يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ، حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا، فهذا هو أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا مخففة، فقال له ابن جبير: "يا أبا عبد الرحمن، إنما يئس الرسل من قومهم أن يجيبوهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم، فحينئذ جاء النصر"، فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرجت عني فرج الله عنك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
فرضي الله عنهم، كيف كان خلقهم في العلم، وقال بهذا التأويل -في هذه
[المحرر الوجيز: 5/164]
القراءة- ابن مسعود ومجاهد، ورجح أبو علي الفارسي هذا التأويل، وقال: إن رد الضمير في "ظنوا" وفي "كذبوا" على المرسل إليهم -وإن كان لم يتقدم لهم ذكر صريح- جائز لوجهين:
أحدهما: أن ذكر الرسل يقتضي ذكر مرسل إليه.
والآخر: أن ذكرهم قد أشير إليه في قوله: {عاقبة الذين من قبلهم}.
وتحتمل هذه القراءة أيضا أن يكون الضمير في "ظنوا" وفي "كذبوا" عائد على الرسل، والمعنى: كذبهم من أخبرهم عن الله، والظن على بابه، وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم، والرسل بشر، فضعفوا وساء ظنهم، قاله ابن عباس، وابن مسعود أيضا، وابن جبير وقال: ألم يكونوا بشرا؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا: "هو الذي نكره"، وردت هذا التأويل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا، وقال أبو علي الفارسي: "هذا غير جائز على الرسل".
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟
وأما القراءة الثالثة، وهي فتح الكاف والذال، فالضمير في "ظنوا" للمرسل إليهم، والضمير في "كذبوا" للرسل. ويحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي: ظن الرسل أنهم قد كذبوا من حيث نقلوا الكذب وإن كانوا لم يتعمدوه، فيرجع هذا التأويل إلى المعنى المردود الذي تقدم ذكره.
وقوله: {جاءهم نصرنا} أي: بتعذيب أممهم الكافرة.
ثم وصف حال مجيء العذاب في أنه ينجي الرسل وأتباعهم، وهم الذين شاء رحمتهم، ويحل بأسه بالمجرمين الكفرة. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: "فننجي" بنونين، من أنجى. وقرأ الحسن: "فننجي"، النون الثانية مفتوحة والجيم مشددة، وهو من نجى ينجي. وقرأ أبو عمرو أيضا وقتادة "فنجي" بنون واحدة وشد الجيم وسكون الياء، فقالت فرقة: إنها كالأولى أدغمت النون الثانية في الجيم، ومنع بعضهم أن يكون هذا موضع إدغام لتنافر النون والجيم في الصفات لا في
[المحرر الوجيز: 5/165]
المخارج، وقال: إنما حذفت النون في الكتاب لا في اللفظ، وقد حكيت هذه القراءة عن الكسائي، ونافع. وقرأ عاصم، وابن عامر "فنجي" بفتح الياء، على وزن فعل، وقرأت فرقة: "فننجي" بنونين وفتح الياء، رواها هبيرة عن حفص عن عاصم، وهي غلط من هبيرة. وقرأ ابن محيصن، ومجاهد: "فنجا" فعل ماض بتخفيف الجيم، وهي قراءة نصر بن عاصم، والحسن بن أبي الحسن، وابن السميفع، وأبي حيوة. قال أبو عمرو الداني: "وقرأت لابن محيصن: "فنجى" بشد الجيم، على معنى: فنجى النصر".
و "البأس": العذاب، وقرأ أبو حيوة: "من يشاء" بالياء، وجاء الإخبار عن هلاك الكافرين بقوله: {ولا يرد بأسنا} الآية، إذ في هذه الألفاظ وعيد بين، وتهديد لمعاصري محمد عليه الصلاة والسلام، وقرأ الحسن: "بأسه" بالهاء). [المحرر الوجيز: 5/166]

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}
الضمير في "قصصهم" عام ليوسف وأبويه وإخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على الجملة، ولما كان ذلك كله في القرآن قال عنه: ما كان حديثا يفترى، فإذا تأملت قصة يوسف ظهر أن في غرائبها، وامتحان الله فيها لقوم في مواضع، ولطفه لقوم في مواضع، وإحسانه لقوم في مواضع -معتبرا لمن له لب وأجاد النظر حتى يعلم أن كل أمر من عند الله تبارك وتعالى وإليه.
وقوله: "ما كان" صيغة منع، وقرينة الحال تقتضي أن البرهان يقوم على أن ذلك لا يفترى، وذلك بأدلة النبوة وأدلة الإعجاز.
[المحرر الوجيز: 5/166]
و"الحديث" هنا واحد الأحاديث، وليس للذي هو خلاف القديم هاهنا مدخل.
ونصب "تصديق" إما على إضمار معنى كان، وإما على أن تكون "لكن" بمعنى "لكن" المشددة. وقرأ عيسى الثقفي: "تصديق" بالرفع، وكذلك كل ما عطف عليه، وهذا على حذف المبتدأ، التقدير: "هو تصديق"، وقال أبو حاتم: النصب على تقدير: "ولكن كان"، والرفع على تقدير: "ولكن هو"، وينشد بيت ذي الرمة بالوجهين:
وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلة
... إلى كل محجوب السرادق خضرم
رفع "عطاء الله"، والنصب أجود.
و الذي بين يديه هو التوراة والإنجيل، والضمير في "يديه" عائد على القرآن، وهو اسم "كان"، وقوله: {كل شيء} يعني من العقائد والأحكام والحلال والحرام.
وباقي الآية بين). [المحرر الوجيز: 5/167]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26 ذو القعدة 1439هـ/7-08-2018م, 06:55 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 26 ذو القعدة 1439هـ/7-08-2018م, 06:59 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,050
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قل هذه سبيلي أدعو إلى اللّه على بصيرةٍ أنا ومن اتّبعني وسبحان اللّه وما أنا من المشركين (108)}
يقول [الله] تعالى لعبد ورسوله إلى الثّقلين: الإنس والجنّ، آمرًا له أن يخبر النّاس: أنّ هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنّته، وهي الدّعوة إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، يدعو إلى اللّه بها على بصيرة من ذلك، ويقينٍ وبرهانٍ، هو وكلّ من اتّبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بصيرةٍ ويقينٍ وبرهانٍ شرعيٍّ وعقليٍّ.
وقوله: {وسبحان اللّه} أي: وأنزّه اللّه وأجلّه وأعظّمه وأقدّسه، عن أن يكون له شريكٌ أو نظيرٌ، أو عديلٌ أو نديدٌ، أو ولدٌ أو والدٌ أو صاحبةٌ، أو وزيرٌ أو مشيرٌ، تبارك وتعالى وتقدّس وتنزّه عن ذلك كلّه علوًّا كبيرًا، {تسبّح له السّماوات السّبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنّه كان حليمًا غفورًا} [الإسراء: 44] ). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 422]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم ولدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا أفلا تعقلون (109)}
يخبر تعالى أنّه إنّما أرسل رسله من الرّجال لا من النّساء. وهذا قول جمهور العلماء، كما دلّ عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنّ اللّه تعالى لم يوح إلى امرأةٍ من بنات بني آدم وحي تشريعٍ.
وزعم بعضهم: أنّ سارّة امرأة الخليل، وأمّ موسى، ومريم أمّ عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشّرت سارّة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: {وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه} الآية. [القصص: 7]، وبأنّ الملك جاء إلى مريم فبشّرها بعيسى، عليه السّلام، وبقوله تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ اللّه اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الرّاكعين} [آل عمران: 42، 43].
وهذا القدر حاصلٌ لهنّ، ولكن لا يلزم من هذا أن يكنّ نبيّاتٍ بذلك، فإن أراد القائل بنبوّتهنّ هذا القدر من التّشريف، فهذا لا شكّ فيه، ويبقى الكلام معه في أنّ هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النّبوّة بمجرّده أم لا؟ الّذي عليه [أئمّة] أهل السّنّة والجماعة، وهو الّذي نقله الشّيخ أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ عنهم: أنّه ليس في النّساء نبيّةٌ، وإنّما فيهنّ صدّيقاتٌ، كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهنّ مريم بنت عمران حيث قال: {ما المسيح ابن مريم إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرّسل وأمّه صدّيقةٌ كانا يأكلان الطّعام} [المائدة: 75] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصّدّيقية، فلو كانت نبيّةً لذكر ذلك في مقام التّشريف والإعظام، فهي صدّيقةٌ بنصّ القرآن.
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} أي: ليسوا من أهل السّماء كما قلتم. وهذا القول من ابن عبّاسٍ يعتضد بقوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنّهم ليأكلون الطّعام ويمشون في الأسواق} الآية [الفرقان: 20] وقوله تعالى: {وما جعلناهم جسدًا لا يأكلون الطّعام وما كانوا خالدين ثمّ صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين} [الأنبياء: 8، 9] وقوله تعالى: {قل ما كنت بدعًا من الرّسل} الآية [الأحقاف: 9].
وقوله: {من أهل القرى} المراد بالقرى: المدن، لا أنّهم من أهل البوادي، الّذين هم أجفى النّاس طباعًا وأخلاقًا. وهذا هو المعهود المعروف أنّ أهل المدن أرقّ طباعًا، وألطف من أهل سوادهم، وأهل الرّيف والسّواد أقرب حالًا من الّذين يسكنون في البوادي؛ ولهذا قال تعالى: {الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله} [التّوبة: 97].
وقال قتادة في قوله: {من أهل القرى} لأنّهم أعلم وأحلم من أهل العمود.
وفي الحديث الآخر: أنّ رجلًا من الأعراب أهدى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ناقةً، فلم يزل يعطيه ويزيده حتّى رضي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لقد هممت ألّا أتّهب هبةً إلّا من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ، أو دوسي".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حجّاجٌ، حدّثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثّابٍ، عن شيخٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم -قال الأعمش: هو [ابن] عمر، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "المؤمن الّذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم، خيرٌ من الّذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} [يعني: هؤلاء المكذّبين لك يا محمّد في الأرض،] {فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم} أي: من الأمم المكذّبة للرّسل، كيف دمّر اللّه عليهم، وللكافرين أمثالها، كقوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور} [الحجّ: 46]، فإذا استمعوا خبر ذلك، رأوا أنّ اللّه قد أهلك الكافرين ونجّى المؤمنين، وهذه كانت سنّته تعالى في خلقه؛ ولهذا قال تعالى: {ولدار الآخرة خيرٌ للّذين اتّقوا} أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدّنيا، كذلك كتبنا لهم النّجاة في الدّار الآخرة أيضًا، وهي خيرٌ لهم من الدّنيا بكثيرٍ، كما قال تعالى: {إنّا لننصر رسلنا والّذين آمنوا في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم ولهم اللّعنة ولهم سوء الدّار} [غافرٍ: 50، 51].
وأضاف الدّار إلى الآخرة فقال: {ولدار الآخرة} كما يقال: "صلاة الأولى" و"مسجد الجامع" و"عام الأوّل" و "بارحة الأولى" و"يوم الخميس". قال الشّاعر:
أتمدح فقعسًا وتذمّ عبسًا = ألا للّه أمّك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبسٍ = عرفت الذّلّ عرفان اليقين). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 422-424]

تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({حتّى إذا استيئس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين (110)}
يخبر تعالى أنّ نصره ينزل على رسله، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيّق الحال وانتظار الفرج من اللّه تعالى في أحوج الأوقات إلى ذلك، كما في قوله تعالى: {وزلزلوا حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللّه ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ} [البقرة: 214]، وفي قوله: {كذبوا} قراءتان، إحداهما بالتّشديد: "قد كذّبوا"، وكذلك كانت عائشة، رضي اللّه عنها، تقرؤها، قال البخاريّ:
حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا إبراهيم بن سعد، بن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزّبير، عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول اللّه: {حتّى إذا استيئس الرّسل} قال: قلت: أكذبوا أم كذّبوا؟ فقالت عائشة: كذّبوا. فقلت: فقد استيقنوا أنّ قومهم قد كذّبوهم فما هو بالظّنّ؟ قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنّوا أنّهم قد كذّبوا؟ قالت معاذ اللّه، لم تكن الرّسل تظنّ ذلك بربّها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرّسل الّذين آمنوا بربّهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النّصر، {حتّى إذا استيئس الرّسل} ممّن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر اللّه عند ذلك.
حدّثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيبٌ، عن الزّهريّ قال: أخبرنا عروة، فقلت: لعلّها قد كذبوا مخفّفةً؟ قالت: معاذ اللّه. انتهى ما ذكره.
وقال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة: أنّ ابن عبّاسٍ قرأها: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} خفيفةً -قال عبد اللّه هو ابن مليكة: ثمّ قال لي ابن عبّاسٍ: كانوا بشرًا وتلا ابن عبّاسٍ: {حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللّه ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ} [البقرة: 214]، قال ابن جريجٍ: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة: أنّها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم من شيءٍ إلّا قد علم أنّه سيكون حتّى مات، ولكنّه لم يزل البلاء بالرّسل حتّى ظنّوا أنّ من معهم من المؤمنين قد كذّبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها "وظنّوا أنّهم قد كذّبوا" مثقلةً، للتّكذيب.
وقال ابن أبي حاتمٍ: أنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنا ابن وهبٍ، أخبرني سليمان بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ قال: جاء إنسانٌ إلى القاسم بن محمّدٍ فقال: إنّ محمّد بن كعبٍ القرظيّ يقول هذه الآية: {حتّى إذا استيئس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} فقال القاسم: أخبره عنّي أنّي سمعت عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تقول: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} تقول: كذّبتهم أتباعهم. إسنادٌ صحيحٌ أيضًا.
والقراءة الثّانية بالتّخفيف، واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عبّاسٍ ما تقدّم، وعن ابن مسعودٍ، فيما رواه سفيان الثّوريّ، عن الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، عن عبد اللّه أنّه قرأ: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} مخفّفةً، قال عبد اللّه: هو الّذي تكره.
وهذا عن ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ، رضي اللّه عنهما، مخالفٌ لما رواه آخرون عنهما. أمّا ابن عبّاسٍ فروى الأعمش، عن مسلمٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قال: لمّا أيست الرّسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذّبوهم، جاءهم النّصر على ذلك، {فنجّي من نشاء}
وكذا روي عن سعيد بن جبيرٍ، وعمران بن الحارث السّلميّ، وعبد الرّحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة، والعوفيّ عن ابن عبّاسٍ بمثله.
وقال ابن جريرٍ: حدّثني المثنّى، حدّثنا عارمٌ أبو النّعمان، حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، حدّثنا شعيبٌ حدّثنا إبراهيم بن أبي حرة الجزريّ قال: سأل فتى من قريشٍ سعيد بن جبيرٍ فقال له: يا أبا عبد اللّه، كيف هذا الحرف، فإنّي إذا أتيت عليه تمنّيت أنّي لا أقرأ هذه السّورة: {حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا}؟ قال: نعم، حتّى إذا استيأس الرّسل من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل كذبوا. فقال الضّحّاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجل يدعى إلى علمٍ فيتلكّأ! لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلًا.
ثمّ روى ابن جريرٍ أيضًا من وجهٍ آخر: أنّ مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبيرٍ عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيدٍ فاعتنقه، وقال: فرّج اللّه عنك كما فرجت عنّي.
وهكذا روي من غير وجهٍ عن سعيد بن جبيرٍ أنّه فسّرها كذلك، وكذا فسّرها مجاهد بن جبر، وغير واحدٍ من السّلف، حتّى إنّ مجاهدًا قرأها: "وظنّوا أنّهم قد كذبوا"، بفتح الذّال. رواه ابن جريرٍ، إلّا أنّ بعض من فسّرها كذلك يعيد الضّمير في قوله: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} إلى أتباع الرّسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم، أي: وظنّ الكفّار أنّ الرّسل قد كذبوا -مخفّفةً -فيما وعدوا به من النّصر.
وأمّا ابن مسعودٍ فقال ابن جريرٍ: حدّثنا القاسم، حدّثنا الحسين، حدّثنا محمّد بن فضيلٍ عن جحش بن زيادٍ الضّبّيّ، عن تميم بن حذلم قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ يقول في هذه الآية: {حتّى إذا استيأس الرّسل} من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظنّ قومهم حين أبطأ الأمر أنّهم قد كذبوا، بالتّخفيف.
فهاتان الرّوايتان عن كلٍّ من ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسّرها بذلك، وانتصر لها ابن جريرٍ، ووجّه المشهور عن الجمهور، وزيّف القول الآخر بالكلّيّة، وردّه وأباه، ولم يقبله ولا ارتضاه، واللّه أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 424-426]

تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الّذي بين يديه وتفصيل كلّ شيءٍ وهدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون (111)}
يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين {عبرةٌ لأولي الألباب} وهي العقول، {ما كان حديثًا يفترى} أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون اللّه، أي: يكذّب ويختلق، {ولكن تصديق الّذي بين يديه} أي: من الكتب المنزّلة من السّماء، وهو يصدّق ما فيها من الصّحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريفٍ وتبديلٍ وتغييرٍ، ويحكم عليها بالنّسخ أو التّقرير، {وتفصيل كلّ شيءٍ} من تحليلٍ وتحريمٍ، ومحبوبٍ ومكروهٍ، وغير ذلك من الأمر بالطّاعات والواجبات والمستحبّات، والنّهي عن المحرّمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجليّة، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتّفصيليّة، والإخبار عن الرّبّ تبارك وتعالى بالأسماء والصّفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان: {هدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون} تهتدي به قلوبهم من الغيّ إلى الرّشاد، ومن الضّلالة إلى السّداد، ويبتغون به الرّحمة من ربّ العباد، في هذه الحياة الدّنيا ويوم المعاد. فنسأل اللّه العظيم أن يجعلنا منهم في الدّنيا والآخرة، يوم يفوز بالرّبح المبيضّة وجوههم النّاضرة، ويرجع المسودّة وجوههم بالصّفقة الخاسرة). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 426-427]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:30 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة