العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:00 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (102) إلى الآية (104) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (102) إلى الآية (104) ]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:10 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) )


قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا شعبة، عن زبيدٍ، عن مرة، قال: قال عبد الله: إذا كان العبد في صلاته فإنه يقرع باب الملك، وأنه من يدأب قرع باب الملك يوشك أن يفتح له.
- قال: وقال مرة: قال عبد الله: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على العلانية.
- قال: وقال مرة: قال عبد الله في هذه الآية: {اتقوا الله حق تقاته}[سورة آل عمران، الآية: 102] أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
- قال: وقال مرة: قال عبد الله في هذه الآية: {وآتى المال على حبه} [سورة البقرة: الآية: 177]. وأنت حريص شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر). [الزهد لابن المبارك: 2/ 12-14]
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (- أخبرنا مسعر، قال: حدثني معن وعون، أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله ابن مسعودٍ، فقال: اعهد إلي؟ فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنها خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه). [الزهد لابن المبارك: 2/ 18]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرنا سفيان الثّوريّ، عن زبيدٍ الإياميّ، عن مرة بن شراحيل
[الجامع في علوم القرآن: 1/121]
الهمدانيّ قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ يقول: {اتقوا الله حق تقاته}، قال: فحقّ تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى). [الجامع في علوم القرآن: 1/122]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني جرير بن حازم أن زبيد الإياميّ حدّثه عن مرّة بن شراحيل قال: قال ابن مسعودٍ: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته}، وحقّ تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر). [الجامع في علوم القرآن: 2/85]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني بكر بن مضر قال: خرج يهودي مرة هو وابنه، فإذا بنفرٍ من الأنصار من الأوس والخزرج جلوسا، فقال أحد اليهوديين لصاحبه: ألا أتلو لك بين هؤلاء، قال: بلى، قال: فوقف عليهم
[الجامع في علوم القرآن: 2/167]
فأنشد شعرا من قول أحد الفريقين في الحرب الذي كان بينهم؛ فقال بعضهم: ونحن، والله، أيضا قلنا يوما كذا وكذا وكذا وكذا، فلم يزل ذلك حتى تواثبوا؛ فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظهم وكلمهم، ونزل القرآن: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، الآية كلها). [الجامع في علوم القرآن: 2/168]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قال يطاع فلا يعصى ثم نسخها فاتقوا الله ما استطعتم). [تفسير عبد الرزاق: 1/128]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا الثوري عن زبيد عن مرة عن عبد الله في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قال يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى). [تفسير عبد الرزاق: 1/129]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (حدّثنا أبو حذيفة ثنا سفيان [الثوري] عن زبيدٍ الإياميّ عن مرّة الهمدانيّ قال: سألت عبد اللّه في قوله جل وعز: {يا أيها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: حق تقاته أن يطاع فلا يعصى وأن يشكر فلا يكفر وأن يذكر فلا ينسى [الآية: 102]). [تفسير الثوري: 79]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن ليثٍ، عن زبيد بن الحارث، عن مرّة بن شراحيل، قال: قال عبد الله: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} وحقّ تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وإيتاء المال على حبّه أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمل العيش وتخاف الفقر، وفضل صلاة اللّيل على صلاة النّهار كفضل صدقة السّرّ على صدقة العلانية). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 170]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّ موضعه في التّوراة: يا أيّها المساكين). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 318]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته}

- أخبرنا بشر بن خالدٍ، حدّثنا غندرٌ، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] لو أنّ قطرةً من الزّقّوم قطرت على الأرض لأمرّت على أهل الأرض معيشتهم، فكيف من هو طعامه أو ليس له طعامٌ غيره "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/48]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا معشر من صدق اللّه ورسوله {اتّقوا اللّه} خافوا اللّه وراقبوه بطاعته، واجتناب معاصيه {حقّ تقاته} حقّ خوفه، وهو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. {ولا تموتنّ} أيّها المؤمنون باللّه ورسوله، {إلاّ وأنتم مسلمون} لربّكم مذعنون له بالطّاعة، مخلصون له الألوهيّة والعبادة.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا الثّوريّ، عن زبيدٍ، عن مرّة، عن عبد اللّه: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا شعبة، عن زبيدٍ، عن مرّة الهمدانيّ، عن عبد اللّه مثله.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن زبيدٍ، عن مرّة الهمدانيّ، عن عبد اللّه مثله.
- حدّثنا أبو كريبٍ وأبو السّائب، قالا: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا، عن زبيدٍ عن مرّة بن شراحيل البكيلى، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا جريرٌ، عن زبيدٍ، عن عبد اللّه، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا مسعرٌ، عن زبيدٍ، عن مرّة، عن عبد اللّه، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن المسعوديّ، عن زبيدٍ الأياميّ، عن مرّة، عن عبد اللّه، مثله.
- حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن زبيدٍ، عن مرّة، عن عبد اللّه مثله.
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا يحيى عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمونٍ: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمونٍ، نحوه.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا عمرو بن مرّة، عن الرّبيع بن خثيمٍ، قال: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعت مرّة الهمدانيّ يحدّث عن الرّبيع بن خثيمٍ في قول اللّه عزّ وجلّ: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} فذكر نحوه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاووسٍ: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} أن يطاع فلا يعصى.
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، قال: حدّثنا عبّادٌ، عن الحسن، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: حقّ تقاته أن يطاع فلا يعصى.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: ثمّ تقدّم إليهم، يعني إلى المؤمنين من الأنصار، فقال: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} أمّا حقّ تقاته: يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا همّامٌ، عن قتادة: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} أن يطاع فلا يعصى قال: {ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون}
وقال آخرون: بل تأويل ذلك.كما: حدّثني به المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: حقّ تقاته أن يجاهدوا في اللّه حقّ جهاده، ولا يأخذهم في اللّه لومة لائمٍ، ويقوموا للّه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في هذه الآية، هل هي منسوخةٌ أم لا؟ فقال بعضهم: هي محكمةٌ غير منسوخةٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} إنّها لم تنسخ، ولكن حقّ تقاته أن تجاهد في اللّه حقّ جهاده ثمّ ذكر تأويله الّذي ذكرناه عنه آنفًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاووسٍ: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا {" فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال طاووسٌ، قوله: {ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} يقول: إن لم تتّقوه فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون
وقال آخرون: هي منسوخةٌ، نسخها قوله: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} ثمّ أنزل التّخفيف واليسر، وعاد بعائدته ورحمته على ما يعلم من ضعف خلقه فقال: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم} [التغابن] فجاءت هذه الآية فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويسرٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال الأنماطيّ، قال: حدّثنا همّامٌ، عن قتادة: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} قال: نسختها هذه الآية الّتي في التّغابن {فاتّقوا اللّه ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} وعليها بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السّمع والطّاعة فيما استطاعوا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال: لمّا نزلت: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} ثمّ نزل بعدها: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم} فنسخت هذه الآية الّتي في آل عمران.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} فلم يطق النّاس هذا، فنسخه اللّه عنهم فقال: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: جاء أمرٌ شديدٌ، قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه؟ فلمّا عرف أنّه قد اشتدّ ذلك عليهم، نسخها عنهم، وجاء بهذه الأخرى فقال: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم} فنسخها.
وأمّا قوله: {ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} فإنّ تأويله.
- كما: حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاووسٍ: {ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} قال: على الإسلام وعلى حرمة الإسلام). [جامع البيان: 5/636-643]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون (102)
قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا
قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: اتّقوا اللّه حق تقاته
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا عارمٌ، ثنا حمّادٌ، ثنا أيّوب، عن عكرمة، إنّ هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج وكان بينهم قتالٌ يوم بعاثٍ قبيل مخرج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حق تقاته.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن، عن سفيان وشعبة، عن زبيدٍ الياميّ عن مرّة ، عن عبد اللّه اتّقوا اللّه حقّ تقاته قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. قال: أبو محمّدٍ: وروي عن مرّة الهمدانيّ والرّبيع بن خثيمٍ، وعمرو بن ميمونٍ، والحسن، وطاوسٍ، وقتادة، وإبراهيم النّخعيّ وأبي سنان، والسّدّيّ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عبد اللّه بن أيّوب المخرّميّ، ثنا بكر بن بكّارٍ، ثنا شعبة عن عطاءٍ الواسطيّ، عن أنسٍ قال: لا يتّق اللّه العبد حقّ تقاته، حتّى يحزن من لسانه.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قول اللّه تعالى: اتّقوا اللّه حقّ تقاته فإنّها لم تنسخ ولكن حقّ تقاته أن يجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده، ولا يأخذهم في اللّه لومة لائمٍ، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى: اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون قال: لمّا نزلت هذه الآية اشتدّ على القوم العمل، فقاموا حتّى ورمت عراقيبهم وتقرّحت جباههم، فأنزل اللّه تخفيفاً على المسلمين: فاتّقوا اللّه ما استطعتم فنسخت الآية الأولى وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التّفسير
وروي عن أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيّان، والرّبيع بن أنسٍ، والسّدّيّ إنّها نسختها فاتّقوا اللّه ما استطعتم
قوله تعالى: ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون
- حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيدٍ القطّان، ثنا عثمان يعني: ابن عمر، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا أيّها النّاس اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون فلو أنّ قطرةً من الزّقّوم قطرت لأفسدت على أهل الدّنيا دنياهم فكيف من ليس له طعامٌ إلا الزّقّوم.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة ثنا شبلٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاوسٍ يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته وهو أن يطاع فلا يعصى، فإن لم تفعلوا ولن تستطيعوا، ف لا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون قال: على الإسلام وعلى حرمة الإسلام). [تفسير القرآن العظيم: 2/721-723]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مرزوقٍ، ثنا أبو داود، ووهب بن جريرٍ، قالا: ثنا شعبة، وأخبرنا عبد الرّحمن بن الحسن القاضي، بهمدان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياسٍ، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم تلا هذه الآية {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] قال: «والّذي نفسي بيده لو أنّ قطرةً من الزّقّوم قطرت في بحار الأرض لفسدت» وفي حديث وهب بن جريرٍ: «لأمرّت على أهل الدّنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه؟» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/322]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثني عليّ بن حمشاذ العدل، ثنا محمّد بن سليمان بن الحارث، ثنا عبيد اللّه بن موسى، وأبو نعيمٍ قالا: ثنا مسعرٌ، عن زبيدٍ، عن مرّة بن شراحيل، عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي اللّه عنه، في قول اللّه عزّ وجلّ " {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} [آل عمران: 102] قال: أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/323]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته} [آل عمران: 102].
- عن عبد اللّه بن مسعودٍ في قوله تعالى: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} [آل عمران: 102]. قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
رواه الطّبرانيّ بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصّحيح، والآخر ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 6/326]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 102.
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس في الناسخ والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: أن يطاع فلا
يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر، واخرج الحكم وصححه، وابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {اتقوا الله حق تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، قال عكرمة: قال ابن عباس: فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله بعد ذلك (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن الآية 16).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {اتقوا الله حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى، فلم يستطيعوا قال الله (فاتقوا الله ما استطعتم).
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تخفيفا على المسلمين (فاتقوا الله ما استطعتم) فنسخت الآية الأولى.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود {اتقوا الله حق تقاته} قال: نسختها (فاتقوا الله ما استطعتم).
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: لم تنسخ ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت {اتقوا الله حق تقاته} ثم نزل بعدها (فاتقوا الله ما استطعتم) نسخت هذه الآية التي في آل عمران.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه، وابن جرير عن قتادة في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: نسختها الآية التي في التغابن (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا) وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا، واخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {اتقوا الله حق تقاته} قال: نزلت هذه الآية في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مقدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم فأنزل الله هذه الآيات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه.
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وصححاه والنسائي، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشهم فكيف ممن ليس له طعام إلا الزقوم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن طاووس {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} وهو أن يطاع فلا يعصى فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} قال: على الإسلام وعلى حرمة الإسلام.
وأخرج الخطيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتقي الله عبد {حق تقاته} حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه). [الدر المنثور: 3/705-709]

تفسير قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني بكر بن مضر قال: خرج يهودي مرة هو وابنه، فإذا بنفرٍ من الأنصار من الأوس والخزرج جلوسا، فقال أحد اليهوديين لصاحبه: ألا أتلو لك بين هؤلاء، قال: بلى، قال: فوقف عليهم
[الجامع في علوم القرآن: 2/167]
فأنشد شعرا من قول أحد الفريقين في الحرب الذي كان بينهم؛ فقال بعضهم: ونحن، والله، أيضا قلنا يوما كذا وكذا وكذا وكذا، فلم يزل ذلك حتى تواثبوا؛ فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظهم وكلمهم، ونزل القرآن: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، الآية كلها). [الجامع في علوم القرآن: 2/168] (م)
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى واعتصموا بحبل الله قال بعهد الله وبأمره). [تفسير عبد الرزاق: 1/129]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن أيوب عن عكرمة قال لقي النبي ستة نفر من الأنصار فآمنوا به وصدقوه وأراد أن يذهب معهم فقالوا يا رسول الله إن بين قومنا حربا وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد فواعدوه من العام المقبل وقالوا نذهب يا رسول الله لعل الله يصلح تلك الحرب قال ففعلوا فأصلح الله تلك الحرب وكانوا يرون أنها لا تصلح أبدا وهو يوم بعاث فلقوه من العام المقبل سبعين رجلا قد آمنوا به فأخذ منهم النقباء اثني عشر رجلا فذلك حين يقول الله عز و جل واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم). [تفسير عبد الرزاق: 1/129]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن حرام بن عثمان عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله قال النقباء كلهم من الأنصار سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وهو
[تفسير عبد الرزاق: 1/129]
من بني ساعدة وسعد بن خيمثة من بني عمرو بن عوف وسعد بن ربيع وأسعد ابن زرارة من بني النجار وأسيد بن حضير من بني عبد الأشهل وعبادة بت الصامت وعبد الله بن رواحة وأبو الهيثم بن التيهان وعبد الله بن عمرو أبو جابر بن عبد الله من بني سلمة والبراء بن معرور من بني سلمة ورافع بن ملك الزرقي). [تفسير عبد الرزاق: 1/130]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن جامع بن أبي راشدٍ، عن أبي وائل، عن عبد اللّه - في قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعًا} -، قال: حبل الله: القرآن.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا العوّام، عن الشّعبي، عن ابن مسعودٍ قال: حبل اللّه: هو الجماعة). ). [سنن سعيد بن منصور: 3/1083-1084]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : ( {شفا حفرةٍ} [آل عمران: 103] : مثل شفا الرّكيّة، وهو حرفها). [صحيح البخاري: 6/33]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (والجرف الّذي أضيف إليه شفا في الآية الأخرى غير شفا هنا وقد قال أبو عبيدة في قوله تعالى شفا حفرةٍ شفا جرفٍ وهو يقتضي التّسوية بينهما في الإضافة وإلّا فمدلول جرفٍ غير مدلول حفرةٍ فإنّ لفظ شفا يضاف إلى أعلى الشّيء ومنه قوله شفا جرفٍ وإلى أسفل الشّيء ومنه شفا حفرةٍ ويطلق شفا أيضًا على القليل تقول ما بقي منه شيءٌ غير شفا أي غير قليلٍ ويستعمل في القرب ومنه أشفى على كذا أي قرب منه). [فتح الباري: 8/208]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (شفا حفرةٍ مثل شفا الرّكيّة وهو حرفها
أشار به إلى ما في قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها} (آل عمران: 103) . قال الزّمخشريّ: معناه. وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنّم لما كنتم عليه من الكفر فأنقذكم منها بالإسلام قوله: (مثل شفا الرّكية) بفتح الرّاء وكسر الكاف وتشديد الياء آخر الحروف. وهي البئر، والشفا، بفتح الشين المعجمة وتخفيف الفاء الحرف وهو معنى قوله: (وهو حرفها) ، بفتح الحاء المهملة وسكون الرّاء، وهكذا رواية الأكثرين، وفي رواية النّسفيّ بضم الجيم والرّاء). [عمدة القاري: 18/136]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى: {وكنتم على} ({شفا حفرة}) {من النار} [آل عمران: 103] هو (مثل شفا الركية) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية آخره هاء أي البئر (وهو حرفها) وشفا بفتح الشين مقصورًا وهو من ذوات الواو يثنى بالواو نحو شفوان ويكتب بالألف ويجمع على إشفاء، والمعنى كنتم مشفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم فأنقذكم الله تعالى منها بالإسلام). [إرشاد الساري: 7/49]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وتعلّقوا بأسباب اللّه جميعًا. يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسّكوا بدين اللّه الّذي أمركم به، وعهده الّذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحقّ والتّسليم لأمر اللّه.
وقد دلّلنا فيما مضى قبل على معنى الاعتصام وأمّا الحبل، فإنّه السّبب الّذي يوصل به إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلاً، لأنّه سببٌ يوصل به إلى زوال الخوف والنّجاة من الجزع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
وإذا تجوّزها حبال قبيلةٍ = أخذت من الأخرى إليك حبالها
ومنه قول اللّه عزّ وجلّ: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس}.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا العوّام، عن الشّعبيّ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، أنّه قال في قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} قال: الجماعة.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن العوّام، عن الشّعبيّ عن عبد اللّه في قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} قال: حبل اللّه: الجماعة.
وقال آخرون: عنى بذلك القرآن، والعهد الّذي عهد فيه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} حبل اللّه المتين الّذي أمر أن يعتصم به: هذا القرآن.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} قال: بعهد اللّه وأمره.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شقيقٍ، عن عبد اللّه، قال: إنّ الصّراط محتضرٌ تحضره الشّياطين، ينادون: يا عبد اللّه هلمّ هذا الطّريق ليصدّوا عن سبيل اللّه، فاعتصموا بحبل اللّه، فإنّ حبل اللّه هو كتاب اللّه.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} أمّا حبل اللّه: فكتاب اللّه.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {بحبل اللّه} بعهد اللّه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ: {بحبل اللّه} قال: العهد.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} قال: حبل اللّه القرآن.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك في قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} قال: القرآن.
- حدّثنا سعيد بن يحيى، قال: حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزميّ، عن عطيه عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كتاب اللّه، هو حبل اللّه الممدود من السّماء إلى الأرض
وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التّوحيد للّه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية، في قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} يقول: اعتصموا بالإخلاص للّه وحده.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} قال: الحبل: الإسلام، وقرأ {ولا تفرّقوا}). [جامع البيان: 5/643-646]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تفرّقوا}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ولا تفرّقوا} ولا تتفرّقوا عن دين اللّه وعهده الّذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والانتهاء إلى أمره.
- كما: حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ولا تفرّقوا واذكروا نعمة اللّه عليكم} أنّ اللّه عزّ وجلّ قد كره لكم الفرقة وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السّمع والطّاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي اللّه لكم إن استطعتم، ولا قوّة إلاّ باللّه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية: {ولا تفرّقوا} لا تعادوا عليه، يقول: على الإخلاص للّه، وكونوا عليه إخوانًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ أنّ الأوزاعيّ، حدّثه أنّ يزيد الرّقاشيّ حدّثه أنّه، سمع أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإنّ أمّتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقةً كلّهم في النّار إلاّ واحدةً، قال: فقيل: يا رسول اللّه، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده وقال: الجماعة {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا}.
- حدّثني عبد الكريم بن أبي عميرٍ، قال: حدّثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالكٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، نحوه.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا المحاربيّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن الشّعبيّ، عن ثابت بن قطبة المزّنيّ، عن عبد اللّه، أنّه قال: يا أيّها النّاس عليكم بالطّاعة والجماعة فإنّهما حبل اللّه الّذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطّاعة هو خيرٌ ممّا تستحبّون في الفرقة
- حدّثنا عبد الحميد بن بيانٍ السّكّريّ، قال: أخبرنا محمّد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشّعبيّ، عن ثابت بن قطبة، قال: سمعت ابن مسعودٍ وهو يخطب، وهو يقول: يا أيّها النّاس، ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثنا إسماعيل بن حفصٍ الآمليّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن نميرٍ أبو هشامٍ، قال: حدّثنا مجالد بن سعيدٍ، عن عامرٍ، عن ثابت بن قطبة المزّنيّ، قال: قال عبد اللّه: عليكم بالطّاعة والجماعة، فإنّها حبل اللّه الّذي أمر به ثمّ ذكر نحوه). [جامع البيان: 5/647-649]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {واذكروا نعمة اللّه عليكم} واذكروا ما أنعم اللّه به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام.
واختلف أهل العربيّة في قوله: {إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم} فقال بعض نحويّي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله: {واذكروا نعمة اللّه عليكم}، ثمّ فسّر بقوله: {فألّف بين قلوبكم} وأخبر بالّذي كانوا فيه قبل التّأليف، كما تقول: أمسك الحائط أن يميل.
وقال بعض نحويّي الكوفة: قوله {إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم} تابع قوله: {واذكروا نعمة اللّه عليكم} غير منقطعةٍ منها.
والصّواب من القول في ذلك عندي أنّ قوله: {إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم} متّصلٌ بقوله: {واذكروا نعمة اللّه عليكم} غير منقطعٍ عنه.
وتأويل ذلك: واذكروا أيّها المؤمنون نعمة اللّه عليكم الّتي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداءً: أي بشرككم، بقتل بعضكم بعضًا، عصبيّةً في غير طاعة اللّه ولا طاعة رسوله، فألّف اللّه بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعضٍ إخوانًا بعد إذ كنتم أعداءً تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه.
- كما: حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم} كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم حتّى جاء اللّه بالإسلام، فآخى به بينكم، وألّف به بينكم، أما واللّه الّذي لا إله إلاّ هو، إنّ الألفة لرحمةٌ، وإنّ الفرقة لعذابٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً} يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل شديدكم ضعيفكم حتّى جاء اللّه بالإسلام، فألّف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانًا.
فالنّعمة الّتي أنعم اللّه على الأنصار الّتي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع كلمتهم عليها، والعداوة الّتي كانت بينهم، الّتي قال اللّه عزّ وجلّ: {إذ كنتم أعداءً} فإنّها عداوة الحروب الّتي كانت بين الحيّين من الأوس والخزرج في الجاهليّة قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيّام العرب، أنّها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنةٍ.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنةٍ، حتّى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوانٌ لأبٍ وأمٍّ، فلم يسمع بقومٍ كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ أطفأ ذلك بالإسلام، وألّف بينهم برسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
فذكّرهم جلّ ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليّتهم من البلاء والشّقاء بمعاداة بعضهم بعضًا وقتل بعضهم بعضًا، وخوف بعضهم من بعضٍ، وما صاروا إليه بالإسلام واتّباع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعضٍ، ومصير بعضهم لبعضٍ إخوانًا.
- وكان سبب ذلك.ما حدّثنا به ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: حدّثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدنيّ، عن أشياخٍ، من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامتٍ أخو بني عمرو بن عوفٍ مكّة حاجًّا أو معتمرًا. قال: وكان سويدٌ إنّما يسمّيه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه، قال: فتصدّى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سمع به، فدعاه إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى الإسلام، قال: فقال له سويدٌ: فلعلّ الّذي معك مثل الّذي معي، قال: فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وما الّذي معك؟ قال مجلّة لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اعرضها عليّ فعرضها عليه، فقال: إنّ هذا الكلام حسنٌ، معي أفضل من هذا قرآنٌ أنزله اللّه عليّ هدًى ونورٌ، قال: فتلا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إنّ هذا القول حسنٌ ثمّ انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلمٌ، وكان قتله قبل يوم بعاثٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ أحد بني عبد الأشهل أنّ محمود بن لبيدٍ أحد بني عبد الأشهل، قال: لمّا قدم أبو الحيسر أنس بن رافعٍ مكّة، ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذٍ، يلتمسون الحلف من قريشٍ على قومٍ من الخزرج، سمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأتاهم فجلس إليهم، فقال: هل لكم إلى خيرٍ ممّا جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول اللّه بعثني إلى العباد أدعوهم إلى اللّه أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب، ثمّ ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذٍ، وكان غلامًا حدثًا: أي قوم، هذا واللّه خيرٌ ممّا جئتم له، قال: فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافعٍ حفنةً من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذٍ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، قال: فصمت إياس بن معاذٍ، وقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاثٍ بين الأوس والخزرج، قال: ثمّ لم يلبث إياس بن معاذٍ أن هلك قال: فلمّا أراد اللّه إظهار دينه، وإعزاز نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنجاز موعده له، خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الموسم الّذي لقي فيه النّفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كلّ موسمٍ، فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطًا من الخزرج أراد اللّه لهم خيرًا، قال ابن حميدٍ: قال سلمة: قال محمّد بن إسحاق: فحدّثني عمر بن قتادة عن أشياء من قومه، قالوا: لمّا لقيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: وأمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتّى أكلّمكم؟ قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى اللّه وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان ممّا صنع اللّه لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتابٍ وعلمٍ، وكانوا أهل شركٍ أصحاب أوثانٍ، وكانوا قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيءٌ، قالوا لهم: إنّ نبيًّا الآن مبعوثٌ قد أظلّ زمانه نتّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرمٍ، فلمّا كلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أولئك النّفر، ودعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ، قال بعضهم لبعضٍ: يا قوم تعلمون واللّه إنّه للنّبيّ الّذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشّرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم اللّه بك، وسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الّذي أجبناك إليه من هذا الدّين، فإن يجمعهم اللّه عليه، فلا رجل أعزّ منك ثمّ انصرفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا، وهم فيما ذكر لي ستّة نفرٍ، قال: فلمّا قدموا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ودعوهم إلى الإسلام، حتّى فشا فيهم، فلم يبق دارٌ من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكرٌ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بيعة النّساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيّوب، عن عكرمة، أنّه لقي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ستّة نفرٍ من الأنصار، فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّ بين قومنا حربًا، وإنّا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيّأ الّذي تريد، فوعدوه العام المقبل، وقالوا: يا رسول اللّه نذهب، فلعلّ اللّه أن يصلح تلك الحرب، قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلح اللّه عزّ وجلّ تلك الحرب، وكانوا يرون أنّها لا تصلح؛ وهو يوم بعاثٍ فلقوه من العام المقبل سبعون رجلاً قد آمنوا، فأخذ عليهم النّقباء اثني عشر رجلا نقيبًا، فذلك حين يقول: {واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم}.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أمّا: {إذ كنتم أعداءً} ففي حربٍ سمير {فألّف بين قلوبكم} بالإسلام.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن أيّوب، عن عكرمة، بنحوه، وزاد فيه: فلمّا كان من أمر عائشة ما كان، فتثاور الحيّان، فقال بعضهم لبعضٍ: موعدكم الحرّة فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآية: {واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا} الآية، فأتاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم يزل يتلوها عليهم حتّى اعتنق بعضهم بعضًا، وحتّى إنّ لهم لخنينًا، يعني البكاء وسميرٌ الّذي زعم السّدّيّ أنّ قوله {إذ كنتم أعداءً} عنى به حربه، هو سمير بن زيد بن مالكٍ أحد بني عمرو بن عوفٍ الّذي ذكره مالك بن العجلان في قوله:
إنّ سميرًا أرى عشيرته = قد حدبوا دونه وقد أنفوا.
إن يكن الظّنّ صادقي ببني النّ جّار لم يطعموا الّذي علفوا
وقد ذكر علماء الأنصار أنّ مبدأ العداوة الّتي هيّجت الحروب الّتي كانت بين قبيلتيها الأوس والخزرج وأوّلها كان بسبب قتل مولًى لمالك بن العجلان الخزرجيّ، يقال له: الحرّ بن سميرٍ، من مزينة، وكان حليفًا لمالك بن العجلان، ثمّ اتّصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها اللّه بنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذلك معنى قول السّدّيّ: حرب بن سميرٍ.
وأمّا قوله: {فأصبحتم بنعمته إخوانًا} فإنّه يعني: فأصبحتم بتأليف اللّه عزّ وجلّ بينكم بالإسلام وكلمة الحقّ والتّعاون على نصرة أهل الإيمان، والتّآزر على من خالفكم من أهل الكفر إخوانًا متصادقين لا ضغائن بينكم، ولا تحاسد.
- كما: حدّثني بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {فأصبحتم بنعمته إخوانًا}، وذكر لنا أنّ رجلاً، قال لابن مسعودٍ: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة اللّه إخوانًا). [جامع البيان: 5/649-657]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها}
يعني بقوله جلّ ثناؤه {وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار} وكنتم يا معشر المؤمنين من الأوس والخزرج على حرف حفرةٍ من النّار، وإنّما ذلك مثل لكفرهم الّذي كانوا عليه قبل أن يهديهم اللّه للإسلام، يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرفٍ جهنّم بكفركم الّذي كنتم عليه، قبل أن ينعم اللّه عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلاّ أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم اللّه منها بالإيمان الّذي هداكم له،
وشفا الحفرة: طرفها وحرفها مثل شفا الرّكيّة والبئر، ومنه قول الرّاجز:
نحن حفرنا للحجيج سجلة = نابتةً فوق شفاها بقلة
يعني فوق حرفها، يقال: هذا شفا هذه الرّكيّة مقصورٌ، وهما شفواها.
وقال: {فأنقذكم منها} يعني فأنقذكم من الحفرة، فردّ الخبر إلى الحفرة، وقد ابتدأ الخبر عن الشّفا، لأنّ الشّفا من الحفرة، فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن الشّفا على السّبيل الّتي ذكرها في هذه الآية خبرًا عن الحفرة، كما قال جرير بن عطيّة:
رأت مرّ السّنين أخذن منّي = كما أخذ السّرار من الهلال
فذكر مرّ السّنين، ثمّ رجع إلى الخبر عن السّنين. وكما قال العجّاج:
طول اللّيالي أسرعت في نقضي = طوين طولي وطوين عرضي
وقد بيّنت العلّة الّتي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك من التّأويل، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته} كان هذا الحيّ من العرب أذلّ النّاس ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالةً، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين على رأس حجرٍ بين الأسدين: فارس، والرّوم، لا واللّه ما في بلادهم يومئذٍ من شيءٍ يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا ومن مات ردّي في النّار، يؤكلون ولا يأكلون، واللّه ما نعلم قبيلاً يومئذٍ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًّا وأدقّ فيها شأنًا منهم، حتّى جاء اللّه عزّ وجلّ بالإسلام فورّثكم به الكتاب، وأحلّ لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرّزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب النّاس، وبالإسلام أعطى اللّه ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإنّ ربّكم منعمٌ يحبّ الشّاكرين، وإنّ أهل الشّكر في مزيد اللّه، فتعالى ربّنا وتبارك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قوله: {وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار} يقول: كنتم على الكفر باللّه، {فأنقذكم منها} من ذلك، وهداكم إلى الإسلام.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها} بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: كنتم على طرف النّار من مات منكم أوبق في النّار، فبعث اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، فاستنقذكم به من تلك الحفرة.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا حسن بن حيٍّ: {وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها} قال: عصبيّةٌ). [جامع البيان: 5/657-660]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: كذلك كما بيّن لكم ربّكم في هذه الآيات أيّها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غلّ اليهود، الّذي يضمرونه لكم، وغشّهم لكم، وأمره إيّاكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عمّا نهاكم عنه، والحالّ الّتي كنتم عليها في جاهليّتكم، والّتي صرتم إليها في إسلامكم، يعرّفكم في كلّ ذلك مواقع نعمه قبلكم، وصنائعه لديكم، فكذلك يبيّن سائر حججه لكم في تنزيله، وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم. {لعلّكم تهتدون} يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرّشاد، وتسلكوها فلا تضلّوا عنها). [جامع البيان: 5/660]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون (103)
قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن عرفة، ثنا يحيى بن اليمان، عن حمزة الزّيّات، عن سعدٍ الطّائيّ، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن عليٍّ قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: كتاب اللّه: هو حبل اللّه المتين
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن الأوزاعيّ، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
افترقت بنوا إسرائيل على إحدى وسبعين فرقةً، وإنّ أمّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقةً كلّهم في النّار إلا واحدةً قالوا: يا رسول اللّه: ومن هذه الواحدة؟ قال:
الجماعة. قال: فقبض يده ثمّ قال: واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا
- حدّثنا عليّ بن إبراهيم الواسطيّ، ثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل، عن الشّعبيّ، عن ثابت بن (قطبة) قال: سمعت عبد اللّه بن مسعودٍ يخطب وهو يقول يا أيّها النّاس عليكم بالطّاعة والجماعة، فإنّهما حبل اللّه الذي أمر به.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو سلمة، ثنا مباركٌ يعني ابن فضالة، عن الحسن في قول اللّه عزّ وجلّ واعتصموا بحبل اللّه جميعاً قال: بطاعته.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن أبي العالية في قوله: واعتصموا بحبل اللّه جميعاً يقول: اعتصموا بالإخلاص للّه وحده.
والوجه الخامس:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق ، عن معمرٍ، عن قتادة واعتصموا بحبل اللّه جميعاً قال: بعهد اللّه وبأمره.
قوله تعالى: ولا تفرّقوا
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن عليٍّ الصّيرفيّ، حدّثني عبد ربّه بن بارقٍ الحنفيّ وأثنى عليه خيراً، حدّثني سماك بن الوليد الحنفيّ أنّه لقي ابن عبّاسٍ بالمدينة فقال:
ما يقول في سلطانٍ علينا يظلمونا ويشتمونا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا نمنعهم؟
قال: لا، أعطهم يا حنفيّ، فإنّ أباك أهذب الشّفتين منتفش المنخرين، يعني: زنجي، وأعطه صدقتك، فلنعم القلوص قلوصٌ يؤمر الرّجل بين عرسه ووطبه، يعني زوجته وقربة اللّبن، ثمّ أخذ ذراعيّ فغمزها وقال: يا حنفيّ: الجماعة، الجماعة، إنّما هلكت الأمم الخالية بتفرّقها، أما سمعت قول اللّه عزّ وجلّ: واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية في قول اللّه تعالى: ولا تفرّقوا يقول: لا تعادوا عليه يقول: على الإخلاص، وكونوا عليه إخواناً.
قوله تعالى: واذكروا نعمت اللّه عليكم
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: نعمت الله يقول: عافية الله.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: واذكروا نعمت اللّه عليكم قال: النّعم آلاء اللّه.
قوله تعالى: إذ كنتم أعداء
[الوجه الأول]
- قرأت على محمّد بن الفضل بن موسى، ثنا محمّد بن عليّ بن الحسن أنبأ محمّد بن مزاحمٍ عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهليّة.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع قوله: إذ كنتم أعداءً يقتل بعضكم بعضاً، ويأكل شديدكم ضعيفكم حتّى جاء اللّه بالإسلام فألّف به بينكم.
الوجه الثّاني:
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريح إذ كنتم أعداءً قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة رضي اللّه عنها.
قوله تعالى: فألّف بين قلوبكم
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم بالإسلام. وروي عن مجاهدٍ ومقاتل بن حيّان والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو معمرٍ عبد الله بن عمرو بن أبي الحجّاج المنقريّ، ثنا عبد الوارث، ثنا عليّ بن زيدٍ، عن أنس بن مالكٍ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا معشر الأنصار بم تمنّون عليّ؟ أليس جئتكم ضلال فهداكم اللّه بي؟
وجئتكم أعداءً فألّف اللّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه.
قوله تعالى: فأصبحتم بنعمته إخواناً
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليّ بن الحسن ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان فأصبحتم بنعمته برحمته يعني: الإسلام إخواناً، والمؤمنون إخوةٌ.
قوله تعالى: وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم يقول: كنتم على طرف النّار، من مات منكم وقع في النّار.
قوله تعالى: فأنقذكم منها
- وبه عن السّدّيّ فأنقذكم منها قال: فبعث اللّه محمّداً صلّى اللّه عليه وسلّم، فأستنقذكم به من تلك الحفرة.
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها قال: أنقذكم اللّه من الشّرك إلى الإيمان.
قوله تعالى: كذلك يبيّن اللّه لكم آياته
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: كذلك يعني هكذا
- حدّثنا أبو زرعة ثنا، يحيى بن بكيرٍ، حدّثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء ابن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قول اللّه تعالى: لكم آياته يعني ما بيّن في هذه الآية.
قوله تعالى: لعلّكم تهتدون
- حدّثنا موسى بن أبي موسى الأنصاريّ، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: لعلّ أي:
كي). [تفسير القرآن العظيم: 2/723-726]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} [آل عمران: 103].
- عن عبد اللّه بن مسعودٍ في قوله تعالى: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا} [آل عمران: 103] قال: القرآن.
- وفي روايةٍ: قال: حبل اللّه: الجماعة. ورجال الأوّل رجال الصّحيح، والثّاني منقطع الإسناد.
- وعن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: إنّ هذا الصّراط محتضرٌ تحضره الشّياطين، يقولون: يا عباد اللّه، هذا الطّريق واعتصموا بحبل اللّه، قال الصّراط المستقيم كتاب اللّه.
رواه الطّبرانيّ عن شيخه عبد اللّه بن محمّد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيفٌ). [مجمع الزوائد: 6/326]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 103.
أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قول الله {واعتصموا بحبل الله} قال: حبل الله القرآن.
وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن الضريس، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلم هذا هو الطريق ليصدوا عن سبيل الله فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن سبب، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا بعده أبدا.
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة.
وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لكم فرط وإنكم واردون علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين قيل: وما الثقلان يا رسول الله قال: الأكبر كتاب الله عز وجل، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا والأصغر عترتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم.
وأخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر والطبراني من طريق الشعبي عن ابن مسعود {واعتصموا بحبل الله جميعا} قال: حبل الله الجماعة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن ثابت بن فطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك بن الوليد الحنفي أنه لقي ابن عباس فقال: ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا ويشتموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا
نمنعهم قال: لا أعطهم الجماعة الجماعة إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}.
وأخرج ابن ماجة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: يا رسول ومن هذه الواحدة قال: الجماعة، ثم قال {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، (في الكتاب الحديث مكرر).
وأخرج ابن ماجة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة قال: الجماعة ثم قال {واعتصموا بحبل الله جميعا}.
وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، واخرج أحمد وأبو داود عن معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه حتى يراجعه ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته ميتة جاهلية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي العالية {واعتصموا بحبل الله} قال: بالإخلاص لله وحده {ولا تفرقوا} يقول: لا تعادوا عليه - يقول على الإخلاص - وكونوا عليه إخوانا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {واعتصموا بحبل الله} قال: بطاعته.
وأخرج عن قتادة {واعتصموا بحبل الله} قال: بعهد الله وبأمره.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {واعتصموا بحبل الله} قال: الإسلام.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء} يقتل بعضكم بعضا ويأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فألف به بينكم وجمع جمعكم عليه وجعلكم عليه إخوانا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: لقي النّبيّ صلى الله عليه وسلم نفرا من الأنصار فآمنوا به وصدقوا وأراد أن يذهب معهم فقالوا: يا رسول الله إن بين قومنا حربا وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد، فوادوه العام المقبل فقالوا: نذهب برسول الله صلى الله عليه وسلم فلعل الله أن يصلح تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح - وهي يوم بعاث - فلقوه من العام المقبل سبعين رجلا قد آمنوا به فأخذ منهم النقباء اثني عشر رجلا، فذلك حين يقول {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} وفي لفظ لإبن جرير فلما كان من أمر عائشة ما كان فتشاور الحيان قال بعضهم لبعض: موعدكم الحرة فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآية {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جريج في قوله {إذ كنتم أعداء} قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة.
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام فأطفأ الله ذلك وألف بينهم.
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: بلغني أن هذه الآية أنزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في رجلين، أحدهما من الخزرج والآخر من الأوس اقتتلوا في الجاهلية زمانا طويلا فقدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة فأصلح بينهم فجرى الحديث بينهما في المجلس فتفاخروا واستبوا حتى أشرع بعضهم الرماح إلى بعض.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: والذي نفس محمد بيده لا يتواد رجلان في الإسلام فيفرق بينهما من أول ذنب يحدثه أحدهما وان أرادهما المحدث
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار بم تمنون علي أليس جئتكم ضلالا فهداكم الله بي وجئتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي قالوا: بلى يا رسول الله.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وكنتم على شفا حفرة من النار} يقول كنتم على طرف النار من مات منكم وقع في النار، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فاستنقذكم به من تلك الحفرة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأ {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} قال: أنقذنا منها فأرجو أن لا يعيدنا فيها.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} قال: أنقذكم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت عباس بن مرداس وهو يقول: يكب على شفا الأذقان كبا * كما زلق التحتم عن جفاف). [الدر المنثور: 3/709-716]

تفسير قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا سفيان، عن عمرٍو، سمع ابن الزّبير يقول: {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ويستعينون باللّه على ما أصابهم، فلا أدري أكانت قراءته، أو فسّر؟). [سنن سعيد بن منصور: 3/1084]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {ولتكن منكم} أيّها المؤمنون، {أمّةٌ} يقول: جماعةٌ {يدعون} النّاس {إلى الخير} يعني إلى الإسلام وشرائعه الّتي شرّعها اللّه لعباده، {ويأمرون بالمعروف} يقول: يأمرون النّاس باتّباع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ودينه الّذي جاء به من عند اللّه، {وينهون عن المنكر} يعني وينهون عن الكفر باللّه، والتّكذيب بمحمّدٍ، وبما جاء به من عند اللّه بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتّى ينقادوا لكم بالطّاعة.
وقوله: {وأولئك هم المفلحون} يعني المنجّحين عند اللّه، الباقين في جنّاته ونعيمه.
وقد دلّلنا فيما مضى على معنى الإفلاح في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا.
- حدّثنا أحمد بن حازمٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا عيسى بن عمر القارئ، عن أبي عونٍ الثّقفيّ، أنّه سمع صبيحًا، قال: سمعت عثمان، يقرأ: ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون اللّه على ما أصابهم
- حدّثني أحمد بن حازمٍ، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعت ابن الزّبير، يقرأ، فذكر مثل قراءة عثمان الّتي ذكرناها قبل سواءً.
- حدّثنا يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك: {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} قال: هم خاصّة أصحاب رسول اللّه، وهم خاصّة الرّواة). [جامع البيان: 5/660-662]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104)
قوله تعالى: ولتكن منكم
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّانٍ قوله: ولتكن منكم أمّةٌ يقول: ليكن منكم قوم يعني: واحد أو اثنين أو ثلاث نفرٍ فما فوق ذلك.
قوله تعالى: أمّةٌ
- وبه عن مقاتل بن حيّان قوله: أمّةٌ يقول: إماماً يقتدى به كما قال لإبراهيم كان أمّةً قانتاً يقول: إماماً مطيعاً لربّه يقتدى به.
قوله تعالى: يدعون إلى الخير
- وبه عن مقاتل بن حيّان قوله: يدعون إلى الخير قال: إلى الإسلام.
قوله تعالى: ويأمرون بالمعروف
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية قال: كلّ آيةٍ يذكرها اللّه في القرآن، فذكر الأمر بالمعروف، فالأمر بالمعروف أنّهم دعوا إلى اللّه وحده وعبادته لا شريك له، دعاءً من الشّرك إلى الإسلام.
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: ويأمرون بالمعروف يأمرون بطاعة ربّهم.
قوله تعالى: وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية قال: كلّ آيةٍ ذكر اللّه في القرآن، فذكر النّهي عن المنكر، النّهي عن عبادة الأوثان والشّيطان.
والوجه الثّاني:
- قرأت على محمّدٍ، ثنا محمّدٌ، ثنا بكيرٌ عن مقاتلٍ قوله: وينهون عن المنكر وينهون عن معصيته يعني: معصية ربّهم.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة ثنا محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ وأولئك هم المفلحون أي الّذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شرّ ما منه هربوا). [تفسير القرآن العظيم: 2/726-727]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيتان 104 - 105.
أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن دينار أنه سمع ابن الزبير يقرأ {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ويستعينون بالله على ما أصابهم، فما أدري أكانت قراءته أو فسر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي داود في المصاحف، وابن الأنباري عن عثمان أنه قرأ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون.
وأخرج ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ثم قال: الخير اتباع القرآن وسنتي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام والنهي عن المنكر فهو عبادة الشيطان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله {ولتكن منكم أمة} يقول: ليكن منكم قوم، يعني واحدا أو اثنين أو ثلاثة نفر فما فوق ذلك أمة يقول: إماما يقتدى به يدعون إلى الخير قال: إلى الخير قال: إلى الإسلام ويأمرون بالمعروف بطاعة ربهم وينهون عن المنكر عن معصية ربهم
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وهم الرواة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الإختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله). [الدر المنثور: 3/716-721]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 02:53 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون} أي: اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه.
قال بعضهم {حقّ تقاته}: أن يطاع فلا يعصي وأن يذكر فلا ينسى، ومعنى يذكر فلا ينسى: أن يذكر عند ما يجب من أمره فلا يتجاوز أمره.
وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة نسخها قوله جلّ وعزّ: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم}
وقوله جلّ وعزّ: {لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها} وتقاة أصلها: وقاة وهي من وقيت إلا أن الواو لم تأت في هذا المثال على أصلها، ولم يقل في هذا المثال شيء إلا والتاء فيه مبدلة من الواو وكذلك قالوا تخمة إنما هي من الوخامة، وكذلك قالوا: في فعال نحو التراث والتجاه، وتجاه في معنى المواجهة.
وهذا المثال فيه أوجه: إذا بنيت فعلة من وقيت قلت تقاة وهو الذي يختاره النحويون، ولم يأت في اللغة على هذا المثال شيء إلا وقد أبدلت التاء من واوه.
ويجوز أن يقال وقاة، وأقاه لأن الواو إذا انضمت وكانت أولا فأنت في البدل منها بالخيار، إن شئت أبدلت منها همزة، وإن شئت أقررتها على هيئتها، وإن شئت في هذا المثال خاصة أبدلت منها التاء.
وقوله جلّ وعزّ: {ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون}.
لفظ النهي واقع على الموت، والمعنى: واقع على الأمر بالإقامة على الإسلام.
المعنى: كونوا على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك.
وإنما جاز هذا لأنه ليس في الكلام لبس، لأنه يعلم منه أنهم لا ينهون عما لا يفعلون، ومثله في الكلام، "لا أرينك ههنا " فالنهي واقع في اللفظ على المخاطبة، والمعنى: لا تكونن ههنا فإن من كان ههنا رأيته ولكن الكلام قصد به إلى الإيجاز والاختصار إذ لم يكن فيه نقص معنى). [معاني القرآن: 1/448-449]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}
قال ابن مسعود: حق تقاته أن يشكر فلا يكفر وأن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وروي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال قتادة: نسخ هذه الآية قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}
قال أبو جعفر: لا يجوز أن يقع في هذا ناسخ ولا منسوخ لأن الله تعالى لا يكلف الناس إلا ما يستطيعون.
وقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} مبين لقوله: {اتقوا الله حق تقاته} وهو على ما فسره ابن مسعود أن يذكر الله عندما يجب عليه فلا ينساه.
وقوله عز وجل: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} المعنى: كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم مسلمون لأنه قد علم لا ينهاهم عما لا يملكون.
وحكى سيبويه: لا أرينك ههنا فهو لم ينه نفسه وإنما المعنى لا تكن ههنا فإنه من يكن ههنا أره). [معاني القرآن: 1/451-453]

تفسير قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعاً...}
الكلام العربيّ هكذا بالباء، وربما طرحت العرب الباء فقالوا: اعتصمت بك واعتصمتك؛ قال بعضهم:
إذا أنت جازيت الإخاء بمثله * وآسيتني ثم اعتصمت حباليا
فألقى الباء. وهو كقولك: تعلّقت زيدا، وتعلقت بزيد. وأنشد بعضهم:
تعلّقت هندا ناشئا ذات مئزرٍ * وأنت وقد قارفت لم تدر ما الحلم). [معاني القرآن: 1/228]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {على شفا حفرةٍ} أي: حرفٍ مثل شفا الرّكيّة وحروفها. {فأنقذكم منها} ترك {شفا}، ووقع التأنيث على {حفرة} وتصنع العرب مثل هذا كثيراً، قال جرير:
رأت مرّ السنين أخذن مني... كما أخذ السّرار من الهلال
وقال العّجاج:
طول الليالي أسرعت في نقضى... طوين طولى وطوين عرضي). [مجاز القرآن: 1/98-99]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرةٍ مّن النّار فأنقذكم مّنها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون}
قال الله تعالى: {واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء} على التفسير بقطع الكلام عند قوله: {اذكروا نعمت اللّه عليكم} ثم فسر آية التأليف بين قلوبهم وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف كما تقول "أسمك الحائط أن يميل".
{وكنتم على شفا حفرةٍ} فـ"الشّفا" متصور مثل "القفا" وتثنيته بالواو تقول: "شفوان" لأنه لا يكون فيه الإمالة، فلما لم تجيء فيه الإمالة عرفت أنّه من الواو). [معاني القرآن: 1/178]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({واعتصموا بحبل اللّه} أي: بدينه [وعهده].
{شفا حفرةٍ} أي: حرف حفرة ومنه «أشفى على كذا» إذا أشرف عليه). [تفسير غريب القرآن: 108]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (وكذلك الحبل، قال الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} أي: بعهد الله أو بكتابه، يريد: تمسكوا به، لأنه وصلة لكم إليه وإلى جنّته). [تأويل مشكل القرآن: 464]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ( (وقوله جلّ وعزّ: {واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرّقوا واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون}
{جميعا} منصوب على الحال المعنى: كونوا مجتمعين على الاعتصام به.
وتفسير {واعتصموا بحبل اللّه}، أي: استمسكوا بعهد اللّه.
والحبل في لغة العرب: العهد.
قال الأعشى:
وإذا أجوز بها حبال قبيلة... أخذت من الأخرى إليك حبالها
ومعنى {ولا تفرّقو} أي: تناصروا على دين الله.
وأصل تفرقوا: تتفرقوا إلا أن التاء حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد في كلمة، والمحذوفة الثانية لأن الأولى دالة على الاستقبال فلا يجوز حذف الحرف الذي يدل على الاستقبال وهو مجؤوم بالنهي، الأصل ولا تتفرقون فحذفت النون لتدل على الجزم.

وقوله جلّ وعزّ: {واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}.
ذكّرهم اللّه بعظيم النعمة عليهم في الإسلام لأنهم كانوا في جاهليتهم يقتل بعضهم بعضا، ويستبيح كل غالب منهم من غلبه فحظر عليهم الإسلام الأنفس والأموال إلا بحقها، فعرفهم اللّه - عزّ وجلّ - ما لهم من الحظ في العاجل في الدخول في الإسلام.
وقيل: نزلت في الأوس والخزرج لأنهم كانت بينهم في الجاهلية حروب دائمة قد أتت عليها السنون الكثيرة، فأزال الإسلام تلك الحروب وصاروا إخوانا في الإسلام متوادين على ذلك، وأصل الأخ في اللغة: أن الأخ مقصده مقصد أخيه، وكذلك هوي الصداقة أن تكون إرادة كل واحد من الأخوين موافقة لما يريد صاحبه والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان أي يقصد ما يسره.
وقوله جل وعلا: {وكنتم على شفا حفرة من النّار} أي" كنتم قد أشرفتم على النار وشفا الشيء، حرفه مقصور يكتب بالألف، وتثنيته شفوان، وقال - {فأنقذكم منها}، ولم يقل منه لأن المقصود في الخبر النار. أي فأنقذكم منها بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله جل وعلا - {كذلك يبيّن اللّه لكم آياته} الكاف في موضع نصب.
المعنى: مثل البيان الذي يتلى عليكم يبين الله لكم آياته.

ومعنى {لعلّكم تهتدون} أي: لتكونوا على رجاء هدايته). [معاني القرآن: 1/449-451]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}
قال عبد الله ابن مسعود: حبل الله القرآن.
وقال ابن عباس: الحبل العهد.
وقال الاعشى:
وإذا تجوزها حبال قبيلة = أخذت من الأخرى إليك حبالها
وأصل الحبل في اللغة: السبب ومنه سمي حبل البئر لأنه السبب الذي يوصل به إلى ما بها، ومنه قيل فلان يحطب في حبل فلان، أي: يميل إليه وإلى أسبابه، وأصل هذا: أن الحاطب يقطع أغصان الشجر فيجعلها في حبله فإذا قطع غيره وجعله في حبله قيل هو يحطب في حبله، ومنه قولهم حبلك على غاربك أي قد خليتك من سبي وأمري ونهي،وأصل هذا: أن الإبل إذا أهملت للرعي ألقيت حبالها على غواربها لئلا تتعلق بشوك أو غيره فيشغلها عن الرعي
ومعنى {ولا تفرقوا}: ولا تتفرقوا ثم حذفت إحدى التاءين وقيل لهم هذا لأن اليهود والنصارى تفرقوا وكفر بعضهم بعضا.
ثم قال عز وجل: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}
قال عكرمة: هذا في الأنصار كانت بينهم شرور فألف الله بينهم بالإسلام.
وقيل: هو عام لقريش لأن بعضهم كان يغير على بعض فلما دخلوا في الإسلام حرمت عليهم الدماء فأصبحوا إخوانا، أي: يقصد بعضهم مقصد بعض، ثم قال تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} وهذا تمثيل، والشفا: الحرف ومنه أشفى فلان على كذا إذا اشرف عليه). [معاني القرآن: 1/453-455]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({بحبل الله} أي: بالقرآن، وقيل بدينه). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 50]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ( (الشَفَا): حرف كل شيء). [العمدة في غريب القرآن: 101]

تفسير قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير}، و{كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس}، أما قوله: {إنّ إبرهيم كان أمّةً قانتاً} أي: كان إماماً مطيعاً، ويقال أنت أمّة في هذا الأمر، أي: يؤتم بك. {وادّكر بعد أمّةٍ}: بعد قرن، ويقال: (بعد أمهٍ) أي نسيان، نسيت كذا وكذا: أي أمهت، وأنا آمهه، ويقال: هو ذو أمهٍ. مكسور الميم، وبعضهم يقول: ذو أمّةٍ بمعنًى واحد، أي ذو دين واستقامة؛ وكانوا بأمةٍ وبإمة، أي: استقامة من عيشهم، أي دوم منه؛ {كنتم خير أمّة} أي: جماعة؛ وهو أمّةٌ على حدة، أي واحد، ويقال: يبعث زيد بن عمرو ابن نفيل أمةً وحده، وقال النابغة في أمة وإمّةٍ، معناه: الدّين والاستقامة:
وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
ذو أمة: بالرّفع والكسر، والمعنى الدّين، والاستقامة). [مجاز القرآن: 1/99-100]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({ولتكن مّنكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}
قال تعالى: {ولتكن مّنكم أمّةٌ يدعون إلى الخير} و"أمّةٌ" في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال: {يدعون} [وفي] {ولتكن} جزم السلام بعضهم أيضاً). [معاني القرآن: 1/178-179]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير} أي: معلّمون للخير.
والأمّة تتصرف على وجوه قد بينتها في «تأويل المشكل»).
[تفسير غريب القرآن: 108]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (وقد تكون الأمة: جماعة العلماء، كقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} أي: يعلمون). [تأويل مشكل القرآن: 446]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جل وعلا: {ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}
اللام مسكنة وأصلها الكسر، الأصل ولتكن منكم ولكن الكسرة حذفت لأن الواو صارت مع الكلمة كحرف واحد وألزمت الحذف، وإن قرئت ولتكن - بالكسر - فجيد على الأصل، ولكن التخفيف أجود وأكثر في كلام العرب.
ومعنى - {ولتكن منكم أمّة} - واللّه أعلم - : ولتكونوا كلكم أمّة تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف، ولكن " من " تدخل ههنا لتخص المخاطبين من سائر الأجناس وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثل هذا من كتاب اللّه {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ليس يأمرهم باجتناب بعض الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان فإنها رجس ومثله من الشعر قول الشاعر:
أخو رغاتب يعطيها ويسألها... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
أي: هو النوفل الزفر، لأنه قد وصفه بإعطاء الرغائب، والنوفل الكثير الإعطاء للنوافل، والزفر الذي يحمل الأثقال.
والدليل على أنهم أمروا كلهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله جل وعلا: {كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}.
ويجوز أن تكون: أمرت منهم فرقة، لأن قوله {ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير} ذكر الدعاة إلى الإيمان، والدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه وليس الخلق كلهم علماء والعلم ينوب فيه بعض الناس عن بعض، وكذلك الجهاد.
وقوله جل وعلا: {وأولئك هم المفلحون}أي: والذين ذكرناهم المفلحون، والمفلح الفائز بما يغتبط به.
و{هم} جائز أن يكون ابتداء و {المفلحون} خبر أولئك و {هم} فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون العماد). [معاني القرآن: 1/451-453]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}
قال أبو عبيدة: الأمة الجماعة ومن ههنا ليست للتبعيض وإنما هي لبيان الجنس كما قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}
ولم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان وإنما المعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان). [معاني القرآن: 1/455-456]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 08:55 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) }
[لا يوجد]


تفسير قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث عبد الله رحمه الله
عليكم بحبل الله فإنه كتاب الله.
حدثناه جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله.
قوله: عليكم بحبل الله نراه أراد تأويل قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} يقول: فالاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن.
وأصل الحبل في كلام العرب يتصرف على وجوه: فمنها العهد وهو الأمان، وذلك أن العرب كانت يخيف بعضها بعضا في الجاهلية، فكان الرجل إذا أراد سفرا أخذ عهدا من سيد القبيلة فيأمن به ما دام في تلك القبيلة حتى ينتهي إلى الأخرى، فيفعل مثل ذلك أيضا، يريد بذلك الأمان فمعنى الحديث أن يقول:
عليكم بكتاب الله وترك الفرقة، فإنه أمان لكم وعهد من عذاب الله وعقابه وقال الأعشى يذكر مسيرا له وأنه كان يأخذ الأمان من قبيلة إلى قبيلة فقال لرجل يمتدحه:



وإذا تــجـــوزهـــا حــــبـــــال قــبــيــلـــةأخذت من الأخرى إليك حبالها

والحبل أيضا في غير هذا الموضوع: المواصلة وقال امرؤ القيس:



إني بحبلك واصل حبليوبريش نبلك رائـش نبلـي

وهو كثير في الشعر.
والحبل –أيضا- من الرمل: المجتمع منه الكثير العالي). [غريب الحديث: 5/117-119]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (فأما التأويل بالقرآن:

فكالبيض، يعبر بالنساء، لقول الله عز وجل: {كأنهن بيض مكنون}.
وكالخشب، يعبر بالنفاق؛ بقول الله عز وجل: {كأنهم خشب مسندة}.
وكالحجارة، تعبر بالقسوة، بقول الله عز وجل: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}.
وكالسفينة، تعبر بالنجاة؛ لأن الله تعالى نجى بها نوحا عليه السلام ومن كان معه.
وكالماء، يعبر في بعض الأحوال بالفتنة؛ لقول الله تعالى: {لأسقيناهم ماء غدقا * لنفتنهم فيه}.
وكاللحم الذي يؤكل، يعبر بالغيبة؛ لقول الله عز وجل: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا}.
وكالمستفتح بابا بمفتاح، يعبر بالدعاء؛ لقول الله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يريد: أن تدعوا.
وكالمصيب مفتاحا في المنام –أو مفاتيح- يعبر بأنه يكسب مالا، لقوله عز وجل في قارون: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} يريد: أمواله؛ سميت أموال الخزائن مفاتيح، لأن بالمفاتيح يوصل إليها.
وكالملك يرى في المحلة أو البلدة أو الدار، وقدرها يصغر عن قدره، وتنكر دخول مثلها مثله؛ يعبر ذلك بالمصيبة والذل ينال أهل ذلك الموضع، لقوله عز وجل: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون}.
وكالحبل، يعبر بالعهد، لقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا}.
ولقوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي: بأمان وعهد.
والعرب تسمي العهد حبلا؛ قال الشاعر:



وإذا تــجـــوزهـــا حــــبـــــال قــبــيــلـــةأخذت من الأخرى إليك حبالها

وكاللباس، يعبر بالنساء؛ لقوله جل وعز: {هم لباس لكم وأنتم لباس لهن} ). [تعبير الرؤيا: 35-37] (م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (سَمِع أعرابيّ ابن عباسٍ وهو يقرأ {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النًارِ فَأنْقَذَكُمْ مِنْهَا}. فقَال: واللِه ما أنقذهم منها وهو يُريد أن يُدخِلَهم فيها، فقال ابن عباس: خُذْها من غير فقيه). [عيون الأخبار: 5/134]

تفسير قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (واعلم أن هذه اللام مكسورةٌ إذا ابتدئت فإذا كان قبلها فاء أو واو فهي على حالها في الكسر. وقد يجوز إسكانها، وهو أكثر على الألسن. تقول: قم وليقم زيد {فلتقم طائفةٌ منهم معك} {ولتكن منكم أمةٌ}. وإنما جاز ذلك؛ لأن الواو والفاء لا ينفصلان، لأنه لا يتكلم بحرف واحد. فصارتا بمنزلة ما هو في الكلمة، فأسكنت اللام هرباً من الكسرة. كقولك في علم: علم، وفي فخذ: فخذ.
وأما قراءة من قرأ {ثم ليقطع فلينظر}. فإن الإسكان في لام فلينظر جيد وفي لام ليقطع لحنٌ؛ لأن ثم منفصلة من الكلمة. وقد قرأ بذلك يعقوب بن إسحاق الحضرمي). [المقتضب: 2/131-132] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (ومن حرف من الأضداد، تكون لبعض الشيء، وتكون لكله، فكونها للتبعيض لا يحتاج فيه إلى شاهد، وكونها بمعنى (كل)، شاهده قول الله عز وجل: {ولهم فيها من كل الثمرات}، معناه كل الثمرات، وقوله عز وجل: {يغفر لكم من ذنوبكم}، معناه يغفر لكم ذنوبكم. وقوله عز وجل: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما}، معناه: وعدهم الله كلهم مغفرة؛ لأنه قدم وصف قوم يجتمعون في استحقاق هذا الوعد. وقول الله عز وجل في غير هذا الموضع: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}، معناه: ولتكونوا كلكم أمة تدعو إلى الخير، قال الشاعر:



أخـو رغائـب يعطاهـا ويسألـهـايأبى الظلامة منه النوفل الزفر

أراد: يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر. ومستحيل أن تكون
(مِنْ) هاهنا تبعيضا إذ دخلت على ما لا يتبعض، والعرب تقول: قطعت من الثوب قميصا، وهم لا ينوون أن القميص قطع من بعض الثوب دون بعض؛ إنما يدلون بـ(من) على التجنيس، كقوله عز وجل: {فاجتبوا الرجس من الأوثان} معناه: فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس، واجتنبوا الرجس من جنس الأوثان؛ إذ كان يكون من هذا الجنس ومن غيره من الأجناس.
وقال الله عز وجل: {وننزل من القرآن ما هو شفاء}، فـ (مِنْ)، ليست هاهنا تبعيضا؛ لأنه لا يكون بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء، فـ(مِنْ) تحتمل تأويلين: أحدهما التجنيس، أي ننزل الشفاء من جهة القرآن، والتأويل الآخر أن تكون (من) مزيدة للتوكيد، كقوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}، وهو يريد يغضوا أبصارهم، وكقول ذي الرمة:



إذا مـــــــا امـــــــرؤ حـــاولــــن يـقـتـتـلــنــهبــلا إحـنـة بـيــن الـنـفـوس ولا ذحـــل
تبسمن عن نور الأقاحي في الثرىوفتـرن مــن أبـصـار مضـروجـة نـجـل

أراد: وفترن أبصار مضروجة.
وكان بعض أصحابنا يقول: من ليست مزيدة للتوكيد في قوله: {من كل الثمرات}، وفي قوله: {من أبصارهم} وفي قوله: {يغفر لكم من ذنوبكم}. وقال: أما قوله: {من كل الثمرات}، فإن (من) تبعيض، لأن العموم في جميع الثمرات لا يجتمع لهم في وقت واحد؛ إذ كان قد تقدم منها ما قد أكل، وزال وبقي منها ما يستقبل ولا ينفد أبدا، فوقع التبعيض لهذا المعنى.
قال: وقوله: {يغضوا من أبصارهم} معناه: يغضوا بعض أبصارهم. وقال: لم يحظر علينا كل النظر، إنما حظر علينا بعضه، فوجب التبعيض من أجل هذا التأويل.
قال: وقوله: {يغفر لكم من ذنوبكم} من هاهنا مجنسة، وتأويل الآية: يغفر لكم من إذنابكم، وعلى إذنابكم، أي يغفر لكم من أجل وقوع الذنوب منكم، كما يقول الرجل: اشتكيت من دواء شربته، أي من أجل الدواء.
وقال بعض المفسرين: من في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة} مبعضة، لأنه ذكر أصحاب نبيه صلى الله عليه، وكان قد ذكر
قبلهم الذين كفروا فقال: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية}. وقال بعد: {منهم}؛ أي من هذين الفريقين، ومن هذين الجنسين). [كتاب الأضداد: 252-255] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 04:26 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 04:26 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 04:26 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 04:26 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا
الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود به وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر، و «تقاة» مصدر وزنه فعلة، أصله تقية، وقد تقدم قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويصح أن تكون التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه فيكون كرماة ورام، أو يكون جمع تقي إذ فعيل وفاعل بمنزلة، والمعنى على هذا: اتقوا الله كما يحق أن يكون متقوه المختصون به، ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى، واختلف العلماء في قوله: حقّ تقاته فقالت فرقة: نزلت الآية على عموم لفظها، وألزمت الأمة أن تتقي الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال في شيء من الأشياء، ثم إن الله نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى: فاتّقوا اللّه ما استطعتم [التغابن: 16] وبقوله: لا يكلّف اللّه
نفساً إلّا وسعها
[البقرة: 286] قال ذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، وقالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه: اتقوا الله حقّ تقاته فيما استطعتم، وذلك أن حقّ تقاته هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسرا، وهذا هو القول الصحيح، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية، وإنما عبروا في تفسير هذه الآية بأن قال ابن مسعود رضي الله عنه: حقّ تقاته: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وكذلك عبر الربيع بن خيثم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
معنى قوله، واتّقوا اللّه حقّ تقاته: جاهدوا في الله حق جهاده ولا نسخ في الآية، وقال طاوس في معنى قوله تعالى: اتّقوا اللّه حقّ تقاته: يقول تعالى، إن لم تتقوه ولم تستطيعوا ذلك فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وقوله تعالى: ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون معناه: دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه. هكذا هو وجه الأمر في المعنى، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق الوجيز، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم: لا أرينك هاهنا، وإنما المراد: لا تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك، ومسلمون في هذه الآية، هو المعنى الجامع التصديق والأعمال، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس). [المحرر الوجيز: 2/304-305]

تفسير قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: واعتصموا بحبل اللّه جميعاً معناه تمنعوا وتحصنوا به، فقد يكون الاعتصام بالتمسك باليد، وبارتقاء القنن، وبغير ذلك مما هو منعة، ومنه الأعصم في الجبل، ومنه عصمة النكاح، و «الحبل» في هذه الآية مستعار لما كان السبب الذي يعتصم به، وصلة ممتدة بين العاصم والمعصوم، ونسبة بينهما، شبه ذلك بالحبل الذي شأنه أن يصل شيئا بشيء، وتسمى العهود والمواثيق حبالا، ومنه قول الأعشى:
وإذا تجوّزها حبال قبيلة = أخذت من الأدنى إليك حبالها
ومنه قول الآخر: [الكامل]
(إني بحبلك واصل حبلي) = ... ... ... ...
ومنه قول الله تعالى: إلّا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس [آل عمران: 112] واختلفت عبارة المفسرين في المراد في هذه الآية بحبل اللّه، فقال ابن مسعود: «حبل الله» الجماعة، وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قال فقيل يا رسول الله: وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده وقال: الجماعة وقرأ، واعتصموا بحبل اللّه جميعاً، وقال ابن مسعود في خطبة: عليكم جميعا بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال قتادة رحمه الله: «حبل الله» الذي أمر بالاعتصام به هو القرآن، وقال السدي: «حبل الله» كتاب الله، وقاله أيضا ابن مسعود والضحاك، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، وقال أبو العالية: «حبل الله» في هذه الآية هو الإخلاص في التوحيد وقال ابن زيد: «حبل الله» هو الإسلام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض، وقوله تعالى: جميعاً حال من الضمير في قوله، اعتصموا، فالمعنى: كونوا في اعتصامكم مجتمعين. ولا تفرّقوا يريد التفرق الذي لا يتأتى معه الائتلاف على الجهاد وحماية الدين وكلمة الله تعالى، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في العقائد، وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلاف أمتي رحمة، وقد اختلف الصحابة في الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة على كل كافر، وأما الفتنة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن التفرق المنهي عنه، أما أن التأويل هو الذي أدخل في ذلك أكثر من دخله من الصحابة رضي الله عن جميعهم.
قوله تعالى: ... واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون (103)
هذه الآية تدل على أن الخطاب بهذه الآية إنما هو للأوس والخزرج، وذلك أن العرب وإن كان هذا اللفظ يصلح في جميعها فإنها لم تكن في وقت نزول هذه الآية اجتمعت على الإسلام ولا تألفت قلوبها، وإنما كانت في قصة شاس بن قيس في صدر الهجرة، وحينئذ نزلت هذه الآية، فهي في الأوس والخزرج، كانت بينهم عداوة وحروب، منها يوم بعاث وغيره، وكانت تلك الحروب والعداوة قد دامت بين الحيين مائة وعشرين سنة، حتى رفعها الله بالإسلام، فجاء النفر الستة من الأنصار إلى مكة حجاجا، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم، وتلا عليهم القرآن، كما كان يصنع مع قبائل العرب، فآمنوا به وأراد الخروج معهم، فقالوا يا رسول الله: إن قدمت بلادنا على ما بيننا من العداوة والحرب، خفنا أن لا يتم ما نريده منك، ولكن نمضي نحن ونشيع أمرك، ونداخل الناس، وموعدنا وإياك العام القابل، فمضوا وفعلوا، وجاءت الأنصار في العام القابل، فكانت العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلا، فيهم خمسة من الستة الأولين، ثم جاؤوا من العام الثالث، فكانت بيعة العقبة الكبرى، حضرها سبعون وفيهم اثنا عشر نقيبا، ووصف هذه القصة مستوعب في سيرة ابن هشام، ويسر الله تعالى الأنصار للإسلام بوجهين، أحدهما أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم وكانوا يقولون لمن يتوعدونه من العرب، يبعث لنا نبي الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما رأى النفر من الأنصار محمدا صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي تذكره بنو إسرائيل فلا تسبقن إليه، والوجه الآخر، الحرب التي كانت ضرستهم وأفنت سراتهم، فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم كالذي كان، فعدد الله تعالى عليهم نعمته في تأليفهم بعد العداوة، وذكرهم بها، وقوله تعالى: فأصبحتم عبارة عن الاستمرار وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت ما، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبدأ النهار، وفيها مبدأ الأعمال، فالحال التي يحسها المرء من نفسه فيها هي حاله التي يستمر عليها يومه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع: [المنسرح]
أصبحت لا أحمل السلاح ولا = أملك رأس البعير إن نفرا
و «الإخوان» جمع أخ، ويجمع إخوة، وهذان أشهر الجمع فيه، على أن سيبويه رحمه الله يرى أن إخوة اسم جمع، وليس ببناء جمع لأن فعلا لا يجمع على فعلة، قال بعض الناس: الأخ في الدين يجمع إخوانا، والأخ في النسب يجمع إخوة: هكذا كثر استعمالهم.
قال القاضي أبو محمد. وفي كتاب الله تعالى: إنّما المؤمنون إخوةٌ الحجرات: 10] وفيه، أو بني إخوانهنّ [النور: 31]، فالصحيح أنهما يقالان في النسب، ويقالان في الدين، و «الشفا» حرف كل جرم له مهوى، كالحفرة والبئر والجرف والسقف والجدار ونحوه، ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى، كقوله شفا جرفٍ [التوبة: 109] وإلى الأسفل كقوله شفا حفرةٍ، ويثنى شفوان، فشبه تعالى كفرهم الذي كانوا عليه وحربهم المدنية من الموت بالشفا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنم دأبا، فأنقذهم الله بالإسلام، والضمير في منها عائد على النار، أو على «الحفرة»، والعود على الأقرب أحسن، وقال بعض الناس حكاه الطبري: إن الضمير عائد على «الشفا»، وأنث الضمير من حيث كان الشفا مضافا إلى مؤنث، فالآية كقول جرير:
رأت مرّ السنين أخذن منّي = كما أخذ السّرار من الهلال
إلى غير ذلك من الأمثلة.
قال القاضي: وليس الأمر كما ذكر، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة، إلا لو لم تجد معادا للضمير إلا «الشفا»، وأما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة وقوله تعالى: كذلك يبيّن اللّه لكم آياته إشارة إلى ما بين في هذه الآيات، أي فكذلك يبين لكم غيرها، وقوله، لعلّكم ترجّ في حق البشر، أي من تأمل منكم الحال رجا الاهتداء). [المحرر الوجيز: 2/305-309]

تفسير قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذابٌ عظيمٌ (105)
قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة: «ولتكن» بكسر اللام على الأصل، إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن، قال الضحاك والطبري وغيرهما: أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة، فهم خاصة أصحاب الرسول، وهم خاصة الرواة.
قال القاضي: فعلى هذا القول «من» للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالما، وذهب الزجّاج وغير واحد من المفسرين، إلى أن المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون، «ومن» لبيان الجنس قال: ومثله من كتاب الله، فاجتنبوا الرّجس من الأوثان [الحج: 30] ومثله من الشعر قول القائل: [البسيط]
أخو رغائب يعطيها ويسألها = يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر
قال القاضي: وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك: ليكن منك رجل صالح، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون، التجريد، وانظر أن المعنى الذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى: من الأوثان ذاتها ولا تجده يدخل قول الشاعر: منه النوفل الزفر، ولا تجده يدخل في «من» التي هي صريح بيان الجنس، كقولك ثوب من خز، وخاتم من فضة، بل هذه يعارضها معنى التبعيض، ومعنى الآية على هذا التأويل: أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة، قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير، وللزوم الأمر بالمعروف شروط، منها أن يكون بمعروف لا بتخرق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من كان آمرا بمعروف، فليكن أمره ذلك بمعروف، ومنها أن لا يخاف الآمر أذى يصيبه، فإن فعل مع ذلك فهو أعظم لأجره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
قال القاضي: والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم هي اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولا، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم»، فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما هي في قوله تعالى: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك [لقمان: 17] وقوله تعالى: يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم [المائدة: 105] معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره، وقال بعض العلماء: «المعروف» التوحيد، والمنكر الكفر، والآية نزلت في الجهاد.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، والمفلحون الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم). [المحرر الوجيز: 2/309-311]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 04:26 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 04:27 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون (103)}
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا عبد الرّحمن، عن سفيان وشعبة، عن زبيد الياميّ، عن مرّة، عن عبد اللّه -هو ابن مسعودٍ- {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ موقوفٌ، [وقد تابع مرّة عليه عمرو بن ميمونٍ عن ابن مسعودٍ].
وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سفيان الثّوريّ، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى".
وكذا رواه الحاكم في مستدركه، من حديث مسعر، عن زبيد، عن مرّة، عن ابن مسعودٍ، مرفوعًا فذكره. ثمّ قال: صحيحٌ على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه. كذا قال. والأظهر أنّه موقوفٌ واللّه أعلم.
ثمّ قال ابن أبي حاتمٍ: وروي نحوه عن مرة الهمداني، والرّبيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون، وإبراهيم النّخعي، وطاووس، والحسن، وقتادة، وأبي سنان، والسّدّي، نحو ذلك.
[وروي عن أنسٍ أنّه قال: لا يتّقي العبد اللّه حقّ تقاته حتّى يخزن من لسانه].
وقد ذهب سعيد بن جبير، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم، والسّدّي وغيرهم إلى أنّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: {فاتّقوا اللّه ما استطعتم} [التّغابن:16].
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {اتّقوا اللّه حقّ تقاته} قال: لم تنسخ، ولكن {حقّ تقاته} أن يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده، ولا تأخذهم في اللّه لومة لائمٍ، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
وقوله: {ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون} أي: حافظوا على الإسلام في حال صحّتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإنّ الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنّه من عاش على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ بعث عليه، فعياذًا باللّه من خلاف ذلك.
قال الإمام أحمد: حدّثنا روح، حدّثنا شعبة قال: سمعت سليمان، عن مجاهدٍ، أنّ النّاس كانوا يطوفون بالبيت، وابن عبّاسٍ جالسٌ معه محجن، فقال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: " {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون} ولو أنّ قطرةً من الزّقّوم قطرت لأمرّت على أهل الأرض عيشتهم فكيف بمن ليس له طعامٌ إلّا الزّقّوم".
وهكذا رواه التّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه، وابن حبّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرقٍ عن شعبة، به. وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ. وقال الحاكم: على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرّحمن بن عبد ربّ الكعبة، عن عبد اللّه بن عمرو قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من أحبّ أن يزحزح عن النّار ويدخل الجنّة، فلتدركه منيّته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى النّاس ما يحبّ أن يؤتى إليه ".
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابرٍ قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول قبل موته بثلاثٍ: "لا يموتنّ أحدكم إلّا وهو يحسن الظّنّ بالله عزّ وجلّ". ورواه مسلمٌ من طريق الأعمش، به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا [أبو] يونس، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "إنّ الله قال: أنا عند ظنّ عبدي بي، فإن ظنّ بي خيرًا فله، وإن ظنّ شرا فله ".
وأصل هذا الحديث ثابتٌ في الصّحيحين من وجهٍ آخر، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "يقول الله [عزّ وجلّ] أنا عند ظنّ عبدي بي".
وقال الحافظ أبو بكرٍ البزّار: حدّثنا محمّد بن عبد الملك القرشي، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابتٍ -وأحسبه-عن أنسٍ قال: كان رجلٌ من الأنصار مريضًا، فجاءه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعوده، فوافقه في السّوق فسلّم عليه، فقال له: "كيف أنت يا فلان؟ " قال بخيرٍ يا رسول اللّه، أرجو الله أخاف ذنوبي. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا يجتمعان في قلب عبدٍ في هذا الموطن إلّا أعطاه الله ما يرجو وآمنه ممّا يخاف".
ثمّ قال: لا نعلم رواه عن ثابتٍ غير جعفر بن سليمان. وهكذا رواه التّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه من حديثه، ثمّ قال التّرمذيّ: غريبٌ. وقد رواه بعضهم عن ثابتٍ مرسلًا.
فأمّا الحديث الّذي رواه الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، حدّثنا شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ألّا أخرّ إلّا قائمًا. ورواه النّسائيّ في سننه عن إسماعيل بن مسعودٍ، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخرّ للسّجود) ثمّ ساقه مثله فقيل: معناه: على ألّا أموت إلّا مسلمًا، وقيل: معناه: [على] ألّا أقتل إلّا مقبلا غير مدبر، وهو يرجع إلى الأوّل). [تفسير القرآن العظيم: 2/86-89]

تفسير قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا} قيل {بحبل اللّه} أي: بعهد اللّه، كما قال في الآية بعدها: {ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} [آل عمران:112] أي بعهدٍ وذمّةٍ وقيل: {بحبلٍ من اللّه} يعني: القرآن، كما في حديث الحارث الأعور، عن عليّ مرفوعًا في صفة القرآن: "هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم".
وقد ورد في ذلك حديثٌ خاصٌّ بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفرٍ الطّبريّ: حدّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطيّة عن [أبي] سعيدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السّماء إلى الأرض".
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلمٍ الهجريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النّور المبين وهو الشّفاء النّافع، عصمةٌ لمن تمسّك به، ونجاةٌ لمن اتّبعه".
وروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. [وقال وكيع: حدّثنا الأعمش عن أبي وائلٍ قال: قال عبد اللّه: إنّ هذا الصّراط محتضرٌ تحضره الشّياطين، يا عبد اللّه، بهذا الطّريق هلمّ إلى الطّريق، فاعتصموا بحبل اللّه فإنّ حبل اللّه القرآن].
وقوله: {ولا تفرّقوا} أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التّفرقة وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلمٍ من حديث سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: "إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم؛ ويسخط لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال".
وقد ضمنت لهم العصمة، عند اتّفاقهم، من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعدّدة أيضًا، وخيف عليهم الافتراق، والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، منها فرقةٌ ناجيةٌ إلى الجنّة ومسلمة من عذاب النّار، وهم الّذين على ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه.
وقوله: {واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا [وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها]} إلى آخر الآية، وهذا السّياق في شأن الأوس والخزرج، فإنّه كانت بينهم حروبٌ كثيرةٌ في الجاهليّة، وعداوةٌ شديدةٌ وضغائن، وإحنٌ وذحول طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلمّا جاء اللّه بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابّين بجلال اللّه، متواصلين في ذات اللّه، متعاونين على البرّ والتّقوى، قال اللّه تعالى: {هو الّذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ اللّه ألّف بينهم [إنّه عزيزٌ حكيمٌ]} [الأنفال:62] وكانوا على شفا حفرة من النّار بسبب كفرهم، فأبعدهم اللّه منها: أن هداهم للإيمان. وقد امتنّ عليهم بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم قسم غنائم حنينٍ، فعتب من عتب منهم لمّا فضّل عليهم في القسمة بما أراه اللّه، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي؟ " كلّما قال شيئًا قالوا: اللّه ورسوله أمنّ.
وقد ذكر محمّد بن إسحاق بن يسار وغيره: أنّ هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أنّ رجلًا من اليهود مرّ بملأٍ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتّفاق والألفة، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكّرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتّى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعضٍ، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرّة، فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاهم فجعل يسكّنهم ويقول: "أبدعوى الجاهليّة وأنا بين أظهركم؟ " وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السّلاح، رضي اللّه عنهم وذكر عكرمة أنّ ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضيّة الإفك. والله أعلم). [تفسير القرآن العظيم: 2/89-90]

تفسير قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذابٌ عظيمٌ (105) يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ فأمّا الّذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأمّا الّذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة اللّه هم فيها خالدون (107) تلك آيات اللّه نتلوها عليك بالحقّ وما اللّه يريد ظلمًا للعالمين (108) وللّه ما في السّماوات وما في الأرض وإلى اللّه ترجع الأمور (109)}
يقول تعالى: {ولتكن منكم أمّةٌ} أي: منتصبةٌ للقيام بأمر اللّه، في الدّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر {وأولئك هم المفلحون} قال الضّحّاك: هم خاصّة الصّحابة وخاصّة الرّواة، يعني: المجاهدين والعلماء.
وقال أبو جعفرٍ الباقر: قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير} ثمّ قال: "الخير اتّباع القرآن وسنّتي" رواه ابن مردويه.
والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمّة متصدّيةٌ لهذا الشّأن، وإن كان ذلك واجبًا على كلّ فردٍ من الأمّة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي روايةٍ: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردلٍ".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا سليمان الهاشميّ، أخبرنا إسماعيل بن جعفرٍ، أخبرني عمرو بن أبي عمرٍو، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأشهليّ، عن حذيفة بن اليمان، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثمّ لتدعنّه فلا يستجيب لكم".
ورواه التّرمذيّ، وابن ماجه، من حديث عمرو بن أبي عمرٍو، به وقال التّرمذيّ: حسنٌ والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ مع الآيات الكريمة كما سيأتي تفسيرها في أماكنها). [تفسير القرآن العظيم: 2/91]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:03 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة