العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11 ربيع الثاني 1434هـ/21-02-2013م, 11:32 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,830
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (66) إلى الآية (70) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (66) إلى الآية (70) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68) وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (70)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 07:26 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,830
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقضى بينهما، فقال الّذي قضي عليه: ردّنا إلى عمر بن الخطّاب، فقال رسول اللّه: نعم، انطلقا إليه؛ فلمّا أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطّاب، قضى لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا، فقال: ردّنا إلى عمر، فردّنا إليك؛ قال: كذلك، قال: نعم، قال عمر: مكانكما حتّى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الّذي قال: (ردّنا إلى عمر)، فقتله؛ وأدبر الآخر فارًّا إلى رسول اللّه، فقال: يا رسول اللّه، قتل، واللّه، عمر صاحبي، ولو ما أنّي أعجزته لقتلني، فقال رسول اللّه: ما كنت أظنّ أن يجترئ عمر على قتل مؤمنٍ، فأنزل اللّه: {فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلموا تسليماً}، فهدر دم ذلك الرّجل وبرّئ عمر من قتله، وكره اللّه أن يسنّ ذلك بعد، فقال: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا}). [الجامع في علوم القرآن: 1/71-72] (م)
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلالٍ أنّه بلغه أنّ اللّه لما أنزل: {[إلا قليلٌ منهم]}، قال أبو بكرٍ: واللّه، لو فعل لفعلنا، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: [إنّ من أمّتي لرجالا] الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي). [الجامع في علوم القرآن: 3/10]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا}.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} ولو أنّا فرضنا على هؤلاء الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطّاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دارٍ أخرى سواها ما فعلوه، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى اللّه ورسوله طاعةً للّه ولرسوله، إلاّ قليلٌ منهم.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} هم يهود يعني أو كلمة تشبهها: والعرب، كما أمر أصحاب موسى عليه السّلام.
- حدّثني المثنّى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر لم يفعلوا إلاّ قليلٌ منهم.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولو أنّا كتبنا، عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم} افتخر ثابت بن قيس بن شمّاسٍ ورجلٌ من يهود، فقال اليهوديّ: واللّه لقد كتب اللّه علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا. فقال ثابتٌ: واللّه لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا. فأنزل اللّه في هذا: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو زهيرٍ، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السّبيعيّ، قال: لمّا نزلت: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم} قال رجلٌ: لو أمرنا لفعلنا، والحمد للّه الّذي عافانا. فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: إنّ من أمّتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي
واختلف أهل العربيّة في وجه الرّفع في قوله: {إلاّ قليلٌ منهم} فكان بعض نحويّي البصرة يزعم أنّه رفع قليلٌ لأنّه جعل بدلاً من الأسماء المضمّرة في قوله: {ما فعلوه} لأنّ الفعل لهم.
وقال بعض نحويّي الكوفة: إنّما رفع على نيّة التّكرير، كأنّ معناه: ما فعلوه ما فعله إلاّ قليلٌ منهم، كما قال عمرو بن معد يكرب:
وكلّ أخٍ مفارقه أخوه = لعمر أبيك إلا الفرقدان
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: رفع القليل بالمعنى الّذي دلّ عليه قوله: {ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم} وذلك أنّ معنى الكلام: ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلاّ قليلٌ منهم. فقيل: ما فعلوه على الخبر عن الّذين مضى ذكرهم في قوله: {ألم تر إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك}، ثمّ استثنى القليل، فرفع بالمعنى الّذي ذكرنا، إذ كان الفعل منفيًّا عنه.
وهي في مصاحف أهل الشّام: ما فعلوه إلا قليلا منهم. وإذا قرئ كذلك، فلا موونهّ على قارئه في إعرابه، لأنّه المعروف في كلام العرب، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كناية من قد جرى ذكره، ثمّ استثني منهم القليل). [جامع البيان: 7/205-208]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا}
يعني جلّ ثناؤه بذلك: ولو أنّ هؤلاء المنافقين الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطّاغوت، ويصدّون عنك صدودًا، {فعلوا ما يوعظون به} يعني: ما يذكّرون به من طاعة اللّه والانتهاء إلى أمره {لكان خيرًا لهم} في عاجل دنياهم وآجل معادهم، {وأشدّ تثبيتًا} وأثبت لهم في أمورهم، وأقوى لهم عليها. وذلك أنّ المنافق يعمل على شكٍّ، فعمله يذهب باطلا، وغناؤه يضمحلّ فيصير هباءً، وهو بشكّه يعمل على وناءٍ وضعفٍ، ولو عمل على بصيرةٍ لاكتسب بعمله أجرًا ولكان له عند اللّه ذخرًا وكان على عمله الّذي يعمل أقوى لنفسه وأشدّ تثبيتًا لإيمانه بوعد اللّه على طاعته وعمله الّذي يعمله. ولذلك قال من قال: معنى قوله: {وأشدّ تثبيتًا} تصديقًا.
كما:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا} قال: تصديقًا.
لأنّه إذا كان مصدّقًا كان لنفسه أشدّ تثبيتًا ولعزمه فيه أشدّ تصحيحًا وهو نظير قوله جلّ ثناؤه: {ومثل الّذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة اللّه وتثبيتًا من أنفسهم} وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه بما فيه كفايةٌ من إعادته). [جامع البيان: 7/208-209]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلّا قليلٌ منهم ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا (66)
قوله تعالى: ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم
- وبه عن مجاهدٍ قوله: ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم هم يهود، يعني العرب كما أمر أصحاب موسى.
قوله تعالى: ما فعلوه إلا قليلٌ منهم
- حدّثنا أبي ثنا أبو اليمان ثنا إسماعيل- يعني ابن عيّاشٍ- عن صفوان بن عمرٍو عن شريح بن عبيدٍ قال: لما تلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم
أشار بيده إلى عبد اللّه بن رواحة، فقال: لو أنّ اللّه كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل- يعني ابن رواحة.
- حدّثنا جعفر بن منيرٍ ثنا روحٌ ثنا هشامٌ عن الحسن قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم قال أناسٌ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لو فعل ربّنا لفعلنا، فبلغ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرّواسي.
- حدّثنا أبي ثنا محمود بن غيلان ثنا بشر بن السّريّ ثنا مصعب بن ثابتٍ، عن عمّه عامر بن عبد اللّه بن الزّبير قال: لمّا نزلت ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم قال أبو بكرٍ: يا رسول اللّه، واللّه لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال: صدقت يا أبا بكرٍ.
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن أبي عمر العدنيّ قال: سئل سفيان عن قوله: ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم» قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لو نزلت كان ابن أمّ عبدٍ منهم.
قوله تعالى: ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قال: افتخر ثابت بن قيس بن شمّاسٍ ورجلٌ من اليهود، فقال اليهوديّ: واللّه لقد كتب اللّه علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا، قال ثابتٌ: واللّه لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا ، فأنزل اللّه تعالى في هذا: ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً.
قوله تعالى: وأشدّ تثبيتاً
- وبه عن السّدّيّ قوله: وأشدّ تثبيتاً قال: تصديقاً). [تفسير القرآن العظيم: 3/995-996]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينارٍ، عن رجلٍ من ولد أمّ سلمة، قال: أظنّ أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: إنّ (الزّبير) رضي الله عنه، اختصم هو ورجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقضى (صلّى اللّه عليه وسلّم) (له) فقال: إنّما قضى له لأنّه ابن عمّته وهمزه بفيه، فقال يهوديّ: انظروا إلى هذا، يلمز (نبيّه) نحن أطوع منهم، أمرنا نبيّنا لنقتل أنفسنا فقتلنا أنفسنا). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/584]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} هم يهود يعني والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن سفيان في قوله {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم}
قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وفيه أيضا {وآتوا حقه يوم حصاده}.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا فأنزل الله في هذا {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا}.
وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق السبيعي قال: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي.
وأخرج ابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن الحسن قال لما نزلت هذه الآية {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} قال ناس من الأنصار: والله لو كتبه الله علينا لقبلنا الحمد لله الذي عافانا ثم الحمد لله الذي عافانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان أثبت في قلوب رجال من الأنصار من الجبال الرواسي.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} قال أناس من الصحابة: لو فعل ربنا، فبلغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} قال أبو بكر: يا رسول الله - والله - لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، قال: صدقت يا أبا بكر
وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد قال لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في الآية قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لو نزلت كان ابن أم عبد منهم.
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان في الآية قال: كان عبد الله بن مسعود من القليل الذي يقتل نفسه.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر: يعني من أولئك القليل.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وأشد تثبيتا} قال: تصديقا). [الدر المنثور: 4/525-527]

تفسير قوله تعالى: (وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإذًا لآتيناهم من لدنّا أجرًا عظيمًا ولهديناهم صراطًا مستقيمًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم} لإيتائنا إيّاهم على فعلهم ما وعظوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا. {أجرًا} يعني: جزاءً وثوابًا عظيمًا، وأشدّ تثبيتًا لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم لهدايتناهم صراطًا مستقيمًا، يعني: طريقًا لا اعوجاج فيه، وهو دين اللّه القيم الّذي اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام). [جامع البيان: 7/209-210]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإذًا لآتيناهم من لدنّا أجرًا عظيمًا (67)
قوله تعالى: وإذاً لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أسامة عن سفيان عن ابن جريجٍ عن عبّادٍ عن سعيد بن جبيرٍ قوله: من لدنّا أجراً عظيماً قال: الجنّة. وروي عن أبي هريرة وعكرمة وأنسٍ، والضّحّاك وقتادة نحو ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 3/996]

تفسير قوله تعالى: (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (ومعنى قوله: {ولهديناهم} ولوفّقناهم للصّراط المستقيم). [جامع البيان: 7/210]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ولهديناهم صراطًا مستقيمًا (68)
قوله تعالى: ولهديناهم صراطا مستقيما
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن عرفة، ثنا يحيى بن اليمان، عن حمزة الزّيّات عن سعدٍ الطّائيّ عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث قال: دخلت على عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: الصّراط المستقيم: كتاب اللّه
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ أنّ عبد الرّحمن بن جبيرٍ حدّثه عن أبيه عن النّوّاس بن سمعان الأنصاريّ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: صراطاً مستقيما فالصراط: الإسلام.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا سعدان بن نصرٍ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم ثنا حمزة بن المغيرة عن عاصمٍ الأحول، عن أبي العالية: الصّراط المستقيم قال: هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وصاحباه من بعده، قال عاصمٌ: فذكرناه ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا يحيى بن عبدك القزوينيّ، ثنا خالد بن عبد الرّحمن المخزوميّ ثنا عمر- يعني ابن ذرٍّ- عن مجاهدٍ في قوله: الصّراط المستقيم قال: الحقّ). [تفسير القرآن العظيم: 3/996-997]

تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {ومن يطع الله والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء} إلى قوله: {وكفى بالله عليمًا} ].
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خلف بن خليفة، عن عطاء بن السّائب، عن الشّعبي، قال: جاء رجلٌ من الأنصار إلى رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، (فقال):لأنت أحبّ إليّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا أنّي آتيك فأراك، لظننت أنّي سأموت، وبكى الأنصاريّ، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما ((أبكاك؟))، فقال: ذكرت أنّك ستموت ونموت، فترفع مع النّبيّين، ونحن إذا دخلنا الجنّة كنّا دونك، فلم يخبره النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشيءٍ، فأنزل الله عز وجل على رسوله: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء} إلى قوله {عليمًا}، فقال: ((أبشر)) ). [سنن سعيد بن منصور: 4/1307-1308]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين} [النساء: 69]
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن حوشبٍ، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: سمعت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من نبيٍّ يمرض إلّا خيّر بين الدّنيا والآخرة» ، وكان في شكواه الّذي قبض فيه، أخذته بحّةٌ شديدةٌ، فسمعته يقول: {مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين} [النساء: 69] فعلمت أنّه خيّر). [صحيح البخاري: 6/46]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين)
ذكر فيه حديث عائشة وقد تقدّم شرحه في الوفاة النّبويّة وللّه الحمد وقوله في شكواه الّذي قبض فيه في رواية الكشميهنيّ الّتي قبض فيها). [فتح الباري: 8/255]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين} (النّساء: 69)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {فأولئك} وأوله: (ومن يطع الله والرّسول فأولئك) الآية. أي: من عمل بما أمره الله ورسوله وترك ما نهاه الله عنه ورسوله فأولئك يكونون مع الّذين أنعم الله عليهم. وقال الطّبرانيّ بإسناده عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنّك لأحب إليّ من نفسي وأهلي، وإنّي لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتّى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتك عرفت أنّك ترفع مع النّبيين، وإنّي إذا دخلت الجنّة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتّى نزل جبريل عليه الصّلاة والسّلام، بهذه الآية انتهى. قلت: هذا الرجل هو ثوبان، فما ذكره الواحدي.
- حدّثنا محمّد بن عبد الله بن حوشبٍ حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه عن عروة عن عائشة رضي الله عنهما قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من نبيٍّ يمرض إلّا خيّر بين الدّنيا والآخرة وكان في شكواه الّذي قبض فيه أخذته بحّةٌ شديدةٌ فسمعته يقول: {مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبييّن والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين} (النّساء: 69) فعلمت أنّه خيّر.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وإبراهيم بن سعد يروي عن أبيه سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف عن عروة بن الزبير، ومر الحديث في: باب مرض النّبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، فإنّه أخرجه هناك عن محمّد بن بشار عن غندر عن شعبة عن سعد عن عروة عن عائشة إلى آخره.
قوله: (بحة) بضم الباء الموحدة وتشديد الحاء المهملة، وهي غلظ في الصّوت وخشونة في الحلق. قوله: (خير) على صيغة المجهول. أي: خبر بين الدّنيا والآخرة فاختار الآخرة صلى الله عليه وسلم). [عمدة القاري: 18/177-178]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين}
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({فأولئك}) أي من أطاع الله والرسول ({مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين}) [النساء: 69] في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وليس المراد كون الكل في درجة واحدة لأن ذلك يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول وهو غير جائز، والأظهر أن قوله: من النبيين بيان للذين أنعم الله عليهم، وجوّز تعلق من النبيين بيطع أي: {ومن يطع الله والرسول} من النبيين ومن بعدهم ويكون قوله: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} إشارة إلى الملأ الأعلى ثم قال: {وحسن أولئك رفيقًا}.
ويبين ذلك قوله عليه الصلاة والسلام عند الموت "اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى" قاله الراغب، وتعقبه أبو حيان فأفسده معنى وصناعة، أما المعنى فلأن الرسول هنا هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقد أخبر تعالى أنه من يطع الله ورسوله فهو مع من ذكر ولو جعل من النبيين متعلقًا بيطع لكان من النبيين تفسيرًا لمن الشرطية، فيلزم أن يكون في زمانه عليه الصلاة والسلام أو بعده أنبياء يطيعونه وهذا غير ممكن لقوله تعالى: {وخاتم النبيين} ولقوله عليه الصلاة والسلام "لا نبي بعدي".
وأما الصناعة؛ فلأن ما قبل الفاء الواقعة جوابًا للشرط لا يعمل فيما بعدها. لو قلت إن تضرب يقم عمرو زيدًا لم يجز، وسقط قوله باب لغير أبي ذر.
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن حوشبٍ، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن أبيه عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «ما من نبيٍّ يمرض إلاّ خيّر بين الدّنيا والآخرة»، وكان في شكواه الّذي قبض فيه أخذته بحّةٌ شديدةٌ فسمعته يقول: " {مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين} [النساء: 69] " فعلمت أنّه خيّر.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة الطائفي نزيل الكوفة قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ولأبي ذر عن إبراهيم بن سعد (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم) ولأبوي ذر والوقت النبي (صلّى اللّه عليه وسلّم يقول): (ما من نبي يمرض) بفتح التحتية والراء بينهما ميم ساكنة (إلا خير بين) المقام في (الدنيا و) الرحلة إلى (الآخرة) (وكان في شكواه الذي قبض فيه) ولأبي ذر عن الكشميهني. التي قبض فيها (أخذته بحة شديدة) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة غلظ صوت وخشونة حلق فسمعته يقول: ({مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه) صلّى اللّه عليه وسلّم (خير) بضم الخاء المعجمة أي بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وهذا معنى قوله في الحديث الآخر: (اللهم الرفيق الأعلى) ثلاثًا.
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محزون فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: "يا فلان ما لي أراك محزونًا"؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. قال: "وما هو"؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح وننظر إلى وجهك ونجالسك غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك فلم يرد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيئًا فأتاه جبريل بهذه الآية {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا} قال: فبعث إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فبشره. رواه ابن جرير من حديث سعيد بن جبريل مرسلًا.
ورواه الطبراني عن عائشة مرفوعًا بلفظ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك وإذا ذكرت موتك عرفت أنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة خشيت أني لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بهذه الآية. وقد سمى الواحدي وغيره الرجل ثوبان. وقد ثبت في غير ما حديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "المرء مع من أحب"). [إرشاد الساري: 7/87-88]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين}
- أخبرنا محمّد بن عبد الله بن المبارك، حدّثنا وكيعٌ، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أسمع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يموت حتّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، فأخذته بحّةٌ في مرضه الّذي مات فيه، فسمعته يقول: {مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا} [النساء: 69] فظننت أنّه خيّر "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/68]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (ثمّ ذكر جلّ ثناؤه ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله عليه الصّلاة والسّلام من الكرامة الدّائمة لديه والمنازل الرّفيعة عنده. فقال: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين} الآية). [جامع البيان: 7/210]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا ذلك الفضل من اللّه وكفى باللّه عليمًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يطع اللّه والرّسول بالتّسليم لأمرهما، وإخلاص الرّضا بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار عمّا نهيا عنه من معصية اللّه، فهو مع الّذين أنعم اللّه عليهم بهدايته والتّوفيق لطاعته في الدّنيا من أنبيائه وفي الآخرة إذا دخل الجنّة. {والصّدّيقين} وهم جمع صدّيقٍ.
واختلف في معنى الصّدّيقين، فقال بعضهم: الصّدّيقون: تبّاع الأنبياء الّذين صدقوهم واتّبعوا منهاجهم بعدهم حتّى لحقوا بهم. فكأنّ الصّدّيق فعيلٌ على مذهب قائلي هذه المقالة من الصّدق، كما يقال رجلٌ سكّيرٌ من السّكر، إذا كان مدمنًا على ذلك، وشرّيبٌ وخمّيرٌ.
وقال آخرون: بل هو فعيلٌ من الصّدقة. وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنحو تأويل من قال ذلك خبر؛ وهو ما:
- حدّثنا به، سفيان بن وكيعٍ قال: حدّثنا خالد بن مخلدٍ، عن موسى بن يعقوب، قال: أخبرتني عمّتي، قريبة بنت عبد اللّه بن وهب بن زمعة، عن أمّها، كريمة بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزّبير، وكانت تحت المقداد عن المقداد، قال: قلت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: شيءٌ سمعته منك شككت فيه. قال: إذا شكّ أحدكم في الأمر فليسألني عنه قال: قلت: قولك في أزواجك: إنّي لأرجو لهنّ من بعدي الصّدّيقين؟ قال: من تعنون الصّدّيقين؟ قلت: أولادنا الّذين يهلكون صغارًا. قال: لا، ولكنّ الصّدّيقين هم المصدّقون.
وهذا خبرٌ لو كان إسناده صحيحًا لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولكن في إسناده بعض ما فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالّذي هو أولى بالصّدّيق أن يكون معناه المصدّق قوله بفعله، إذ كان الفعيل في كلام العرب إنّما يأتي إذا كان مأخوذًا من الفعل بمعنى المبالغة، إمّا في المدح وإمّا في الذّمّ، ومنه قوله جلّ ثناؤه في صفة مريم: {وأمّه صدّيقةٌ} وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا، كان داخلا من كان موصوفًا بما قلنا في صفة المتصدّقين والمصّدّقين؛ {والشّهداء} وهم جمع شهيدٍ: وهو المقتول في سبيل اللّه، سمّي بذلك لقيامه بشهادة الحقّ في جنب اللّه حتّى قتل. {والصّالحين} وهم جمع صالحٍ: وهو كلّ من صلحت سريرته وعلانيته.
وأمّا قوله جلّ ثناؤه: {وحسن أولئك رفيقًا} فإنّه يعني: وحسن هؤلاء الّذين نعتهم ووصفهم رفقاء في الجنّة. والرّفيق في لفظ الواحد بمعنى الجميع، كما قال الشّاعر:
دعون الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا = بأسهم أعداءٍ وهنّ صديق
بمعنى: وهنّ صدائق.
وأمّا نصب الرّفيق، فإنّ أهل العربيّة مختلفون فيه، فكان بعض نحويّي البصرة يرى أنّه منصوبٌ على الحال، ويقول: هو كقول القائل: كرم زيدٌ رجلاً، ويعدل به عن معنى: نعم الرّجل، ويقول: إنّ نعم لا تقع إلى على اسمٍ فيه ألفٌ ولامٌ أو على نكرةٍ. وكان بعض نحويّي الكوفة يرى أنّه منصوبٌ على التّفسير وينكر أن يكون حالاً، ويستشهد على ذلك بأنّ العرب تقول: كرم زيدٌ من رجلٍ، وحسن أولئك من رفقاء؛ وأنّ دخول من دلالةٌ على أنّ الرّفيق مفسّرةٌ. قال: وقد حكي عن العرب: نعمتم رجالا، فدلّ على أنّ ذلك نظير قوله: وحسنتم رفقاء. وهذا القول أولى بالصّواب للعلّة الّتي ذكرنا لقائليه. وقد ذكر أنّ هذه الآية نزلت لأنّ قومًا حزنوا على فقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حذرًا أن لا يروه في الآخرة.
ذكر الرّواية بذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ من الأنصار إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محزونٌ، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا فلان مالي أراك محزونًا؟ قال: يا نبيّ اللّه شيءٌ فكّرت فيه. فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النّبيّين فلا نصل إليك. فلم يردّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شيئًا. فأتاه جبريل عليه السّلام بهذه الآية: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا} قال: فبعث إليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فبشّره.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضّحى، عن مسروقٍ، قال: قال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا رسول اللّه ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدّنيا، فإنّك لو قد متّ رفعت فوقنا فلم نرك. فأنزل اللّه: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا}الآية.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين} ذكر لنا أنّ رجالاً قالوا: هذا نبيّ اللّه نراه في الدّنيا، فأمّا في الآخرة فيرفع بفضله نراه. فأنزل اللّه: {ومن يطع اللّه والرّسول} إلى قوله: {رفيقًا}.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم} الآية قال: قال ناسٌ من الأنصار: يا رسول اللّه، إذا أدخلك اللّه الجنّة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل اللّه: {ومن يطع اللّه والرّسول}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ومن يطع اللّه والرّسول} الآية، قال: إنّ أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: قد علمنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم له فضلٌ على من آمن به في درجات الجنّة ممّن اتّبعه وصدّقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنّة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل اللّه في ذلك فقال: إنّ الأعلين ينحدرون إلى من هم أسفل منهم فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم اللّه عليهم، ويثنون عليه، وينزّل لهم أهل الدّرجات، فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضةٍ يحبرون ويتنعّمون فيه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، قال: " جاء رجلٌ من الأنصار إلى النّبيّ عليه السّلام، وهو يبكي، فقال: ما يبكيك يا فلان؟ قال: يا نبيّ اللّه، والّذي لا إله إلا هو لأنت أحبّ إليّ من أهلي ومالي، واللّه الّذي لا إله إلا هو لأنت أحبّ إليّ من نفسي وأبي، نذكرك أنا وأهلي فيأخذني الجنون حتّى أتألّم، فذكرت موتك وموتي، فعرفت أنّي لن أجامعك إلا في الدّنيا، وأنّك ترفع مع الشّرف، وعرفت أنّي إن أدخلت الجنّة كنت في منزلٍ أدنى من منزلك، فلم يردّ النّبيّ عليه السّلام شيئًا، فأنزل اللّه جلّ ثناؤه: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا} الآية.
وأمّا قوله: {ذلك الفضل من اللّه} فإنّه يقول: كون من أطاع اللّه والرّسول مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين {الفضل من اللّه} يقول ذلك عطاء اللّه إيّاهم وفضله عليهم، لا. باستيجابهم ذلك لسابقةٍ سبقت لهم.
فإن قال قائلٌ: أو ليس بالطّاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟ قيل له: إنّهم لم يطيعوه في الدّنيا إلا بفضله الّذي تفضّل به عليهم فهداهم به لطاعته، فكلّ ذلك فضلٌ منه تعالى ذكره.
وقوله: {وكفى باللّه عليمًا} يقول: وحسب العباد باللّه الّذي خلقهم عليمًا بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصي، فإنّه لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك ولكنّه يحصيه عليهم ويحفظه حتّى يجازي جميعهم، جزاء المحسن منهم بالإحسان، والمسيء منهم بالإساءة، ويعفو عمّن شاء من أهل التّوحيد). [جامع البيان: 7/210-217]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا (69)
قوله تعالى: ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو عامر بن برّادٍ، ثنا أبو داود الحفريّ عن يعقوب القمّيّ، عن جعفر بن أبي المغيرة قوله: أولئك الّذين أنعم اللّه عليهم قال:
الأنبياء.
قوله تعالى: من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً
- حدّثنا محمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، ثنا وكيعٌ عن سفيان، عن سعيد بن إبراهيم عن عروة بن الزّبير، عن عائشة قالت: كنت أسمع أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: لا يموت حتّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، قالت: وأصابته بحّةٌ في مرضه الّذي مات فيه، فسمعته يقول: مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً فظننت أنّه خيّر.
- حدّثنا أبي ثنا يحيى بن المغيرة، أنبأ جريرٌ عن منصورٍ عن أبي الضّحى عن مسروقٍ في قوله: فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين قال: قال أصحاب محمّدٍ: يا رسول اللّه، ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنّك لو قدمت لرفعت فوقنا ولم نرك قال: فأنزل اللّه عزّ وجلّ: ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً.
- حدّثنا محمّد بن حمّادٍ الطّهرانيّ، أنبأ حفص بن عمر، أنبأ الحكم عن عكرمة قال: أتى فتًى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا نبيّ اللّه: إنّ لنا منك نظرةً في الدّنيا، ويوم القيامة لا نراك، لأنّك في الجنّة في الدّرجات العلى، فأنزل عزّ وجلّ فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنت معي في الجنّة إن شاء اللّه.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يونس يعني ابن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهبٍ قال:
سمعت مالكاً يقول: قال: سمعت ذلك الرّجل يعني عبد اللّه بن يزيد بن هرمز وهو يصف المدينة وفضلها يبعث منها أشراف هذه الأمّة يوم القيامة، وحولها الشّهداء أهل بدرٍ وأحدٍ والخندق، ثمّ تلا مالكٌ هذه الآية فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا والآية الّتي بعدها). [تفسير القرآن العظيم: 3/997-998]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ذلك الفضل من اللّه وكفى باللّه عليمًا (70)
قوله تعالى: ذلك الفضل من اللّه وكفى باللّه عليماً
- حدّثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه عليماً يعني عالماً بها). [تفسير القرآن العظيم: 3/998]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {ومن يطع اللّه والرّسول} [النساء: 69].
- عن ابن عبّاسٍ - رضي اللّه عنهما - «أنّ رجلًا أتى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: يا رسول اللّه، إنّي لأحبّك حتّى إنّي لأذكرك، فلولا أنّي أجيء فأنظر إليك ظننت أنّ نفسي تخرج، فأذكر أنّي إن دخلت الجنّة صرت دونك في المنزلة، فيشقّ ذلك عليّ، وأحبّ أن أكون معك في الدّرجة. فلم يردّ عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - شيئًا، فأنزل اللّه - عزّ وجلّ -: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين} [النساء: 69]- الآية. فدعاه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فتلاها عليه».
رواه الطّبرانيّ، وفيه عطاء بن السّائب، وقد اختلط
- وعن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت: «جاء رجلٌ إلى النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال: يا رسول اللّه، إنّك لأحبّ إليّ من نفسي [وإنّك لأحبّ إليّ من أهلي ومالي]، وإنّك لأحبّ إليّ من ولدي، وإنّي لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتّى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنّك إذا دخلت الجنّة رفعت مع النّبيّين، وأنّي إذا دخلت الجنّة خشيت أن لا أراك. فلم يردّ عليه النّبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - شيئًا حتّى نزل جبريل - عليه السّلام - بهذه الآية {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين} [النساء: 69]».
رواه الطّبرانيّ في الصّغير والأوسط، ورجاله رجال الصّحيح غير عبد اللّه بن عمران العابديّ، وهو ثقةٌ). [مجمع الزوائد: 7/6-7]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج الطبراني، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت انك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} الآية.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس أن رجلا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحبك حتى أذكرك فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج وأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة فيشق علي وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يرد عليه شيئا فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول} الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليه.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن الشعبي أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت، وبكى الأنصاري فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبكاك فقال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يخبره النّبيّ صلى الله عليه وسلم بشيء فأنزل الله على رسوله {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} إلى قوله {عليما} فقال: أبشر يا أبا فلان.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو محزون فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: يا فلان ما لي أراك محزونا قال: يا نبي الله شيء فكرت فيه فقال: ما هو قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النّبيّ صلى الله عليه وسلم شيئا فأتاه جبريل بهذه الآية {ومن يطع الله والرسول} إلى قوله {رفيقا} قال: فبعث إليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبشره.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قدمت رفعت فوقنا فلم نرك، فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول} الآية.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله: إن لنا فيك نظرة في الدنيا ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله {ومن يطع الله} الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت معي في الجنة إن شاء الله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا فأما في الآخرة فيرفع بفضله فلا نراه، فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول} إلى قوله {رفيقا}.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع فأنزل الله {ومن يطع الله والرسول} الآية.
وأخرج ابن جرير عن الربيع أن أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن تبعه وصدقه فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا فأنزل الله هذه الآية في ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي: سل، فقلت: يا رسول الله أسالك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود.
وأخرج أحمد عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله.
وأخرج البخاري ومسلم، وابن ماجه عن عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خير.
وأخرج ابن جرير عن المقداد قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم قلت في أزواجك: إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين، قال: من تعنون الصديقين قلت: أولادنا الذين هلكوا صغارا، قال: لا ولكن الصديقين هم المصدقون). [الدر المنثور: 4/527-532]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 09:17 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,830
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)}

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ولو أنّا كتبنا عليهم} معناه: قضينا عليهم.

{ما فعلوه إلا قليلٌ منهم}

{ما فعلوه}: استثناء قليل من كثير، فكأنه قال: ما فعلوه، فاستثنى الكلام، ثم قال: إلا أنه يفعل قليل منهم.
ومنهم من زعم: أن {ما فعلوه} في موضع: ما فعله إلاّ قليل منهم، وقال عمرو بن معدي كرب:
وكل أخٍ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
فشبّه رفع هذا برفع الأول، وقال بعضهم: لا يشبهه لأن الفعل منهما جميعاً.
{ما يوعظون به}: ما يؤمرون به.
{وأشدّ تثبيتاً}: من الإثبات، منها: اللّهم ثبّتنا على ملّة رسولك). [مجاز القرآن: 1/131]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({ولو أنّا كتبنا عليهم} أي: فرضنا عليهم وأوجبنا).
[تفسير غريب القرآن: 130]

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ:
{ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلّا قليل منهم ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشدّ تثبيتا}
" لو " يمنع بها الشيء لامتناع غيره. تقول لو جاءني زيد لجئته.

المعنى: أن مجيئي امتنع لامتناع مجيء زيد، فحقها أن يلها الأفعال.
إلا أن (أنّ) المشددة تقع بعدها، لأن - " أنّ " في اللغة تنوب عن الاسم والخبر، تقول ظننت أنك عالم.
وهذا كقولك ظننتك عالما. والمعنى ظننت علمك.
فالمعنى في " أنّ " بعد " لو " أنها نابت عن الفعل والاسم، كما نابت عن الاسم والخبر.
فالمعنى في قوله: {ولو أنّا كتبنا عليهم} كالمعنى في لو كتبنا عليهم.
وجائز أن يكون مضمرا الفعل مع (أنّ) مع وقوع قابلها.
المعنى ولو وقع وكتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم.
وإن شئت: كسرتها لالتقاء السّاكنين أعني..
{أن اقتلوا أنفسكم}
وإن شئت قلت" " أن اقتلوا " فضممتها لانضمام التاء..
وأبو عمرو بن العلاء يختار مع النونات خاصة الكسر ومع سائر ما في القرآن - إذا كان ما بعدها مضموما - الضّم، إلا قوله:
{وقالت اخرج عليهنّ}، {ولقد استهزئ برسل من قبلك}
ولست أعرف في هذين الحرفين خاصية أبي عمرو إياهما بالكسر إلا أن يكون:

روى رواية فاختار الكسر لهذه العلة.
أو يكون أراد أن الكسر جاز أيضا كما جاز الضم - وهذا أجود التأويلين.
وللكسر والضم
في هذه الحروف وجهان جيدان قد قرأت القراء بهما:
1- فأمّا رفع إلا قليل. منهم. فعلى البدل من الواو، المعنى: ما فعله إلا قليل منهم.

2- والنصب جائز في غير القرآن، على معنى: ما فعلوه استثني قليلا منهم.
وعلى ما فسّرنا في نصب الاستثناء، فإن كان في النفي نوعان مختلفان
فالاختيار النصب، والبدل جائز، تقول ما بالدار أحد إلا حمارا
قال النابغة الذبياني:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها... عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
إلاّ الأواريّ لأيا ما أبيّنها... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
فقال ما بالربع من أحد، أي ما بالربع أحد إلّا أواري، لأن الأواري ليست من الناس.
وقد يجوز الرفع على البدل، وإن كان ليس من جنس الأول كما قال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس
فجعل اليعافير والعيس بدلا من الأنيس.
وجائز أن يكون: أنيس ذلك البلد اليعافير والعس). [معاني القرآن: 2/71-73]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)}

تفسير قوله تعالى: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)}

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {وحسن أولئك رفيقاً} أي: رفقاء، والعرب تلفظ بلفظ الواحد والمعنى يقع على الجميع، قال العباس بن مرداسٍ:

فقلنا أسلموا إنّا أخوكم... فقد برئت من الإحن الصدورٌ
وفي القرآن: {يخرجكم طفلاً} والمعنى: أطفالا).
[مجاز القرآن: 1/131]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): (
{ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم مّن النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً}
قال:
{وحسن أولئك رفيقاً} فليس هذا على "نعم الرّجل" لأن "نعم" لا تقع إلا على اسم فيه الألف واللام أو نكرة، ولكن هذا على مثل قولك: "كرم زيدٌ رجلاً" تنصبه على الحال.

و"الرفيق" واحد في معنى جماعة مثل "هم لي صديقٌ"). [معاني القرآن: 1/206]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({وحسن أولئك رفيقا}: رفقاء). [غريب القرآن وتفسيره: 121]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (ومنه واحد يراد به جميع:
كقوله:
{هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ}، وقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقوله: {نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا}
وقوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}والتفريق لا يكون إلا بين اثنين فصاعدا.

وقوله:
{فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}
والعرب تقول: فلان كثير الدرهم والدينار، يريدون الدراهم والدنانير.
وقال الشاعر:
هم المولى وإن جنفوا علينا = وإنّا من لقائهم لزور
وقال الله عز وجل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ}، أي: الأعداء، {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، أي: رفقاء.

وقال الشاعر:
فقلنا: أسلموا إنّا أخوكم = وقد برئت من الإحن الصّدور). [تأويل مشكل القرآن:284-285] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (
{ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيق}
وقوله:
{وحسن أولئك رفيقا}يعنى: النبيين، لأنه قال: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك} أي: المطيعون.
{مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا} أي: الأنبياء ومن معهم حسنوا رفيقا.
و" رفيقا " منصوب على التمييز، ينوب عن رفقاء، وقال بعضهم لا ينوب الواحد عن الجماعة إلا أن يكون من أسماء الفاعلين، فلو كان " حسن القوم رجلا " لم يجز عنده، ولا فرق بين رفيق ورجل في هذا المعنى لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو قولك هو أحسن فتى وأجمله، المعنى هو أحسن الفتيان وأجملهم، وإذا كان الموضع الذي لا يلبس ذكر الواحد فيه، فهو ينبئ عن الجماعة كقول الشاعر:

بها جيف الحسرى فأمّا عظامها... فبيض وأمّا جلدها فصليب
وقال الآخر:
في حلقكم عظم وقد شجينا
يريد: في حلوقكم عظام، ولو قلت حسن القوم مجاهدا في سبيل اللّه.

وحسن القوم رجلا كان واحدا
وقوله: {وكفى باللّه عليما}
معناه: كفى اللّه عليما، والباء مؤكدة، المعنى: اكتفوا باللّه عليما). [معاني القرآن: 2/73-74]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} يروى أن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أنت معنا في الدنيا وترفع يوم القيامة لفضلك، فأنزل الله عز وجل: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} فعرفهم أن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون ليذكروا ما أنعم الله عليهم به).
[معاني القرآن: 2/130]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)}


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26 ربيع الثاني 1434هـ/8-03-2013م, 01:07 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 3,830
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (هذا باب المستثنى من المنفي
تقول: ما جاءني أحد إلا زيد، وإلا زيداً. أما النصب فعلى ما فسرت لك، وأما الرفع فهو الوجه لما أذكره لك إن شاء الله.
تقول: ما جاءني أحد إلا زيد. فتجعل زيد بدلاً من أحد، فيصير التقدير ما جاءني إلا زيد؛ لأن البدل يحل محل البدل منه.
ألا ترى أن قولك: مررت بأخيك زيد إنما هو بمنزلة قولك: مررت بزيد؛ لأنك لما رفعت الأخ قام زيد مقامه. فعلى هذا قلت: ما جاءني أحد إلا زيد.
فإن قال قائل: فما بال زيد موجباً، وأحد كان منفياً، ألا حل محله? قيل: قد حل محله في العامل، وإلا لها معناها.
ولو قلت: جاءني إخوتك إلا زيداً لم يجز إلا النصب؛ لأنك لو حذفت الإخوة بطل الكلام، وذلك أنه كان يكون: جاءني إلا زيد. فلا يقع الاستثناء على شيء، فمن ثم بطل لفظ إلا من النصب لفساد البدل.
فمن ذلك قول الله عز وجل: {ما فعلوه إلا قليل منهم} لأنك لو قدرته على حذف الضمير، وهو الواو في فعلوه لكان: ما فعله إلا قليل منهم.
وقال في الإيجاب: {فشربوا منه إلا قليلاً منهم} وقال: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس}. وأما قوله عز وجل: {ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} وامرأتك فالوجهان جائزان جيدان.
فمن قال: إلا امرأتك فهو مستثنى من يلتفت، وكأنه قال: ولا يلتفت إلا امرأتك. ويجوز هذا النصب على غير هذا الوجه، وليس بالجيد، على ما أعطيتك في أول الباب. جودة النصب على قوله: {فأسر بأهلك} إلا امرأتك. فلا يجوز إلا النصب على هذا القول لفساد البدل لو قيل: أسر إلا بامرأتك لم يجز. فإنما باب الاستثناء إذا استغنى الفعل بفاعله، أو الابتداء بخبره النصب، إلا أن يصلح البدل، فيكون أجود، والنصب على حاله في الجواز. وإنما كان البدل أجود؛ لأنه في اللفظ والمعنى، والنصب بالاستثناء إنما هو للمعنى لا للفظ). [المقتضب: 4/394-396]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وحدثني أبو عثمان بكر بن محمد المازني عن أبي عبيدة قال: لما أتى زياد ابن عمرو المربد، في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي، جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس وهم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة وكان زياد بن عمرو العتكي في القلب، فبلغ ذلك الأحنف، فقال: هذا غلام حدثٌ، شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه! فندب أصحابه، فجاءه حارثة بن بدرٍ الغداني، وقد اجتمعت بنو تميم، فلما طلع قال: قوموا إلى سيدكم، ثم أجلسه فناظره، فجعلوا سعدًا والرباب في القلب، ورئيسهم عبس بن طلقٍ الطعان، المعروف بأخي كهمس، وهو أحد بني صريم بن يربوع، فجعل في القلب بحذاء الأزد، وجعل حارثة بن بدرٍ في حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعلت عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فذاك يقول حارثة بن بدرٍ للأحنف:

سيكفيك عبس ابن كهمس = مقارعة الأزد بالمربد
وتكفيك عمرو على رسلها = لكيز بن أفصى وما عددوا
وتكفيك بكرًا إذا أقبلت = بضرب يشيب له الأمرد
فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة، وأنتم جيراننا في الدار، ويدنا على العدو، وأنتم بدأتمونا بالأمس، ووطئتم حريمنا، وحرقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشر ما أصابنا في الخير مسلكًا، فتيمموا بنا طريقة قاصدة.
فوجه إليه زياد بن عمرو: تخير خلة من ثلاثٍ إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخل لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم وإلا فدوا قتلانا، واهدروا دماءكم، وليود مسعودٌ دية المعشرة.
قال أبو العباس، وتأويل قوله: دية المشعرة" يريد أمر الملوك في الجاهلية، وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات.
فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم. فهز القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالاً ليس فيها خيارٌ أما النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم يقطر دمًا? وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ}، ولكن الثالثة إنما هي حملٌ على المال، فنحن نبطل دماءنا، وندي قتلاكم، وإنما مسعودٌ رجل من المسلمين، وقد أذهب الله أمر الجاهلية). [الكامل: 1/182-184]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: ولم يك إلا غالبًا ميتٌ يقري، فإنه نصب غالبًا لأنه استثناء مقدم، وإنما انتصب الاستثناء المقدم لما أذكره لك، إن حق الاستثناء إذا كان الفعل مشغولاً به أن يكون جاريًا عليه، لا يكون فيه إلا هذا، تقول: ما جاءني إلا عبد الله، وما مررت إلا بعبد الله. فإن كان الفعل مشغولاً بغيره فكان موجباُ، لم يكن في المستثنى إلا النصب، نحو جاءني إخوتك غلا زيدًا، كما قال تعالى: " فشربوا منه إلا قليلاً منهم " [البقرة: 249]، ونصب هذا على معنى الفعل، وإلا دليلٌ على ذلك. فإذا قلت: جاءني القوم، لم يؤمن أن يقع عند السامع أن زيدًا أحدهم، فإذا قال:إلا زيدًا، فالمعنى لا أعني فيهم زيدًا، أو أستثني ممن ذكرت زيدًا.
ولسيبويه فيه تمثيل، والذي ذكرت أبين منه، وهو مترجم عما قال، غير مناقض له. وإن كان الأول منفيًا جاز البدل والنصب، والبدل أحسن، لأن الفعل الظاهر أولى بأن يعمل من المختزل الموجود بدليل، وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، والفصل بين المنفي والموجب، أن المبدل من الشيء يفرّغ له الفعل، فأنت في المنفي إذا قلت: ما جاءني إلا زيدٌ، لأنه بدل من أحد، والموجب لا يكون فيه البدل، لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيدًا، لم يجز حذف الأول، لا نقول: جاءني إلا زيد، وإن شئت إن تقول في النفي: ما جاءني أحد إلا زيد جاز، ونصبه بالاستثناء الذي شرحت لك في الواجب. والقراءة الجيدة {ما فعلوه إلا قليلٌ منهم} [النساء: 66]، وقد قرئ {إلا قليلاً منهم}، على ما شرحت لك في الواجب، والقراءة الأولى. فإذا قدّمت المستثنى بطل البدل، لأنه ليس قبله شيء يبدل منه، فلم يكن فيه إلا وجه الاستثناء، فتقول: ما جاءني إلا أباك أحدٌ، وما مررت إلا أباك بأحدٍ. وكذلك تنشد هذه الأشعار، قال كعب بن مالك الأنصاري لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
الناس ألبٌ علينا فيك ليس لنا = إلا السّيوف وأطراف القنا وزر
وقال الكميت بن زيد:
فمالي إلا آل أحمد شيعةٌ = ومالي إلا مشعب الحق مشعب
لا يكون إلا هذا، وليونس قول مرغوب عنه، فلذلك لم نذكره). [الكامل: 2/613-614]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) }

تفسير قوله تعالى: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) }

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) }

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 03:54 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 03:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 03:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 03:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وكتبنا معناه فرضنا، واقتلوا أنفسكم معناه ليقتل بعضكم بعضا، وقد تقدم نظيره في البقرة، وضم النون من أن وكسرها جائز، وكذلك الواو من أو اخرجوا وبضمها قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير والكسائي، وبكسرها قرأ حمزة وعاصم، وكسر أبو عمرو النون وضم الواو، وقليلٌ رفع على البدل من الضمير في فعلوه، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب «إلا قليلا»، وذلك جائز أجرى النفي مجرى الإيجاب.
وسبب الآية على ما حكي: أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي عليه السلام: ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبة، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفا فقال ثابت بن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت وغيره، وكذلك روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثابت بن قيس وعمار وابن مسعود من القليل. وشركهم في ضمير منهم لما كان المنافقون والمؤمنون مشتركين في دعوة الإسلام وظواهر الشريعة، وقال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت ولو أنّا كتبنا عليهم الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، وذكر مكي أن الرجل هو أبو بكر الصديق، وذكر النقاش: أنه عمر بن الخطاب، وذكر عن أبي بكر أنه قال: لو كتب علينا لبدأت بنفسي وبأهل بيتي.
وقوله تعالى: ولو أنّهم فعلوا أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيرا لهم، وتثبيتاً معناه: يقينا وتصديقا ونحو هذا، أي يثبتهم الله). [المحرر الوجيز: 2/596-597]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر، ووصفه إياه بالعظم مقتض ما لا يحصله بشر من النعيم المقيم). [المحرر الوجيز: 2/597]

تفسير قوله تعالى: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (و «الصراط المستقيم»: الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر). [المحرر الوجيز: 2/597]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً (69) ذلك الفضل من اللّه وكفى باللّه عليماً (70)
لما ذكر الله الأمر الذي لو فعلوه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله، وهذه الآية تفسير قوله تعالى: اهدنا الصّراط المستقيم صراط الّذين أنعمت عليهم [الفاتحة: 5]، وقالت طائفة إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذان، يا رسول الله إذا مت ومتنا كنت في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه الآية، وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي عليه السلام، قال اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي، وذكر أن جماعة من الأنصار قالت ذلك أو نحوه، حكاه الطبري عن ابن جبير وقتادة والسدي.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ومعنى- أنهم معهم- أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء، و «الصدّيق» فعيل من الصدق، وقيل من الصدقة. وروي عن النبي عليه السلام، الصديقون المتصدقون، والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذين فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم. وسموا بذلك لأن الله شهد لهم بالجنة، وقيل لأنهم شهدوا لله بالحق في موتهم ابتغاء مرضاته، ولكن لفظ، الشّهداء في هذه الآية يعم أنواع الشهداء، ورفيقاً موحد في معنى الجمع، كما قال: ثمّ يخرجكم طفلًا [الحج: 5] ونصبه على التمييز، وقيل على الحال، والأول أصوب، وقرأ أبو السمال، «وحسن» بسكون السين، وذلك مثل شجر بينهم). [المحرر الوجيز: 2/597-599]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: ذلك الفضل من اللّه رد على تقدير معترض يقول، وما الذي يوجب استواء أهل الطاعة والنبيين في الآخرة، والفرق بينهم في الدنيا بيّن؟ فذكر الله أن ذلك بفضله لا بوجوب عليه، والإشارة ب ذلك إلى كون المطيعين مع المنعم عليهم، وأيضا فلا نقرر الاستواء، بل هم معهم في دار والمنازل متباينة، ثم قال وكفى باللّه عليماً وفيها معنى أن يقول، فسلموا فعل الله وتفضله من الاعتراض عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك أدخلت الباء على اسم الله، لتدل على الأمر الذي في قوله: وكفى). [المحرر الوجيز: 2/599]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 03:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15 جمادى الآخرة 1435هـ/15-04-2014م, 03:55 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا (66) وإذًا لآتيناهم من لدنّا أجرًا عظيمًا (67) ولهديناهم صراطًا مستقيمًا (68) ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا (69) ذلك الفضل من اللّه وكفى باللّه عليمًا (70)}
يخبر تعالى عن أكثر النّاس أنّهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه؛ لأنّ طباعهم الرّديئة مجبولةٌ على مخالفة الأمر، وهذا من علمه -تبارك وتعالى-بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم}
قال ابن جريرٍ: حدّثني المثنّى، حدّثني إسحاق، حدّثنا أبو زهيرٍ عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السّبيعيّ، قال: لمّا نزلت: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلّا قليلٌ [منهم]} الآية، قال رجلٌ: لو أمرنا لفعلنا، والحمد للّه الّذي عافانا. فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "إنّ من أمّتي لرجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي".
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا جعفر بن منيرٍ، حدّثنا روحٌ، حدثنا هشام، عن الحسن قال: لمّا نزلت هذه الآية: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الآية. قال أناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لو فعل ربّنا لفعلنا، فبلغ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرّواسي".
وقال السّدّيّ: افتخر ثابت بن قيس بن شمّاس ورجلٌ من اليهود، فقال اليهوديّ: واللّه لقد كتب اللّه علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابتٌ: واللّه لو كتب علينا: {أن اقتلوا أنفسكم} لقتلنا. فأنزل اللّه هذه الآية. رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا بشر بن السّري، حدّثنا مصعب بن ثابتٍ، عن عمّه عامر بن عبد اللّه بن الزّبير، قال: لمّا نزلت [ {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} قال أبو بكرٍ: يا رسول اللّه، واللّه لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، قال: "صدقت يا أبا بكرٍ".
حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن أبي عمر العدنيّ قال: سئل سفيان عن قوله] {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم} قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لو نزلت لكان ابن أمّ عبدٍ منهم".
وحدّثنا أبي، حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا إسماعيل بن عيّاشٍ، عن صفوان بن عمرٍو، عن شريح بن عبيد قال: لمّا تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية: {ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم [أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم]} الآية، أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده إلى عبد اللّه بن رواحة، فقال: "لو أنّ اللّه كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل" يعني: ابن رواحة.
ولهذا قال تعالى: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به} أي: ولو أنّهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه {لكان خيرًا لهم} أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النّهي {وأشدّ تثبيتًا} قال السّدّيّ: أي: وأشدّ تصديقًا). [تفسير القرآن العظيم: 2/352-353]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وإذًا لآتيناهم من لدنّا} أي: من عندنا، {أجرًا عظيمًا} يعني: الجنّة). [تفسير القرآن العظيم: 2/353]

تفسير قوله تعالى: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {ولهديناهم صراطًا مّستقيمًا} أي في الدّنيا والآخرة). [تفسير القرآن العظيم: 2/353]

تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا} أي: من عمل بما أمره اللّه ورسوله، وترك ما نهاه اللّه عنه ورسوله، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء ثمّ لمن بعدهم في الرّتبة، وهم الصّدّيقون، ثمّ الشّهداء، ثمّ عموم المؤمنين وهم الصّالحون الّذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم.
ثمّ أثنى عليهم تعالى فقال: {وحسن أولئك رفيقًا}
وقال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن حوشب، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "ما من نبيٍّ يمرض إلّا خيّر بين الدّنيا والآخرة" وكان في شكواه الّتي قبض فيه، فأخذته بحّة شديدةٌ فسمعته يقول: {مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين} فعلمت أنّه خيّر.
وكذا رواه مسلمٌ من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم به.
وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الآخر: "اللّهمّ في الرّفيق الأعلى" ثلاثًا ثمّ قضى، عليه أفضل الصّلاة والتّسليم.
ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة:
قال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجلٌ من الأنصار إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محزونٌ، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "يا فلان، ما لي أراك محزونًا؟ " قال: يا نبيّ اللّه شيءٌ فكّرت فيه؟ قال: "ما هو؟ " قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدًا ترفع مع النّبيّين فلا نصل إليك. فلم يردّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عليه شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية: {ومن يطع الله والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين [والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا]} فبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فبشّره.
قد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروقٍ، وعكرمة، وعامرٍ الشّعبي، وقتادة، وعن الرّبيع بن أنسٍ، وهو من أحسنها سندًا.
قال ابن جريرٍ: حدّثنا المثنّى، حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ومن يطع الله والرّسول [فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من]} الآية، قال: إنّ أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: قد علمنا أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم له فضلٌ على من آمن به في درجات الجنّة ممّن اتّبعه وصدّقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنّة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل اللّه في ذلك -يعني هذه الآية-فقال: يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم اللّه عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدّرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضةٍ يحبرون ويتنعّمون فيه".
وقد روي مرفوعًا من وجهٍ آخر، فقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا عبد الرّحيم بن محمّد بن مسلمٍ، حدّثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيدٍ، حدّثنا عبد اللّه بن عمران، حدّثنا فضيل بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه: إنّك لأحبّ إليّ من نفسي وأحبّ إليّ من أهلي، وأحبّ إليّ من ولدي، وإنّي لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتّى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنّك إذا دخلت الجنّة رفعت مع النّبيّين، وإن دخلت الجنّة خشيت ألّا أراك. فلم يردّ عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى نزلت عليه: {ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا}
وهكذا رواه الحافظ أبو عبد اللّه المقدسيّ في كتابه: "صفة الجنّة"، من طريق الطّبرانيّ، عن أحمد بن عمرو بن مسلمٍ الخلّال، عن عبد اللّه بن عمران العابديّ، به. ثمّ قال: لا أرى بإسناده بأسا والله أعلم.
وقال ابن مردويه أيضًا: حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا العبّاس بن الفضل الأسفاطيّ، حدّثنا أبو بكر بن ثابت بن عبّاسٍ المصريّ حدّثنا خالد بن عبد اللّه، عن عطاء بن السّائب، عن عامرٍ الشّعبيّ، عن ابن عبّاسٍ، أنّ رجلًا أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، إنّي لأحبّك حتّى إنّي لأذكرك في المنزّل فيشقّ ذلك عليّ وأحبّ أن أكون معك في الدّرجة. فلم يردّ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئًا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ [ {ومن يطع الله والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقًا}].
وقد رواه ابن جريرٍ، عن ابن حميد، عن جريرٍ، عن عطاءٍ، عن الشّعبيّ، مرسلًا. وثبت في صحيح مسلمٍ من حديث هقل بن زيادٍ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن ربيعة بن كعبٍ الأسلميّ أنّه قال: كنت أبيت عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل". فقلت: يا رسول اللّه، أسألك مرافقتك في الجنّة. فقال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك. قال: "فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود".
وقال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرّة الجهنيّ قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه شهدت أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول اللّه وصلّيت الخمس وأدّيت زكاة مالي وصمت شهر رمضان. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من مات على هذا كان مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء يوم القيامة هكذا -ونصب أصبعيه-ما لم يعقّ والديه" تفرّد به أحمد.
قال الإمام أحمد أيضًا: حدّثنا أبو سعيدٍ مولى أبي هاشمٍ، حدّثنا ابن لهيعة، عن زبّان بن فائدٍ، عن سهل بن معاذ بن أنسٍ، عن أبيه، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "من قرأ ألف آيةٍ في سبيل اللّه كتب يوم القيامة مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء اللّه".
وروى التّرمذيّ من طريق سفيان الثّوريّ، عن أبي حمزة، عن الحسن البصريّ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء".
ثمّ قال: هذا حديثٌ حسنٌ لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد اللّه بن جابرٍ شيخٌ بصريٌّ.
وأعظم من هذا كلّه بشارةً ما ثبت في الصّحاح والمسانيد وغيرهما، من طرقٍ متواترةٍ عن جماعةٍ من الصّحابة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الرّجل يحبّ القوم ولمّا يلحق بهم؟ فقال: "المرء مع من أحبّ" قال أنسٌ: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث.
وفي روايةٍ عن أنسٍ أنّه قال: إنّي أحبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأحبّ أبا بكرٍ وعمر، رضي الله عنهما وأرجو أن الله يبعثني اللّه معهم وإن لم أعمل كعملهم.
وقال الإمام مالك بن أنسٍ، عن صفوان بن سليمٍ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول اللّه، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى، والّذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا باللّه وصدّقوا المرسلين".
أخرجاه في الصّحيحين من حديث مالكٍ ولفظه لمسلمٍ.
وقال الإمام أحمد بن حنبلٍ: حدّثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلالٍ -يعني ابن عليٍّ-عن عطاءٍ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ أهل الجنّة ليتراءون في الجنّة كما تراءون -أو ترون-الكوكب الدّرّيّ الغارب في الأفق والطّالع في تفاضل الدّرجات". قالوا: يا رسول اللّه، أولئك النّبيّون؟ قال: "بلى، والّذي نفسي بيده، وأقوامٌ آمنوا باللّه وصدّقوا المرسلين".
قال الحافظ الضّياء المقدسيّ: هذا الحديث على شرط البخاريّ واللّه أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ في معجمه الكبير: حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، حدّثنا محمّد بن عمّارٍ الموصليّ، حدّثنا عفيف بن سالمٍ، عن أيّوب بن عتبة عن عطاءٍ، عن ابن عمر قال: أتى رجلٌ من الحبشة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسأله، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "سل واستفهم". فقال: يا رسول اللّه، فضّلتم علينا بالصّور والألوان والنّبوّة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به، وعملت مثل ما عملت به، إنّي لكائنٌ معك في الجنّة؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "نعم، والّذي نفسي بيده إنّه ليضيء بياض الأسود في الجنّة من مسيرة ألف عامٍ" قال: ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من قال: لا إله إلّا اللّه، كان له بها عهدٌ عند اللّه، ومن قال: سبحان اللّه وبحمده، كتب له بها مائة ألف حسنةٍ وأربعةٌ وعشرون ألف حسنةٍ" فقال رجلٌ: كيف نهلك بعدها يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ الرّجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبلٍ لأثقله، فتقوم النّعمة من نعم اللّه فتكاد أن تستنفد ذلك كلّه إلّا أن يتطاول اللّه برحمته" ونزلت هذه الآيات {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدّهر لم يكن شيئًا مذكورًا} إلى قوله: {نعيمًا وملكًا كبيرًا} [الإنسان: 1-20] فقال الحبشيّ: وإنّ عينيّ لتريان ما ترى عيناك في الجنّة؟ فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "نعم". فاستبكى حتّى فاضت نفسه، قال ابن عمر: لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدليه في حفرته بيديه.
فيه غرابةٌ ونكارةٌ، وسنده ضعيفٌ.
ولهذا قال تعالى: {ذلك الفضل من اللّه} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/353-357]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (قال تعالى: {ذلك الفضل من اللّه} أي: من عند اللّه برحمته، هو الّذي أهّلهم لذلك، لا بأعمالهم. {وكفى باللّه عليمًا} أي: هو عليمٌ بمن يستحقّ الهداية والتّوفيق). [تفسير القرآن العظيم: 2/357]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة