العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11 ربيع الثاني 1434هـ/21-02-2013م, 11:08 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (2) إلى الآية (4) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (2) إلى الآية (4) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3) وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 02:57 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }.
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى:{ إنه كان حوبا كبيرا }قال:( إثما). [تفسير عبد الرزاق: 1/145]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال: الحلال بالحرام.
سفيان [الثوري] عن أبي سنانٍ عن الضّحّاك: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}قال:«كان أحدهم يعطي الدّراهم الغش ويأخذ الدراهم الجيد ».
سفيان [الثوري] عن السّدّيّ قال: «كانوا يعطون الشاة المهزولة ويأخذون السمينة ». [تفسير الثوري:85 _ 86].
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قول اللّه: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال: «الحلال مع الحرام ». [تفسير الثوري: 86].
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (ويذكر عن ابن عبّاسٍ: {لا تعضلوهنّ}:«لا تقهروهنّ» ، {حوبًا}: «إثمًا»). [صحيح البخاري: 6/44] (م).
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله حوبا إثمًا وصله بن أبي حاتمٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن بن عبّاسٍ في قوله تعالى إنّه كان حوبًا قال إثمًا عظيمًا ووصله الطّبريّ من طريق مجاهدٍ والسّدّيّ والحسن وقتادة مثله والجمهور على ضمّ الحاء وعن الحسن بفتحها). [فتح الباري: 8/246].
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه ويذكر عن ابن عبّاس: « لا تعضلوهن لا تقهروهن حوبا إثمًا تعولوا تميلوا نحلة النحلة المهر ».
...
وقال أيضا ثنا أبي ثنا نصر بن علّي ثنا عبيد يعني ابن عقيل ثنا سلمة بن علقمة سمعت داود بن أبي هند يحدث عن عكرمة عن ابن عبّاس في قوله إنّه كان حوبا أي:(إثمًا). [تغليق التعليق: 4/194]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حوبا إثما).
أشار به إلى ما في قوله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أنه كان حوبا كبيرا} فسر حوبا بقوله:«إثمًا » ووصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن داود بن هند عن عكرمة عن ابن عبّاس. في قوله تعالى: {إنّه كان حوبا كبيرا} . قال: «إثمًا عظيما » وعن مجاهد والسّديّ والحسن وقتادة مثله، وقرأ الحسن بفتح الحاء والجمهور على الضّم). [عمدة القاري: 18/168]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى: {إنه كان} ({حوبًا}) [النساء: 2] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح أي (إثمًا) ). [إرشاد الساري: 7/78]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوبًا كبيرًا}.
قال أبو جعفرٍ:يعني بذلك تعالى ذكره أوصياء اليتامى، يقول لهم: وأعطوا يا معشر أوصياء اليتامى اليتامى أموالهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرّشد {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} يقول: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم.
- كما: حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه تعالى: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} قال: الحلال بالحرام.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثني سفيان، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} قال:« الحرام مكان الحلال».
قال أبو جعفرٍ:ثمّ اختلف أهل التّأويل في صفة تبديلهم الخبيث بالطّيّب الّذي نهوا عنه ومعناه، فقال بعضهم: كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيّد من مالهم والرّفيع منه، ويجعلون مكانه لليتيم الرّديء والخسيس، فذلك تبديلهم الّذي نهاهم اللّه تعالى عنه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} قال: «لا تعط زيفًا وتأخذ جيّدًا».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن السّدّيّ، وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، ومعمرٍ، عن الزّهريّ، قالوا: «يعطي مهزولاً ويأخذ سمينًا».
- وبه عن سفيان، عن رجلٍ، عن الضّحّاك، قال: «لا تعط فاسدًا وتأخذ جيّدًا ».
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} « كان أحدهم يأخذ الشّاة السّمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشّاة المهزولة، ويقول: شاةٌ بشاة، ويأخذ الدّرهم الجيّد، ويطرح مكانه الزّيف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ».
وقال آخرون: معنى ذلك:« لا تستعجل الرّزق الحرام فتأكله قبل أن يأتيك الّذي قدّر لك من الحلال ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} قال: « لا تعجل بالرّزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الّذي قدّر لك».
- وبه عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك كالّذي: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} قال: «كان أهل الجاهليّة لا يورّثون النّساء، ولا يورّثون الصّغار يأخذه الأكبر». وقرأ: {وترغبون أن تنكحوهنّ} قال: «إذا لم يكن لهن شيءٌ، {والمستضعفين من الولدان} لا تورّثونهم شاء، قال، فنصيبه من الميراث طيّبٌ، وهذا الّذي أخذه خبيثٌ».
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: تأويل ذلك: ولا تتبدّلوا أموال أيتامكم أيّها الأوصياء الحرام عليكم الخبيث لكم، فتأخذوا رفائعها وخيارها وجيادها وبالطّيّب الحلال لكم من أموالكم وتجعلوا الرّدئ الخسيس بدلاً منه، وذلك أنّ تبدّل الشّيء بالشّيء في كلام العرب أخذ شيئًا مكان آخر غيره، يعطيه المأخوذ منه، أو يجعله مكان الّذي أخذ، فإذا كان ذلك معنى التّبديل والاستبدال، فمعلومٌ أنّ الّذي قاله ابن زيدٍ من أنّ معنى ذلك: هو أخذ أكبر ولد الميّت جميع مال ميّته ووالده دون صغارهم إلى ماله، قولٌ لا معنًى له؛ لأنّه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلم يستبدل ممّا أخذ شيئًا، فما التّبدّل الّذي قال جلّ ثناؤه: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} ولم يبدّل الآخذ مكان المأخوذ بدلاً.
وأمّا الّذي قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ من أنّ معنى ذلك لا تتعجّل الرّزق الحرام قبل مجيء الحلال، فإنّهما أيضًا إن لم يكونا أرادا بذلك نحو القول الّذي روي عن ابن مسعودٍ أنّه قال: إنّ الرّجل ليحرم الرّزق بالمعصية يأتيها، ففساده نظير فساد قول ابن زيدٍ؛ لأنّ من استعجل الحرام فأكله، ثمّ آتاه اللّه رزقه الحلال فاكله فلم يبدّل شيئًا مكان شيءٍ، وإن كانا أرادا بذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه نهى عباده أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلهم ذلك سببًا لحرمان الطّيّب منه، فذلك وجهٌ معروفٌ، ومذهبٌ معقولٌ يحتمله التّأويل، غير أنّ اشبه من في ذلك بتأويل الآية ما قلنا؛ لأنّ ذلك هو الأظهر من معانيه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما ذكر ذلك في قصّة أموال اليتامى وأحكامها، فلا يكون ذلك من جنس حكم أوّل الآية، وأخرها اولى فاخرجها من أن يكون من غير جنسه). [جامع البيان: 6/351-354]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}
قال أبو جعفرٍ: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا تخلطوا أموالهم يعني: أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم.
- كما: حدّثنا ابن بشّارٍ، قال حدثنا عبد الرحمن قال: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، في قوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال: أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعًا.
- حدثنا محمد، قال: نا أحمد، قال نا أسباط، عن السدي: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}. يقول: لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعا.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو زهيرٍ، عن مباركٍ، عن الحسن، قال: لمّا نزلت هذه الآية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خيرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم} قال: « فخالطوهم واتّقوا ». [جامع البيان: 6/355-356]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّه كان حوبًا كبيرًا}.
قال أبو جعفرٍ: يعني تعالى ذكره بقوله: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} إنّ أكلكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوبٌ كبيرٌ، والهاء في قوله {إنّه} دالّةٌ على اسم الفعل أعني الأكل.
وأمّا الحوب: فإنّه الإثم، يقال منه: حاب الرّجل يحوب حوبًا وحوبًا وحيابةً، ويقال منه: قد تحوّب الرّجل من كذا، إذا تأثّم منه ومنه قول أميّة بن الأسكر اللّيثيّ:
وإنّ مهاجرين تكنّفاه ...... غداتئذٍ لقد خطئا وحابا
ومنه قيل: نزلنا بحوبةٍ من الأرض وبحيبةٍ من الأرض: إذا نزلوا بموضع سوءٍ منها، والكبير: العظيم، فمعنى ذلك أنّ أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم، إثمٌ عند اللّه عظيمٌ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، وعمرو بن عليٍّ، قالا: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {حوبًا كبيرًا} قال: «إثمًا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} قال: إثمًا عظيمًا.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {كان حوبًا} أمّا حوبًا: «فإثمًا».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {حوبًا} قال: «إثمًا».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} يقول: «ظلمًا كبيرًا».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ، يقول في قوله: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} قال: «ذنبًا كبيرًا، وهي لأهل الإسلام».
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا قرّة بن خالدٍ، قال: سمعت الحسن، يقول: {حوبًا كبيرًا} قال: «إثمًا واللّه عظيمًا». [جامع البيان: 6/356-358]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ):{وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوبًا كبيرًا (2)}.
قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم}.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثنا عبد الله بن لهيعة، عن عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ قوله: « وآتوا اليتامى أموالهم وذلك أنّ رجلا من غطفان كان معه مالٌ كثيرٌ لابن أخٍ له يتيمٍ، فلمّا بلغ اليتيم، طلب ماله، فمنعه عمّه، فخاصمه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ونزلت: وآتوا اليتامى أموالهم يعني: الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم».
- وروي عن مقاتل بن حيّان قال: «الأولياء والأوصياء».
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن قوله: {وآتوا اليتامى أموالهم } قال:« أمروا أن يوفّروا أموال اليتامى».
قوله تعالى: {ولا تتبدلوا }.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} يقول:«لا تبذّروا أموالكم».
[الوجه الثّاني]:
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب يقول:«لا تشتروا الخبيث بالطّيّب ».
[الوجه الثّالث]:
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ: مثله وقبله ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب قال: «لا تعجّل بالرّزق».
قوله تعالى: {الخبيث بالطّيّب}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب يقول:« الحرام بالحلال».
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ الأصبهانيّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمانٍ، ثنا سفيان، عن أبي صالحٍ مثله وقبله: ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب قال:« لا تعجل بالرّزق الحرام قبل أن يأتيك الرّزق الحلال الّذي قدّر لك».
- حدّثنا أبو زرعة: ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب }يقول: «لا تتبدّلوا الحرام من أموال النّاس بالحلال من أموالكم»، يقول: «لا تبذّروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام».
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب: ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب قال: «لا تعط مهزولا وتأخذ سميناً»- وروي عن الزهري نحو قول ابن المسيب.
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: «لا تعطي زائفاً وتأخذ جيّداً»- وروي عن الضّحّاك مثله.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: ولا تتبدلوا الخبيث بالطّيّب قال: «كان أحدهم يأخذ الشّاة السّمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشّاة المهزولة، يقول: شاةٌ بشاةٍ، ويأخذ الدّرهم الجيّد، ويطرح مكانه المزيّف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ».
قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}.
- وبه عن السّدّيّ قوله: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم يقول: «لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها وتأكلوها جميعاً»- وروي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبيرٍ ومقاتل بن حيّان، وسفيان بن حسينٍ نحو ذلك.
قوله تعالى: {إنّه كان حوباً كبيراً}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا أبي، ثنا نصر بن عليٍّ الجهضميّ، ثنا عبيدٌ يعني: ابن عقيلٍ، ثنا مسلمة بن علقمة قال: سمعت داود يعني: ابن أبي هند يحدّث، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: إنّه كان حوباً قال: «إثماً كبيراً »- وروي عن الحسن، وسعيد بن جبيرٍ ومجاهدٍ وعكرمة، وابن سيرين والسّدّيّ، والضّحّاك وقتادة ، وأبي مالكٍ ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم وأبي سنانٍ نحو ذلك.
- حدّثنا عبّاسٌ الدّوريّ، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع في قوله: حوباً كبيراً قال: «خطاً عظيماً ».
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسحاق بن منصورٍ، عن الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قوله: حوباً كبيراً قال: «ظلما كبيرا».
قوله تعالى: {كبيراً}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، ثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: حوباً كبيراً يقول:« إثماً عظيماً»- وروي عن الضّحّاك والرّبيع بن أنسٍ مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 3/854-857]

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب يقول«لا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحلال من أموالكم». [تفسير مجاهد: 143]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو سهلٍ أحمد بن محمّد بن زيادٍ النّحويّ ببغداد، ثنا يحيى بن جعفرٍ، ثنا عليّ بن عاصمٍ، ثنا حميدٌ الطّويل، عن أنس بن مالكٍ رضي اللّه عنه، قال: كان بين أبي طلحة وبين أمّ سليمٍ كلامٌ، فأراد أبو طلحة أن يطلّق أمّ سليمٍ فبلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إنّ طلاق أمّ سليمٍ لحوبٌ» هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه "). [المستدرك: 2/330]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه فخاصمه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت {وآتوا اليتامى أموالهم} يعني الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال:«الحرام بالحلال، لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك» {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال: «لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعا {إنه كان حوبا كبيرا} قال: إثما».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال: «لا تعط مهزولا وتأخذ سمينا».
وأخرج ابن جرير عن الزهري، مثله.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن إبراهيم في الآية قال: «لا تعط زائفا وتأخذ جيدا».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: «كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول: درهم بدرهم».
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: «كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار، يأخذه الأكبر فنصيبه من الخيرات طيب وهذا الذي يأخذه خبيث».
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال: « مع أموالكم ».
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية في اموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} قال: «فخالطوهم واتقوا».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله {حوبا كبيرا} قال:« إثما عظيما».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس حوبا قال: «ظلما».
وأخرج الطستي في مسائله، وابن الأنباري في الوقف والإبتداء والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {حوبا} قال: إثما بلغه الحبشة قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى الشاعر:
فإني وما كلفتموني من أمركم ..... ليعلم من أمسي أعق وأحوبا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرأ حوبا برفع الحاء.
وأخرج عن الحسن أنه كان يقرؤها {حوبا} بنصب الحاء). [الدر المنثور: 4/214-217]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال زيد في قول الله: {ذلك أدنى ألا تعولوا}، يقول: «ذلك أدنى ألا يكثر من تعولوا». [الجامع في علوم القرآن: 1/128]

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني أشهل، عن قرة بن خالد، عن الحسن في هذه الآية: {ذلك أدنى ألا تعولوا}، قال: ألا تميلوا). [الجامع في علوم القرآن: 1/138]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وسمعت الليث يقول في قول الله: {ذلك أدنى ألا تعولوا}، قال: يقال: «ألا تعولوا ألا تجوروا». [الجامع في علوم القرآن: 2/171]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قال: قلت لها قول الله تعالى:{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } « قالت يا ابن أختي: اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها فنهوا عن أن ينكحوهن حتى يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء». [تفسير عبد الرزاق: 1/145]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى قال خاف الناس ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت فانكحوا ما طاب لكم يقول ما أحل لكم مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن). [تفسير عبد الرزاق: 145- 1/146 ]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى:{ ذلك أدني ألا تعولوا }«قال ألا تميلوا». [تفسير عبد الرزاق: 1/146]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن حبيب بن أبي ثابتٍ عن طاؤس عن ابن عبّاسٍ قال: «قصر الرّجال على أربع نسوةٍ من أجل أموال اليتامى». [تفسير الثوري: 86]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن إسماعيل عن أبي ملكٍ في قوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} ألا تميلوا.
سفيان [الثوري] عن يونس بن عمرٍو عن مجاهد ألا تضلوا). [تفسير الثوري: 86 - 87]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألّا تعولوا}.
- حدثنا سعيدٌ، قال: نا حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: « سمعته يقول:بعث اللّه محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم والنّاس على أمر الجاهليّة إلّا أن يؤمروا بشيءٍ وينهوا عنه، فكانوا يسألون عن اليتامى، ولم يكن للنّساء عددٌ ولا ذكرٌ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع}، وكان الرّجل يتزّوج ما شاء، فقال: كما تخافون ألّا تقسطوا في اليتامى، فخافوا في النساء ألا تعدلوا فيهن ».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا مغيرة، عن إبراهيم - في قوله عزّ وجلّ: {ذلك أدنى ألّا تعولوا} - قال: «لا تميلوا».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا حصين، عن أبي مالكٍ - في قوله عزّ وجلّ: {ذلك أدنى ألّا تعولوا} -، قال: «لا تجوروا».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا داود، عن عكرمة، قال: سمعته يقول - في قوله عز وجل: {ذلك أدنى أن لا تعولوا} -: «أي لا تميلوا، ثمّ أنشدني بيتًا قاله أبو طالبٍ: بميزان قسطٍ وزنه غير عائل».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن بيان، عن عامرٍ الشّعبي - في قوله عز وجل: {ذلك أدنى أن لا تعولوا} - قال: « أن لا تميلوا، أراه قال: عن ابن عباس». [سنن سعيد بن منصور: 3/1143-1146]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (قال ابن عبّاسٍ: «يستنكف: يستكبر، قوامًا: قوامكم من معايشكم {لهنّ سبيلًا} يعني الرّجم للثّيّب، والجلد للبكر »وقال غيره: {مثنى وثلاث} :«يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا، ولا تجاوز العرب رباع». [صحيح البخاري: 6/42]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): «قوله مثنى وثلاث ورباع يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا ولا تجاوز العرب رباع»كذا وقع لأبي ذرٍّ فأوهم أنّه عن بن عبّاسٍ أيضًا كالّذي قبله ووقع لغيره وقال غيره مثنى إلخ وهو الصّواب فإنّ ذلك لم يرو عن بن عبّاسٍ وإنّما هو تفسير أبي عبيدة قال « لا تنوين في مثنى لأنّه مصروفٌ عن حدّه والحدّ أن يقولوا اثنين وكذلك ثلاث ورباع لأنّه ثلاثٌ وأربعٌ ثمّ أنشد شواهد لذلك ثمّ قال ولا تجاوز العرب رباع غير أنّ الكميت قال فلم يستريثوك حتّى رميت فوق الرّجال خصالًا عشارا انتهى وقيل بل يجوز إلى سداس وقيل إلى عشار» قال الحريريّ « في درّة الغوّاص غلط المتنبّي في قوله أحادٌ أم سداسٌ في أحادٍ لم يسمع في الفصيح إلّا مثنى وثلاث ورباع والخلاف في خماس إلى عشار ويحكى عن خلفٍ الأحمر أنّه أنشد أبياتًا من خماس إلى عشار وقال غيره في هذه الألفاظ المعدولة هل يقتصر فيها على السّماع أو يقاس عليها قولان أشهرهما الاقتصار » قال بن الحاجب « هذا هو الأصحّ ونصّ عليه البخاريّ في صحيحه كذا قال قلت وعلى الثّاني يحمل بيت الكميت وكذا قول الآخر ضربت خماس ضربة عبشميٍّ أراد سداس أن لا تستقيما وهذه المعدولات لا تقع إلّا أحوالًا كهذه الآية أو أوصافًا كقوله تعالى: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} أو اخبارا كقوله عليه الصّلاة والسّلام: «اللّيل مثنى » ولا يقال فيها مثناةٌ وثلاثةٌ بل تجري مجرًى واحدًا وهل يقال موحد كما يقالٌ مثنى الفصيح لا وقيل يجوز وكذا مثلث إلخ وقول أبي عبيدة «إنّ معنى مثنى اثنتين فيه اختصارٌ وإنّما معناه اثنتين اثنتين وثلاثٌ ثلاثٌ وكأنّه ترك ذلك لشهرته أو كان لا يرى التّكرار فيه » وسيأتي ما يتعلّق بعدد ما ينكح من النّساء في أوائل النّكاح إن شاء اللّه تعالى). [فتح الباري: 8/238]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
قال ابن عبّاس « يستنكف يستكبر قواما قوامكم من معايشكم لهنّ سبيلا يعني الرّجم للثيب والجلد للبكر وقال غيره مثنى وثلاث ورباع يعني اثنتين وثلاثًا وأربعا ولا تجاوز العرب رباع»...
وأما قول غيره فهو قول أبي عبيد وجماعة من أهل اللّغة ووقع في رواية أبي ذر بحذف وقال غيره وإثبات ما بعده فأوهم أنه من كلام ابن عبّاس وليس كذلك). [تغليق التعليق: 4/193]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : « وقال غيره مثنى وثلاث ورباع يعني اثنتين وثلاثا وأربعا ولا تجاوز العرب رباع ».
أي: قال: غير ابن عبّاس، ووقع هكذا في رواية أبي ذر، والصّواب وقوعه لأن على رواية أبي ذر يوهم أن قوله: مثنى إلى آخره روى عن ابن عبّاس وليس كذلك، فإنّه لم يرو عن ابن عبّاس، وإنّما هو قول أبي عبيدة وتفسيره قوله: يعني اثنتين يرجع إلى قوله: مثنى، وقوله: وثلاثًا يرجع إلى قوله: وثلاث، وقوله: وأربعا، يرجع إلى قوله: ورباعا، وليس المعنى على ما ذكره، بل معناه المكرر نحو اثنتين اثنتين، والظّاهر أنه تركه اعتمادًا على الشّهرة أو عنده ليس بمعنى التّكرار، وليس فيها الانصراف للعدل والوصف. وقال الزّمخشريّ « لما فيها من العدلين عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكررها. قوله: ولا تجاوز العرب رباع إشارة إلى أن هذا اختياره، وفيه خلاف لأنّه ابن الحاجب هل يقال: خماس ومخمس إلى عشار ومعشر، قال فيه خلاف والأصح أنه لم يثبت، وذكر الطّبريّ أن العشرة يقال فيها إعشار، ولم يسمع في غير بيت للكميت، وهو قوله ».
(فلم يستر بثوبك حتّى رميت. فوق الرّجال خصالًا عشارا) .
يريد عشرا، وذكر النّحاة أن خلفا الأحمر أنشد أبياتا غريبة فيها من خماس إلى عشار). [عمدة القاري: 18/162-163]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال غيره): أي غير ابن عباس -رضي الله عنهما- وسقط قوله وقال غيره لأبي ذر وسقطت الجملة كلها من قوله قال ابن عباس إلى هنا من رواية الحموي {مثنى وثلاث ورباع} قال أبو عبيدة: « يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا ولا تجاوز العرب رباع» اختلف في هذه الألفاظ هل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع، فذهب البصريون إلى الثاني والكوفيون إلى الأول، والمسموع من ذلك أحد عشر لفظًا أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع ومخمس وعشار ومعشر، لكن قال ابن الحاجب: «هل يقال خماس ومخمس إلى عشار ومعشر؟ فيه خلاف». والأصح أنه لم يثبت وهذا هو الذي اختاره المؤلّف، وجمهور النحاة على منع صرفها، وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى، ومنع الصرف للعدل والوصف لأنها معدولة عن صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو موحد أو ثلاث أو مثلث كان بمنزلة قولك جاؤوا واحدًا واحدًا وثلاثة ثلاثة، ولا يراد بالمعدول عنه التوكيد إنما يراد به تكرير العدد كقوله: علمته الحساب بابًا بابًا أو للعدل والتعريف أو لعدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث أو لتكرار العدل أقوال وقول البخاري يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا ليس معناه ذلك بل معناه المكرر نحو اثنتين اثنتين وإنما تركه اعتمادًا على الشهرة أو أنه عنده ليس بمعنى التكرار). [إرشاد الساري: 7/74-75]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى}
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه عنها: «أنّ رجلًا كانت له يتيمةٌ فنكحها، وكان لها عذقٌ، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيءٌ فنزلت فيه: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله »
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، أنّه سأل عائشة عن قول اللّه تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} « فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلّا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا لهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ، قال عروة: قالت عائشة: وإنّ النّاس " استفتوا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية، فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء} "، قالت عائشة: وقول اللّه تعالى في آيةٍ أخرى: {وترغبون أن تنكحوهنّ}:رغبة أحدكم عن يتيمته، حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النّساء إلّا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال ». [صحيح البخاري: 6/42-43]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى}).
سقطت هذه التّرجمة لغير أبي ذرٍّ ومعنى : «خفتم ظننتم » ومعنى « تقسطوا تعدلوا وهو من أقسط يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل وقيل الهمزة فيه للسّلب أي أزال القسط ورجحه بن التّين » بقوله تعالى:{ ذلكم أقسط عند اللّه} لأنّ أفعل في أبنية المبالغة لا تكون في المشهور إلّا من الثّلاثيّ نعم حكى السّيرافيّ في جواز التّعجّب بالرّباعيّ وحكى غيره أنّ أقسط من الأضداد واللّه أعلم.

[4573] قوله أخبرنا هشام هو بن يوسف وهذه التّرجمة من لطائف أنواع الإسناد وهي بن جريج عن هشام وهشام ألأعلى هو بن عروة والأدنى بن يوسف قوله « إنّ رجلًا كانت له يتيمةٌ فنكحها » هكذا قال هشام عن بن جريجٍ فأوهم أنّها نزلت في شخصٍ معيّنٍ والمعروف عن هشام بن عروة التّعميم وكذلك أخرجه الإسماعيليّ من طريق حجّاج بن محمّدٍ عن بن جريجٍ ولفظه أنزلت في الرّجل يكون عنده اليتيمة إلخ وكذا هو عند المصنّف في الرّواية الّتي تلي هذه من طريق بن شهابٍ عن عروة وفيه شيءٌ آخر نبّه عليه الإسماعيليّ وهو قوله «فكان لها عذقٌ فكان يمسكها عليه فإنّ هذا نزل في الّتي يرغب عن نكاحها وأمّا الّتي يرغب في نكاحها فهي الّتي يعجبه مالها وجمالها فلا يزوّجها لغيره ويريد أن يتزوّجها بدون صداق مثلها » وقد وقع في رواية بن شهابٍ الّتي بعد هذه التّنصيص على القصّتين ورواية حجّاج بن محمّدٍ سالمةٌ من هذا الاعتراض فإنّه قال فيها أنزلت في الرّجل يكون عنده اليتيمة وهي ذات مالٍ إلخ وكذا أخرجه المصنّف في أواخر هذه السّورة من طريق أبي أسامة وفي النّكاح من طريق وكيعٍ كلاهما عن هشامٍ قوله عذقٌ بفتح العين المهملة وسكون المعجمة النّخلة وبالكسر الكباسة والقنو وهو من النّخلة كالعنقود من الكرمة والمراد هنا الأوّل وأغرب الدّاوديّ ففسّر العذق في حديث عائشة هذا بالحائط قوله وكان يمسكها عليه أي لأجله وفي رواية الكشميهنيّ فيمسك بسببه قوله أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق هو شكٌّ من هشام بن يوسف ووقع مبيّنًا مجزومًا به في رواية أبي أسامة ولفظه « هو الرّجل يكون عنده اليتيمة هو وليّها وشريكته في ماله حتّى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلًا فيشركه في ماله فيعضلها فنهوا عن ذلك» ورواية بن شهابٍ شاملةٌ للقصّتين وقد تقدّمت في الوصايا من رواية شعيبٍ عنه.

[4574] « قوله اليتيمة أي الّتي مات أبوها قوله في حجر وليّها أي الّذي يلي مالها قوله بغير أن يقسط في صداقها في النّكاح » من رواية عقيل عن بن شهابٍ « ويريد أن ينتقص من صداقها قوله فيعطيها مثل ما يعطيها غيره هو معطوفٌ على معمول بغير أي يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره أي ممّن يرغب في نكاحها سواه ويدلّ على هذا قوله بعد ذلك فنهوا عن ذلك إلّا أن يبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق» وقد تقدّم في الشّركة من رواية يونس عن بن شهابٍ بلفظ بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره قوله «فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ أي بأيّ مهرٍ توافقوا عليه » وتأويل عائشة هذا جاء عن بن عبّاس مثله أخرجه الطّبريّ وعن مجاهد في مناسبة ترتّب قوله {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء }على قوله {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} شيءٌ آخر قال في معنى قوله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} « أي إذا كنتم تخافون أن لا تعدلوا في مال اليتامى فتحرّجتم أن لا تلوها فتحرّجوا من الزّنا وانكحوا ما طاب لكم من النّساء وعلى تأويل عائشة يكون المعنى وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى ». [فتح الباري: 8/239-240]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى}
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: {وإن خفتم} الآية. ولم تثبت هذه التّرجمة إلاّ في رواية أبي ذر قوله: (إن خفتم) « أي: فزعتم وفرقتم، وهو ضد الأمن»، ثمّ قد يكون المخوف منه معلوم الوقوع وقد يكون مظنونا فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، هل هو بمعنى العلم أو بمعنى الظّن؟ قوله: (أن لا تقسطوا) أي: « أن لا تعدلوا. يقال: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل، وقيل: الهمزة فيه للسلب، أي: أزال القسط، ورجحه ابن التّين لقوله تعالى: {ذلكم أقسط عند الله} لأن أفعل في أبنية المبالغة لا يكون في المشهور إلاّ من الثلاثي، وقيل: قسط من الأضداد، وحاصل معنى الآية، إذا كانت تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النّساء فإنّهنّ كثير، ولم يضيق الله عليه ».
- حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشامٌ عن ابن جريجٍ قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنّ رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذقٌ وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيءٌ فنزلت فيه {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.
مطابقته للتّرجمة ظاهرة، وهشام هو ابن يوسف الصّنعانيّ، يروي عن عبد الملك عبد العزيز بن جريج عن هشام بن عروة، يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام عن عائشة الصديقية.
ومن لطائف هذا الإسناد أن ابن جريج وقع بين هشامين. والحديث من أفراده.
قوله: « (أن رجلا كانت له يتيمة) أي: كانت عنده»، واللّام تأتي بمعنى عند. كقولهم: كتبته لخمس خلون ثمّ إن رواية هشام عن أبيه عن عائشة هنا توهم أن هذه الآية نزلت في شخص معين، والمعروف عن هشام الرّواية من غير تعيين كما رواه الإسماعيليّ من طريق حجاج عن ابن جريج، أخبرني هشام عن عروة عن عائشة قالت: « وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) نزلت في الرجل يكون عنده اليتيمة. وهي ذات مال، فلعلّه ينكحها على مالها وهو لا يعجبه شيء من أمورها ثمّ يضربها ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك »وروى الطّبريّ من حديث عكرمة، « كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام. فنزلت: {وإن خفتم أن لا تقسطوا اليتامى} » وروى من حديث ابن عبّاس. « قال: كان الرجل يتزوّج بمال اليتيم ما شاء فنهى الله عز وجل عن ذلك ». وعن سعيد بن جبير. « قال: كان النّاس على جاهليتهم إلاّ أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه. قال: فذكروا اليتامى فنزلت هذه الآية. قال: فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا أن لا تقسطوا في النّساء». قوله: (عذق) بفتح العين المهملة وسكون الذّال المعجمة وفي آخره قاف وهي النّخلة، وبكسر العين الكباسة، والقنو وهو من النّخل كالعنقود من العنب. قوله: (وكان يمسكها عليه) أي: وكان الرجل يمسك تلك اليتيمة عليه أي: على العذق، أي: لأجله وكلمة على، تأتي للتّعليل كما في قوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} أي: لأجل هدايته إيّاكم. قوله: (احسبه. قال) أي: قال هشام، قال بعضهم: هو شكّ من هشام بن يوسف. قلت: يحتمل أن يكون الشّك من هشام بن عروة. أي: أظن عروة أنه قال قوله: (كانت شريكته) أي: كانت تلك اليتيمة شريكة الرجل.

- حدّثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشامٌ عن ابن جريجٍ قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها « أنّ رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذقٌ وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيءٌ فنزلت فيه {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله».

مطابقته للتّرجمة ظاهرة، وهشام هو ابن يوسف الصّنعانيّ، يروي عن عبد الملك عبد العزيز بن جريج عن هشام بن عروة، يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام عن عائشة الصديقية.
ومن لطائف هذا الإسناد أن ابن جريج وقع بين هشامين. والحديث من أفراده.
قوله: « (أن رجلا كانت له يتيمة) أي: كانت عنده، واللّام تأتي بمعنى عند. كقولهم: كتبته لخمس خلون » ثمّ إن رواية هشام عن أبيه عن عائشة هنا توهم أن هذه الآية نزلت في شخص معين، والمعروف عن هشام الرّواية من غير تعيين كما رواه الإسماعيليّ من طريق حجاج عن ابن جريج، أخبرني هشام عن عروة عن عائشة قالت: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} « نزلت في الرجل يكون عنده اليتيمة. وهي ذات مال، فلعلّه ينكحها على مالها وهو لا يعجبه شيء من أمورها ثمّ يضربها ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك » وروى الطّبريّ من حديث عكرمة، « كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام ». فنزلت: {وإن خفتم أن لا تقسطوا اليتامى} وروى من حديث ابن عبّاس. « قال: كان الرجل يتزوّج بمال اليتيم ما شاء فنهى الله عز وجل عن ذلك ». وعن سعيد بن جبير. « قال: كان النّاس على جاهليتهم إلاّ أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه. قال: فذكروا اليتامى فنزلت هذه الآية. قال: فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا أن لا تقسطوا في النّساء. قوله: (عذق) بفتح العين المهملة وسكون الذّال المعجمة وفي آخره قاف وهي النّخلة، وبكسر العين الكباسة، والقنو وهو من النّخل كالعنقود من العنب. قوله: (وكان يمسكها عليه) أي: وكان الرجل يمسك تلك اليتيمة عليه أي: على العذق، أي: لأجله وكلمة على، تأتي للتّعليل كما في قوله:{ولتكبروا الله على ما هداكم} أي: لأجل هدايته إيّاكم. قوله: (احسبه. قال) أي: قال هشام، قال بعضهم: هو شكّ من هشام بن يوسف. قلت: يحتمل أن يكون الشّك من هشام بن عروة. أي: أظن عروة أنه قال قوله: (كانت شريكته) أي: كانت تلك اليتيمة شريكة الرجل».

- حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ عن صالح بن كيسان عن ابن شهابٍ قال أخبرني عروة بن الزّبير أنّه سأل عائشة عن قول الله تعالى :{وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} « فقالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيزيد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا لهنّ أعلى سنتهنّ في الصّداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ قال عروة قالت عائشة وإنّ النّاس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله: {ويستفتونك في النّساء} قالت عائشة وقول الله تعالى في آيةٍ أخرى {وترغبون أن تنكحوهنّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال قالت فنهوا أن ينكحوا عمّن رغبوا في ماله وجماله في يتامى النّساء إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال ».

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم الأويسي المدني، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف. والحديث قد مضى في كتاب الشّركة في: باب شركة اليتيم وأهل الميراث فإنّه أخرجه هناك عن عبد العزيز المذكور. ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: (تكون في حجر وليها) ، أي: «الّذي يلي مالها ». قوله: (بغير أن يقسط) ، أي: «بغير أن يجبر عليها في صداقها. وقد مر أن معنى: أقسط أعدل، وقسط جار ». قوله: (فيعطيها) بالنّصب لأنّه عطف على قوله: (أن يقسط) قوله: (مثل ما يعطيها غيره) أي: ممّن يرغب في نكاحها سواه. قوله: (مثل ما يعطيها غيره) أي: ممّن يرغب في نكاحها سواه. قوله: (عن ذلك) أي: عن ترك الإقساط. قوله: (ويبلغوا لهنّ) ويروى: (ويبلغوا بهن) ، بالباء الموحدة. قوله: (أعلى سنتهن) أي: أعلى طريقتهن في الصداق وعادتهن في ذلك. قوله: (ما طاب لهم) أي: ما حل لكم. من قبيل قوله تعالى: {أنفقوا من طيّبات ما كسبتم} وقيل: طاب بمعنى المحبّة والاشتهاء أي: ما كنتم تحبون وتشتهون، وكلمة ما في الأصل لما لا يعقل، وقد يطلق على من يعقل كما في هذه الآية الكريمة. قوله: (سواهن) أي: سوى اليتامى من النّساء. قوله: (قال عروة. قالت عائشة) ، هذا متّصل بالإسناد المذكور وترك حرف العطف فيه قوله: (بعد هذه الآية) أي: بعد نزول هذه الآية بهذه القصّة، وأراد بهذه الآية قوله تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا} فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء} الآية. قالت عائشة: والّتي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى الّتي هي: {وأن خفتم أن لا تقسطوا} الآية. قوله: (وقول الله تعالى في آية أخرى: وترغبون) . هكذا وقع في رواية صالح بن كيسان المذكورة في آية أخرى، وهو خطأ. لأن قوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} الآية في نفس الآية الّتي هي: {ويستفتونك في النّساء} . قوله: (رغبة أحدكم عن يتيمته) أي: كرغبة أحدكم، ومعنى الرّغبة هنا عدم الإرادة لأن لفظ رغب يستعمل بصلتين يقال: رغب عنه إذا لم يرده ورغب فيه إذا أراده. قوله: (حين تكون) أي: اليتيمة قليلة المال وحاصل المعنى أن اليتيمة إذا كانت فقيرة وذميمة يعرضون عن نكاحها قالت عائشة رضي الله عنها فنهوا أي: نهوا عن نكاح المرغوب فيها لمالها وجمالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة، على السواء في العدل، وكان الرجل في الجاهليّة تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدا فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت ذميمة منعها الرّجال حتّى تموت فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه. وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات وأن غيرهنّ يجوز نكاحها بدون ذلك. وفيه أن للوليّ أن يتزوّج من هي تحت حجره. لكن يكون العاقد غيره، وفيه خلاف مذكور في الفروع: وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ، لأن بعد البلوغ لا يتم على الحقيقة). [عمدة القاري: 18/163-164]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى}
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} أن لا تعدلوا من أقسط ولا نافية أي وإن حذرتم عدم الأقساط أي العدل {في اليتامى} وقرئ تقسطوا بفتح التاء من قسط وهو بمعنى جار على المشهور في أن الرباعي بمعنى عدل والثلاثي بمعنى جار وكأن الهمزة فيه للسلب فمعنى أقسط أزال القسط وهو الجور ولا على هذا زائدة ليس إلا وإلا يفسد المعنى كهي في لئلا يعلم وحكى الزجاج أن قسط الثلاثي يستعمل استعمال الرباعي وعلى هذا فتكون لا غير زائدة كهي في الأولى وجواب الشرط في وإن خفتم فانكحوا أو فواحدة وثبت الباب وتاليه لأبي ذر.
- حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشامٌ عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها- « أنّ رجلًا كانت له يتيمةٌ فنكحها وكان لها عذقٌ وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيءٌ فنزلت فيه: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (هشام بن عروة عن أبيه) عن عروة بن الزبير (عن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلًا كانت له) أي عنده (يتيمة) مات أبوها (فنكحها) أي تزوجها (وكان لها عذق) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة آخره قاف أي نخلة (وكان) الرجل (يمسكها) أي اليتيمة (عليه) أي لأجله فعلى هنا تعليلية ولأبي ذر عن الكشميهني فيمسكها عليه (ولم يكن لها) لليتيمة (من نفسه شيء فنزلت فيه {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى}) قال هشام بن يوسف (أحسبه) أي عروة (قال: كانت) أي اليتيمة (شريكته) أي الرجل (في ذلك العذق وفي ماله). وقوله: إن رجلًا كانت له يتيمة يوهم أنها نزلت في شخص معين والمعروف عن هشام بن عروة التعميم، ووقع عند الإسماعيلي كذلك ولفظه أنزلت في الرجل تكون عنده اليتيمة وكذا في الرواية اللاحقة من طريق ابن شهاب عن عروة، وقضية العذق في التي يرغب عن نكاحها وأما التي يرغب في نكاحها فهي التي يعجبه مالها وجمالها فلا يزوّجها لغيره ويريد أن يتزوجها بدون صداق مثلها.
- حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ قال: أخبرني عروة بن الزّبير، أنّه سأل عائشة عن قول اللّه تعالى: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} « فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا لهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ، قال عروة: قالت عائشة: وإنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية فأنزل اللّه: {ويستفتونك في النّساء} قالت عائشة: وقول اللّه تعالى في آيةٍ أخرى: {وترغبون أن تنكحوهنّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النّساء، إلاّ بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير أنه سأل عائشة) رضي الله تعالى عنها (عن) معنى (قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} فقالت) عائشة له: (يا ابن أختي) أسماء ولأبي الوقت يا ابن أخي (هذه اليتيمة) التي مات أبوها (تكون في حجر وليها) القائم بأمورها (تشركه) بفتح التاء والراء وفي نسخة تشركه بضم ثم كسر (في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط) أن يعدل (في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره) هو معطوف على معمول بغير يعني يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره أي ممن يرغب في نكاحها ويدل على ذلك قوله: (فنهوا) بضم النون والهاء (عن أن ينكحوهن) ولأبي ذر عن ذلك أي عن ترك الأقساط (إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن) باللام ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بهن (أعلى سنتهن) أي طريقتهن (في الصداق) وعادتهن في ذلك (فأمروا) بالفاء (أن ينكحوا ما طاب) ما حل (لهم من النساء سواهن) أي سوى اليتامى من النساء، وقد تقرر أن ما لا تستعمل في ذوي العقول واستعملها هنا لهن ذهابًا إلى الصفة كأنه قيل النوع الطيب من النساء أي الحلال أو المشتهى والثاني أرجح لاقتضاء المقام ولأن الأمر بالنكاح لا يكون إلا في الحلال فوجب الحمل على شيء آخر أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن كقوله: {أو ما ملكت أيمانهن}.
(قال عروة) بن الزبير بالسند السابق: (قالت عائشة: « إن الناس استفتوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم) طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد) نزول (هذه الآية) ».
وهي وإن خفتم إلى ورباع (فأنزل الله) تعالى :{ويستفتونك في النساء} الآية (قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} كذا في رواية صالح وليس ذلك في آية أخرى بل هو في نفس الآية. وعند مسلم والنسائي واللفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء} قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن {وترغبون أن تنكحوهن}فذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} قال في الفتح فظهر أنه سقط من رواية البخاري شيء (رغبة أحدكم عن يتيمته) بأن لم يردها (حين تكون) أي اليتيمة (قليلة المال والجمال قالت) عائشة (فنهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله) بفتح التحتية وللأصيلي بضمها وإسقاط عن (في يتامى النساء إلا بالقسط) بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال) فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل.
وسبق هذا الحديث في الشركة في باب شركة اليتيم). [إرشاد الساري: 7/74-75]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (باب {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى}
قوله: (قواماً الخ): بكسر القاف بعدها واو، والتلاوة بالياء التحتية إذ مراده، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً، ولم يقصد المؤلف بها التلاوة، بل حذف الكلمة القرآنية، وأشار إلى تفسيرها.
قوله: (كانت له) أي: عنده. قوله: (عذق): بفتح العين المهملة، وسكون الذال المعجمة آخره قاف، أي: نخلة. قوله: (يمسكها) أي: اليتيمة. قوله: (عليه) أي: لأجله). [حاشية السندي على البخاري: 3/46]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (ويذكر عن ابن عبّاسٍ: {لا تعضلوهنّ} :«لا تقهروهنّ» ، {حوبًا} :«إثمًا» ، {تعولوا} :«تميلوا». [صحيح البخاري: 6/44] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله تعولوا تميلوا وصله سعيد بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبيرٍ عن بن عبّاسٍ في قوله ذلك أدنى أن لا تعولوا قال أن لا تميلوا وروّيناه في فوائد أبي بكرٍ الآجرّيّ بإسنادٍ آخر صحيحٍ إلى الشّعبيّ عن بن عبّاسٍ ووصله الطّبريّ من طريق الحسن ومجاهدٍ وعكرمة والنّخعيّ والسّدّيّ وقتادة وغيرهم مثله وأنشد في رواية عكرمة لأبي طالبٍ من أبياتٍ بميزان صدقٍ وزنه غير عائل وجاء مثله مرفوعا صححه بن حبان من حديث عائشة وروى بن المنذر عن الشّافعيّ أن لا تعولوا أن لا يكثر عيالكم وأنكره المبرد وبن داود والثّعلبيّ وغيرهم لكن قد جاء عن زيد بن أسلم نحو ما قال الشّافعيّ أسنده الدّارقطنيّ وإن كان الأوّل أشهر واحتجّ من ردّه أيضًا من حيث المعنى بأنّه أحلّ من ملك اليمين ما شاء الرّجل بلا عددٍ ومن لازم ذلك كثرة العيال وإنّما ذكر النّساء وما يحلّ منهنّ فالجور والعدل يتعلّق بهنّ وأيضًا فإنّه لو كان المراد كثرة العيال لكان أعال يعيل من الرّباعيّ وأمّا تعولوا فمن الثّلاثيّ لكن نقل الثّعلبيّ عن أبي عمرٍو الدّوريّ قال وكان من أئمّة اللّغة قال هي لغة حمير ونقل عن طلحة بن مصرّفٍ أنّه قرأ أن لا تعيلوا). [فتح الباري: 8/246]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
ويذكر عن ابن عبّاس « لا تعضلوهن لا تقهروهن حوبا إثمًا تعولوا تميلوا نحلة النحلة المهر» ...
وقال سعيد بن منصور ثنا زكريّا بن عدي عن عبيدالله بن عمرو عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال « أدنى ألا تعولوا قال أن تميلوا»
وأنبئت عن غير واحد عمّن سمع ابن شاتيل أنا أبو غالب الباقلاني أنا أبو القاسم بن بشران أنا أبو بكر الآجريّ أنا أبو شعيب الحرّاني ثنا علّي بن المدينيّ ثنا حمّاد بن زيد ثنا أبو الزبير عن عكرمة ح قال علّي وثنا إسحاق ابن منصور عن هريم بن سفيان عن بيان عن الشّعبيّ عن ابن عبّاس به
وأخبرنا به عاليا أحمد بن أبي بكر في كتابه عن سليمان بن حمزة عن عمر بن كرم أنا المبارك بن التعاوندي أنا الحسين بن أحمد أنا الحسن بن الحسن ابن المنذر ثنا محمّد بن علّي بن دحيم ثنا إبراهيم بن إسحاق ثنا إسحاق بن منصور به). [تغليق التعليق: 4/194]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (تعولوا تميلوا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا}وفسّر قوله: {أن لا تعولوا} بحذف: أن بقوله: تميلوا، وفسره جماعة نحوه، وأسنده ابن المنذر في تفسيره عن ابن عبّاس وذكر نحوه مرفوعا وقال: أن معناه تجور واو فسره الشّافعي بقوله: لا يكثر عيالكم، وأنكره المبرد، ووجه إنكاره أنه لو كان معناه نحو ما قاله الشّافعي لكان قال: أن لا تعيلوا من أعال وهو من الثلاثي المزيد فيه، والّذي في الآية من الثلاثي المجرّد). [عمدة القاري: 18/168]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} قال ابن عباس فيما وصله ابن المنذر أي « (تميلوا) من عال يعول إذا مال وجار » وفسره الإمام الشافعي بأن لا تكثر عيالكم وردّه جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج فقال الزجاج: « هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما الأول فلأن إباحة السراري مع أنها مظنة كثرة العيال كالتزوج وأما اللفظ فلأن مادة عال بمعنى أكثر عياله من ذوات الياء لأنه من العيلة، وأما عال بمعنى حار فمن ذوات الواو فاختلفت المادتان ».
وقال صاحب النظم قال « أوّلًا ألاّ تعدلوا فوجب أن يكون ضده الجور، وأيضًا فقد خالف المفسرين وقد ردّ الناس على هؤلاء، فأمّا قولهم: إن التسري أيضًا تكثر معه العيال مع أنه مباح فممنوع لأن الأمة ليست كالمنكوحة ولذا يعزل عنها بغير إذنها ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها ويقال عال الرجل عياله يعولهم أي مانهم بمونهم أي أنفق عليهم، ومنه: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وحكى ابن الأعرابي عال الرجل يعول أكثر عياله وعال يعيل افتقر وصار له عائلة ».
والحاصل: أن عال يكون لازمًا ومتعديًا فاللازم يكون بمعنى مال وجار، ومنه عال الميزان وبمعنى كثر عياله وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من كله يعول وعال الرجل افتقر وعال في الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يعيل والمتعدي يكون بمعنى أثقل وبمعنى مان من المؤونة وبمعنى غلب ومنه عيل صبري ومضارع هذا كله يعول وبمعنى أعجز يقال عالني الأمر أي أعجزني، ومضارع هذا يعيل والمصدر عيل ومعيل فقد تلخص من هذا أن عال اللازم يكون تارة من ذوات الواو وتارة من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضًا فقد روى الأزهري عن الكسائي قال: « عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا أكثر عياله. قال: ومن العرب الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله ». قال الأزهري: وهذا يقوي قول الشافعي لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه وقول الشافعي نفسه حجة. وحكى البغوي عن أبي حاتم قال: كان الشافعي أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة، وعن أبي عمرو الدوري القارئ وكان من أئمة اللغة قال هي لغة حمير.
وأما قولهم: إنه خالف المفسرين فليس كذلك فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله أسنده الدارقطني وذكره الأزهري في كتابه تهذيب اللغة، وأما قولهم: اختلفت المادّتان فليس بصحيح فقد تقدم حكاية ابن الأعرابي عن العرب عال الرجل يعول كثر عياله وحكاية الكسائي والدوري وقرأ طلحة بن مصرف: «أن لا تعيلوا بضم تاء المضارعة من أعال أكثر عياله وهي تعضد تفسير الشافعي من حيث المعنى »، وقد بسط الإمام فخر الدين العبارة في الرد على أبي بكر الرازي وقال: الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.
وقال الزمخشري بعد أن وجه قول الشافعي بنحو ما سبق وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالجمل على الصحة والسداد وكفى بكتابنا المترجم بكتاب شافي العين من كلام الشافعي شاهدًا بأنه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا ولكن للعلماء طرقًا وأساليب فمسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات اهـ.
وقوله أعلى كعبًا مثل لاطلاعه على علوم العربية وكونه ذا حظ وافر فيها). [إرشاد الساري: 7/78-79]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله جلّ ثناؤه: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى}
- أخبرنا أبو داود سليمان بن سيفٍ، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير: أنّه سأل عائشة عن قول الله عزّ وجلّ: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع}قالت: «يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في مالها فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلّا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ»
[السنن الكبرى للنسائي: 10/58]
قال عروة: قالت عائشة: « ثمّ إنّ النّاس استفتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هذه الآية، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ويستفتونك في النّساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} فذكر الله أنّه يتلى عليكم في الكتاب الأوّل، قال الله: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} قالت عائشة: « وقول الله عزّ وجلّ في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهنّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال قليلة الجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النّساء إلّا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال». [السنن الكبرى للنسائي: 10/59]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : القول في تأويل قوله تعالى: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاّ تعولوا}
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ألاّ تقسطوا في صداقهنّ فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنّ صدقات أمثالهنّ فلا تنكحوهنّ، ولكن انكحوا غيرهنّ من الغرائب اللّواتي أحلّهنّ اللّه لكم وطيّبهنّ من واحدةٍ إلى أربعٍ، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدةٍ، فلا تعدلوا، فانكحوا منهنّ واحدةً، أو ما ملكتم أيمانكم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} «فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنّة صداقها، فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ في إكمال الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النّساء».
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، أنّه سأل عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، عن قول اللّه تبارك وتعالى: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} « قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ ».
- قال يونس بن يزيد: قال ربيعة في قول اللّه: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} «قال: يقول: اتركوهنّ فقد أحللت لكم أربعًا ».
- حدّثنا الحسن بن الجنيد،قال حدثنا سعيد بن مسلمة، قالا: أنبأنا إسماعيل بن أميّة، عن ابن شهابٍ، عن عروة، قال: سألت عائشة أمّ المؤمنين، فقلت: يا أمّ المؤمنين، أرأيت قول اللّه: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء}؟ « قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوّجها بأدنى من سنّة صداق نسائها، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا فيكملوا لهنّ الصّداق، ثمّ أمروا أن ينكحوا سواهنّ من النّساء إن لم يكملوا لهنّ الصّداق ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني اللّيث، قال: حدّثني يونس، عن ابن شهابٍ، قال: حدّثني عروة بن الزّبير أنّه سأل عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهبٍ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة مثل حديث ابن حميدٍ، عن ابن المبارك.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: نزل، يعني قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} الآية، « في اليتيمة تكون عند الرّجل، وهي ذات مالٍ، فلعلّه ينكحها لمالها، وهي لا تعجبه، ثمّ يضرّ بها، ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك ».
قال أبو جعفرٍ: فعلى هذا التّأويل جواب قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} قوله: {فانكحوا}.
وقال آخرون: « بل معنى ذلك النّهي عن نكاح ما فوق الأربع؛ من النساء حذرًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم، وذلك أنّ قريشًا كان الرّجل منهم يتزوّج العشر من النّساء والأكثر والأقلّ، فإذا صار معدمًا مال على مال يتيمه الّذي في حجره فأنفقه أو تزوّج به، فنهوا عن ذلك؛ وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها، فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، لما يلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النّساء على أربعٍ وإن خفتم أيضًا من الأربع ألاّ تعدلوا في أموالهم فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن سماكٍ، قال: سمعت عكرمة، يقول في هذه الآية: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} قال: «كان الرّجل من قريشٍ يكون عنده النّسوة، ويكون عنده الأيتام، فيذهب ماله، فيميل على مال الأيتام»قال: فنزلت هذه الآية: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء}.
- حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن سماكٍ، عن عكرمة في قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم} قال: «كان الرّجل يتزوّج الأربع والخمس والسّتّ والعشر فيقول الرّجل: ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلانٌ، فيأخذ مال يتيمه فيتزوّج به، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع».
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن طاووسٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قصر الرّجال على أربعٍ من أجل أموال اليتامى».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} في اليتامى فإنّ الرّجل كان يتزوّج بمال اليتيم ما شاء اللّه تعالى، فنهى اللّه عن ذلك
وقال آخرون: «بل معنى ذلك أنّ القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى ألاّ يعدلوا فيها، ولا يتحوّبون في النّساء ألاّ يعدلوا فيهنّ، فقال لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النّساء أن لا تعدلوا فيهنّ، ولا تنكحوا منهنّ إلاّ من واحدةٍ إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وإن خفتم ألاّ تعدلوا أيضًا في الزّيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلاّ ما لا تخافون أن تجوروا فيهنّ من واحدةٍ أو ما ملكت أيمانكم».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «كان النّاس على جاهليّتهم، إلاّ أن يؤمروا بشيءٍ أو ينهوا عنه. قال: فذكروا اليتامى فنزلت: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم قال: فكما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في النّساء ».
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} إلى: {أيمانكم} كانوا يشدّدون في اليتامى، ولا يشدّدون في النّساء، ينكح أحدهم النّسوة، فلا يعدل بينهنّ؛ فقال اللّه تبارك وتعالى: كما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا في النّساء، فانكحوا واحدةً إلى الأربع {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم}.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} حتّى بلغ: {أدنى ألاّ تعولوا} يقول: كما خفتم الجور في اليتامى وهمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النّساء، وكان الرّجل في الجاهليّة يتزوّج العشرة فما دون ذلك، فأحلّ اللّه جلّ ثناؤه أربعًا، ثمّ الّذي صيّرهنّ إلى أربعٍ قوله: {مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً} يقول: إن خفت ألا تعدل في أربعٍ فثلاثًا، وإلاّ فثنتينٍ، وإلاّ فواحدةً؛ وإن خفت ألاّ تعدل في واحدةٍ، فما ملكت يمينك.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيّوب عن سعيد بن جبيرٍ، قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى}قال خاف الناس ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت{فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} يقول: ما أحلّ لكم من النّساء {مثنى وثلاث ورباع} فخافوا في النّساء مثل الّذي خفتم في اليتامى ألاّ تقسطوا فيهنّ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدّثنا حمّادٌ، عن أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ: قال جاء الإسلام، والنّاس على جاهليّتهم، إلاّ أن يؤمروا بشيءٍ فيتّبعوه أو ينهوا عن شيءٍ فيجتنبوه، حتّى سألوا عن اليتامى فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع}.
- حدّثنا المثنّى، قال: حدّثنا أبو النّعمان عارمٌ، قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: « بعث اللّه تبارك وتعالى محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، والنّاس على أمر جاهليّتهم، إلاّ أن يؤمروا بشيءٍ أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع} قال: فكما تخافون ألاّ تقسطوا في اليتامى فخافوا ألاّ تقسطوا وتعدلوا في النّساء».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} في اليتامى قال: «كانوا في الجاهليّة ينكحون عشرًا من النّساء الأيامى، وكانوا يعظّمون شأن اليتيم، فتفقّدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهليّة » فقال: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع} ونهاهم عمّا كانوا ينكحون في الجاهليّة.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: « سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} كانوا في جاهليّتهم لا يرزءون من مال اليتيم شيئًا، وهم ينكحون عشرًا من النّساء، وينكحون نساء آبائهم، فتفقّدوا من دينهم شأن النّساء اليتامى فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن مخالطتهم ولم يتفقدوا من دينهم شان النساء، فوعظهم اللّه في اليتامى وفي النّساء، فقال في اليتامى: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} إلى: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} ووعظهم في شأن النّساء فقال: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} الآية، وقال: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النّساء} الآية».
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى}، إلى: {ما ملكت أيمانكم} يقول: « فإن خفتم الجور في اليتامى وغمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمع النّساء، قال: وكان الرّجل يتزوّج العشر في الجاهليّة فما دون ذلك، وأحلّ اللّه أربعًا وصيّرهم إلى أربعٍ، يقول: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً} وإن خفت ألاّ تعدل في واحدةٍ، فما ملكت يمينك».
وقال آخرون: معنى ذلك: « فكما خفتم في اليتامى، فكذلك فتخوّفوا في النّساء أن تزنوا بهنّ، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النّساء ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} يقول: « إن تحرّجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتحرّجوا من الزّنا، وانكحوا النّساء نكاحًا طيّبًا »: {مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم}.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
وقال آخرون: « بل معنى ذلك: وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى اللاّتي أنتم ولاتهنّ، فلا تنكحوهنّ، وانكحوا أنتم ما أحلّ لكم منهنّ ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} في اليتامى قالت: «نزلت في اليتيمة تكون عند الرّجل هو وليّها، ليس لها وليّ غيره، وليس أحدٌ ينازعه فيها، ولا ينكحها لمالها، فيضرّ بها، ويسيء صحبتها».
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا يونس، عن الحسن، في هذه الآية: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم} أي ما حلّ لكم من يتاماكم من قراباتكم {مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم}.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال الّتي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النّساء، فلا تنكحوا منهنّ إلاّ ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهنّ من واحدةٍ إلى الأربع، فإن خفتم الجور في الواحدة أيضًا فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنّه أحرى أن لا تجوروا عليهنّ.
وإنّما قلنا: إنّ ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه افتتح الآية الّتي قبلها بالنّهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقّها، وخلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوبًا كبيرًا} ثمّ أعلمهم أنّهم إن اتّقوا اللّه في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجب عليهم من اتّقاء اللّه، والتّحرّج في أمر النّساء مثل الّذي عليهم ظنّ التّحرّج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التّخلّص لهم من الجور فيهنّ، كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النّساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهنّ وحلّلته، مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم من عجز عن العدد الجوز على انفساكم في أمر الواحدة بأن تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها ولكن تسرّوا من المماليك، فإنّكم أحرى أن لا تجوروا عليهنّ؛ لأنّهنّ أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهنّ من الحقوق كالّذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السّلامة من الإثم والجور
ففي الكلام إذ كان المعنى ما قلنا، متروكٌ استغني بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أنّ معنى الكلام: وإن خفتم ألاّ تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها، فكذلك فخافوا ألاّ تقسطوا في حقوق النّساء الّتي أوجبها اللّه عليكم، فلا تتزوّجوا منهنّ إلاّ ما أمنتم معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدةً، وإن خفتم في الواحدة فما ملكت أيمانكم فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا أن تقسطوا في حقوق النّساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم}.
فإن قال قائلٌ: فأين جواب قوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى}؟ قيل: قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} غير أنّ المعنى الّذي يدلّ على أنّ المراد بذلك ما قلنا قوله: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاّ تعولوا}.
وقد بيّنّا فيما مضى قبل أنّ معنى الإقساط في كلام العرب: العدل والإنصاف، وأنّ القسط الجور والحيف، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأمّا اليتامى، فإنّها جمعٌ لذكران الأيتام وإناثهم في هذا الموضع.
وأمّا قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} فإنّه يعني: فانكحوا ما حلّ لكم منهنّ دون ما حرّم عليكم منهنّ.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ، قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} ما حلّ لكم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيّوب عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} يقول: ما حلّ لكم.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} ولم يقل: فانكحوا من طاب لكم، وإنّما يقال ما في غير النّاس؟ قيل: معنى ذلك على غير الوجه الّذي ذهبت إليه، وإنّما معناه: فانكحوا نكاحًا طيّبًا.
- كما: حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} فانكحوا النّساء نكاحًا طيّبًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
فالمعنيّ بقوله: {ما طاب لكم} الفعل دون أعيان النّساء وأشخاصهنّ، فلذلك قيل ما ولم يقل من، كما يقال: خذ من رقيقي ما أردت إذا عنيت خذ منهم إرادتك، ولو أردت خذ الّذي تريد منهم لقلت: خذ رقيقي من أردت منهم. وكذلك قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} بمعنى: أو ملك أيمانكم.
وإنّما عنى قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع} فلينكح كلّ واحدٍ منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قيل: {والّذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً} يعنى به فجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلده.
وأمّا قوله {مثنى وثلاث ورباع} فإنّهن ترك إجراؤهنّ لأنّهنّ معدولاتٌ عن اثنين وثلاثٍ وأربعٍ، كما عدل عمر عن عامرٍ وزفر عن زافرٍ فترك إجراؤه، وكذلك أحاد وثناء وموحد ومثنى ومثلث ومربع، لا يجري ذلك كلّه للعلّة الّتي ذكرت من العدول عن وجوهه، وممّا يدلّ على أنّ ذلك كذلك، وأنّ الذّكر والأنثى فيه سواءٌ، فقيل في هذه السّورة: مثنى وثلاث ورباع، يراد به الجناح، والجناح ذكرٌ، وأنّه أيضًا لا يضاف إلى ما يضاف إليه الثّلاثة والثّلاث، وأنّ الألف واللاّم لا تدخله، فكان في ذلك دليلٌ على أنّه اسمٌ للعدد معرفةٌ، ولو كان نكرةً لدخله الألف واللاّم وأضيف كما يضاف الثّلاثة والأربعة، وممّا يبيّن في ذلك قول تميم بن أبي مقبلٍ:.
ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه....... أحاد ومثنى أصعقتها صواهله.
فردّ أحاد ومثنى على النّعرات وهي معرفةٌ، وقد تجعلها العرب نكرةً فتجريها، كما قال الشّاعر:.
قتلنا به من بين مثنى وموحدٍ ...... بأربعةٍ منكم وآخر خامس
وممّا يبيّن أنّ ثناء وأحاد غير جاريةٍ قول الشّاعر:.
ولقد قتلتكم ثناء وموحدًا...... وتركت مرّة مثل أمس المدّابر وقول الشّاعر:.
ومنه قول صخر الغي:
منت لك أن تلاقيني المنايا...... أحاد أحاد في شهرٍ حلال
ولم يسمع من العرب صرف ما جاوز الرّباع والمربع عن جهته، لم يسمع منها خماسٌ ولا المخمس، ولا السّباع ولا المسبع وكذلك ما فوق الرّباع، إلاّ في بيتٍ للكميت، فإنّه يروى له في العشرة عشارٌ وهو قوله:
فلم يستريثوك حتّى رميت ...... فوق الرّجال خصالاً عشارا
يريد عشرًا عشرًا، يقال: إنّه لم يسمع غير ذلك.
وأمّا قوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً} فإنّ نصب واحدةٍ، بمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النّساء عندكم بنكاحٍ فيما أوجبه اللّه لهنّ عليكم، فانكحوا واحدةً منهنّ، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرّفع كان جائزًا بمعنى: فواحدةٌ كافيةٌ أو فواحدةٌ مجزئةٌ، كما قال جلّ ثناؤه: {فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان} وإن قال لنا قائلٌ: قد علمت أنّ الحلال لنا من جميع النّساء الحرائر بنكاح أربعٍ، فكيف قيل: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع} وذلك في العدد تسعٌ؟ قيل: إنّ تأويل ذلك: فانكحوا ما طاب لكم من النّساء، إمّا مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم؛ وإمّا ثلاثٌ إن لم تخافوا ذلك؛ وإمّا أربعٌ إن أمنتم ذلك فيهنّ، يدلّ على صحّة ذلك قوله: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً} لأنّ المعنى: فإن خفتم في الثّنتين فانكحوا واحدةً، ثمّ قال: وإن خفتم ألاّ تعدلوا أيضًا في الواحدة، فما ملكت أيمانكم.
فإن قال قائلٌ: فإنّ من قولك إن أمر اللّه ونهيه على الإيجاب والإلزام حتّى تقوم حجّةٌ بأنّ ذلك على التّأديب والإرشاد والإعلام، وقد قال تعالى ذكره: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} وذلك أمرٌ، فهل من دليلٍ على أنّه من الأمر الّذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب؟ قيل: نعم، والدّليل على ذلك قوله: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً} فكان معلومًا بذلك أنّ قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} وإن كان مخرجه مخرج الأمر، فإنّه بمعنى الدّلالة على النّهي عن نكاح ما خاف النّاكح الجور فيه من عدد النّساء، لا بمعنى الأمر بالنّكاح، فإنّ المعنيّ به: وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فتحرّجتم فيهنّ، فكذلك فتحرّجوا في النّساء، فلا تنكحوا إلاّ ما أمنتم الجور فيه منهنّ، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع، وقد بيّنّا في غير هذا الموضع بأنّ العرب تخرج الكلام بلفظ الأمر، ومعناها فيه النّهي أو التّهديد والوعيد، كما قال جلّ ثناؤه: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفّر} وكما قال: {ليكفروا بما آتيناهم فتمتّعوا فسوف تعلمون} فخرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التّهديد والوعيد، والزّجر والنّهي، فكذلك قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} بمعنى النّهي، فلا تنكحوا إلاّ ما طاب لكم من النّساء. وعلى النّحو الّذي قلنا في معنى قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم} يقول: فإن خفت ألاّ تعدل في واحدةٍ، فما ملكت يمينك.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {أو ما ملكت أيمانكم} السّراريّ.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم} «فإن خفت ألا تعدل في واحدةٍ فما ملكت يمينك ».
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، قوله: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا} قال: « في والحبّ. المجامعة ». [جامع البيان: 6/358-375]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا}
يعني بقوله تعالى ذكره: وإن خفتم ألاّ تعدلوا في مثنى أو ثلاثٍ أو رباعٍ فنكحتم واحدةً، أو خفتم ألاّ تعدلوا في الواحدة فتسرّرتم ملك أيمانكم؛ فهو أدنى، يعني أقرب ألاّ تعولوا، يقول: أن لا تجوروا ولا تميلوا، يقال منه: عال الرّجل فهو يعول عولاً وعيالةً، إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض؛ لأنّ سهامها إذا زادت دخلها النّقص؛ وأمّا من الحاجة، فإنّما يقال: عال فلا يعيل عيلةً، وذلك إذا احتاج، كما قال الشّاعر:.
وما يدري الفقير متى غناه ...... وما يدري الغنيّ متى يعيل
بمعنى يفتقر. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا يونس، عن الحسن: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} قال: « العول: الميل في النّساء ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثني حكّامٌ، عن عنبسة، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهدٍ، في قوله: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} يقول: «لا تميلوا ».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} أن لا تميلوا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. مثله.
- حدّثنا محمد ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو النّعمان محمّد بن الفضل، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة: {ألاّ تعولوا} قال: أن لا تميلوا ثمّ قال: أما سمعت إلى قول أبي طالبٍ:.
بميزان قسطٍ وزنه غير عائل.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن الزّبير، عن الحريت عن عكرمة في هذه الآية: {ألاّ تعولوا} قال: أن لا تميلوا قال: وأنشد بيتًا من شعرٍ زعم أنّ أبا طالبٍ قاله:.
بميزان قسطٍ لا يخسّ شعيرةً...... ووازن صدقٍ وزنه غير عائل
قال أبو جعفرٍ: ويروى هذا البيت على غير هذه الرّواية:.
بميزان قسطٍ لا يغلّ شعيرةً .... له شاهدٌ من نفسه غير عائل.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {ألاّ تعولوا} قال: «ألا تميلوا ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي إسحاق الكوفيّ، قال: « كتب عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه إلى أهل الكوفة في شيءٍ عاتبوه عليه فيه: إنّي لست بميزانٍ لا أعول ».
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثّام بن عليٍّ، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ، في قوله: {أدنى ألاّ تعولوا} قال: «لا تميلوا ».
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} « أدنى أن لا تميلوا ».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {ألاّ تعولوا} « قال: تميلوا ».
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} يقول: « ألا تميلوا ».
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} يقول «الا تميلوا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {أدنى ألاّ تعولوا} يعني: «ألا تميلوا ».
- حدّثنا محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} يقول: « ذلك أدنى ألا تميلوا».
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حصينٌ، عن أبي مالكٍ، في قوله: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} قال: « ألا تجوروا».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، وعارمٌ أبو النّعمان، قالا: حدّثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ، مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن مجاهدٍ: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا} قال: «تميلوا ».
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «{ذلك أدنى ألاّ تعولوا} ذلك أقلّ لنفقتك الواحدة، أقلّ من ثنتين وثلاثٍ وأربعٍ، وجاريتك أهون نفقةً من حرّةٍ {ألاّ تعولوا} أهون عليك في العيال». [جامع البيان: 6/376-380]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألّا تعولوا (3) }.
قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبدة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
في قول اللّه تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} قال: « هي اليتيمة تكون عند الرّجل، وهو وليّها فيتزوّجها على مالها ويسيء صحبتها، ولا يعدل في مالها، ويتزوّج ما طاب له من النّساء سواها مثنى وثلاث ورباع ».
- قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني يونس عن ابن شهابٍ، أخبرني عروة بن الزّبير أنّه سأل عائشة عن قول اللّه تعالى:{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} فقالت: « يا ابن أختي: هيا ليتيمة تكون في حجر وليّها يشاركها في مالها فيعجبه مالها، وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ من الصّداق».
- حدّثنا أبي، ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد الأعور، عن محمّد بن أبي موسى الأشعريّ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} يقول: « فإن خفتم عليهنّ الزّنا فانكحوهنّ، يقول: فكما خفتم في أموال اليتامى ألا تقسطوا فيها، كذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا ».
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ، ثنا النّفيليّ، ثنا عبيد اللّه بن عمرٍو الرّقّيّ، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية:{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } قال: «فكما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فخافوا ألا تعدلوا في النّساء، إنّما جمعتموهنّ عندكم».
- أخبرني عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ قال ابن جريح: كان مجاهدٌ يقول: «إن خفتم: إن تحرّجتم».
[الوجه الثّاني]:
- قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهبٍ قال يونس:وقال ربيعة في قول اللّه تعالى :{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى }قال: يقول: «اتركوهنّ إن خفتم، فقد أحللت لكم أربعاً ».
قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم}.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن فضيلٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ فانكحوا ما طاب لكم: ما أحلّ لكم- وروي عن سعيد بن جبيرٍ مثله.
قوله تعالى: {من النساء}.
[الوجه الأول]:
- قرأت على محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني يونس عن ابن شهابٍ، أخبرني عروة ابن الزّبير أنّه سأل عائشة عن قول اللّه تعالى :{فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} قالت: « أمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ ». قال عروة: قالت عائشة: «ثمّ إنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل اللّه تعالى: ويستفتونك في النّساء ».
- حدّثنا عليّ بن حربٍ الموصليّ، ثنا مالك بن سعيرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال اللّه عزّ وجلّ: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع }يقول: أحللت لك هؤلاء فدع هذه. قال أبو محمّدٍ: يعني: الّتي يضرّ بها- وروي عن أبي صالحٍ نحو ذلك.
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا نصر بن عليٍّ، أنبأ يزيد بن زريعٍ، عن يونس، عن الحسن «ما طاب لكم من النّساء: ما هي لكم من نسائكم من قرابتكم».
[الوجه الثّالث]:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: «ما طاب لكم من النساء يقول: نكاحا طيبا ».
قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «قصر الرّجال على أربع نسوةٍ من أجل أموال اليتامى».
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قال: «كانوا في الجاهليّة ينكحون عشراً من النّساء الأيامى، وكانوا يعظّمون شأن اليتيم، فتفقّدوا من دينهم شأن اليتامى، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهليّة. قال: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فنهاهم عمّا كانوا ينكحون في الجاهليّة ».
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبدة، أنبأ حمّادٌ، عن أيّوب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «بعث اللّه تعالى محمّداً صلّى اللّه عليه وسلّم والنّاس على أمر جاهليّتهم، إلا أن يؤمروا بشيءٍ وينهوا عنه، وكانوا يسألون عن اليتامى وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فقصرهم على الأربعة ».
قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا}.
- حدّثنا أبي، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا مباركٌ، عن الحسن قال: {العدل في النّساء ألا تميلوا}.
قوله تعالى: {فواحدةً}.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً يقول: {إن خفت ألا تعدل في أربعٍ فثلاثٌ وإلا فاثنتين وإلا فواحدةً}.
قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم}.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله:فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم قال: السّراريّ- وروي عن مقاتل بن حيّان نحو ذلك.
قوله تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا محمّد بن عوفٍ الحمصيّ، وعلان بن المغيرة المصريّ قالا: ثنا عبد الرّحمن بن إبراهيم يعني دحيماً ثنا محمّد بن شعيبٍ، عن عمر بن محمّد بن زيدٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: « ذلك أدنى ألا تعولوا قال: ألا تجوروا. »قال أبي: هذا حديثٌ خطأٌ، الصّحيح عن عائشة موقوفٌ، وروي عن ابن عبّاسٍ، وعائشة، ومجاهدٍ وعكرمة، والحسن وأبي مالكٍ، وأبي رزينٍ والنّخعيّ، والشّعبيّ والضّحّاك، وعطاءٍ الخراسانيّ، وقتادة والسّدّيّ، ومقاتل بن حيّان أنّهم قالوا: « ألا تميلوا ».
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ حمّاد بن زيدٍ، عن الزّبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: {أدنى ألا تعولوا } قال «ألا تميلوا ». وأنشد بيتاً قاله أبو طالبٍ:
بميزان قسطٍ لا يخيس شعيرةً ..... ووزّان صدق وزنه غير عائلٍ.
- قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني اللّيث بن سعدٍ، عن سعيد بن أبي هلالٍ، عن زيد بن أسلم في قول اللّه تعالى:{ ذلك أدنى ألا تعولوا} يقول: «ذلك أدنى ألا يكثر من تعولوا ».
[الوجه الثّالث]:
- أخبرنا أبو محمد بن ابنة الشّافعيّ فيما كتب إليّ، عن أبيه أو عمّه، عن سفيان بن عيينة قوله: ذلك أدنى ألا تعولوا أي: «ألا تفتقروا ». [تفسير القرآن العظيم: 3/857-860]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله:{ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } يقول « إن تحرجتم من ولاية أموال اليتامى إيمانا وتصديقا فما تأتون في جمعكم النساء أعظم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع يقول وكذلك فتحرجوا من الزنا». [تفسير مجاهد: 144]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله:{ أدنى ألا تعولوا } «ألا تميلوا». [تفسير مجاهد: 144]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م د س) عائشة رضي الله عنها قالت: إنّ رجلاً كانت له يتيمةٌ فنكحها، وكان له عذق نخلٍ، فكانت شريكته فيه وفي ماله، فكان يمسكها عليه، ولم يكن له من نفسه شيءٌ، فنزلت: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى...} الآية.
وفي رواية: أنّ عروة سألها عن قوله تعالى: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا - إلى قوله - أو ما ملكت أيمانكم} قالت: « يا بن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصّداق، وأمروا بنكاح من سواهنّ، قالت عائشة: فاستفتى النّاس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النّساء - إلى - وترغبون أن تنكحوهن} فبيّن الله لهم أنّ اليتيمة إذا كانت ذات جمالٍ ومالٍ رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنّتها في إكمال الصّداق، وإذا كانت مرغوباً عنها في قلّة المال والجمال، تركوها، والتمسوا غيرها من النساء، قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، ليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها، ويعطوها حقّها الأوفى من الصداق».
وفي رواية نحوه، وفيه قالت: «يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، ويريد أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سنّتهنّ من الصداق».
وفيه: قالت عائشة، والذي ذكر الله أنّه {يتلى عليكم في الكتاب....} الآية الأولى، التي قال فيها: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم} قالت: وقول الله عز وجل في الآية الآخرة {وترغبون أن تنكحوهن}: «رغبة أحدهم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن».
زاد في روايةٍ آخرة: من أجل رغبتهم عنهن، إذا كنّ قليلات المال والجمال.
وفي أخرى عنها في قوله: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن..} إلى آخر الآية. قال: « هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، قد شركته في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوّجها غيره، فيدخل عليه في ماله، فيحبسها، فنهاهم الله عن ذلك». هذه روايات البخاري ومسلم، وأخرج أبو داود، والنسائي أتمها.
وزاد أبو داود: قال يونس، وقال ربيعة في قول الله: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى} قال: يقول: اتركوهنّ إن خفتم، فقد أحللت لكم أربعاً.
[شرح الغريب]
(عذق) بفتح العين: النخلة مع حملها، وهو المراد هاهنا، وبكسرها: القنو بما فيه من الرطب.
(تقسطوا) قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، والمراد ها هنا: العدل.
(حجر وليها) الحجر: حجر الإنسان، وهو معروف، والحجر: المنع من التصرف، والولي هاهنا: هو القائم بأمر اليتيم.
والمعروف هاهنا: هو القصد في النفقة، وترك الإسراف، أي فليقتصد). [جامع الأصول: 2/77-79]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (أخبرنا ابن سلم أنبأنا عبد الرّحمن بن إبراهيم حدّثنا محمّد بن شعيب عن محمّد بن عمر العمريّ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: {ذلك أدنى ألّا تعولوا} قال: « أن لا تجوروا ». [موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1/428]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن عروة بن الزبير أنه سال عائشة عن قول الله :{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} قالت: «يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله {ويستفتونك في النساء} قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من باقي النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال ».
وأخرج البخاري عن عائشة أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: «نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه ثم يضربها ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك ».
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: «كان الرجل من قريش يكون عند النسوة ويكون عند الأيتام فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام »، فنزلت هذه الآية {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} الآية.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: «كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والست والعشر فيقول الرجل: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فيأخذ مال يتيمة فيتزوج به فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع».
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: «كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى فنهى الله عن ذلك».
وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: « قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى ».
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: « بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه فكانوا يسألون عن اليتامى ولم يكن للنساء عدد ولا ذكر فأنزل الله {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم} الآية، وكان الرجل يتزوج ما شاء فقال: كما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، فقصرهم على الأربع ».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: «كانوا في الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى وكانوا يعظمون شأن اليتيم فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية ».
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال: «كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا أن لا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهن عندكم ».
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: «كانوا في الجاهلية لا يرزؤن من مال اليتيم شيئا وهم ينكحون عشرا من النساء وينكحون نساء آبائهم فتفقدوا من دينهم شأن النساء ».
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عن ابن عباس في الآية يقول: «فإن خفتم الزنا فانكحوهن يقول: كما خفتم في أموال اليتامى أن لا تقسطوا فيها كذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية يقول: «إن تحرجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانا وتصديقا فكذلك فتحرجوا من الزنا وانكحوا النساء نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع ».
وأخرج عبد بن حميد عن ابن إدريس قال أعطاني الأسود بن عبد الرحمن بن الأسود مصحف علقمة فقرأت {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} بالألف فحدثت به الأعمش فأعجبه وكان الأعمش لا يكسرها، لا يقرأ طيب بمال وهي في بعض المصاحف بالياء (طيب لكم).
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي مالك {ما طاب لكم} قال: «ما أحل لكم».
وأخرج ابن جرير عن الحسن وسعيد بن جبير {ما طاب لكم} قال: «ما حل لكم».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن عائشة {ما طاب لكم} يقول: «ما أحللت لكم »، قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع}.
أخرج الشافعي، وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي، وابن ماجة والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: اختر منهن - وفي لفظ - أمسك أربعا وفارق سائرهن.
وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: اختر منهن أربعا وخل سائرهن ففعلت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: قال عمر: «من يعلم ما يحل للمملوك من النساء قال رجل: أنا، امرأتين فسكت».
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في "سننه" عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في {فإن خفتم ألا تعدلوا} الآية «يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث وإلا فاثنتين وإلا فواحدة فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك».
وأخرج ابن جرير عن الربيع، مثله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك {فإن خفتم ألا تعدلوا} قال: « في المجامعة والحب ».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي {أو ما ملكت أيمانكم} قال: السراري.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {أو ما ملكت أيمانكم} فكانوا في حلال مماملكت أيمانكم من الإماء كلهن، ثم أنزل الله بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها ونكاح ما نكح الآباء والأبناء وأن يجمع بين الأخت والأخت من الرضاعة والأم من الرضاعة والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حر من حرة أو أمة.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال: «أن لا تجوروا »قال ابن ابي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ والصحيح عن عائشة موقوف.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {ألا تعولوا} قال: «أن لا تميلوا».
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله :{ذلك أدنى ألا تعولوا} قال: « أجدر أن لا تميلوا »، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ..... قول النّبيّ وعالوا في الموازين.
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير والمنذر
وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {ألا تعولوا} قال: « أن لا تميلوا»، ثم قال: أما سمعت قول أبي طالب:
بميزان قسط لا تخيس سعيرة .......ووازن صدق وزنه غير عائل.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي إسحاق الكوفي قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرحمن، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {ألا تعولوا} قال: « أن لا تميلوا ».
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: {ذلك أدنى} أن لا يكثر من تعولوا.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من عدد وجاريتك أهون نفقة من حرة أهون عليك في العيال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة {ألا تعولوا} قال: أن لا تفتقروا، والله تعالى أعلم). [الدر المنثور: 4/217-226]

تفسير قوله تعالى: (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن السّدّيّ عن يعفور بن المغيرة بن شعبة عن عليّ بن أبي طالبٍ قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم
قال سفيان [الثوري]: أو نحوها فليشتري بها عسلًا فليشربه بماء السّماء فيجمع الشفاء ومباركا و(هنيا مريا) .
سفيان [الثوري] عن منصورٍ عن إبراهيم عن علقمة أنّه كان يقول لامرأته أطعمينا من ذاك الهني المري يعني مالها ثمّ يتأوّل فكلوه (هنيا مريا)). [تفسير الثوري: 87]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: نا سيّار، عن أبي صالحٍ - في قوله عزّ وجلّ: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}، قال: «كان الزّوج إذا زوّج أيّمه أخذ صداقها، فنهوا عن ذلك».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا هشيمٌ، قال: أخبرني عبيدة، قال: قال لي إبراهيم: هل أكلت من الهنيء المريء؟ قال: وما ذاك؟ قال: من مهر امرأتك). [سنن سعيد بن منصور: 3/1147-1149]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (ويذكر عن ابن عبّاسٍ: {لا تعضلوهنّ} :«لا تقهروهنّ» ، {حوبًا}:«إثمًا» ، {تعولوا}:«تميلوا» ، {نحلةً}:«النّحلة المهر». [صحيح البخاري: 6/44] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله نحلةً فالنّحلة المهر كذا لأبي ذرٍّ ولغيره بغير فاءٍ قال الإسماعيليّ إن كان ذلك من تفسير البخاريّ ففيه نظرٌ فقد قيل فيه غير ذلك وأقرب الوجوه أنّ النّحلة ما يعطونه من غير عوضٍ وقيل المراد نحلةٌ ينتحلونها أي يتديّنون بها ويعتقدون ذلك قلت والتّفسير الّذي ذكره البخاريّ قد وصله بن أبي حاتمٍ والطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ في قوله تعالى:{ وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} قال النّحلة المهروروى الطّبريّ عن قتادة قال نحلةً أي فريضةً ومن طريق عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم قال النّحلة في كلام العرب الواجب قال ليس ينبغي لأحدٍ أن ينكح إلّا بصداقٍ كذا قال والنّحلة في كلام العرب العطيّة لا كما قال بن زيدٍ ثمّ قال الطّبريّ وقيل إنّ المخاطب بذلك أولياء النّساء كان الرّجل إذا زوّج امرأةً أخذ صداقها دونها فنهوا عن ذلك ثمّ أسنده إلى سيّارٍ عن أبي صالحٍ بذلك واختار الطّبريّ القول الأوّل واستدلّ له تنبيهٌ محلّ هذه التّفاسير من قوله حوبًا إلى آخرها في أوّل السّورة وكأنّه من بعض نسّاخ الكتاب كما قدّمناه غير مرّةٍ وليس هذا خاصًّا بهذا الموضع ففي التّفسير في غالب السّور أشباه هذا). [فتح الباري: 8/246]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
ويذكر عن ابن عبّاس : {لا تعضلوهن} «لا تقهروهن »{حوبا } «إثمًا » {تعولوا }« تميلوا» {نحلة} «النحلة المهر»...
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس {وآتوا النّساء صدقاتهن نحلة} يعني النحلة المهر). [تغليق التعليق: 4/194-195]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (نحلةً النّحلة المهر
أشار به إلى ما في قوله تعالى: {وآتوا النّساء صدقاتهن نحلة}وفسرها بقوله: المهر، وفي رواية أبي ذر، (فالنحلة المهر) بالفاء، وقال الإسماعيليّ: إن كان هذا التّفسير من البخاريّ ففيه نظر وقد قيل فيه غير ذلك، وأقرب الوجوه، أن النحلة ما يعطونه من غير عوض، ورد عليه بأن ابن أبي حاتم والطبري قد رويا من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وآتوا النّساء صدقاتهن نحلة} قال: «النحلة المهر »، وقال: قاتل وقتادة وابن جريج، نحلة أي: فريضة مسمّاة. وقال ابن دريد: النحلة في كلام العرب الواجب. تقول لا ينكحها إلاّ بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النّبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلاّ بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حق. قوله: {وآتوا النّساء صدقاتهن}، الخطاب الناكحين. أي: اعطوا النّساء مهورهن، والصّدقات جمع صدقة، بفتح الصّاد وضم الدّال. وهي لغة أهل الحجاز وتميم تقول: صدقة، بضم الصّاد وسكون الدّال فإذا جمعوا يقولون: صدقات بضم الصّاد وسكون الدّال ويضمها أيضا. مثل: ظلمات، وانتصاب نحلة على المصدر لأن النحلة الإيتاء بمعنى الإعطاء أو على الحال من المخاطبين أي: آتوهم صدقاتهن ناحلين طيبي النّفوس بالإعطاء أو من الصّدقات أي: منحولة معطاة عن طيب الأنفس). [عمدة القاري: 18/168]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن} {نحلة} قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري (النحلة) ولأبي ذر فالنحلة (المهر) وقيل فريضة مسماة وقيل عطية وهبة وسمي الصداق نحلة من حيث إنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عوض مالي). [إرشاد الساري: 7/79]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}.
قال أبو جعفرٍ: يعني بذلك تعالى ذكره: وأعطوا النّساء مهورهنّ عطيّةً واجبةٌ، وفريضةً لازمةً؛ يقال منه: نحل فلانٌ فلانًا كذا، فهو ينحله نحلةً ونحلاً.
- كما: حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} يقول: «فريضةً ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: أخبرني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} يعني بالنّحلة: المهر.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} قال: «فريضةً مسمّاةً ».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ، يقول في قوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} قال: النّحلة في كلام العرب: الواجب يقول: لا ينكحها إلاّ بشيءٍ واجبٍ لها صدقةً، يسمّيها لها واجبةً، وليس ينبغي لأحدٍ أن ينكح امرأةً بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلاّ بصداقٍ واجبٍ، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصّداق كذبًا بغير حقٍّ.
وقال آخرون: بل عنى بقوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} أولياء النّساء، وذلك أنّهم كانوا يأخذون صدقاتهنّ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن سيّارٍ، عن أبي صالحٍ، قال: كان الرّجل إذا زوّج أيّمةً أخذ صداقها دونها، فنهاهم اللّه تبارك وتعالى عن ذلك ونزلت: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً}.
وقال آخرون: « بل كان ذلك من أولياء النّساء، بأن يعطي الرّجل أخته الرّجل، على أن يعطيه الآخر أخته، على أنّ لا كثير مهرٍ بينهما، فنهوا عن ذلك».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرميٌّ أنّ أناسًا كانوا يعطي هذا الرّجل أخته ويأخذ أخت الرّجل، ولا يأخذون كبير مهرٍ فقال اللّه تبارك وتعالى: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً}.
قال أبو جعفرٍ: وأولى التّأويلات الّتي ذكرناها في ذلك التّأويل الّذي قلناه، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب النّاكحين النّساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهنّ، وعرّفهم سبيل النّجاة من ظلمهن؛ ولا دلالة في الآية على أنّ الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنّ الّذين قيل لهم: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع} هم الّذين قيل لهم: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ} وأنّ معناه: وآتوا من نكحتم من النّساء صدقاتهنّ نحلةً، لأنّه قال في الأوّل: {فانكحوا ما طاب لكم من النّساء} ولم يقل: فانكحوا فيكون قوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ} مصروفًا إلى أنّه معنيٌّ به أولياء النّساء دون أزواجهنّ، وهذا أمرٌ من اللّه أزواج النّساء المدخول بهنّ والمسمّى لهنّ الصّداق ياتيائهنّ صدقاتهنّ دون المطلّقات قبل الدّخول ممّن لم يسمّ لها في عقد النّكاح صداقٌ). [جامع البيان: 6/380-382]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإنّ وهب لكم أيّها الرّجال نساؤكم شيئًا من صدقاتهنّ، طيّبةً بذلك أنفسهنّ، فكلوه هنيئًا مريئًا.
- كما: حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا عمارة، عن عكرمة: {فإن طبن لكم عن شيءٍ، منه نفسًا} قال: المهر.
- حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثني حرميّ بن عمارة، قال: حدّثنا شعبة، عن عمارة عن عكرمة، عن عمارة، في قول اللّه تبارك وتعالى: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا} قال: «الصّدقات».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثني الحمّانيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ: {فإن طبن لكم عن شيءٍ، منه نفسًا} قال: «الأزواج ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عبيدة، قال: قال لي إبراهيم: « أكلت من الهنيء المريء؟ قلت: ما ذاك؟ قال: امرأتك أعطتك من صداقها ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: « دخل رجلٌ على علقمة وهو يأكل من طعامٍ بين يديه، من شيءٍ أعطته امرأته من صداقها أو غيره، فقال له علقمة: ادن، فكل من الهنيء المريء».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {فإن طبن لكم عن شيءٍ، منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا} يقول: « إذا كان غير إضرارٍ ولا خديعةٍ، فهو هنيءٌ مريءٌ كما قال اللّه جلّ ثناؤه».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا} قال: الصّداق {فكلوه هنيئًا مريئًا}.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ، يقول في قوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا}.قال «طبن لكم بشى من الصدق نفسا بعد ان توجبوه لهن فكلو هنيئا مريئا».
- حدّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم حضرميّ أنّ أناسًا، كانوا يتأثّمون أن يرجع أحدهم في شيءٍ ممّا ساق إلى امرأته فقال اللّه تبارك وتعالى: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا} يقول: «ما طابت به نفسًا في غير كرهٍ أو هوانٍ، فقد أحلّ اللّه لك ذلك أن تأكله هنيئًا مريئًا ».
وقال آخرون: بل عني بهذا القول أولياء النّساء، فقيل لهم: إن طابت أنفس النّساء اللّواتي إليكم عصمة نكاحهنّ بصدقاتهنّ نفسًا، فكلوه هنيئًا مريئًا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: حدّثنا سيّارٌ، عن أبي صالحٍ، في قوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا} قال: كان الرّجل إذا زوّج ابنته عمد إلى صداقها فأخذه، قال: فنزلت هذه الآية في الأولياء: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}
وأولى التّأويلين في ذلك بالصّواب، التّأويل الّذي قلنا وأنّ الآية مخاطبٌ بها الأزواج؛ لأنّ افتتاح الآية مبتدأٌ بذكرهم، وقوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا} في سياقه.
وإن قال قائلٌ: فكيف قيل: فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا، وقد علمت أنّ معنى الكلام: فإن طابت لكم أنفسهنّ بشيءٍ؟ وكيف وحدّت النّفس والمعنى للجميع، وذلك أنّه تعالى ذكره قال: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} قيل: أمّا نقل فعل النّفوس إلى أصحاب النّفوس، فإنّ ذلك المستفيض في كلام العرب من كلامها المعروف: ضقت بهذا الأمر ذراعًا وذرعًا، وقررت بهذا الأمر عينًا، والمعنى: ضاق به ذرعي، وقرّت به عيني، كما قال الشّاعر:.
إذا التّيّاز ذو العضلات قلنا ....... إليك إليك ضاق بها ذراعا
فنقل صفة الذّراع إلى ربّ الذّراع، ثمّ أخرج الذّراع مفسّرةً لموقع الفعل، وكذلك وحّد النّفس في قوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا} إذ كانت النّفس مفسّرةً لموقع الخبر وأمّا توحيد النّفس فان اهل العربيه اجزاء النفس من النّفوس؛ لأنّه إنّما أراد الهوى، والهوى يكون جماعةً، كما قال الشّاعر:.
بها جيف الحسرى فأمّا عظامها ....... فبيضٌ وأمّا جلدها فصليب
وكما قال الآخر:
في حلقكم عظمٌ وقد شجينا
وقال بعض نحويّي الكوفة: جائزٌ في النّفس في هذا الموضع الجمع والتّوحيد؛ فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا وأنفسًا، وضقت به ذراعًا وذرعًا وأذرعًا؛ لأنّه منسوبٌ إليك، وإلى من تخبر عنه، فاكتفى بالواحد عن الجمع لذلك، ولم يذهب الوهم إلى أنّه ليس بمعنى جمعٍ لأنّ قبله جمعًا.
والصّواب من القول في ذلك عندنا أنّ النّفس وقع موقع الأسماء الّتي تأتي بلفظ الواحد مؤدّيةً عن معنى الجمع عن الجمع. استغناء بمعرفتهم بمعناه اذا ذ كر بلفظ الوحده انه بمعنى الجمع الجمع
وأمّا قوله: {هنيئًا} فإنّه مأخوذٌ من هنّأت البعير بالقطران: إذا جرب فعولج به، كما قال الشّاعر:.
متبذّلاً تبدو محاسنه ....... يضع الهناء مواضع النّقب
فكان معنى قوله: {فكلوه هنيئًا مريئًا} فكلوه دواءً شافيًا، يقال منه: هنأني الطّعام ومرأني: أي صار لي دواءً وعلاجًا شافيًا، وهنئني ومرئني بالكسر، وهي قليلةٌ، والّذين يقولون هذا القول يقولون يهنأني ويمرأني، والّذين يقولون هنّأني، يقولون: يهنّئني ويمرّئني، فإذا أفردوا، قالوا: قد أمرأني هذا الطّعام ولايقولون هذا الطعام مراءة، ويقال: هنأت القوم: إذا علتهم، سمع من العرب من يقول: إنّما سمّيت هانئًا لتهنأ، بمعنى: لتعول وتكفي). [جامع البيان: 6/382-387]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا (4) }.
قوله تعالى: {وآتوا النّساء}.
- حدّثنا أحمد بن مهديٍّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا هشيمٌ، عن سيّارٍ أبي الحكم، عن أبي صالحٍ قال: «كان الرّجل إذا زوّج أيّمةً أخذ صداقها دونها، فنهاهم اللّه عن ذلك ونزل: وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً ».
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: وآتوا النساء يقول: « أعطوا النساء ».
قوله تعالى: {صدقاتهنّ}.
- حدّثنا محمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عميرٍ الخثعميّ، عن عبد الملك بن المغيرة الطّائفيّ، عن عبد الرّحمن بن البيلمانيّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً » قالوا: يا رسول اللّه، فما العلائق بينهنّ؟ قال: « ما يراضي عليه أهلوهم ».
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، ثنا بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان: «وآتوا النّساء صدقاتهنّ يقول:مهورهنّ ».
قوله تعالى: {نحلة}.
[الوجه الأول]:
- ذكر عن محمّد بن سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً قالت: واجبةً.
قال أبو محمّدٍ: وروي عن قتادة، ومقاتل بن حيّان قالا: فريضةً.
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: «وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً: المهر».
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريح: « وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً قال: فريضةً مسمّاةً ».
قوله تعالى: {فإن طبن لكم}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا الحسين بن السّكن البصريّ، ثنا أبو زيدٍ النّحويّ، ثنا قيسٌ عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: «فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً قال: هي للأزواج».
- قرأت على محمّد بن الفضل بن موسى، ثنا محمّد بن عليٍّ، ثنا محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: «فإن طبن لكم عن شيءٍ للأزواج».
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن المغيرة، أنبأ يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة قوله: فإن طبن لكم يقول: « ما طابت به نفسها في غير كرهٍ أو هوانٍ، فقد أحلّ اللّه لك أن تأكله هنيئاً مريئاً ».
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أبي، ثنا يزيد بن عبد العزيز وعليّ بن هاشمٍ قالا: ثنا هشيمٌ، عن سيّارٍ، عن أبي صالحٍ في قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً قال: كان الرّجل إذا زوّج ابنته أخذ صداقها، فنهوا عن ذلك}.
قوله تعالى: {عن شيءٍ منه نفساً}.
- حدّثنا أبي، ثنا هشام بن خالدٍ، ثنا الوليد بن مسلمٍ، أنبأ خليدٌ يعني: ابن دعلجٍ، عن الحسن في قول اللّه تعالى: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا إلى الممات قال: فلها أن ترجع حتّى الموت}.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا هشام بن خالدٍ، ثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن أبي يونس، عن أبي هريرة مثله قال أبو محمّدٍ: وروي عن مجاهدٍ نحو ذلك.
- قرأت على محمّدٍ، ثنا محمّدٌ، أنبأ محمّدٌ، عن بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله:{ فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً قال: من المهر- قال أبو محمّدٍ: وروي عن عكرمة مثل قول مقاتلٍ}.
قوله تعالى: {فكلوه هنيئاً مريئاً}.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان، عن السّدّيّ، عن يعفور بن المغيرة بن شعبة، عن عليٍّ قال: «إذا اشتكى أحدكم شيئاً، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع عسلا، ثمّ يأخذ ماء السّماء، فيجتمع هنيئاً مريئاً... شفاءً... مباركاً».
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: فكلوه هنيئاً مريئاً يقول: «إذا كان من غير إضرارٍ ولا خديعة، فهو هنيء مرئ كما قال اللّه عزّ وجلّ».
- قال أبو محمّدٍ: وروي عن علقمة نحو قول عليّ بن أبي طالبٍ). [تفسير القرآن العظيم: 3/860-862]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيمه أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك ونزلت {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل ولا يأخذون كبير مهر، فقال الله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {وآتوا النساء} يقول: « أعطوا النساء »{صدقاتهن} يقول: « مهورهن».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {نحلة} قال: «يعني بالنحلة المهر».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة {نحلة} قالت «واجبة».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال: «فريضة مسماة».
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال النحلة في كلام الواجب يقول: «لا تنكحها إلا بشيء واجب لها وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب ».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة {نحلة} قال: «فريضة ».
وأخرج أحمد، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لو أن رجلا أعطى امرأة صداقها ملء يديه طعاما كانت له حلالا ».
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي لبيبة عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من استحل بدرهم فقد استحل ».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة «أن رجلا تزوج على نعلين فأجاز النّبيّ صلى الله عليه وسلم نكاحه».
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : «من نكح امرأة وهو يريد أن يذهب بمهرها فهو عند الله زان يوم القيامة».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة وأم سلمة قالتا: «ليس شيء أشد من مهر امرأة وأجر أجير».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {فإن طبن لكم} قال: «هي للأزواج ».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة {فإن طبن لكم عن شيء منه} قال: « من الصداق ».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} يقول: « إذا كان من غير إضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله».
وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناسا كانوا يتأثمون أن يراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته فقال الله :{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: « إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلا وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنيئا مريئا وشفاء ومباركا ».
وأخرج ابن سعد عن علقمة أنه كان يقول لامرأته: أطعمينا من ذلك الهنيء المريء يتأول هذه الآية). [الدر المنثور: 4/226-229]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 07:57 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب...}
يقول:
« لا تأكلوا أموال اليتامى بدل أموالكم، وأموالهم عليكم حرام، وأموالكم حلال».
وقوله: {إنّه كان حوباً كبيراً}
الحوب: الإثم العظم. ورأيت بني أسد يقولون الحائب: «القاتل، وقد حاب يحوب».
وقرأ الحسن {إنه كان حوبا كبيرا} ). [معاني القرآن: 1/253]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): {إنّه كان حوباً كبيراً}
أي:« إثماً»، قال أميّة بن الأسكر اللّيثيّ:
وإنّ مهاجرين تكنّفاه..... غداة إذٍ لقد خطئا وحابا
وقال الهذليّ:
ولا تخنوا عليّ ولا تشطّوا...... بقول الفخر إنّ الفخر حوب). [مجاز القرآن: 1/113-114]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوباً كبيراً}.
قال: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي:
« مع أموالكم »{إنّه كان حوباً كبيرا} يقول: « أكلها كان حوباً كبيراً ». [معاني القرآن: 1/191]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): {حوبا}:
« إثما ». [غريب القرآن وتفسيره: 113]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ):{ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}
أي:
«مع أموالكم مضمومة إليها ».
و(الحوب) الإثم. وفيه ثلاث لغات: حوب. وحوب. وحاب). [تفسير غريب القرآن: 118]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): («إلى» مكان «مع»
قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}،
أي: مع أموالكم. ومثله: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}، أي: مع الله.

والعرب تقول: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إِبِلٌ، أي مع الذَّوْدِ.
قال ابن مفرِّغ:
شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوابِقَ فِيهِمْ ..... فِي وُجُوهٍ إِلَى اللِّمَام ِالجِعَادِ
أراد مع اللِّمَامِ الجِعَادِ). [تأويل مشكل القرآن: 571] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوبا كبيرا
}أي:« أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى – بعد أن يؤنس منهم الرّشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي - صلى الله عليه وسلم - يتيم أبي طالب ».
وقوله - عزّ وجلّ -: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب
} الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال اليتيم بدلا من مالكم، وكذلك لا تأكلوا (أيضا) {أموالهم إلى أموالكم}.
أي: لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي: إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم.
{إنّه كان حوبا كبيرا
}والحوب: الإثم العظيم، والحوب فعل الرجل، تقول: حاب حوبا كقولك قد خان خونا). [معاني القرآن: 2/7-8]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال الضحاك:
«لا تعطوهم زيوفا بجياد».
وقال غيره: « لا تتبدلوا الحرام بالحلال ». [معاني القرآن: 2/9]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): ثم قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قيل المعنى مع أموالكم والأجود أن تكون إلى في موضعها ويكون المعنى: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم). [معاني القرآن: 2/9]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): ثم قال عز وجل: {إنه كان حوبا كبيرا} قال قتادة:
« الحوب الإثم».
وروي أن أبا أيوب طلق امرأته أو عزم على أن يطلقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن طلاق أم أيوب لحوب». [معاني القرآن: 2/10]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): قوله تبارك وتعالى: {حوبا كبيرا} أي:
« إثما عظيما». [ياقوتة الصراط: 195]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): (قوله: {إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي:
«مع أموالكم».
والحوب: الإثم، ويقال: حوب وحاب. [تفسير المشكل من غريب القرآن: 57]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ( الحُوبُ: الإثم). [العمدة في غريب القرآن: 105]


تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)}.
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): وقوله: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم...}.
واليتامى في هذا الموضع أصحاب الأموال، فيقول القائل: ما عدل الكلام من أموال اليتامى إلى النكاح؟ فيقال: إنهم تركوا مخالطة اليتامى تحرّجا، فأنزل الله تبارك وتعالى: فإن كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فاحرجوا من جمعكم بين النساء ثم لا تعدلون بينهن، {فانكحوا ما طاب لكم} يعني الواحدة إلى الأربع.
فقال تبارك وتعالى: {ما طاب لكم} ولم يقل: من طاب. وذلك أنه ذهب إلى الفعل كما قال {أو ما ملكت أيمانكم} يريد: أو ملك أيمانكم. ولو قيل في هذين (من) كان صوابا، ولكن الوجه ما جاء به الكتاب، وأنت تقول في الكلام: خذ من عبيدي ما شئت، إذا أراد مشيئتك، فإن قلت: من شئت، فمعناه: خذ الذي تشاء.
وأما قوله: {مثنى وثلاث ورباع} فإنها حروف لا تجرى، وذلك أنهن مصروفات عن جهاتهنّ؛ ألا ترى أنهنّ للثلاث والثلاثة، وأنهن لا يضفن إلى ما يضاف إليه الثلاثة والثلاث، فكان لامتناعه من الإضافة كأنّ فيه الألف واللام، وامتنع من الألف واللام لأن فيه تأويل الإضافة؛ كما كان بناء الثلاثة أن تضاف إلى جنسها، فيقال: ثلاث نسوة، وثلاثة رجال، وربما جعلوا مكان ثلاث ورباع مثلث ومربع، فلا يجري أيضا؛ كما لم يجر ثلاث ورباع لأنه مصروف، فيه من العلّة ما في ثلاث ورباع، ومن جعلها نكرة وذهب بها إلى الأسماء أجراها.
والعرب تقول: ادخلوا ثلاث ثلاث، وثلاثا ثلاثا.
وقال الشاعر:
وإنّ الغلام المستهام بذكره .... قتلنا به من بين مثنىً وموحد
بأربعةٍ منكم وآخر خامسٍ .... وسادٍ مع الإظلام في رمح معبد

فوجه الكلام ألاّ تجرى وأن تجعل معرفة؛ لأنها مصروفة، والمصروف خلقته أن يترك على هيئته، مثل: لكع ولكاع، وكذلك قوله: {أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع}.
والواحد يقال فيه: موحد وأحاد ووحاد، ومثنى وثناء؛ وأنشد بعضهم:
ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه .... أحاد ومثنى أصعقتها صواهله
وقوله: {فواحدةً} تنصب على: فإن خفتم ألاّ تعدلوا على الأربع في الحبّ والجماع فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم لا وقت عليكم فيه، ولو قال: فواحدةٌ، بالرفع كان كما قال {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} كان صوابا على قولك: فواحدة (مقنع، فواحدة) رضا.
وقوله: {ذلك أدنى ألاّ تعولوا}: ألاّ تميلوا.
وهو أيضا في كلام العرب: قد عال يعول. وفي قراءة عبد الله: (ولا يعل أن يأتيني بهم جميعا) كأنه في المعنى: ولا يشق عليه أن يأتيني بهم جميعا. والفقر يقال منه عال يعيل عيلة؛ وقال الشاعر:
ولا يدري الفقير متى غناه * ولا يردى الغني متى يعيل). [معاني القرآن: 1/253-255].
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): {وإن خفتم ألاّ تقسطوا} وإن أيقنتم ألاّ تعدلوا.

{من النّساء مثنى}
أي: ثنتين، ولا تنوين فيها، قال ابن عنمة الضّبي:
يباعون بالبعران مثنى وموحدا
وقال الشاعر:
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه ...... ذئابٌ تبغّي الناس مثنى وموحدا
قال النحويون: لا ينوّن (مثنى) لأنه مصروف عن حدّه، والحدّ أن يقولوا: اثنين؛ وكذلك ثلاث ورباع لا تنوين فيهما، لأنه ثلاثٌ وأربعٌ في قول النحويين، قال صخر بن عمرو بن الشّريد السلميّ:
ولقد قتلتكم ثناء وموحداً...... وتركت مرّة مثل أمس المدير
فأخرج اثنين على مخرج ثلاث، قال صخر الغيّ الهذلي:
منت لك أن تلاقيني المنايا..... أحاد أحاد في شهرٍ حلال
منت لك، تقول: قدّرت لك، والمنايا: الأقدار، يقال: منت تمنى له منياً؛ فأخرج الواحد مخرج ثناء وثلاث، ولا تجاوز العرب رباع، غير أن الكميت بن زيد الأسديّ قال:
فلم يستريثوك حتى رميت ..... فوق الرّجال خصالاً عشارا
فجعل عشار على مخرج ثلاث ورباع.
{فإن خفتم ألاّ تعدلوا}: مجازه: أيقنتم، قالت ليلى بنت الحماس:

قلت لكم خافوا بألف فارس..... مقنّعين في الحديد اليابس
أي: أيقنوا. قال: لم أسمع هذا من أبي عبيدة.
{ذلك أدنى ألاّ تعولوا} أي: أقرب ألا تجوروا، تقول: علت عليّ أي جرت عليّ). [مجاز القرآن: 1/114-117]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم مّن النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاّ تعولوا}.
قال: {وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} لأنه من "أقسط" "يقسط".
و"الإقساط": العدل. وأما "قسط" فإنّه "جار" قال: {وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً} فـ"أقسط": عدل.
و"قسط": جار، قال: {وأقسطوا إنّ اللّه يحبّ المقسطين}.
قال: {مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً} يقول: "فانكحوا واحدة {أو ما ملكت أيمانكم}
أي: انكحوا ما ملكت أيمانكم، وأما ترك الصرف في {مثنى وثلاث ورباع} فإنه عدل عن "اثنين" و"ثلاثٍ" و"أربعٍ" كما أنه من عدل "عمر" عن "عامر" لم يصرف.
وقال تعالى: {أولي أجنحةٍ مّثنى وثلاث ورباع} فنصب.
وقال: {أن تقوموا للّه مثنى وفرادى} فهو معدول كذلك، ولو سميت به صرفت لأنه إذا كان اسما فليس في معنى "اثنين" و"ثلاثة" و"أربعة".
كما قال "نزال" حين كان في معنى "انزلوا" وإذا سميت به رفعته.
قال الشاعر:
أحمّ اللّه ذلك من لقاءٍ ..... أحاد أساد في شهرٍ حلال
وقال :
ولكنّما أهلي بوادٍ أنيسه ..... ذئابٌ تبغّى الناس مثنى وموحدا
وقال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم مّن النّساء} يقول: "لينكح كلٌّ واحدٍ منكم كلّ واحدةٍ من هذه العدّة".
كما قال تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدةً} يقول: "فاجلدوا كلّ واحدٍ منهم"). [معاني القرآن: 1/191-192]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ): ({إلا تقسطوا}: تعدلوا.
{ما طاب لكم}: حل لكم.
{مثنى وثلاث ورباع}: ثنتين وثلاثا وأربعا.
{أدنى ألا تعدلوا}: أقرب إلى أن لا تجوروا أو تضلوا. عال في حكمه يعول إذا جار). [غريب القرآن وتفسيره:113-114]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى} أي: فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين اليتامى. يقال: أقسط الرجل: إذا عدل ومنه
قول النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله: « المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة ».
ويقال: قسط الرجل: إذا جار، بغير ألف، ومنه قول اللّه: {أمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً}.
{ذلك أدنى ألّا تعولوا} أي: ذلك أقرب إلى ألا تجوروا وتميلوا، يقال: علت عليّ، أي: جرت علي، ومنه العول في الفريضة). [تفسير غريب القرآن: 119]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (وأما قولهم: أين قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} من قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}فهل شيء أشبه بشيء أليق به من أحد الكلامين بالآخر؟!.
والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمن لم يستطيعوا العدل عليهن بالتّسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا ألا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فانكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن العدل.
ثم قال: فإن خفتم أيضا ألا تعدلوا بين الثلاث والأربع، فانكحوا واحدة، أو اقتصروا على ما ملكت أيمانكم من الإماء، ذلك أدنى ألا تعولوا، أي: لا تجوروا وتميلوا.

وقال ابن عباس:
« قصر الرجال على أربع من أجل اليتامى».
يقول: لما كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى، وكان العدل على اليتامى شديدا على كافلهم قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يطلق لهم ما فوق ذلك، لئلا يميلوا). [تأويل مشكل القرآن: 72]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): وقوله عزّ وجلّ: {وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألّا تعولوا}.
قال مجاهد:
« إن تحرجتم أن تتركوا ولاية اليتامى إيمانا وتصديقا فكذلك تحرجوا من الزنا».
وقال غيره: « وإن خفتم ألا تعدلوا في أمر النساء فانكحوا ما ذكر اللّه عزّ وجلّ ».
وقال بعض المفسرين قولا ثالثا، قال أهل البصرة من أهل العربية: يقول ذلك المفسّر - قال
« إنهم كانوا يتزوجون العشر من اليتامى ونحو ذلك رغبة في مالهن فقال اللّه - جلّ وعزّ - {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أي: في نكاح اليتامى».
ودل عليه{فانكحوا} كذلك قال أبو العباس محمد ابن يزيد، وهو مذهب أهل النظر من أهل التفسير.

{فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع} لم يقل من طاب والوجه في الآدميين أن يقال من، وفي الصفات وأسماء الأجناس أن يقال (ما).
تقول: ما عندك؟ فيقول فرس وطيب.
فالمعنى: فانكحوا الطيب الحلال على هذه العدة التي وصفت، لأن ليس كل النساء طيبا، قال - عزّ وجلّ -: {حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمّهاتكم اللّاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرّضاعة وأمّهات نسائكم وربائبكم اللّاتي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ فإن لم تكونوا دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم}
فليس ممن ذكر ما يطيب.
وقوله - عزّ وجلّ - {مثنى وثلاث ورباع} بدل من {ما طاب لكم}
ومعناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، إلا أنه لا ينصرف لجهتين لا أعلم أن أحدا من النحويين ذكرهما، وهي أنه اجتمع فيه علتان أنّه معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأنه عدل عن تأنيث.
قال أصحابنا: إنه اجتمع فيه علتان أنه عدل عن تأنيث، وأنه نكرة.
والنكرة: أصل للأسماء بهذا كان ينبغي أن نخففه. لأن النكرة تخفف ولا تعد فرعا.
وقال غيرهم: هو معرفة وهذا محال لأنه صفة للنكرة، قال اللّه - جلّ وعزّ -:
{جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}.
فهذا محال أن يكون أولي أجنحة الثلاثة والأربعة، وإنما معناه: أولي أجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة.

قال الشاعر:
ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب ..... تبغي الناس مثنى وموحد
فإن قال قائل من الرافضة: إنه قد أحلّ لنا تسع، لأنّ قوله: {مثنى وثلاث ورباع} يراد به تسع، قيل هذا يبطل من جهات:
أحدها: في اللغة أن مثنى لا يصلح إلا لاثنين اثنين على التفريق.
ومنها: أنه يصير أعيى كلام، لو قال قائل في موضع تسعة أعطيك اثنين وثلاثة وأربعة يريد تسعة، قيل تسعة تغنيك عن هذا، لأن تسعة وضعت لهذا العدد كله، أعني من واحد إلى تسعة.
وبعد فيكون - على قولهم - من تزوج أقل من تسع أو واحدة فعاص لأنه إذا كان الذي أبيح له تسعا أو واحدة فليس لنا سبيل إلى اثنين.
لأنه إذا أمرك من تجب عليك طاعته فقال ادخل هذا المسجد في اليوم تسعا أو واحدة، فدخلت غير هاتين اللتين حددهما لك من المرات فقد عصيته.
هذا قول لا يعرج على مثله ولكنا ذكرناه ليعلم المسلمون أن أهل هذه المقالة مباينون لأهل الإسلام في اعتقادهم، ويعتقدون في ذلك ما لا يشتبه على أحد من الخطأ.
فأمّا قوله:
{ذلك أدنى ألّا تعولوا} فمعناه: ذلك أقرب ألا تجوروا.
وقيل في التّفسير: ألّا تميلوا، ومعنى{تميلوا}: تجوروا.
فأما من قال: {ألّا تعولوا}: ألا تكثر عيالكم، فزعم جميع أهل اللغة أنّ هذا خطأ، لأن الواحدة تعول، وإباحة كل ما ملكت اليمين أزيد في العيال من أربع، ولم يكن في العدد في النكاح حين نزلت هذه الآية.
والدليل على أنهم كانوا يرغبون في التزويج من اليتامى لمالهنّ: أنهم كانوا لا يبالون ألّا يعدلوا في أمرهم.
وقوله - عزّ وجلّ - {ويستفتونك في النّساء قل اللّه يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النّساء اللّاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ} فالمعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح يتامى فانكحوا الطيب الذي قد أحل لكم من غيرهنّ، والمعنى: إن أمنتم الجور في اليتامى فانكحوا منهن كهذه العدة، لأن النساء تشتمل على اليتامى وغيرهن). [معاني القرآن: 2/8-11]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} يقال أقسط الرجل إذا عدل وقسط إذا جار فكأن أقسط أزال القسوط فأما
معنى {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ففيه قولان:
أحدهما: أن ابن عباس قال فيما روي عنه: قصر الرجل على أربع من أجل اليتامى، وروي عن جماعة من التابعين شرح هذا القول، وروي عن مجاهد والضحاك وقتادة وهذا معنى قولهم إن المسلمين كانوا يسألون عن أمر اليتامى لما شدد في ذلك فقال جل وعز: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أي: فكما تخافون في أمر اليتامى فخافوا في أمر النساء إذا اجتمعن أن تعجزوا عن العدل بينهن.
والقول الآخر: رواه الزهري عن عروة عن عائشة قال: سألت عائشة عن قول الله جل وعز: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} فقالت: « يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيعجبه مالها وجمالها فيريد تزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوا اليتامى إذا خافوا هذا وأبيح لهم من النساء أربع، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله عز وجل: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} إلى قوله: {وترغبون أن تنكحوهن} قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي فيها فانكحوا ما طاب لكم من النساء قالت وقوله: {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهن »، وأهل النظر على هذا القول.
قال أبو العباس محمد بن يزيد:
«التقدير وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى ثم حذف هذا ودل عليه فانكحوا ».
وقد قال بالقول الأول جماعة من أهل اللغة منهم الفراء وابن قتيبة.
والقول الثاني أعلى إسنادا وأجود عند أهل النظر.
وأما من قال معنى {مثنى وثلاث ورباع}: تسع فلا يلتفت إلى قوله: ولا يصح في اللغة لأن معنى مثنى عند أهل العربية اثنتين اثنتين وليس معناه اثنتين فقط وأيضا فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون معناه: تسعا لأنه لو كان معناه تسعا لم يكن اختصارا أن يقال انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا لأن تسعا أخصر من هذا وأيضا فلو كان على هذا القول لما حل لأحد أن يتزوج إلا تسعا أو واحدة فقد تبين بطلان هذا).
[معاني القرآن: 2/10-14]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ذلك أدنى ألا تعولوا}
أدنى بمعنى: أقرب وروى عمر بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال:« أن لا تجوروا» .
وقال ابن عباس والحسن وأبو مالك ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك:
معنى أن {لا تعولوا} « أن لا تميلوا».
وقال أبو العباس في قول من قال: «{أن لا تعولوا} من العيال هذا باطل وخطأ لأنه قد أحل له مما ملكت اليمين ما كان من العدد وهن مما يعال» .
وأيضا فإنه إنما ذكر النساء وما يحل منهن والعدل بينهن والجور فليس لـ {أن لا تعولوا} من العيال ههنا معنى وهو على قول أهل التفسير أن لا تميلوا ولا تجوروا ومنه عالت الفريضة إذا زادت السهام فنقص من له الفرض ومنه معولتي على فلان أي أنا أميل إليه وأتجاور في ذلك ومنه عالني الشيء إذا تجاوز المقدار ومنه فلان يعول والعويل إنما هو المجاوزة وأيضا فإنه إنما يقال أعال الرجل يعيل إذا كثر عياله). [معاني القرآن: 2/14-16]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): {وإن خفتم ألا تقسطوا} أي:
« لا تعدلوا ». [ياقوتة الصراط: 195]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): {ألا تعولوا}:
« ألا تجوروا ». [ياقوتة الصراط: 195]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): {أَلاَّ تُقْسِطُواْ} ألا تعدلوا، أي:
« أن تجوروا وتميلوا». [تفسير المشكل من غريب القرآن: 57]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): {تُقْسِطُواْ}:
« تعدلوا ».
{طَابَ لَكُم}: حل لكم.
{مَثْنَى}: اثنين اثنين.
{ثُلاَثَ}: ثلاث ثلاث.
{رُبَاعَ}: أربع أربع. {تَعُولُواْ}: تجوروا).[العمدة في غريب القرآن:105-106]

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): وقوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً...}
يعني:« أولياء النساء لا الأزواج وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئا، فأنزل الله تعالى: أعطوهن صدقاتهن نحلة، يقول: هبة وعطية ».
وقوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ مّنه نفساً} ولم يقل طبن. وذلك أن المعنى - والله أعلم -: فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء فنقل الفعل من الأنفس إليهن فخرجت النفس مفسّرة؛ كما قالوا: أنت حسن وجها، والفعل في الأصل للوجه، فلمّا حوّل إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسّرا لموقع الفعل ولذلك وحّد النفس ولو جمعت لكان صوابا؛ ومثله ضاق به ذراعي، ثم تحول الفعل من الذراع إليك: فتقول قررت به عينا.
قال الله تبارك وتعالى: {فكلي واشربي وقرّي عينا}.
وقال: {سيء بهم وضاق بهم ذرعا}؛ وقال الشاعر:
إذا التّيّاز ذو العضلات قلنا ..... إليك إليك ضاق بها ذراعا
وإنما قيل: ذرعا وذراعا لأن المصدر والاسم في هذا الموضع يدلاّن على معنى واحد، فلذلك كفى المصدر من الاسم). [معاني القرآن: 1/256]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ):{وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً}
أي: مهورهن عن طيب نفس بالفريضة بذلك). [مجاز القرآن: 1/117]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ):{وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ مّنه نفساً فكلوه هنيئاً مّريئاً}
قال: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} وواحد "الصّدقات": صدقة وبنو عميم [تقول]: "صدقة" ساكنة الدال مضمومة الصاد.
وقال: {فإن طبن لكم عن شيءٍ مّنه نفساً} فقد يجري الواحد مجرى الجماعة لأنه إنما أراد "الهوى" و"الهوى" يكون جماعة. قال الشاعر:
بها جيف الحسرى فأمّا عظامها ..... فبيضٌ وأمّا جلدها فصليب
وأما "هنيءٌ مريء" فتقول: "هنؤ هذا الطعام ومرؤ" و"هنئ ومرئ" كما تقول: "فقه" و"فقه" يكسرون القاف ويضمونها. وتقول: "هنأني" و"هنئته" و"استمرأته"). [معاني القرآن: 1/192-193]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): {صدقاتهن}: مهورهن واحدتها صدقة). [غريب القرآن وتفسيره: 114]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): {وآتوا النّساء صدقاتهنّ} يعني: المهور. واحدها: صدقة. وفيها لغة أخرى: صدقة.

{نحلةً} أي: عن طيب نفس. يقول ذلك لأولياء النساء، لا لأزواجهن؛
لأن الأولياء كانوا في الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئا، وكانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النّافجة. يريدون أنه يأخذ مهرها إلا فيضمها إلى إبله فتنفجها، أي: تعظّمها وتكثّرها، ولذلك قالت إحدى النساء في زوجها:
لا يأخذ الحلوان من بناتيا تقول: لا تفعل ما يفعله غيره. والحلوان هاهنا: المهور.
وأصل النّحلة: العطية. يقال: نحلته نحلة حسنة، أي: أعطيته عطية حسنة، والنحلة لا تكون إلّا عن طيب نفس فأما ما أخذ بالحكم فلا يقال له نحلة). [تفسير غريب القرآن:119-120]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ):وقوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا
}
يقال هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصدقة المرأة، وصداق المرأة.
مفتوح أولها، والذي في القرآن جمع صدقة.
ومن قال صدقة قال صدقاتهنّ، كما يقول غرفة وغرفات.
ويجوز صدقاتهنّ، وصدقاتهنّ. بضم الصاد وفتح الدال.
ويجوز صدقاتهنّ، ولا تقرأنّ من هذا إلا ما قد قرئ به لأن القراءة سنة لا ينبغي أن يقرأ فيها بكل ما يجيزه النحويون، وإن تتبع فالذي روي من المشهور في القراءة أجود عند النحويين، فيجتمع في القراءة بما قد روى الاتباع وإثبات ما هو أقوى في الحجة إن شاء الله.
ومعنى قوله:{نحلة}فيه غير قول:
1- قال بعضهم: فريضة.
2- وقال بعضهم: ديانة، تقول: فلان ينتحل كذا وكذا، أي: يدين به.
3- وقال بعضهم: هي نحلة من اللّه لهن أن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، فتلك نحلة من اللّه للنساء يقال - نحلت الرجل والمرأة - إذا وهبت له - نحلة ونحلا ويقال: قد نحل جسم فلان ونحل إذا دقّ.
والنّحل جائز أن تكون سميت نحلا، لأن الله جلّ ثناؤه نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها.
وقوله - جلّ؛ عزّ - {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} أي: عن شيء من الصداق.

و " لكم " خطاب للأزواج، وقال بعضهم للأولياء ههنا.
و{نفسا} منصوب على التمييز لأنه إذا قال: طبن لكم، لم يعلم في أي صنف وقع الطيب.
المعنى: فإن طابت أنفسهن بذلك، وقد شرحناه قبل هذا المكان شرحا وافيا.
وقوله:
{فكلوه هنيئا مريئا}
يقال: هنأني الطعام ومراني.
وقال بعضهم: يقال مع هنأني مراني.
فإذا لم تذكر هنأني قلت أمرأني بالألف.
وهذا حقيقته أن مرأني تبينت أنه سينهضم وأحمد مغبته، فإذا قلت أمرأني الطعام فتأويله أنه قد انهضم وحمدت فإن قال قائل: إنما قيل: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) فكيف يجوز أن يقبل الرجل المهر كله، وإنما قيل له منه؟
فالجواب في ذلك أن " منه " ههنا للجنس لما قال عزّ وجلّ -: {فاجتنبوا الرّجس من الأوثان}.
فلم نؤمر أن نجتنب بعض الأوثان، ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
أي: فكلوا الشيء الذي هو مهر). [معاني القرآن: 2/11-13]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قيل يعنى به الأزواج ويروى أن الولي كان يأخذ الصدقة لنفسه فأمر الله عز وجل أن يدفع إلى النساء هذا قول أبي صالح .
وقال أبو العباس:
« معنى نخلة أنه كان يجوز أن لا يعطين من ذلك شيئا فنحلهن الله عز وجل إياه».
وقيل معنى نحلة: دينا من قولهم فلان ينتحل كذا، أي: تعبدا من الله جل وعز.
وقيل فرضا، والمعنى واحد لأن الفرض متعبد به.
وقيل لا يكون نحلة إلا ما طابت به النفس فأما ما أكره عليه فلا يكون نحلة). [معاني القرآن: 2/16-17]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): وقوله عز وجل: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا}
يعني: الصداق، أي: لا كدر فيه يقال أمرأني الشيء بالألف فإذا قلت هنأني ومرأني هذا مذهب أكثر أهل اللغة قالوا للإتباع
وأما أبو العباس فقال:
« لا يقال في الخير إلا أمرأني ليفرق بينه وبين الدعاء ».
والمروءة من هذا لأن صاحبها يتجشم أمورا يستمرئ عاقبتها). [معاني القرآن: 2/17-18]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): (قال وقوله: {نحلة} أي: دينا وتدينا). [ياقوتة الصراط: 196]

قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({نِحْلَةً} عن طيب نفس.
وقيل: معناه عطية واجبة.
وقيل: نحلة: فريضة.
وقيل: نحلة معناه (هبة) من الله للنساء، إذ خصهن بالأخذ من الرجال). [تفسير المشكل من غريب القرآن:57-58]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({صَدُقَاتِهِنَّ}: مهورهن.
{نِحْلَةً}: هبة). [العمدة في غريب القرآن: 106]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 24 ربيع الثاني 1434هـ/6-03-2013م, 09:50 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }.
قال أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت: 213هـ): (وقال زهير في " الحوب "، وهو الإثم:
ويَقِيك ما وَقَّى الأَكارِمَ مِن ..... حُوبٍ تُسبّ به ومِن غَدْر. [كتاب الجيم: 1/202]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (الأصمعي: .... أبو زيد ... غيرهم: حوب وحاب للإثم). [الغريب المصنف: 2/529]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعاء له:
« رب تقبل توبتي واغسل حوبتي ».
قال: حدثنيه ابن مهدي عن سفيان عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن طليق بن قيس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:
قوله:
« حوبتي » يعني المأثم، وهو من قول الله عز وجل: {إنه كان حوبا كبيرا}.
وكل مأثم حُوب وحَوب والواحدة حَوْبَة.
ومنه الحديث الآخر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتيتك لأجاهد معك.
فقال:
« ألك حوبة؟ »فقال: نعم، قال:« ففيها فجاهد ».
يروى ذلك عن أشعث بن عبد الملك عن الحسن يرفعه.
يعني ما تأثم فيه إن ضيعته من حرمة.
وبعض أهل العلم يتأوله على الأم خاصة.
وهي عندي كل حرمة تضيع إن تركتها من أم أو أخت أو بنت أو غير ذلك.
قال الأصمعي: فالعرب تقول: بات بحيبة سوء: إذا بات بشدة وحال سيئة.
قال: ويقال: فلان يتحوب من كذا وكذا إذا كان يتغيظ
منه ويتوجع قال طفيل الغنوي:

فذوقوا كما ذقنا غداة محجر...... من الغيظ في أكبادنا والتحوب
والتحوب في غيرا هذا: التأثم أيضا من الشيء، وهو من الأول، وبعضه قريب من بعض). [غريب الحديث: 2/270-274]
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (

ولا تخنوا علي ولا تشطوا ..... بقول الفخر إن الفخر حوب
و(الحوب) الإثم). [شرح أشعار الهذليين: 1/111]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (وتأثم حرف من الأضداد؛ يقال: قد تأثم الرجل، إذا أتى ما فيه المأثم، وتأثم، إذا تجنب المأثم؛ كما يقال: قد تحوب الرجل إذا تجنب الحوب.
ولا يستعمل (تحوب) في المعنى الآخر؛ أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة، عن هشام، قال: قال الحسن ومحمد: ما علمنا أحد منهم ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثما من ذلك، أي تجنبا للمأثم. والحوب: الإثم العظيم، قال الله عز وجل: {إنه كان حُوبًا كبيرا}، وقال الشاعر:
فلا تخنوا علي ولا تشطوا.....بقول الفخر إن الفخر حوب
وقال نابغة بني شيبان:

نماك أربعة كانوا أئمتنا .....فكان ملكك حقا ليس بالحوب
ويقال: قد حاب الرجل يحوب فهو حائب حوبا، إذا أثم، أنشدنا العنزي:
أتاه مهاجرات تكنفاه ..... بترك كبيره ظلما وحابا
وقرأ الحسن: (إنه كان حَوْبًا كبيرا). وقال الفراء: الحائب في لغة بني أسد: القاتل: ويقال: قد تحوب الرجل، إذا تغيظ وتندم؛ قال طفيل:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجر ...... من الغيظ في أكبادنا والتحوب
والحَوْبة: الفعلة، من الحوْب بمنزلة القومة من القيام. والحوبة أيضا: الأم، ويقال: هي كل من قرب من نسائه إليه في النسب، والحيبة: من الحُوب، بمنزلة الركبة من الركوب، وأصل الياء واو جعلت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها؛ قال الكميت يذكر ذئبا:
وصب له شول من الماء غائر ..... به رد عنه الحيبة المتحوب
ويقال: بات فلان بحيبة سوء، إذا بات بهم يقلقه ويزعجه). [كتاب الأضداد: 169-171]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (قال أبو بكر: الحوبة: الفعلة من الحوب وهو الإثم، يقال: حاب الرجل إذا أثم، قال الله عز وجل: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} وقرأ الحسن: (إنه كان حَوبًا كبيرًا)، فقال الفراء: الحوب المصدر، والحوب الاسم، وقال نابغة بني شيبان:
نماك أربعةٌ كانوا أئمتنا ...... فكان ملكك حقًا ليس بالحوب. [الأمالي: 2/263]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) }
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (قال أبو عبيد: يقولون للرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك من أموره:
عيل ما هو عائله. أي غلب ما هو غالبه. قال أبو عبيد: وأصل العول الميل، ويروى في تفسير قول الله جل ثناؤه: {ذلك أدنى ألا تعولوا} إنّه الميل والجور). [الأمثال: 68-69]

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (وعلت أعول عولاً إذا ملت وجرت، قال الله تبارك وتعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} الأصمعي ومنه قول ابن مقبل:
[طويل]
عيل ما هو عائله
أي غلب ما هو غالبه ومعناه كقولك لشيء يعجبك قاتله الله وأخزاه. وعال الرجل يعيل إذا افتقر عيلة وأعال يعيل إذا كثر عياله وعالهم يعولهم إذا كفاهم معاشهم وعال الميزان إذا مال وإنما هو مأخوذ من الجور وقال أبو طالب:
[طويل]
بميزان صدق لا يغل شعيرة ...... له شاهد من نفسه غير عائل. [الغريب المصنف: 3/957-958]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (في حديث صلة بن أشيم: طلبت الدنيا مظان حلالها فجعلت لا أصيب منها إلا قوتا، أما أنا فلا أعيل فيها، وأما هي فلا تجاوزني، فلما رأيت ذلك قلت: أي نفس جعل رزقك كفافا فاربعي، فربعت ولم تكد.
حدثناه ابن علية عن يونس عن الحسن عن أبي الصهباء صلة بن أشيم.
...
وأما قوله: فلا أعيل فيها: لا أفتقر.
وقال الكسائي: يقال:
« قد عال الرجل يعيل عيلة: إذا احتاج وافتقر وقال الله تبارك وتعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} قال: وإذا أراد أنه كثر عياله قيل: أعال يعيل، وهو رجل معيل».
وأما قوله عز وجل: {ذلك أدنى أن لا تعولوا} فليس من الأول ولا الثاني، يقال: معناه لا تميلوا ولا تجوروا.
حدثنيه يحيى بن سعيد عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد.
والعول أيضا: عول الفريضة، وهو أن تزيد سهامها فيدخل النقصان على أهل الفرائض.
وأظنه مأخوذا من الميل، وذلك أن الفريضة إذا عالت فهي تميل على أهل الفريضة جميعا فتنقصهم). [غريب الحديث: 5/424-426] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقد يجوز أن تجعل مخاطبة الجماعة على لفظ الجنس؛ إذ كان يجوز أن تخاطب واحداً عن الجماعة، فيكون الكلام له، والمعنى يرجع إليهم؛ كما قال الله تبارك وتعالى: {ذلك أدنى أن لا تعولوا}. ولم يقل ذلكم؛ لأن المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فما ورد من هذا الباب فقسه على ما ذكرت لك تصب إن شاء الله). [المقتضب: 3/276]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (ومن المعدول قولهم: مثنى، وثلاث، ورباع، وكذلك ما بعده. وإن شئت جعلت مكان مثنى ثناء يا فتى حتى يكون على وزن رباع وثلاث. وكذلك أحاد، وإن شئت قلت: موحد؛ كما قلت مثنى. قال الله عز وجل: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} وقال عز وجل: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}. قال الشاعر:
منت لك أن تلاقيني المنايا ..... أحاد أحاد في شهر حلال
وقال الآخر:
ولكنما أهلـي بـوادٍ أنـيسـه ...... ذئابٌ تبغى الناس مثنى وموحد
وتأويل العدل في هذا: أنه أراد واحداً واحداً، واثنين اثنين. ألا تراه يقول: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} والعدل يوجب التكثير؛ كما أن يا فسق مبالغة في قولك: يا فاسق وكذلك يا لكع، ويا لكاع). [المقتضب: 3/380-381] (م)
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ):
وعالا وعاما حين باعا بأعنز ...... وكلبين لعبانية كالجلامد
علا افتقرا يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر قال الشاعر:
لما يدري الفقير متى غناه ...... وما يدري الغني متى يعيل
أي متى يفتقر، {ووجدك عائلاً فأغنى}: يقال عال يعيل إذا افتقر وعال يعيل تبختر في مشيته، وأعال كثر عياله، وعال عياله يعولهم أي قام بأمورهم وأنفق عليهم، وعال يعول جار ومال، ومنه قول الله عز وجل: {أدنى ألا تعولوا}، أي لا تجوروا ولا تميلوا، والعيلة الفقر، ومنه قوله عز وجل: {وإن خفتم عيلة} ). [شرح المفضليات: 130] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) }.
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (ومما جاء في الشعر على لفظ الواحد يراد به الجميع
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ...... فإنّ زمانكم زمنٌ خميص
ومثل ذلك في الكلام قوله تبارك وتعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} وقررنا به عيناً وإن شئت قلت أعيناً وأنفساً
كما قلت ثلاثمائةٍ وثلاث مئين ومئاتٍ ولم يدخلوا الألف واللام كما لم يدخلوا في امتلأت ماءً). [الكتاب: 1/210-211]
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (وتقول هي صدقة المرأة مفتوحة الصاد مضمومة الدال وصداقها قال الله جل وعز: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال الأصمعي: سمعت ابن جريج يقول قضى ابن عباس لها بالصدقة). [إصلاح المنطق: 287-288]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما قولك: مائة درهم، ومائة جارية، وألف غلام، وألف جارية فلا يكون فيه غلا هذا؛ لأنه ليس بمنزلة ثلاثة وما بعدها إلى عشرة ولا ثلاث عشر؛ لأن الثلاث والثلاثة على مئين وقع، أو على ألوف، أو غير ذلك. ففيهن أقل العدد مما وقعن عليه.
ومجاز مائة وألف في أنه لا يكون لأدنى العدد مجاز أحد عشر درهماً فما فوق.
فأما قوله عز وجل: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائةٍ سنين} فإنه على البدل لأنه لما قال: ثلاثمائة ثم ذكر السنين ليعلم ما ذلك العدد? ولو قال قائل: أقاموا سنين يا فتى، ثم قال: مئين أو ثلاثمائة لكان على البدل، ليبين: كم مقدار تلك السنين?
قد قرأ بعض القراء بالإضافة فقال: ثلاث مائة سنين وهذا خطأ في الكلام غير جائز. وإنما يجوز مثله في الشعر للضرورة، وجوازه في الشعر أنا نحمله على المعنى؛ لأنه في المعنى جماعة وقد جاز في الشعر أن تفرد وأنت تريد الجماعة إذا كان في الكلام دليل على الجمع فمن ذلك قوله:

كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ...... فإن زمانكم زمنٌ خمـيص
وقال آخر:
إن تقتلوا اليوم فقد سبـينـا ...... في حلقكم عظمٌ وقد شجينا
وينشد: شربنا.
وقال علقمة بن عبدة:

بها جيف الحسرى فأما عظامها ...... فبيضٌ وأما جلدها فصـلـيب
وأما قوله عز وجل: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} فليس من هذا؛ لأن السمع مصدر، والمصدر يقع للواحد والجمع.
وكذلك قول الشاعر، وهو جرير:

إن العيون التي في طرفها مرضٌ ....... قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا
لأن الطرف مصدر. وأما قول الله عز وجل: {ثم يخرجكم طفلاً} وقوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً} فإنه أفرد هذا، لأن مخرجهما مخرج التمييز؛ كما تقول: زيد أحسن الناس ثوباً، وأفره الناس مركباً. وإنه ليحسن ثوباً، ويكثر أمةً وعبداً). [المقتضب: 2/168-171] (م)
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): (وقال أبو العباس في قوله عز وجل: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}:
قال: كان الآباء يستبدون به. والمخاطبة للآباء). [مجالس ثعلب: 369-370]
قالَ أبو العبَّاسِ أَحمدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبانِيُّ - ثَعْلَبُ - (ت:291هـ): ( {صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} قال: كان الآباء يستبدون بالمهور فجعلها الله لهن). [مجالس ثعلب: 557]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 24 ربيع الثاني 1434هـ/6-03-2013م, 09:50 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي تفاسير القرن الرابع الهجري

تفاسير القرن الرابع الهجري

....


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 24 ربيع الثاني 1434هـ/6-03-2013م, 09:51 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي تفاسير القرن الخامس الهجري

تفاسير القرن الخامس الهجري


.....


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 05:41 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 05:41 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 05:42 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 05:42 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوباً كبيراً (2) وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاّ تعولوا (3)}.
اليتامى: جمع يتيم ويتيمة، واليتم في كلام العرب فقد الأب قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يتم بعد بلوغ » وهو في البهيمة فقد الأم في حال الصغر، وحكى اليتم في الإنسان من جهة الأم، وقال ابن زيد: « هذه المخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع الكبير، فقيل لهم: ورثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالا طيبا وتأخذوا الكل ظلما حراما خبيثا، فيجيء فعلكم ذلك تبدلا »، وقالت طائفة: « هذه المخاطبة هي لأوصياء الأيتام، والمعنى: إذا بلغوا وأونس منهم الرشد. وسماهم يتامى وهم قد بلغوا، استصحابا للحالة الأولى التي قد ثبتت لهم من اليتم، ولا تتبدّلوا قيل: المراد ما كان بعضهم يفعل من أن يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف من ماله »، قاله سعيد بن المسيب والزهري والسندي والضحاك، وقيل:« المراد بذلك لا تأكلوا أموالهم خبيثا، وتدعوا أموالكم طيبا »، وقيل: « معناه لا تتعجلوا أكل «الخبيث» من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله»، قاله مجاهد وأبو صالح، و «الخبيث» و «الطيب»: إنما هو هنا بالتحليل والتحريم، وروي عن ابن محيصن أنه قرأ- «ولا تبدلوا» - بإدغام التاء في التاء وجاز في ذلك الجمع بين ساكنين، لأن أحدهما حرف مد ولين يشبه الحركة، وقوله: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم استوى الأيتام في النهي عن أكل «أموالهم»، كانوا ورثة ممنوعين من الميراث ومحجورين، والآية نص في [النهي عن] قصد مال اليتيم بالأكل والتمول على جميع وجوهه، وروي عن مجاهد أنه قال: « الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ منه النهي بقوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} ». وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة، وقال ابن فورك عن الحسن: « إنه تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة »، وقالت طائفة من المتأخرين إلى بمعنى مع، وهذا غير جيد، وروي عن مجاهد أن معنى الآية: «ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:« وهذا تقريب للمعنى، لا أنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر »، وقال الحذاق:إلى هي على بابها وهي تتضمن الإضافة، التقدير: «لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل»، كما قال تعالى:{ من أنصاري إلى اللّه } أي من ينضاف إلى الله في نصرتي والضمير في إنّه عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل الظاهر، والحوب الإثم، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، تقول: حاب الرجل يحوب حوبا وحابا وحوبا إذا أثم، قال أمية بن الأسكر: [الوافر]
وإنّ مهاجرين تكنّفاه ...... غداتئذ لقد خطئا وخابا
وقرأ الحسن: «حوبا» بفتح الحاء، وهي لغة بني تميم، وقيل: هو بفتح الحاء المصدر وبضمها الاسم، وتحوب الرجل إذا ألقى الحوب عن نفسه، وكذلك تحنث وتأثم وتحرج، فإن هذه الأربعة بخلاف تفعل كله، لأن تفعل معناه الدخول في الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه، ويلحق بهذه الأربعة تفكهون، في قوله تعالى: { لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكّهون}. أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، بدليل قوله بعد ذلك {إنّا لمغرمون بل نحن محرومون}أي يقولون ذلك، وقوله: كبيراً نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. [المحرر الوجيز: 2/463-465]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى قال أبو عبيدة: خفتم هنا بمعنى أيقنتم، واستشهد بقول الشاعر: [دريد بن الصمة]: [الطويل]
فقلت لهم خافوا بألفي مدجّج ..... ... ... ... ...
وما قاله غير صحيح، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين، وأما أن يصل إلى حد اليقين فلا، وتقسطوا معناه تعدلوا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، وقرأ ابن وثاب والنخعي، - «ألا تقسطوا» بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة- لا- كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا، واختلف في تأويل الآية، فقالت عائشة رضي الله عنها:« نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم، فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف ألا يقسط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يكايسن في حقوقهن وقاله ربيعة»، وقال عكرمة: « نزلت في قريش، وذلك أن الرجل منهم كان يتزوج العشر وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مال على مال يتيمه فتزوج منه، فقيل لهم: إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا »، وقال سعيد بن جبير والسدي وقتادة وابن عباس:«إن العرب كانت تتحرج في أموال اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، كانوا يتزوجون العشر وأكثر »، فنزلت الآية في ذلك، أي كما تخافون «ألا تقسطوا في اليتامى»، فكذلك فتحرجوا في النساء، «وانكحوا» على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه، وقال مجاهد: « إنما الآية تحذير من الزنى وزجر عنه، أي كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك فتحرجوا من الزنى، وانكحوا على ما حد لكم »، قال الحسن وأبو مالك وسعيد بن جبير: « ما طاب، معناه ما حل».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: « لأن المحرمات من النساء كثير». وقرأ ابن أبي عبلة، «من طاب» على ذكر من يعقل، وحكى بعض الناس أن ما في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون النكاح.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:« وفي هذا المنزع ضعف وقال ما ولم يقل- من- لأنه لم يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد النوع الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه قال: «فانكحوا الطيب»، وهذا الأمر بالنكاح هو ندب لقوم وإباحة لآخرين بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إليه، قال عليه السلام: « من استطاع منكم الباءة فليتزوج». ومثنى وثلاث ورباع: موضعها من الإعراب نصب على البدل من ما طاب، وهي نكرات لا تنصرف لأنها معدولة وصفة كذا قاله أبو علي ». وقال غيره: « هي معدولة في اللفظ وفي المعنى، وأيضا فإنها معدولة وجمع، وأيضا فإنها معدولة مؤنثة »، قال الطبري: « هي معارف لأنها لا تدخلها الألف واللام، وخطأ الزجاج هذا القول، وهي معدولة عن اثنين، وثلاثة، وأربعة، إلا أنها مضمنة تكرار العدد إلى غاية المعدود »، وأنشد الزجاج لشاعر [ساعدة بن جؤيّة]: [الطويل]
ولكنّما أهلي بواد أنيسه ...... ذئاب تبغّي الناس مثنى وموحد
فإنما معناه اثنين اثنين، وواحد واحدا، وكذلك قولك: جاء الرجال مثنى وثلاث، فإنما معناه:
اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «وربع» ساقطة الألف، وتلك لغة مقصدها التخفيف كما قال الشاعر: على لسان الضب: [المجتث]
لا أشتهي أن أردّا ..... إلا عرادا عردّا
وعنكثا ملتبدّا ........ وصليانا بردا
يريد باردا. وقوله تعالى: فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم قال الضحاك وغيره:« المعنى ألا تعدلوا في الميل والمحبة والجماع والعشرة بين الأربع أو الثلاث أو الاثنتين، ويتوجه على قول من قال: إنها نزلت فيمن يخاف أن ينفق مال اليتامى في نكاحاته، أن يكون المعنى: ألا تعدلوا في نكاح الأربع والثلاث حتى تنفقوا فيه أموال يتاماكم، أي فتزوجوا واحدة بأموالكم، أو تسرّوا منها، ونصب واحدة بإضمار فعل تقديره: فانكحوا واحدة». وقرأ عبد الرحمن بن هرمز والحسن: «فواحدة» بالرفع على الابتداء، وتقدير الخبر: فواحدة كافية، أو ما أشبهه، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. وما ملكت أيمانكم يريد به الإماء، والمعنى: إن خاف ألا يعدل في عشرة واحدة فما ملكت يمينه، وأسند الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها، ألا ترى أنها المنفقة، كما قال عليه السلام: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الأليّة يمينا، وهي المتلقية لكتاب النجاة ولرايات المجد، وقد نهى عليه السلام عن استعمالها في الاستنجاء وأمر المرء بالأكل بها.
أدنى معناه: أقرب، وهو من الدنو، وموضع- أن- من الإعراب نصب بإسقاط الخافض، والناصب أريحية الفعل الذي في أدنى، التقدير: ذلك أدنى إلى أن لا تعولوا، وتعولوا معناه: تميلوا، قاله ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك والسدي وغيرهم، يقال: عال الرجل يعول: إذا مال وجار، ومنه قول أبي طالب في شعره في النبي صلى الله عليه وسلم:
بميزان قسط لا يخسّ شعيرة ....... ووزان صدق وزنه غير عائل
يريد غير مائل، ومنه قول عثمان لأهل الكوفة حين كتب إليهم: إني لست بميزان لا أعول، ويروى بيت أبي طالب: «له شاهد من نفسه غير عائل» وعال يعيل، معناه: افتقر فصار عالة، وقالت فرقة منهم زيد بن أسلم وابن زيد والشافعي: معناه: ذلك أدنى ألا يكثر عيالكم، وحكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقدح في هذا الزجاج وغيره، بأن الله قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هن مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الفادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة). [المحرر الوجيز: 2/465-468]

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : قوله تعالى: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً (4) ولا تؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل اللّه لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً (5)}.
وقوله: وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً قال ابن عباس وقتادة وابن جريج:« إن الخطاب في هذه الآية للأزواج، أمرهم الله أن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم »، وقال أبو صالح:« الخطاب لأولياء النساء، لأن عادة بعض العرب كانت أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام وأمر بأن يدفع ذلك إليهن »، وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: « زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور ».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والآية تتناول هذه الفرق الثلاث، وقرأ جمهور الناس والسبعة «صدقاتهن» بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم «صدقاتهن» بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره «صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن وثاب والنخعي «صدقتهن» بالإفراد وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا كله صدقة وصدقة. ونحلةً: معناه: نحلة
منكم لهن أي عطية، وقيل التقدير: من الله عز وجل لهن، وذلك لأن الله جعل الصداق على الرجال ولم يجعل على النساء شيئا، وقيل نحلةً معناه: شرعة، مأخوذ من النحل تقول: فلان ينتحل دين كذا، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ويتجه مع سواه، ونصبها على أنها من الأزواج بإضمار فعل من لفظها، تقديره- انحلوهن نحلة، ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر، وإن كان من غير اللفظ لأنه مناسب للنحلة في المعنى ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مقدر من اللفظ لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضا من الله وقوله: فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف في الأزواج والأولياء، والمعنى: إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن، والضمير في منه راجع على الصداق، وكذلك قال عكرمة وغيره، أو على الإيتاء، وقال حضرمي: سبب الآية أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات، ونفساً نصب على التمييز، ولا يجوز تقدمه على العامل عند سيبويه إلا في ضرورة شعر مع تصرف العامل، وإجازة غيره في الكلام. ومنه قول الشاعر [المخبل السعدي]: [الطويل]
... ... ... ... ...... وما كان نفسا بالفراق تطيب
و «من» - تتضمن الجنس هاهنا، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقفت «من» على التبعيض لما جاز ذلك، وقرئ «هنيا مريا» دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري. قال الطبري: ومن هناء البعير أن يعطي الشفاء.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون: الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون: يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني على وزن أفعل. قال أبو علي: وهذا كما جاء في الحديث «ارجعن مأزورات غير مأجورات» فإنما اعتلت الواو من موزورات اتباعا للفظ مأجورات، فكذلك مرأني اتباعا لهنأني، ودخل رجل على علقمة- وهو يأكل شيئا مما وهبته امرأته من مهرها- فقال له: كل من الهنيء المريء، قال سيبويه هنيئاً مريئاً صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره، المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك «هنيئا مريئا»). [المحرر الوجيز: 2/468-470]


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 05:42 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 05:42 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :{وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوبًا كبيرًا (2) وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألّا تعولوا (3) وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا (4) }
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملةً موفّرةً، وينهى عن أكلها وضمّها إلى أموالهم؛ ولهذا قال: {ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيّب} قال سفيان الثّوريّ، عن أبي صالحٍ: لا تعجل بالرّزق الحرام قبل أن يأتيك الرّزق الحلال الّذي قدّر لك.
وقال سعيد بن جبيرٍ: «لا تبدّلوا الحرام من أموال النّاس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذّروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام ».
وقال سعيد بن المسيّب والزّهريّ:« لا تعط مهزولًا وتأخذ سمينًا».
وقال إبراهيم النّخعي والضّحّاك: « لا تعط زائفًا وتأخذ جيّدًا ».
وقال السّدّي: « كان أحدهم يأخذ الشّاة السّمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشّاة المهزولة، ويقول شاةٌ بشاةٍ، ويأخذ الدّرهم الجيّد ويطرح مكانه الزّيف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ ».
وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال مجاهدٌ، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيّان، والسّدّيّ، وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.
وقوله: {إنّه كان حوبًا كبيرًا} قال ابن عبّاسٍ: « أي إثمًا كبيرًا عظيمًا ».
وقد رواه ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن قوله: {حوبًا كبيرًا} قال: « إثمًا كبيرًا ». ولكن في إسناده محمّد بن يونس الكديمي وهو ضعيفٌ وهكذا روي عن مجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضّحّاك، ومقاتل بن حيّان، وأبي مالكٍ، وزيد بن أسلم، وأبي سنان مثل قول ابن عبّاسٍ.
وفي الحديث المرويّ في سنن أبي داود:« اغفر لنا حوبنا وخطايانا».
وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصلٍ، مولى أبي عيينة، عن محمّد بن سيرين، عن ابن عبّاسٍ: «أنّ أبا أيّوب طلّق امرأته، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:« يا أبا أيّوب، إنّ طلاق أمّ أيّوب كان حوبًا »قال ابن سيرين: « الحوب الإثم ».
ثمّ قال ابن مردويه: حدّثنا عبد الباقي، حدّثنا بشر بن موسى، أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف، عن أنسٍ: أنّ أبا أيّوب أراد طلاق أمّ أيّوب، فاستأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:« إنّ طلاق أمّ أيّوب لحوبٌ فأمسكها»ثمّ رواه ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عليّ بن عاصمٍ، عن حميد الطّويل، سمعت أنس بن مالكٍ يقول: أراد أبو طلحة أن يطلّق أمّ سليم فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:« إنّ طلاق أمّ سليمٍ لحوبٌ » فكفّ.
والمعنى: إنّ أكلكم أموالهم مع أموالكم إثمٌ عظيمٌ وخطأٌ كبيرٌ فاجتنبوه). [تفسير القرآن العظيم: 2/207-208]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : وقوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى} أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمةٌ وخاف ألّا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النّساء، فإنّهنّ كثيرٌ، ولم يضيّق اللّه عليه.
وقال البخاريّ: حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشامٌ، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أنّ رجلًا كانت له يتيمةٌ فنكحها، وكان لها عذق. وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيءٌ فنزلت فيه: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.
ثمّ قال البخاريّ: حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللّه، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ قال: أخبرني عروة بن الزّبير أنّه سأل عائشة عن قول اللّه تعالى:{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} قالت:« يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلّا أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: وإنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية، فأنزل اللّه تعالى:{ويستفتونك في النّساء} قالت عائشة: وقول اللّه في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهنّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النّساء إلّا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كن قليلات المال والجمال ».
وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} أي: انكحوا ما شئتم من النّساء سواهنّ إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا، كما قال تعالى: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع} أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثةٌ، ومنهم من له أربعةٌ، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدّليل عليه، بخلاف قصر الرّجال على أربعٍ، فمن هذه الآية كما قاله ابن عبّاسٍ وجمهور العلماء؛ لأنّ المقام مقام امتنانٍ وإباحةٍ، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ لذكره.
قال الشّافعيّ: « وقد دلّت سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المبيّنة عن اللّه أنّه لا يجوز لأحدٍ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوةٍ ».
وهذا الّذي قاله الشّافعيّ، رحمه اللّه، مجمعٌ عليه بين العلماء، إلّا ما حكي عن طائفةٍ من الشّيعة أنّه يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ إلى تسعٍ. وقال بعضهم: بلا حصرٍ. وقد يتمسّك بعضهم بفعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في جمعه بين أكثر من أربعٍ إلى تسعٍ كما ثبت في الصّحيحين، وأمّا إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاريّ. وقد علّقه البخاريّ، وقد روّينا عن أنسٍ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تزوّج بخمس عشرة امرأةً، ودخل منهنّ بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسعٍ. وهذا عند العلماء من خصائص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دون غيره من الأمّة، لما سنذكره من الأحاديث الدّالّة على الحصر في أربع.
ذكر الأحاديث في ذلك:
قال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل ومحمّد بن جعفرٍ قالا حدّثنا معمرٌ، عن الزّهريّ. قال ابن جعفرٍ في حديثه: أنبأنا ابن شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه: أنّ غيلان بن سلمة الثّقفيّ أسلم وتحته عشرة نسوةٍ، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: « اختر منهنّ أربعًا ». فلمّا كان في عهد عمر طلّق نساءه، وقسّم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إنّي لأظنّ الشّيطان فيما يسترق من السّمع سمع بموتك فقذفه في نفسك ولعلّك لا تمكث إلّا قليلًا. وايم اللّه لتراجعنّ نساءك ولترجعنّ في مالك أو لأورثهن منك، ولآمرنّ بقبرك فيرجم، كما رجم قبر أبي رغال.
وهكذا رواه الشّافعيّ والتّرمذيّ وابن ماجه والدّارقطنيّ والبيهقيّ وغيرهم عن اسماعيل بن عليّة وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثّوريّ، وعيسى بن يونس، وعبد الرّحمن بن محمّدٍ المحاربيّ، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفّاظ، عن معمر -بإسناده -مثله إلى قوله: اختر منهنّ أربعًا. وباقي الحديث في قصّة عمر من أفراد أحمد وهي زيادةٌ حسنةٌ وهي مضعّفةٌ لما علّل به البخاريّ هذا الحديث فيما حكاه عنه التّرمذيّ، حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاريّ يقول: هذا حديثٌ غير محفوظٍ، والصّحيح ما روى شعيب وغيره، عن الزّهريّ، حدّثت عن محمّد بن سويد الثّقفيّ أنّ غيلان بن سلمة، فذكره. قال البخاريّ: وإنّما حديث الزّهريّ عن سالمٍ عن أبيه: أنّ رجلًا من ثقيفٍ طلّق نساءه، فقال له عمر: لتراجعنّ نساءك أو لأرجمنّ قبرك كما رجم قبر أبي رغال.
وهذا التّعليل فيه نظرٌ، واللّه أعلم. وقد رواه عبد الرّزّاق، عن معمر، عن الزّهريّ مرسلًا وهكذا رواه مالكٌ، عن الزّهريّ مرسلًا. قال أبو زرعة: وهو أصحّ.
قال البيهقيّ: ورواه عقيلٌ، عن الزّهريّ: بلغنا عن عثمان بن محمّد بن أبي سويدٍ.
قال أبو حاتمٍ: وهذا وهم، إنّما هو الزّهريّ عن عثمان بن أبي سويدٍ بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فذكره.
قال البيهقيّ: ورواه يونس وابن عيينة، عن الزّهريّ، عن محمّد بن أبي سويدٍ.
وهذا كما علّله البخاريّ. وهذا الإسناد الّذي قدّمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقاتٌ على شرط الصّحيحين ثمّ قد روي من غير طريق معمر، بل والزّهريّ قال الحافظ أبو بكرٍ البيهقيّ: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدّثنا أبو عليٍّ الحافظ، حدّثنا أبو عبد الرّحمن النّسائيّ، حدّثنا أبو بريد عمرو بن يزيد الجرميّ أخبرنا سيف بن عبيد حدّثنا سرّار بن مجشّر، عن أيّوب، عن نافعٍ وسالمٍ، عن ابن عمر: أنّ غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوةٍ فأسلم وأسلمن معه، فأمره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يختار منهنّ أربعًا. هكذا أخرجه النّسائيّ في سننه. قال أبو عليّ بن السّكن: تفرّد به سرّار بن مجشر وهو ثقةٌ، وكذا وثّقه ابن معينٍ. قال أبو عليٍّ: وكذلك رواه السّميدع بن واهبٍ عن سرّارٍ.
قال البيهقيّ: وروّينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيسٍ، وعروة بن مسعودٍ الثّقفيّ، وصفوان بن أميّة -يعني حديث غيلان بن سلمة.
فوجه الدّلالة أنّه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ لسوغ له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سائرهنّ في بقاء العشرة وقد أسلمن معه، فلمّا أمره بإمساك أربعٍ وفراق سائرهنّ دلّ على أنّه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ بحالٍ، وإذا كان هذا في الدّوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصّواب.
حديثٌ آخر في ذلك: روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمّد بن عبد الرّحمن ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشّمردل -وعند ابن ماجه: بنت الشّمردل، وحكى أبو داود أنّ منهم من يقول: الشّمرذل بالذّال المعجمة -عن قيس بن الحارث. وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن عميرة الأسديّ قال: أسلمت وعندي ثماني نسوةٍ، فذكرت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "اختر منهنّ أربعًا".
وهذا الإسناد حسنٌ، ومجرّد هذا الاختلاف لا يضرّ مثله، لما للحديث من الشّواهد.
حديثٌ آخر في ذلك: قال الإمام أبو عبد اللّه محمّد بن إدريس الشّافعيّ، رحمه الله، في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزّناد يقول: أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرّحمن عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الدّيليّ، رضي اللّه عنه، قال: أسلمت وعندي خمس نسوةٍ، فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « اختر أربعًا أيّتهنّ شئت، وفارق الأخرى »، فعمدت إلى أقدمهنّ صحبةً عجوزٍ عاقرٍ معي منذ ستّين سنةً، فطلّقتها.
فهذه كلّها شواهد بصحّة ما تقدّم من حديث غيلان كما قاله الحافظ أبو بكرٍ البيهقيّ، رحمه اللّه.
وقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم} أي: فإن خشيتم من تعداد النّساء ألّا تعدلوا بينهنّ، كما قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم} فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدةٍ، أو على الجواري السّراري، فإنّه لا يجب قسمٌ بينهنّ، ولكن يستحبّ، فمن فعل فحسنٌ، ومن لا فلا حرج.
وقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال بعضهم: أي أدنى ألّا تكثر عائلتكم. قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشّافعيّ، رحمهم اللّه، وهذا مأخوذٌ من قوله تعالى: {وإن خفتم عيلةً} أي فقرًا {فسوف يغنيكم اللّه من فضله} وقال الشّاعر
فما يدري الفقير متى غناه ...... وما يدري الغنيّ متى يعيل
وتقول العرب: عال الرّجل يعيل عيلة، إذا افتقر ولكن في هذا التّفسير هاهنا نظرٌ؛ فإنّه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السّراري أيضًا. والصّحيح قول الجمهور: {ذلك أدنى ألا تعولوا} أي: لا تجوروا. يقال: عال في الحكم: إذا قسط وظلم وجار، وقال أبو طالبٍ في قصيدته المشهورة:
بميزان قسطٍ لا يخيس شعيرةً ...... له شاهدٌ من نفسه غير عائل
وقال هشيم: عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفّان إلى أهل الكوفة في شيءٍ عاتبوه فيه: إنّي لست بميزانٍ لا أعول. رواه ابن جريرٍ.
وقد روى ابن أبي حاتمٍ، وابن مردويه، وأبو حاتم ابن حبّان في صحيحه، من طريق عبد الرّحمن بن إبراهيم دحيم، حدّثنا محمّد بن شعيبٍ، عن عمر بن محمّد بن زيدٍ، عن عبد اللّه بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال: «لا تجوروا ».
قال ابن أبي حاتمٍ: قال أبي: هذا حديثٌ خطأٌ، والصّحيح: عن عائشة. موقوفٌ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن ابن عبّاسٍ، وعائشة، ومجاهدٍ، وعكرمة، والحسن، وأبي مالكٍ وأبي رزين والنّخعي، والشّعبي، والضّحّاك، وعطاءٍ الخراسانيّ، وقتادة، والسّدّي، ومقاتل بن حيّان: أنّهم قالوا: لا تميلوا وقد استشهد عكرمة، رحمه اللّه، ببيت أبي طالبٍ الّذي قدّمناه، ولكنّ ما أنشده كما هو المرويّ في السّيرة، وقد رواه ابن جريرٍ، ثمّ أنشده جيّدًا، واختار ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 2/208-213]

تفسير قوله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : وقوله: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: « النّحلة: المهر».
وقال محمّد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة: نحلةً: فريضةً. وقال مقاتلٌ وقتادة وابن جريجٍ: نحلةً: أي فريضةً. زاد ابن جريجٍ: مسمّاه. وقال ابن زيدٍ: النّحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلّا بشيءٍ واجبٍ لها، وليس ينبغي لأحدٍ بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينكح امرأةً إلّا بصداقٍ واجبٍ، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصّداق كذبًا بغير حقٍّ.
ومضمون كلامهم: أنّ الرّجل يجب عليه دفع الصّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيّب النّفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النّحلة طيّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيّبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيءٍ منه فليأكله حلالًا طيّبًا؛ ولهذا قال تعالى: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا}.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا عبد الرّحمن بن مهدي، عن سفيان، عن السّدّيّ، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن عليٍّ قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك، فليبتع بها عسلًا ثمّ ليأخذ ماء السّماء فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاءً مباركًا.
وقال هشيم، عن سيّارٍ، عن أبي صالحٍ قال: كان الرّجل إذا زوّج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم اللّه عن ذلك، ونزل: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} رواه ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا محمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، حدّثنا وكيعٌ، عن سفيان عن عميرٍ الخثعميّ، عن عبد الملك بن المغيرة الطّائفيّ، عن عبد الرّحمن بن البيلماني قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلةً} قالوا: يا رسول اللّه، فما العلائق بينهم؟ قال: « ما تراضى عليه أهلوهم ».
وقد روى ابن مردويه من طريق حجّاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرّحمن بن البيلماني عن عمر بن الخطّاب قال: خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: « أنكحوا الأيامى » ثلاثًا، فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسول اللّه، ما العلائق بينهم؟ قال: « ما تراضى عليه أهلوهم ».
ابن البيلماني ضعيفٌ، ثمّ فيه انقطاعٌ أيضًا). [تفسير القرآن العظيم: 2/213-214].


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:57 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة