العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 08:47 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (52) إلى الآية (58) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (52) إلى الآية (58) ]

{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:04 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر} فلمّا وجد عيسى منهم الكفر،
والإحساس: هو الوجود، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ: {هل تحسّ منهم من أحدٍ}
فأمّا الحسّ بغير ألفٍ، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: {إذ تحسّونهم بإذنه} والحسّ أيضًا: العطف والرّقّة، ومنه قول الكميت:
هل من بكى الدّار راجٍ أن تحسّ له = أو يبكي الدّار ماء العبرة الخضل
يعني بقوله: أن تحسّ له: أن ترقّ له.
فتأويل الكلام: فلمّا وجد عيسى من بني إسرائيل الّذين أرسله اللّه إليهم جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عمّا دعاهم إليه من أمر اللّه، قال: {من أنصاري إلى اللّه} يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذّبين بحجّة اللّه، والمولّين عن دينه، والجاحدين نبوّة نبيّه إلى اللّه عزّ وجلّ.
ويعني بقوله {إلى اللّه} مع اللّه.
وإنّما حسن أن يقال إلى اللّه، بمعنى: مع اللّه؛ لأنّ من شأن العرب إذا ضمّوا الشّيء إلى غيره، ثمّ أرادوا الخبر عنهما بضمّ أحدهما مع الآخر إذا ضمّ إليه جعلوا مكان مع إلى أحيانًا، وأحيانًا تخبر عنهما ب مع فتقول: الذّود إلى الذّود إبلٌ، بمعنى: إذا ضممت الذّود إلى الذّود صارت إبلاً، فأمّا إذا كان الشّيء مع الشّيء لم يقولوه ب إلى ولم يجعلوا مكان مع إلى غير جائزٍ أن يقال: قدم فلانٌ وإليه مالٌ، بمعنى: ومعه مالٌ.
وبمثل ما قلنا في تأويل قوله: {من أنصاري إلى اللّه} قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قوله: {من أنصاري إلى اللّه} يقول: مع اللّه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {من أنصاري إلى اللّه} يقول: مع اللّه
وأمّا سبب استنصار عيسى عليه السّلام من استنصر من الحواريّين فإنّ بين أهل العلم فيه اختلافًا، فقال بعضهم.كان سبب ذلك ما:
- حدّثني به موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ لمّا بعث اللّه عيسى، فأمره بالدّعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمّه يسيحون في الأرض، فنزل في قريةٍ على رجلٍ، فضافهم وأحسن إليهم، وكان لتلك المدينة ملكٌ جبّارٌ معتدٍ، فجاء ذلك الرّجل يومًا وقد وقع عليه همٌّ وحزنٌ، فدخل منزله ومريم عند امرأته، فقالت مريم لها: ما شأن زوجك أراه حزينًا؟ قالت: لا تسألي، قالت: أخبريني لعلّ اللّه يفرّج كربته، قالت: فإنّ لنا ملكًا يجعل على كلّ رجلٍ منّا يومًا يطعمه هو وجنوده، ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنّه قد بلغت نوبته اليوم الّذي يريد أن نصنع له فيه، وليس لذلك عندنا سعةٌ، قالت: فقولي له: لا يهتمّ، فإنّي آمر ابني فيدعو له، فيكفي ذلك، قالت مريم لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أمّه إنّي إن فعلت كان في ذلك شرٌّ، قالت: فلا تبال، فإنّه قد أحسن إلينا وأكرمنا، قال عيسى: فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماءً ثمّ أعلمني
، قال: فلمّا ملأهنّ أعلمه، فدعا اللّه، فتحوّل ما في القدور لحمًا ومرقًا وخبزًا، وما في الخوابي خمرًا لم ير النّاس مثله قطّ وإيّاه طعامًا؛ فلمّا جاء الملك أكل، فلمّا شرب الخمر سأل من أين هذه الخمر؟ قال له: هي من أرض كذا وكذا، قال الملك: فإنّ خمري أوتي بها من تلك الأرض فليس هي مثل هذه، قال: هي من أرضٍ أخرى؛ فلمّا خلط على الملك اشتدّ عليه، قال: فأنا أخبرك عندي غلامٌ لا يسأل اللّه شيئًا إلاّ أعطاه إيّاه، وإنّه دعا اللّه، فجعل الماء خمرًا، قال الملك، وكان له ابنٌ يريد أن يستخلفه، فمات قبل ذلك بأيّامٍ، وكان أحبّ الخلق إليه، فقال: إنّ رجلاً دعا اللّه حتّى جعل الماء خمرًا، ليستجابنّ له حتّى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلّمه، فسأله أن يدعو اللّه فيحيي ابنه، فقال عيسى: لا تفعل؛ فإنّه إن عاش كان شرًّا، فقال الملك: لا أبالي، أليس أراه؟، فلا أبالي ما كان فقال عيسى عليه السّلام: فإن أحييته تتركوني أنا وأمّي نذهب أينما شئنا؟، قال الملك: نعم، فدعا اللّه، فعاش الغلام؛ فلمّا رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسّلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتّى إذا دنا موته يريد أن يستخلف ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمّه، وصحبهما يهوديّ، وكان مع اليهوديّ رغيفان، ومع عيسى رغيفٌ، فقال له عيسى: شاركني، فقال اليهوديّ: نعم، فلمّا رأى أنّه ليس مع عيسى إلاّ رغيفٌ ندم؛ فلمّا ناما جعل اليهوديّ يريد أن يأكل الرّغيف، فلمّا أكل لقمةً قال له عيسى: له ما تصنع؟ فيقول: لا شيء، فيطرحها، حتّى فرغ من الرّغيف كلّه؛ فلمّا أصبحا قال له عيسى: هلمّ طعامك، فجاء برغيفٍ، فقال له عيسى: أين الرّغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلاّ واحدٌ، فسكت عنه عيسى، فانطلقوا، فمرّوا براعي غنمٍ، فنادى عيسى، يا صاحب الغنم أجزرنا شاةً من غنمك، قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها، فأرسل عيسى اليهوديّ، فجاء بالشّاة، فذبحوها وشووها، ثمّ قال لليهوديّ: كل ولا تكسرنّ عظمًا فأكلا، فلمّا شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد، ثمّ ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن اللّه، فقامت الشّاة تثغو، فقال: يا صاحب الغنم خذ شاتك، فقال له الرّاعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، قال: أنت السّاحر، وفرّ منه، قال عيسى لليهوديّ: بالّذي أحيا هذه الشّاة بعدما أكلناها كم كان معك رغيفًا؟
فحلف ما كان معه إلاّ رغيفٌ واحدٌ، فمرّوا بصاحب بقرٍ، فنادى عيسى، فقال: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلاً قال: ابعث صاحبك يأخذه، قال: انطلق يا يهوديّ فجئ به، فانطلق فجاء به، فذبحه وشواه، وصاحب البقر ينظر، فقال له عيسى: كل ولا تكسرنّ عظمًا، فلمّا فرغوا قذف العظام في الجلد، ثمّ ضربه بعصاه، وقال: قم بإذن اللّه، فقام وله خوارٌ، قال: خذ عجلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: أنت السّحّار، ثمّ فرّ منه، قال اليهوديّ: يا عيسى أحييته بعد ما أكلناه، قال عيسى: فبالّذي أحيا الشّاة بعد ما أكلناها، والعجل بعد ما أكلناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلف باللّه ما كان معه إلاّ رغيفٌ واحدٌ؛ فانطلقا حتّى نزلا قريةً، فنزل اليهوديّ أعلاها، وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهوديّ عصًا مثل عصا عيسى، وقال: أنا الآن أحيي الموتى وكان ملك تلك المدينة مريضًا شديد المرض، فانطلق اليهوديّ ينادي: من يبتغي طبيبًا؟ حتّى أتى ملك تلك القرية، فأخبر بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه، فقيل له: إنّ وجع الملك قد أعيا الأطبّاء قبلك، ليس من طبيبٍ يداويه، ولا يفيء دواؤه شيئًا إلاّ أمر به فصلب، قال: أدخلوني عليه فإنّي سأبرئه، فأدخل عليه، فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتّى مات، فجعل يضربه بعصاه وهو ميّتٌ، ويقول: قم بإذن اللّه، فأخذ ليصلب، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة، فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيا اللّه الملك لعيسى، فقام وأنزل اليهوديّ، فقال اليهودى: يا عيسى أنت أعظم النّاس عليّ منّةً، واللّه لا أفارقك أبدًا. قال عيسى فيما
- حدّثنا به محمّد بن الحسين بن موسى، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل قال أسباطٌ، عن السّدّيّ لليهوديّ: أنشدك بالّذي أحيا الشّاة والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد ما رفعت عليه لتصلب كم كان معك رغيفًا؟ قال: فحلف بهذا كلّه ما كان معه إلاّ رغيفٌ واحدٌ، قال: لا بأس، فانطلقا حتّى مرّا على كنزٍ قد حفرته السّباع والدّوابّ، فقال اليهوديّ: يا عيسى، لمن هذا المال، قال عيسى: دعه، فإنّ له أهلاً يهلكون عليه، فجعلت نفس اليهوديّ تطّلع إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فانطلق مع عيسى ومرّ بالمال أربعة نفرٍ؛ فلمّا رأوه، اجتمعوا عليه، فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابّ نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرّجلان فابتاعا دوابّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سمًّا، فإذا أكلا ماتا فكان المال بيني وبينك؟، فقال الآخر نعم، ففعلا، وقال الآخران: إذا ما أتيانا بالطّعام، فليقم كلّ واحدٍ إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطّعام والدّوابّ بيني وبينك، فلمّا جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثمّ قعدا على الطّعام، فأكلا منه فماتا، وأعلم ذلك عيسى، فقال لليهوديّ: أخرجه حتّى نقتسمه، فأخرجه فقسمه عيسى بين ثلاثةٍ، فقال اليهوديّ: يا عيسى اتّق اللّه ولا تظلمني، فإنّما هو أنا وأنت، ما هذه الثّلاثة؟ قال له عيسى هذا لي، وهذا لك، وهذا الثّلث لصاحب الرّغيف، قال اليهوديّ: فإن أخبرتك بصاحب الرّغيف تعطني هذا المال؟ فقال عيسى: نعم، قال أنا هو، قال: عيسى: خذ حظّي وحظّك وحظّ صاحب الرّغيف فهو حظّك من الدّنيا والآخرة؛ فلمّا حمله مشى به شيئًا، فخسف به، وانطلق عيسى ابن مريم، فمرّ بالحواريّين وهم يصطادون السّمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السّمك، فقال: أفلا تمشون حتّى نصطاد النّاس؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم، فآمنوا به، وانطلقوا معه فذلك قول اللّه عزّ وجلّ: {من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون}.
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن، في قوله: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه} الآية، قال: استنصر فنصره الحواريّون وظهر عليهم
وقال آخرون: كان سبب استنصار عيسى من استنصر؛ لأنّ من استنصر من الحواريّين عليه كانوا أرادوا قتله.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر} قال: كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه قال: {من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه}
والأنصار: جمع نصيرٍ، كما الأشراف جمع شريفٍ، والأشهاد جمع شهيدٍ
وأمّا الحواريّون، فإنّ أهل التّأويل اختلفوا في السّبب الّذي من أجله سمّوا حواريّين، فقال بعضهم: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عبيدٍ المحاربيّ، قال: ممّا روى أبي، قال: حدّثنا قيس بن الرّبيع، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إنّما سمّوا الحواريّين ببياض ثيابهم.
وقال آخرون: سمّوا بذلك؛ لأنّهم كانوا قصّارين يبيّضون الثّياب.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أبي أرطأة، قال: الحواريّون: الغسّالون، الّذين يحوّرون الثّياب يغسلونها
وقال آخرون: هم خاصّة الأنبياء وصفوتهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن روح بن القاسم، أنّ قتادة ذكر رجلاً من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: كان من الحواريّين، فقيل له: من الحواريّون؟ قال: الّذين تصلح لهم الخلافة.
- حدّثت عن المنجاب، قال:بن الحارث، قال: حدّثنا بشرٌ، عن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، في قوله: {إذ قال الحواريّون} قال: أصفياء الأنبياء
وأشبه الأقوال الّتي ذكرنا في معنى الحواريّين قول من قال: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنّهم كانوا غسّالين.
وذلك أنّ الحور عند العرب: شدّة البياض. ولذلك سميّ الحواريّ من الطّعام حواريًّا لشدّة بياضه، ومنه قيل للرّجل الشّديد البياض مقلة العينين أحور، وللمرأة حوراء.
وقد يجوز أن يكون حواريّو عيسى كانوا سمّوا بالّذي ذكرنا من تبييضهم الثّياب وأنّهم كانوا قصّارين، فعرفوا بصحبة عيسى واختياره إيّاهم لنفسه أصحابًا وأنصارًا، فجرى ذلك الاسم لهم واستعمل، حتّى صار كلّ خاصّةٍ للرّجل من أصحابه وأنصاره حواريّه؛ ولذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لكلّ نبيٍّ حواريّ، وحواريّ الزّبير يعني خاصّته وقد تسمّي العرب النّساء اللّواتي مساكنهنّ القرى والأمصار حواريّاتٌ، وإنّما سمّين بذلك لغلبة البياض عليهنّ، ومن ذلك قول أبي جلدة اليشكريّ:
فقل للحواريّات يبكين..غيرنا...ولا تبكنا إلاّ الكلاب النّوابح
ويعني بقوله: {قال الحواريّون} قال: هؤلاء الّذين صفتهم ما ذكرنا من تبييضهم الثّياب: آمنّا باللّه، صدّقنا باللّه، واشهد أنت يا عيسى بأنّنا مسلمون.
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ وجلّ أنّ الإسلام دينه الّذي ابتعث به عيسى والأنبياء قبله، لا النّصرانيّة ولا اليهوديّة، وتبرئةٌ من اللّه لعيسى ممّن انتحل النّصرانيّة ودان بها، كما برأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاجٌ من اللّه تعالى ذكره لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على وفد نجران.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزّبير، {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر} والعدوان، {قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه} وهذا قولهم الّذي أصابوا به الفضل من ربّهم، واشهد بأنّا مسلمون، لا كما يقول هؤلاء الّذين يحاجّونك فيه، يعني وفد نصارى نجران). [جامع البيان: 5/435-445]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر
- وبه قال: قال محمّد بن إسحاق فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر والعدوان عليه، قال من أنصاري إلى اللّه.
- أخبرني عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريح في قوله: فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال: كفروا وأرادوا قتله فذلك حين استنصر قومه فذلك حين يقول: فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفةٌ [3565] حدّثنا الحجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ من أنصاري إلى اللّه قال: من يتّبعني إلى اللّه.
- أخبرني عمرو بن ثورٍ فيما كتب إليّ، ثنا الفريابيّ قال: قال سفيان في قوله: من أنصاري إلى اللّه قال: من أنصاري مع اللّه.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن قوله: من أنصاري إلى اللّه فقال: استنصره فنصره الحواريّون، فظهر عليهم.
قوله تعالى: الحواريّون
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ميسرة النّهديّ عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: إنّما سمّي الحواريّون قال:
كانوا صيّادين لبياض ثيابهم. قال أبو محمّدٍ: وروي عن مسلمٍ البطين نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا الوليد بن القاسم، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك في قوله: من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه قال: مرّ عيسى بقومٍ غسّالين فدعاهم إلى الله فأجابوه، فلذلك سماهم الحواريون قال:
وبالنبطية: هواري، وبالعربية المحور.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي، ثنا ابن الطّبّاع، ثنا إسماعيل بن عليّة، عن روح بن القاسم، عن قتادة قال: الحواريّون هم الّذين تصلح لهم الخلافة.
والوجه الرّابع:
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، ثنا سفيان يعني: ابن عيينة قال:
الحواريّ: النّاصر.
والوجه الخامس:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك قوله: الحواريّون أصفياء الأنبياء.
والوجه السّادس:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، قال معمرٌ قال قتادة:
الحواريّ: الوزير.
قوله تعالى: نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة، قال محمّد بن إسحاق: قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه هذا قولهم الّذي أصابوا الفضل من ربّهم.
- وبه قال محمّد بن إسحاق واشهد بأنّا مسلمون لا ما يقول هؤلاء الّذين يحاجّونك فيه). [تفسير القرآن العظيم: 2/658-660]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أرطأة قال الحواريون الغسالون يحورون الثياب أي يغسلونها). [تفسير مجاهد: 128]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 52.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {فلما أحس عيسى منهم الكفر} قال: كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه، فذلك حين يقول (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) (الصف الآية 14)
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {من أنصاري إلى الله} قال: من يتبعني إلى الله
وأخرج ابن جرير عن السدي {من أنصاري إلى الله} يقول: مع الله.
وأمّا قوله تعالى: {قال الحواريون} الآية.
أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم، كانوا صيادين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن أبي أرطاة قال {الحواريون} الغسالون الذين يحورون الثياب: يغسلونها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحواريون} الغسالون وهو بالنبطية هواري وبالعربية المحور.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال {الحواريون} قصارون مر بهم عيسى فآمنوا به واتبعوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال {الحواريون} هم الذين تصلح لهم الخلافة
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحواريون} أصفياء الأنبياء.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الحواري الوزير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: الحواري الناصر.
وأخرج البخاري والترمذي، وابن المنذر، عن جابر بن عبد الله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن يزيد قال {واشهد بأننا مسلمون} في مصحف عثمان ثلاثة أحرف). [الدر المنثور: 3/592-594]

تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين}
وهذا خبرٌ من اللّه عزّ وجلّ عن الحواريّين أنّهم قالوا: {ربّنا آمنّا} أي صدّقنا {بما أنزلت} يعني: بما أنزلت على نبيّك عيسى من كتابك {واتّبعنا الرّسول} يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى على دينك الّذي ابتعثته به وأعوانه على الحقّ الّذي أرسلته به إلى عبادك.
وقوله: {فاكتبنا مع الشّاهدين} يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الّذين شهدوا بالحقّ، وأقرّوا لك بالتّوحيد، وصدّقوا رسلك، واتّبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحلّنا محلّهم، ولا تجعلنا ممّن كفر بك، وصدّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك.
يعرّف خلقه جلّ ثناؤه بذلك سبيل الّذين رضي أقوالهم وأفعالهم، ليحتذوا طريقهم، ويتّبعوا منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الّذي وصلوا إليه من درجات كرامته، ويكذّب بذلك الّذين انتحلوا من الملل غير الحنيفيّة المسلمة في دعواهم على أنبياء اللّه أنّهم كانوا على غيرها، ويحتجّ به على الوفد الّذين حاجّوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل نجران بأنّه قيل من رضي اللّه عنه من أتباع عيسى كان خلاف قيلهم، ومنهاجهم غير منهاجهم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزّبير: {ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين} أي هكذا كان قولهم وإيمانهم). [جامع البيان: 5/445-446]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين (53) ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين (54)
قوله تعالى: ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول
- وبه قال: قال محمّد بن إسحاق: ربّنا آمنّا بما أنزلت أي هكذا كان قولهم وإيمانهم.
قوله تعالى: فاكتبنا مع الشّاهدين
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن سماكٍ عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: فاكتبنا مع الشّاهدين قال: أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم). [تفسير القرآن العظيم: 2/660-661]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (آية 53 - 54.
أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني
وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {فاكتبنا مع الشاهدين} قال: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم شهدوا له أنه قد بلغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {فاكتبنا مع الشاهدين} قال: مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قضى صلاته: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك - فإن للسائلين عليك حقا - أيما عبد أو أمة من أهل البر والبحر تقبلت دعوتهم واستجبت دعاءهم أن تشركنا في صالح ما يدعونك به وأن تعافينا وإياهم وأن تقبل منا ومنهم وأن تجاوز عنا وعنهم بأنا {آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} وكان يقول: لا يتكلم بهذا أحد من خلقه إلا أشركه الله في دعوة أهل برهم وبحرهم فعمتهم وهو مكانه). [الدر المنثور: 3/594-595]

تفسير قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومكر الّذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الّذين ذكر اللّه أنّ عيسى أحسّ منهم الكفر.
وكان مكرهم الّذي وصفهم اللّه به مواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقتله، وذلك أنّ عيسى صلوات اللّه عليه بعد إخراج قومه إيّاه وأمّه من بين أظهرهم عاد إليهم.فيما:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: ثمّ إنّ عيسى سار بهم: يعني بالحواريّين الّذين كانوا يصطادون السّمك، فآمنوا به واتّبعوه إذ دعاهم حتّى أتى بني إسرائيل ليلاً فصاح فيهم، فذلك قوله: {فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفةٌ} [الصف] الآية
وأمّا مكر اللّه بهم فإنّه فيما ذكر السّدّيّ: إلقاؤه شبه عيسى على بعض أتباعه، حتّى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع اللّه عزّ وجلّ عيسى قبل ذلك.
- كما: حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: ثمّ إنّ بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنّة، فأخذها رجلٌ منهم، وصعد بعيسى إلى السّماء، فذلك قوله: {ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين} فلمّا خرج الحواريّون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أنّ عيسى قد صعد به إلى السّماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدّة، ويرون صورة عيسى فيهم فشكّوا فيه، وعلى ذلك قتلوا الرّجل وهم يرون أنّه عيسى، وصلبوه، فذلك قول اللّه عزّ وجلّ {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم}
وقد يحتمل أن يكون معنى مكر اللّه بهم استدراجه إيّاهم ليبلغ الكتاب أجله، كما قد بيّنّا ذلك في قول اللّه: {اللّه يستهزئ بهم}). [جامع البيان: 5/446-447]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق: ثمّ ذكر رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله قال: ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين، ثمّ أخبرهم وردّ عليهم فيما أقروا اليهود بصلبه كيف رفعه وطهّره منهم فقال اللّه: يا عيسى إنّي متوفّيك). [تفسير القرآن العظيم: 2/660-661]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة فأخذها رجل منهم وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}). [الدر المنثور: 3/594-595]

تفسير قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن الحسن في قوله تعالى إني متوفيكم قال إني متوفيك من الأرض). [تفسير عبد الرزاق: 1/122]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن ثابت البناني قال رفع عيسى بن مريم وعليه مدرعة وخفا راع وحذاقة يحذف بها الطير). [تفسير عبد الرزاق: 1/122]

قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ):(وقال ابن عبّاسٍ: {متوفّيك} [آل عمران: 55]: «مميتك»). [صحيح البخاري: 6/54] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال ابن عبّاسٍ متوفّيك مميتك هكذا ثبت هذا هنا وهذه اللّفظة إنّما هي في سورة آل عمران فكأنّ بعض الرّواة ظنّها من سورة المائدة فكتبها فيها أو ذكرها المصنّف هنا لمناسبة قوله في هذه السّورة فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب). [فتح الباري: 8/283] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
وقال ابن عبّاس متوفيك مميتك قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس بهذا). [تغليق التعليق: 4/206]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومكر اللّه بالقوم الّذين حاولوا قتل عيسى مع كفرهم باللّه، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربّهم، إذ قال اللّه جلّ ثناؤه: {إنّي متوفّيك} ف إذ صلةٌ من قوله: {ومكر اللّه} يعني: ومكر اللّه بهم حين قال اللّه لعيسى: {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ} فتوفّاه ورفعه إليه.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في معنى الوفاة الّتي ذكرها اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية، فقال بعضهم: هي وفاة نومٍ، وكان معنى الكلام على مذهبهم: إنّي منيمك، ورافعك في نومك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {إنّي متوفّيك} قال: يعني وفاة المنام: رفعه اللّه في منامه.قال الحسن: قال رسول اللّه لليهود: إنّ عيسى لم يمت، وإنّه راجعٌ إليكم قبل يوم القيامة
وقال آخرون: معنى ذلك: إنّي قابضك من الأرض، فرافعك إليّ، قالوا: ومعنى الوفاة: القبض، لما يقال: توفّيت من فلانٍ ما لي عليه، بمعنى: قبضته واستوفيته، قالوا: فمعنى قوله: {إنّي متوفّيك ورافعك} أي قابضك من الأرض حيًّا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موتٍ، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا عليّ بن سهلٍ، قال: حدّثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذبٍ، عن مطرٍ الورّاق، في قول اللّه: {إنّي متوفّيك} قال: متوفّيك من الدّنيا، وليس بوفاة موتٍ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسن، في قوله: {إنّي متوفّيك} قال: متوفّيك من الأرض.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا} قال: فرفعه اللّه إليه، توفّيه إيّاه، وتطهيره من الّذين كفروا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ أنّ كعب الأحبار قال: ما كان اللّه عزّ وجلّ ليميت عيسى ابن مريم، إنّما بعثه اللّه داعيًا ومبشّرًا يدعو إليه وحده، فلمّا رأى عيسى قلّة من اتّبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى اللّه عزّ وجلّ، فأوحى اللّه إليه: {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ} وليس من رفعته عندي ميّتًا، وإنّي سأبعثك على الأعور الدّجّال، فتقتله، ثمّ تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثمّ أميتك ميتة الحيّ قال كعب الأحبار: وذلك يصدّق حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال: كيف تهلك أمّةٌ أنا في أوّلها، وعيسى في آخرها؟.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزّبير: {يا عيسى إنّي متوفّيك}: أي قابضك.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ} قال: متوفّيك: قابضك، قال: ومتوفّيك ورافعك واحدٌ، قال: ولم يمت بعد حتّى يقتل الدّجّال، وسيموت، وقرأ قول اللّه عزّ وجلّ: {ويكلّم النّاس في المهد وكهلاً} قال: رفعه اللّه إليه قبل أن يكون كهلاً، قال: وينزل كهلا.
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قول اللّه عزّ وجلّ: {يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ} الآية كلّها، قال: رفعه اللّه إليه، فهو عنده في السّماء
وقال آخرون: معنى ذلك: إنّي متوفّيك وفاة موتٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّي متوفّيك} يقول: إنّي مميتك.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ اليمانيّ، أنّه قال: توفّى اللّه عيسى ابن مريم ثلاث ساعاتٍ من النّهار حتّى رفعه إليه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: والنّصارى يزعمون أنّه توفّاه سبع ساعاتٍ من النّهار، ثمّ أحياه اللّه
وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال اللّه يا عيسى، إنّي رافعك إليّ، ومطهّرك من الّذين كفروا، ومتوفّيك بعد إنزالي إيّاك إلى الدّنيا. وقالو: هذا من المقدّم الّذي معناه التّأخير، والمؤخّر الّذي معناه التّقديم.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بالصّحّة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنّي قابضك من الأرض ورافعك إليّ؛ لتواتر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدّجّال ثمّ يمكث في الأرض مدّةٌ ذكرها اختلفت الرّواية في مبلغها، ثمّ يموت، فيصلّي عليه المسلمون ويدفنونه.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن مسلمٍ الزّهريّ، عن حنظلة بن عليٍّ الأسلميّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ليهبطنّ اللّه عيسى ابن مريم حكمًا عدلاً وإمامًا مقسطًا، يكسر الصّليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتّى لا يجد من يأخذه، وليسلكّن الرّوحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لثنيين بهما جميعًا.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينارٍ، عن قتادة، عن عبد الرّحمن بن آدم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: الأنبياء إخوةٌ لعلاّتٍ، أمّهاتهم شتّى، ودينهم واحدٌ، وأنا أولى النّاس بعيسى ابن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيّ، وإنّه خليفتي على أمّتي، وإنّه نازلٌ فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنّه رجلٌ مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشّعر كأنّ شعره يقطر، وإن لم يصبه بللٌ بين ممصّرتين، يدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، ويقاتل النّاس على الإسلام حتّى يهلك اللّه في زمانه الملل كلّها، ويهلك اللّه في زمانه مسيخ الضّلالة الكذّاب الدّجّال وتقع في الأرض الأمنة حتّى ترتع الأسود مع الإبل، والنّمر مع البقر، والذّئاب مع الغنم، وتلعب الغلمان بالحيّات، لا يضرّ بعضهم بعضًا، فيثبت في الأرض أربعين سنةً، ثمّ يتوفّى ويصلّي المسلمون عليه ويدفنونه
قال أبو جعفرٍ: ومعلومٌ أنّه لو كان قد أماته اللّه عزّ وجلّ لم يكن بالّذي يميته ميتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أخبر عباده أنّه يخلقهم ثمّ يميتهم، ثمّ يحييهم، كما قال جلّ ثناؤه {اللّه الّذي خلقكم ثمّ رزقكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيءٍ}
فتأويل الآية إذًا: قال اللّه لعيسى: يا عيسى إنّي قابضك من الأرض ورافعك إليّ، ومطهّرك من الّذين كفروا، فجحدوا نبوّتك.
وهذا الخبر وإن كان مخرجه مخرج خبرٍ، فإنّ فيه من اللّه عزّ وجلّ احتجاجًا على الّذين حاجّوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عيسى من وفد نجران بأنّ عيسى لم يقتل ولم يصلب كما زعموا، وأنّهم واليهود الّذين أقرّوا بذلك وادّعوا على عيسى كذبةٌ في دعواهم وزعمهم
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزّبير، ثمّ أخبرهم يعني الوفد، من نجران وردّ عليهم فيما أخبروا هم واليهود بصلبه، كيف رفعه وطهّره منهم، فقال: {إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ}
وأمّا مطهّرك من الّذين كفروا، فإنّه يعني منظّفك، فمخلّصك ممّن كفر بك وجحد ما جئتهم به من الحقّ من اليهود وسائر الملل غيرها.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزّبير: {ومطهّرك من الّذين كفروا} قال: إذ همّوا منك بما همّوا.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {ومطهّرك من الّذين كفروا} قال: طهّره من اليهود والنّصارى والمجوس، ومن كفّار قومه). [جامع البيان: 5/447-453]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وجاعل الّذين اتّبعوك على منهاجك وملّتك من الإسلام وفطرته فوق الّذين جحدوا نبوّتك، وخالفوا بسبيلهم جميع أهل الملل، فكذّبوا بما جئت به، وصدّوا عن الإقرار به، فمصيرهم فوقهم ظاهرين عليهم.
- كما: حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، في قوله: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} هم أهل الإسلام الّذين اتّبعوه على فطرته وملّته وسنّته فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة
- حدثنا المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} ثمّ ذكر نحوه
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} قال: ناصرٌ من اتّبعك على الإسلام على الّذين كفروا إلى يوم القيامة.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} أمّا الّذين اتّبعوك، فيقال: هم المؤمنون وليس ويقال بل هم الرّوم.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} قال: جعل الّذين اتّبعوه فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة، قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممّن ترك الإسلام إلى يوم القيامة
وقال آخرون: ومعنى ذلك: وجاعل الّذين اتّبعوك من النّصارى فوق اليهود.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قول اللّه: {ومطهّرك من الّذين كفروا} قال: الّذين كفروا من بني إسرائيل {وجاعل الّذين اتّبعوك} قال: الّذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم، {فوق الّذين كفروا} النّصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النّصارى إلاّ وهم فوق يهود في شرقٍ ولا غربٍ، هم في البلدان كلّها مستذلّون). [جامع البيان: 5/453-455]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: {ثمّ إليّ} ثمّ إلى اللّه أيّها المختلفون في عيسى، {مرجعكم} يعني مصيركم يوم القيامة {فأحكم بينكم} يقول: فأقضي حينئذٍ بين جميعكم في أمر عيسى بالحقّ فيما كنتم فيه تختلفون من أمره.
وهذا من الكلام الّذي صرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة، وذلك أنّ قوله: {ثمّ إليّ مرجعكم} إنّما قصد به الخبر عن متّبعي عيسى والكافرين به.
وتأويل. الكلام: وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة، ثمّ إليّ مرجع الفريقين: الّذين اتّبعوك، والّذين كفروا بك، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ولكن ردّ الكلام إلى الخطّاب لسبوق القول على سبيل ما ذكرنا من الكلام الّذي يخرج على وجه الحكاية، كما قال: {حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ}). [جامع البيان: 5/455-456]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55)
قوله تعالى: إذ قال اللّه يا عيسى إني متوفيك
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن ابن أبي حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: إذ فقد كان.
قوله تعالى: يا عيسى إنّي متوفّيك
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: إنّي متوفّيك يقول: إنّي مميتك.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن سلمة ثنا سلمة، حدّثني محمّد بن إسحاق، عن من لا يتّهم، عن وهب بن منبّهٍ أنّه قال:
توفى عيسى بن مريم ثلاث ساعاتٍ من النّهار حين رفعه إليه.
وروي عن مجاهدٍ قال:
هو فاعلٌ على ذلك به.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن الحسن في قوله: إنّي متوفّيك قال: متوفيك من الأرض.
والوجه الرابع:
- حدّثنا أبي، ثنا العبّاس بن الوليد بن صبحٍ الخلال، ثنا مروان يعني:
ابن محمّدٍ، ثنا سعيد بن بشيرٍ، ثنا قتادة في قوله: إنّي متوفّيك ورافعك إليّ قال: هذا من المقدّم والمؤخّر أي رافعك إليّ ومتوفّيك.
قوله تعالى: ورافعك إليّ
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ، قال: سألت الحسن عن قوله: ورافعك إليّ قال: رفعه إليه وهو عنده في السّماء.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق: إني متوفيك ورافعك إلي، ذهموا منك بما همّوا.
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريجٍ في قوله: إنّي متوفّيك ورافعك قال: رفعه إيّاه: توفيته إيّاه.
قوله تعالى: ومطهّرك من الّذين كفروا
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: ومطهّرك من الّذين كفروا قال: طهّره من اليهود والنّصارى والمجوس ومن كفّار قومه.
قوله تعالى: وجاعل
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريح وجاعل الّذين اتّبعوك قال: ناصرًا من اتّبعه على الإسلام.
قوله تعالى: الذين اتبعوك
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدّشتكيّ، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، ثنا الرّبيع قوله: وجاعل الّذين اتّبعوك قال: هم أهل الإسلام الّذين اتّبعوه على فطرته، وملّته، وسنّته لا يزالون ظاهرين على أهل الشّرك إلى يوم القيامة. قال أبو محمّدٍ: وروي عن قتادة نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباط بن نصرٍ عن السّدّيّ قوله: وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة أمّا الّذين اتّبعوك فيقال هم المؤمنون، ويقال هم الرّوم.
قوله تعالى: وجاعل الّذين اتّبعوك... الآية
[الوجه الأول]
- حدّثني أبي، ثنا عثمان بن سعيدٍ ومحمّد بن المصفّى الحمصيّ قالا: قال يحيى بن سعيدٍ الحمصيّ، ثنا عمر بن عمرو بن عبدٍ قال: سمعت أبا عمرٍو الأنصاريّ يقول: قال النّعمان على المنبر: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: لا تزال طائفةٌ من أمّتي ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتّى يأتي أمر اللّه. قال النّعمان:
فيمن قال إنّي أقول على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما لم يقل، فإنّ تصديق ذلك في كتاب اللّه، قال اللّه عزّ وجلّ: وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن الدّشتكيّ، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ في قوله: وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة هم أهل الإسلام الّذين اتّبعوه على فطرته وملّته وسنّته، لا يزالون ظاهرين على أهل الشّرك إلى يوم القيامة.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن محمّد بن يحيى الضّعيف بطرسوس ثنا عليّ يعني ابن الحسن بن شقيقٍ، ثنا الحسين بن واقدٍ، ثنا مطرٌ الورّاق، عن الحسن قوله:
وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة قال: هم المسلمون، ونحن منهم، ونحن فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: ثمّ إليّ مرجعكم
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع عن أبي العالية: ثمّ إليّ مرجعكم قال: يرجعون إليه بعد الحياة). [تفسير القرآن العظيم: 2/661-663]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ) ابن عباس - رضي الله عنه - قال: {إنّي متوفّيك} أي مميتك، أخرجه البخاري في ترجمة بابٍ). [جامع الأصول: 2/68]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 55 - 57.
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {إني متوفيك} يقول: إني مميتك.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن قال {متوفيك} من الأرض.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في قوله {إني متوفيك} يعني وفاة المنام رفعه الله في منامه قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {إني متوفيك ورافعك إلي} قال: هذا من المقدم والمؤخر، أي رافعك إلي ومتوفيك.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مطر الوراق في الآية قال {متوفيك} من الدنيا وليس بوفاة موت.
وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن كعب قال: لما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذبه شكا ذلك إلى الله، فأوحى الله إليه {إني متوفيك ورافعك إلي} وإني سأبعثك على الأعور الدجال فتقتله ثم تعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة ثم أميتك ميتة الحي، قال كعب: وذلك تصديق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها.
وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عن الحسن قال: لم يكن نبي كانت العجائب في زمانه أكثر من عيسى إلى أن رفعه الله وكان من سبب رفعه أن ملكا جبارا يقال له داود بن نوذا وكان ملك بني إسرائيل هو الذي بعث في طلبه ليقتله وكان الله أنزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة ورفع وهو ابن أربع وثلاثين سنة من ميلاده، فأوحى الله إليه {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} يعني ومخلصك من اليهود فلا يصلون إلى قتلك.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في الآية قال: رفعه الله إليه فهو عنده في السماء.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن وهب قال: توفى الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه.
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ورفعه
وأخرج الحاكم عن وهب أن الله توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه وأن مريم حملت به ولها ثلاث عشرة سنة وأنه رفع ابن ثلاث وثلاثين وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين.
وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر من طريق جوهر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {إني متوفيك ورافعك} يعني رافعك ثم متوفيك في آخر الزمان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جرير في الآية قال: رفعه إياه توفيته.
وأخرج الحاكم عن الحريث بن مخشبي أن عليا قتل صبحة إحدى وعشرين من رمضان فسمعت الحسن بن علي وهو يقول: قتل ليلة أنزل القرآن وليلة أسري بعيسى وليلة قبض موسى.
وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والحاكم عن سعيد بن المسيب قال: رفع عيسى ابن ثلاث وثلاثين سنة ومات لها معاذ.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ومطهرك من الذين كفروا} قال: طهره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {ومطهرك من الذين كفروا} قال: إذ هموا منك بما هموا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} قال: أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال: ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر عن النعمان بن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله، قال النعمان: فمن قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {وجاعل الذين اتبعوك} قال: هم المسلمون ونحن منهم ونحن فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها لن تبرح عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على الناس حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ثم قرأ بهذه الآية {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب هم في البلد كلها مستذلون.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: عيسى مرفوع عند الله ثم ينزل قبل يوم القيامة فمن صدق عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وكان على دينهما لم يزالوا ظاهرين على من فارقهم إلى يوم القيامة). [الدر المنثور: 3/595-601]

تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ): (القول في تأويل قوله تعالى: {فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم واللّه لا يحبّ الظّالمين}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {فأمّا الّذين كفروا} فأمّا الّذين جحدوا نبوّتك يا عيسى، وخالفوا ملّتك وكذّبوا بما جئتهم به من الحقّ، وقالوا فيك الباطل وأضافوك إلى غير الّذي ينبغي أن يضيفوك إليه من اليهود والنّصارى، وسائر أصناف الأديان؛ فإنّي أعذّبهم عذابًا شديدًا؛ أمّا في الدّنيا فبالقتل والسّباء والذّلّة والمسكنة؛ وأمّا في الآخرة، فبنار جهنّم خالدين فيها أبدًا. {وما لهم من ناصرين} يقول: وما لهم من عذاب اللّه مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافعٌ بقوّةٍ ولا شفاعةٍ؛ لأنّه العزيز ذو الانتقام). [جامع البيان: 5/456-457]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم واللّه لا يحبّ الظّالمين (57)
قوله تعالى: فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم مّن نّاصرين
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن ابن أبي حمّادٍ، عن أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ، عن أبى مالكٍ قال: فهم أصحاب النّار يعذّبون فيها). [تفسير القرآن العظيم: 2/663-664]

تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم واللّه لا يحبّ الظّالمين}
...
وأمّا قوله: {وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات} فإنّه يعني تعالى ذكره: وأمّا الّذين آمنوا بك يا عيسى، يقول: صدّقوك فأقرّوا بنبوّتك، وبما جئتهم به من الحقّ من عندي، ودانوا بالإسلام الّذي بعثتك به، وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك، وشرّعت من شرائعي، وسننت من سنني.
- كما: حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وعملوا الصّالحات} يقول: أدّوا فرائضي.
{فيوفّيهم أجورهم}، يقول: فيعطيهم جزاء أعمالهم الصّالحة كاملاً لا يبخسون منه شيئًا ولا ينقصونه
وأمّا قوله: {واللّه لا يحبّ الظّالمين} فإنّه يعني: واللّه لا يحبّ من ظلم غيره حقًّا له، أو وضع شيئًا في غير موضعه
فنفى جلّ ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عباده، فيجازي المسيء ممّن كفر جزاء المحسنين ممّن آمن به، أو يجازي المحسن ممّن آمن به واتّبع أمره وانتهى عمّا نهاه عنه فأطاعه جزاء المسيئين ممّن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه، فقال: إنّي لا أحبّ الظّالمين، فكيف أظلم خلقي؟.
وهذا القول من اللّه تعالى ذكره، وإن كان خرج مخرج الخبر، فأنّه وعيدٌ منه للكافرين به وبرسله، ووعدٌ منه للمؤمنين به وبرسله؛ لأنّه أعلم الفريقين جميعًا أنّه لا يبخس هذا المؤمن حقّه، ولا يظلم كرامته، فيضعها فيمن كفر به، وخالف أمره ونهيه، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالمًا). [جامع البيان: 5/456-457]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرارٍ، أنبأ إسماعيل ابن أبي أويسٍ، حدّثني عبد اللّه بن نافعٍ الصائغ، عن عاصم ابن عمر، عن زيد بن أسلم وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه رضي اللّه عنهم.
- حدّثنا أبي، ثنا إبراهيم بن موسى، أنبأ هشام بن يوسف، عن ابن جريجٍ، قال عطاءٌ، عن ابن عبّاسٍ: الأعمال الصّالحة: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر.
قوله تعالى: فيوفّيهم أجورهم
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن المصفّى، ثنا بقيّة، ثنا إسماعيل بن عبد اللّه الكنديّ، عن الأعمش، عن شقيقٍ، عن عبد الله ابن مسعودٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: فيوفّيهم أجورهم قال: أجورهم أن يدخلهم الجنّة.
قال أبو محمّدٍ: حديثٌ منكرٌ بهذا الإسناد.
قوله تعالى: واللّه لا يحبّ الظّالمين
- أخبرنا أبو محمّد بن بنت الشّافعيّ فيما كتب إليّ، عن أبيه أو عمّه عن سفيان بن عيينة: واللّه لا يحبّ الظّالمين لا يقرّب الظّالمين.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجابٌ، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: الظّالمين يقول: الكافرين.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق الظالمين أي المنافقين الّذين يظهرون بألسنتهم الطّاعة وقلوبهم مصرّةٌ على المعصية). [تفسير القرآن العظيم: 2/663-664]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يقول: أدوا فرائضي {فيوفيهم أجورهم} يقول: فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملا لا يبخسون منه شيئا ولا ينقصونه). [الدر المنثور: 3/595-601]

تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {ذلك} هذه الأنباء الّتي أنبأ بها نبيّه عن عيسى وأمّه مريم، وأمّها حنّة، وزكريّا وابنه يحيى، وما قصّ من أمر الحواريّين، واليهود من بني إسرائيل؛ {نتلوها عليك} يا محمّد، يقول: نقرؤها عليك يا محمّد، على لسان جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم، بوحيناها إليك {من الآيات} يقول: من العبر والحجج، على من حاجّك من وفد نصارى نجران ويهود بني إسرائيل الّذين كذّبوك، وكذّبوا ما جئتهم به من الحقّ من عندي {والذّكر} يعني: والقرآن {الحكيم} يعني: ذي الحكمة الفاصلة بين الحقّ والباطل، وبينك وبين ناسبي المسيح إلى غير نسبه.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزّبير: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم} القاطع الفاصل الحقّ الّذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى، وعمّا اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غيره.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم} قال: القرآن.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {والذّكر} يقول: القرآن الحكيم الّذي قد كمل في حكمته). [جامع البيان: 5/458-459]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم (58)
قوله تعالى: ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم
- حدّثنا أبي، ثنا أبو سلمة، ثنا مباركٌ قال: سمعت الحسن قال: أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم راهبا من نجران فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يعجل حتّى (يأمره ربّه) ، فنزل عليه ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم إلى قوله: من الممترين
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق ذلك نتلوه عليك يا محمّد من الآيات
قوله تعالى: والذّكر الحكيم
- حدّثنا موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ، ثنا الحسين بن عليٍّ، عن حمزة الزّيّات، عن أبي المختار الطّائيّ، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور عن عليٍّ قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ستكون فتنٌ- قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب اللّه هو الذّكر الحكيم والصّراط المستقيم.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان، ثنا سلمة، قال محمّد بن إسحاق: والذّكر الحكيم القاطع الفاصل الحقّ الّذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعن ما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غيره). [تفسير القرآن العظيم: 2/664-665]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 58.
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال أتى رسول الله راهبا نجران فقال أحدهما: من أبو عيسى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعجل حتى يأمره ربه، فنزل عليه {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} إلى قوله {من الممترين}.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {والذكر الحكيم} قال: القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون فتن قلت: فما المخرج منها قال: كتاب الله وهو الذكر الحكيم والصراط المستقيم). [الدر المنثور: 3/601]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 02:19 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر...}, يقول: وجد عيسى.
والإحساس: الوجود، تقول في الكلام: هل أحسست أحداً, وكذلك قوله: {هل تحسّ منهم من أحدٍ}, فإذا قلت: حسست، بغير ألف, فهي في معنى الإفناء والقتل, من ذلك قول الله عز وجل: {إذ تحسّونهم بإذنه}, والحسّ أيضاً: العطف والرقّة؛ كقول الكميت:

هل من بكى الدار راجٍ أن تحسّ له = أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل
وسمعت بعض العرب يقول: ما رأيت عقيليّاً إلا حسست له، وحسست لغة, والعرب تقول: من أين حسيت هذا الخبر؟, يريدون: من أين تخبّرته؟, وربما قالوا حسيت بالخبر, وأحسيت به، يبدلون من السين ياء, كقول أبي زبيد.
= حسين به فهنّ إليه شوس =
وقد تقول العرب: ما أحست بهم أحداً, فيحذفون السين الأولى، وكذلك في وددت، ومسست وهممت، قال: أنشدني بعضهم:
هل ينفعنك اليوم إن همت بهمّ = كثرة ما تأتى وتعقاد الرتم
وقوله: {من أنصاري إلى اللّه}, المفسّرون يقولون: من أنصاري مع الله، وهو وجه حسن, وإنما يجوز أن تجعل (إلى) موضع (مع) إذا ضممت الشيء إلى الشيء مما لم يكن معه؛ كقول العرب: إن الذود إلى الذود إبل؛ أي: إذا ضممت الذود إلى الذود صارت إبلاً, فإذا كان الشيء مع الشيء لم تصلح مكان مع إلى، ألا ترى أنك تقول: قدم فلان, ومعه مال كثير، ولا تقول في هذا الموضع: قدم فلان, وإليه مال كثير, وكذلك تقول: قدم فلان إلى أهله، ولا تقول: مع أهله، ومنه قوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}, معناه: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم.
والحواريّون كانوا خاصّة عيسى, وكذلك خاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع عليهم الحواريّون, وكان الزبير يقال له: حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وربما جاء في الحديث لأبي بكر وعمر, وأشباههما حواريّ, وجاء في التفسير أنهم سمّوا حواريين: لبياض ثيابهم). [معاني القرآن: 1/217-218]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر}, أي: عرف منهم الكفر.
{قال من أنصاري إلى الله}, أي: من أعواني في ذات الله.
{قال الحواريّون}: صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، وقالوا: القصّارون؛ والحواريات: من النساء اللاتى لا ينزلن البادية، وينزلن القرى، قال الحادي:
لما تضمّنت الحواريّات= وقال أبو جلدة اليشكرىّ:
وقل للحواريات تبكين غيرنا= ولا تبكنا إلاّ الكلاب النوابح). [مجاز القرآن: 1/94-95]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون}
قال تعالى: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر}؛ لأنّ هذا من "أحسّ" , "يحسّ", "إحساساً", وليس من قوله: {تحسّونهم بإذنه} إذ ذلك من "حسّ" "يحسّ" "حسّاً", وهو في غير معناه؛ لأن معنى حسست: قتلت, وأحسست هو: ظننت). [معاني القرآن: 1/172]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): {الحواريون}: قال بعض المفسرين: هم صفوة الأنبياء.
ويقال في القصارين الحواريين لتبيض الثياب ومنه سمي الدقيق الحواري.
وقال أنه سموا لبياض ثيابهم الحواريين وكانوا صيادين، ويقال حرت الثوب، أي: غسلته وبيضته وأحورت القدر إذ ا أبيض لحمها قبل النضج والعين الحوراء النقية المحاجر، وقالوا شديدة بياض البياض وسواد السواد ويقال للنساء اللواتي ينزلن القرى ولا يكن بالبادية حواريات).
[غريب القرآن وتفسيره:105-106]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({قال من أنصاري إلى اللّه}, أي: من أعواني مع اللّه؟). [تفسير غريب القرآن: 106]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): («إلى» مكان «مع»
قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}، أي: مع أموالكم. ومثله: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}، أي: مع الله.
والعرب تقول: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إِبِلٌ، أي مع الذَّوْدِ.
قال ابن مفرِّغ:
شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوابِقَ فِيهِمْ = فِي وُجُوهٍ إِلَى اللِّمَام ِالجِعَادِ
أراد مع اللِّمَامِ الجِعَادِ). [تأويل مشكل القرآن: 571]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون}
معنى أحسّ في اللغة: علم ووجد، ويقال: هل أحست في معنى هل أحسست ؟, ويقال: حسيت بالشيء إذا علمته وعرفته , وأنشد الأصمعي:
سوى أنّ العتاق من المطايا= أحسن به فهنّ إليه شوس
ويقال: حسّم القائد، أي: قتلهم.
ومعنى {من أنصاري إلى اللّه}:
جاء في التفسير: من أنصاري مع اللّه، و (إلى) ههنا إنما قاربت (مع) معنى بأن صار اللفظ لو عبر عنه بـ " مع " أفاد مثل هذا المعنى، لا أن (إلى) في معنى " مع " , لو قلت ذهب زيد إلى عمرو, لم يجز ذهب زيد مع عمرو، لأن (إلى) غاية, و ( مع ) تضم الشيء إلى الشيء, فالمعنى: يضيف نصرته إياي إلى نصرة اللّه, وقولهم إنّ، (إلى) في معنى (مع) ليس بشيء. والحروف قد تقاربت في الفائدة, فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد.
من ذلك قوله جلّ وعزّ: {ولأصلّبنّكم في جذوع النّخل}, ولو كانت (على) ههنا؛ لأدّت هذه الفائدة، لأنك لو قلت لأصلبنكم على جذوع النخل كان مستقيما.
وأصل (في) إنما هو للوعاء، وأصل " على " لما مع الشيء كقولك: التمر في الجراب, ولو قلت التمر على الجراب لم يصلح في هذا المعنى،
ولكن جاز {ولأصلّبنّكم في جذوع النّخل} ؛ لأن الجذع يشتمل على المصلوب، لأنه قد أخذه من أقطاره, ولو قلت زيد على الجبل , وفي الجبل يصلح؛ لأن الجبل قد اشتمل على زيد، فعلى هذا مجاز هذه الحروف.

وقوله جلّ وعزّ: {قال الحواريّون نحن أنصار اللّه}, قال الحذاق باللغة: {الحواريون}: صفوة الأنبياء عليهم السلام الذين خلصوا, وأخلصوا في التصديق بهم, ونصرتهم, فسماهم الله جلّ وعزّ: {الحواريون}, وقد قيل: أنهم كانوا قصارين , فسموا الحواريين لتبييضهم الثياب، ثم صار هذا الاسم يستعمل فيمن أشبههم من المصدقين تشبيهاً بهم.
وقيل: إنهم كانوا ملوكاً, وقيل كانوا صيادين، والذي عليه أهل اللغة أنهم الصفوة كما أخبرتك, ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنّه قال: ((الزبير ابن عمتي, وحواريّي من أمتي)), ويقال: لنساء الأنصار حواريات، لأنهن تباعدن عن قشف الأعرابيات بنظافتهن.
وأنشد أبو عبيدة , وغيره لأبي جلدة اليشكري:
فقل للحواريات يبكين غيرنا= ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وقال أهل اللغة في المحور: وهو العود الذي تدور عليه البكرة قولين:-
قال بعضهم: إنما قيل له محور للدوران؛ لأنه يرجع إلى المكان الذي زال منه.
وقيل: إنما قيل له محور؛ لأنه بدورانه ينصقل حتى يصير أبيض، ويقال : دقيق حوّاري من هذا, أي : قد أخذ لبابه, وكذلك عجين محوّر للذي يمسح وجهه بالماء حتى يصفو، ويقال عين حوراء إذا اشتد بياضها, وخلص, واشتد سوادها، ولا يقال امرأة حوراء إلا أن تكون مع حور عينها بيضاء، وما روي، في الحديث: (( نعوذ باللّه من الحور بعد الكور)).
معناه: نعوذ باللّه من الرجوع والخروج عن الجماعة بعد الكور, أي: بعد أن كنا في الكور، أي: في الجماعة, يقال: كار الرجل عمامة إذا لفّها على رأسه، وحار عمامته إذا نقضها، وقد قيل: " بعد الكون " , ومعناه: بعد أن كنا على استقامة، إلا أن مع الكون محذوفاً في الكلام دليلاً عليه). [معاني القرآن: 1/416-418]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر}, قال أبو عبيدة : أحس بمعنى: عرف, قال: من أنصاري إلى الله.
قال سفيان، أي: مع الله,
وقد قال هذا بعض أهل اللغة, وذهبوا إلى أن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض, واحتجوا بقوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل}, قالوا: معنى في معنى على, وهذا القول عند أهل النظر لا يصح ؛ لأن لكل حرف معناه , وإنما يتفق الحرفان ؛ لتقارب المعنى, فقوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل}
كان الجذع مشتملاً على من صلب, ولهذا دخلت في؛ لأنه قد صار بمنزلة الظرف .
ومعنى{ من أنصاري إلى الله}: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله عز وجل.
ثم قال تعالى: {قال الحواريون نحن أنصار الله}
روى سعيد بن جبير, عن ابن عباس أنه قال: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم, وكانوا صيادين.
وقال ابن أرطاة: إنما كانوا غسالين يحورون الثياب, أي: يغسلونها .
وقال أهل اللغة: الحواريون: صفوة الأنبياء, وهم المخلصون.
وروى جابر بن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( الزبير ابن عمتي, وحواري من أمتي )), أي: صفوتي ومنه قيل عن حوراء إذا اشتد بياضها وسوادها, وامرأة حوراء: إذا خلص بياضها مع حور العين، ومنه قيل لنساء الأنصار: حواريات؛ لنظافتهن, وقال أبو جلدة اليشكري:
فقل للحوريات يبكين غيرنا = ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
ومنه: الحواري). [معاني القرآن: 1/404-407]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (و{الحواريون}: الأنصار، و{الحواريون}: الخاصة من الصحابة). [ياقوتة الصراط: 188]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({من أنصاري إلى الله} أي: من أعواني إلى الله، أي: مع الله). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 49]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({الْحَوَارِيُّونَ}: الصفوة). [العمدة في غريب القرآن: 99]

تفسير قوله تعالى:{رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)}
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (ويكون كتب بمعنى جعل، كقوله: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ}.
وقوله: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.
وقال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}).
[تأويل مشكل القرآن:462-463] (م)

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ({ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين}, وأما معنى قوله:{فاكتبنا مع الشّاهدين}, أي: اكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق، وحقيقة الشاهد أنه الذي يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى: صدقنا باللّه, واعترفنا بصحة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم, وثبتنا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا). [معاني القرآن: 1/418]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {فاكتبنا مع الشاهدين}, أي: مع الشاهدين لرسولك بالتصديق
وروى إسرائيل, عن سماك بن عكرمة, عن ابن عباس: {فاكتبنا مع الشاهدين}, قال: محمد صلى الله عليه وسلم, وأمته شهدوا له أنه قد بلغ, وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا). [معاني القرآن: 1/407-408]

تفسير قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (ومعنى قوله {ومكروا ومكر اللّه...}:
نزل هذا في شأن عيسى إذ أرادوا قتله، فدخل بيتاً فيه كوّة وقد أيّده الله تبارك وتعالى بجبريل صلى الله عليه وسلم، فرفعه إلى السماء من الكوّة، ودخل عليه رجل منهم ليقتله، فألقى الله على ذلك الرجل شبه عيسى ابن مريم , فلمّا دخل البيت, فلم يجد فيه عيسى خرج إليهم, وهو يقول: ما في البيت أحد، فقتلوه, وهم يرون أنه عيسى.
فذلك قوله: {ومكروا ومكر اللّه}, والمكر من الله استدراج، لا على مكر المخلوقين).
[معاني القرآن: 1/218]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ومكروا ومكر الله} : أهلكهم الله). [مجاز القرآن: 1/95]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان:
نحو قول الله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، أي: يجازيهم جزاء الاستهزاء.
وكذلك: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ}، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}، هي من المبتدئ سيئة، ومن الله جل وعز جزاء.
وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}
فالعدوان الأول: ظلم، والثاني: جزاء، والجزاء لا يكون ظلما، وإن كان لفظه كلفظ الأول.
ومنه (قول النبي) صلّى الله عليه وسلم: ((اللهم إنّ فلانا هجاني، وهو يعلم أني لست بشاعر، اللهم والعنه عدد ما هجاني، أو مكان ما هجاني))، أي: جازه جزاء الهجاء.
وكذلك قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}). [تأويل مشكل القرآن:277-278] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين}المكر من الخلائق خبّ وخداع، والمكر من اللّه المجازاة على ذلك, فسمي باسم ذلك ؛لأنه مجازاة عليه كما قال عزّ وجلّ: {اللّه يستهزئ بهم}، فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب، لفظه لفظ الاستهزاء.
وكما قال جل وعز: {وجزاء سيّئة سيّئة مثلها}, فالأولى سيئة, والمجازاة عليها سمّيت باسمها، وليست في الحقيقة سيئة.
وجائز أن يكون: مكر اللّه استدراجهم من حيث لا يعلمون ؛ لأن الله سلّط عليهم فارس, فغلبتهم وقتلتهم، والدليل على ذلك قوله عزّ وجلّ: {الم (1) غلبت الرّوم (2) في أدنى الأرض}.
وقيل في التفسير أيضاً: إن مكر اللّه بهم كان في أمر عيسى أنه صلى الله عليه وسلم كان في بيت فيه كوة , فدخل رجل ليقتله، ورفع عيسى من البيت, وخرج الرجل في شبهه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه, وجملة المكر من اللّه مجازاتهم على ما فعلوا). [معاني القرآن: 1/419]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}, هذا راجع إلى قوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} والمكر من الخلائق خب، ومن الله مجازة كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}). [معاني القرآن: 1/408]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): ( (ومكروا), أي: ودبروا، ومكر الله، أي: دبر الله, (والله خير الماكرين), أي: خير المدبرين). [ياقوتة الصراط: 188]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت:207هـ): (وقوله: {إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ...}, يقال: إن هذا مقدّم ومؤخّر, والمعنى فيه: إني رافعك إليّ, ومطهّرك من الذين كفروا, ومتوفّيك بعد إنزالي إيّاك في الدنيا, فهذا وجه.
وقد يكون الكلام غير مقدّم ولا مؤخّر؛ فيكون معنى متوفّيك: قابضك؛ كما تقول: توفيت مالي من فلان: قبضته من فلان. فيكون التوفّي على أخذه, ورفعه إليه من غير موت). [معاني القرآن: 1/219]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة}، أي: هم عند الله خير من الكفار). [مجاز القرآن: 1/95]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({متوفّيك}: قابضك من الأرض من غير موت). [تفسير غريب القرآن: 106]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون},(عيسى) اسم أعجمي عدل عن لفظ الأعجمية إلى هذا البناء، وهو غير مصروف في المعرفة ؛ لاجتماع العجمية والتعريف فيه, ومثال اشتقاقه من كلام العرب أنّ عيسى: فعلى, فالألف يصلح أن تكون للتأنيث، فلا تتصرف في معرفة ولا نكرة، ويكون اشتقاقه من شيئين:
أحدهما: العيس، وهو بياض الإبل،
والآخر: من العوس والعياسة؛ إلا أنه قلبت الواو يا لانكسار ما قبلها, فأمّا عيسى عليه السلام , فمعدول من يشوع كذا يقول أهل السريانية.

وقال النحويون في معنى قوله عزّ وجلّ {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك}:
التقديم والتأخير، المعنى: إني رافعك, ومطهرك, ومتوفيك.
وقال بعضهم: المعنى على هذا اللفظ كقوله عزّ وجل: {اللّه يتوفّى الأنفس حين موتها}, فالمعنى على مذهب هؤلاء: أن الكلام على هذا اللفظ.
ومعنى {وجاعل الذين اتبعوك فوق الّذين كفروا}: القراءة بطرح التنوين، والتنوين جائز، ولكن لا تقرأ به إلا أن تكون ثبتت بذلك رواية.
ومعنى {فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}, فيه قولان:
أحدهما: أنهم فوقهم في الحجة, وإقامة البرهان.

والآخر: أنهم فوقهم في اليد والبسطة والغلبة، ويكون {الذين اتبعوك} : محمداً صلى الله عليه وسلم, ومن اتبعه؛ فهم منصورون عالون). [معاني القرآن: 1/419-420]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} , في الآية قولان:
أحدهما: أن المعنى إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا, ومتوفيك, وهذا جائز في الواو؛ لأنه قد عرف المعنى, وأنه لم يمت بعد.
والقول الآخر: أن يكون معنى {متوفيك}: قابضك من غير موت مثل: توفيت مالي من فلان, أي: قبضته كما قال جل وعز: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}
وقال الربيع بن أنس، يعني: وفاة المنام رفعه الله عز وجل في منامه.
وقال مطر الوراق: متوفيك, ورافعك واحدة, ولم يمت بعد .
وروى ابن أبي طلحة, عن ابن عباس: متوفيك, أي: مميتك.
ثم قال وهب: توفاه الله ثلاث ساعات من النهار.
ومحمد بن جرير يميل إلى قول من قال: إني قابضك من الأرض بغير موت, ورافعك إلي؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم:(( ليهبطن عيسى ابن مريم إلى الأرض)).
ثم قال تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}, قال قتادة: يعني المسلمين؛ لأنهم اتبعوه, فلا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة.
وقال غيره: الذين اتبعوه محمد,والمسلمون؛ لأن دينهم التوحيد كما كان التوحيد دين عيسى صلى الله عليه وسلم.
وروي, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( أنا أولى الناس بابن مريم)).
وروى يونس بن ميسرة بن حلبس, عن معاوية, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((لن تبرح طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله, وهم على ذلك)), ونزع بهذه الآية: {يا عيسى أني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك يا محمد فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}.
ثم قال تعالى: {إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}, أي: فافصل بينكم, وتقع المجازاة عليه؛لأنه قد بين لهم في الدنيا). [معاني القرآن: 1/408-412]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({متوفيك}, قابضك من الأرض، {ورافعك}, أي: إلى السماء). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 49]

تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابا شديدا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين}, العذاب في الدنيا: القتل الذي نالهم, وينالهم، وسبي الذراري, وأخذ الجزية، وعذاب الآخرة ما أعده اللّه لهم من النار.
{وما لهم من ناصرين}, أي: ما لهم من يمنعهم في الدنيا؛ لأن اللّه عزّ وجلّ قد أظهر الإسلام على دينهم, وجعل الغلبة لأهله، ولا أحد ينصرهم في الآخرة من عذاب اللّه). [معاني القرآن: 1/420-421]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال تعالى: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة}, عذابهم في الدنيا: القتل, والأسر,وأخذ الجزية, وفي الآخرة: النار, وما لهم من ناصرين؛ لأن المسلمين عالون عليهم , ظاهرون). [معاني القرآن: 1/412]

تفسير قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({لا يحبّ الظّالمين}: الكافرين). [مجاز القرآن: 1/95]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ({وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم واللّه لا يحبّ الظّالمين}
ومعنى {واللّه لا يحب الظّالمين}, أي: لا يرحمهم، ويعذبهم, ولا يثني عليهم خيراً, هذا معنى البغض من الله، ومعنى المحبة منه: الرحمة , والمغفرة, والثناء والجميل). [معاني القرآن: 1/421]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم},أي: القصيص الذي جرى نتلوه عليك.
{من الآيات},أي: من العلامات, البينات, الدلالات على تثبيت رسالتك إذ كانت أخباراً لا يعلمها إلا قارئ كتاب, أو معلّم, أو من أوحيت إليه, وقد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمّيّاً: لا يكتب, ولا يقرأ الكتب على جهله النظر فيها, والفائدة منها: فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعلمه أحد من الناس, فلم يبق إلا الوحي، والإخبار بهذه الأخبار التي يجتمع أهل الكتاب على الموافقة بالإخبار بها من الآيات المعجزات.
ومعنى {والذّكر الحكيم}، أي: ذو الحكمة في تأليفه, ونظمه, وإبانة الفوائد فيه, ويصلح أن تكون (ذلك) في معنى الذي ويكون (نتلوه) صلة، فيكون المعنى: الذي نتلوه عليك من الآيات, والذكر الحكيم, فيكون ذلك ابتداء, والخبر من الآيات). [معاني القرآن: 1/421-422]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم}, أي: من العلامات التي لا تعرف إلا بوحي, أو بقراءة كتاب, ومعنى {الحكيم}: ذو الحكمة). [معاني القرآن: 1/414]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 08:34 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]
تفسير قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) }
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (


ولقد يحل بها الجميع وفيهمحــور الـعـيـون كـأنـهـن صـــوار

...
حور العيون البقر وإنما قال حور العيون لشدة بياضها وإنما سمي الحواري حواري لشدة بياضه وكذلك الحور لشدة بياضها وشدة سواد الأشفار والحدقة وذلك مما يشتد به بياضها وإنما سمي الحواريون مع عيسى ابن مريم عليهما السلام لشدة بياض ثيابهم ويقال إنهم كانوا قصارين). [نقائض جرير والفرزدق: 867] (م)
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (

حور العيون يمسن غير حوادفهــــز الـجـنــوب نــواعــم الـعـيــدان

قال الحور العيون من النساء ما كان بياض العين أكثر من السواد ومنه سميت الحوراء حوراء لذلك ومنه سمي الحواري من الدقيق والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام لبياض ثيابهم ويقال أنهم كانوا قصارين). [نقائض جرير والفرزدق: 890] (م)
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (الأموي: الأحورار البياض وأنشدنا:


يا ورد إني سأموت مره


فمن حليف الجفنة المحوره

يعني المبيضة بالسنام، وقال الفرزدق:


فقـلـت إن الحـواريـات معـطـبـةإذا تقتلن من تحت الجلابيب

غيرهم: إنما سموا الحواريين من البياض وكانوا قصارين). [الغريب المصنف: 3/979]

تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) }
قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (


سبقوا هـوي وأعنقـوا لهواهـمفتخرموا ولكل جنب مصرع

...
«ولكل جنب مصرع». وقال الأصمعي والأخفش: هذا مثل قولهم: (الجزاء بالجزاء) فالأخير جزاء، والأول ليس بجزاء، فأجرى الأول على الثاني. والمعنى أنه لما قال: (سبقوا هواي وأعنقوا لهواهم)، كأنهم جازوني بهواي، وإن كنت لم أجازهم، لأن المبتدئ فعلا لم يجاز، وإنما يجازى الثاني، فأجراه عليه، ومثله: {ومكروا ومكر الله}، والله لا يمكر، ولكنه لما قال: (مكروا)، جرى اللفظ على الأول). [شرح أشعار الهذليين: 1/7]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) }
[لا يوجد]
تفسير قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) }
[لا يوجد]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 07:17 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 07:17 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 07:17 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 07:17 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون (52) ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين (53) ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين (54)
قبل هذه الآية متروك به يتم اتساق الآيات، تقديره، فجاء عيسى عليه السلام كما بشر الله به فقال جميع ما ذكر لبني إسرائيل، فلمّا أحسّ ومعنى أحس، علم من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في تكذيبه ورأى من قرائن الأحوال وشدة العداوة والإعراض يقال أحسست بالشيء وحسيت به، أصله، حسست فأبدلت إحدى السينين ياء، والكفر هو التكذيب به، وروي أنه رأى منهم إرادة قتله، فحينئذ طلب النصر، والضمير في منهم لبني إسرائيل، وقوله تعالى: قال من أنصاري إلى اللّه عبارة عن حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين ويؤمن بالشرع ويحميه، كما كان محمد عليه السلام يعرض نفسه على القبائل ويتعرض للأحياء في المواسم، وهذه الأفعال كلها وما فيها من أقوال يعبر عنها يقال من أنصاري إلى اللّه، ولا شك أن هذه الألفاظ كانت في جملة أقواله للناس، والأنصار جمع نصير، كشهيد وأشهاد وغير ذلك، وقيل جمع ناصر، كصاحب وأصحاب وقوله: إلى اللّه يحتمل معنيين، أحدهما، من ينصرني في السبيل إلى الله؟ فتكون إلى دالة على الغاية دلالة ظاهرة على بابها، والمعنى الثاني، أن يكون التقدير من يضيف نصرته إلى نصرة الله لي؟ فيكون بمنزلة قوله ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [النساء: 1] فإذا تأملتها وجدت فيها معنى الغاية لأنها تضمنت إضافة شيء إلى شيء، وقد عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها بمعنى مع ونعم، إن- مع- تسد في هذه المعاني مسد «إلى» لكن ليس يباح من هذا أن يقال إن إلى بمعنى مع حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق [المائدة: 6] فقال إلى بمعنى مع وهذه عجمة بل إلى في هذه الآية، غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد إلى فيما قبلها من طريق آخر، والحواريّون، قوم مر بهم عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى نصره، واتباع ملته، فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام، وصبروا في ذات الله، وروي أنه مر بهم وهم يصطادون السمك، واختلف الناس لم قيل لهم الحواريّون؟ فقال سعيد بن جبير، سموا بذلك لبياض ثيابهم ونقائها، وقال أبو أرطأة، سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها، وقال قتادة، الحواريون أصفياء الأنبياء، الذين تصلح لهم الخلافة، وقال الضحاك نحوه.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا تقرير حال القوم، وليس بتفسير اللفظة، وعلى هذا الحد شبه النبي عليه السلام، ابن عمته بهم في قوله: وحواريّ الزبير، والأقوال الأولى هي تفسير اللفظ، إذ هي من الحور، وهو البياض، حورت الثوب بيضته ومنه الحواري، وقد تسمي العرب النساء الساكنات في الأمصار، الحواريات، لغلبة البياض عليهن، ومنه قول أبي جلدة اليشكري:
فقل للحواريات يبكين غيرنا = ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وحكى مكي: أن مريم دفعت عيسى عليه السلام في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يقصرون الثياب ثم يصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألوانا شتى من ماء واحد، وقرأ
جمهور الناس «الحواريّون» بتشديد الياء، واحدهم- حواريّ- وليست بياء نسب وإنما هي كياء كرسي، وقرأ إبراهيم النخعي وأبوبكر الثقفي: «الحواريون» مخففة الياء في جميع القرآن، قال أبو الفتح: العرب تعاف ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها وتمتنع منها، ومتى جاءت في نحو قولهم، العاديون والقاضيون والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها وسكون الواو بعدها فيجيء العادون ونحوه، فكان يجب على هذا أن يقال، الحوارون، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء خففت استثقالا لتضعيفها وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد، إذ التشديد محتمل للضمة، وهذا كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزئون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحملها الضمة تذكر الحال المرادة فيها.
وقول الحواريين: واشهد يحتمل أن يكون خطابا لعيسى عليه السلام، أي اشهد لنا عند الله، ويحتمل أن يكون خطابا لله تعالى كما تقول: أنا أشهد الله على كذا، إذا عزمت وبالغت في الالتزام، ومنه قول النبي عليه السلام في حجة الوداع: اللهم اشهد، قال الطبري: وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران، أي هذه مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى، لا ما تقولونه أنتم، يا من يدعي له الألوهية). [المحرر الوجيز: 2/233-235]

تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقولهم: ربّنا آمنّا بما أنزلت يريدون الإنجيل وآيات عيسى، والرّسول عيسى عليه السلام، وقولهم: فاكتبنا مع الشّاهدين عبارة عن الرغبة في أن يكونوا عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب، عبروا عن فعل الله بهم ذلك وقال ابن عباس: قولهم مع الشّاهدين معناه اجعلنا من أمة محمد عليه السلام في أن نكون ممن يشهد على الناس). [المحرر الوجيز: 2/235-236]


تفسير قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال: ومكروا يريد تحيلهم في أخذ عيسى للقتل بزعمهم، ويروى أنهم تحيلوا له، وأذكوا عليه العيون حتى دخل هو والحواريون بيتا فأخذوهم فيه، فهذا مكر بني إسرائيل، وجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهوانا في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكرا في قوله ومكر اللّه وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية، وعلى أن عيسى قال للحواريين: من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحدهم- أنا- فكان ذلك، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهوديا جاسوسا على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه البيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب، فهذا معنى قوله: ومكروا ومكر اللّه وهذه أيضا تسمية عقوبة باسم الذنب، والمكر في اللغة، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي، وقوله واللّه خير الماكرين معناه في أنه فاعل في حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل، والله سبحانه أشد بطشا وأنفذ إرادة، فهو خير من جهات لا تحصى، لا إله إلا هو، وذكر حصر عيسى عليه السلام، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى). [المحرر الوجيز: 2/236]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذاباً شديداً في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم واللّه لا يحبّ الظّالمين (57)
قال الطبري: العامل في إذ قوله تعالى ومكر اللّه [آل عمران: 54] وقال غيره من النحاة: العامل فعل مضمر تقديره اذكر.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا هو الأصوب، وهذا القول هو بواسطة الملك لأن عيسى ليس بمكلم، و «عيسى» اسم أعجمي معرف فلذلك لا ينصرف وهو بالسريانية- ايسوع- عدلته العرب إلى «عيسى»، واختلف المفسرون في هذا التوفي، فقال الربيع: هي وفاة نوم، رفعه الله في منامه، وقال الحسن وابن جريج ومطر الوراق ومحمد بن جعفر بن الزبير وجماعة من العلماء: المعنى أني قابضك من الأرض، ومحصنك أني مميتك، هذا لفظ ابن عباس ولم يفسر، فقال وهب بن منبه: توفاه الله بالموت ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم أحياه الله بعد ذلك، عنده في السماء وفي بعض الكتب، سبع ساعات، وقال الفراء: هي وفاة موت ولكن المعنى، إنّي متوفّيك في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، ففي الكلام تقديم وتأخير، وقال مالك في جامع العتبية: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ووقع في كتاب مكي عن قوم: أن معنى متوفّيك متقبل عملك، وهذا ضعيف من جهة اللفظ.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد ويحج البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة، وقيل أربعين سنة، ثم يميته الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فقول ابن عباس رضي الله عنه: هي وفاة موت لا بد أن يتمم، إما على قول وهب بن منبه، وإما على قول الفراء، وقوله تعالى: ورافعك إليّ عبارة عن نقله إلى علو من سفل وقوله إليّ إضافة تشريف لما كانت سماءه والجهة المكرمة المعظمة المرجوة، وإلا فمعلوم أن الله تعالى غير متحيز في جهة، وقوله تعالى: ومطهّرك حقيقة التطهير إنما هي من دنس ونحوه، واستعمل ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة الشرار ومعاشرتهم، تشبيها لذلك كله بالأدناس، فطهر الله العظيم عيسى من دعاوى الكفرة ومعاشرتهم القبيحة له، وقوله تعالى: وجاعل اسم فاعل للاستقبال، وحذف تنوينه تخفيفا، وهو متعد إلى مفعولين، لأنه بمعنى مصيّر فأحدهما الّذين والآخر في قوله: فوق الّذين كفروا وقال ابن زيد: الذين اتبعوه هم النصارى والذين كفروا هم اليهود، والآية مخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فخصص ابن زيد المتبعين والكافرين وجعله حكما دنيويا لا فضيلة فيه للمتبعين الكفار منهم بل كونهم فوق اليهود عقوبة لليهود فقط، وقال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها متبعة لعيسى، نص على ذلك قتادة وغيره، وكذلك قالوا بعموم اللفظ في الكافرين، فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب هم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان وبالعزة والغلبة، ويظهر من قول ابن جريج وغيره أن المراد المتبعون له في وقت استنصاره وهم الحواريون جعلهم الله فوق الكافرين لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكرا، فهم فوقهم بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله، وقوله تعالى ثمّ إليّ مرجعكم الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثمّ إليّ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فأحكم إلى آخر الآية، وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين). [المحرر الوجيز: 2/237-239]

تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: فأمّا الّذين كفروا الآية، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل، وإنما المعنى، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون عذاباً شديداً في الدّنيا بالأسر والقتل والجزية والذل، ولم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع الإسلام طالب له بذلك، وقد أبرز الوجود هذا، وفي الآخرة معناه، بعذاب النار). [المحرر الوجيز: 2/239]

تفسير قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم ذكر قسم الإيمان وقرن به الأعمال الصالحات تنبيها على درجة الكمال ودعاء إليها، وقرأ حفص عن عاصم «فيوفيهم» بالياء على الغيبة، والفعل مسند إلى الله تعالى، وقرأ الباقون وأبوبكر عن عاصم «فنوفيهم» بالنون، وهي نون العظمة، وتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال، وأما نفس دخول الجنة فبرحمة الله وبفضله، وتقدم نظير قوله واللّه لا يحبّ الظّالمين في قوله قبل فإن تولّوا فإنّ اللّه لا يحبّ الكافرين [آل عمران: 32]). [المحرر الوجيز: 2/239]


تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم (58) إنّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون (59) الحقّ من ربّك فلا تكن من الممترين (60) فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنت اللّه على الكاذبين (61)
ذلك رفع بالابتداء والإشارة به إلى ما تقدم من الأنباء، ونتلوه عليك خبر ابتداء وقوله من الآيات لبيان الجنس، ويجوز أن تكون للتبعيض، ويصح أن يكون نتلوه عليك حالا ويكون الخبر في قوله من الآيات وعلى قول الكوفيين يكون قوله نتلوه صلة لذلك، على حد قولهم في بيت ابن مفرغ الحميري:
... ... ... ... = وهذا تحملين طليق
ويكون الخبر في قوله: من الآيات، وقول البصريين في البيت أن تحملين حال التقدير، وهذا محمولا، ونتلوه معناه نسرده، ومن الآيات ظاهره آيات القرآن، ويحتمل أن يريد بقوله من الآيات من المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا تقرأ، ولست ممن أصحب أهل الكتاب، فالمعنى أنها آيات لنبوتك، وهذا الاحتمال إنما يتمكن مع كون نتلوه حالا، والذّكر ما ينزل من عند الله، والحكيم يجوز أن يتأول بمعنى المحكم، فهو فعيل بمعنى مفعول، ويصح أن يتأول بمعنى مصرح بالحكمة، فيكون بناء اسم الفاعل، قال ابن عباس، الذّكر القرآن، والحكيم الذي قد كمل في حكمته). [المحرر الوجيز: 2/239-240]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 07:17 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 07:17 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون (52) ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين (53) ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين (54)}
يقول تعالى: {فلمّا أحسّ عيسى} أي: استشعر منهم التّصميم على الكفر والاستمرار على الضّلال قال: {من أنصاري إلى اللّه} قال مجاهدٌ: أي من يتبعني إلى اللّه؟ وقال سفيان الثّوريّ وغيره: من أنصاري مع اللّه؟ وقول مجاهدٍ أقرب.
والظّاهر أنّه أراد من أنصاري في الدّعوة إلى اللّه؟ كما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في مواسم الحجّ، قبل أن يهاجر: "من رجل يؤويني على [أن] أبلّغ كلام ربّي، فإنّ قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربّي" حتّى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انتدب له طائفةٌ من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه. ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: {قال الحواريّون نحن أنصار اللّه آمنّا باللّه واشهد بأنّا مسلمون. ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين} الحواريّون، قيل: كانوا قصّارين وقيل: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيّادين. والصّحيح أنّ الحواريّ النّاصر، كما ثبت في الصّحيحين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا ندب النّاس يوم الأحزاب، فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم فانتدب الزّبير [ثمّ ندبهم فانتدب الزّبير] فقال: "إنّ لكلّ نبيٍّ حواريًا وحواريي الزّبير"). [تفسير القرآن العظيم: 2/45-46]

تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {فاكتبنا مع الشّاهدين} قال مع أمّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم. وهذا إسنادٌ جيّدٌ). [تفسير القرآن العظيم: 2/46]

تفسير قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى مخبرًا عن [ملأ] بني إسرائيل فيما همّوا به من الفتك بعيسى، عليه السّلام، وإرادته بالسّوء والصّلب، حين تمالؤوا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزّمان، وكان كافرًا، فأنهوا إليه أنّ هاهنا رجلًا يضلّ النّاس ويصدّهم عن طاعة الملك، ويفنّد الرّعايا، ويفرّق بين الأب وابنه إلى غير ذلك ممّا تقلّدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنّه ولد زانيةٍ حتّى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكّل به، فلمّا أحاطوا بمنزله وظنّوا أنّهم قد ظفروا به، نجّاه اللّه من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السّماء، وألقى اللّه شبهه على رجلٍ [ممّن] كان عنده في المنزل، فلمّا دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة اللّيل عيسى، عليه السّلام، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشّوك. وكان هذا من مكر اللّه بهم، فإنّه نجّى نبيّه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنّهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن اللّه في قلوبهم قسوةً وعنادًا للحقّ ملازمًا لهم، وأورثهم ذلّةً لا تفارقهم إلى يوم التّناد؛ ولهذا قال تعالى: {ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين}). [تفسير القرآن العظيم: 2/46]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) }

قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إذ قال اللّه يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم واللّه لا يحبّ الظّالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم (58)}
اختلف المفسّرون في قوله: {إنّي متوفّيك ورافعك إليّ} فقال قتادة وغيره: هذا من المقدّم والمؤخّر، تقديره: إنّي رافعك إليّ ومتوفّيك، يعني بعد ذلك.
وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ: {إنّي متوفّيك} أي: مميتك.
وقال محمّد بن إسحاق، عمن لا يتّهم، عن وهب بن منبّه، قال: توفّاه اللّه ثلاث ساعاتٍ من النّهار حين رفعه اللّه إليه.
قال ابن إسحاق: والنّصارى يزعمون أنّ اللّه توفّاه سبع ساعاتٍ ثمّ أحياه.
وقال إسحاق بن بشرٍ عن إدريس، عن وهبٍ: أماته اللّه ثلاثة أيّامٍ، ثمّ بعثه، ثمّ رفعه.
وقال مطرٌ الورّاق: متوفّيك من الدّنيا وليس بوفاة موتٍ وكذا قال ابن جريرٍ: توفّيه هو رفعه.
وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النّوم، كما قال تعالى: {وهو الّذي يتوفّاكم باللّيل [ويعلم ما جرحتم بالنّهار]} [الأنعام: 60] وقال تعالى: {اللّه يتوفّى الأنفس حين موتها والّتي لم تمت في منامها فيمسك الّتي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمًّى إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون]} [الزّمر: 42] وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول -إذا قام من النّوم-: "الحمد للّه الّذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النّشور"، وقال اللّه تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا. وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه} إلى قوله [تعالى] {وما قتلوه يقينًا. بل رفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزًا حكيمًا. وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} [النّساء: 156 -159] والضّمير في قوله: {قبل موته} عائدٌ على عيسى، عليه السّلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلّا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذٍ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنّه يضع الجزية ولا يقبل إلّا الإسلام.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن عبد الرّحمن، حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، حدّثنا الرّبيع بن أنسٍ، عن الحسن أنّه قال في قوله: {إنّي متوفّيك} يعني وفاة المنام، رفعه اللّه في منامه. قال الحسن: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود: "إنّ عيسى لم يمت، وإنّه راجع إليكم قبل يوم القيامة".
وقوله تعالى: {ومطهّرك من الّذين كفروا} أي: برفعي إيّاك إلى السّماء {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة} وهكذا وقع؛ فإنّ المسيح، عليه السّلام، لمّا رفعه اللّه إلى السّماء تفرّقت أصحابه شيعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه اللّه به على أنّه عبد اللّه ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن اللّه، وآخرون قالوا: هو اللّه. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثةٍ. وقد حكى اللّه مقالاتهم في القرآن، ورد على كلّ فريقٍ، فاستمرّوا كذلك قريبًا من ثلاثمائة سنةٍ، ثمّ نبع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النّصرانيّة، قيل: حيلةٌ ليفسده، فإنّه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلا منه، إلّا أنّه بدل لهم دين المسيح وحرّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -الّتي هي الخيانة الحقيرة-وأحلّ في زمانه لحم الخنزير، وصلّوا له إلى المشرق وصوّروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيّامٍ من أجل ذنبٍ ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلّا أنّه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثني عشر ألف معبدٍ، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتّبعه الطّائفة الملكيّة منهم. وهم في هذا كلّه قاهرون لليهود، أيّدهم اللّه عليهم لأنّهم أقرب إلى الحقّ منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن اللّه.
فلمّا بعث اللّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم، فكان من آمن به يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحقّ -كانوا هم أتباع كل نبيٍّ على وجه الأرض-إذ قد صدّقوا الرّسول النّبيّ الأمّيّ، خاتم الرّسل، وسيّد ولد آدم، الّذي دعاهم إلى التّصديق بجميع الحقّ، فكانوا أولى بكلّ نبيٍّ من أمّته، الّذين يزعمون أنّهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حرّفوا وبدّلوا.
ثمّ لو لم يكن شيءٌ من ذلك لكان قد نسخ اللّه بشريعته شريعة جميع الرّسل بما بعث به محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم من الدّين الحقّ، الّذي لا يغيّر ولا يبدّل إلى قيام السّاعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كلّ دينٍ. فلهذا فتح اللّه لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدّول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل اللّه، كما أخبرهم بذلك نبيّهم عن ربّهم، عزّ وجلّ، في قوله: {وعد اللّه الّذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الّذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنًا} الآية [النّور: 65] ولهذا لمّا كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا سلبوا النّصارى بلاد الشّام وأجلوهم إلى الروم، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينيّة، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصّادق المصدوق أمّته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفيؤون ما فيها من الأموال، ويقتلون الرّوم مقتلة عظيمةً جدًّا، لم ير النّاس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءًا مفردًا. ولهذا قال تعالى: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم} أي: يوم القيامة {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/46-48]


تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النّصارى؛ عذبهم في الدّنيا بالقتل والسّبي وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدّار الآخرة عذابهم أشدّ وأشقّ {وما لهم من اللّه من واقٍ} [الرّعد:34] ). [تفسير القرآن العظيم: 2/48-49]

تفسير قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فيوفّيهم أجورهم} أي: في الدّنيا والآخرة، في الدّنيا بالنّصر والظّفر، وفي الآخرة بالجنّات العاليات {واللّه لا يحبّ الظّالمين} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/49]

تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم} أي: هذا الّذي قصصناه عليك يا محمّد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفيّة أمره، هو ممّا قاله اللّه تعالى، وأوحاه إليك ونزّله عليك من اللّوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شكّ، كما قال تعالى في سورة مريم: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ الّذي فيه يمترون. ما كان للّه أن يتّخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى أمرًا فإنّما يقول له كن فيكون} [مريم: 34-35] وهاهنا قال تعالى). [تفسير القرآن العظيم: 2/49]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:55 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة