العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم الاعتقاد > كتاب الأسماء والصفات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 رمضان 1438هـ/7-06-2017م, 09:41 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي دلالة السنّة النبوية على أسماء الله تعالى وصفاته

دلالة السنّة النبوية على أسماء الله تعالى وصفاته

العناصر:
- الأحاديث والآثار
- البابُ السابعُ: في بيانِ بعضِ ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابنُ عَبْدِكَ... )) مِن الفوائدِ الجليلةِ واللَّطَائِفِ البديعةِ في بابِ الأسماءِ والصِّفَاتِ.(شرح ابن القيم )
- البابُ الثامنُ: في بيانِ مَا دَلَّ عليهِ قولُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) (شرح ابن القيم)



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14 رمضان 1438هـ/8-06-2017م, 10:48 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

الأحاديث والآثار


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14 رمضان 1438هـ/8-06-2017م, 10:49 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

بيانِ بعضِ ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابنُ عَبْدِكَ... )) مِن الفوائدِ الجليلةِ واللَّطَائِفِ البديعةِ في بابِ الأسماءِ والصِّفَاتِ

قال ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت:751هـ) كما في المرتبع الأسنى
: (البابُ السابعُ:
في بيانِ بعضِ ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابنُ عَبْدِكَ... )) مِن الفوائدِ الجليلةِ واللَّطَائِفِ البديعةِ في بابِ الأسماءِ والصِّفَاتِ.

(في المسندِ وصحيحِ أبي حاتمٍ منْ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَا أَصَابَ عَبْداً هَمٌّ وَلا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حَزَنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي ـ إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحَاً. قَالُوا: يا رسولَ اللهِ، أَفَلا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ)) ([1]).
فتضمَّنَ هذا الحديثُ العظيمُ أموراً من المعرفةِ، والتوحيدِ، والعبودِيَّةِ:
ـ منها: أنَّ الداعيَ بهِ صدَّرَ سؤالَهُ بقولِهِ: ((إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ))، وهذا يتناولُ مَنْ فوْقَهُ منْ آبائِهِ وأمَّهاتِهِ إلى أبوَيْهِ آدمَ وحَوَّاءَ، وفي ذلكَ تملُّقٌ لهُ، واستخذاءٌ بينَ يدَيْهِ، واعترافٌ بأنَّهُ مملوكُهُ، وآباؤُهُ مماليكُهُ، وأنَّ العبدَ ليسَ لهُ غيرُ بابِ سيِّدِهِ وفضْلِهِ وإحسانِهِ، وأَنَّ سيِّدَهُ إنْ أهملَهُ وتخلَّى عنهُ هلكَ، ولمْ يُؤْوِهِ أحدٌ، ولمْ يَعْطِفْ عليهِ، بلْ يضيعُ أعظمَ ضيعةٍ. فتَحْتَ هذا الاعترافِ: إنِّي لا غِنَى بي عنكَ طَرْفةَ عينٍ، وليسَ لي مَنْ أعوذُ بهِ وألوذُ بهِ غيرَ سيِّدِي الذي أنا عبدُهُ، وفي ضمنِ ذلكَ الاعترافُ بأنَّهُ مربوبٌ مُدَبَّرٌ مأمورٌ مَنْهِيٌّ، إنَّما يتصرَّفُ بحكمِ العبوديَّةِ، لا بحكمِ الاختيارِ لنفسِهِ؛ فليسَ هذا شأنَ العبدِ، بلْ شأنَ الملوكِ الأحرارِ، وأمَّا العبيدُ فتصرُّفُهم على محضِ العبوديَّةِ؛ فهؤلاءِ عبيدُ الطاعةِ المُضَافُونَ إليهِ سُبحانَهُ في قولِهِ: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] وقولِهِ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]. ومَنْ عدَاهُم عبيدُ القهرِ والربوبيَّةِ؛ فإضافَتُهُم إليهِ كإضافةِ سائرِ البيوتِ إلى مُلْكِهِ، وإضافةِ أولئكَ كإضافةِ البيتِ الحرامِ إليهِ، وإضافةِ نَاقَتِهِ إليهِ، ودَارِهِ التي هيَ الجنَّةُ إليهِ، وإضافةُ عبودِيَّةِ رسولِهِ إليهِ بقولِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23]، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1]، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19].
وفي التحقيقِ بمعنى قولِهِ: ((إِنِّي عَبْدُكَ)) التزامُ عبوديَّتِهِ من الذلِّ، والخضوعِ، والإنابةِ، وامتثالِ أمرِ سيِّدِهِ، واجتنابِ نهْيِهِ، ودوامِ الافتقارِ إليهِ، واللُّجْأِ إليهِ، والاستعانةِ بهِ، والتوكُّلِ عليهِ، وعياذِ العبدِ بهِ، ولياذِهِ بهِ، وأنْ لا يتعلَّقَ قلبُهُ بغيرِهِ محبَّةً وخوفاً ورجاءً.
وفيهِ أيضاً: إنِّي عبدٌ منْ جميعِ الوجوهِ: صغيراً وكبيراً، حيًّا وميِّتاً، مُطِيعاً وعاصياً، مُعَافًى ومُبْتَلًى بالروحِ والقلبِ واللسانِ والجوارحِ.
وفيهِ أيضاً: إنَّ مالي ونفسي ملكٌ لكَ؛ فإنَّ العبدَ وما يملكُ لسيِّدِهِ.
وفيهِ أيضاً: إنَّكَ أنتَ الذي منَنْتَ عَلَيَّ بكلِّ ما أنا فيهِ منْ نعمةٍ، فذلكَ كُلُّهُ منْ إنعامِكَ على عبْدِكَ.
وفيهِ أيضاً: إنِّي لا أتَصَرَّفُ فيما خوَّلْتَنِي منْ مالي ونفسي إلاَّ بأمرِكَ، كما لا يتصَرَّفُ العبدُ إلاَّ بإذنِ سيِّدِهِ، وإنِّي لا أمْلِكُ لنفسي ضرًّا ولا نفعاً ولا مَوْتاً ولا حياةً ولا نُشُوراً.
فإنْ صحَّ لهُ شهودُ ذلكَ، فقدْ قالَ:((إِنِّي عَبْدُكَ)) حقيقةً.
ثمَّ قالَ: ((نَاصِيَتِي بِيَدِكَ))؛ أيْ: أنتَ المتصَرِّفُ فِيَّ تُصَرِّفُني كيفَ تشاءُ، لستُ أنا المتصرِّفَ في نفسي. وكيفَ يكونُ لهُ في نفسِهِ تصَرُّفٌ مَنْ نفْسُهُ بيدِ ربِّهِ وسيِّدِهِ، وناصيَتُهُ بيدِهِ، وقلْبُهُ بينَ إصبعَيْنِ منْ أصابعِهِ، وموتُهُ وحياتُهُ وسعادَتُهُ وشقاوَتُهُ وعافيَتُهُ وبلاؤُهُ كلُّهُ إليهِ سُبحانَهُ، ليسَ إلى العبدِ منهُ شيءٌ، بلْ هوَ في قبضةِ سيِّدِهِ أضعفُ منْ مملوكٍ ضعيفٍ حقيرٍ، ناصيتُهُ بيدِ سلطانٍ قاهرٍ مالكٍ لهُ تحتَ تصرُّفِهِ وقهْرِهِ، بل الأمرُ فوقَ ذلكَ.
ومتى شَهِدَ العبدُ أنَّ ناصيَتَهُ ونواصيَ العبادِ كلَّها، بيدِ اللهِ وحدَهُ، يُصرِّفُهم كيفَ يشاءُ، لمْ يَخَفْهُم بعدَ ذلكَ ولمْ يَرْجُهُم، ولمْ يُنْـزِلْهُم منـزلةَ المالِكِينَ، بلْ منـزلةَ عبيدٍ مقهورينَ مربُوبينَ، المتصرِّفُ فيهم سِوَاهُم، والمُدَبِّرُ لهم غيرُهم.
فمَنْ شَهِدَ نفْسَهُ بهذا المشهدِ صارَ فقْرُهُ وضرورَتُهُ إلى ربِّهِ وصفاً لازماً لهُ، ومتى شهِدَ الناسَ كذَلِكَ لمْ يفتقرْ إليهم، ولمْ يُعَلِّقْ أملَهُ ورجاءَهُ بهم، فاستقامَ توحيدُهُ وتوكُّلُهُ وعبوديَّتُهُ، ولهذا قالَ هودٌ لقومِهِ: { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)} [هود: 56]) ([2]).
* * *
(وقولُهُ: ((مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)) مُتضمِّنٌ لأصليْنِ عظيمَيْنِ عليهما مدارُ التوحيدِ:
- أحدُهما: إثباتُ القدرِ، وأنَّ أحكامَ الربِّ تعالى نافذةٌ في عبدِهِ ماضيَةٌ فيهِ، لا انفكاكَ لهُ عنها، ولا حيلةَ لهُ في دفْعِها.
- والثاني: أنَّهُ ـ سُبحانَهُ ـ عدْلٌ في هذهِ الأحكامِ، غيرُ ظالمٍ لعبدِهِ، بلْ لا يخرجُ فيها عنْ موجَبِ العدلِ والإحسانِ؛ فإنَّ الظلمَ سبَبُهُ حاجةُ الظالمِ، أوْ جهْلُهُ، أوْ سفَهُهُ، فيستحيلُ صُدُورُهُ ممَّنْ هوَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ، ومَنْ هوَ غنيٌّ عنْ كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليهِ، ومَنْ هوَ أحكمُ الحاكمينَ، فلا تخرجُ ذَرَّةٌ منْ مقدُورَاتِهِ عنْ حِكْمَتِهِ وحمْدِهِ، كما لمْ تخرُجْ عنْ قُدْرَتِهِ ومشيئتِهِ، فحِكْمَتُهُ نافذةٌ حيثُ نَفَذَتْ مشيئَتُهُ وقدرتُهُ، ولهذا قالَ نبيُّ اللهِ هودٌ صلَّى اللهُ على نبيِّنا وعليهِ وسلَّمَ، وقدْ خوَّفَهُ قومُهُ بآلهتِهِم: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)} [هود: 54-56]؛ أيْ: معَ كونِهِ سُبحانَهُ آخذاً بنواصي خلْقِهِ وتصريفِهم كما يشاءُ، فهوَ على صراطٍ مستقيمٍ لا يتصَرَّفُ فيهم إلاَّ بالعدلِ والحكمةِ، والإحسانِ والرحمةِ. فقولُهُ: ((مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ))، مُطابقٌ لقولِهِ: {مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}، وقولُهُ: ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)) مُطابقٌ لقولِهِ: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)} ([3]) [وذلكَ] (يتضمَّنُ حمدَهُ وعدْلَهُ، وهوَ سُبحانَهُ لهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ.... [فَـ]مَعَ كونِهِ مالكاً قاهراً، مُتصرِّفاً في عبادِهِ، نَوَاصِيهم بيدِهِ، فهوَ على صراطٍ مستقيمٍ وهوَ العدلُ الذي يتصرَّفُ بهِ فيهم ([فَـ]لا يتصرَّفُ في تلكَ النواصي إلاَّ بالعدلِ والحكمةِ والمصلحةِ والرحمةِ، لا يظْلمُ أصحابَها، ولا يُعاقِبُهم بما لمْ يعمَلُوهُ، ولا يهْضِمُهُم حسناتِ ما عَمِلُوهُ. فهوَ سُبحانَهُ على صراطٍ مستقيمٍ في قولِهِ وفعلِهِ، يقولُ الحقَّ ويفعلُ الخيرَ والرُّشْدَ، وقدْ أخبرَ سُبحانَهُ أنَّهُ على الصراطِ المستقيمِ في سورةِ هودٍ وفي سورةِ النحلِ، فأخبرَ في هودٍ أنَّهُ على صراطٍ مستقيمٍ في تصرُّفِهِ في النواصي التي هيَ في قبضَتِهِ وتحتَ يدِهِ. وأخبرَ في النحلِ أنَّهُ يأمرُ بالعدلِ ويفعَلُهُ) ([4]).
فهوَ على صراطٍ مستقيمٍ في قولِهِ وفعلِهِ وقضائِهِ وقدَرِهِ وأمْرِهِ ونهْيهِ وثوابِهِ وعقابِهِ، فخبرُهُ كلُّهُ صدقٌ، وقضاؤُهُ كلُّهُ عدلٌ، وأمرُهُ كلُّهُ مصلحةٌ، والذي نهى عنهُ كلُّهُ مفسدةٌ، وثوابُهُ لمَنْ يَسْتَحِقُّ الثوابَ بفضلِهِ، ورحمَتُهُ وعقابُهُ لمَنْ يَسْتَحِقُّ العقابَ بعَدْلِهِ وحكمتِهِ.
وفرَّقَ بينَ الحكمِ والقضاءِ، وجعلَ المضَاءَ للحكمِ، والعَدْلَ للقضاءِ؛ فإنَّ حُكْمَهُ سُبحانَهُ يتناولُ حكمَهُ الدينيَّ الشرعيَّ وحكمَهُ الكونيَّ القدريَّ، والنوعانِ نافذانِ في العبدِ ماضيانِ فيهِ، وهوَ مقهورٌ تحتَ الحكمينِ، قدْ مضيا فيهِ، ونَفذَا فيهِ شاءَ أمْ أَبَى، لكنَّ الحكمَ الكونيَّ لا يمكِنُهُ مخالفتُهُ، وأمَّا الدينيُّ الشرعيُّ فقدْ يخالفُهُ.
ولمَّا كانَ القضاءُ هوَ الإتمامَ والإكمالَ، وذلكَ إنَّما يكونُ بعدَ مُضِيِّهِ ونُفُوذِهِ قالَ: ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ))؛ أي: الحكمُ الذي أكمَلْتَهُ وأتممْتَهُ ونفَّذْتَهُ في عبدِكَ عَدْلٌ منكَ فيهِ.
وأمَّا الحكمُ: فهوَ ما يحْكُمُ بهِ سُبحانَهُ، وقدْ يشاءُ تنفيذَهُ، وقدْ لا يُنَفِّذُهُ، فإنْ كانَ حكماً دينيًّا، فهوَ ماضٍ في العبدِ. وإنْ كانَ كونيًّا؛ فإنْ نفَّذَهُ سُبحانَهُ مضى فيهِ، وإنْ لمْ يُنَفِّذْهُ اندفعَ عنهُ، فهوَ سُبحانَهُ يُمْضِي ما يقضي بهِ. وغيرُهُ قدْ يقضي بقضاءٍ، ويُقَدِّرُ أمراً، ولا يستطيعُ تنفيذَهُ، وهوَ سُبحانَهُ يقضي ويُمْضِي، فلَهُ القضاءُ والإمضاءُ.
وقولُهُ: ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ))، يتضمَّنُ جميعَ أقْضِيَتِهِ في عبدِهِ منْ كلِّ الوجوهِ: منْ صِحَّةٍ، وسَقَمٍ، وغنًى، وفقرٍ، ولذَّةٍ، وألمٍ، وحياةٍ، وموتٍ، وعقوبةٍ، وتجاوزٍ، وغيرِ ذلكَ. قالَ تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] وقالَ: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)} [الشورى: 48]. ([5]) [فـ](كلُّ حكمٍ وكلُّ قضيَّةٍ يُنَفِّذُهَا فيهِ هذا الحاكمُ فهيَ عَدْلٌ محضٌ منهُ لا جَوْرَ فيها ولا ظلمَ بوجهٍ من الوجوهِ....
وهذا يعمُّ جميعَ أقضيتِهِ سُبحانَهُ في عبدِهِ؛ قضائِهِ السابقِ فيهِ قبلَ إيجادِهِ، وقضَائِهِ فيهِ المقارنِ لحياتِهِ، وقضَائِهِ فيهِ بعدَ مماتِهِ، وقضَائِهِ فيهِ يومَ معادِهِ، ويتناولُ قضَاءَهُ فيهِ بالذنبِ، وقضَاءَهُ فيهِ بالجزاءِ عليهِ، ومَنْ لمْ يُثْلِجْ صدرَهُ لهذا ويكونَ لهُ كالعلمِ الضروريِّ لمْ يعرفْ ربَّهُ وكمالَهُ، ونفسَهُ وعينَهُ، ولا عدلَ في حكمِهِ، بلْ هوَ جهولٌ ظلومٌ، فلا علمَ ولا إنصافَ)([6]) )([7]).
(فإنْ قيلَ: فالمعصيَةُ عندَكُم بقضَائِهِ وقدَرِهِ، فما وَجْهُ العَدْلِ في قضائِها؛ فإنَّ العَدْلَ في العقوبةِ عليها غيرُ ظاهرٍ؟
قيلَ: هذا سؤالٌ لهُ شأنٌ، ومنْ أجْلِهِ زعمَتْ طائفةٌ أنَّ العَدْلَ هوَ المقدورُ، والظلمَ ممتنعٌ لذَاتِهِ. قالُوا: لأنَّ الظُّلْمَ هوَ التصرُّفُ في ملكِ الغيرِ، واللهُ لهُ كلُّ شيءٍ؛ فلا يكونُ تصرُّفُهُ في خلقِهِ إلاَّ عَدْلاً.
وقالتْ طائفةٌ: بل العَدْلُ أنَّهُ لا يُعاقِبُ على ما قضاهُ وقدَّرَهُ، فلمَّا حَسُنَ منهُ العقوبةُ على الذنبِ عُلِمَ أنَّهُ ليسَ بقضَائِهِ وقدَرِهِ؛ فيكونُ العَدْلُ هوَ جزاءَهُ على الذنبِ بالعقوبةِ والذمِّ؛ إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرةِ.
وصعُبَ على هؤلاءِ الجمعُ بينَ العَدْلِ وبينَ القَدَرِ؛ فزَعَمُوا أنَّ مَنْ أثبتَ القدرَ لمْ يمكِنْهُ أنْ يقولَ بالعَدْلِ، ومَنْ قالَ بالعَدْلِ لمْ يمكنْهُ أنْ يقولَ بالقدرِ. كما صعُبَ عليهم الجمعُ بينَ التوحيدِ وإثباتِ الصِّفَاتِ؛ فزعموا أنَّهُم لا يمكنُهم إثباتُ التوحيدِ إلاَّ بإنكارِ الصِّفَاتِ؛ فصارَ توحيدُهم تعطيلاً، وعَدْلُهم تكذيباً بالقدرِ.
وأمَّا أهلُ السُّنَّةِ: فهمْ مثبتونَ للأمريْنِ، والظلمُ عندَهُم هوَ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِهِ: كتعذيبِ المطيعِ ومَنْ لا ذنبَ لهُ، وهذا قدْ نَـزَّهَ اللهُ نفسَهُ عنهُ في غيرِ موضعٍ منْ كتابِهِ. وهوَ سُبحانَهُ وإنْ أضلَّ مَنْ شاءَ وقضى بالمعصيَةِ والغَيِّ على مَنْ شاءَ، فذلكَ محضُ العَدْلِ فيهِ؛ لأنَّهُ وضعَ الإضلالَ والخِذلانَ في موضعِهِ اللائقِ بهِ) ([8]) [فـ](كلُّ قضائِهِ عَدْلٌ في عبدِهِ، فإنَّهُ وضعٌ لهُ في موضعِهِ الذي لا يحْسُنُ في غيرِهِ. فإنَّهُ وضعَ العقوبةَ ووضعَ القضاءَ بسببِها ومُوجِبِها في موضعِهِ، فإنَّهُ سُبحانَهُ كما يُجَازِي بالعقوبةِ فإنَّهُ يُعاقبُ بنفسِ قضاءِ الذنبِ؛ فيكونُ حُكْمُهُ بالذنبِ عقوبةً على ذنبٍ سابقٍ؛ فإنَّ الذنوبَ تُكْسِبُ بعْضُها بعضاً. وذلكَ الذنبُ السابقُ عقوبةٌ على غفلَتِهِ عنْ ربِّهِ وإعراضِهِ عنْهُ. وتلكَ الغفلةُ والإعراضُ هيَ في أصلِ الجِبِلَّةِ والنشأةِ. فمَنْ أرادَ أنْ يُكملَهُ أقبلَ بقلْبِهِ إليهِ وجَذَبَهُ إليهِ وألهَمَهُ رُشدَهُ وألقى فيهِ أسبابَ الخيرِ، ومَنْ لمْ يُرِدْ أنْ يُكْمِلَهُ تركَهُ وطبعَهُ وخلَّى بينهُ وبينَ نفسِهِ؛ لأنَّهُ لا يصلحُ للتكميلِ وليسَ محلُّهُ أهلاً وقابلاً لما وضَعَ فيهِ من الخيرِ. وها هنا انتهى علمُ العبادِ بالقدرِ.
وأمَّا كونُهُ تعالى جعلَ هذا يصلحُ وأعْطَاهُ ما يصلحُ لهُ، وهذا لا يصلحُ فمنَعَهُ ما لا يصلحُ لهُ، فذاكَ مُوجَبُ ربوبيَّتِهِ وإلهيَّتِهِ وعلمِهِ وحكمتِهِ؛ فإنَّهُ سُبحانَهُ خالقُ الأشياءِ وأضدادِها.
وهذا مُقْتَضَى كمالِهِ وظهورِ أسمائِهِ وصفاتِهِ كما تقدَّمَ تقريرُهُ.
والمقصودُ أنَّهُ أعدلُ العادلينَ في قضائِهِ بالسببِ وقضائِهِ بالمسبَّبِ. فما قضى في عبدِهِ بقضاءٍ إلاَّ وهوَ واقعٌ في محلِّهِ الذي لا يليقُ بهِ غيرُهُ. إذْ هوَ الحَكَمُ العَدْلُ الغنيُّ الحميدُ)([9]).
([فَـ]مِنْ أسمائِهِ الحسنى العَدْلُ، الذي كلُّ أفعالِهِ وأحكامِهِ سدادٌ وصوابٌ وحقٌّ، وهوَ سُبحانَهُ قدْ أوضحَ السبلَ، وأرسلَ الرسلَ، وأنزلَ الكتبَ، وأزاحَ العللَ، ومكَّنَ منْ أسبابِ الهدايَةِ والطاعةِ بالأسماعِ والأبصارِ والعقولِ، وهذا عَدْلُهُ. ووَفَّقَ مَنْ شاءَ بمزيدِ عنايَةٍ، وأرادَ منْ نفْسِهِ أنْ يُعِينَهُ ويُوَفِّقَهُ، فهذا فضلُهُ. وخَذَلَ مَنْ ليسَ بأهلٍ لتوفيقِهِ وفضْلِهِ وخلَّى بينَهُ وبينَ نفسِهِ، ولمْ يُرِدْ سُبحانَهُ منْ نفسِهِ أنْ يوفِّقَهُ، فقطعَ عنهُ فضلَهُ، ولمْ يَحْرِمْهُ عَدْلَهُ.
وهذا نوعانِ:
- أحدُهما: ما يكونُ جزاءً منهُ للعبدِ على إعراضِهِ عنهُ، إيثارُ عدُوِّهِ في الطاعةِ والموافقةُ عليهِ، وتنَاسِي ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ؛ فهوَ أهلُ مَنْ يخذُلُهُ ويتخلَّى عنهُ.
- والثاني: أنْ لا يشاءَ لهُ ذلكَ ابتداءً لما يعْلَمُ منهُ أنَّهُ لا يعرفُ قَدْرَ نعمةٍ لهدايَةٍ ولا يشكُرُهُ عليهِ، ولا يُثْنِي عليهِ بها، ولا يحبُّهُ؛ فلا يشَاؤُها لهُ لعدمِ صلاحيَةِ محلِّهِ؛ قالَ تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)} [الأنعام: 53]، وقالَ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23].
فإذا قضى على هذهِ النفوسِ بالضلالِ والمعصيَةِ كانَ ذلكَ محضَ العَدْلِ؛ كما إذا قضى على الحيَّةِ بأنْ تُقْتَلَ، وعلى العقربِ، وعلى الكلبِ العَقورِ؛ كانَ ذلكَ عَدْلاً فيهِ، وإنْ كانَ مخلوقاً على هذهِ الصفةِ.
وقد استوفَيْنا الكلامَ في هذا في كتابِنا الكبيرِ في القضاءِ والقدرِ. والمقصودُ أنَّ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)) ردٌّ على الطائفتيْنِ:
- القدريَّةُ: الذينَ يُنكرونَ عمومَ أقضيَةِ اللهِ في عبدِهِ، ويُخرجونَ أفعالَ العبادِ عنْ كونِها بقضائِهِ وقدَرِهِ، ويرُدُّونَ القضاءَ إلى الأمرِ والنهيِ.
- وعلى الجَبرِيَّةِ: الذينَ يقولونَ: كلُّ مقدورٍ عَدْلٌ، فلا يبقى لقوْلِـهِ: ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)) فائدةٌ؛ فإنَّ العَدْلَ عندَهم كلُّ ما يمكنُ فعلُهُ، والظلمَ هوَ المحالُ لذاتِهِ، فكأنَّهُ قالَ: ((مَاضٍ وَنَافِذٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ))، وهذا هوَ الأوَّلُ بعينِهِ) ([10]).

[فصلٌ]:
وقولُـهُ: ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَو اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ))، إنْ كانت الروايَةُ محفوظةً هكذا، ففيها إِشْكَالٌ؛ فإنَّهُ جعلَ ما أنزلَهُ في كتابِهِ، أوْ علَّمَهُ أحداً منْ خلْقِهِ، أو استأْثَرَ بهِ في علمِ الغيبِ عندَهُ قَسِيماً لما سَمَّى بهِ نفسَهُ، ومعلومٌ أنَّ هذا تقسيمٌ وتفصيلٌ لما سمَّى بهِ نفسَهُ. فوَجْهُ الكلامِ أنْ يُقَالَ: سمَّيْتَ بهِ نفْسَكَ فأنزَلْتَهُ في كتابِكَ أوْ علَّمْتَهُ أحداً منْ خلقِكَ أو استأثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغيبِ عندَكَ. فإنَّ هذهِ الأقسامَ الثلاثةَ تفصيلٌ لما سَمَّى بهِ نفسَهُ.
وجوابُ هذا الإشكالِ أنَّ (أَوْ) حرفُ عطفٍ، والمعطوفَ بها أخصُّ ممَّا قبلَهُ، فيكونُ منْ بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ فإنَّ ما سمَّى بهِ نفسَهُ يتناولُ جميعَ الأنواعِ المذكورةِ بعدَهُ، فيكونُ عطفُ كلِّ جملةٍ منها منْ بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ.
فإنْ قيلَ: المعهودُ منْ عطفِ الخاصِّ على العامِّ أنْ يكونَ بالواوِ دونَ سائرِ حروفِ العطفِ.
قيلَ: المسوِّغُ لذلكَ في الواوِ هوَ تخصيصُ المعطوفِ بالذكرِ لمرتبتِهِ منْ بينِ الجنسِ واختصاصِهِ بخاصَّةِ غيرِهِ منهُ حتَّى كأنَّهُ غيرُهُ (11)، أوْ إرادةٌ لذكْرِهِ مرَّتَيْنِ باسمِهِ الخاصِّ وباللفظِ العامِّ، وهذا لا فرقَ فيهِ بينَ العطفِ بالواوِ أوْ بـ (أَوْ).
معَ أنَّ في العطفِ بـ (أَوْ) على العامِّ فائدةً أُخْرَى، وهيَ: بناءُ الكلامِ على التقسيمِ والتنويعِ كما بُنِيَ عليهِ تامًّا، فيُقالُ: سمَّيْتَ بهِ نفسَكَ، فإمَّا أنزلْتَهُ في كتابِكَ، وإمَّا علَّمْتَهُ أحداً منْ خلقِكَ.
وقدْ دلَّ الحديثُ على أنَّ أسماءَ اللهِ غيرُ مخلوقةٍ، بلْ هوَ الذي تكلَّمَ بها وسمَّى بها نفسَهُ. ولهذا لمْ يقُلْ: بكلِّ اسمٍ خلقْتَهُ لنفسِكَ. ولوْ كانتْ مخلوقةً لمْ يسْأَلْهُ بها؛ فإنَّ اللهَ لا يُقْسَمُ عليهِ بشيءٍ منْ خلقِهِ. فالحديثُ صريحٌ في أنَّ أسماءَهُ ليستْ منْ فعلِ الآدميِّينَ وتسمياتِهِم.
وأيضاً فإنَّ أسماءَهُ مُشتقَّةٌ منْ صفاتِهِ، وصفاتُهُ قديمةٌ بهِ. فأسماؤُها غيرُ مخلوقةٍ.
فإنْ قيلَ: فالاسمُ عندَكُم هوَ المسمَّى أوْ غيرُهُ؟ قيلَ: طالما غلِطَ الناسُ في ذلكَ وجَهِلُوا الصوابَ فيهِ. فالاسمُ يُرَادُ بهِ المسمَّى تارةً، ويرادُ بهِ اللفظُ الدَّالُّ عليهِ أُخْرَى.
فإذا قُلْتَ: قالَ اللهُ كذا، واستوى اللهُ على عرشِهِ، وسَمِعَ اللهُ ورَأَى وخلَقَ، فهذا المرادُ بهِ المسمَّى نفسُهُ.
وإذا قُلْتَ: اللهُ اسمٌ عربِيٌّ، والرحمنُ اسمٌ عربيٌّ، والرحمنُ منْ أسماءِ اللهِ، والرحمنُ وزْنُهُ فَعْلانُ، والرحمنُ مشتقٌّ من الرحمةِ، ونحوُ ذلكَ، فالاسمُ ها هنا للمُسَمَّى، ولا يُقَالُ غيرُهُ؛ لما في لفظِ الغيرِ من الإجمالِ؛ فإنْ أُرِيدَ بالمغايرةِ أنَّ اللفظَ غيرُ المعنى فحقٌّ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ اللهَ سُبحانَهُ كانَ ولا اسمَ لهُ حتَّى خلقَ لنفْسِهِ اسماً، أوْ حتَّى سمَّاهُ خلقُهُ بأسماءٍ مِنْ صُنْعِهِم، فهذا منْ أعظمِ الضلالِ والإلحادِ، فقولُهُ في الحديثِ: ((سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ))، ولمْ يقُلْ: خلقْتَهُ لنفْسِكَ، ولا قالَ: سمَّاكَ بهِ خلْقُكَ، دليلٌ على أنَّهُ سُبحانَهُ تكلَّمَ بذلكَ الاسمِ وسمَّى بهِ نفسَهُ، كما سمَّى نفسَهُ في كُتُبِهِ التي تكلَّمَ بها حقيقةً بأسمائِهِ.
وقولُهُ: ((أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ)). دليلٌ على أنَّ أسماءَ هُ أكثرُ منْ تسعةٍ وتسعينَ، وأنَّ لهُ أسماءً وصفاتٍ استأثرَ بها في علمِ الغيبِ عندَهُ لا يعلَمُها غيرُهُ.
وعلى هذا فقولُهُ: ((إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))، لا ينفي أنْ يكونَ لهُ غيرُها. والكلامُ جملةٌ واحدةٌ؛ أيْ: لهُ أسماءٌ موصوفةٌ بهذهِ الصفةِ؛ كما يُقالُ: ((لفلانٍ مائةُ عبدٍ أعدَّهُم للتجارةِ. ولَهُ مائةُ فرسٍ أعدَّها للجهادِ))، وهذا قولُ الجمهورِ، وخالَفَهُم ابنُ حزْمٍ؛ فزَعَمَ أنَّ أسماءَهُ تنحصرُ في هذا العددِ.
((وقولُهُ: ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ...)) إلى آخرِهِ، توسُّلٌ إليهِ بأسمائِهِ كُلِّها)) ([12]) ((التي سمَّى بها نفسَهُ ما علِمَ العبادُ منها وما لمْ يعلَمُوا، ومنها ما استأثَرَهُ في علمِ الغيبِ عندَهُ، فلمْ يُطلِعْ عليهِ مَلَكاً مقرَّباً، ولا نبيًّا مُرْسَلاً.
وهذهِ الوسيلةُ أعظمُ الوسائلِ، وأحبُّها إلى اللهِ، وأقربُها تحصيلاً للمطلوبِ)) ([13]) ((فإنَّها وسيلةٌ بصفاتِهِ وأفعالِهِ التي هيَ مدلولُ أسمائِهِ))([14])....
[فَـدَلَّ الحديثُ على أنَّ التوسُّلَ إليهِ سُبحانَهُ بأسمائِهِ وصفاتِهِ أحبُّ إليهِ وأنفعُ للعبدِ من التوسُّلِ إليهِ بمخلوقاتِهِ. وكذلكَ سائرُ الأحاديثِ، كما في حديثِ الاسمِ الأعظمِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ)) ([15]) .
وفي الحديثِ الآخَرِ: ((أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)) ([16]).
وفي الحديثِ الآخَرِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ)) ([17]).
وكلُّها أحاديثُ صِحَاحٌ رَوَاهَا ابنُ حِبَّانَ والإمامُ أحمدُ والحاكمُ. وهذا تحقيقٌ لقولِهِ تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]) ([18]).
* * *
(وقولُهُ: ((أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي)) يجمعُ أصلَيْنِ: الحياةَ والنورَ؛ فإنَّ الربيعَ هوَ المطرُ الذي يُحْيِي الأرضَ فينبتُ الربيعَ. فيسألُ اللهَ بعبوديَّتِهِ وتوحيدِهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ أنْ يجعلَ كتابَهُ الذي جعلَهُ روحاً للعالمينَ نوراً وحياةً لقلبِهِ بمنـزلةِ الماءِ الذي يُحْيِي بهِ الأرضَ، ونُوراً لهُ بمنـزلةِ الشمسِ التي تستنيرُ بها الأرضُ. والحياةُ والنورُ جِماعُ الخيرِ كلِّهِ.
قالَ تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122].
وقالَ تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52].
فأخبرَ أنَّهُ رُوحٌ تحصلُ بهِ الحياةُ، ونورٌ تحصلُ بهِ الهدايَةُ. فأتباعُهُ لهم الحياةُ والهدايَةُ، ومخالِفُوهُ لهم الموتُ والضلالُ.
وقدْ ضربَ سُبحانَهُ المثلَ لأوليائِهِ وأعدائِهِ بهذيْنِ الأصليْنِ في أوَّلِ سورةِ البقرةِ، وفي وسطِ سورةِ النورِ، وفي سورةِ الرعدِ. وهما المثلُ المائِيُّ والمثلُ الناريُّ) ([19]).
(كما جمعَ بينَهما سُبحانَهُ في قولِهِ: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} [الرعد: 17]، وفي قولِهِ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17]، ثمَّ قالَ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] وفي قولِهِ: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} الآياتِ [النور: 35]. ثمَّ قالَ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} الآيَةَ [النور: 43].
فتضمَّنَ الدعاءُ أنْ يُحْيِيَ قلبَهُ بربيعِ القرآنِ، وأنْ يُنَوِّرَ بهِ صدرَهُ؛ فتجتمعَ لهُ الحياةُ والنورُ. قالَ تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122].
ولمَّا كانَ الصدرُ أوسعَ من القلبِ، كانَ النورُ الحاصلُ لهُ يَسْرِي منهُ إلى القلبِ؛ لأنَّهُ قدْ حصلَ ما هوَ أوسعُ منهُ. ولمَّا كانتْ حياةُ البدنِ والجوارحِ كلِّها بحياةِ القلبِ، وتسري الحياةُ منهُ إلى الصدرِ ثمَّ إلى الجوارحِ - سألَ الحياةَ لهُ بالربيعِ الذي هوَ مادَّتُها.
ولمَّا كانَ الحزنُ والهمُّ والغمُّ يُضَادُّ حياةَ القلبِ واستنارَتَهُ - سألَ أنْ يكونَ ذَهابُها بالقرآنِ؛ فإنَّها أحْرَى أنْ لا تعودَ، وأمَّا إذا ذهَبَتْ بغيرِ القرآنِ - منْ صِحَّةٍ أوْ دُنْيَا أوْ جاهٍ أوْ زوجةٍ أوْ ولدٍ - فإنَّها تَعُودُ بذهابِ ذلكَ.
والمكروهُ الواردُ على القلبِ: إنْ كانَ منْ أمرٍ ماضٍ أحدثَ الحزنَ، وإنْ كانَ منْ مستقبلٍ أحدثَ الهمَّ، وإنْ كانَ منْ أمرٍ حاضرٍ أحدثَ الغمَّ. واللهُ أعلمُ) ([20])
* * *
(فقدْ دلَّ هذا الحديثُ الصحيحُ على أشياءَ:
- منها: أنَّهُ استوعبَ أقسامَ المكروهِ الواردةَ على القلبِ. فالهمُّ يكونُ على مكروهٍ يُتَوَقَّعُ في المستقبلِ يهتمُّ بهِ القلبُ. والحزنُ على مكروهٍ ماضٍ منْ فواتِ محبوبٍ أوْ حصولِ مكروهٍ إذا تذكَّرَهُ أحدثَ لهُ حزناً. والغمُّ يكونُ على مكروهٍ حاصلٍ في الحالِ يُوجبُ لصاحبِهِ الغمَّ.
فهذهِ المكروهاتُ هيَ منْ أعظمِ أمراضِ القلبِ وأدْوَائِهِ. وقدْ تنوَّعَ الناسُ في طُرُقِ أدْوِيَتِهَا والخلاصِ منها. وتبايَنَتْ طرقُهم في ذلكَ تبايُناً لا يُحصيهِ إلاَّ اللهُ. بلْ كلُّ أحدٍ يسعى في التخلُّصِ منها بما يظنُّ أوْ يتوهَّمُ أنَّهُ يُخَلِّصُهُ منها.
وأكثرُ الطرقِ والأدويَةِ التي يستعملُها الناسُ في الخلاصِ منها لا يزيدُها إلاَّ شدَّةً. كمَنْ يتدَاوَى منها بالمعاصي على اختلافِها منْ أكبرِ كبائرِها إلى أصغرِها. وكمَنْ يتداوى منها باللَّهْوِ واللعبِ والغناءِ وسماعِ الأصواتِ المطرِبَةِ وغيرِ ذلكَ.
فأكثرُ سعيِ بني آدمَ أوْ كلُّهُ إنَّما هوَ لدفعِ هذهِ الأمورِ والتخلُّصِ منها. وكلُّهُم قدْ أخطأَ الطريقَ إلاَّ مَنْ سعى في إزالتِها بالدواءِ الذي وصفَهُ اللهُ لإزالَتِها؛ وهوَ دواءٌ مُرَكَّبٌ منْ مجموعِ أمورٍ متى نقصَ منها جزءٌ [نقصَ] من الشِّفَاءِ بقدْرِهِ.
وأعظمُ أجزاءِ هذا الدواءِ هوَ التوحيدُ والاستغفارُ؛ قالَ تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمَّد: 19]. وفي الحديثِ: ((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: أُهْلِكُ بَنِي آدَمَ بِالذُّنُوبِ، وَأَهْلَكُونِي بِالاسْتِغْفَارِ وَبِلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ بَثَثْتُ فِيهِمُ الأَهْوَاءَ، فَهُمْ يُذْنِبُونَ وَلا يَتُوبُونَ؛ لأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) ([21]).
ولذلكَ كانَ الدعاءُ المفرِّجُ للكَرْبِ محضَ التوحيدِ، وهوَ ((لا إلهَ إلاَّ اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلاَّ هوَ ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إلهَ إلاَّ هوَ ربُّ السَّماوَاتِ وربُّ الأرضِ ربُّ العرشِ الكريمُ)) ([22])، وفي الترمذيِّ وغيرِهِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ، مَا دَعَاهَا مَكْرُوبٌ إِلاَّ فَرَّجَ اللهُ كَرْبَهُ:لا إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) ([23]).
فالتوحيدُ يُدْخِلُ العبدَ على اللهِ، والاستغفارُ والتوبةُ يرفعُ المانعَ، ويُزِيلُ الحجابَ الذي يحْجُبُ القلبَ عن الوصولِ إليهِ؛ فإذا وصلَ القلبُ إليهِ زالَ عنهُ همُّهُ وغمُّهُ وحُزْنُهُ. وإذا انقطعَ عنهُ حضَرَتْهُ الهمومُ والغمومُ والأحزانُ، وأتَتْهُ منْ كلِّ طريقٍ، ودخَلَتْ عليهِ منْ كلِّ بابٍ.
فلذلكَ صَدَرَ هذا الدعاءُ المُذْهِبُ للْهَمِّ والغمِّ والحزنِ بالاعترافِ لهُ بالعبودِيَّةِ حقًّا منهُ ومنْ آياتِهِ.
ثمَّ أتبعَ ذلكَ باعترافِهِ بأنَّهُ في قبضَتِهِ وملكِهِ وتحتَ تصرُّفِهِ بكونِ ناصيَتِهِ في يدِهِ يُصَرِّفُهُ كيفَ يشاءُ، كما يُقَادُ مَنْ أمسكَ بناصيَتِهِ شديدُ القُوَى لا يستطيعُ إلاَّ الانقيادَ لهُ.
ثمَّ أتبعَ ذلكَ بإقرارِهِ لهُ بنفاذِ حُكْمِهِ فيهِ، وجرَيانِهِ عليهِ شاءَ أمْ أَبَى، وإذا حَكَمَ فيهِ بحكمٍ لمْ يستطعْ غيرُهُ ردَّهُ أبداً. وهذا اعترافٌ لرَبِّهِ بكمالِ القدرةِ عليهِ، واعترافٌ منْ نفسِهِ بغايَةِ العجزِ والضعفِ....
ثمَّ أتبعَ ذلكَ باعترافِهِ بأنَّ كلَّ حُكْمٍ وكلَّ قضيَّةٍ يُنَفِّذُهَا فيهِ... فهيَ عَدْلٌ محضٌ منهُ , لا جَورَ فيها ولا ظلمَ بوَجْهٍ من الوجوهِ) ([24])
(ثمَّ سألَهُ أنْ يجعلَ القرآنَ لِقَلْبِهِ كالرَّبيعِ الذي يَرْتَعُ فيهِ الحيوانُ، وكذلكَ القرآنُ ربيعُ القلوبِ، وأنْ يجعلَهُ شفاءَ هَمِّهِ وغَمِّهِ، فيكونَ لهُ بمنـزلةِ الدواءِ الذي يَسْتَأْصِلُ الداءَ، ويُعيدُ البدنَ إلى صحَّتِهِ واعتدالِهِ، وأنْ يجعلَهُ لحُزْنِهِ كالجِلاءِ الذي يجْلُو الطُّبوعَ والأصدِيَةَ وغيرَها.
فأحْرَى بهذا العلاجِ إذا صَدَقَ العليلُ في استعمالِهِ أنْ يُزِيلَ عنهُ داءَهُ، ويُعْقِبَهُ شفاءً تامًّا، وصِحَّةً وعافيَةً. واللهُ الموفِّقُ) ([25])
).[المرتبع الأسنى: ؟؟]


([1]) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (3712، 4318) وابنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ / بابُ مَا قَالُوا فِي الرَّجُلِ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حَزَنٌ، وابنُ حِبَّانَ (2372) والحاكِمُ (1/509) وأَبُو يَعْلَى (5276) مِن طُرُقٍ عَنْ فُضَيْلِ بنِ مَرْزُوقٍ: حدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الجُهَنِيُّ، عن القاسمِ بنِ عَبْدِ الرحمنِ، عن أبيهِ، عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.
وقد قِيلَ: إِنَّ فِي الحَدِيثِ عِلَّتَيْنِ:
- الأُولَى: جَهَالَةُ أَبِي سَلَمَةَ الجُهَنِيِّ.
- والثانيةُ: إِرسالُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن أبيهِ رَضِيَ اللَّهُ عنه.
● أمَّا العلةُ الأُولَى: فذَكَرَهَا الذَّهَبِيُّ؛ حيثُ قالَ فِي استِدْرَاكِهِ علَى الحَاكِمِ: "وأَبُو سَلَمَةَ لا يُدْرَى مَنْ هُوَ ولا رِوَايَةَ لَهُ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ"، وقالَ في مِيزانِ الاعتدالِ (4/533): "حَدَّثَ عنهُ فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ لا يُدْرَى مَنْ هُوَ".
وتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي لِسَانِ المِيزانِ (8/62) بقولِهِ: "وقَدْ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في الثقاتِ، وأخرجَ حديثَهُ في صحيحِهِ، وأَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وتَعَقَّبَهُ المُؤَلِّفُ - [يَعْنِي الذَّهَبِيَّ] - بما ذَكَرَهُ هُنَا فَقَطْ"، ثم قَالَ: "وَقَرَأْتُ بخَطِّ ابْنِ عَبْدِ الهَادِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُو خَالدَ بنَ سَلَمَةَ. وفيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ خالِدَ بنَ سَلَمَةَ مَخْزُومِيٌّ، وهذا جُهَنِيٌّ. والحقُّ أنه مَجْهُولُ الحَالِ، وابنُ حِبَّانَ يَذْكُرُ أَمْثَالَهُ في الثِّقَاتِ ويُحْتَجُّ به في الصحيحِ إذا كانَ ما رَواهُ ليسَ بمُنكَرٍ" اهـ.
وقد أَجابَ الشيخانِ الفاضِلانِ: أَحمدُ مُحمَّد شاكِر، ومُحمدٌ نَاصِرُ الدينِ الألبانيُّ عن هذه العِلَّةِ بما يُمكِنُ أن يُلخَّصَ في وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ: أن هذه دَعْوَى مِن الحافظِ؛ فكُلُّهُم يَحتجّونَ في توثيقِ الراوِي بذِكْرِ ابنِ حِبَّانَ إياهُ في الثقاتِ إذا لم يَكُنْ مجروحًا بشيءٍ ثابتٍ.
الوجهُ الثاني: أن البُخاريَّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى - تَرْجَمَهُ في الكُنَى برَقْمِ (341) فلَمْ يَذْكُرْ فيه جَرْحًا.
ذَكرَ هذينِ الوجهينِ الشيخُ أحمدُ شاكر في تحقيقِهِ للمُسنَدِ (5/267) ثم قالَ: (وأمَّا ظَنُّ ابنِ عبدِ الهادِي أنه خَالِدُ بنُ سَلَمَةَ فإنَّهُ بعيدٌ كما قالَ الحافظُ.
وأقرَبُ منه عندِي أن يكونَ هو مُوسَى بنَ عَبْدِ اللَّهِ أو ابنَ عَبْدِ الرحمنِ الجُهَنِيَّ، ويُكْنَى: أبا سَلَمَةَ؛ فإنه من هذه الطَّبَقَةِ) اهـ.
قال الألبانيُّ في السلسلةِ الصحيحةِ –في الكلامِ على الحديثِ رقْمِ (199) -: وما استَقْرَبَهُ الشيخُ هو الذي أَجْزِمُ به. بدليلِ ما ذَكَرَهُ مع ضَمِيمةِ شيءٍ آخَرَ وهو:
الوجهُ الثالثُ: أنَّ مُوسَى الجُهَنِيَّ قد رَوَى حديثًا آخَرَ عنِ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ به (وهو حديثُ: ((مَنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي أولِ طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ -حِينَ يَذْكُرُ-: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ…)) الحديثَ).
قالَ: فإذا ضَمَمْتَ إِحْدَى الرِّوَايتيْنِ إلى الأخرَى يَنْتُجُ أنَّ الراوِيَ عنِ القاسمِ هو: موسَى أبو سَلَمَةَ الجُهَنِيُّ، وليسَ في الرواةِ مَنِ اسمُهُ مُوسَى الجُهَنِيُّ إلا مُوسَى بنَ عبدِ اللَّهِ، وهو الذي يُكْنَى بأبِي سَلَمَةَ، وهو ثِقَةٌ مِنْ رِجالِ مُسْلِمٍ.
الوجهُ الرابِعُ: أنَّ الحاكِمَ قالَ في مُسْتَدْرَكِهِ -وكأنَّهُ أشارَ إِلَى هذهِ الحَقِيقَةِ-: صَحِيحٌ على شَرْطِ مُسْلِمٍ…؛ فإنَّ مَعْنَى ذلك أن رَجِالَهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ، ومِنهُم أَبُو سَلَمَةَ الجُهَنِيُّ، ولا يُمْكِنُ أن يَكُونَ كذلك، إلا إذا كانَ هو مُوسَى بنَ عَبْدِ اللَّهِ الجُهَنِيَّ.
قلتُ: وهذا استنباطٌ جَيِّدٌ.
ثم ذَكَرَ حَدِيثًا مِن رِوايَةِ مُوسَى الجُهَنِيِّ عنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ في صَحيحِ مُسلمٍ، قالَ: فهذا مما يُؤَكِّدُ قَوْلَ الحاكِمِ المُتقدِّمَ.
قلتُ: ومما يُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ الشيخانِ -وهو:
الوجهُ الخامِسُ-: ما ذَكَرَهُ الحافظُ المِزِّيُّ في تهذيبِ الكمالِ (7707) قالَ: "مُوسَى بنُ عَبْدِ اللَّهِ ويُقالُ: ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُهَنِيُّ أبُو سَلَمَةَ، ويُقالُ: أبو عبدِ اللَّهِ الكُوفيُّ، رَوَى عن زيدِ بنِ وَهْبٍ الجُهَنِيِّ (ق)، وعامرٍ الشَّعْبِيِّ، وعبدِ الرحمنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، وعَبْدِ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ، وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ، والقاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ (س)، ومُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ (م ت، سي) ونافعٍ مَولَى ابْنِ عُمَرَ (م س) … وذَكَرَ آخَرِينَ.
ثم ذَكرَ تَوثيقَ الأئمةِ لَهُ: يَحْيَى القَطَّانُ، وأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، ويَحْيَى بنُ مَعِينٍ، والعِجْلِيُّ، وأَبو حَاتِمٍ، وغيرُهُمْ، ثُمَّ قالَ: وذكرَهُ ابنُ حِبَّانَ في الثِّقاتِ" اهـ. غيرَ أنَّهُ لم يَذْكُرْ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ فُضَيلَ بْنَ مَرْزُوقٍ، وهذا ليسَ بِلازِمٍ ؛ لأنَّ رِوايَةَ فُضَيْلٍ عنه لَيْسَتْ في الكُتُبِ السِّتَّةِ.
الوجهُ السادسُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا عُرِفَ واشتُهِرَ فإنَّهُ يُكْتَفَى فِي بَعْضِ الرِّوَاياتِ بِلَقَبِهِ أو كُنْيَتِهِ أو اسمِهِ المُفْرَدِ، ما لم يَشْتَبِهْ ذَلِكَ براوٍ آخَرَ هو أَحَقُّ منهُ بتِلْكَ النِّسْبَةِ، وهذا ما لَيْسَ هُنَا.
الوجهُ السابِعُ: أنَّ دَعْوَى أنَّ أبَا سَلَمَةَ راوِيَ الحَدِيثِ غيرُ مُوسَى بنِ عَبْدِ اللَّهِ الجُهَنِيِّ - مع هذا التوافُقِ العَجِيبِ في الكُنْيَةِ والنَّسَبِ والشُّيوخِ والتلاميذِ والبَلَدِ والطَّبَقَةِ- أمرٌ يَحْتَاجُ إلى بُرهانٍ يَسْتَنِدُ إليهِ صَاحِبُهُ، وهذا ما لا يَمْلِكُهُ المُفَرِّقُ.
الوجهُ الثامنُ: أنَّ غايةَ مَا يَسْتَنِدُ إليه أنه لا يَدْرِي ما هو، وإن كانَ لا يَدرِي فغيرُه يَدْرِي، ومَنْ يَدْرِي حُجَّةٌ علَى مَنْ لا يَدْرِي.
الوجهُ التاسعُ: أنَّا لا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ هذِه العِلَّةَ قَبْلَ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى-؛ وتَوافُقُ الأئمةِ الأعلامِ الحَاذِقينَ بهذا العِلْمِ قبلَ الذَّهَبِيِّ كيَحْيَى بنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وأبي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وعَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ، ويَحْيَى بنِ مَعِينٍ، ومحمدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ، وغيرِهِمْ، مع عِلْمِهِمْ بهذا الرجلِ وشيوخِهِ وتلاميذِهِ ورواياتِهِ وتوثيقُهِمْ لَهُ، لَمْ يُنَبِّهْ أحدٌ مِنْهُمْ علَى أن هناكَ مَنْ يُدعَى أبا سَلَمَةَ الجُهَنِيَّ غَيرَ هذا، مع شِدَّةِ عِنايَتِهِمْ بمِثْلِ هذا الأمرِ لو كَانَ.
فهذا وغَيْرُهُ مما يُسْتَدَلُّ به على بُطْلانِ هذهِ العِلَّةِ. واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.
هذا وقد ذَكَرَ الألبانيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى - شاهداً لهذا الحديثِ مِن رِوايَةِ أبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه. فرَاجِعْهُ.
العلةُ الثانيةُ: وهي إرسالُ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ عن أبيهِ، وقد أشارَ إليها الحاكِمُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى - بقولِهِ - عَقِبَ رِوايَتِهِ للحديثِ -: " صَحِيحٌ على شرطِ مُسلمٍ إنْ سَلِمَ مِنْ إرسالِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ عن أبيهِ ؛ فإنه مُخْتَلَفٌ في سماعِهِ مِن أَبِيهِ ".
قال الحافظُ المُنْذِرِيُّ: (لم يَسْلَمْ).
والجوابُ: أن هذه المسألَةَ قد اختلَفَ فيها الأئمةُ على قولينِ إجمالاً:
- القولُ الأولُ: قولُ مَن نَفَى سماعَهُ مِن أبيهِ؛ وهو قولُ شُعْبَةَ ويَحيَى بنِ مَعِينٍ في روايةٍ.
- القولُ الثانِي: قولُ مَنْ أَثْبَتَ سماعَهُ مِن أبيهِ؛ وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ، وشَرِيكٍ، وأبي حَاتِمٍ، والبُخارِيِّ، وإسرائيلَ بنِ يُونُسَ، وروايةُ مُعاويِةَ بنِ صالِحٍ عن يَحْيَى بنِ مَعِينٍ.
وقالَ علِيُّ بنُ المَدِينِيِّ: سَمِعَ مِن أَبِيهِ حَدِيثَيْنِ: حَدِيثَ الضَّبِّ وحَدِيثَ تَأْخيرِ الولِيدِ للصَّلاةِ.
وأخطأَ الحاكِمُ في قولِهِ: "اتَّفَقَ أهلُ الحديثِ أنه لم يَسْمَعْ مِن أبيهِ" اهـ. وتَعَقَّبَهُ الحافِظُ في تَهْذيبِ التهذيبِ بقولِهِ: وهو نَقْلٌ غيرُ مُستَقِيمٍ.
قال الإمامُ أَحْمَدُ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ: ماتَ عبدُ اللَّهِ وعبدُ الرحمنِ ابنُ سِتِّ سِنينَ أو نَحْوِهَا.
قلْتُ: أما الذينَ أَثْبَتُوا سماعَهُ مِن أَبيهِ فاستَدَلُّوا على ذلك بتَصْرِيحِهِ بالسَّماعِ مِن أَبِيهِ، وقد ثَبَتَ لُقِيُّهُ بِهِ، فإذا صَحَّ السَّنَدُ وصَرَّحَ بالسَّماعِ مِن أبيهِ، معَ ثُبوتِ اللُّقِيِّ وإِمكانِ السَّماعِ، لم تَبْقَ بَعْدُ شُبْهَةٌ يَتَمَسَّكُ بها مَن يَنْفِي السَّماعَ إلا صِغَرَ سِنِّهِ.
والصبِيُّ يَصِحُّ سماعُهُ مِن حينِ يُمَيِّزُ ويَعْقِلُ، كما رَوَى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ - في كِتابِ العِلْمِ - عن مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قالَ: عَقَلْتُ مَجَّةً مَجَّهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في وَجْهِي مِن دَلْوٍ وأنا ابنُ خَمْسِ سِنِينَ. وبَوَّبَ لَهُ بَابَ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ.
قالَ الحافظُ في تهذيبِ التهذيبِ: ورَوَى البُخارِيُّ في (التاريخِ الصَّغِيرِ) بإسنادٍ لا بَأْسَ بِهِ عنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيهِ، أنه قالَ: لَمَّا حَضَرَ عبدَ اللَّهِ الوَفَاةُ قالَ له ابنُهُ عبدُ الرحمنِ: يا أبَتِ، أَوْصِنِي. قالَ: ابْكِ مِنْ خَطيئَتِكَ.
ورَوَى في (التاريخِ الكبيرِ) و(الأوسَطِ) مِن طريقِ ابنِ خُثَيْمٍ، عنِ القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ، قالَ: إنِّي مع أَبِي … فذَكَرَ الحديثَ في تأخيرِ الصلاةِ. زادَ في (الأوسطِ): قالَ شُعْبَةُ: (لَمْ يَسْمَعْ مِن أَبِيهِ، وحديثُ ابنِ خُثَيْمٍ أَوْلَى عِندِي) اهـ.
ورَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ (6/453): حديثًا مِن طَرِيقِ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عنه: سَمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ يقولُ: (مُحَرِّمُ الحلالِ كَمُسْتَحِلِّ الحرامِ).
فيَتَرَجَّحُ ثُبوتُ السَّماعِ وانتفاءُ هذه العلةِ لأمورٍ:
الأمرُ الأولُ: كَثْرَةُ الأئمةِ الناقِلينَ لثُبُوتِ سماعِهِ مِن أبِيهِ.
الأمرُ الثانِي: أنَّ لُقِيَّهُ بأَبِيهِ ثَابِتٌ وهو مُمَيِّزٌ عَاقِلٌ.
الأمرُ الثالثُ: أنَّ الذينَ نَفَوْا سَمَاعَهُ مِن أَبِيهِ لَمْ يَذْكُرُوا حُجَّةً على قولِهِمْ.
الأمرُ الرابِعُ: أنَّ هؤلاءِ الأئمةَ لو رَوَوْا حَدِيثًا وخَالَفَهُمْ فيه مَنْ خَالَفَهُمْ في هذه المسألةِ، مع ثِقَتِهِ وجَلالَتِهِ، لم يَجُزْ تَرْكُ روايتِهِمْ لأجلِ مُخالَفَتِهِ لهم؛ وذلك لِكَثْرَتِهِمْ وجَلالَتِهِمْ، وحِفْظِهِم، وإتقانِهِم وتوافُقُهِمْ، معَ جوازِ سَرَيانِ الوَهْمِ والغَلَطِ إلى المُخالفِ، فإذا كان هذا الأمرُ هكذا في مُتونِ الأحاديثِ، فهو في الأسانيدِ أَوْلَى وأَحْرَى.
الأمرُ الخامِسُ: أنَّ إعلالَ الحديثِ بمِثْلِ هذه العلةِ يُمْكِنُ أن يُلْجَأَ إليه فيما لو كَانَ هناكَ مُخالِفٌ له هو أَوْثَقُ منه، فيُلْجَأُ إلى الترجيحِ - إن لم يُمْكِنِ الجمعُ بين الرواياتِ - بمِثْلِ هذه الطُّرُقِ، وهذا الأمرُ مُنْتَفٍ هنا؛ فليسَ له مُخَالِفٌ فيما نَعْلَمُ.
الأمرُ السادسُ: أن هذه العلةَ يُمْكِنُ أَنْ تُقْبَلَ لو كانَ الرَّاوِي مُكثِرًا عن أبيهِ؛ فإنَّ الإكثارَ عنه مع كَوْنِهِ لم يُدْرِكْ مِن حياتِهِ إلا قَدْرًا يسيرًا أَمْرٌ يَدْعُو إلى الاستغرابِ ؛ إذ كيفَ يَتَحَصَّلُ له هذا الكَمُّ الهائلُ مِن الأحاديثِ في هذه المدةِ اليسيرةِ.
وهذا الأمرُ مُنْتَفٍ هنا ؛ فإنه لم يَرْوِ عن أبيهِ إلا أحاديثَ يسيرةً، وهو مُقِلٌّ أَصْلاً من الحديثِ.
الأمرُ السابعُ: أن قولَهُ لأبيهِ عند مَوْتِه: يا أَبَتِ، أَوْصِنِي. يَدُلُّ على نَبَاهَةٍ وعَقْلٍ وحِرصٍ على العلمِ والاستفادةِ؛ إذ لم يَشْغَلْهُ ما حَلَّ بأبيهِ عَنِ العِلْمِ الذي يَطْلُبُهُ.
هذا مع التَّسْلِيمِ بأنَّ أباه مَاتَ وله سِتُّ سِنينَ، مع أنَّهُ لم يَثْبُتْ مِن وَجْهٍ مُتَّصِلٍ - واللَّهُ أعلمُ بحقيقةِ الحالِ - وأنت إذا تَأَمَّلْتَ قولَ ابنِ مسعودٍ لابنِهِ: ابْكِ مِنْ خَطِيئَتِكَ، قد يَتَرَجَّحُ أنَّ ابنَهُ كانَ قَدْ بَلَغَ سِنَّ التَّكليفِ حينَ مَوْتِهِ.
الأمرُ الثامنُ: أن هذا الحديثَ مِنَ الفضائلِ العظيمةِ، وغيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُسْتَبْعَدٍ أن يُلَقِّنَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ لابنِهِ وفَلْذَةِ كَبِدِهِ، كمَا يُلَقِّنُهُ السورةَ من القرآنِ، لا سيما والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ يقولُ: ((يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ)).
الأمرُ التاسِعُ: أنَّ مَتْنَ الحديثِ جَلِيلٌ عَظِيمٌ، لا يُشْبِهُ كلامَ الناسِ، بلْ يَكَادُ يَقْطَعُ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بالحَدِيثِ أنَّهُ خَارِجٌ مِن مِشكاةِ النبُوَّةِ. واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.
وإلى انتفاءِ هذهِ العلةِ وصِحَّةِ الحديثِ ذَهَبَ الشيخانِ الجليلانِ: أَحْمَدُ شاكر، ومُحمدٌ ناصرُ الدينِ الألبانِيُّ.
([2]) الفوائدُ (42-45).
([3]) زادُ المَعادِ (4/206-207).
([4]) شِفاءُ العَليلِ (2/275).
([5]) الفوائدُ (45-46).
([6]) وقالَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى- في كِتابِ الفَوائدِ (140): (والمَقصودُ قَوْلُه: عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، وهذا يَتناوَلُ كُلَّ قضاءٍ يقضيهِ على عَبْدِهِ: من عُقوبةٍ أو أَلمٍ، وسببَ ذلك؛ فهو الذي قَضَى بالسَّبَبِ وقَضَى بالمُسَبَّبِ، وهو عَدْلٌ في هذا القضاءِ. وهذا القضاءُ خَيْرٌ للمؤمِنِ كما قالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلاَّ كانَ خَيْرًا لَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ)) فسَأَلْتُ شَيْخَنَا: هَلْ يَدْخُلُ في ذَلِكَ قَضَاءُ الذَّنْبِ؟ فقالَ: نَعَمْ بشَرْطِهِ فأَجْمَلَ في لَفْظَةِ (بشَرْطِهِ) ما يَتَرَتَّبُ على الذَّنْبِ مِنَ الآثارِ المَحْبُوبَةِ للهِ، مِنَ التوبةِ، والانكسارِ والنَّدَمِ، والخضوعِ والذُّلِّ، والبُكاءِ، وغيرِ ذَلِكَ).
([7]) شفاءُ العَلِيلِ (2/273).
([8]) الفوائد (46-47).
([9]) شِفَاءُ العَلِيلِ (2/276).
([10]) الفوائِدُ (47- 48).
(11) هكذا في الأصلِ؛ ولَعَلَّ الصَّوابَ: واختصاصُهُ بخَاصَّةٍ دُونَ غَيْرِه [أي: مِن أَفرادِ ذلك العامِّ] حتى كأنَّه غَيْرُه [أي ذلكَ العامَّ].
([12]) الفوائدُ (48).
([13]) زَادُ المَعادِ (4/207).
([14]) الفوائدُ (48).
(15) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبُو دَاوُودَ (بَابِ الدُّعَاءِ) وَالنَّسَائِيُّ (بَابِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الذِّكْرِ) وَابْنُ حِبَّانَ (4/276) وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (كِتَابِ الدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ)، كُلُّهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ حَفْصِ ابْنِ أَخِي أَنَسٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (ش: 8/308) وَابْنُ مَاجَهْ (بَابِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ) مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى
(16) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (8/308) وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ (2/468) وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَأَبُو دَاوُودَ (بَابِ الدُّعَاءِ)، وَالتِّرْمِذِيُّ (بَابِ جَامِعِ الدَّعَوَاتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَابْنُ مَاجَهْ (بَابِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى (4/395) وَالْحَاكِمُ: (4/405) وَقَالَ: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ)، وَابْنُ حِبَّانَ (2/272) كُلُّهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(17) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (6/44)، وَأَحْمَدُ (4/264)، وَالنَّسَائِيُّ (3/54)، وَالْحَاكِمُ (1/705)، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا: ابْنُ حِبَّانَ (5/304) مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
([18]) شِفاءُ العَلِيلِ (2/276-278).
([19]) شِفاءُ العليلِ (2/278-279).
([20]) الفوائدُ (48-50).
([21]) رَواهُ أَبُو يَعْلَى في المُسْنَدِ (1/99) (131) قال: حَدَّثَنا مِحْرَزُ بنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنا عُثْمَانُ بنُ مَطَرٍ، حدَّثَنا عبدُ الغَفُورِ، عنْ أَبِي نَضْرَةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عنه، عن رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أنه قالَ: ((عَلَيْكُمْ بِلاَ إِلَهَ إلا اللَّهُ، والاستغفارِ، فأَكْثِرُوا مِنْهُمَا ؛ فإنَّ إِبْلِيسَ قالَ: أَهْلَكْتُ بَنِي آدَمَ بالذُّنُوبِ، وأَهْلَكُونِي بِلاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ والاستغفارِ، فلَمَّا رَأَيْتُ ذلكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالأهواءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنهم مُهْتَدُونَ)). ورَواهُ ابنُ أبِي عَاصِمٍ في السُّنَّةِ (1/9) مِنْ طَرِيقِ الحَسَنِ بنِ بَزَّارٍ، عن مِحْرَزِ بْنِ عَوْنٍ نَحْوَهُ.
إسنادُهُ ضَعِيفٌ جدًّا، قالَ ابنُ كَثِيرٍ بَعْدَ ذِكْرِه للحديثِ في تفسيرِه (1/408): عُثْمَانُ بنُ مَطَرٍ وشيخُهُ ضَعِيفانِ. اهـ.
أما عُثْمَانُ بنُ مَطَرٍ، فقالَ فيه البُخَارِيُّ في التاريخِ الكَبِيرِ (6/253): مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وضَعَّفَهُ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ، وقالَ: لا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. انظُرِ الكَامِلَ فِي ضُعَفاءِ الرِّجالِ (5/163).
وأما عَبْدُ الغَفُورِ فهو أبو الصَّبَاحِ بنُ عَبْدِ العزيزِ الوَاسِطِيُّ، ضَعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ وأبو زُرْعَةَ والنَّسَائِيُّ وابنُ عَدِيٍّ، وقال البُخارِيُّ: تَرَكُوهُ، مُنْكَرُ الحديثِ، وقال ابنُ حِبَّانَ: كانَ مِمَّنْ يَضَعُ الحَدِيثَ. انظُرِ الكامِلَ في ضُعَفَاءِ الرجالِ (5/32)، والكشفَ الحَثِيثَ (1/171)، والضُّعَفاءَ والمَتْرُوكينَ للنَّسائِيِّ (1/70)، والتاريخَ الكَبيرَ (6/137).
([22]) رواهُ الإمامُ أَحْمَدُ (2297، 2344، 2345، 2531، 2537، 2568)، والبُخَارِيُّ في كتابِ الدَّعَوَاتِ/ بابُ الدُّعاءِ عندَ الكَرْبِ (6345، 6346) وكتابِ التوحيدِ / بابُ قولِ اللَّهِ تَعالَى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}، {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)} (7426) وبابُ قولِ اللَّهِ تعالَى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وقولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، ومسلمٌ في كتابِ الذِّكْرِ والدعاءِ / بابُ الدُّعاءِ عِندَ الكَرْبِ (6858)، والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدَّعَواتِ / بابُ مَا جَاءَ فِيمَا يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ (3435)، وابنُ مَاجَهْ في كِتابِ الدُّعاءِ / بابُ الدُّعاءِ عِنْدَ الكَرْبِ (3882)، كُلُّهُمْ مِن طُرُقٍ عن أبي العَالِيَةِ الرَّيَاحِيِّ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَرْفُوعًا، على اختلافٍ في بعضِ الألفاظِ، وأَقْرَبُها إلى ما ذَكَرَهُ الشيخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما رواهُ الإمامُ أَحْمَدُ برَقْمِ (2344).
([23]) رواهُ الإمامُ أَحْمَدُ (1462)، والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدَّعَواتِ / بابُ (82) الحديثُ رَقْمُ (3505) مُخْتَصرًا، والنَّسائِيُّ في كتابِ عَمَلِ اليومِ واللَّيْلَةِ / بابُ ذِكْرِ دَعْوَةِ ذي النُّونِ (10492)، وأَبُو يَعْلَى (1/360) برَقْمِ (768) من طُرُقٍ، عن يُونُسَ بنِ أَبِي إِسْحاقَ، عن إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ، عنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. والحديثُ صَحَّحَهُ الشيخُ أَحْمَدُ شاكر رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى.
([24]) شفاءُ العَلِيلِ (2/271-274).
([25]) زَادُ المَعَادِ (4/207).


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 14 رمضان 1438هـ/8-06-2017م, 10:50 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

بيانِ مَا دَلَّ عليهِ قولُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) ([1])

قال ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت:751هـ) كما في المرتبع الأسنى
: (البابُ الثامنُ:
في بيانِ مَا دَلَّ عليهِ قولُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) ([1])
مِن الفَوائدِ الجَلِيلَةِ فِي بابِ الأسماءِ والصِّفَاتِ:
(قدْ دلَّ هذا الحديثُ العظيمُ القَدْرِ على أمورٍ:
- منها: أنَّهُ يُسْتَعَاذُ بصفاتِ الرَّبِّ تعالى كما يُستعاذُ بذاتِهِ، وكذَلِكَ يُسْتَغَاثُ بصفاتِهِ كما يُستغاثُ بذاتِهِ، كما في الحديثِ: ((يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ)) ([2])، وكذلكَ قولُهُ في الحديثِ الآخرِ: ((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ أَنْ تُضِلَّنِي)) ([3]).
وكذلكَ استعاذَتُهُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ ([4]) وبوَجْهِهِ الكريمِ ([5]) وتعظيمِهِ.
وفي هذا ما يَدُلُّ على أنَّ هذهِ صفاتٌ ثابتةٌ وُجُودِيَّةٌ؛ إذْ لا يُستعاذُ بالعدمِ، وأنَّها قائمةٌ بهِ غيرُ مخلوقةٍ؛ إذْ لا يُستعاذُ بالمخلوقِ. وهوَ احتجاجٌ صحيحٌ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يستعيذُ بمخلوقٍ ولا يستغيثُ بهِ ولا يدلُّ أُمَّتَهُ على ذلكَ.
- ومنها: أنَّ العفوَ منْ صفاتِ الفعلِ القائمةِ بهِ، وفيهِ ردٌّ على مَنْ زَعَمَ أنَّ فِعْلَهُ عينُ مفعولِهِ؛ فإنَّ المفعولَ مخلوقٌ ولا يُستعاذُ بهِ.
- ومنها: أنَّ بعضَ صفاتِهِ وأفعالِهِ سُبحانَهُ أفضلُ مِنْ بعضٍ؛ فإنَّ المُستعاذَ بهِ أفضلُ من المُستعاذِ منهُ، وهذا كما أنَّ صفةَ الرحمةِ أفضلُ منْ صفةِ الغضبِ، ولذلكَ كانَ لها الغلبةُ والسَّبْقُ، ولذلكَ كلامُهُ سُبحانَهُ هوَ صفتُهُ، ومعلومٌ أنَّ كلامَهُ الذي يُثْنِي على نفسِهِ بهِ ويذكرُ فيهِ أوصافَهُ وتوحيدَهُ أفضلُ منْ كلامِهِ الذي يذُمُّ بهِ أعداءَهُ ويذكُرُ أوصافَهُم.
ولهذا كانَتْ سورةُ الإخلاصِ أفضلَ منْ سورةِ تَبَّتْ، وكانتْ تعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ دُونَها، وكانتْ آيَةُ الكرسيِّ أفضلَ آيَةٍ في القرآنِ.
ولا تُصْغِ إلى قولِ مَنْ غَلُظَ حجابُهُ: إنَّ الصِّفَاتِ قديمةٌ، والقديمَ لا يَتَفاضَلُ؛ فإنَّ الأدِلَّةَ السمعيَّةَ والعقليَّةَ تُبْطِلُ قولَهُ.
وقدْ جعلَ سُبحانَهُ ما كانَ من الفضلِ والعطاءِ والخيرِ وأهلِ السعادةِ بيدِهِ اليُمْنَى، وما كانَ من العَدْلِ والقبضِ بيدِهِ الأُخْرَى. ولهذا جعلَ أهلَ السعادةِ في القبضةِ اليُمنى، وأهلَ الشقاوةِ في القبضةِ الأخرى، والمُقْسِطُونَ على منابرَ منْ نورٍ عنْ يمينِهِ، والسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بيمينِهِ، والأرضُ بالأرضِ ([6]).
- ومنها: أنَّ الغضبَ والرضا، والعفوَ والعقوبةَ، لمَّا كانتْ مُتقابِلةً استعاذَ بأحدِهما من الآخرِ، فلمَّا جاءَ إلى الذاتِ المقدَّسةِ التي لا ضدَّ لها ولا مُقابلَ قالَ: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ"، فاستعاذَ بصفةِ الرِّضَى منْ صفةِ الغضبِ، وبفعلِ العفوِ منْ فعلِ العقوبةِ، وبالموصوفِ بهذهِ الصِّفَاتِ والأفعالِ منهُ، وهذا يتضمَّنُ كمالَ الإثباتِ للقدرِ والتوحيدِ بأوجزِ لفظٍ وأخْصَرِهِ؛ فإنَّ الذي يُستعاذُ منهُ من الشرِّ وأسبابِهِ هوَ واقعٌ بقضاءِ الربِّ تعالى وقدَرِهِ، وهوَ المُنْفَرِدُ بخلْقِهِ وتقديرِهِ وتكوينِهِ، فما شاءَ كانَ وما لمْ يشَأْ لمْ يكُنْ، فالمُستعاذُ منهُ إمَّا وصْفُهُ، وإمَّا فعْلُهُ، وإمَّا مفعولُهُ الذي هوَ أَثَرُ فعلِهِ، والمفعولُ ليسَ إليهِ نفعٌ ولا ضرٌّ ولا يضرُّ إلاَّ بإذنِ خالقِهِ كما قالَ تعالى في أعظمِ ما يتضرَّرُ بهِ العبدُ وهوَ السحرُ: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102].
فالذي يُستعاذُ منهُ هوَ بمشيئتِهِ وقضائِهِ وقدَرِهِ، وإعاذَتُهُ منهُ وصرْفُهُ عن المستعيذِ إنَّما هوَ بمشيئَتِهِ أيضاً وقضائِهِ وقدَرِهِ.
فهوَ المُعيذُ منْ قدرِهِ بقدَرِهِ، وممَّا يُصدرُهُ عنْ مشيئَتِهِ وإرادَتِهِ بما يُصْدِرُهُ عنْ مشيئتِهِ وإرادَتِهِ. والجميعُ واقعٌ بإرادَتِهِ الكونيَّةِ القدريَّةِ، فهوَ يُعيذُ مِنْ إرادَتِهِ بإرَادَتِهِ؛ إذ الجميعُ خلقُهُ وقدرُهُ وقضاؤُهُ، فليسَ هناكَ خَلْقٌ لغيرِهِ فيُعيذَ منهُ هوَ، بل المستعاذُ منهُ خلقٌ لهُ، فهوَ الذي يُعيذُ عبدَهُ منْ نفسِهِ بنفْسِهِ، فيُعيذُهُ ممَّا يُريدُهُ بهِ بما يُريدُهُ بهِ.
فليسَ هناكَ أسبابٌ مخلوقةٌ لغيرِهِ يَستعيذُ منها المستعيذُ بهِ كما يَستعيذُ منْ رجلٍ ظلمَهُ وقهرَهُ برجلٍ أقْوَى أوْ نظيرِهِ.
فالمستعاذُ منهُ هوَ الذنوبُ وعقوبتُها، والآلامُ وأسبابُها. والسببُ منْ قضائِهِ، والمُسبَّبُ منْ قضائِهِ. والإعاذةُ بقضائِهِ. فهوَ الذي يُعِيذُ منْ قضائِهِ بقضائِهِ، فلَمْ يُعِذْ إلاَّ بما قدَّرَهُ وشاءَهُ. قدَّرَ الاستعاذةَ منهُ وشاءَها، وقدَّرَ الإعاذةَ وشاءَها. فالجميعُ قضاؤُهُ وقدَرُهُ ومُوجَبُ مشيئتِهِ.
فنَتَجَتْ هذهِ الكلمةُ التي لوْ قالَها غيرُ الرسولِ لبادَرَ المُتكلِّمُ الجاهلُ إلى إنكارِها ورَدِّها: إنَّهُ لا يملِكُ الضرَّ والنفعَ والخلقَ والأمرَ والإعادةَ غيرُكَ، وإنَّ المستعاذَ منهُ هوَ بيدِكَ وتحتَ تصرُّفِكَ ومخلوقٌ منْ خلقِكَ، فما استعَذْتُ إلاَّ بكَ، ولا استعَذْتُ إلاَّ منكَ، وهذا نظيرُ قولِهِ في الحديثِ الآخرِ: ((لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ)) ([7]).
فهُوَ الذي يُنْجِي منْ نفسِهِ بنفسِهِ، ويُعيذُ منْ نفسِهِ بنفسِهِ، وكذلكَ الفرارُ، يَفِرُّ عبدُهُ منهُ إليهِ.
وهذا كُلُّهُ تحقيقٌ للتوحيدِ والقدَرِ، وأنَّهُ لا ربَّ غيرُهُ ولا خالقَ سوَاهُ، ولا يملكُ المخلوقُ لنفسِهِ ولا لغيرِهِ ضرًّا ولا نفعاً ولا موْتاً ولا حياةً ولا نُشُوراً، بل الأمرُ كلُّهُ للهِ ليسَ لأحدٍ سواهُ منهُ شيءٌ، كما قالَ تعالى لأكرمِ خلْقِهِ عليهِ وأحبِّهم إليهِ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمرانَ: 128]، وقالَ جواباً لمَنْ قالَ: هلْ لنا من الأمرِ شيءٌ: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمرانَ: 154]، فالملكُ كلُّهُ لهُ، والأمرُ كلُّهُ لهُ، والحمدُ كلُّهُ لهُ، والشفاعةُ كلُّها لهُ، والخيرُ كلُّهُ في يدَيْهِ، وهذا تحقيقُ تفرُّدِهِ بالربوبيَّةِ والألوهِيَّةِ، فلا إلهَ غيرُهُ، ولا ربَّ سِوَاهُ {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)} [الزمر: 38]، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)} [الأنعام: 17]، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)}[فاطر: 2].
فاسْتَعِذْ بهِ منهُ، وفِرَّ منهُ إليهِ، واجْعَلْ لُجْأَكَ منهُ إليهِ، فالأمرُ كلُّهُ لهُ، لا يملكُ أحدٌ معهُ منهُ شيئاً، فلا يأتي بالحسناتِ إلاَّ هوَ، ولا يذهبُ بالسيِّئاتِ إلاَّ هوَ، ولا تتحرَّكُ ذرَّةٌ فما فوقَها إلاَّ بإذنِهِ، ولا يضُرُّ سُمٌّ ولا سِحْرٌ ولا شيطانٌ ولا حيوانٌ ولا غيرُهُ إلاَّ بإذْنِهِ ومشيئَتِهِ. يُصِيبُ بذلكَ مَنْ يَشاءُ ويصْرِفُهُ عمَّنْ يشاءُ.
فأعْرَفُ الخلقِ بهِ وأقْوَمُهُم بتوحيدِهِ مَنْ قالَ في دُعائِهِ: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)). فليسَ للخَلْقِ مَعاذٌ سِوَاهُ، ولا مُستعاذٌ منهُ إلاَّ وهوَ رَبُّهُ وخالقُهُ ومليكُهُ وتحتَ قهرِهِ وسلطانِهِ.
ثمَّ خَتَمَ الدعاءَ بقولِهِ: ((لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)). اعترافاً بأنَّ شَأْنَهُ وعظمتَهُ ونعوتَ كمالِهِ وصفاتِهِ أعظمُ وأجلُّ منْ أنْ يُحْصِيَهَا أحدٌ من الخلقِ، أوْ يَبْلُغَ أحدٌ حقيقةَ الثناءِ عليهِ غيرُهُ سُبحانَهُ.
فهوَ توحيدٌ في الأسماءِ والصِّفَاتِ والنعوتِ، وذاكَ توحيدٌ في العبودِيَّةِ والتَّأَلُّهِ وإفرَادِهِ تعالى بالخوفِ والرجاءِ والاستعاذةِ، وهذا مُضَادُّ الشركِ، وذاكَ مُضادُّ التعطيلِ.وباللهِ التوفيقُ) ([8])
).[المرتبع الأسنى: ؟؟]


([1]) رواهُ الإمامُ مَالِكٌ في كتابِ القُرآنِ / بابُ ما جاءَ في الدعاءِ، والإمامُ أَحْمَدُ (23791، 25127)، ومُسلِمٌ في كِتابِ الصَّلاةِ / بابُ ما يُقالُ في الركوعِ والسجودِ (1090)، وأبو داودَ في كتابِ الصلاةِ / بابٌ في الدعاءِ في الركوعِ والسجودِ (874)، والنَّسَائِيُّ في كتابِ الطهارةِ / بابُ تَرْكِ الوُضوءِ مِن مَسِّ الرَّجُلِ امرَأَتَهُ بغَيْرِ شَهْوَةٍ (169)، وفي كتابِ التطبيقِ / بابُ نَصْبِ القَدَمينِ في السجودِ (1099)، والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدَّعَوَاتِ / بابُ (76)، وابنُ مَاجَهْ في كتابِ الدُّعاءِ / بابُ ما تَعَوَّذَ منه رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ (3841)، وغيرُهُم مِن حديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.
([2]) رَوَاهُ النَّسائِيُّ في كتابِ عَمَلِ اليومِ والليلةِ / بابُ ما يَقُولُ إذا أَمْسَى (10405) دُونَ قَوْلِهِ: ((يَا بَدِيعَ السَّماوَاتِ والأرضِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ، لا إله إلا أَنْتَ)) ولا قَوْلِهِ: ((وَلاَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ)) من حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
([3]) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (2748)، ومُسلِمٌ في كتابِ الذِّكْرِ والدعاءِ / بابُ التعوُّذِ منْ شَرِّ ما عَمِلَ ومِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ (6837)، وأصلُ الحديثِ عندَ البُخارِيِّ في كتابِ التوحيدِ / بابُ قولِ اللهِ تعالَى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (7383) بدونِ هذه الجملةِ. كلُّهُم من طُرُقٍ، عن حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ، عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُما.
([4]) يُشيرُ إلى الحديثِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في كتابِ الذِّكْرِ والدعاءِ / بابُ التعوُّذِ مِنْ سُوءِ القضاءِ (6817)، والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدعَوَاتِ / بابُ ما جاءَ فيما يَقُولُ إذا نَزَلَ مَنْزِلاً (3437)، وابْنُ مَاجَهْ في كتابِ الطِّبِّ / بابُ الفَزَعِ والأَرَقِ وما يُتَعَوَّذُ مِنْهُ (3547) من حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنتِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللهُ عنها. وفي هذا المَعْنَى أحاديثُ كَثِيرَةٌ في الكتُبِ السِّتَّةِ وغيرِها.
([5]) يُشيرُ إلى الحديثِ الذي رَوَاهُ أبو دَاوُدَ في كتابِ الصلاةِ / بابُ ما يَقُولُهُ الرَّجُلُ عِنْدَ دُخولِهِ المَسْجِدَ (462)، وفي هذا المَعْنَى أحاديثُ أُخَرُ.
([6]) هكذا في الأصلِ.
([7]) جُزءٌ من حديثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وقد رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (18044) ومَوَاضِعَ أُخَرَ، والبُخَارِيُّ في كتابِ الوُضوءِ / بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضوءِ (247)، وكتابِ الدَّعَوَاتِ / بابُ إذا باتَ طَاهِرًا (6311)، وبابُ النومِ على الشِّقِّ الأيمَنِ (6315) وكتابِ التوحيدِ / بابُ قولِهِ: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} (7488).
ومُسْلِمٌ في كتابِ الذِّكْرِ والدُّعَاءِ / بابُ ما يقولُ عند النومِ والمَضْجَعِ (6820)، وأبو دَاوُدَ في كتابِ الأدَبِ / بابُ ما يُقالُ عِنْدَ النومِ (5046)، والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدَّعَوَاتِ / بابُ ما جَاءَ في الدعاءِ إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ (3394)، وابْنُ مَاجَهْ في كتابِ الدُّعاءِ / بابُ ما يَدْعُو بِهِ إذا أَوَى إلى فِراشِهِ (3876).، وقد رُوِيَ الحديثُ من غيرِ طريقِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
([8]) شِفَاءُ العَلِيلِ (2/265-269).
مُلْحَقٌ: [فَإِذَا كانَ] (رِضَاهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِن غَضَبِهِ، وعَفْوُهُ أَحَبَّ إليهِ مِن عُقوبَتِهِ، ورَحْمَتُهُ أَحَبَّ إليه مِن عَذابِهِ، وعَطَاؤُهُ أَحَبَّ إليه من مَنْعِه. [فـ] إِنَّمَا يَقَعُ الغَضَبُ والعُقوبَةُ والمَنْعُ بأَسبابٍ تُناقِضُ مُوجَبَ تلك الصِّفاتِ والأَسماءِ وهو سُبْحَانَهُ كمَا يُحِبُّ أَسماءَهُ وصِفَاتِهِ يُحِبُّ آثارَهَا ومُوجَبَها كما في الحديثِ أنَّهُ: (وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، عَفُوٌّ يُحِبُّ العَفْوَ).
وهو شَكُورٌ يُحِبُّ الشَّاكِرينَ، عَلِيمٌ يُحِبُّ العالِمِينَ، جَوَادٌ يُحِبُّ أهلَ الجُودِ، حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ أَهْلَ الحَياءِ والسَّتْرِ، صَبُورٌ يُحِبٌّ الصابرِينَ، رَحِيمٌ يُحِبُّ الرُّحَمَاءَ، فهو يَكْرَهُ ما يُضَادُّ ذلك، وكذلك كَرِهَ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ والظُّلْمَ والجَهْلَ، لمُضَادَّةِ هذه الأوصافِ لأَوْصَافِ كَمالِهِ المُوافِقَةِ لأَسْمَائِهِ وصفاتِهِ، ولكنْ يُرِيدُهُ سُبْحَانَهُ لاستِلْزَامِهِ ما يُحِبُّهُ ويَرْضَاهُ، فهو مُرادٌ له إِرَادَةَ اللَّوازِمِ المَقْصُودَةِ لغَيْرِهَا: إذ هي مُفْضِيَةٌ إلى ما يُحِبُّ، فإذا حَصَلَ بها ما يُحِبُّهُ وأدَّتْ إلى الغايَةِ المقصودةِ له سُبْحانَهُ لم تَبْقَ مَقْصُودةً لا لِنَفْسِهَا ولا لِغَيْرِها، فتَزُولُ ويَخْلُفُها أَضْدَادُها التي هي أَحَبُّ إليه سُبْحَانَهُ منها، وهي مُوجَبُ أَسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ). شِفاءُ العَلِيلِ (2/243-244).
[وكذلك] (فِعْلُ ما يُحِبُّهُ، والإعانةُ عليه، وجَزَاؤُهُ، وما يَتَرَتَّبُ عليه مِن المَدْحِ والثَّناءِ مِن رَحْمَتِه، وفِعْلُ ما يَكْرَهُهُ وجَزاؤُه، وما يَتَرَتَّبُ عليه مِنَ الذَّمِّ والأَلَمِ والعِقابِ، من غَضَبِهِ، ورَحْمَتُهُ سَابِقَةٌ على غَضَبِهِ غَالِبَةٌ له، وكُلُّ ما كانَ مِن صِفَةِ الرَّحْمَةِ فهو غالِبٌ لِمَا كانَ مِن صِفَةِ الغَضبِ، فإنه سُبْحَانَهُ لا يَكُونُ إلا رَحيمًا، ورَحْمَتُهُ مِن لَوازِمِ ذَاتِهِ كعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحَياتِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وإِحسانِهِ؛ فيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ على خِلافِ ذلك، وليس كذلكَ غَضَبُهُ؛ فإنه لَيْسَ مِن لَوازِمِ ذَاتِهِ، ولا يَكُونُ غَضْبَانَ دَائمًا غَضَبًا لا يُتَصَوَّرُ انفِكَاكُهُ، بلْ يَقُولُ رُسُلُهُ وأَعْلَمُ الخَلْقِ به يَوْمَ القِيامَةِ (إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) ورَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَغَضَبُهُ لَمْ يَسَعْ كُلَّ شَيْءٍ، وهو سُبْحَانَهُ كَتَبَ على نفسِهِ الرَّحْمَةَ، ولَمْ يَكْتُبْ على نَفْسِهِ الغَضَبَ، ووَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا، ولم يَسَعْ كُلَّ شَيْءٍ غَضَبًا وانتِقامًا. فالرَّحْمَةُ وما كانَ بها ولوازِمُها وآثارُها غَالِبَةٌ على الغَضَبِ، وما كانَ منه وآثارُهُ فوُجودُ ما كانَ بالرَّحْمَةِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِن وُجودِ ما كان من لوازمِ الغَضبِ، ولهذا كانتِ الرَّحْمَةُ أَحَبَّ إليه منَ العذابِ، والعفوُ أَحَبَّ إليه مِنَ الانتقامِ). الفوائدُ (182- 183).
([فـ] الرَّبُّ تَعالَى تَسَمَّى بالغَفُورِ الرَّحِيمِ، ولَمْ يَتَسَمَّ بالمُعَذِّبِ ولا بالمُعاقِبِ، بل جَعَلَ العذابَ والعِقابَ في أفعالِه كما قالَ تَعالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} وقالَ تَعالَى: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} وقالَ: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} وقالَ: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} وهذا كثيرٌ في القرآنِ، فإنه سُبْحَانَهُ يَتَمَدَّحُ بالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ والحِلْمِ ويَتَسَمَّى، ولم يَتَمَدَّحْ بِأَنَّهُ المُعاقِبُ ولا الغَضْبَانُ ولا المُعَذِّبُ ولا المُسقمُ [هكذا في الأصل، ولعله تَصْحِيفٌ من المُنْتَقِمِ، فَإنه هو المَعْدُودُ في الأسماءِ الحُسْنَى فِي الحَدِيثِ الذي سَيُشِيرُ إليه المُؤَلِّفُ] إلا في الحديثِ الذي فيه تَعْدِيدُ الأسماءِ الحُسْنَى، ولم يَثْبُتْ، وقد كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ كِتابًا بأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ] شِفاءُ العَلِيلِ (2/223- 224).


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:54 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة